← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد، كقوله: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ جمع فى الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبى ﷺ . العشرون: عكسه، نحو: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. الحادى والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد، نحو: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ. الثانى والعشرون: عكسه، نحو: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى. الثالث والعشرين: خطاب العين، والمراد به الغير، نحو: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الخطاب له، والمراد أمته لأنه ﷺ كان تقيّا، وحاشاه من طاعة الكفار. الرابع والعشرين: خطاب الغير، والمراد به العين، نحو لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ. الخامس والعشرون: الخطاب العام الذى لم يقصد به مخاطب معين نحو: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ألم يقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد. وأخرج فى صورة الخطاب لقصد العموم، يريد أن حالهم تناهت فى الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخل فى ذلك الخطاب. السادس والعشرين: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره، نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ خوطب به النبى ﷺ ، ثم قال للكفار: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ بدليل: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. السابع والعشرون: خطاب التكوين، وهو الالتفات. الثامن والعشرون: خطاب الجمادات خطاب من يعقل نحو: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. التاسع والعشرون: خطاب التهييج، نحو: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. الثلاثون: خطاب التحنن والاستعطاف، نحو: يا عِبادِيَ الَّذِينَ، أَسْرَفُوا الآية.

стр. 597

الحادى والثلاثون: خطاب التحبب، نحو: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ الثانى والثلاثون: خطاب التعجيز، نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ. الثالث والثلاثون: خطاب التشريف، وهو كل ما فى القرآن مخاطبة «قل» فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعا لموجود، نحو يا بَنِي آدَمَ فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم. وخطاب القرآن ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبى، ﷺ . وقسم لا يصلح إلا لغيره. وقسم لهما.

стр. 598

٥٧ حقيقته ومجازه لا خلاف فى وقوع الحقائق فى القرآن، وهى كل لفظ يقع على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام. وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه، وأنكره جماعة. وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على اللَّه تعالى. وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلوّ القرآن من المجاز وجب خلوّه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها. والمجاز فى القرآن قسمان : الأول: المجاز فى التركيب، ويسمى مجاز الإسناد. والمجاز العقلى وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لملابسته له، كقوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً نسبت الزيادة، وهى فعل اللَّه، إلى الآيات، لكونها سببا لها، وهذا القسم أربعة أنواع: أحدها: ما طرفاه حقيقتان، نحو: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها. ثانيها: مجازيان، نحو: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أى ما ربحوا فيها، وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز. ثالثها، ورابعها: ما أحد طرفيه حقيقى دون الآخر. أما الأول أو الثانى. كقوله: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً، أى برهانا. القسم الثانى: المجاز فى المفرد، ويسمى المجاز اللغوى، وهو استعمال اللفظ فى غير ما وضع له أولا، وأنواعه كثيرة:

стр. 599

أحدها: الحذف. الثانى: الزيادة. الثالث: إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ أى أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار، فكأنهم جعلوا الأصابع. الرابع: عكسه، نحو: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ، أى ذاته. الخامس: إطلاق اسم الخاص على العام، نحو: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. أى رسله. السادس: عكسه، نحو: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أى المؤمنين بدليل قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. السابع: إطلاق اسم الملزوم على اللازم. الثامن: عكسه، نحو: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً، أى هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له. التاسع: إطلاق المسبب على السبب، نحو: يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً. العاشر: عكسه، نحو: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، أى القبول والعمل به لأنه مسبب على السمع. الحادى عشر: تسمية الشىء باسم ما كان عليه، نحو: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أى الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ. الثانى عشر: تسميته باسم ما يئول إليه، نحو: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أى عنبا يؤول إلى الخمرية. الثالث عشر: إطلاق اسم الحال على المحل، نحو: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أى فى الجنة لأنها محل الرحمة. الرابع عشر: عكسه، نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، أى أهل ناديه، أى مجلسه.

стр. 600

الخامس عشر: تسمية الشىء باسم آلته، نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، أى ثناء حسنا، لأن اللسان آلته. السادس عشر: تسمية الشىء باسم ضده، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. والبشارة حقيقة فى الخبر السار. السابع عشر: إضافة الفعل إلى ما يصح منه تشبيها، نحو: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، وصفه بالإرادة، وهى من صفات الحىّ، تشبيها لميله للوقوع بإرادته. الثامن عشر: إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته، نحو: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ، أى قاربن بلوغ الأجل: أى انقضاء العدة: لأن الإمساك لا يكون بعده. التاسع عشر: القلب: إما قلب إسناد، نحو: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، أى لتنوء العصبية بها. أو قلب عطف، نحو: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ، أى فانظر ثم تول. العشرون: إقامة صيغة مقام أخرى، وتحته أنواع كثيرة. منها: إطلاق المصدر على الفاعل، نحو (فإنهم عدولى) ولهذا أفرده. وعلى المفعول، نحو: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أى من معلومه. ومنها: إطلاق البشرى على المبشر به، والهوى على المهوى، والقول على المقول. ومنها: إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر، نحو: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ، أى تكذيب. ومنها: إطلاق فاعل على مفعول، نحو: ماءٍ دافِقٍ، أى مدفوق. وعكسه، نحو: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، أى آتيا. ومنها: إطلاق فعيل بمعنى مفعول، نحو: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً.

