← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لات: فعل ماض بمعنى: نقص. وقيل: أصلها ليس، تحركت الياء فقلبت ألفا لانفتاح ما قبلها وأبدلت السين تاء. وقيل: هى كلمتان: لا النافية زيدت عليها التاء لتأنيث الكلمة، وحركت لالتقاء الساكنين. وقيل: هى لا النافية والتاء زائدة فى أول الحين. واختلف فى عملها: فقيل: لا تعمل شيئا، فإن تلاها مرفوع فمبتدأ وخبر، أو منصوب فبفعل محذوف. وقيل: تعمل عمل: إن. وقيل: تعمل عمل: ليس. وعلى كل قول لا يذكر بعدها إلا أحد المعمولين. ولا تعمل إلا فى لفظ الحين. أو ما رادفه، وقد تستعمل حرف جرّ لأسماء الزمان خاصة. لا جرم، وردت فى القرآن فى خمسة مواضع: متلوة ب «أن» واسمها، ولم يجىء بعدها فعل، فاختلف فيها: فقيل: لا نافية، وجرم، فعل، معناه: حقّا، وإن، مع ما فى حيزه فى موضع رفع. وقيل: زائدة، وجرم، معناه: كسب، أى كسب لهم عملهم الندامة، وما فى حيزها فى موضع نصب. وقيل: هما كلمتان ركبتا وصار معناهما: حقّا.

стр. 562

وقيل: معناها لابد، وما بعدها فى موضع نصب بإسقاط حرف الجر. لكن، مشددة النون حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر. ومعناه الاستدراك، وفسر بأن تنسب لما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مخالف لما بعدها، أو مناقض له. وقد تردد للتوكيد مجردا عن الاستدراك. وقيل: إنها مركبة من: لكن أن، فطرحت الهمزة للتخفيف، ونون (لكن) للساكنين. لكن، مخففة، ضربان: أحدهما: مخففة من الثقيلة. وهى حرف ابتداء لا يعمل، بل لمجرد إفادة الاستدراك، وليست عاطفة لاقترانها بالعاطف فى قوله: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. والثانى: عاطفة، إذا تلاها مفرد، وهى أيضا للاستدراك نحو: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ. لعل: حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، وله معان: أشهرها التوقع، وهو الترجى فى المحبوب، والإشفاق فى المكروه. الثانى: التعليل. الثالث: الاستفهام. لم: حرف جزم لنفى المضارع وقلبه ماضيا، والنصب بها لغة. لما، على أوجه: أحدها: أن تكون حرف جزم. فتختص بالمضارع وتنفيه وتقلبه ماضيا ك «لم» ، لكن يفترقان من أوجه: لا تقترن بأداة شرط ونفيها مستمر إلى الحال وقريب منه ويتوقع ثبوته، وأن نفيها آكد من نفى (لم) ، فهى لنفى: قد فعل، و (لم) لنفى: فعل، ولهذا قيل: إنها مركبة من: لم، وما، وإنهم لما زادوا فى الإثبات (قد) زادوا فى النفى (ما) .

стр. 563

وأن منفى (لما) جائز الحذف اختيارا، بخلاف (لم) . الثانى: أن تدخل على الماضى فتقتضى جملتين، وجدت الثانية عند وجود الأولى، ويقال فيها: حرف وجود لوجود. وذهب جماعة إلى أنها حينئذ ظرف بمعنى (حين) . وقيل: بمعنى (إذن) بأنها مختصة بالماضى وبالإضافة إلى الجملة. وجواب هذه يكون ماضيا، وجملة اسمية بالفاء، وب «إذا» الفجائية. وجوّز بعضهم كونه مضارعا. الثالث: أن تكون حرف استثناء، فتدخل على الاسمية والماضوية. لن: حرف نفى ونصب واستقبال، والنفى بها أبلغ من النفى ب «لا» ، فهو لتأكيد النفى، فهى لنفى: إنى أفعل، و (لا) لنفى: أفعل، كما فى (لم) . وقيل: إنها لتأييد النفى. وقيل: إن (لن) لنفى ما قرب وعدم امتداد النفى، و (لا) يمتد معها النفى، و (لا) آخرها الألف، والألف يمكن امتداد الصوت بها، بخلاف النون، فطابق كل لفظ معناه قيل: ولذلك أتى ب «لن» حيث لم يرد به النفى مطلقا. لو: حرف شرط فى المضى، يصرف المضارع إليه، بعكس (إن) الشرطية. واختلف فى إفادتها الامتناع، وكيفية إفادتها إياه على أقوال: أحدها: أنها لا تفيده بوجه، ولا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب، بل هى لمجرد ربط الجواب بالشرط دالة على التعليق فى الماضى، كما دلت (إن) على التعليق فى المستقبل، ولم تدل بالإجماع على امتناع ولا ثبوت. الثانى: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. أى إنها تقتضى فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته وثبوت غيره، والمتوقع غير واقع. الثالث: أنها حرف امتناع لامتناع: أى يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط. والرابع: أنها حرف يقتضى امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه من غير تعرض لنفى التالى.

стр. 564

لولا: على أوجه: أحدها: أن تكون حرف امتناع لوجود، فتدخل على الجملة الاسمية، ويكون جوابها فعلا مقرونا باللام، إن كان مثبتا، ومجردا منها، إن كان منفيّا. وإن وليها ضمير فحقه أن يكون ضمير رفع. الثانى: أن تكون بمعنى: هلا، فهى للتخصيص والعرض فى المضارع أو ما فى تأويله، وللتوبيخ والتنديم فى المضارع. الثالث: أن تكون للاستفهام. الرابع: أن تكون للنفى. لو ما: بمنزلة (لولا) ، ولم ترد إلا للتحضيض. ليت: حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ومعناه التمنى، وقيل: إنها تفيد تأكيده. ليس: فعل جامد، ومن ثم ادعى قوم حرفيته، ومعناه نفى مضمون الجملة فى الحال ونفى غيره بالقرينة. وقيل: هى لنفى الحال وغيره. وقيل: وترد للنفى العام المستغرق، المراد به الجنس، ك «لا» التبرئة، وهو مما يفعل عنها. ما: اسمية، وحرفية. فالاسمية، ترد: موصولة بمعنى: الذى، ويستوى فيها المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع، والغالب استعمالها فيما لا يعلم، وقد تستعمل فى العالم، ويجوز فى ضميرها مراعاة اللفظ والمعنى، بخلاف الباقى. واستفهامية بمعنى: أى شىء، ويسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته، وأجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم، ولا يسأل بها عن أعيان أولى العلم، خلافا لمن أجازه. ويجب حذف ألفها إذا جرت، وإبقاء الفتحة دليلا عليها، فرقا بينها وبين الموصولة.

