← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بسوء كسبهم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) ٩٧- أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ: أَفَأَمِنَ الهمزة للانكار، والفاء للعطف. ٩٨- أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ: أَوَأَمِنَ الهمزة للانكار. والواو للعطف. ضُحًى نصب على الظرف أي حين تشرق الشمس وترتفع. وَهُمْ يَلْعَبُونَ يشتغلون بما لا يجدى عليهم، كأنهم يلعبون. ٩٩- أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ: مَكْرَ اللَّهِ استعارة لأخذ العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى الغافل أن يكون فى خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبينات والغيلة. [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠٠] أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) ١٠٠- أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ: أَوَلَمْ يَهْدِ أن لو نشاء، فى محل رفع، فاعله، يعنى: أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم فى ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين. وقرىء: أولم نهد، بالنون، فيكون أَنْ لَوْ نَشاءُ منصوبا، كأنه قيل: أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن، بمعنى: أو لم نبين لهم أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم. وعدى فعل الهداية باللام، لأنه بمعنى التبيين. وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ معطوف على ما دل عليه معنى أَوَلَمْ يَهْدِ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم.

стр. 4307

أو معطوف على يَرِثُونَ الْأَرْضَ. أو منقطع، بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ١٠١- تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها مبتدأ وخبر وحال. ويجوز أن يكون الْقُرى صفة لقوله تِلْكَ، ونَقُصُّ خبر أو أن يكون الْقُرى نَقُصُّ خبرا بعد خبر. فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجىء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجىء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا الى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب من لدن مجىء الرسل إليهم الى أن ماتوا مصرين لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم فى كفرهم وعنادهم مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات. كَذلِكَ مثل ذلك الطبع الشديد على قلوب الكافرين. ١٠٢- وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ الضمير للناس على الإطلاق، أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد. يعنى أن أكثرهم نقض عهد الله فى الايمان والتقوى. وَإِنْ وَجَدْنا وان الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة مارقين. ١٠٣- ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: مِنْ بَعْدِهِمْ الضمير للرسل فى قوله وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ أو للأمم.

стр. 4308

فَظَلَمُوا بِها فكفروا بآياتنا. أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد. أو فظلموا الناس بسببها حين أو عدوهم وصدوهم عنها وآذوا من آمن بها، ولأنه إذا وجب الايمان بها فكفروا بدل الايمان، كان كفرهم بها ظلما، فلذلك قيل: فظلموا بها، أي كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الايمان. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٩] وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) ١٠٤- وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ: يا فِرْعَوْنُ لقب لملوك مصر، فكأنه قيل: يا ملك مصر. ١٠٥- حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ: حَقِيقٌ عَلى أي واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى الا بمثلى ناطقا به. فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ فخلهم حتى يخرجوا من رقك. ١٠٦- قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: أي ان كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتنى بها لتصح دعواك. ١٠٧- فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ: ثُعْبانٌ مُبِينٌ ظاهر أمره لا يشك فى أنه ثعبان. ١٠٨- وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ: لِلنَّاظِرِينَ يتعلق بقوله بَيْضاءُ. والمعنى: فاذا هى بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة الا إذا كان بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر اليه كما تجتمع النظارة للعجائب. ١٠٩- قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ: لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي عالم بالسحر ماهر فيه، قد أخذ الناس بخدعة من خدعه حتى خيل إليهم العصى حية، والآدم أبيض.

стр. 4309

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٠ الى ١١٦] يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ١١٠- يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ: فَماذا تَأْمُرُونَ أي بماذا تشيرون. ١١١- قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ: أَرْجِهْ وَأَخاهُ أخرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. وقيل: احبسهما. حاشِرِينَ جامعين. ١١٢- يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ: يَأْتُوكَ مجزوم فى جواب الأمر. ١١٣- وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ: إِنَّ لَنا لَأَجْراً أي جعلا على الغلبة. ١١٤- قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب، كأنه قال إيجابا لقولهم إِنَّ لَنا لَأَجْراً: نعم ان لكم لأجرا، وانكم لمن المقربين. ١١٥- قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ: وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ فيه دليل على رغبتهم فى أن يلقوا قبله، من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر واقحام الفعل. ١١٦- قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

стр. 4310

وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وأرهبوهم ارهابا شديدا، كأنهم استدعوا رهبتهم. بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فى باب السحر. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٣] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) ١١٧- وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ: تَلْقَفُ تبتلع. ما يَأْفِكُونَ ما، موصولة، بمعنى: ما يأفكونه، أي يقلبونه عن الحق الى الباطل ويزورونه. أو مصدرية، أي إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك. ١١٨- فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: فَوَقَعَ الْحَقُّ فحصل وثبت. ١١٩- فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وصاروا أذلاء مبهوتين. ١٢٠- وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ وخروا سجدا إذعانا وإقرارا بباطلهم. ١٢١- قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ: أي آمنا بخالق العالمين ومالك أمرهم. ١٢٢- رَبِّ مُوسى وَهارُونَ: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ الإله الذي يؤمن به موسى وهارون. ١٢٣- قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: آمَنْتُمْ بِهِ على الاخبار، أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخا لهم وتقريعا. وقرىء آمنتم، بحرف الاستفهام، ومعناه الاستنكار والاستبعاد.

