← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٧ الأرضى والسمائى إن من القرآن سمائيا وأرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض فى الغار. قال هبة اللَّه المفسر: نزل القرآن بين مكة والمدينة، إلا ست آيات نزلت لا فى الأرض ولا فى السماء، يعنى فى الفضاء بين السماء والأرض: ثلاث فى سورة الصافات: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الآيات الثلاث. وواحدة فى الزخرف: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا الآية. والآيتان من آخر سورة البقرة نزلتا ليلة المعراج. وأما ما نزل تحت الأرض فى الغار فسورة المرسلات.

стр. 422

٨ أول ما نزل اختلف فى أول ما نزل من القرآن على أقوال. القول الأول: هو الصحيح: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فعن عائشة قالت، «أول ما بدىء به رسول اللَّه ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، رضى اللَّه عنها، فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول اللَّه، ﷺ : فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قال رسول اللَّه، ﷺ : ما أنا بقارىء، فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت، ما أنا بقارىء، فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول اللَّه، ﷺ ، ترجف بوادره» . وعن عائشة قالت: أول سورة نزلت من القرآن: (اقرأ باسم ربك.) وعن أبى رجاء العطاردى، قال: كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا، عليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة: (اقرأ باسم ربك الذى خلق) قال: هذه أول سورة أنزلت على محمّد ﷺ . وعن مجاهد قال: إن أول ما نزل من القرآن: (اقرأ باسم ربك) و (نون والقلم) . القول الثانى: (يا أيها المدثر) . عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت جابر بن عبد اللَّه: أىّ القرآن أنزل قبل؟ قال: (يا أيها المدثر) قلت: أو (اقرأ باسم ربك) ؟

стр. 423

قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول اللَّه، ﷺ ، قال رسول اللَّه، ﷺ : «إنى جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى، فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وشمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو يعنى جبريل فأخذتنى رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثرونى، فأنزل اللَّه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ» . القول الثالث: سورة الفاتحة. فقد ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت: (اقرأ) وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت، فاتحة الكتاب. وقال ابن حجر: والذى ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول. وعن عمرو بن شرحبيل: «أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال الخديجة: إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء، فقد واللَّه خشيت أن يكون هذا أمرا، فقالت: معاذ اللَّه، ما كان اللَّه ليفعل بك، فو اللَّه إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت. خديجة حديثه له، وقالت: اذهب مع محمّد إلى ورقة، فانطلقا فقصا عليه، فقال: إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى، يا محمّد يا محمّد، فأنطلق هاربا فى الأفق، فقال: لا تفعل إذا أتاك، فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه، يا محمّد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ: وَلَا الضَّالِّينَ» القول الرابع: عن عكرمة والحسن، قالا: أول ما نزل من القرآن، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأول سورة: (اقرأ باسم ربك) . وعن ابن عباس، قال: أول ما نزل جبريل على النبى، ﷺ ، قال: يا محمّد، استعذ ثم قل: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. وعن عائشة قالت: إن أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. والمراد سورة المدثر، فإنه أول ما نزل بعد فترة الوحى، وفى آخرها ذكر الجنة والنار، فلعل آخرها قبل نزول بقية (اقرأ) .

стр. 424

وقال الحسين بن واقد: سمعت علىّ بن الحسين يقول: أول سورة نزلت بمكة: (اقرأ باسم ربك) آخر سورة نزلت بها: (المؤمنون) ويقال: (العنكبوت) وأول سورة نزلت بالمدينة: (ويل للمطففين) وآخر سورة نزلت بها (براءة) ، وأول سورة أعلنها رسول اللَّه، ﷺ ، بمكة (والنجم) . وفى شرح البخارى لابن حجر: اتفقوا على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة، وفى تفسير النسفى عن الواقدى: أن أول سورة نزلت بالمدينة سورة القدر. وعن جابر بن زيد قال: أول ما أنزل اللَّه من القرآن بمكة: (اقرأ باسم ربك) ثم: (ن والقلم) ثم: (يا أيها المزمل) ثم: (يا أيها المدثر) ثم: (الفاتحة) ثم: (تبت يدا أبى لهب) ثم: (إذا الشمس كورت) ثم: (سبح اسم ربك الأعلى) ثم: (والليل إذا يغشى) ثم: (والفجر) ثم: (والضحى) ثم: (ألم نشرح) ثم: (والعصر) ثم: (والعاديات) ثم: (الكوثر) ثم: (ألهاكم) ثم: (أرأيت الذى يكذب) ثم: (الكافرون) ثم: (ألم تر كيف) ثم: (قل أعوذ برب الفلق) ثم: (قل أعوذ برب الناس) ثم: (قل هو) ثم: (والنجم) ثم: (إنا أنزلناه) ثم: (والشمس وضحاها) ثم: (البروج) ثم: (والتين) ثم: (لإيلاف) ثم: (القارعة) ثم: (القيامة) ثم: (ويل لكل همزة) ثم: (والمرسلات) ثم: (ق) ثم: (البلد) ثم: (الطارق) ثم: (اقتربت الساعة) ثم: (ص) ثم: (الأعراف) ثم: (الجن) ثم: (يس) ثم: (الفرقان) ثم: (الملائكة) ثم: (كهيعص) ثم: (طه) ثم: (الواقعة) ثم: (الشعر) ثم: (طس سليمان) ثم: (طسم القصص) ثم: (بنى إسرائيل) ثم التاسعة، يعنى (يونس) ثم: (هود) ثم: (يوسف) ثم: (الحجر) ثم: (الأنعام) ثم: (الصافات) ثم: (لقمان) ثم: (الزمر) ثم: (حم المؤمن) ثم: (حم السجدة) ثم: (حم الزخرف) ثم: (حم الدخان) ثم: (حم الجاثية)

