← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو يزيد لها على مقداره. وقيل: فيما تراضياه من مقام أو فراق. [سورة النساء (٤) : آية ٢٥] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) ٢٥- وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: طَوْلًا فضلا وزيادة، أي زيادة فى المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة. فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فلينكح أمة. مِنْ فَتَياتِكُمُ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ أي إن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم فى الإيمان، ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل فى الإيمان من الرجل، وحق المؤمنين ألا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، وترك الاستنكاف منه. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم فى الإيمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه. بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ اشتراط لإذن الموالي فى نكاحهن. وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار. مُحْصَناتٍ عفائف.

стр. 4097

غَيْرَ مُسافِحاتٍ غير مقترفات زنا. وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ الأخلاء فى السر. كأنه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له. فَإِذا أُحْصِنَّ بالتزويج. نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر. مِنَ الْعَذابِ من الحد. ذلِكَ إشارة إلى نكاح الإماء. لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ لمن خاف الإثم الذي تؤدى إليه غلبة الشهوة. وقيل: العنت: الحد، لأنه إذا هويها خشى أن يواقعها فيحد فيتزوجها. وَأَنْ تَصْبِرُوا فى محل الرفع على الابتداء، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ. [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) ٢٦- يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أصله: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكد لإرادة التبيين، والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها فى دينهم لتقتدوا بها. وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم ليتوب عليكم ويكفر لكم. ٢٧- وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً:

стр. 4098

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم. وَيُرِيدُ الفجرة. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ النزوات والأهواء. أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم. [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) ٢٨- يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً: أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً لا يصبر عن الشهوات ولا على مشاق الطاعات. ٢٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً: بِالْباطِلِ بما لم تبحه الشريعة. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً إلا أن تقع تجارة. والاستثناء منقطع. عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ صفة لتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض، وخص التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. والتراضي: رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه فى حال البيع وقت الإيجاب والقبول. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ من كان من جنسكم من المؤمنين. وقيل: أن يقتل الرجل نفسه مع الطيش. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً أي ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم. ٣٠- وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً:

стр. 4099

ذلِكَ إشارة إلى القتل. أي ومن يقدم على قتل الأنفس. عُدْواناً وَظُلْماً لا خطأ ولا اقتصاصا. فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً نجعله يصلى بنار. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً لأن الحكمة تدعو إليه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٣١ الى ٣٢] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) ٣١- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً: كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها، والرسول. نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ نمط ما تستحقونه من العقاب فى كل وقت على صغائركم، ونجعلها كأن لم تكن، لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها، على عقاب السيئات. والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما إما إلى طاعة أو معصية. والتكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة. مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها، بمعنى المكان والمصدر، فيهما. ٣٢- وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ نهى عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له.

стр. 4100

وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد. [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) ٣٣- وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً: وَلِكُلٍّ أي: ولكل قوم. جَعَلْنا مَوالِيَ وراثا. مِمَّا تَرَكَ تبيين لقوله وَلِكُلٍّ. أي: ولكل شىء مما ترك. أي من المال. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع خبره، وهو فَآتُوهُمْ مع الفاء، ويجوز أن يكون منصوبا، أي فآتوهم الذين. ويجوز أن يعطف على قوله الْوالِدانِ ويكون المضمر فى فَآتُوهُمْ للموالى. والمراد بالذين عقدت أيمانكم، أي الذين عقد المتوفى لهم عقدا مقتضاه أن يرثوه إذا مات من غير قرابة، وينصروه إذا احتاج إلى نصرتهم فى مقابل ذلك. فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي فآتوا كل ذى حق حقه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي كان رقيبا على كل شىء، حاضرا معكم، يشهد ما تتصرفون به. ٣٤- الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً: قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون بشئونهن.

стр. 4101

بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بما أعطى الله الرجال من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق. وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي بسبب أنهم هم يكدون ويكدحون لكسب المال الذي ينفقونه. قانِتاتٌ مطيعات بما عليهن للأزواج. حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي حافظات لمواجب الغيب من الفروج، والبيوت، والأموال. وقيل: للأسرار. بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج. أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب. أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على حفظ الغيب. نُشُوزَهُنَّ أي تظهر منهن بوادر العصيان. فَعِظُوهُنَّ بالقول المؤثر. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي اعتزلوهن فى الفراش. وَاضْرِبُوهُنَّ أي وعاقبوهن بضرب خفيف غير مبرح ولا مهين. فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا فلا تطلبوا السبيل التي هى أشد منها بغيا عليهن. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً أي إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن. [سورة النساء (٤) : آية ٣٥] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) ٣٥- وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أصله: شقاقا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظروف على طريق الاتساع.