стр. 4311

إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ ان صنعكم هذا لحيلة اختلقتموها أنتم وموسى فى مصر قبل أن تخرجوا الى هذه الصحراء، قد تواطأتم على ذلك الغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بنى إسرائيل. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وعيد أجمله، ثم فصله فى الآية التالية. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٧] لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) ١٢٤- لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ: مِنْ خِلافٍ من كل شق طرفا.. ١٢٥- قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي لا نبالى بالموت لانقلابنا الى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك. أو ننقلب الى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب. أو انا جميعا- يعنون أنفسهم وفرعون- ننقلب الى الله فيحكم بيننا. أو انا لا محالة يعتون فمنقلبون الى الله، فما تقدر أن تفعل بنا الا ما لا بد لنا منه. ١٢٦- وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا أي وما تعيب منا الا الايمان بآيات الله. رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا. وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام. ١٢٧- وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ: وَيَذَرَكَ عطف على يفسدوا لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم،

стр. 4312

وكان ذلك مؤديا الى ما دعوه فسادا، والى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك. أو هو جواب للاستفهام بالواو وكما يجاب بالفاء. والنصب بإضمار (أن) تقديره: أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إياك وآلهتك. وقرىء بالرفع عطفا على أَتَذَرُ مُوسى بمعنى أتذره وأ يذرك؟ أو يكون مستأنفا، أو حالا على معنى: أتذره وهو يذرك وآلهتك. سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء. وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ونستبقى نساءهم أحياء. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) ١٢٨- قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ: قالَ مُوسى جملة مستأنفة. إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ اللام فى الْأَرْضَ للعهد، ويراد أرض مصر. وقيل للجنس، فيتناول أرض مصر، لأنها من جنس الأرض. وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم. ١٢٩- قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى ﵇ الى أن استنبىء وإعادته عليهم بعد ذلك. عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ تصريح بما رمز اليه من البشارة قبل، وكشف عنه، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده فى الأرض التي وعدهم إياها. فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.

стр. 4313

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) ١٣٠- وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ: بِالسِّنِينَ بسنى القحط. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ لينتهوا على أن ذلك لاصرارهم على الكفر، وتكذيبهم لآيات الله. ١٣١- فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ من الخصب والرخاء. قالُوا لَنا هذِهِ أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ من ضيقة وجدب. يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا: هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم ما أصابتنا. طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي سبب خيرهم وشرهم عند الله. ١٣٢- وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ: مَهْما هى ما المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها (ما) المزيدة المؤكدة للجزاء ومحل مَهْما الرفع، بمعنى: أيما شىء تأتنا به. أو النصب، بمعنى: أيما شىء تحضرنا تأتنا به. مِنْ آيَةٍ تبيين لقوله مَهْما. بِهِ الضمير راجع الى مَهْما وقد ذكر على اللفظ. بِها الضمير راجع الى مَهْما وقد أنث على المعنى، لأنه فى معنى الآية. لِتَسْحَرَنا بِها ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية أو انما سموا آية اعتبارا لتسمية موسى، وقصدوا بذلك الاستهزاء.

стр. 4314

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٦] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) ١٣٣- فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ: الطُّوفانَ ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ نصب على الحال. ومفصلات: مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. ١٣٤- وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ما، مصدرية، والمعنى: بعهده عندك، وهو النبوة. والباء اما أن تتعلق بقوله ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي أسعفنا الى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة. أو ادع الله لنا متوسلا اليه بعهده عندك. واما أن تكون قسما مجابا بقوله لَنُؤْمِنَنَّ أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك. ١٣٥- فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ: إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ الى حد من الامن هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه، لا ينفعهم ما تقدم لهم من الامهال وكشف العذاب الى حلوله. إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب لقوله فَلَمَّا أي إذا هم ينقضون عهدهم. ١٣٦- فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فأردنا الانتقام منهم.