стр. 425

ثم: (حم الأحقاف) ثم: (الذاريات) ثم: (الغاشية) ثم: (الكهف) ثم: (حمعسق) ثم: (تنزيل السجدة) ثم: (الأنبياء) ثم: (النحل) أربعين، وبقيتها بالمدينة، ثم: (إنا أرسلنا نوحا) ثم: (الطور) ثم: (المؤمنون) ثم: (تبارك) ثم: (الحاقة) ثم: (سأل) ثم: (عم يتساءلون) ثم: (والنازعات) ثم: (إذا السماء انفطرت) ثم: (إذا السماء انشقت) ثم: (الروم) ثم: (العنكبوت) ثم: (ويل للمطففين) فذاك ما أنزل بمكة. وأنزل بالمدينة سورة (البقرة) ثم: (آل عمران) ثم: (الأنفال) ثم: (الأحزاب) ثم: (المائدة) ثم: (الممتحنة) ثم: (إذا جاء نصر الله) ثم: (النور) ثم: (الحج) ثم: (المنافقون) ثم: (المجادلة) ثم: (الحجرات) ثم: (التحريم) ثم: (الجمعة) ثم: (التغابن) ثم: (سبح الحواريين) ثم: (الفتح) ثم: (التوبة) ثم: (خاتمة القرآن)

стр. 426

٩ أوائل مخصوصة أول ما نزل فى القتال: عن ابن عباس قال: أول آية نزلت فى القتال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. عن أبى العالية قال: أول آية نزلت فى القتال بالمدينة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ. وقيل: إن أول ما نزل فى القتال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ أول ما نزل فى شأن القتل آية الإسراء: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً الآية. أول ما نزل فى الخمر: عن ابن عمر قال: «نزل فى الخمر ثلاث آيات، فأول شىء: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول اللَّه، دعنا ننتفع بها كما قال اللَّه، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول اللَّه، لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ فقال رسول اللَّه، ﷺ : حرمت الخمر» . أول آية نزلت فى الأطعمة بمكة آية الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ثم آية النحل: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً إلى آخرها. وبالمدينة آية البقرة: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الآية، ثم المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية. أول سورة نزلت فيها سجدة: النجم: عن مجاهد فى قوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قال: هى أول ما أنزل اللَّه من سورة براءة. عن أبى الضحى، قال: أول ما نزل من براءة: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ثم نزل أولها، ثم نزل آخرها. عن سعيد بن جبير، قال: أول ما نزل من آل عمران: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ثم أنزلت بقيتها ي وم أحد.

стр. 427

١٠ آخر ما نزل عن البراء بن عازب، قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وآخر سورة نزلت، براءة. عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت آية الربا، والمراد بها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. عن عمر: من آخر ما نزل آية الربا. عن أبى سعيد الخدرى، قال: خطبنا عمر فقال: إن من آخر القرآن نزولا آية الربا. عن ابن عباس، قال: آخر شىء نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ الآية. وكان بين نزولها وبين موت النبى ﷺ أحد وثمانون يوما. وقيل: عاش النبى ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين. عن سعيد بن المسيب أنه بلغه، أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين. وقال البراء: آخر ما نزل: (يستفتونك) أى فى شأن الفرائض. عن أبىّ بن كعب قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة. عن أبىّ أنهم جمعوا القرآن فى خلافة أبى بكر، وكان رجال يكتبون، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال لهم أبىّ بن كعب: إن رسول اللَّه، ﷺ ، أقرأنى بعدها آيتين: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى (م ٣- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 428

قوله: وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وقال: هذا آخر ما نزل من القرآن. عن أبىّ أيضا، قال: آخر القرآن عهدا باللَّه هاتان الآيتان: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. وعن ابن عباس، قال: آخر سورة نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وعن عائشة قالت: آخر سورة نزلت المائدة، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه. وعن عبد اللَّه بن عمرو، قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة، والفتح. يعنى: (إذا جاء نصر الله) . وفى حديث عثمان: براءة من آخر القرآن نزولا. عن معاوية بن أبى سفيان أنه تلا هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية. وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن كثير: ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها، بل هى مثبتة محكمة. يزكى هذا ما جاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ هى آخر ما نزل، وما نسخها شىء، وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ إلى آخرها. قلت: وذلك أنها قالت: يا رسول اللَّه، أرى اللَّه يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ونزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ونزلت هذه الآية، فهى آخر الثلاث نزولا، أو آخر ما نزل بعد ما كان فى الرجال خاصة. وعن أنس قال: قال رسول اللَّه، ﷺ ، «من فارق الدنيا على الإخلاص للَّه وحده، وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها واللَّه عنه راض» . قال أنس: وتصديق ذلك فى كتاب اللَّه فى آخر ما نزل: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ الآية. يعنى فى آخر سورة نزلت.

стр. 429

١١ سبب النزول نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء. وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال. وفى هذا النوع مسائل: المسألة الأولى: أن له فوائد. منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. ومنها، تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب. ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعىّ وإخراجها بالاجتهاد ممنوع. ومنها: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال، فإنه لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. فبيان سبب النزول طريق قوىّ فى فهم معانى القرآن. كما أنه يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. وقد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية، وقال: لئن كان كل امرى ءفرح بما أوتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون، حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت فى أهل الكتاب، حين سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه. وحكى عن عثمان بن مظعون، وعمرو بن معدى كرب. أنهما كانا يقولان: الخمر

стр. 430

مباحة، ويحتجان بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا الآية، ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك، وهو أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر: كيف يمن قتلوا فى سبيل اللَّه وماتوا وكانوا يشربون الخمر، وهى رجس؟ فنزلت. ومن ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد بين ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية التى فى سورة البقرة فى عده النساء، قالوا: قد بقى عدد من النساء لم يذكرن الصغار والكبار، فنزلت فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن فى العدّة، وارتاب، هل عليهن عدّة أو لا؟ وهل عدتهن كاللاتى فى سورة البقرة أو لا؟ فمعنى: إِنِ ارْتَبْتُمْ إن أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدون، فهذا حكمهن. ومن ذلك قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلّى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع، فلما عرف سبب نزولها علم أنها فى نافلة السفر، أو فمن صلّى بالاجتهاد وبان له الخطأ، على اختلاف الروايات فى ذلك. ومن ذلك قوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، فإن ظاهر لفظها لا يقتضى أن السعى فرض، وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسكا بذلك، وقد ردت عائشة على عروة فى فهمه ذلك بسبب نزولها، وهو أن الصحابة تأثموا من السعى بينهما، لأنه من عمل الجاهلية، فنزلت. ومنها: دفع توهم الحصر. قال الشافعى ما معناه فى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية، إن الكفار لما حرّموا ما أحل اللَّه، وأحلوا ما حرّم اللَّه، وكانوا على المضادة والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرّمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول لا آكل اليوم إلا حلاوة، والغرض المضادة لا النفى والإثبات على