стр. 4102

حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ رجلا مرضيا يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً أي الحكمان. يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي الزوجين. أي إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك فى وساطتهما. [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) ٣٦- وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأحسنوا بهما إحسانا. وَبِذِي الْقُرْبى أي وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما. وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى الذي قرب جواره، أو النسيب القريب. وَالْجارِ الْجُنُبِ الذي جواره بعيد، أو الأجنبى. وَابْنِ السَّبِيلِ المسافر المنقطع به. وقيل: الضيف. مُخْتالًا تياها جهولا يتكبر عن إكرام أقاربه، وأصحابه، فلا يحتفى بهم ولا يلتفت إليهم. ٣٧- الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدل من قوله فى ختام الآية السابقة مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً ويجوز نصبه على الذم. ويجوز أن يكون رفعا على الذم، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويفعلون، ويصنعون، أحقاء بكل ملامة.

стр. 4103

ويبخلون، أي يبخلون بذات أيديهم. وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي يأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي يخفون نعمة الله، وفضله عليهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا الناس بذلك. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وأعددنا للجاحدين أمثالهم عذابا مؤلما مذلا. [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) ٣٨- وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً: رِئاءَ النَّاسِ للفخار. وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً صاحبا يزين له الشر. فَساءَ قَرِيناً حيث حملهم على البخل والرياء، وكل شر. ٣٩-وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً: وَماذا عَلَيْهِمْ أي وأي تبعة ووبال عليهم فى الإيمان، والإنفاق فى سبيل الله. والمراد الذم والتوبيخ. وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً وعيد. ٤٠- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً: مِثْقالَ ذَرَّةٍ الذرة: النملة الصغيرة، وكل جزء من أجزاء الهباء. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً أي وإن يكن مثقال ذرة حسنة، وإنما أنت ضمير المثقال لكونه مضافا إلى مؤنث.

стр. 4104

يُضاعِفْها يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب فى كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية. وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً أي ويعط صاحبها من عنده على سبيل المتفضل عطاء عظيما، وسماه أَجْراً لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته. [سورة النساء (٤) : الآيات ٤١ الى ٤٣] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) ٤١- فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً: فَكَيْفَ يصنع هؤلاء الكفرة. إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم. وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ المكذبين. شَهِيداً شاهدا. ٤٢- يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرض سواء. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل: الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض، وأنهم لا يكتمون الله حديثا، ولا يكذبون لأنهم إذا كذبوا شهدت عليهم أيديهم، وأرجلهم فلشدة الأمر يتمنون أن تسوى بهم الأرض. ٤٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ

стр. 4105

مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ لا تغشوها، ولا تقوموا إليها، واجتنبوها. وقيل: لا تقربوا مواضعها، وهى المساجد. وَأَنْتُمْ سُكارى قد فعلت الخمر فعلها برؤوسكم. وَلا جُنُباً لم تغتسلوا من الجنابة عن ملامسة النساء أو الإمناء على صورة ما، وهى عطف على قوله وَأَنْتُمْ سُكارى. أي لا تقربوا الصلاة سكارى، ولا جنبا. والجنب يستوى فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر، الذي هو الإجناب. إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء من عامة أحوال المخاطبين، وانتصابه على الحال أي لا تقربوا الصلاة فى حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون عليها، وهى حال السفر. وعبور السبيل عبارة عن السفر. ويجوز ألا يكون حالا، ويكون صفة، أي ولا تقربوا الصلاة جنبا غير عابرى سبيل، أي جنبا مقيمين غير معذورين. ومن فسر الصلاة بمعناها المتعارف كان المعنى: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين حتى تغتسلوا إلا أن تكونوا مسافرين. ومن فسر الصلاة بمعنى مكانها وهو المسجد كان المعنى: لا تقربوا الصلاة جنبا إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه. فَتَيَمَّمُوا اقصدوا. صَعِيداً طَيِّباً ترابا طيبا طاهرا.