стр. 4315

فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ اليم: البحر الذي لا يدرك قعره. بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات. وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي غفلتهم عنها، وقلة فكرهم فيها. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٧ الى ١٣٨] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) ١٣٧- وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ: الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ هم بنو إسرائيل، كان يستضعفهم فرعون وقومه. مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا أي هنا وهناك من الأرض. بارَكْنا فِيها التي حباها الله بالبركة والخصب وسعة الأرزاق. كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى قوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ. بِما صَبَرُوا بسبب صبرهم. ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ما كانوا يعملون ويسوون من العمارات وبناء القصور. وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من الجنات. ١٣٨- وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ فمروا عليهم. يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يواظبون على عبادتها ويلازمونها. اجْعَلْ لَنا إِلهاً صنما نعكف عليه. كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أصنام يعكفون عليها. و (ما) كافة للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها.

стр. 4316

إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تعجب من قولهم على اثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٢] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) ١٣٩- إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: إِنَّ هؤُلاءِ يعنى عبدة تلك الأوثان. مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ مدمر لكل ما هم فيه. وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما عملوا شيئا من عبادتها فيما سلف الا وهو باطل لا ينتفعون به وان كان فى زعمهم تقربا الى الله. ١٤٠- قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا، وهو فعل بكم ما فعل دون غيره من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحدا غيركم لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره. ١٤١- وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يبغونكم شدة العذاب. والجملة استئنافية لا محل لها. ويجوز أن تكون حالا من المخاطبين، أو من آلِ فِرْعَوْنَ. وَفِي ذلِكُمْ اشارة الى الانجاء، أو الى العذاب. بَلاءٌ البلاء: النعمة، أو المحنة. ١٤٢- وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ: مِيقاتُ رَبِّهِ ما وقته له من الوقت وضربه له.

стр. 4317

أَرْبَعِينَ لَيْلَةً نصب على الحال، أي تم بالغا هذا العدد. هارُونَ عطف بيان لقوله لِأَخِيهِ. وقرىء بالضم على النداء. اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي كن خليفتى فيهم. وَأَصْلِحْ وكن مصلحا، أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بنى إسرائيل، ومن دعاك منهم الى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٣] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) ١٤٣- وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ: لِمِيقاتِنا لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا. واللام للاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا. وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير واسطة. وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به فى بعض الأجرام كما خلقه محفوظا فى اللوح. أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ثانى مفعولى أَرِنِي محذوف، أي أرنى نفسك أنظر إليك، أي اجعلنى متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لى فأنظر إليك وأراك. لَنْ تَرانِي وإذ كان الطلب هو الرؤية التي هى الإدراك لا النظر الذي لا ادراك معه، قيل: لن ترانى، ولم يقل: لن تنظر الى. فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ كما كان مستقرا ثابتا ذاهبا فى جهاته. فَسَوْفَ تَرانِي تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته. جَعَلَهُ دَكًّا أي مدكوكا.

стр. 4318

وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً من هول ما رأى، أي خر مغشيا عليه غشية كالموت. فَلَمَّا أَفاقَ من صعقته. قالَ سُبْحانَكَ أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها. تُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئى ولا مدرك بشىء من الحواس. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٥] قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) ١٤٤- قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ: اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم. بِرِسالاتِي وهى أسفار التوراة. وَبِكَلامِي وبتكليمى إياك. فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة. وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على النعمة فى ذلك فهى من أجل النعم. ١٤٥- وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فى محل النصب، مفعول للفعل كَتَبْنا. مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا بدل منه. والمعنى: كتبنا له كل شىء كان بنو إسرائيل محتاجين اليه فى دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام. بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة فعل أولى العزم من الرسل. يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص، والعفو، والانتصار والصبر. فمرهم أن يحملوا على أنفسهم فى الأخذ بما هو أدخل فى الحسن وأكثر للثواب.

стр. 4319

سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ يريد دار فرعون وقومه، وهى مصر. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٨] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) ١٤٦- سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، فلا يفكرون من فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم. بِغَيْرِ الْحَقِّ حال، بمعنى يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحق لله وحده، ويصح أن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ من الآيات المنزلة عليهم لا يُؤْمِنُوا بِها. ذلِكَ فى محل رفع على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. أو فى محل نصب على معنى: صرفهم الله ذلك الصرف بسببه. ١٤٧- وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ: وَلِقاءِ الْآخِرَةِ من اضافة المصدر الى المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها. أو من اضافة المصدر الى الظرف، بمعنى: ولقاء ما وعد الله فى الآخرة. ١٤٨- وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ: مِنْ بَعْدِهِ من بعد فراقه إياهم الى الطور. مِنْ حُلِيِّهِمْ الحلي: ما يتحسن به من الذهب والفضة. جَسَداً بدنا، منصوب على البدل من قوله عِجْلًا.