стр. 431

الحقيقة، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللَّه به، ولم يقص حلّ ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحلّ ومنها: معرفة اسم النازل فيه الآية، وتعيين المبهم فيها، ولقد قال مروان فى عبد الرحمن بن أبى بكر: إنه الذى أنزل فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما حتّى ردّت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها. المسألة الثانية: اختلف أهل الأصول: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ والأصح الأول، وقد نزلت آيات فى: أسباب، واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار فى سلمة بن صخر، وآية اللعان فى شأن هلال بن أمية، وحدّ القذف فى رماة عائشة، ثم تعدى إلى غيرهم. ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال: خرجت هذه الآية ونحوها لدليل آخر، كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك. قال الزمخشرى فى سورة الهمزة: يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاماّ، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض. المسألة الثالثة: تقدّم أن صورة السبب قطعية الدخول فى العام، وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآى العامة، رعاية لنظم القرآن وحسن السياق، فيكون ذلك الخاص قريبا من صورة السبب فى كونه قطعى الدخول فى العام، مثاله: قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى آخره، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود، لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر، حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبى، ﷺ ، فسألوهم، من أهدى سبيلا، محمّد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم، مع علمهم بما فى كتابهم من نعت النبى، ﷺ ، المنطبق عليه، وأخذ المواثيق عليهم لا يكتموه. فكان ذلك أمانة لازمة لهم، ولم يؤدوها حيث قالوا للكفار: (أنتم أهدى سبيلا) حسدا للنبى ﷺ ، فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول المتوعد عليه المفيد الأمر بمقابلة المشتمل على أداء الأمانة، التى هى ببيان

стр. 432

صفة النبى ﷺ بإفادة أنه الموصوف فى كتابهم، وذلك مناسب لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فهذا عام فى كل أمانة، وذلك خاص بأمانة، هى صفة النبى، ﷺ ، بالطريق السابق، والعام تال للخاص فى الرسم، متراخ عنه فى النزول، والمناسبة تقتضى دخول ما دل عليه الخاص والعام. المسألة الرابعة: قال الواحدى: لا يحلّ القول فى أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها. وقد قال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق اللَّه وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل اللَّه من القرآن. وقيل: معرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا، وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت فى كذا. فعن عبد اللَّه بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج الحرة، فقال النبى، ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصارى: يا رسول اللَّه، إن كان ابن عمتك، فتلوّن وجهه. قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت فى ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وقيل: إذا أخبر الصحابى، الذى يشهد الوحى والتنزيل، عن آية من القرآن أنها نزلت فى كذا، فإنه حديث مسند. وقال ابن تيمية: قولهم نزلت هذه الآية فى كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول عنى بهذه الآية كذا. وقد تنازع العلماء فى قول الصحابى: نزلت هذه الآية فى كذا، هل يجرى مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذى نزلت لأجله، أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند؟ فالبخارى يدخله فى المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند.

стр. 433

وقيل: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية فى كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب فى نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع. المسألة الخامسة: كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعددة، وطريق الاعتماد فى ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة، فإن عبر أحدهم بقوله: نزلت فى كذا. والآخر نزلت فى كذا، وذكر أمرا آخر، فقد تقديم أن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول، فلا منافاة بين قولهما، إذا كان اللفظ يتناولهما، وإن عبر واحد. بقوله: نزلت فى كذا، وصرّح الآخر بذكر سبب خلافه، فهو المعتمد، وذلك استنباط.

стр. 434

١٢ فيما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة هو فى الحقيقة نوع من أسباب النزول، والأصل فيه موافقات عمر، فعن ابن عمر، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: «إن اللَّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه» وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر. وعن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأى فينزل به القرآن. عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربى فى ثلاث: قلت: يا رسول اللَّه، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وقلت: يا رسول اللَّه، إن نساءك يدخل عليهن البّر والفاجر، فلو أمرتهم أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول اللَّه، ﷺ ، نساؤه فى الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك. وعن عمر قال: وافقت ربى فى ثلاث: الحجاب، وفى أسرى بدر، وفى مقام إبراهيم. قال عمر: وافقت ربى، أو وافقنى ربى، فى أربع: نزلت هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الآية، فلما نزلت قلت أنا: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين، فنزلت: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. ولقى يهودى عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذى يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال عمر: من كان عدوّا للَّه وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن اللَّه عدوّ للكافرين، قال: فنزلت على لسان عمر. وعن سعيد بن جبير، أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل فى أمر عائشة قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك.

стр. 435

وعن سعيد بن المسيب قال: كان رجلان من أصحاب النبى، ﷺ ، إذا سمعا شيئا من ذلك قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك. وعن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر فى أحد خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول اللَّه ﷺ ، قال: حىّ، قالت: فلا أبالى، يتخذ اللَّه من عباده الشهداء، فنزل القرآن على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ. وفى الخبر: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى، وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، ثم قطعت يده اليسرى، فحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية، ثم قتل، فسقط اللواء. فما نزلت هذه الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ يومئذ، وحتى نزلت بعد ذلك.

стр. 436

١٣ ما تكرّر نزوله صرح جماعة من المتقدمين والمتأخرين بأن من القرآن ما تكرّر نزوله. وقال ابن الحصار: قد بتكرر نزول الآية تذكيرا وموعظة، وذكر من ذلك خواتيم سورة النحر، وأول سورة الروم. وذكر قوم منه الفاتحه. وذكر بعضهم منه قوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية. الآية. وقال الزركشى فى البرهان: قد ينزل الشىء مرّتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا عند حدوث سببه وخوف نسيانه. ثم ذكر منه آية الروح. وقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ الآية. قال: فإن سورة الإسراء وهود مكيتان، وسبب نزولهما يدل على أنهما نزلتا بالمدينة، ولهذا أشكل ذلك على بعضهم، ولا إشكال، لأنها نزلت مرة بعد مرة قال: كذلك ما ورد فى سورة الإخلاص من أنها جواب للمشركين بمكة، وجواب لأهل الكتاب بالمدينة، وكذلك قوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية. وقال: والحكمة فى ذلك كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضى نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فيوحى إلى النبى ﷺ تلك الآية بعينها تذكيرا لهم.