стр. 565

وشرطية. وتعجبية. ولا ثالث لهما فى القرآن، ومحلها رفع بالابتداء وما بعدها خبر، وهى نكرة تامة، ونكرة موصوفة، وغير موصوفة. والحرفية ترد مصدرية: إما زمانية، أو غير زمانية، ونافية، إما عاملة عمل ليس أو غير عاملة. وهى لنفى الحال. وزائدة للتأكيد. إما كافة، كأنما، أو غير كافة. ماذا. ترد على أوجه. أحدها: أن تكون (ما) استفهاما، و (ذا) موصولة. الثانى: أن تكون (ما) استفهاما، (ذا) إشارة. الثالث أن يكون (ماذا) كله استفهاما على التركيب. الرابع: أن يكون (ماذا) كله اسم جنس، بمعنى: شىء، أو موصولا، بمعنى: الذى. الخامس: أن تكون (ما) زائدة، و (ذا) للإشارة. السادس: أن تكون (ما) استفهاما، (ذا) زائدة. متى: ترد استفهاما عن الزمان وشرطا. مع: اسم، بدليل، جرها ب «من» ، وأصلها لمكان الاجتماع أو وقته، وقد يراد به مجرد الاجتماع والاشتراك، مع غير ملاحظة المكان والزمان. من: حرف له معان. أشهرها: ابتداء الغاية مكانا وزمانا، وغيرهما. والتبعيض، بأن يسد (بعض) مسدها. والتبيين، وكثيرا ما تقع بعد: ما، ومهما.

стр. 566

والفصل بالمهملة، وهى الداخلة على ثانى المتضادين. والبدل. وتنصيص العموم. ومعنى الباء، نحو: (ينظرون من طرف خفى) ، أى: به. وعلى، نحو: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ، أى: عليهم. وفى، نحو: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أى: فيه. وعن، نحو: قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، أى عنه. وعند، نحو: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أى: عنده. والتأكيد، وهى الزائد فى النفى، أو النهى، أو الاستفهام. من: لا تقع إلا اسما، فترد موصولة، وشرطية، واستفهامية، ونكرة موصوفة. وهى ك «ما» فى استوائها فى المذكر والمفرد وغيرهما، والغالب استعمالها فى العالم عكس (ما) . ونكتته أن (ما) أكثر وقوعا فى الكلام منها، وما لا يعقل أكثر ممن يعقل، فأعطوا ما كثرت مواضعه للكثير، وما قلّت للقليل للمشاكلة. واختصاص (من) بالعالم، و (ما) بغيره، فى الموصولتين دون الشرطيتين، لأن الشرط يستدعى الفعل ولا يدخل على الأسماء. مهما: اسم، لعود الضمير عليها حملا على اللفظ وعلى المعنى، وهى شرط لما لا يعقل غير الزمان، وفيها تأكيد. وقيل: إن أصلها (ما) الشرطية، و (ما) ، الزائدة، أبدلت ألف الأولى هاء دفعا للتكرار. النون، على أوجه: اسم، وهى ضمير النسوة. وحرف، وهى نوعان: نون التوكيد، وهى خفيفة وثقيلة. ونون الوقاية، وتلحق ياء المتكلم المنصوبة بفعل، أو حرف، والمجرورة ب «لدن» ، أو (من) ، أو (عن) .

стр. 567

التنوين: نون تثبت لفظا لا خطّا، وأقسامه كثيرة. تنوين التمكين. وهو اللاحق للأسماء المعربة. وتنوين التنكير. وهو اللاحق لأسماء الأفعال فرقا بين معرفتها ونكرتها، نحو التنوين اللاحق ل «أف» فى قراءة من نوّنه، و (هيها) ، فى قراءة من نونها. وتنوين المقابلة، وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم نحو: مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ. وتنوين العوض إما عن حرف آخر مفاعل المعتل، أو عن اسم مضاف إليه فى: كل، وبعض، وأى، أى عن الجملة المضاف إليها، أو (إذا) . وتنوين الفواصل الذى يسمى فى غير القرآن. الترنم بدلا من حرف الإطلاق، ويكون فى الاسم والفعل والحرف. نعم: حرف جواب، فيكون تصديقا للمخبر، ووعدا للطالب، وإعلاما للمستخبر، وبدال عينها حاء وكسرها وإتباع النون لها فى الكسر لغات قرىء بها. نعم: فعل لإنشاء المدح لا يتصرّف. الهاء: اسم ضمير غائب يستعمل فى الجر والنصب، وحرف للغيبة، وهو اللاحق ل «إيا» وللسكت. ها ترد. اسم فعل بمعنى خذ، ويجوز مد ألفه، فيتصرف حينئذ للمثنى والجمع. واسما ضميرا للمؤنث. وحرف تنبيه، فتدخل على الإشارة، وعلى ضمير الرفع المخبر عنه بإشارة، وعلى نعت (أى) فى النداء. ويجوز فى لغة أسد حذف ألف هذه وضمها إتباعا. هات: فعل أمر لا يتصرّف، ومن ثم ادّعى بعضهم أنه اسم فعل. هل: حرف استفهام يطلب به التصديق دون التصوّر، ولا يدخل على