стр. 4320

خُوارٌ صوت. أَلَمْ يَرَوْا حين اتخذوه الها أنه لا يقدر على كلام. وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ولا على هداية سبيل. وَكانُوا ظالِمِينَ واضعين كل شىء فى غير موضعه. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٥٠] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) ١٤٩- وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من اشتد ندمه وحسرته يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا وتبينوا ضلالهم تبينا كأنهم أبصروه بعيونهم. ١٥٠- وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: أَسِفاً شديد الغضب أو حزينا. خَلَفْتُمُونِي قمتم مقامى وكنتم خلفائى من بعدي. وبئس ما خلفتمونى، أي حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم تكفروا من عبد غير الله. وفاعل (بئس) مضمر يفسره ما خلفتمونى والمخصوص بالذم محذوف، تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم. مِنْ بَعْدِي أي من بعد ما رأيتم منى من توحيد الله أو نفى الشركاء عنه، أو من بعد ما كنت أحمل بنى إسرائيل على التوحيد وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر.

стр. 4321

أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدثتم أنفسكم بموتى، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدة الضجر عند استماعه حديث العجل. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي بشعر رأسه. يَجُرُّهُ إِلَيْهِ بذؤابته. ابْنَ أُمَّ قرىء بالفتح تشبيها بخمسة عشر، وبالكسر على طرح ياء الاضافة. والمقول أنه كان أخاه لأبيه وأمه، فان صح هذا كانت الاضافة الى الأم اشارة الى أنهما من بطن واحد، وهذا أدعى الى العطف والرقة. وقيل: لأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها. وقيل: لأنها هى التي قاست فيه الخلوف والشدائد فذكرها بحقها. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعنى أنه لم يأل جهدا فى كفهم بالوعظ والانذار، وبما بلغته طاقته من بذل القوة فى مضادتهم حتى قهروه واستضعفوه. وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ولم يبق الا أن يقتلوه. فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة الى. وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ولا تجعلنى فى موجدتك على وعقوبتك لى قرينا لهم وصاحبا. أو لا تعتقد أنى واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.

стр. 4322

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥١ الى ١٥٤] قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) ١٥١- قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ليرضى أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تقم لهم شماتتهم. وقد استغفر لنفسه بما فرط منه الى أخيه، ولأخيه أن عسى يكون فرط فى حسن الخلافة. ١٥٢- إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ: غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ما أمروا به من قتل أنفسهم. وَذِلَّةٌ خروجهم من ديارهم، لأن ذلك الغربة مثل مضروب. الْمُفْتَرِينَ المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم واله موسى. ١٥٣- وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ من الكفر والمعاصي كلها. ثُمَّ تابُوا ثم رجعوا. مِنْ بَعْدِها الى الله واعتذروا اليه. وَآمَنُوا وأخلصوا الايمان. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد تلك العظائم. لَغَفُورٌ لستور عليهم محاء لما كان منهم. رَحِيمٌ منعم عليهم بالجنة. ١٥٤- وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ:

стр. 4323

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك، فترك التعلق بذلك وقطع الإغراء. أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها. وَفِي نُسْخَتِها وفيما نسخ منها، أي كتب. لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا. [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٥] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) ١٥٥- وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ رجف بهم الجبل فصعقوا. قالَ موسى. رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ وهذا تمن منه للاهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكنى قبل هذا. أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا يعنى أتهلكنا جميعا، يعنى نفسه وإياهم لأنه انما طلب الرؤية زجرا للسفهاء، وهم طلبوها سفها وجهلا. إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتنى وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالا فاسدا، حتى افتتنوا وضلوا. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ تضل بالمحنة الجاهلين غير الثابتين فى معرفتك وتهدى العالمين بك الثابتين بالقول الثابت.

стр. 4324

أَنْتَ وَلِيُّنا مولانا القائم بأمورنا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٧] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) ١٥٦- وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ: وَاكْتُبْ لَنا وأثبت لنا واقسم. فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً عاقبة وحياة طيبة وتوفيقا فى الطاعة. وَفِي الْآخِرَةِ الجنة. هُدْنا إِلَيْكَ تبنا إليك. قالَ عَذابِي من حاله وصفته أنى: أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ممن لم يتب. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي واسعة تبلغ كل شىء. ١٥٧- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الذي نوحى اليه كتابا مختصا به وهو القرآن. النَّبِيَّ صاحب المعجزات. الْأُمِّيَّ الذي لا يكتب ولا يقرأ. الَّذِي يَجِدُونَهُ يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بنى إسرائيل. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة، أو ما