стр. 437

١٤ ما تأخر حكمة عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه قال الزركشى فى البرهان: قد يكون النزول سابقا على الحكم، كقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم. ويجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم، كما قال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ فالسورة مكية وقد ظهر أثر الحلّ يوم فتح مكة، حتى قال ﵊: «أحلت لى ساعة من نهار» . وكذلك نزلت بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر بن الخطاب: فقلت أىّ جمع؟ فلما كان يوم بدر وأنهزمت قريش نظرت إلى رسول اللَّه ﷺ فى آثارهم مصلتا بالسيف، يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكانت ليوم بدر. وكذلك قوله: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ فإن اللَّه وعده، وهو يومئذ بمكة، أنه سيهزم جندا من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. ومثله أيضا قوله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ. عن ابن مسعود فى قوله: قُلْ جاءَ الْحَقُّ قال: السيف، والآية مكية متقدمة على فرض القتال. ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه: آية الوضوء فعن عائشة قالت: سقطت قلادة لى بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول اللَّه، ﷺ ، ونزل فثنى رأسه فى حجرى راقدا، وأقبل أبو بكر فلكزنى لكزة شديدة وقال: حبست الناس فى

стр. 438

قلادة، ثم إن النبى، ﷺ ، استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فالآية مدنية إجماعا، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة، فمعلوم عند جميع أهل المغازى أنه، ﷺ ، لم يصل منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، والحكمة فى نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. ومن أمثلته أيضا: آية الجمعة، فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة. ومن أمثلته قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ الآية، فإنها نزلت سنة تسع، وقد فرضت الزكاة قبلها فى أوائل الهجرة.

стр. 439

١٥ ما نزل مفرقا وما نزل جمعا الأول: غالب القرآن، ومن أمثلته فى السور القصار: (اقرأ) أول ما نزل منها إلى قوله: ما لَمْ يَعْلَمْ، والضحى، أول ما نزل منها إلى قوله: فَتَرْضى. ومن أمثلة الثانى: سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، والمعوذتان نزلتا معا. ومنه فى السور الطوال، المرسلات. فعن ابن مسعود قال: كنا مع النبى ﷺ فى غار، فنزلت عليه: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فأخذتها من فيه، وإن فاه رطب بها، فلا أدرى بأيها ختم: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، أو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ. ومنه: سورة الصف. ومنه: سورة الأنعام، فعن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة.

стр. 440

١٦ ما أنزل منه على بعض الأنبياء وما لم ينزل منه على أحد قبل النبىّ ﷺ من الثانى: الفاتحة، وآية الكرسى، وخاتمة البقرة. وعن ابن عباس: «أتى النبى ﷺ ملك فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبىّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقر» . وعن كعب قال: إن محمّدا ﷺ ، أعطى أربع آيات لم يعطهن موسى، وإن موسى أعطى آية لم يعطها محمّد. قال: والآيات التى أعطيهن محمّد: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ حتى ختم البقر، فتلك ثلاث آيات، وآية الكرسى. والآية التى أعطيها موسى: اللهم لا تولج الشيطان فى قلوبنا وخلصنا منه من أجل أن لك الملكوت والأبد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء الدهر الداهر أبدا أبدا آمين آمين. وعن ابن عباس قال: السبع الطوال لم يعطهن أحد إلا النبىّ ﷺ ، وأعطى موسى منها اثنتين. وعن ابن عباس: أعطيت أمتى شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ومن أمثلة الأول: عن ابن عباس قال: لما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ﷺ : كلها فى صحف إبراهيم وموسى، فلما نزلت: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فبلغ: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: وفى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى إلى قوله: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى. وعن السدى قال: إن هذه السورة (فى صحف إبراهيم وموسى) مثل ما نزلت على النبى، ﷺ . وقال الفريابى: أنبأنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن أبى أمامه. قال: أنزل اللَّه على

стр. 441

إبراهيم مما أنزل على محمّد: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ و: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: فِيها خالِدُونَ و: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية. والتى فى (سأل) : الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ إلى قوله: قائِمُونَ فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمّد ﷺ . وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: إنه- يعنى النبى ﷺ الموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وعن كعب قال: فتحت التوراة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وختم ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً إلى قوله: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً. وأخرج أيضا عنه، قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ. وخاتمة التوراة خاتمة هود: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وأخرج من وجه آخر عنه، قال: أول ما أنزل فى التوراة عشر آيات من سورة الأنعام: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى آخرها، يعنى أن هذه الآيات اشتملت على الآيات العشر التى كتبها اللَّه لموسى فى التوراة، أول ما كتب، وهى توحيد اللَّه، والنهى عن الشرك، واليمين الكاذبة، والعقوق، والقتل، والزنى، والسرقة، والزور، ومدّ العين إلى ما فى يد الغير، والأمر بتعظيم السبت. وعن ابن عباس قال: «أغفل الناس آية من كتاب اللَّه لم تنزل على أحد قبل النبى ﷺ ، إلا أن يكون سليمان بن داود: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

стр. 442

١٧ فى كيفية إنزله المسألة الأولى: قال اللَّه تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال. القول الأول، وهو الأصح الأشهر: أنه نزل سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجما فى عشرين سنة، أو ثلاثة وعشرين، أو خمسة عشرين، على حسب الخلاف فى مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة. القول الثانى: أنه نزل إلى سماء الدنيا فى عشرين ليلة قدر، وثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين فى كل ليلة ما يقدر اللَّه إنزاله فى كل السنة، ثم أنزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة. القول الثالث: أنه ابتدىء إنزاله فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما فى أوقات مختلفة من سائر الأوقات. والذى استقرىء. من الأحاديث الصحيحة وغيرها ان القرآن كان ينزل بحسب الحاجة، خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات فى قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وحدها، وهى بعض آية، وكذا قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً إلى آخر الآية، نزلت بعد نزول أول الآية وذلك بعض آية.