стр. 601

ومنها: إطلاق واحد من المفرد والمثنى والجمع على آخر منها. مثال إطلاق المفرد على المثنى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، أى يرضوهما، فأفراد لتلازم الرضاءين. وعلى الجمع: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، أى الأناسى، بدليل الاستثناء منه. ومثال إطلاق المثنى على المفرد: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ أى ألق. ومنه كل فعل نسب إلى شيئين وهو لأحدهما فقط، نحو: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب. ومثال إطلاقه على الجمع ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أى كرات، لأن البصر لا يحسر إلا بها. ومثال إطلاق الجمع على المفرد: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، أى أرجعنى. ومثال إطلاقه على المثنى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. ومنها: إطلاق الماضى على المستقبل لتحقيق وقوعه، نحو: أَتى أَمْرُ اللَّهِ أى الساعة. ومن لواحق ذلك: التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو المفعول، لأنه حقيقة فى الحال لا فى الإستقبال، نحو: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ. ومنها: إطلاق الخبر على الطلب أمرا، أو نهيا، أو دعاء، ومبالغة فى الحثّ عليه حتى كأنه وقع وأخبر عنه. وورود الخبر، والمراد الأمر أو النهى، أبلغ من صريحى الأمر والنهى، كأنه سورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه، نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ. وعكسه، نحو: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، أى يمدّ والأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمنه اللزوم، نحو: إن زرتنا فلنكرمك، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم، لأن الأمر للإيجاب يشبه الخبرية فى إيجابه.

стр. 602

ومنها: وضع النداء موضع التعجب، نحو: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ. معناها: فيا لها حسرة، والحسرة لا تنادى وإنما ينادى الأشخاص، وفائدته التنبيه، ولكن المعنى على التعجب. ومنها: وضع جمع القلة موضع الكثرة، نحو: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ وغرف الجنة لا تحصى. وعكسه، نحو: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. ومنها: تذكير المؤنث على تأويله بمذكر، نحو: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أى وعظ. ومنها: تأنيث المذكر، نحو: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها أنث الفردوس، وهو مذكر، حملا على معنى الجنة. ومنها: التغليب، وهو إعطاء الشىء حكم غيره. وقيل، ترجيح أحد المعلومين على الآخر وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين، نحو: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ والأصل من القانتات، فعدّت الأنثى من المذكر بحكم التغلب. وإنما كان التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له. ومنها: استعمال حروف الجر فى غير معانيها الحقيقية. ومنها: استعمال صيغة (أفعل) لغير الوجوب، وصيغة (لا تفعل) لغير التحريم، وأدوات الاستفهام لغير طلب التصوّر، والتصديق، وأداة التمنى والترجى والنداء لغيرها. ومنها: التضمين، وهو إعطاء الشىء معنى الشىء، ويكون فى الحروف والأفعال والأسماء. ويرى فريق من النجاة: التوسع فى الحروف على حين يرى غيرهم: التوسع فى الفعل، لأنه فى الأفعال أكثر، مثاله: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ فيشرب، إنما يتعدّى بمن، فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى: يروى ويلتذ، أو تضمين الباء معنى من

стр. 603

وأما فى الأسماء فأن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معا، نحو: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ضمن (وحقيق) معنى: حريص، ليفيد أنه محقوق بقوله الحق وحريص عليه، وإنما كان التضمين مجازا لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا فالجمع بينهما مجاز. ومن المجاز: الأول: الحذف، وليس كل حذف مجازا. والحذف أربعة أقسام: قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أى أهلها، إذا لا يصح إسناد السؤال إليها. وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعا كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أى فأفطر فعدة. وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعا، نحو: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ، أى فضربه. وقسم يدل عليه دليل غير شرعى ولا هود عادة، نحو: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول. وليس فى هذه الأقسام مجاز إلا الأول، وقيل: إنما يكون مجازا إذا تغير حكم، فأما إذا لم يتغير كحذف خبر المبتدأ المعطوف على جملة فليس مجازا، إذا لم يتغير حكم ما بقى من الكلام. ومتى تغير إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهى مجاز نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. وإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغير الإعراب، نحو: أَوْ كَصَيِّبٍ، فلا توصف الكلمة بالمجاز. الثانى: التأكيد، وقيل: إنه مجاز، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول، والصحيح أنه حقيقة. (م ١٤- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 604

الثالث: التشبيه، وقيل: إنه مجاز، والصحيح أنه حقيقة، لأنه معنى من المعانى، وله ألفاظ. تدل عليه وضعا، وليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه. وقيل: إن كان بحرف فهو حقيقة، أو بحذفه فمجاز، بناء على أن الحذف من باب المجاز. الرابع: الكناية، وفيها أربعة مذاهب: أحدها: أنها حقيقة، وهو الظاهر لأنها استعملت فيما وضعت له وأريد بها الدلالة على غيره. الثانى: أنها مجاز. والثالث: أنها لا حقيقة ولا مجاز. الرابع: أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإن استعملت اللفظ فى معناه مرادا منه لازم المعنى أيضا فهو حقيقة، وإن لم يرد المعنى بل عبر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز، لاستعماله فى غير ما وضع له. الخامس: التقديم والتأخير، عدّه قوم من المجاز، لأنّ تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل، نقل لكل واحد منهما عن مرتبته وحقه وقيل: والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له. السادس: الالتفات، وقيل: هو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد.

стр. 605

٥٨ تشبيهه واستعاراته التشبيه: نوع من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها. ولو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يبعد. وهو الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى، وقيل: هو إخراج الأغمض إلى الأظهر، وقيل: هو إلحاق شىء بذى وصف فى وصفه. وقيل: هو أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به. والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفى إلى جلىّ، وإذانائه البعيد من القريب ليفيد بيانا، وقيل: الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار. وأدواته حروف وأسماء وأفعال. فالحروف: الكاف، وكأنه. والاسماء مثل، وشبه، ونحوهما مما يشتق من المماثلة والمشابهة، ولا تستعمل (مثل) إلا فى حال أو صفة لها شأن، وفيها غرابة. والأفعال، نحو: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ويُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. وربما يذكر فعل ينبىء عن التشبيه فيؤتى فى التشبيه القريب بنحو: علمت زيدا أسدا، الدالّ على التحقيق. وفى البعيد بنحو: حسب زيدا أسدا، الدالّ على الظن وعدم التحقيق. وينقسم التشبيه باعتبارات: الأول، باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما إما حسيان، أو عقليان، أو المشبه به حسى والمشبه عقلى، أو عكسه. مثال الأول: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. ومثال الثانى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