стр. 4106

فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ أي بعضه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) ٤٤- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ: أَلَمْ تَرَ من رؤية القلب، وعدى بالحرف إِلَى على معنى: ألم ينته علمك إليهم، أو بمعنى: ألم تنظر إليهم. نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ حظا من علم التوراة، وهم أحبار اليهود. يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية، بعد، وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﵌. وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم. ٤٥- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً: وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم. بِأَعْدائِكُمْ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم على أحوالهم، وما يريدون بكم. وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً أي فثقوا بولايته ونصرته دونهم، أو لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم. ٤٦- مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا: مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي من اليهود. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يميلونه عنها ويزيلونه. غَيْرَ مُسْمَعٍ حال من المخاطب، أي اسمع وأنت غير مسمع، وهو كلام يحتمل وجهين:

стр. 4107

(أ) يحتمل الذم، أي اسمع منا مدعوا عليك بقولهم (لا سمعت) ، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكأنه أصم غير مسمع. (ب) ويحتمل المدح، أي اسمع غير مسمع مكروها، من قولك: أسمع فلان فلانا، إذا سبه وَراعِنا أي راعنا نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا، وقد تكون بمعناها فى لغتهم: راعينا كلمة كانوا يتسابون بها، ويكون المراد السخرية والاستهزاء بمن تخاطب. وهكذا استخدموا كلمة ذات معنيين متضادين كما فى قولهم قبل غَيْرَ مُسْمَعٍ. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ فتلا بها وتحريفا، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون غَيْرَ مُسْمَعٍ مكان: لا سمعت مكروها، وراعِنا مكان: انظرنا. وَانْظُرْنا وقرىء: وأنظرنا، من الإنظار، وهو الإمهال. لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي لكان قولهم ذلك خيرا لهم، إذ الضمير يرجع إلى قوله لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: وَأَقْوَمَ أعدل وأسد. وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه. إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إيمانا قليلا، أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به. [سورة النساء (٤) : آية ٤٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) ٤٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا: أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي نمحو تخطيط صورها. فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي فنجعلها على هيئة أدبارها، وهى الأقفاء مطموسة مثلها.

стр. 4108

وقيل: الطمس، هنا بمعنى القلب والتغيير. والوجوه: رؤوسهم، أي من قبل أن نغير الحال ونكتب عليهم الصغار حيث كانوا أولا. أَوْ نَلْعَنَهُمْ أي الوجوه، إن أريد الوجهاء، أو أصحاب الوجوه. وقد يكون الضمير راجعا إلى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ على طريقة الالتفات. ويكون المعنى: أن نجزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت. أو نطردهم من رحمتنا كما طردنا الذين خالفوا نهينا عن الصيد يوم السبت. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا نافذا لا مرد له. [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) ٤٨- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى لِمَنْ يَشاءُ كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء دون الشرك، على أن يكون المراد بالأول: من لم يتب، وبالثاني: من تاب. ٤٩- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا: الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ اليهود والنصارى، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي إن تزكية الله هى التي يعتد بها لا تزكية غيره، لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يزكى المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به. وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا يظلم إنسان قدره مهما كان ضئيلا. ٥٠- انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً:

стр. 4109

كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فى زعمهم أنهم عند الله أزكياء. وَكَفى بِهِ أي بزعمهم هذا. إِثْماً مُبِيناً من بين سائر آثامهم. [سورة النساء (٤) : الآيات ٥١ الى ٥٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) ٥١- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا: بِالْجِبْتِ بالأصنام وكل ما عبد من دون الله. وَالطَّاغُوتِ والشيطان. وكان حيى بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديان خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة رسول الله ﵌، فقالت لهم قريش: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد ﵌ منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا، فهذا إيمانهم بالجبت، والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا وكان أن أبا سفيان قال لليهود: أنحن أهدى سبيلا أم محمدا ﵌؟ وسألهم كعب عن دينهم، فذكروا له ما يفعلون من ولاية البيت وسقاية الحاج، فقال لهم: أنتم أهدى سبيلا. ٥٢- أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً: أي أولئك الذين خذلهم الله وطردهم من رحمته، ومن يخذله الله ويطرده من رحمته فليس له من ينصره ويحميه من غضب الله. ٥٣- أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أم، منقطعة، أنكر أن يكون لهم نصيب من الملك. فَإِذاً لا يُؤْتُونَ أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم. والنقير: النقرة فى ظهر النواة، وهو مثل فى القلة.