стр. 443

المسألة الثانية: فى كيفية الإنزال والوحى: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام اللَّه منزل، واختلفوا فى معنى الإنزال. فمنهم من قال: إظهار القراءة. ومنهم من قال: إن اللَّه تعالى ألهم كلامه جبريل، وهو فى السماء، وهو عال المكان، وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه فى الأرض وهو يهبط فى المكان. وفى التنزيل طريقان. أحدهما: أن النبى، ﷺ انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل. والثانى: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه. وقيل: لعل نزول القرآن على النبى، ﷺ ، أن يتلقفه الملك من اللَّه تعالى تلقفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول فيلقيه عليه. والإنزال: لغة بمعنى الإيواء، وبمعنى تحريك الشىء من العلو إلى أسفل، وكلاهما يتحققان فى الكلام، فهو مستعمل فيه فى معنى مجازى. فمن قال: القرآن معنى قائم بذات اللَّه تعالى، فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها فى اللوح المحفوظ. ومن قال: القرآن هو الألفاظ، فإنزاله مجرد إثباته فى اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن المعنيين اللغويين. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من اللَّه تلقفا روحانيا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ، وينزل بها فيلقيها عليهم. وفى المنزل على النبى، ﷺ ، ثلاثة أقوال: أعرفها: أنه اللفظ والمعنى. وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به. (م ٤- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 444

وقد ذكر العلماء للوحى كيفيات: إحداها: أن يأتيه الملك فى مثل صلصلة الجرس. وعن عبد اللَّه بن عمر: سألت النبى ﷺ ، هل تحس بالوحى؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تقبض. والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد. والحكمة فى تقدمه أن يفرغ سمعه للوحى فلا يبقى فيه مكانا لغيره. الثانية: أن ينفث فى روعه الكلام نفثا، كما قال ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعى» . الثالثة: أن يأتيه فى صورة الرجل فيكلمه. «وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول» . الرابعة: أن يأتيه الملك فى النوم. الخامسة: أن يكلمه اللَّه إما فى اليقظة، كما فى ليلة الإسراء، أو فى النوم، كما فى حديث معاذ: «أتانى ربى فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى» ، وليس فى القرآن من هذا النوع شىء، وقد يمكن أن يعدّ منه آخر سورة البقرة وبعض سورة الضحى، وألم نشرح، فقد قال رسول اللَّه ﷺ ،: «سألت ربى مسألة وددت أنى لم أكن سألته، قلت: أى رب، اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما، فقال يا محمّد، ألم أجدك يتيما فآويت، وضالا فهديت، وعائلا فأغنيت، وشرحت لك صدرك وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معى» المسألة الثالثة: فى الأحرف السبعة التى نزل القرآن عليها. ففى حديث: «نزل القرآن على سبعة أحرف» وسمع رجل النبى، ﷺ ، يقول: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف» . وفى الصحيحين: أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: أقرأنى جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف.

стр. 445

قال ابن قتيبة: إن المراد بها الا وجه التى يقع بها التغاير. فاولها: ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ بالفتح والرفع. وثانيها: ما يتغير بالفعل، مثل: بعد، وباعد، بلفظ الطلب والماضى. وثالثها: ما يتغير باللفظ، مثل: (ننشرها) . ورابعها: ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج، مثل: طَلْحٍ مَنْضُودٍ وطلع. وخامسها: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ و (سكرة الحق بالموت) . وسادسها: ما يتغير بزيادة أو نقصان، مثل: (والذكر والأنثى) ، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. وسابعها: ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى، مثل: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وكالصوف المنفوش. وقال أبو الفضل الرازى: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه فى الاختلاف. الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث. الثانى: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: الإبدال. السابع: إختلاف اللغات، كالفتح والإمامة والترقيق والتفخيم والإدغام والإظهار، ونحو ذلك. وقال ابن الجزرى: قد تتبعت صحيح القراءات وشاذها وضعيفها ومنكرها، فإذا

стр. 446

هى يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها، وذلك. إما فى الحركات بلا تغير فى المعنى، والصورة، نحو: البخل بأربعة ويحسب بوجهين، أو متغير فى المعنى فقط، نحو: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. وإما فى الحروف بتغير المعنى لا الصورة، نحو: تبلو، وتتلو، وعكس ذلك، نحو: الصراط، والسراط. أو بتغيرهما، نحو: فامضوا، فاسعوا. وإما فى التقديم والتأخير نحو: فيقتلون، ويقتلون، أو فى الزيادة والنقصان نحو: أوصى، ووصى. فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها. وقيل: إن المراد سبعة أوجه من المعانى المتفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وعلم، وعجل، وأسرع. وعن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن. قال: والعجز: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عليا هوازن، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب: عليا هوازن، وسفلى تميم، يعنى بنى دارم. وعن ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش، وكعب خزاعة، قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة، يعنى أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم. وقال أبو حاتم السجستانى: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وربعضه بلغة اليمن وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبا.

стр. 447

وقيل: نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر: نزل القران بلغة مضر. وعين بعضهم السبع من مضر أنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات. وقيل: انزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التى جرت عادتهم باستعمالها عن اختلافهم فى الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحدا منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد. وقيل: المراد سبعة أصناف: أمر، ونهى، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. وقيل: المراد بها: الحذف، والصلة، والتقديم، والتأخير، والاستعارة، والتكرار، والكناية، والحقيقة، والمجاز، والمجمل، والمفسر، والظاهر، والغريب. وقيل: المراد بها: التذكير، والتأنيث، والشرط، والجزاء، والتصريف، والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع، والإفراد، والتصغير، والتعظيم، واختلاف الأدوات. وقيل: المراد بها سبعة أنواع من المعاملات: الزهد، والقناعة مع اليقين، والجزم، والخدمة مع الحياء، والكرم، والفتوة مع الفقر، والمجاهدة، والمراقبة مع الخوف، والرجاء، والتضرع، والاستغفار مع الرضا، والشكر، والصبر مع المحاسبة، والمحبة، والشوق مع المشاهدة. وقيل: إن المراد بها سبعة علوم: علم الإنشاء والإيجاد وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات.