стр. 606

ومثال الثالث: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ. ومثال الرابع، لم يقع فى القرآن، لأن العقل مستفاد من الحسّ، فالمحسوس أصل للمعقول، وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا، وهو غير جائز. الثانى: ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب. والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب فى استصحابه. الثالث ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام: أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع اعتمادا على معرفة النقيض والضد، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة كقوله: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح لما حصل فى نفوس الناس من بشاعة صور الشياطين وإن لم ترها عيانا. الثانى: عكسه، وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه، كقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ الآية. أخرج ما لا يحس وهو الإيمان، إلى ما يحس، وهو السراب، والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة. الثالث: إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت، كقوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ والجامع بينهما الارتفاع فى الصورة. الرابع: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها، كقوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ والجامع العظم، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة. الخامس: إخراج ما لا قوّة له فى الصفة إلى ما له قوة فيها، كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ والجامع فيهما العظم، والفائدة إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام فى ألطف ما يكون من الماء، وما فى ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة فى المسافة القريبة، وما يلازم

стр. 607

ذلك من تسخير الرياح للإنسان، فتضمن الكلام بناء من الفخر وتعداد النعم. على هذه الأوجه الخمسة تجرى تشبيهات القرآن. السادس: ينقسم لاعنبار آخر إلى: مؤكد، وهو ما حذفت فيه الأداة، نحو: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، أى مثل مرّ السحاب. ومرسل، وهو ما لم تحذف. والمحذوفة الأداة أبلغ، لأنه نزل فيه الثانى منزلة الأول تجوزا. والأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به، وقد تدخل على المشبه، إما لقصد المبالغة، فتقلب التشبيه وتجعل المشبه هو الأصل، نحو: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لأن الكلام فى الربا لا فى البيع، فعدلوا عن ذلك وجعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع فى الجواز، وأنه الخليق بالحل. والقاعدة فى المدح تشبيه الأدنى بالأعلى، وفى الذم تشبيه الأعلى بالأدنى، لأن الذم مقام الأدنى، والأعلى طارىء عليه، فيقال فى المدح: الحصى كالياقوت، وفى الذم: ياقوت كالزجاج. وكذا فى السلب، ومنه: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ، أى فى النزول لا فى العلوّ. زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة، فهى مجاز علاقته المشابهة، وهى اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصل. والأصح أنها مجاز لغوى، لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه، ولا الأعم منهما، ف «أسد» فى قولك: رأيت أسدا يرمى، موضوع للسبع لا للشجاع، ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجرىء مثلا ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما. وقيل: مجاز عقلى، بمعنى أن التصرف فيها فى أمر عقلى لا لغوى، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به، فكان استعمالها فيما وضعت له، فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده.

стр. 608

وليس نقل الاسم المجرد استعارة، لأنه لا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة، فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا. وقيل: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شىء معروف بها إلى شىء لم يعرف بها. وحكمة ذلك إظهار الخفىّ وإيضاح الظاهر الذى ليس يجلى، أو حصول المبالغة أو المجموع. مثال إظهار الخفى: (وإنه فى الكتاب) فإنه حقيقته: وإنه فى أصل الكتاب، فاستعير لفظ الأم للأصل لأم الأولاد تنشأ من الأم كإنشاء الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئىّ حتى يصير مرئيّا، فينتقل السامع من حدّ السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ فى البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجلىّ ليصير جليا: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة، فاستعير للذل أولا جانب ثم للجانب جناحان، وتقديره الاستعارة القريبة: واخفض لهما جانب الذل، أى اخفض جانبك ذلا. وحكمة الاستعارة فى هذا جعل ما ليس بمرئىّ مرئيّا لأجل حسن البيان، ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقى الولد من الذل لهما والاستكانة ممكنا، احتيج فى الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعانى التى لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه، والمراد خفض بلصق الجنب بالأرض، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، وحقيقته: وفجرنا عيون الأرض، ولو عبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما فى الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيوبا. وأركان الاستعارة ثلاثة: مستعارة، وهو لفظ المشبه به.

стр. 609

ومستعار منه، وهو معنى لفظ المشبه. ومستعار له، وهو العنى الجامع. وأقسامها كثيرة باعتبارات، فتنقسم باعتبار الأركان الثلاثة إلى خمسة أقسام: أحدها: استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، نحو: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار منه هو النار، والمستعار له الشيب، والوجه هو الانبساط، ومشابهة ضوء النار لبياض الشيب، وكل ذلك محسوس، وهو أبلغ مما لو قيل: اشتعل شيب الرأس، لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس. الثانى: استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلى، نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فالمستعار منه السلخ الذى هو كشط الجلد عن الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسيان، والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط، وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتيب أمر عقلى. الثالث: استعارة معقول لمعقول يوجه عقلى، نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا المستعار منه الرقاد: أى النوم، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والكل عقلى. الرابع: استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلى أيضا، نحو: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ استعير المس، وهو حقيقة فى الأجسام، وهو محسوس، لمقاساة الشدة، والجامع اللحوق، وهما عقليان. الخامس: استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلى أيضا، نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ المستعار منه التكثير، وهو عقلى، والمستعار له كثرة الماء، وهو حسى، والجامع الاستعلاء، وهو عقلى أيضا. وتنقسم باعتبار آخر إلى مرشحة ومجردة ومطلقة. فالأولى: أن تقترن بما يلائم المستعار منه، نحو: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ استعير الاشتراء للاستبدال والاختبار، ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة.