стр. 4325

طاب فى الشريعة والحكم، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلا كسبه من السحت. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، أو ما خبث فى الحكم كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة. إِصْرَهُمْ الإصر: الشغل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس فى صحة توبتهم. وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ مثل لما كان فى شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ من غير شرع الدية وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وتحريم السبت. وَعَزَّرُوهُ ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو. النُّورَ القرآن. أُنْزِلَ مَعَهُ أي مع نبوته. [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) ١٥٨- قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً جميعا، نصب على الحال، أي أنه بعث للناس كافة، وكل رسول قبله بعث الى قومه خاصة. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الذي فى محل نصب بإضمار: أعنى، وهو ما يسمى النصب على المدح. ويجوز أن يكون فى محل جر على الوصف، وان حيل بين الصفة والموصوف بقوله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً.

стр. 4326

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بدل من الصلة التي هى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهى بيان للجملة قبلها، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة. يُحيِي وَيُمِيتُ بدل هى الأخرى من الصلة التي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وهى بيان لاختصاصه بالالهية لأنه لا يقدر على الاحياء والإماتة غيره. وَكَلِماتِهِ وما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه. وقرىء (وكلمته) على الافراد، وهى القرآن. أو أراد جنس ما كلم به. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ارادة أن تهتدوا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) ١٥٩- وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ: أُمَّةٌ هم المؤمنون التائبون من بنى إسرائيل. يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يهدون الناس بكلمة الحق. وَبِهِ يَعْدِلُونَ وبالحق يعدلون بينهم فى الحكم لا يجورون. ١٦٠- وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: وَقَطَّعْناهُمُ وصيرناهم قطعا، أي فرقا، وميزنا بعضهم من بعض لقلة الألفة بينهم. اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً الأسباط: أولاد الولد، جمع سبط، بالكسر، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثنى عشر ولدا، من ولد يعقوب ﵇.

стр. 4327

وجاء التمييز جمعا وحقه أن يكون مفردا، إذ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أَسْباطاً موضع قبيلة. أُمَماً بدل من اثنتي عشرة قبيلة، بمعنى: وقطعناهم أمما، لأن كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد. فَانْبَجَسَتْ فانفجرت. كُلُّ أُناسٍ أي كل أمة من تلك الأمم الاثنتى عشرة. وهذا نظير قوله اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً والأناس، اسم جمع غير تكسير. وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وجعلناه ظليلا عليهم فى التيه. كُلُوا على ارادة القول. وَما ظَلَمُونا وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ولكنهم كانوا يضرون أنفسهم، ويرجع وبال ظلمهم إليهم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) ١٦١- وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ واذكر إذ قيل لهم. الْقَرْيَةَ بيت المقدس. وَقُولُوا حِطَّةٌ وقولوا نسألك يا ربنا أن تحط عنا خطايانا. وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وادخلوا باب القرية حانى الرؤوس كهيئة الركوع تواضعا. نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ نتجاوز عن ذنوبكم. سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وسنزيد ثواب من أحسنوا الأعمال. ١٦٢- فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ:

стр. 4328

مِنْهُمْ زيادة بيان. فَأَرْسَلْنا فأنزلنا. رِجْزاً عذابا. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٤] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) ١٦٣- وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ: وَسْئَلْهُمْ أي اليهود. وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم. حاضِرَةَ الْبَحْرِ قريبة منه راكبة لشاطئه. إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذ يتجاوزون حدود الله فيه، وهو اصطيادهم فى يوم السبت، وقد نهوا عنه. يَوْمَ سَبْتِهِمْ يوم تعظيمهم أمر السبت. شُرَّعاً ظاهرة على وجه الماء. وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ يوم لا يعظمون أمر السبت. لا يسبتون، بضم الباء، من (أسبتوا) . كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب فسقهم. ١٦٤- وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وَإِذْ قالَتْ معطوف على إِذْ يَعْدُونَ وحكمه حكمه فى الاعراب. أُمَّةٌ مِنْهُمْ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول فى موعظتهم، حتى يئسوا من قبولهم لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم.

стр. 4329

لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم. أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً لتماديهم فى الشر. قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي موعظتنا إبلاء عذر الى الله. ولئلا ننسب فى النهى عن المنكر الى بعض التفريط. وقرىء: معذرة بالنصب، أي وعظناهم معذرة الى ربكم. أو اعتذرنا معذرة. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ولطمعنا فى أن يتقوا بعض الاتقاء. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٨] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) ١٦٥- فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ: فَلَمَّا نَسُوا يعنى أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه. وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا الظالمين الراكبين للمنكر. ١٦٦- فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه. قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أي مسخناهم قرودا. ١٦٧- وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: تَأَذَّنَ رَبُّكَ عزم، وأجرى مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم. لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ليسلطن عليهم. ١٦٨- وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:

стр. 4330

وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً وفرقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم. مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ الذين آمنوا منهم بالمدينة. وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه. وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ بالنعم والنقم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ينتهون فينيبون. [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٩] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) ١٦٩- فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد المذكورين. خَلْفٌ وهم الذين كانوا فى زمن رسول الله ﵌. وَرِثُوا الْكِتابَ التوراة بقيت فى أيديهم يقرءونها ولا يعملون بها. يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي الدنيا وما يتمتع به منها. والمراد ما كانوا ينالونه من العامة على تحريف الكلم للتسهيل عليهم. وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لن يؤاخذنا الله بما أخذنا. وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ الواو للحال، أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون الى مثل فعلهم غير تائبين. أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعنى ما جاء فى التوراة أنه من ارتكب ذنبا عظيما فانه لا يغفر له إلا بالتوبة. أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ عطف بيان لقوله مِيثاقُ الْكِتابِ.

стр. 4331

يعنى أن اثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله، وتقول عليه ما ليس بحق. أَنْ لا يَقُولُوا مفعول له، أي لئلا يقولوا. وَدَرَسُوا ما فِيهِ فى الكتاب من اشتراط التوبة فى غفران الذنوب. وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ذلك الغرض الخسيس. لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ محارم الله. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٠ الى ١٧١] وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) ١٧٠- وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ مرفوع بالابتداء وخبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. وقد يكون فى محل جر عطفا على لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويكون قوله إِنَّا لا نُضِيعُ اعتراضا. ١٧١- وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ قلعناه ورفعناه. كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الظلة: ما أظلك من سقيفة أو سحاب. وقرىء بالطاء المهملة، من أطل عليه، إذا أشرف. وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله الطور على رؤوسهم، وقيل لهم: ان قبلتموها بما فيها والا ليقعن عليكم. خُذُوا ما آتَيْناكُمْ على ارادة القول، أي وقلنا: خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم. بِقُوَّةٍ وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه.

стр. 4332

وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأوامر والنواهي ولا تنسوه. أو واذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه. أو واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة والانذار. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ما أنتم عليه. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٣] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) ١٧٢- وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ: مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بَنِي آدَمَ بدل البعض من الكل. والمعنى: إخراجهم من أصلابهم نسلا واشهادهم على أنفسهم. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ من باب التمثيل. والمعنى: أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال لهم: ألست بربكم، وكأنهم قالوا: بلى، أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيته. أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه. ١٧٣- أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ: أَوْ تَقُولُوا أو كراهة أن تقولوا. إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم فى الاعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم فى الشرك. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أي كانوا السبب فى شركنا لتأسيهم الشرك وتقدمهم فيه، وتركه سنة لنا.

стр. 4333

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٦] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ١٧٤- وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وَكَذلِكَ ومثل ذلك التفصيل البليغ. نُفَصِّلُ الْآياتِ لهم. وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها. ١٧٥- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على اليهود. نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها هو عالم من علماء بنى إسرائيل، هو بلعم بن باعوراء، أوتى علم بعض كتب الله. فَانْسَلَخَ مِنْها من الآيات، بأن كفر ونبذها وراء ظهره. فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له. فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ فصار من الضالين الكافرين. ١٧٦- وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها لعظمناه ورفعناه الى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات. وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ مال الى الدنيا ورغب فيها. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ فصفته التي هى مثل فى الخسة والضعة كصفة الكلب فى أخس أحواله وأذلها، وهى حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه، أي شد عليه وهيج فطرد، أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث الا إذا هيج منه وحرك، والا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه فى الحالتين جميعا.

стр. 4334

ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من اليهود وبعد ما قرءوا نعت رسول الله ﵌ فى التوراة، وذكر القرآن المعجز وما فيه. فَاقْصُصِ قصص بعلم الذي هو نحو قصصهم. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيحذرون مثل عاقبته، إذا ساروا نحو سيرته. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٧ الى ١٧٩] ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) ١٧٧- ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ أي مثل القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم. وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ معطوف على كَذَّبُوا فيدخل فى حيز الصلة، بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم. أو كلام منقطع عن الصلة بمعنى: وما ظلموا الا أنفسهم بالتكذيب. وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها الى غيرها. ١٧٨- مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ: فَهُوَ الْمُهْتَدِي حمل على اللفظ. فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حمل على المعنى. ١٧٩- وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ: كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ هم المطبوع على قلوبهم فلا يلقون أذهانهم الى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم الى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا منهم القلوب، وأبصار العيون، واستماع الآذان. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ فى عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر.