стр. 4110

[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٤ الى ٥٧] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) ٥٤- أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ أي: بل أيحسدون رسول الله ﵌ والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم. فَقَدْ آتَيْنا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة. آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد ﵌، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه. وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً الملك فى آل إبراهيم: ملك يوسف وداود وسليمان. ٥٥- فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً: فَمِنْهُمْ من اليهود. مَنْ آمَنَ بِهِ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم. وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وأنكره مع علمه بصحته. أو من اليهود من آمن برسول الله ﵌، ومنهم من أنكر نبوته. أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر. ٥٦- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً: بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها أبدلناهم إياها. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع. عَزِيزاً لا يمتنع عليه شىء. حَكِيماً لا يعذب الا بعدل من يستحق العذاب. ٥٧- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي

стр. 4111

مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا : ظَلِيلًا صفة مشتقة من لفظ (الظل) لتأكيد معناه. وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا لا حر فيه ولا برد. [سورة النساء (٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) ٥٨- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ الخطاب عام لكل أحد فى كل أمانة. نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ما، إما أن تكون منصوبة بالفعل يَعِظُكُمْ، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف أي نعما يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات، والعدل فى الحكم. ٥٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي أمراء الحق. قيل: هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم فى شىء من أمور الدين فردوه إلى الله ورسوله، أي فيه إلى الكتاب والسنة. ذلِكَ إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة. خَيْرٌ لكم وأصلح. وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وأحسن عاقبة.

стр. 4112

[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) ٦٠- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً: الطَّاغُوتِ كعب بن الأشرف، سماه الله طاغوتا لإفراطه فى الطغيان وعداوة رسول الله ﵌. أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه. أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله ﵌ على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان. فقد روى أن بشرا المنافق خاصم يهوديا، فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﵌ ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﵌، فقضى لليهودى، فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله ﵌ فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد. ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ﵌. فنزلت الآية. ٦١- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً: أي: إذا قيل لهم: أقبلوا على ما أنزل من قرآن وشريعة، وعلى رسوله ﵌ ليبين لكم، رأيت الذين ينافقون يعرضون عنك إعراضا شديدا. ٦٢- فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً: فَكَيْفَ يكون حالهم، وكيف يصنعون. يعنى أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمرا ولا يؤدونه. إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك فى الحكم.

стр. 4113

ثُمَّ جاؤُكَ حين يصابون فيعتذرون إليك. يَحْلِفُونَ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك. إِلَّا إِحْساناً لا إساءة. وَتَوْفِيقاً بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك ففرج عنا بدعائك. وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغنى عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله. وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل، والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به. [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٣ الى ٦٤] أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) ٦٣- أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ لا تعاقبهم لمصلحة استبقائهم. وَعِظْهُمْ ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً بالغ فى وعظهم بالتخفيف والإنذار. والجار والمجرور فِي أَنْفُسِهِمْ متعلق بقوله بَلِيغاً أي قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا. ٦٤- وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ وما أرسلنا رسولا قط. إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ بسبب إذن الله فى طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله.

стр. 4114

وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالتحاكم إلى الطاغوت. جاؤُكَ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا. فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذلك بالإخلاص، وبالغوا فى الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم ومستغفرا. لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً أي ليعلموه توابا، أي تاب عليهم. [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٥ الى ٦٦] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) ٦٥- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً: فَلا وَرَبِّكَ فوربك، ولا، مزيدة. لا يُؤْمِنُونَ جواب القسم. فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ فيما اختلف بينهم واختلط. حَرَجاً ضيقا. مِمَّا قَضَيْتَ أي لا تضيق صدورهم من حكمك. وَيُسَلِّمُوا وينقادوا ويذعنوا لما تأتى به من قضائك، لا يعارضوه بشىء. تَسْلِيماً تأكيد للفعل بمنزلة تكريره. ٦٦- وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بنى إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل. ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ إلا ناس قليل منهم.

стр. 4115

وقرىء (إلا قليلا) بالنصب على أصل الاستثناء، أو على: إلا فعلا قليلا. ما يُوعَظُونَ بِهِ من اتباع رسول الله ﵌، وطاعته، والانقياد لما يراه ويحكم به. لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فى عاجلهم وآجلهم. وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب فيه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٧ الى ٧٠] وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) ٦٧- وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً: وَإِذاً جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت، فقيل: وإذا لو ثبتوا: لَآتَيْناهُمْ جواب وجزاء. أَجْراً عَظِيماً أي عطاء عظيما متفضلا به من عند الله، وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته. ٦٨- وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً: أي وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات لا إفراط ولا تفريط. ٦٩- وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً: وَالصِّدِّيقِينَ الصديقون أفاضل صحابة الأنبياء والذين تقدموا فى تصديقهم، وصدقوا أقوالهم لأفعالهم. وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فيه معنى التعجب. كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا. والرفيق، كالصديق والخليط فى استواء الواحد والجمع فيه. ويجوز أن يكون مفردا، بين به الجنس فى باب التمييز. ٧٠- ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً: ذلِكَ مبتدأ.