стр. 448

١٨ أسماؤه قال الجاحظ: سمى اللَّه كتابه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل، سمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها اية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية. وقيل: إن اللَّه سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما: سماه كتابا ومبينا فى قوله: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. وقرآنا وكريما فى قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وكلاما: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ونورا: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. وهدى ورحمة: هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وفرقانا: نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وشفاء: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وموعظة: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وذكرا ومباركا: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ وعليا: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ وحكمة: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وحكيم: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ومهيمنا: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ وحبلا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وصراطا مستقيما: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً وقيما: (قيما لينذر به) وقولا وفصلا: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ونبأ عظيما: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ وأحسن الحديث ومثانى ومتشابها: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ وتنزيل: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وروحا: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ووحيا: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وعربيا: قُرْآناً عَرَبِيًّا وبصائر: هذا بَصائِرُ وبيانا: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وعلما: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ وحقا: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وهاديا: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي وعجبا: (قرآنا عجيبا) وتذكرة: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ والعروة الوثقى: اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وصدقا: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ عدلا: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا وأمرا: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ

стр. 449

ومناديا: يُنادِي لِلْإِيمانِ وبشرى: هُدىً وَبُشْرى ومجيدا: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ وزبورا: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ وبشيرا ونذيرا: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً وعزيزا: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وبلاغا: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وقصصا: أَحْسَنَ الْقَصَصِ. رسماه أربعة أسماء فى آية واحدة: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. فأما تسميته كتابا: فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه. والكتاب لغة: الجمع. والمبين: لأنه أبان: أى أظهر الحق من الباطل. وأما القرآن فاختلف فيه، فقال جماعة: هو اسم على غير مشتق خاص بكلام اللَّه، فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير، وهو مروىّ عن الشافعى. فإنه كان يهمز قراءة ولا يهمز القرآن، ويقول: القرآن اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قراءة، ولكنه اسم لكتاب اللَّه، مثل التوراة والإنجيل. وقال الأشعرى: هو مشتق من قرنت الشىء بالشىء: إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسمى به القرآن السور والآيات والحروف فيه. وقال الفراء: هو مشتق من القرائن، لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويشابه بعضها بعضا، وهى قرائن. وعلى القولين بلا همز أيضا ونونه أصلية. وقال الزجاج: هذا القول سهو، والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف، ونقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها. واختلف القائلون بأنه مهموز، فقال قوم منهم اللحيانى: هو مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران، سمى به الكتاب المقروء، من باب تسمية المفعول بالمصدر. وقال آخرون: منهم الزجاج: هو وصف على فعلان، مشتق من القرء، بمعنى الجمع، ومنه: قرأت الماء فى الحوض أى جمعته

стр. 450

قال أبو عبيدة: وسمى بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن. قال: وإنما سمى قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة. وقيل، لأنه جمع أنواع العلوم كلها. وحكى قطرب قال: إنه سمى قرآنا لأن القارىء يظهره ويبينه من فيه، أخذا من قول العرب، ما قرأت الناقة سلاقط: أى ما رمت بولد، أى ما أسقطت ولدا، أى ما حملت قط، والقرآن يلقطه القارىء من فيه ويلقيه، فسمى قرآنا. وأما الكلام، فمشتق من الكلم، بمعنى التأثير، لأنه يؤثر فى ذهن السامع فائدة لم تكن عنده. وأما النور، فلأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام. وأما الهدى، فلأن فيه الدلالة على الحق، وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل مبالغة. وأما الفرقان، فلأنه فرق بين الحق والباطل. وأما الشفاء، فلأنه يشفى من الأمراض القلبية، كالكفر والجهل والغل، والبدنية أيضا. وأما الذكر، فلما فيه من المواعظ وأخبار الأمم الماضية، والذكر أيضا الشرف، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أى شرف، لأنه بلغتهم. وأما الحكمة، فلأنّه نزل على القانون المعتبر من وضع كل شىء فى محله، أو لأنه مشتمل على الحكمة. وأما الحكيم، فلأنه أحكمت آياته بعجيب النظم وبديع المعانى، وأحكمت عن تطرق التبديل والتحريف والاختلاف والتباين. وأما الهيمن، فلأنه شاهد على جميع الكتب والأمم السالفة. وأما الحبل، فلأنه من تمسك به وصل إلى الجنة أو الهدى، والحبل: السبب.

стр. 451

وأما الصراط المستقيم، فلأنه طريق إلى الجنة قويم لا عوج فيه. وأما الثانى، فلأنه فيه بيان قصص الأمم الماضية، فهو ثان لما تقدمه، وقيل: لتكرار القصص والمواعظ فيه، وقيل: لأنه نزل مرة بالمعنى ومرة باللفظ والمعنى، لقوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. وأما المتشابه، فلأنه يشبه بعضه بعضا فى الحسن والصدق. وأما الروح، فلأنه تحيا به القلوب والأنفس. وأما المجيد، فلشرفه. وأما العزيز، فلأنه يعزّ على من يروم معارضته. وأما البلاغ، فلأنه أبلغ به الناس ما أمروا به ونهوا عنه، أو لأن فيه بلاغة وكفاية عن غيره.

стр. 452

١٩ أسماء السور السورة، تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من: أسأرت، أى أفضلت، من السؤر، وهو ما بقى من الشراب فى الإناء، كأنها قطعة من القرآن. ومن لم يهمزها جعلها من المعنى المتقدم وسهل همزها. ومنهم من يشبهها بسورة البناء، أى القطعة منه، أى منزلة بعد منزلة. وقيل: من سور المدينة، لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور، ومنه السوار، لإحاطته بالساعد. وقيل: لارتفاعها، لأنها كلام اللَّه، والسورة: المنزلة الرفيعة، قال النابغة: ألم تر أن اللَّه أعطاك سورة ... ترى كل ملك حولها يتذبذب وقيل: لتركيب بعضها على بعض، من التسوّر، بمعنى التصاعد والتركيب، ومنه: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ. وحدّ السورة قرآن يشتمل على آى ذى فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات. وقيل: السورة، الطائفة المترجمة توقيفا، أى المسماة باسم خاص بتوقيف من النبى ﷺ . وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار. وقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر. من ذلك الفاتحة: فلها نيف وعشرون اسما، وذلك يدل على شرفها، فإن كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى. أحدها: فاتحة الكتاب، عن رسول اللَّه ﷺ قال: «هى أم القرآن، وهى فاتحة الكتاب، وهى السبع المثانى» وسميت بذلك لأنه يفتتح بها فى المصاحف وفى التعليم وفى القراءة فى الصلاة.