стр. 4335

بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر. أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون فى الغفلة. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٤] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) ١٨٠- وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي هى أحسن الأسماء، لأنها تدل على معان حسنة من تمجيد وتقديس، وغير ذلك. فَادْعُوهُ بِها فسموه بتلك الأسماء. وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه. ١٨١- وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ: أي يدعون غيرهم للحق بسبب حبهم للحق، وبالحق وحده يعدلون فى أحكامهم. ١٨٢- وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنستدنيهم قليلا الى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يراد بهم. ١٨٣- وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ: وَأُمْلِي لَهُمْ عطف على سَنَسْتَدْرِجُهُمْ وهو داخل فى حكم (السين) . إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ سماه كيدا، لأنه شبيه بالكيد، من حيث انه فى الظاهر احسان وفى الحقيقة خذلان. ١٨٤- أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ:

стр. 4336

ما بِصاحِبِهِمْ بمحمد ﵌. مِنْ جِنَّةٍ من جنون. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٥ الى ١٨٦] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) ١٨٥- أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا نظر استدلال. فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيما تدلان عليه من عظم الملك. والملكوت: الملك العظيم. وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف. وَأَنْ عَسى أن، مخففة من الثقيلة، والأصل أنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن. والمعنى: أو لم ينظروا فى أن الشأن والحديث عسى: أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا الى النظر وطلب الحق وما ينجيهم، قبل مناقصة الأجل وحلول العقاب. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ متعلق بقوله عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ كأنه قيل لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون الى الايمان بالقرآن قبل الفوت، وما ينتظرون بعد وضوح الحق، وبأى حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. ١٨٦- مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: وَيَذَرُهُمْ قرىء بالياء والنون، والرفع على الاستئناف. وقرىء بالياء والجزم عطفا على محل فَلا هادِيَ لَهُ كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم.

стр. 4337

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) ١٨٧- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: يَسْئَلُونَكَ السائلون، هم اليهود، وقيل: هم قريش. السَّاعَةِ من الأسماء الغالبة وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها. أَيَّانَ متى. مُرْساها إرساؤها، أو وقت ارسائها، أي إثباتها وإقرارها. إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي علم وقت ارسائها عنده قد استأثر به. لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ أي لا تزال خفية، لا يظهر أمرها، ولا يكشف خفاء علمها الا هو وحده، إذا جاء بها فى وقتها بغتة، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحد من خلقه، لاستمرار الخفاء بها على غيره الى وقت وقوعها. ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، وبوده أن يتجلى له علمها، وشق عليه خفاؤها وثقل عليه. أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها. أو لأن كل شىء لا يطيقها ولا يقوم لها، فهى ثقيلة فيها. إِلَّا بَغْتَةً الا فجأة على غفلة منكم. كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها كأنك عالم بها. وحقيقته كأنك بليغ فى السؤال عنها، لأن من بالغ فى المساءلة عن الشيء والتنقير عنه استحكم عليه وثبت وتيقن.

стр. 4338

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٨ الى ١٨٩] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) ١٨٨- قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا اظهار للعبودية وانتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسى اجتلاب نفع ولا دفع ضرر. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ربى ومالكى من النفع لى والدفع عنى وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ لكانت حالى على خلاف ما هى عليه من استكثار الخير، واستغزار المنافع، واجتناب السوء والمضار، حتى لا يمسنى شىء منها. إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ عبد أرسلت نذيرا وبشيرا. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يتعلق بالنذير والبشير، لأن النذارة والبشارة انما تنفعان فيهم. أو هو متعلق بالبشير وحده، ويكون المتعلق بالنذير محذوفا، أي الا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون. ١٨٩- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ: مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هى نفس آدم ﵇. وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها وهى حواء. لِيَسْكُنَ إِلَيْها ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر. وذكر بعد ما أنث فى قوله واحِدَةٍ، ذهابا الى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن الى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى.

стр. 4339

فَلَمَّا تَغَشَّاها التغشى: الجماع. حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً خف عليها، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى. فَمَرَّتْ بِهِ فمضت به الى وقت ميلاده. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ حان وقت ثقل حملها. لَئِنْ آتَيْتَنا لئن وهبت لنا. صالِحاً ولدا سويا. لَنَكُونَنَّ لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٢] فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) ١٩٠- فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ: فَلَمَّا آتاهُما ما طلباه من الولد الصالح السوي. جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه. فِيما آتاهُما أي آتى أولادهما، على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه. أي تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وبعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك. ١٩١- أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ: وَهُمْ يُخْلَقُونَ أجريت الأصنام مجرى أولى العلم بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة. أي أيشركون ما لا يقدر على خلق شىء كما يخلق الله وهم يخلقون لأن الله خالقهم. ١٩٢- وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ: وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ لعبدتهم.