стр. 610

الثانية: أن تقرن بما يلائم المستعار له، نحو: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعير اللباس للجوع ثم قرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة، ولو أراد الترشيح لقال: فكساها، لكن التجريد هنا أبلغ لما فى لفظ الإذاقة من المبالغة فى الألم باطنا. والثالثة: لا تقرن بواحد منهما. وتنقسم باعتبار آخر إلى، تحقيقية، وتخييلية، ومكنية، واصريحية. فالأولى: ما تحقق معناها حسّا، نحو: فَأَذاقَهَا اللَّهُ الآية، أو عقلا، نحو: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً أى بيانا واضحا وحجة لا معة. والثانية: أن يضمر التشبيه فى النفس فلا يصرّح بشىء من أركانه سوى المشبه، ويدل على ذلك التشبيه المضمر فى النفس بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، ويسمى ذلك التشبيه المضمر: استعارة بالكناية ومكنيها عنها، لأنه لم يصرح به، بل دل عليه بذكر خواصه ويقابله التصريحية. ويسمى ذلك الأمر المختص بالمشبه به للمشبه استعارة تخييلية، لأنه قد استعير للمشبه ذلك الأمر المختص بالمشبه به، وبه يكون كمال المشبه به وقوامه فى وجه الشبه لتخيل أن المشبه من جنس المشبه به. ومن أمثلة ذلك: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ، شبه العهد بالحبل، وأضمر فى النفس فلم يصرح بشىء من أركان التشبيه سوى العهد المشبه، ودل عليه بإثبات النقض الذى هو من خواصّ المشبه به وهو الحبل. ومن التصريحية: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ. وتنقسم باعتبار آخر إلى: وفاقية: بأن يكون اجتماعهما فى شىء ممكنا، نحو: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، أى ضالا فهديناه، استعير الإحياء من جعل الشىء حيا للهداية التى بمعنى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما فى شىء. وعنادية: وهى ما لا يمكن اجتماعهما، كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم نفعه، واجتماع الوجود والعدم فى شىء ممتنع.

стр. 611

ومن العنادية: والتهكمية، والتمليحية، وهما ما استعمل فى ضد أو نقيض، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أى أنذرهم، استعيرت البشارة، وهى الإخبار بما يسر، للإنذار الذى هو ضده، بإدخال جنسها على سبيل التهكم والاستهزاء، نحو: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ عنوا: الغوىّ السفيه تهكما. وتنقسم باعتبار آخر إلى: تمثيلية، وهى أن يكون وجه الشبه فيها منتزعا من متعدد، نحو: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً شبه استظهار العبد باللَّه ووثوقه بحمايته والنجاة من المكاره باستمساك الواقع فى مهواة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه. وقد تكون الاستعارة بلفظين، نحو: قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ يعنى تلك الاوانى ليست من الزجاج ولا من الفضة، بل فى صفاء القارورة وبياض الفضة. وإذا كان التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها، فإن الاستعارة أبلغ منه لأنها مجاز، وهو حقيقة، والمجاز أبلغ، فإذا الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة، وكذا الكناية أبلغ من التصريح، والاستعارة أبلغ من الكناية، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة، ولأنها مجاز قطعا. وفى الكناية خلاف. وأبلغ أنواع الاستعارة التمثيلية، ويليها المكنية، ولاشتمالها على المجاز العقلى، والترشيحية أبلغ من المجردة والمطلقة، والتخييلية أبلغ من التحقيقية. والمراد بالأبلغية إفادة زيادة التأكيد والميالغة فى كمال التشبيه، لا زيادة فى المعنى لا توجد فى غير ذلك.

стр. 612

٥٩ كناياته وتعريضه هما من أنواع البلاغة وأساليب الفصاحة، وقد تقدم أن الكناية أبلغ من التصريح. وعرّفها أهل البيان بأنها لفظ أريد به لازم معناه. وقيل: ترك التصريح بالشىء إلى ما يساويه فى اللزوم فينتقل منه إلى الملزوم. وللكناية أساليب: أحدها: التنبيه على عظم القدرة، نحو: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ كناية عن آدم. ثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل، نحو: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فكنى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب فى ذلك، لأن ترك التصريح بذكر النساء أجمل منه، ولهذا لم يذكر فى القرآن امرأة باسمها، على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهو أن الملوك لا يذكرون حرائرهم فى ملأ، ولا يبتذلون أسماءهن، بل يكنون عن الزوجة بالفرش والعيال ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر، فلما قالت النصارى فى مريم ما قالوا صرّح اللَّه باسمها، ولم يكن تأكيدا للعبودية التى هى صفة لها، وتأكيدا، لأن عيسى لا أب له وإلا لنسب إليه. ثالثها: أن يكون التصريح مما يستقبح ذكره، ككناية اللَّه عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول، والسرّ والغشيان. وعن ابن عباس قال: المباشرة: الجماع، ولكن اللَّه يكنى. وعنه قال: إن اللَّه يكنى ما شاء، وإن الرفث هو الجماع، وكنى عن طلبه بالمراودة فى قوله: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ. وعن المعانقة باللباس فى قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ. وبالحرث فى قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.