стр. 4116

الْفَضْلُ صفته. مِنَ اللَّهِ الخبر. ويجوز أن يكون الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ الخبر. وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بجزاء من أطاعه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) ٧١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً: خُذُوا حِذْرَكُمْ تيقظوا واحترزوا من المخوف، أو احترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم. فَانْفِرُوا أي إذا نفرتم إلى العدو. ثُباتٍ جماعات متفرقة سرية بعد سرية. أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي مجتمعين كوكبة واحدة. ٧٢- وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً: لَمَنْ اللام للابتداء. لَيُبَطِّئَنَّ جواب قسم محذوف، تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن. والقسم وجوابه صلة (من) . والخطاب لعسكر الرسول ﵌. والمبطئون منهم: المنافقون، لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقا. ومعنى لَيُبَطِّئَنَّ ليتثاقلن عن الجهاد. فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ من قتل أو هزيمة. ٧٣- وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً: فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ من فتح أو غنيمة.

стр. 4117

لَيَقُولَنَّ وقرىء (ليقولن) بضم اللام، إعادة الضمير إلى معنى (من) لأن قوله لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فى معنى الجماعة. كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراض بين الفعل لَيَقُولَنَّ وبين مفعوله وهو يا لَيْتَنِي أي: كأن لم تتقدم له معكم مودة، لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم فى الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل فى الباطن. فَأَفُوزَ قرىء: فأفوز، بالرفع عطفا على كُنْتُ مَعَهُمْ لينتظم الكون معهم، والفوز معنى التمني، فيكونا متمنين جميعا. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى: فأنا أفوز فى ذلك الوقت. [سورة النساء (٤) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) ٧٤- فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً: يَشْرُونَ يشترون ويبيعون. فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان لله ورسوله، ويجاهدوا فى سبيل الله حق الجهاد. والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها. والمعنى: إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون. ووعد المقاتل فى سبيل الله، ظافرا أو مظفورا به، إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده فى إعزاز دين الله. ٧٥- وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً:

стр. 4118

وَالْمُسْتَضْعَفِينَ إما أن يكون مجرورا عطفا على سَبِيلِ اللَّهِ أي: فى سبيل الله، وفى خلاص المستضعفين. وإما أن يكون منصوبا على الاختصاص، يعنى: واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين، لأن سبيل الله عام فى كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدى الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة، وصدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولى وناصر، وهو محمد ﵌. [سورة النساء (٤) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) ٧٦- الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً: الطَّاغُوتِ الشيطان. ٧٧- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ أي كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ بالمدينة جبن فريق منهم، لا شكا فى الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت. كَخَشْيَةِ اللَّهِ من إضافة المصدر إلى المفعول. ومحله النصب على الحال من الضمير فى يَخْشَوْنَ أي يخشون الناس مثل خشية الله، أي مشبهين لأهل خشية الله.

стр. 4119

أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي: أو أشد خشية من أهل خشية الله. لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ استزادة فى مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر. وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا تنقصون أدنى شىء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) ٧٨- أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً: يُدْرِكْكُمُ قرىء بالرفع، على حذف الفاء، كأنه قيل: فيدرككم الموت. وقيل: حمل ما يقع موقع أَيْنَما تَكُونُوا وهو: أينما كنتم. ويجوز أن يتصل بقوله وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا تنقصون شيئا مما كتب من آجالكم أينما تكونوا فى ملاحم حروب أو غيرها، ثم ابتدأ قوله يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ والوقف على هذا على أَيْنَما تَكُونُوا. فِي بُرُوجٍ حصون. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي بلية من قحط وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هى من عندك. لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب. ٧٩- ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً:

стр. 4120

ما أَصابَكَ يا إنسان، خطابا عاما. مِنْ حَسَنَةٍ أي من نعمة وإحسان. فَمِنَ اللَّهِ تفضلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا. وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي من بلية ومصيبة. فَمِنْ نَفْسِكَ أي فمن عندك، لأنك السبب فيما اكتسبت يداك. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا أي رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على ذلك، فما ينبغى لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك. [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٠ الى ٨١] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) ٨٠- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فكانت طاعته فى امتثال ما أمر به والانتهاء عما ينهى عنه، طاعة لله. وَمَنْ تَوَلَّى عن الطاعة فأعرض عنه. فَما أَرْسَلْناكَ إلا نذيرا. حَفِيظاً لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم. ٨١- وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا: وَيَقُولُونَ إذا أمرتهم بشىء. طاعَةٌ بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة.