стр. 4340

نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٣ الى ١٩٥] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) ١٩٣- وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ وان تدعوا هذه الأصنام. إِلَى الْهُدى أي الى ما هو هدى ورشاد، والى أن يهدوكم. والمعنى: وان تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى، لا يتبعوكم الى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله. سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أم صممتم عن دعائهم، فى أنه لا فلاح معهم. ١٩٤- إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله. عِبادٌ أَمْثالُكُمْ استهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فان ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضل بينكم. ١٩٥- أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ أبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم. قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ واستعينوا بهم فى عداوتى. ثُمَّ كِيدُونِ جميعا أنتم وشركاؤكم. فَلا تُنْظِرُونِ فانى لا أبالى بكم.

стр. 4341

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠] إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) ١٩٦- إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ أي ناصرى عليكم الله. الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ الذي أوحى الى كتابه وأعزنى برسالته. وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ومن عادته أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه ولا يخذلهم. ١٩٧- وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ والأصنام الذين تطلبون منهم النصر دون الله. ١٩٨- وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ يشبهون الناظرين إليك، لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته الى الشيء ينظر اليه. وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وهم لا يدركون المرئي. ١٩٩- خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ: الْعَفْوَ ضد الجهد، أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا. وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ العرف والجميل من الأفعال. وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوءك منهم. ٢٠٠- وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:

стр. 4342

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ واما ينخسنك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ولا تطعه. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠١ الى ٢٠٥] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) ٢٠١- إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ: طائِفٌ وقرىء: طيف، أي لمسة من الشيطان. تَذَكَّرُوا ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه. ٢٠٢- وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ: يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أي يكونون مددا لهم فيه ويعصدونهم. ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ثم لا يمسكون عن اغوائهم. ٢٠٣- وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: لَوْلا اجْتَبَيْتَها هلا أخذتها. بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي حجج بينة يعود المؤمنون بها بصراء. ٢٠٤- وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أي إذا تلا عليكم الرسول ﵌ القرآن عند نزوله فاستمعوا له. وقيل: اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. ٢٠٥- وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً متضرعا وخائفا.

стр. 4343

وَدُونَ الْجَهْرِ ومتكلما كلاما دون الجهر، لأن الإخفاء أدخل فى الإخلاص وأقرب الى حسن التفكر. بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ لفضل هذين الوقتين. أو أراد الدوام. وبالغدو، أي بأوقات الغدو، وهى الغدوات. والآصال، جمع أصيل، وهو الوقت حين تصفر الشمس لمغربها. وقرىء: بالإيصال، من آصل، إذا دخل فى الأصيل. [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٦] إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) ٢٠٦- إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ هم الملائكة. ومعنى عِنْدَ دنو المنزلة والقرب من رحمة الله تعالى وفضله لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته. وَلَهُ يَسْجُدُونَ ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره.

стр. 4344

(٨) سورة الأنفال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) ١- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: الْأَنْفالِ الغنائم، لأنها من فضل الله وعطائه، الواحد: نفل، وهو ما ينفله الغازي أي يعطاه زائدا على سهمه من المغنم. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ان حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها. فَاتَّقُوا اللَّهَ فى الاختلاف والتخاصم. وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ان كنتم كاملى الايمان. ٢- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اشارة إليهم، أي انما كاملو الايمان. وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فزعت. زادَتْهُمْ إِيماناً ازدادوا بها يقينا وطمأنينة. وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ولا يفوضون أمورهم الى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون الا إياه. ٣- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يؤدونها مستوفية الأركان.

стр. 4345

وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وينفقون قدرا من المال الذي رزقهم الله فى وجوه الخير. [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤ الى ٥] أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) ٤- أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: حَقًّا صفة للمصدر المحذوف، أي أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا. دَرَجاتٌ شرف وكرامة وعلو منزلة. وَمَغْفِرَةٌ وتجاوز لسيئاتهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ نعيم الجنة. ٥- كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ محل الكاف محل رفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال كحال اخراجك، أي ان حالهم فى كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة، مثل حالهم فى كراهة خروجك للحرب. ويجوز أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر فى قوله الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي الأنفال استقرت لله والرسول الله ﵌، وثبت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون. مِنْ بَيْتِكَ أي بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه. بِالْحَقِّ أي إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب الذي لا محيد عنه. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ فى موضع الحال. أي أخرجك فى حال كراهتهم وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون راكبا وانتهى خبر هذه العير الى الرسول والى المسلمين فحفزهم هذا الى تلقى العير وبلغ أهل مكة خروج المسلمين
следующие страницы →