стр. 568

منفى، ولا شرط، ولا (إن) ، ولا اسم بعده فعل غالبا، ولا عاطف. ولا يكون الفعل معها إلا مستقبلا. وترد بمعنى: قد، وبمعنى النفى. هلم: دعاء إلى الشىء، وفيه قولان: أحدهما: أن أصله: ها، ولم، من قولك: لأمت الشىء، أى أصلحته، فحذف الألف وركب. وقيل: أصله هل أم، كأنه قيل: هل لك فى كذا أمه: أى قصده، فركبا. ولغة الحجاز تركه على حاله فى التثنية والجمع وبها ورد القرآن، ولغة تميم إلحاقه العلامات. هنا: اسم يشار به للمكان القريب وتدخل عليه اللام والكاف، فيكون للبعيد، وقد يشار به للزمان اتساعا. هيت: اسم فعل بمعنى: أسرع وبادر. وفيها لغات قرىء ببعضها، هيت، بفتح الهاء والتاء، وهيت، بكسر الهاء وفتح التاء، وهيت، بفتح الهاء وكسر. التاء، وهيت، بفتح الهاء وضم التاء. وقرىء: هئت، بوزن (جئت) ، وهو فعل بمعنى: تهيأت. وقرىء: هيئت، وهو فعل بمعنى: أصلحت. هيهات: اسم فعل بمعنى بعد. وفيه لغات قرىء بها بالفتح وبالضم وبالخفض مع التنوين، فى الثلاثة وعدمه. الواو: جارة ناصية، وغير عاملة. فالجارة: واو القسم. والناصبة: واو (مع) فتنصب المفعول معه فى رأى قوم، والمضارع فى جواب النفى أو الطلب عند الكوفيين.

стр. 569

وواو الصرف عندهم ومعناها أن الفعل كان يقتضى إعرابا فصرفته عنه إلى النصب. وغير العاملة أنواع: أحدها: واو العطف، وهى لمطلق الجمع فتعطف الشىء على مصاحبه وعلى سابقه، ولا حقه. وتفارق سائر حروف العطف فى اقترانها ب «إما» ، وب «لا» بعد نفى، وب «لكن» . وتعطف العقد على النيف، والعام على الخاص وعكسه، والشىء على مرادفه، والمجرور على الجوار. قيل: وترد بمعنى (أو) . وللتعليل، ومنه الواو الداخلة على الأفعال المنصوبة: ثانيها: واو الاستئناف. ثالثها: واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية. وزعم بعضهم أنها تدخل على الجملة الواقعة صفة، لتأكيد ثبوت الصفة للموصوف ولصوقها به، وكما تدخل على الحالية. رابعها: واو الثمانية، وزعموا أن العرب إذا عدوا يدخلون (الواو) بعد السبعة إيذانا بأنها عدد ثان، وأن ما بعده مستأنف. سادسها: ضمير الذكور فى اسم أو فعل. سابعها: واو علامة المذكورين. ثامنها: الواو المبدلة من همزة الاستفهام المضموم ما قبلها. وى كأن: كلمة تندم وتعجب، وأصله، ويلك، والكاف ضمير مجرور. وقيل: وى اسم فعل بمعنى: أعجب، والكاف حرف خطاب، وان، على إضمار اللام، والمعنى: أعجب لأن اللَّه.

стр. 570

وقيل: وى وحدها، وكأن، كلمة مستقلة للتحقيق لا للتشبيه. وقيل: يحتمل (وى كأنه) ثلاثة أوجه: أن يكون (ويك) حرفا، و (أنه) ، حرف، والمعنى: ألم تروا. وأن يكون كذلك، والمعنى: ويلك. وأن تكون (وى) حرفا للتعجب، و (كأنه) حرف، ووصلا خطا لكثرة الاستعمال، كما وصل (يبنؤم) . ويل: تقبيح، وقد يوضع موضع التحسر والتفجع، عن عائشة قالت: «قال لى رسول اللَّه ﷺ : ويحك، فجزعت منها، فقال لى: يا حميراء، إن ويحك، أو ويسك، رحمة، فلا تجزعى منها، ولكن اجزعى من الويل» . يا: حرف لنداء البعيد حقيقة أو حكما، وهى أكثر أحرفه استعمالا، ولهذا لا يقدر عند الحذف سواها، ولا ينادى اسم اللَّه و (أيتها) إلا بها. وقيل: وتفيد التأكيد المؤذن بأن الخطاب الذى يتلوه يعتنى به جدّا. وترد للتنبيه، فتدخل على الفعل والحرف.

стр. 571

٤٧ إعراب القرآن ومن فوائد هذا النوع معرفة المعنى، لأن الإعراب يميز المعانى ويوقف على أغراض المتكلمين. عن عمر بن الخطاب، قال: تعلموا اللحن والفرائض والسنن كما تعلمون القرآن. وعن يحي بن عتيق قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته، قال: حسن: يا ابن أخى، فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها. وعلى الناظر فى كتاب اللَّه تعالى، الكاشف عن أسراره، النظر فى الكلمة وصيغتها ومحلها، ككونها مبتدأ أو خيرا أو فاعلا أو مفعولا، أو فى مبادىء الكلام، أو فى جواب، إلى غير ذلك. ويجب عليه مراعاة أمور. أحدها: وهو أول واجب عليه أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفردا أو مركبا قبل الإعراب، فإنه فرع المعنى، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور إذا قلنا بأنها من المتشابه الذى استأثر اللَّه بعلمه. الثانى: أن يراعى ما تقتضيه الصناعة، فربما راعى المعرب وجها صحيحا ولا نظر فى صحته فى الصناعة فيخطىء، من ذلك قول بعضهم: (وثمودا فما أبقى) : أن (ثمودا) مفعول مقدم، وهذا ممتنع، لأن ل «ما» النافية الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، بل هو معطوف على عاد، أو على تقدير: وأهلك ثمودا. الثالث: أن يكون ملمّا بالعربية لئلا يخرج على ما لم يثبت كقول أبى عبيدة فى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ: أن الكاف قسم، ويبطله أن الكاف لم تجىء بمعنى واو القسم، وإطلاق (ما) الموصولة على اللَّه، وربط الموصول بالظاهر، وهو فاعل (أخرجك) ، وباب ذلك الشعر. (م ١٢- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 572