стр. 453

وقيل: لأنها أول سورة نزلت. وقيل: لأنها أول سورة كتبت فى اللوح المحفوظ. وقيل: لأن الحمد فاتحة كل كلام. وقيل: لأنها فاتحة كل كتاب. ثانيها: فاتحة القرآن. وثالثها، ورابعها: أم الكتاب، وأما القرآن. واختلف لم سميت بذلك؟ فقيل: لأنها يبدأ بكتابتها فى المصاحف، وبقراءتها فى الصلاة قبل السورة. وقيل: سميت بذلك لتقدمها وتأخر ما سواها تبعا لها، لأنها أمته، أى تقدمته، ولهذا يقال لراية الحرب: أم، لتقدمها واتباع الجيش لها، ويقال لما مضى من سنى إنسان: أمّ، لتقدمها، ولمكة: أم، القرى، لتقدمها على سائر القرى. وقيل: أم الشىء أصله، وهى أصل القرآن لانطوائها على جميع أغراض القرآن وما فيه من العلوم والحكم. وقيل: سميت بذلك لأنها أفضل السور، كما يقال لرئيس القوم: أم القوم. وقيل: لأن حرمتها، كحرمة القرآن كله. وقيل: لأن مفزع أهل الإيمان إليها، كما يقال للراية: أم، لأن مفزع العسكر إليها. وقيل: لأنها محكمة، والمحكمات أم الكتاب. خامسها: القرآن العظيم، فعن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال لأم القرآن: «هى أم القرآن، وهى السبع المثانى، وهى القرآن العظيم» . وسميت بذلك لاشتمالها على المعانى التى فى القرآن. سادسها: السبع المثانى، أما تسميتها سبعا فلأنها سبع آيات. وقيل: فيها سبعة آداب، فى كل آية أدب.

стр. 454

وقيل: لأنها خلت من سبعة أحرف: التاء والجيم والزاى والشين والظاء والفاء. وأما المثانى: فيحتمل أن يكون مشتقا من الثناء، لما فيها من الثناء على اللَّه تعالى، ويحتمل أن يكون من الثنيا، لأن اللَّه استثناها لهذه الأمة، ويحتمل أن يكون من التثنية، قيل: لأنها تثنى فى كل ركعة. وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى. وقيل: لأنها نزلت مرتين. وقيل: لأنها نزلت على قسمين: ثناء ودعاء. وقيل: لأنها كلما قراء العبد منها آية ثناه اللَّه بالإخبار عن فعله. وقيل: لأنها اجتمع فيها فصاحة المبانى وبلاغة المعانى. سابعها: الوافية، لأنها وافية بما فى القرآن من المعانى. وقيل: لأنها لا تقبل التنصيف، فإن كل سورة من القرآن، لو قرى نصفها فى ركعة، والنصف الثانى فى أخرى، لجاز، بخلافها. وقيل: لأنها جمعت بين ما للَّه وبين ما للعبد. ثامنها: الكنز، لما تقدم فى أم القرآن. تاسعها: الكافية، لأنها تكفى فى الصلاة عن غيرها ولا يكفى غيرها عنها. وعاشرها: الأساس، لأنها أصل القرآن وأول سورة فيه. حادى عشرها: النور. ثانى عشرها، وثالث عشرها: سورة الحمد، وسورة الشكر. رابع عشرها، وخامس عشرها: سورة الحمد الأولى، وسورة الحمد القصرى. سادس عشرها وسابع عشرها، وثامن عشرها: الراقية، والشفاء، والشافية. وتاسع عشرها: سورة الصلاة، لتوقف الصلاة عليها.

стр. 455

وقيل: إن من أسمائها الصلاة أيضا، لحديث: «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين» أى السورة، لأنها من لوازمها، فهو من باب تسمية الشىء باسم لازمه، وهذا الاسم العشرون. والحادى والعشرون: سورة الدعاء، لاشتمالها عليه فى قوله: اهْدِنَا. الثانى والعشرون: سورة السؤال. الثالث والعشرون: سورة تعليم المسألة، لأن فيها آداب السؤال، لأنها بدئت. بالثناء قبله. الرابع والعشرون: سورة المناجاة، لأن العبد يناجى فيها ربه بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. والخامس والعشرون: سورة التفويض، لاشتمالها عليه فى قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ومن ذلك: (سورة البقرة) ، فإنها تسمى: فسطاط القرآن، وذلك لعظمها ولما فيها من الأحكام التى لم تذكر فى غيرها. وفى حديث: سنام القرآن، وسنام كل شىء: أعلاه. (وآل عمران) ، فاسم آل عمران فى التوراة: طيبة، وفى صحيح مسلم: تسميتها والبقرة: الزهراوين. (والمائدة) تسمى أيضا، العقود، والمنقذة. لأنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب. (والأنفال) . قال ابن عباس: تلك سورة بدر. (وبراءة) تسمى أيضا: التوبة، لقوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الآية. والفاضحة. قال ابن عباس: التوبة هى الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظننا أن لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها.

стр. 456

وعن عكرمة قال: قال عمر: ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننا أنه لم يبق منا أحد إلا سينزل فيه، وكانت تسمى الفاضحة، وسورة العذاب. وكان عمر بن الخطاب إذا ذكر له سورة براءة فقيل: سورة التوبة، قال: هى إلى: العذاب أقرب. ما كادت تقلع عن الناس حتى ما كادت تبقى منهم أحدا. والمقشقشة، عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لابن عمر: سورة التوبة، فقال: وأيّهن سورة التوبة؟ فقال: براءة، فقال: وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هى؟ ما كنا ندعوها إلا المقشقشة، أى المبرئة من النفاق والمنقرة. وعن عبيد بن عمير قال: كانت تسمى براءة: المنقرة، نقرت عما فى قلوب المشركين. والبحوث، بفتح الباء، عن المقداد أنه قيل له: لو قعدت العام عن الغزو؟ قال: أتت علينا البحوث: يعنى براءة. والحافرة، لأنها حفرت عن المنافقين. والمثيرة، عن قتادة قال: كانت هذه السورة تسمى: الفاضحة، فاضحة المنافقين، وكان يقال لها: المثيرة، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم. ومن أسمائها: المبعثرة، لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين. ومن أسمائها: المخزية، والمتكلة، والمشردة، والمدمدمة. (النحل) وتسمى: سورة النعم، لما عد اللَّه فيها من النعم على عباده. (الإسراء) تسمى أيضا: سورة سبحان، وسورة بنى إسرائيل. (الكهف) ويقال لها: سورة الكهف، وتدعى فى التوراة: الحائلة، لأنها تحول بين قارئها وبين النار. (طه) تسمى أيضا: سورة الكليم. (الشعراء) وتسمى: بسورة الجامعة.