стр. 4121

ويجوز النصب، بمعنى: أطعناك طاعة. بَيَّتَ طائِفَةٌ زورت طائفة وسوت. غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ خلاف ما قلت وأمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون. وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي يثبت فى صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه لا على سبيل الوعيد، أو يكتبه فى جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطائهم يغنى عنهم. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فى شأنهم فإن الله يكفيك معونتهم وينتقم لك منهم إذا قوى الإسلام وعز أنصاره. [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٢ الى ٨٣] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) ٨٢- أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ تدبره: تأمل معانيه وتبصر ما فيه. لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته. ٨٣- وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا: وَإِذا جاءَهُمْ هم ناس من ضعفاء المسلمين. أَذاعُوا بِهِ كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﵌ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أعلنوه. يقال: أذاع السر، وأذاع به.

стр. 4122

وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع، أو لا يذاع. لَعَلِمَهُ لعلم تدبير ما أخبروا به. الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ الذين يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ لبقيتم على الكفر. إِلَّا قَلِيلًا منكم، أو إلا اتباعا قليلا. [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٤ الى ٨٥] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) ٨٤- فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إن أفردوك وتركوك وحدك. لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ وما عليك فى شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم قريش، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبى سفيان فى بدر الصغرى، وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا فى عام مخصب، فرجع بهم. وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً من قريش. وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا تعذيبا. ٨٥- مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً:

стр. 4123

مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً الشفاعة الحسنة هى التي روعى بها حق مسلم، ودفع بها عنه شرا، أو جلب إليه خيرا، وابتغى بها وجه الله. ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت فى أمر جائز، لا فى حد من حدود الله، ولا فى حق من الحقوق. شَفاعَةً سَيِّئَةً ما كان بخلاف الشفاعة الحسنة. مُقِيتاً شهيدا حفيظا. وقيل: مقتدرا. [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٦ الى ٨٧] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧) ٨٦- وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً: بِأَحْسَنَ مِنْها أن تزيد فيها، فإذا قيل لك: السلام عليكم، زدت فقلت: السلام عليكم ورحمة الله. وإذا قيل لك: السلام عليكم ورحمة الله، زدت فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أَوْ رُدُّوها أي كما حييتم. عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شىء من التحية وغيرها. ٨٧- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر للمبتدأ. ويصح أن يكون اعتراضا والخبر لَيَجْمَعَنَّكُمْ والمعنى الله والله ليجمعنكم. إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي ليحشرنكم إليه. وهو قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب. لا رَيْبَ فِيهِ لا شك بل هو حق وصدق. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً لأنه صادق لا يجوز عليه الكذب.

стр. 4124

[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) ٨٨- فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا: فِئَتَيْنِ نصب على الحال. قيل: إن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله ﵌ فى الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم: هم كفار. وقال بعضهم: هم مسلمون. وقيل: كانوا قوما هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله ﵌: إنا على دينك، وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل: هم قوم خرجوا مع رسول الله ﵌ يوم أحد ثم رجعوا. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يسارا. أي ما لكم اختلفتم فى شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين، وما لكم لم تثبتوا القول بكفرهم. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي ردهم فى حكم المشركين كما كانوا. بِما كَسَبُوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول الله ﵌. أو أركسهم فى الكفر، بأن خذلهم حتى أركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا أن تجعلوا من جملة المهتدين. مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضل. ٨٩- وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ

стр. 4125

أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً : فَتَكُونُونَ عطف على تَكْفُرُونَ. ويجوز أن ينصب فى جواب التمني. فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان الظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا فى الحل والحرم. وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً جانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصر فلا تقبلوا منهم. [سورة النساء (٤) : آية ٩٠] إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) ٩٠- إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ استثناء من قوله فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ. ويصلون إلى قوم، أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم، وهو من الانتساب. والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله ﵌ عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمى على ألا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم: بنو بكر بن زيد مناة كانوا فى الصلح. أَوْ جاؤُكُمْ لا يخلو من أن يكون معطوفا على صفة قَوْمٍ كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