стр. 613

وكنى عن البول بالغائط فى قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ. وأصله المكان المطمئن من الأرض. وكنى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام فى قوله فى مريم وابنها: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ. وكنى عن الأستاه بالأدبار فى قوله: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ. وعن مجاهد فى هذه الآية قال: يعنى أستاههم، ولكن اللَّه يكنى. وأورد قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها وقال: إن المراد به فرج القميص، والتعبير به من ألطف الكنايات وأحسنها: أى لا يعلق ثوبها بريبة فهى طاهرة الثوب، كما يقال: نقى الثوب، وعفيف الذيل، كناية عن العفة، ومنه: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وكيف يظن أن نفخ جبريل وقع فى فرجها، وإنما نفخ فى جيب درعها. رابعها: قصد البلاغة والمبالغة نحو: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ كنى عن النساء بأنهن ينشأن فى الترفه والتزين الشاغل عن النظر فى الأمور ودقيق المعانى، ولو أتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك، والمراة نفى ذلك عن الملائكة. خامسها: قصد الاختصار كالكناية عن ألفاظ متعددة بلفظ فعل نحو: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا أى فإن لم تأتوا بسورة من مثله. سادسها: التنبيه على مصيره نحو: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أى جهنمى مصيره إلى اللهب. حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ أى بمامة مصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم فى جيدها غلّ. وهكذا يعدل عن الصرائح إلى الكناية بنكتة كالإيضاح، أو بيان حال الموصوف، أو مقدار حاله، أو القصد إلى المدح أو الذم أو الاختصار أو الستر أو الصيانة، أو التعمية والإلغاز، والتعبير عن الصعب بالسهل، وعن المعنى القبيح باللفظ الحسن. وقيل: الكناية: أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز، فتعبر بها عن المقصود كما تقول فى نحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى إنه كناية عن الملك، فإن الاستواء على السرير لا يحصل إلا مع الملك، فجعل كناية عنه.

стр. 614

وكذا قوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ كناية عن عظمته وجلالته من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين. حقيقية ومجازية. ومن أنواع البديع التي تشبه الكناية، الإرداف، وهو أن يريد المتكلم معنى ولا يعبر عنه بلفظ الموضوع له ولا بدالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه كقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ والأصل: وهلك من قضى اللَّه هلاكه، ونجا من قضى اللَّه نجاته، وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجى كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يردّ قضاؤه، والأمر يستلزم امرا فقضاؤه يدل على قدرة الأمر به وقهره، وإن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضان على طاعة الأمر، ولا يحصل ذلك كله فى اللفظا لخاص. قال بعضهم: والفرق بين الكناية والإرداف: أن الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والإرداف من مذكور إلى متروك. ومن أمثلته أيضا: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى عدل فى الجملة الأولى عن قوله بالسوء: أى مع أن فيه مطابقة، كالجملة الثانية، إلى: بِما عَمِلُوا تأدبا أن يضاف السوء إلى اللَّه تعالى. وللتعريض قسمان: قسم يراد به معناه الحقيقى ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود. وقسم لا يراد به بل يضرب مثلا للمعنى الذى هو مقصود التعريض كقول إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا.

стр. 615

٦٠ الحصر والاختصاص أما الحصر، ويقال له: القصر، فهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص. ويقال: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وينقسم إلى: قصر الموصوف على الصفة. وقصر الصفة على الموصوف. وكل منهما إما حقيقى، وإما مجازى. مثال قصر الموصوف على الصفة حقيقيّا نحو: ما زيد إلا كاتب، أى لا صفة له غيرها، وهو عزيز لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشىء حتى يمكن إثبات شىء منها، ونفى ما عداها بالكلية، وعلى عدم تعذرها يبعد أن تكون للذات صفة واحدة ليس لها غيرها، ولذا لم يقع فى النزيل. ومثاله مجازيّا: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ أى إنه مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبرىّ من الموت الذى استعظموه الذى هو من شأن الإله. ومثال قصر الصفة على الموصوف حقيقيّا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. ومثاله مجازيا: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً. الآية. فيقال: إن الكفار لما كانوا يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير اللَّه به، وكانوا يحرّمون كثيرا من المباحات، وكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع، نزلت الآية مسوقة: بذكر شبههم فى البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى، وكان الغرض إبانة كذبهم، فكأن قال: لا حرام إلا ما أحللتموه، والغرض الردّ عليهم والمضادة لا الحصر الحقيقى. وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد، وقصر قلب، وقصر تعيين.

стр. 616

فالأول: يخاطب به من يعتقد الشركة نحو: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ خوطب به من يعتقد اشتراك اللَّه والأصنام فى الألوهية. والثانى: يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له نحو: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ خوطب به نمروذ الذى اعتقد أنه هو المحيى المميت دون اللَّه. والثالث: يخاطب به من تساوى عنده الأمران فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها. وطرق الحصر كثيرة: أحدها: النفى والاستثناء، سواء كان النفى بلا أو ما أو غيرهما. والاستثناء بإلا أو (غير) نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ. ووجه إفادة الحصر أن الاستثناء المتفرغ لا بد أن يتوجه النفى فيه إلى مقدر وهو مستثنى منه، لأن الاستثناء إخراج فيحتاج إلى مخرج منه، والمراد التقدير المعنوى لا الصناعى، ولا بد أن يكون عامّا لأن الإخراج لا يكون إلا من عام، ولا بد أن يكون مناسبا للمستثنى منه فى جنسه، مثل ما قام إلا زيد: أى لا أحد، وما أكلت إلّا تمرا: أى مأكولا، ولا بد أن يوافقه فى صفته، أى إعرابه. وحينئذ يجب القصر إذا وجب منه شىء بإلا ضرورة فيبقى ما عداه على صفة الانتقاء. وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم، وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب نحو: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ فإنه خطاب للصحابة وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبى ﷺ ، لأنه نزل استعظامهم له عن الموت منزلة من يجهل رسالته، لأن كل رسول فلا بد من موته، فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته. الثانى: «إنما» : الجمهور على أنها للحصر، فقيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم. ومن الحصر بإنما قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ بالنصب، فإن معناه: ما حرّم عليكم إلا الميتة، لأنه المطابق فى المعنى لقراءة الرفع فإنها للقصر. ومنه قوله تعالى: قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت «إنما» للحصر ليكون معناها: لا آتيكم به إنما يأتى به اللَّه.