стр. 457

(النمل) تسمى أيضا: سورة سليمان. (السجدة) تسمى أيضا: المضاجع. (فاطر) تسمى: سورة الملائكة. (يس) سماها ﷺ : قلب القرآن ، تدعى فى التوراة: المعمة، تعم صاحبها بخيرى الدنيا والآخرة، وتدعى: المدافعة، والقاضية: تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضى له كل حاجة. (الزمر) تسمى: سورة الغرف. (غافر) تسمى: سورة الطول، والمؤمن، لقوله تعالى فيها: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ. (فصلت) تسمى: السجدة، وسورة المصابيح. (الجاثية) تسمى: الشريعة، وسورة الدهر. (سورة محمّد ﷺ تسمى: القتال. (ق) تسمى: بسورة الباسقات. (اقتربت) تسمى: القمر، وتدعى فى التوراة: المبيضة، تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه. (الرحمن) سميت فى حديث: عروس القرآن. (المجادلة) سميت: فى مصحف أبىّ: الظهار. (الحشر) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة بنى النضير. كأنه كره تسميتها بالحشر لئلا يظن أن المراد يوم القيامة، وإنما المراد ها هنا إخراج بين النضير. (الممتحنة) المشهور فى هذه التسمية أنها بفتح الحاء وقد تكسر، فعلى الأول هى

стр. 458

صفة المرأة التى نزلت السورة بسببها، وعلى الثانى هى صفة السورة. كما قيل لبراءة: الفاضحة، وتسمى أيضا: سورة الامتحان، وسورة المرأة. (الصف) تسمى أيضا: سورة الحواريين. (الطلاق) تسمى: سورة النساء القصرى. (التحريم) يقال لها: سورة المتحرم، وسورة، لم تحرم! (تبارك) تسمى: سورة الملك. وهى فى التوراة، سورة الملك، وهى المانعة، تمنع من عذاب القبر. وقيل: هى المانعة، هى المنجية، تنجيه من عذاب القبر. والمجادلة، تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها، وفى حديث أنس: أن رسول اللَّه ﷺ سماها المنجية. وعن ابن مسعود قال: كنا نسميها فى عهد الرسول اللَّه ﷺ : المانعة. وتسمى أيضا: الواقية، والمانعة. (سأل) تسمى: المعارج، والواقع. (عم) يقال لها: النبأ، والتساؤل، والمعصرات. (لم يكن) تسمى: سورة أهل الكتاب، وكذلك سميت فى مصحف أبىّ، وسورة البينة، وسورة القيامة، وسورة البرية، وسورة الانفكاك. (أرأيت) تسمى: سورة الدين، وسورة الماعون. (الكافرون) تسمى، المقشقشة، وتسمى أيضا: سورة العبادة. (النصر) تسمى: سورة التوديع، لما فيها من الإيماء إلى وفاته ﷺ . (تبت) تسمى: سورة المسد. (الإخلاص) تسمى: الأساس، لاشتمالها على توحيد اللَّه، وهو أساس الدين.

стр. 459

(الفلق) و (الناس) ، يقال لهما: المعوّذتان، بكسر الواو، والمشقشقتان. ولا شك أن العرب تراعى فى كثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون فى الشىء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكام أو أكثر أو أسبق، لإدراك الرائى للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام والقصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سورة القرآن، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة قصة البقرة المذكورة فيها، وعجيب الحكمة فيها، وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردّد فيها شىء كثير من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وإن كان ورد لفظ الأنعام فى غيرها، إلا أن التفصيل الوارد فى قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً إلى قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ لم يرد فى غيرها، كما ورد ذكر النساء فى سور، إلا أن ما تكرّر وبسط من أحكامهن لم يرد فى غير سورة النساء. وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة فى غيرها فسيمت بما يخصها. فإن قيل: قد ورد فى سورة هو ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى، فلم خصت باسم هود وحده مع أن قصة نوح فيها أو عب وأطول؟ قيل: تكررت هذه القصص فى سورة الأعراف، وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت فى غيرها، ولم يتكرر فى واحدة من هذه السور الثلاث اسم هو كتكرره فى سورته، فإنه تكرر فيها فى أربعة مواضع، والتكرار من أقوى الأسباب التى ذكرنا. قال: فإن قيل: فقد تكرر اسم نوح فيها فى ستة مواضع؟ وقيل: لما أفرذت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك، وكانت أولى بأن تسمى باسمه من سورة تضمنت قصته وقصة غيره. قلت: قد سميت سور جرت فيها قصص أنبياء بأسمائهم كسورة نوح، وسورة هود، وسورة إبراهيم، وسورة يونس، وسورة آل عمران، وسورة طس سليمان، (م ٥- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 460

وسورة يوسف، وسورة محمّد ﷺ ، وسورة مريم، وسورة لقمان، وسورة المؤمن، وقصة أقوام، كذلك سورة بنى إسرائيل، وسورة أصحاب الكهف، وسورة الحجر، وسورة سبأ، وسورة الملائكة، وسورة الجن، وسورة المنافقون، وسورة المطففين، ومع هذا. كله لم يفرد لموسى سورة تسمى به مع كثرة ذكره فى القرآن حتى قال بعضهم: كاد القرآن أن يكون كله لموسى، وكان أولى سورة أن تسمى به سورة طه، وسورة القصص، أو الأعراف، لبسط قصته فى الثلاثة ما لم يبسط فى غيرها، وكذلك قصة آدم ذكرت فى عدّة سور ولم تسمّ به سورة كأنه اكتفاء بسورة الإنسان، وكذلك قصة الذبيح من بدائع القصص ولم تسم به سورة الصافات، وقصة داود ذكرت فى ص ولم تسم به. وكما سميت السورة الواحدة بأسماء سميت سورة باسم واحد، كالسور المسماة، بآلم، والر، على القول بأن فواتح السور بأسمائها.
следующие страницы →