وأقرب ما قيل فى الآية أنها مع مجرورها خبر محذوف أى هذه الحال من تنفيلك للغزاة، على ما رأيت من كراهتهم لها كحال إخراجك للحرب فى كراهيتهم له. الرابع: أن يتجنب الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة واللغات الشاذة، ويخرج على القريب والقوىّ والفصيح، فإن لم يظهر فيه إلا الوجه البعيد فله عذر، وإن ذكر الجميع لقصد الإعراب والتكثير فصعب شديد، ولبيان المحتمل وتدريب الطالب فحسن فى غير ألفاظ القرآن. أما التنزيل فلا يجوز أن يخرج إلا على ما يغلب على الظن إرادته، فإن لم يغلب شىء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسف. الخامس: أن يستوفى جميع ما يحتمله اللفظ من الأوجه الظاهرة، فتقول فى نحو، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى: يجوز كون (الأعلى) صفة للرب وصفة للاسم. السادس: أن يراعى الشروط المختلفة بحسب الأبواب، ومتى لم يتأملها اختلطت عليه الأبواب والشرائك، ومن ثم خطىء الزمخشرى فى قوله تعالى: مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ أنهما عطفا بيان، والصواب أنهما نعتان لاشتراط الاشتقاق فى النعت والجمود فى عطف البيان. السابع: أن يراعى فى كل تركيب ما يشاكله، فربما خرج كلاما على شىء. ويشهد استعمال آخر فى نظير ذلك الموضع بخلافه، ومن ثم خطىء الزمخشرى فى قوله: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ أنه عطف على: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ولم يجعله معطوفا على: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لأن عطف الاسم على الاسم أولى، ولكن مجىء قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ بالفعل فيهما يدل على خلاف ذلك. الثامن: أنه يراعى الرسم، ومن ثم خطىء من قال فى (سلسبيلا) : إنها جملة أمر به، أى سل طريقا موصلة إليها، لأنها لو كانت كذلك لكتبت مفصولة.

стр. 573

التاسع: أن يتأمل عند ورود المشتبهات، ومن ثم خطىء من قال فى: أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً إنه أفعل تفضيل والمنصوب تمييز، وهو باطل فإن الأمد ليس محصيا بل يحصى، وشرط التمييز المنصوب بعد أفعل كونه فاعلا فى المعنى، فالصواب أنه فعل، و (أمد) مفعول، مثل: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. العاشر: ألا يخرج على خلاف الأصل أو خلاف الظاهر بغير مقتض، ومن ثم خطىء مكى فى قوله فى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي إن الكاف نعت لمصدر: أى إبطالا كإبطال الذى، والوجه كونه حالا من الواو، أى لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذى، فهذا لا حذف فيه. الحادى عشر: أن يبحث عن الأصلى والزائد نحو: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ فإنه قد يتوهم أن الواو فى يَعْفُونَ ضمير الجمع، فيشكل إثبات النون، وليس كذلك بل هى فيه لام الكلمة فهى أصلية والنون ضمير النسوة، والفعل معها مبنى. ووزنه يفعلن، فالواو فيه ضمير الجمع وليست من أصل الكلمة. الثانى عشر: أن يجتنب إطلاق لفظ الزائدة فى كتاب اللَّه تعالى، فإن الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له، وكتاب اللَّه منزّه عن ذلك، ولهذا فرّ بعضهم إلى التعبير بدله بالتأكيد والصلة والمقحم.

стр. 574

٤٨ المحكم والمتشابه قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، ثلاثة أقوال: أحدها: أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ. الثانى: كله متشابه لقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ. الثالث: وهو الصحيح: انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية الأولى. والمراد بإحكامه: إتقانه وعدم تطرّق النقص والاختلاف إليه. وبتشابهه. كونه يشبه بعضه بعضا فى الحقّ والصدق والإعجاز. والمحكم لا تتوقف معرفته على البيان، والمتشابه لا يرجى بيانه. وقد اختلف فى تعيين المحكم والمتشابه على أقوال: فقيل: المحكم: ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل. والمتشابه: ما استأثر اللَّه بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة فى أوائل السور. وقيل: المحكم: ما وضح معناه، والمتشابه، نقيضه. وقيل: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل أوجها.

стр. 575

وقيل: المحكم، ما كان معقول المعنى، والمتشابه: بخلافه كأعداد الصلوات. واختصاص الصيام برمضان دون شعبان. وقيل: المحكم: ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. وقيل: المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل. وقيل: المحكم: ما لم تكرّر ألفاظه، ومقابله المتشابه. وقيل: المحكمات: الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه: القصص والأمثال. وقيل: المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به وقيل: المحكمات: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدّق بعضه بعضا.

стр. 576

٤٩ مقدمه ومؤخره منه قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أى: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم فى الحياة الدنيا، إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها فى الآخرة. ومنه قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى أى لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. ومنه قوله تعالى: أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً، أى أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا. ومنه قوله تعالى: إنى متوفاك ورافعك، أى رافعك إلىّ ومتوفيك. ومنه قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أى: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا. ومنه قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا أ: أذاعو به إلا قليلا منهم. ومنه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ الأصل: هواه إله، لأن من اتخذ إلهه هواه غير مذموم، فقدم المفعول الثانى للعناية به. ومنه: غَرابِيبُ سُودٌ والأصل، سود غرابيب، لأن الغرابيب: الشديدة السواد. ومنه: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها أى فبشرناها فضحكت. وللتقديم أسباب وأسرار : الأول: التبرّك: كتقديم اسم اللَّه تعالى فى الأمور ذات الشأن، و: منه قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ.