стр. 617

الثالث: «أنما» بالفتح، فقيل فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ إنما القصر الحكم على شىء، أو لقصر الشىء على حكم نحو: إنما زيد قائم، وإنما زيد يقوم، وقد اجتمع الأمران فى هذه الآية، لأن (إنما يوحى إلىّ) مع فاعله بمنزلة: إنما يقوم زيد، و (أنما إلهكم) بمنزلة: أنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحى إلى الرسول ﷺ مقصور على استئثار اللَّه بالوحدانية، وكما أوجب أن «إنما» بالكسر للحصر، أوجب أن «أنما» بالفتح للحصر، لأنها فرع عنها، وما ثبت للأصل ثبت للفرع ما لم يثبت مانع منه، والأصل عدمه. الخامس: تقديم المعمول نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. السادس: ضمير الفصل نحو: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ أى لا غيره. السابع: تقديم المسند إليه، فقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصصه بالخبر الفعلى. وثمة أحوال: أن يكون المسند إليه معرفة والمسند مثبتا فيما يأتى للتخصيص نحو: أنا قمت، فإن قصد به قصر الإفراد أكد بنحو وحدى، أو قصر القلب أكد بنحو لا غيرى، ومنه فى القرآن: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ فإن ما قبله من قوله: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ولفظ «بل» المشعر بالإضراب يقضى بأن المراد: بل أنتم لا غيركم، على أن المقصود نفى فرحه بالهدية لا إثبات الفرح لهم بهديتهم، وقد يأتى للتقوية والتأكيد دون التخصيص. أن يكون المسند منفيّا نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ في نفى الكذب من: لا تكذب، ومن: لا تكذب أنت. وقد يفيد التخصيص ومنه: فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ. أن يكون المسند إليه نكرة مثبتا نحو: رجل جاءنى، فيفيد التخصيص إما بالجنس: أى لا امرأة، أو الوحدة، أى لا رجلان. أن يلى المسند إليه حرف النفى فيفيده نحو: ما أنا قلت هذا، أى لم أقله مع أن غيرى قاله، ومنه: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ أى العزيز رهطك لا أنت. ولذا قال: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ.

стр. 618

الثامن: تقديم المسند، فتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص، إذ تقديم ما رتبته التأخير يفيده. التاسع: ذكر المسند إليه، ومنه قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ فى سورة الرعد. العاشر: تعريف الجزأين، يفيد الحصر حقيقة أو مبالغة نحو قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فهو يفيد الحصر كما في: إِيَّاكَ نَعْبُدُ أى الحمد للَّه لا لغيره. الحادى عشر نحو: جاء زيد نفسه. الثانى عشر نحو: إن زيدا لقائم. الثالث عشر نحو: قائم، فى جواب زيد إما قائم أو قاعد. الرابع عشر: قلب بعض حروف الكلمة، فإنه يفيد الحصر ومنه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها فالقلب للاختصاص بالنسبة إلى لفظ الطاغوت، لأن وزنه على قول: فعلوت من الطغيان. كملكوت ورحموت، قلب بتقديم اللام على العين، فوزنه فلعوت، ففيه مبالغات، التسمية بالمصدر، والبناء بناء مبالغة، والقلب، وهو للاختصاص، إذ لا يطلق على غير الشيطان.

стр. 619

٦١ الإيجاز والإطناب هما من أعظم أنواع البلاغة حتى قيل: البلاغة هى الإيجاز والإطناب. وكما أنه يجب على البليغ فى مظانّ الإجمال أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه فى موارد التفصيل أن يفصل ويشبع. والإيجاز هو أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف. والإطناب أداؤه بأكثر. منها لكون المقام خليقا بالبسط. الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، والإطناب بلفظ أزيد. وقيل: إن المنقول من طرق التعبير عن المراد تأدية، أصله، إما بلفظ مساو للأصل المراد، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة. والأول المساواة، والثانى الإيجاز، والثالث الإطناب. واحترز بواف عن الإخلال، وبقولنا لفائدة عن الحشو، وهو أن المساواة والإيجاز والاختصار بمعنى واحد، وقال بعضهم: وقيل: الاختصار خاص بحذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز. والإطناب، قيل: بمعنى الإسهاب. والحق أنه أخص منه، فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا لفائدة، والإيجاز قسمان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف. فالأول هو الوجيز بلفظه. وقيل: الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاما يعطى معنى أطول منه فهو إيجاز قصر. وقيل: إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ. وقيل: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة، وسبب حسنه أنه يدل على التمكن فى الفصاحة، ولهذا قال ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم» . (م ١٥- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 620

والإيجاز الخالى من الحذف ثلاثة أقسام: أحدها: إيجاز القصر، وهو أن تقصر اللفظ على معناه كقوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ إلى قوله: وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ جمع فى أحرف العنوان والكتاب والحاجة. الثانى: إيجاز التقدير، وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق، ويسمى بالتضييق أيضا لأنه نقص من كلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه نحو: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ أى خطاياه غفرت فهى له لا عليه. الثالث: الإيجاز الجامع، وهو أن يحتوى اللفظ على معان متعددة نحو: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية، فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفى الإفراط والتفريط المومى به إلى جميع الواجبات فى الاعتقاد والأخلاق والعبودية. والإحسان هو الإخلاص فى واجبات العبودية لتفسيره فى الحديث بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» أى تعبده مخلصا فى نيتك وواقفا فى الخضوع آخذا أهبة الحذر إلى ما لا يحصى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى هو الزيادة على الواجب من النوافل. هذا في الأوامر، وأما النواهى فالبفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية، وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرّم شرعا، وبالبغى إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية. ولهذا قيل: ما في القرآن آية أجمع للخير والشرّ من هذه الآيه. ومن بديع الإيجاز قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها، فإنه نهاية التنزيه، وقد تضمنت الردّ على نحو أربعين فرقة. وقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها دلّ بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من الشى؟؟؟ والشجر والحب والثمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأن النار من العيدان والملح من الماء. وأجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل بمثل هذه الآية بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها.