стр. 4126

أو على صلة الَّذِينَ كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ضاقت وانقبضت. وهى فى موضع الحال بإضمار (قد) وهم بنو مدلج جاءوا رسول الله ﵌ غير مقاتلين. أَنْ يُقاتِلُوكُمْ عن أن يقاتلوكم، أو كراهة أن يقاتلوكم. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ما كانت مكانفتهم إلا لقذف الله الرعب فى قلوبهم، ولو شاء الله لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فهذا معنى التسلط. فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فان لم يعترضوا لكم. وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد والاستسلام. فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا فما أذن لكم فى أخذهم وقتلهم. [سورة النساء (٤) : آية ٩١] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) ٩١- سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ هم قوم من بنى أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم. كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين. أُرْكِسُوا فِيها قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو. حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ حيث تمكنتم منهم. سُلْطاناً مُبِيناً حجة واضحة لظهور عدوانهم وانكشاف حالهم فى

стр. 4127

الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام، أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم فى قتلهم. [سورة النساء (٤) : آية ٩٢] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) ٩٢- وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله. أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ابتداء غير قصاص. إِلَّا خَطَأً إلا على وجه الخطأ. وهو منصوب على أنه مفعول له، أي ما ينبغى له أن يقتله لعلة من العلل وللخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا، بمعنى: لا يقتله فى حال من الأحوال إلا فى حال الخطأ. ويجوز أن يكون صفة للمصدر: إلا قتلا خطأ. والمعنى: أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فعليه تحرير رقبة. والتحرير: الإعتاق. والرقبة: النسمة. والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة تكون على حكم الإسلام. وقد قيل: لا تجزىء إلا رقبة من صلت وصامت. ولا تجزىء الصغيرة. والعلة فى هذا أنه لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها فى جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة فى كل شىء، يقضى فيها الدين وتنفذ الوصية، وإن لم يكن وارث فهى لبيت المال.

стр. 4128

إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا إلا أن يتصدقوا عليه بالدية، ومعناه العفو. فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي من قوم كفار أهل حرب، وذلك أن رجلا أسلم فى قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ، وليس على عاقلته لأهله شىء، لأنهم كفار محاربون. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من المسلمين. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة، أي لم يملكها ولم يتوصل به إليها. فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فعليه صيام شهرين متتابعين. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ قبولا من الله ورحمة منه، يعنى شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه. [سورة النساء (٤) : الآيات ٩٣ الى ٩٤] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) ٩٣- وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً: وَمَنْ يَقْتُلْ أي قاتل كان. ٩٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً: فَتَبَيَّنُوا أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتخبطوا فيه من غير روية. وقرىء (فتثبتوا) . لَسْتَ مُؤْمِناً وقرىء: مؤمنا، بفتح الميم، اسم مفعول من آمنه، أي لا نؤمنك. وأصله أن مرداس بن نهيك رجلا من أهل فدك، أسلم ولم يسلم من قومه فغزتهم سرية لرسول الله ﵌ كان عليها غالب بن فضالة

стр. 4129

الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه. فأخبروا رسول الله ﵌، فوجد وجدا شديدا، وقال: قتلتموه إرادة ما معه، وقرأ الآية على أسامة. تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا تطلبون الغنيمة التي هى حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله. كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم فى الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام فى المكانة، ولا تقولوا ان تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله. فَتَبَيَّنُوا تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فلا تتهافتوا فى القتل وكونوا محترزين محتاطين فى ذلك. [سورة النساء (٤) : آية ٩٥] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) ٩٥- لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً:

стр. 4130

غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قرىء بالحركات الثلاث: فالرفع، صفة لقوله تعالى الْقاعِدُونَ. والنصب، استثناء منهم، أو حال عنهم. والجر، صفة لقوله تعالى الْمُؤْمِنِينَ. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ جملة موضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين، كأنه قيل: ما لهم يستوون؟ فأجيب بذلك. عَلَى الْقاعِدِينَ غير أولى الضرر، لكون الجملة بيانا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف. دَرَجَةً نصبت لوقوعها موقع المرة من التفضيل، كأنه قيل: فضلهم تفضيلة واحدة. وَكُلًّا وكل فريق من القاعدين، والمجاهدين. وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي المثوبة الحسنى، وهى الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. أَجْراً عَظِيماً نصب على أنه حال عن النكرة التي هى دَرَجاتٍ مقدمة عليها. [سورة النساء (٤) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) ٩٦- دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. دَرَجاتٍ انتصبت على البدل من قوله أجرا. أو لوقوعها موقع المرة من التفضيل. مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً انتصبا بإضمار فعليهما، أي غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. ٩٧- إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً :

стр. 4131

تَوَفَّاهُمُ يجوز أن يكون ماضيا، ومضارعا بمعنى: تتوفاهم. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فى حال ظلمهم أنفسهم. قالُوا الملائكة للمتوفين. فِيمَ كُنْتُمْ فى أي شىء كنتم من أمر دينكم. وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. والمعنى للتوبيخ بأنهم لم يكونوا فى شىء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ اعتذار مما وبخوا به واعتلال بالاستضعاف وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا فى شىء. أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها تبكيت لهم من الملائكة، أي إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله ﵌ كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي مثواهم النار. وَساءَتْ مَصِيراً نصب على التفسير. [سورة النساء (٤) : آية ٩٨] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) ٩٨- إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ استثناء من أهل الوعيد. والمستضعفون هم الذين لا يستطيعون حيلة فى الخروج لفقرهم وعجزهم ولا معرفة لهم بالمسالك. وَالْوِلْدانِ لا يكونون إلا عاجزين فلا يتوجه إليهم وعيده لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا كان العجز متمكنا فى الولدان لا ينفكون عنه كانوا خارجين من جملتهم ضرورة.

стр. 4132

هذا إذا أريد بالولدان الأطفال. ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم فى التكليف. لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً صفة للرجال والنساء، وجاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشىء بعينه. [سورة النساء (٤) : آية ٩٩] فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) ٩٩- فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي لا يستقصى عليهم فى المحاسبة، ويرجى عفو الله عنهم، والله تعالى من شأنه العفو والغفران. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١] وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) ١٠٠- وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً: مُراغَماً مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم. ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرىء (يدركه) بالنصب على إضمار (أن) . فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فقد وجب ثوابه على الله. ١٠١- وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ الضرب فى الأرض: السفر وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبى حنيفة مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن سير الإبل ومشى الأقدام على القصد. فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل.

стр. 4133

إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فالقصر ثابت بنص الكتاب فى حال الخوف خاصة. [سورة النساء (٤) : آية ١٠٢] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) ١٠٢- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. فِيهِمْ الضمير للخائفين. فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الخطاب للرسول ﵌ ويمتد إلى الأئمة بعده، إذ هم نواب عن الرسول ﵌ فى كل عصر. فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم. وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ الضمير إما للمصلين، وإما لغيرهم: فإذا كان الضمير للمصلين كان المراد: يأخذون من السلاح ما لا بشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما. وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه. فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا يعنى غير المصلين. مِنْ وَرائِكُمْ يحرسونكم. وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ. وصفة صلاة الخوف أن يصلى الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين، والأخرى بإزاء العدو. ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتى الأخرى فيصلى بها ركعة ويتم صلاته، ثم تقف بإزاء العدو،

стр. 4134

وتأتى الأولى فتؤدى الركعة بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تحرس، وتأتى الأخرى فتؤدى الركعة بقراءة وتتم صلاتها. فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ فيشدون عليكم شدة واحدة. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ رخص لهم فى وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض. وَخُذُوا حِذْرَكُمْ وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ولما كان الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، نفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين عدوهم، ويخذله، وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم. [سورة النساء (٤) : آية ١٠٣] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) ١٠٣- فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فإذا صليتم فى حال الخوف والقتال. فَاذْكُرُوا اللَّهَ فصلوها. قِياماً مسايفين ومقارعين. وَقُعُوداً جاثمين على الركب مرامين. وَعَلى جُنُوبِكُمْ مثخنين بالجراح. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فاقضوا ما صليتم فى تلك الأحوال التي هى أحوال القلق والانزعاج. إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم، خوف أو أمن.

стр. 4135

وقيل المعنى: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد فى كافة أحوالكم من قيام، وقعود، واضطجاع، فإن أمنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجوء اليه. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فإذا أقمتم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فأتموها. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) ١٠٤- وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً: وَلا تَهِنُوا ولا تضعفوا ولا تتوانوا. فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ فى طلب الكفار بالقتال، والتعرض به لهم. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح، والقتل مختصا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى منهم بالصبر. وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم فى الآخرة. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم. ١٠٥- إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً: بِما أَراكَ اللَّهُ بما عرفك وأوحى به إليك. وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء. يعنى لا تخاصم اليهود لأجل بنى ظفر. ١٠٦- وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به من عقاب اليهود.
следующие страницы →