стр. 577

الثانى: التعظيم، كقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ. الثالث: التشريف، كتقديم الذكر على الأنثى، نحو: الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ. الرابع: المناسبة، وهى: إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام، كقوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ فإن الجمال بالجمال وإن كان ثابتا حالتى السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها، وهو مجيئها من الرعى آخر النهار، يكون الجمال بها أفخر، إذ هى فيه بطان، وحالة سراحها للرعى أول النهار يكون الجمال بها دون الأول، إذ هى فيه خماص. وإما مناسبة لفظ هو من التقدم أو التأخر، كقوله: الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ. الخامس: الحثّ عليه، والحضّ على القيام به حذرا من التهاون به، كتقديم الوصية على الدين فى قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ مع أن الدين مقدم عليها شرعا. السادس: السبق، وهو إما فى الزمان باعتبار الإيجاد، كتقديم الليل على النهار، والظلمات على النور، وآدم على نوح، ونوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وهود على عيسى، وداود على سليمان، والملائكة على البشر، فى قوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ. أو باعتبار الإنزال، كقوله: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى. أو باعتبار الوجوب والتكلف، نحو: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا. أو بالذات، نحو: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. السابع: السببية، كتقديم العزيز على الحكيم، لأنه عزّ فحكم، والعليم عليه، لأنه الإحكام والإتقان ناشىء عن العلم. ومنه تقديم العبادة على الاستعانة فى سورة الفاتحة، لأنها سبب حصول الإعانة. وكذا قوله: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ لأنه التوبة سبب الطهارة.

стр. 578

الثامن: الكثرة، كقوله: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ لأن الكفار أكثر. ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع فى القرآن غالبا، ولهذا ورد: «إن رحمتى غلبت غضبى» . التاسع: الترقى من الأدنى إلى الأعلى، كقوله: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها، بدأ بالأدنى لغرض الترقى. لأن اليد أشرف من الرجل، والعين أشرف من اليد، والسمع أشرف من البصر. العاشر: التدلى من الأعلى إلى الأدنى. ومنه: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ.

стр. 579

٥٠ عامه وخاصه العام: لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، وصيغه: كل، مبتدأة، نحو: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. أو تابعة، نحو: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. والذى، والتى، وتثنيتهما وجمعهما، نحو: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما. فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول: بدليل قوله بعد: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ. وأى، وما، ومن شرطا واستفهاما وموصولا نحو: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. والجمع المضاف، نحو: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. والعرّف بأل، نحو: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. واسم الجنس المضاف، نحو: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أى: كل أمر اللَّه. والمعروف بآل، نحو: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أى كل بيع. أو النكرة فى سياق النفى والنهى، نحو: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ. وفى سياق الشرط، نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ. وفى سياق الامتناع، نحو: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً. والعام، على ثلاثة أقسام: الأول: الباقى على عمومه. ومثاله عزيز، إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص، فقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ قد يخص منه غير المكلف، و: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ خص منه حالة الاضطرار.

стр. 580

الثانى: العام المراد به الخصوص. والثالث: العام المخصوص. وثمة بينهما فروق: أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد، لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل فى فرد منها. والثانى أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم. ومنها: أن الأول مجاز قطعا لنقل اللفظ عن موضعه الأصلى، بخلاف الثانى فإن فيه مذاهب: أصحها أنه حقيقة. ومنها: أن قرينة الأول عقلية والثانى لفظية. ومنها: أن قرينة الأول لا تنفكّ عنه وقرينة الثانى قد تنفك عنه. ومنها: أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقا وفى الثانى خلاف.

стр. 581

٥١ مجمله ومبينه المجمل: ما لم تتضح دلالته. والإجمال أسباب: منها: الاشتراك، نحو: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، فإنه موضوع له: أقبل وأدبر. ومنها: الحذف، نحو: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يحتمل: فى، وعن. ومنها: اختلاف مرجع الضمير، نحو: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يحتمل عود ضمير الفاعل فى (يرفعه) إلى ما عاد عليه ضمير (إليه) ، وهو اللَّه، ويحتمل عوده إلى العمل، والمعنى: أن العمل الصالح هو الذى يرفعه الكلم الطيب، ويحتمل عوده إلى (الكلم) ، أى إن الكلم الطيب، وهو التوحيد، يرفع العمل الصالح، لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان. ومنها: احتمال العطف والاستئناف نحو: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ. ومنها: غرابة اللفظ، نحو: تَعْضُلُوهُنَّ. ومنها: عدم كثرة الاستعمال، نحو: يُلْقُونَ السَّمْعَ. أى يسمعون. ومنها: التقديم والتأخير، نحو: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى أى: ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. ومنها: قلب المنقول، نحو: طُورِ سِينِينَ اى سيناء. ومنها: التكريم القاطع لوصل الكلام فى الظاهر نحو: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.

стр. 582

٥٢ ناسخه ومنسوخه قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب اللَّه إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ. وقد قال علىّ لقاض: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. ويرد الناسخ: بمعنى الإزالة، ومنه قوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ. وبمعنى التبديل، ومنه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ. وبمعنى التحويل، كتناسخ المواريث بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد. وبمعنى النقل من موضع إلى موضع. ومنه: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه، وهذا الوجه لا يصح أن يكون فى القرآن. والنسخ مما خص اللَّه به هذه الأمة لحكم: منها التيسير، وقد أجمع المسلمون على جوازه. واختلف العلماء فقيل: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن، كقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخير منه إلا قرآن. وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لأنها أيضا من عند اللَّه، قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وجعل منه آية الوصية. وقال الشافعى: حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة.

стр. 583

ولا يقع النسخ إلا فى الأمر والنهى ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذى ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد. والنسخ أقسام: أحدها: نسخ المأمور به قبل امتثاله، وهو النسخ على الحقيقة، كآية النجوى. الثانى: نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا، كآية شرع القصاص والدية، أو كان أمر به أمرا إجماليّا، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، وصوم عاشوراء برمضان، وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا. الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا فى الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأكما قال تعالى: أَوْ نُنْسِها فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفى حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية فى ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هى من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله فى وقت مانعية تقتضى ذلك الحكم، بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، وإنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله. الرابع: قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهو ثلاثة وأربعون: سورة: الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين، والعصر، والكافرين. وقسم فيه الناسخ وهو خمس وعشرون: البقرة وثلاث بعدها، والحج، والنور، وتالياها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل والمدثر، وكوّرت، والعصر.

стр. 584

وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ستة: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى. وقسم فيه المنسوخ فقط وهو الأربعون الباقية. الخامس: الناسخ أقسام. فرض نسخ فرضا ولا يجوز العمل بالأول كنسخ الحبس للزوانى بالحد. وقيل: وفرض نسخ فرضا ويجوز العمل بالأول كآبة المصاهرة. وفرض نسخ ندبا كالقتال كان ندبا ثم صار فرضا. وندب نسخ فرضا، كقيام الليل نسخ بالقراءة فى قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. السادس: النسخ فى القرآن على ثلاثة أضرب. أحدها: ما نسخ تلاوته وحكمه معا. والحكمة فى رفع الحكم وبقاء التلاوة، لها وجهان: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام اللَّه فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة. والثانى: أن النسخ غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة. وإنما يرجع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللَّه ﷺ ، أو عن صحابى يقول: آية كذا نسخت كذا. ولا يعتمد فى النسخ قول عوامّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرّر فى عهده ﷺ ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأى والاجتهاد. والثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه. والحكمة فى رفع التلاوة مع بقاء الحكم، ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شىء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طريق الوحى.

стр. 585

٥٣ مشكله والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات، وكلامه تعالى منزّه عن ذلك كما قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ولكن قد يقع للمبتدىء ما يوهم اختلافا وليس به فى الحقيقة فاحتيج لإزالته. جاء رجل إلى ابن عباس فقال: رأيت أشياء تختلف علىّ من القرآن، فقال ابن عباس: ما هو؟ أشك؟ قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، وقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع اللَّه يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ، وقال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فقد كتموا، وأسمعه يقول:، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ثم قال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ، وقال: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ حتى بلغ: طائِعِينَ. ثم قال فى الآية الأخرى: أَمِ السَّماءُ بَناها، ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، وأسمعه يقول: وَكانَ اللَّهُ ما شأنه يقول وكان اللَّه؟ فقال ابن عباس: أما قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنهم لما رأوا يوم القيامة وأن اللَّه يفغر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم، فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فختم اللَّه على أفواهم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. وأما قوله: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فإنه إذا نفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض، إلا من شاء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون.

стр. 586

وأما قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات فى يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقول: جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا. وأما قوله: كانَ اللَّهُ فإن اللَّه كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك، وإن اللَّه لم ينزل شيئا إلا وقد أصاب به الذى أراد. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وللاختلاف أسباب: أحدها: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطورات شتى، كقوله فى خلق آدم من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة من طين لازب، ومرة من صلصال كالفخار، فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها فى أحوال مختلفة، لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر، وهو التراب، ومن التراب درجت هذه الأحوال. وكقوله: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ، وفى موضع: تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ والجانّ: الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها، وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته. الثانى: لاختلاف الموضع كقوله: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ وقوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ مع قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ. فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل. والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوّات من شرائع الدين وفروعه، وحمله غيره على اختلاف الأماكن، لأن فى القيامة مواقف كثيرة، ففى موضع يسألون، وفى آخر لا يسألون. وقيل: إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ، والمنفى سؤال المغفرة وبيان الحجة. وكقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، مع قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

стр. 587

فالأولى محمولة على التوحيد بدليل قوله بعدها: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ والثانية على الأعمال. وقيل: بل الثانية ناسخة للأولى. وكقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً: مع قوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ. فالأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه. والجواب أن الأول فيه توفية الحقوق، والثانية فى الميل القلبى، وليس فى قدرة الإنسان. وكقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ مع قوله: أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها. فالأولى فى الأمر الشرعى، والثانية فى الأمر الكونى، بمعنى القضاء والتقدير. الثالث: لاختلافهما فى جهتى الفعل كقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أضيف القتل إليهم والرمى إليه ﷺ على جهة الكسب والمباشرة. ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير. الرابع: لاختلافهما فى الحقيقة والمجاز: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى أى سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة. الخامس: بوجهين واعتبارين، كقوله، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، مع قوله: خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، فبصرك، أى علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم، بصر بكذا، أى علم، وليس المراد رؤية العين، ويدل على ذلك قوله: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ. وكقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ مع قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة. وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما فى قوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. ومما استشكلوه قوله تعالى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى (م ١٣- الموسوعة القرانية- ج ٢)

стр. 588

وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا، فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان فى أحد هذين الشيئين. وقال فى آية أخرى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا فهذا حصر آخر فى غيرهما. ومعنى آلآية الأولى: (وما منع الناس أو يؤمنوا إلا) إرادة أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ من الخسف أو غيره أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا فى الآخرة، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين. ولا شك أن إرادة اللَّه مانعة من وقوع ما ينافى المراد، فهذا حصر فى السبب الحقيقى، لأن اللَّه هو المانع فى الحقيقة. ومعنى الآية الثانية: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إلا استغراب بعثه بشرا رسولا، لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك، وهو يدل على الاستغراب بالالتزام، وهو المناسب للمانعية، واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا، لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة اللَّه تعالى، فهذا حصر فى المانع العادى، والأول حصر فى المانع الحقيقى فلا تنافى أيضا. ومما استشكل أيضا قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ مع قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، إلى غير ذلك من الآيات. ووجهه أن المراد بالاستفهام هنا النفى، والمعنى: لا أحد أظلم، فيكون خبرا، وإذا كان خبرا، وأخذت الآيات على ظواهرها، أدّى إلى التناقض. وأجيب بأوجه: منها: تخصيص كل موضع بمعنى صلته، أى لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد اللَّه، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللَّه كذبا، وإذا تخصص بالصلات فيها زال التناقض. ومنها: أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما يسبق أحد إلى مثله، حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم، وهذا يئول معناه إلى ما قبله، لأن المراد السبق إلى المانعية والافترائية.

стр. 589

ومنها: أن نفى الأظلمية لا يستدعى نفى الظالمية، لأن نفى المقيد لا يدل على نفى المطلق، وإذا لم يدل على نفى الظالمية لم يلزم التناقض، لأن فيها إثبات التسوية فى الأظلمية، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، لأنهم يتساوون فى الأظلمية، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن افترى، ومن منع، ونحوهما، ولا إشكال فى تساوى هؤلاء فى الأظلمة، ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما إذا قلت: لا أحد أفقه منهم، ونفى التفضيل لا يلزم منه نفى المساواة. وقيل: هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة، ولا نفيها عن غيره. وإذا تعارضت الآى، وتعذر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا، وإن لم يعلم وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها. ولا يوجد فى القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين. وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين نحو: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب والجر، ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل، والجرّ على مسح الخف. وجماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض فى اللفظ ما ضاده من كل جهة، ولا يوجد فى الكتاب والسنة شىء من ذلك أبدا، وإنما يوجد فيه النسخ فى وقتين، ويجوز تعارض اى القران والآثار وما يوجبه العقل، فلذلك لم يجعل قوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ معارضا لقوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ لقيام الدليل العقلى أنه لا خالق غير اللَّه، فتعين تأويل ما عارضه، فيؤول (وتخلقون) على تكذبون، و (تخلق) على تصوّر. والاختلاف على وجهين: اختلاف تناقض، وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن. واختلاف تلازم، وهو ما يوافق الجانبين كاختلاف وجوه القراءة، واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهى، والوعد والوعيد.

стр. 590

٥٤ مطلقة ومقيده المطلق: الدالّ على الماهية بلا قيد، وهو مع القيد كالعام مع الخاص. ومتى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا، بل يبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقيده، لأن اللَّه تعالى خاطبنا بلغة العرب. والضابط أن اللَّه إذا حكم فى شىء بصفة أو شرط، ثم ورد حكم آخر مطلقا، نظر: فإن لم يكن له أصل يردّ إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقيده به. وإن كان له أصل يردّ غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. فالأول: مثل اشتراط العدالة فى الشهود على الرجعة والفراق والوصية، فى قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ، وقوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، وقد أطلق الشهادة فى البيوع وغيرها فى قوله: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ، والعدالة شرط فى الجميع. ومثل تقييده ميراث الزوجين بقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه. وكذلك ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين. وكذلك ما اشترط فى كفارة القتل من الرقبة المؤمنة. وإطلاقها فى كفارة الظهار واليمين. والمطلق كالمقيد فى وصف الرقبة. وكذلك تقييد الأيدى بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ فى الوضوء، وإطلاقه فى التيمم. وتقييد إحباط العمل بالردّة بالموت على الكفر فى قوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ، وأطلق فى قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ.

стр. 591

وتقييد تحريم الدم بالمسفوح فى الأنعام، وأطلق فيما عداه. فمذهب الشافعى حمل المطلق على المقيد فى الجميع ومن العلماء من لا يحمله. ويجوز إعتاق الكافر فى كفارة الظهار واليمين. ويكتفى فى التيمم بالمسح إلى الكوعين. والثانى: مثل تقيد الصوم بالتتابع فى كفارة القتل والظهار، وتقييده بالتفريق فى صوم التمتع، وأطلق كفارة اليمين وقضاء رمضان، فيبقى على إطلاقه من جوازه مفرقا ومتتابعا لا يمكن حمله عليهما لتنافى القيدين، وهما التفريق والتتابع، وعلى أحدهما لعدم المرجح.

стр. 592

٥٥ منطوقه ومفهومه المنطوق: ما دلّ عليه اللفظ فى محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ. وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدّا فى الكتاب والسنة. ويقال: إن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال، وهذا وإن عزّ حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية، أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا. فالظاهر نحو: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فإن الباغى يطلق على الجاهل، وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فإنه يقال للانقطاع طهر، وللوضوء والغسل، وهو فى الثانى أظهر. وإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك، وحمله على القدرة والعلم والحفظ والرعاية. وكقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق. وقد يكون مشتركا بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز، ويصح حمله عليهما جميعا، فيحمل عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ فى

стр. 593

معنييه أو لا. ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين، مرة أريد هذا ومرة أريد هذا، ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، فإنه يحتمل: ولا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق يجوز فى الكتابة والشهادة. ولا يضار، بالفتح، أى لا يضارّهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما وإجبارهما على الكتابة والشهادة. ثم توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار، سميت دلالة اقتضاء، نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أى أهلها. وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم تقصد به سميت دلالة إشارة، كدلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ على صحة صوم من أصبح جنبا، إذا إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا فى جزء من النهار.

стр. 594

٥٦ وجوه مخاطباته الخطاب فى القرآن على خمسة عشر وجها، وقيل: على أكثر من ثلاثين وجها: أحدها: خطاب العام والمراد به العموم، كقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ. والثانى: خطاب الخاص والمراد به الخصوص، كقوله: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ. الثالث: خطاب العام والمراد به الخصوص، كقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ لم يدخل فيه الأطفال والمجانين. الرابع: خطاب الخاص والمراد به العمود، كقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ افتتح الخطاب بالنبىّ ﷺ والمراد سائر من يملك الطلاق. الخامس: خطاب الجنس كقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ. السادس: خطاب النوع نحو: يا بَنِي إِسْرائِيلَ. السابع: خطاب العين، نحو: يا آدَمُ اسْكُنْ، ولم يقع فى القرآن الخطاب بيا محمّد، بل: يا أيها النبى، يا أيها الرسول، تعظيما له وتشريفا، وتخصيصا بذلك عما سواه، وتعليما للمؤمنين أن لا ينادوه باسمه. الثامن: خطاب المدح، نحو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ولهذا وقع الخطاب بأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا. التاسع: خطاب الذم، نحو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ولتضمنه الإهانة لم يقع فى القرآن فى غير هذين الموضعين، وكثر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا على المواجهة، وفى جانب الكفار جىء بلفظ الغيبة إعراضا عنهم، كقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.

стр. 595

العاشر: خطاب الكرامة، كقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ونجد الخطاب بالنبى فى محل لا يليق به الرسول، وكذا عكسه، وفى الأمر بالتشريع العام: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وفى مقام الخاصّ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وقد يعبر بالنبىّ فى مقام التشريع العام، لكن مع قرينة إرادة العموم، كقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ ولم يقل: طلقت. الحادى عشر: خطاب الإهانة، نحو: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. الثانى عشر: خطاب التهكم، نحو: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد، نحو: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الرابع عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع، نحو: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ إلى قوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ فهو خطاب له ﷺ وحده، إذ لا نبىّ معه ولا بعده، وكذا قوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا الآية خطاب له ﷺ وحده، بدليل قوله: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ الآية، وكذا قوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا بدليل قوله: قُلْ فَأْتُوا. الخامس عشر: خطاب الواحد بلفظ الاثنين نحو: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ والخطاب لمالك خازن النار، وقيل لخزنة النار والزبانية، فيكون من خطاب الجمع بلفظ الاثنين. وقيل للملكين الموكلين به فى قوله: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ فيكون على الأصل. السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ الواحد كقوله: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أى ويا هارون. السابع عشر: خطاب الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً. الثامن عشر: خطاب الجمع بلفظ الاثنين، كما فى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ.

стр. 596

التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد، كقوله: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ جمع فى الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبى ﷺ . العشرون: عكسه، نحو: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. الحادى والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد، نحو: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ. الثانى والعشرون: عكسه، نحو: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى. الثالث والعشرين: خطاب العين، والمراد به الغير، نحو: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الخطاب له، والمراد أمته لأنه ﷺ كان تقيّا، وحاشاه من طاعة الكفار. الرابع والعشرين: خطاب الغير، والمراد به العين، نحو لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ. الخامس والعشرون: الخطاب العام الذى لم يقصد به مخاطب معين نحو: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ألم يقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد. وأخرج فى صورة الخطاب لقصد العموم، يريد أن حالهم تناهت فى الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخل فى ذلك الخطاب. السادس والعشرين: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره، نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ خوطب به النبى ﷺ ، ثم قال للكفار: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ بدليل: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. السابع والعشرون: خطاب التكوين، وهو الالتفات. الثامن والعشرون: خطاب الجمادات خطاب من يعقل نحو: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. التاسع والعشرون: خطاب التهييج، نحو: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. الثلاثون: خطاب التحنن والاستعطاف، نحو: يا عِبادِيَ الَّذِينَ، أَسْرَفُوا الآية.

стр. 597

الحادى والثلاثون: خطاب التحبب، نحو: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ الثانى والثلاثون: خطاب التعجيز، نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ. الثالث والثلاثون: خطاب التشريف، وهو كل ما فى القرآن مخاطبة «قل» فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعا لموجود، نحو يا بَنِي آدَمَ فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم. وخطاب القرآن ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبى، ﷺ . وقسم لا يصلح إلا لغيره. وقسم لهما.

стр. 598

٥٧ حقيقته ومجازه لا خلاف فى وقوع الحقائق فى القرآن، وهى كل لفظ يقع على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام. وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه، وأنكره جماعة. وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على اللَّه تعالى. وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلوّ القرآن من المجاز وجب خلوّه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها. والمجاز فى القرآن قسمان : الأول: المجاز فى التركيب، ويسمى مجاز الإسناد. والمجاز العقلى وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لملابسته له، كقوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً نسبت الزيادة، وهى فعل اللَّه، إلى الآيات، لكونها سببا لها، وهذا القسم أربعة أنواع: أحدها: ما طرفاه حقيقتان، نحو: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها. ثانيها: مجازيان، نحو: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أى ما ربحوا فيها، وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز. ثالثها، ورابعها: ما أحد طرفيه حقيقى دون الآخر. أما الأول أو الثانى. كقوله: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً، أى برهانا. القسم الثانى: المجاز فى المفرد، ويسمى المجاز اللغوى، وهو استعمال اللفظ فى غير ما وضع له أولا، وأنواعه كثيرة:

стр. 599

أحدها: الحذف. الثانى: الزيادة. الثالث: إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ أى أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار، فكأنهم جعلوا الأصابع. الرابع: عكسه، نحو: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ، أى ذاته. الخامس: إطلاق اسم الخاص على العام، نحو: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. أى رسله. السادس: عكسه، نحو: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أى المؤمنين بدليل قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. السابع: إطلاق اسم الملزوم على اللازم. الثامن: عكسه، نحو: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً، أى هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له. التاسع: إطلاق المسبب على السبب، نحو: يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً. العاشر: عكسه، نحو: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، أى القبول والعمل به لأنه مسبب على السمع. الحادى عشر: تسمية الشىء باسم ما كان عليه، نحو: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أى الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ. الثانى عشر: تسميته باسم ما يئول إليه، نحو: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أى عنبا يؤول إلى الخمرية. الثالث عشر: إطلاق اسم الحال على المحل، نحو: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أى فى الجنة لأنها محل الرحمة. الرابع عشر: عكسه، نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، أى أهل ناديه، أى مجلسه.

стр. 600

الخامس عشر: تسمية الشىء باسم آلته، نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، أى ثناء حسنا، لأن اللسان آلته. السادس عشر: تسمية الشىء باسم ضده، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. والبشارة حقيقة فى الخبر السار. السابع عشر: إضافة الفعل إلى ما يصح منه تشبيها، نحو: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، وصفه بالإرادة، وهى من صفات الحىّ، تشبيها لميله للوقوع بإرادته. الثامن عشر: إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته، نحو: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ، أى قاربن بلوغ الأجل: أى انقضاء العدة: لأن الإمساك لا يكون بعده. التاسع عشر: القلب: إما قلب إسناد، نحو: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، أى لتنوء العصبية بها. أو قلب عطف، نحو: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ، أى فانظر ثم تول. العشرون: إقامة صيغة مقام أخرى، وتحته أنواع كثيرة. منها: إطلاق المصدر على الفاعل، نحو (فإنهم عدولى) ولهذا أفرده. وعلى المفعول، نحو: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أى من معلومه. ومنها: إطلاق البشرى على المبشر به، والهوى على المهوى، والقول على المقول. ومنها: إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر، نحو: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ، أى تكذيب. ومنها: إطلاق فاعل على مفعول، نحو: ماءٍ دافِقٍ، أى مدفوق. وعكسه، نحو: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، أى آتيا. ومنها: إطلاق فعيل بمعنى مفعول، نحو: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً.
следующие страницы →