стр. 621

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ الآية، جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام: نادت، وكنت، ونبهت، وسمعت، وأمرت، وقصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وعذرت، فالنداء: يا، والكناية: أى، والتنبيه: ها، والتسمية: النمل، والأمر: ادخلوا، والقصص: مساكنكم، والتحذير: لا يحطمنكم، والتخصيص: سليمان، والتعميم: جنوده، والإشارة: هم، والعذر: لا يشعرون، فأدت خمسة حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان. وما من اسم حذف في الحالة التى ينبغى أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره كما سمى ابن جنى الحذف شجاعة العربية، لأنه يشجع على الكلام. والحذف على أنواع: أحدها: ما يسمى بالاقتطاع، وهو حذف بعض حروف الكلمة، ومنه فواتح السور على القول بأن كل حرف منها من اسم من أسمائه. وادعى بعضهم أن الباء في: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ أول كلمة (بعض) ثم حذف الباقى. ويدخل في هذا النوع حذف همزة (إنا) فى قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي إذ الأصل: لكن أنا، حذفت همزة أنا تخفيفا وأدغمت النون في النون. النوع الثانى: ما يسمى بالاكتفاء، وهو أن يقتضى المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة، ويختص غالبا بالارتباط العطفى كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أى والبرد، وخص الحرّ بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحرّ أهم، لأنه أشدّ عندهم من البرد. وقيل لأن البرد تقدم ذكر الامتنان بوقايته صريحا في قوله: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها وفي قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وفي قوله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ. ومن أمثلة هذا النوع: بِيَدِكَ الْخَيْرُ أى والشر، وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم، أو لأنه أكثر وجودا في العالم، أو لأن

стр. 622

إضافة الشرّ إلى الله تعالى ليس من باب الآداب كمال قال ﷺ : «والشرّ ليس إليك» ومنه: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أى وما تحرّك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرّك يصير إلى السكون. ومنه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أى والشهادة، لأن الإيمان بكل منهما واجب، وآثر الغيب لأنه أمدح ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس. ومنها وَرَبُّ الْمَشارِقِ أى والمغارب. ومنه: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أى وللكافرين. النوع الثالث: ما يسمى بالاحتباك: ويسمى الحذف المقابلى. والاحتباك: أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثانى، ومن الثانى ما أثبت نظيره في الأول كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ. التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذى ينعق، والذى ينعق به، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الذى ينعق عليه، ومن الثانى الذى ينعق به، لدلالة الذين كفروا عليه. وقيل: الاحتباك أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ التقدير: إن افتريته فعلىّ إجرامى وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا برىء مما تجرمون. ومأخذ هذه التسمية من الحبك الذى معناه الشدّ والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فحبك الثوب: سد ما بين خيوطه من الفرج وشدّه وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق. وبيان أخذه منه أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخطوط، فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه فوضع المحذوف مواضعه كان حائكا له مانعا من خلل يطرقه، فسدّ بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق.

стр. 623

النوع الرابع: ما يسمى بالاختزال، وهو أقسام، لآن المحذوف إما كلمة: اسم أو فعل أو حرف، أو أكثر. ومن حذف الاسم: الْحَجُّ أَشْهُرٌ أى حج أشهرا أو أشهر الحج، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أى نكاح أمهاتكم، لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أى ضعف عذاب، وَفِي الرِّقابِ أى وفي تحرير الرقاب. وحذف المضاف إليه يكثر في ياء المتكلم نحو: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وفي الغايات نحو: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أى من قبل الغلب ومن بعده. وفي كل وأى، وبعض، وجاء في غيرهن كقراءة: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بضم بلا تنوين، أى فلا خوف شىء عليهم. حذف المبتدأ يكثر في جواب الاستفهام نحو: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ أى هى نار. وبعد فاء الجواب نحو: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ أى فعمله لنفسه. وبعد القول نحو: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وبعد ما الخبر صفة له في المعنى نحو: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ. ووقع في غير ذلك نحو: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ أى هذا. ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع حذف الخبر: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها أى دائم. ويحتمل الأمرين: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أى أجمل، أو فأمرى صبر. أو فالواجب حذف الموصوف: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ، أى حور قاصرات. حذف الصفة يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ أى صالحة، بدليل أنه قرىء (كذلك) ، وأن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة. حذف المعطوف عليه: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ أى فضرب فانفلق.

стр. 624

حذف المعطوف مع العاطف: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أى ومن أنفق بعده. حذف المبدل منه وعليه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ أى لما تصفه، والكذب بدل من الهاء. حذف الفاعل لا يجوز إلا في فاعل المصدر نحو: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أى دعائه الخير. وقيل: مطلقا لدليل، وعليه: إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ أى الروح. حذف المفعول، وهو كثير في مفعول المشيئة والإرادة ويرد في غيرها نحو: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أى إلها. حذف الحال يكثر إذا كان قولا نحو: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ أى قائلين. حذف المنادى: (ألا يا اسجدوا) أى يا هؤلاء. حذف العائد يقع في أربعة أبواب: الصلة نحو: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا أى بعثه. والصفة نحو: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ أى فيه. والخبر نحو: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أى وعده. والحال حذف مخصوص (نعم) : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ أى أيوب. أيوب. حذف الموصول: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أى والذى أنزل إليكم، لأن الذى أنزل إلينا ليس هو الذى أنزل إلى من قبلنا، ولهذا أعيدت (ما) فى قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ. ومنه: حذف الفعل يطرد إذا كان مفسرا نحو: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ويكثر في جواب الاستفهام نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أى أنزل. وأكثر منه:

стр. 625

حذف القول نحو: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا أى يقولان ربنا. حذف القول من حديث البحر، وقل لا حرج، ويأتى في غير ذلك نحو: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أى وائتوا. ومن حذف الحرف. قيل: حذف الحرف ليس بقياس، لأن الحروف إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار، فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها هى أيضا، واختصار المختصر إجحاف به. حذف همزة الاستفهام. ومنه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ. حذف الموصول الحرفى. ولا يجوز إلا في «أن» نحو: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ. حذف الجار ويطرد مع أن وأنّ نحو: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ، أى بأنكم. وجاء مع غيرهما نحو: قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أى قدرنا له. حذف العاطف ومنه: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا أى وقلت. وحذف فاء الجواب ومنه: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ. حذف حرف النداء كثير: ها أَنْتُمْ أُولاءِ. كثر حذف (يا) فى القرآن من الربّ تنزيها وتعظيما، لأن في النداء طرفا من الأمر. حذف قد في الماضى إذا وقع حالا نحو: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ. حذف لا النافية، يطرد في جواب القسم إذا كان النفى مضارعا نحو: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا. وورد في غيره نحو: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ أى لا يطيقونه. حذف لام التوطئة: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ.

стр. 626

حذف لام الأمر ومنه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا أى ليقيموا. حذف لام لقد يحسن مع طول الكلام نحو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. حذف نون التوكيد: أَلَمْ نَشْرَحْ بالنصب. حذف نون الجمع ومنه: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ. حذف التنوين ومنه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ بالنصب. حذف حركة الإعراب والبناء ومنه: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ بسكون الثلاثة. ومن حذف أكثر من كلمة: حذف مضافين: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أى فإن تعظيمها من أفعال ذوى تقوى القلوب فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أى من أثر حافر الرسول. حذف ثلاثة متضايفات: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أى فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب. حذف ثلاثة من اسم (كان) وواحد من خبرها. حذف مفعول باب ظن: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أى تزعمونهم شركائى. حذف الجار مع المجرور: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً أى بسىء. حذف العاطف مع المعطوف. حذف حرف الشرط وفعله يطرد بعد الطلب نحو: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أى إن اتبعتمونى. حذف جملة القسم: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أى والله. حذف جوابه: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً أى لتبعثن. حذف جملة مسئلة عن المذكور نحو: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أى فعل ما فعل.

стр. 627

حذف جمل كثيرة نحو: فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أى فأرسلون إلى يوسف لأستعيره الرؤياء ففعلوه، فأتاه فقال له: يا يوسف. وتارة لا يقام شىء مقام المحذوف، وتارة يقام ما يدل عليه نحو: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ فليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على توليهم، وإنما التقدير: فإن تولوا فلا لوم علىّ أو فلا عذر لكم لأنى أبلغتكم. وكما انقسم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف، كذلك انقسم الإطناب إلى بسط وزيادة. فالأول: الإطناب بكثير الجمل كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أطنب فيها أبلغ إطناب لكون الخطاب مع الثقلين، وفي كل عصر وحين للعالم منهم والجاهل، والموافق منهم والمنافق. والثانى يكون بأنواع: أحدها: دخول حرف فأكثر من حروف التأكيد السابقة في نوع الأدوات، وهى أن أنّ ولام الابتداء والقسم، وألا الاستفتاحية وأما وهاء التنبيه. وأنّ وكأن في تأكيد التشبيه. ولكن في تأكيد الاستدراك. وليت في تأكيد التمنى. ولعل في تأكيد الترجى. وضمير الشأن، وضمير الفصل. وأما في تأكيد الشرط. وقد والسين وسوف والنونان في تأكيد الفعلية. ولا التبرئة. ولن ولما في تأكيد النفى، وإنما يحسن تأكيد الكلام بها إذا كان المخاطب به منكرا أو مترددا. ويتفاوت التأكيد بحسب قوة الإنكار وضعفه كقوله تعالى، حكاية عن رسل عيسى إذا كذبوا في المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ فأكد بإن واسمية

стр. 628

الجملة، وفي المرة الثانية: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ فأكد بالقسم وإن واللام واسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الإنكار حيث قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. وقد يؤكد بها، والمخاطب به غير منكر لعدم جريه على مقتضى إقراره، فينزل منزلة المنكر. وقد يترك التأكيد وهو معه منكر، لأن معه أدلة ظاهرة لو تأملها لرجع عن إنكاره، ولذلك يخرج قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ أكد الموت تأكيدين. وإن لم ينكر، لتنزيل المخاطبين لتماديهم في الغفلة تنزيل من ينكر الموت، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان أشد نكيرا، لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر، فنزل المخاطبون منزلة غير المنكر حثّا لهم على النظر في أدلته الواضحة. وقيل: بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه، ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه، فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى، لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعى حتى كأنه يخلد، ولم يؤكد جملة البعث إلا بأن، لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذى لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا. وقد يؤكد لقصد الترغيب نحو: فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أكد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة، وإذا اجتمعت إن واللام كان بمنزلة تكرير الجملة ثلاث مرات، لأن «إن» أفادت التكرير مرتين فإذا دخلت اللام صارت ثلاثا. وكذلك نون التوكيد الشديدة بمنزلة تكرير الفعل ثلاثا، والخفيفة بمنزلة تكريره مرتين. النوع الثانى: دخول الأحرف الزائدة. كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى، فالباء في خبر ما وليس لتأكيد النفى، كما أن اللام لتأكيد الإيجاب. الزيادة في الحروف، وزيادة الأفعال قليل، والأسماء أقل.

стр. 629

أما الحروف فيزاد منها: إن، وأن، وإذ، وإذا، وإلى، وأم، والباء، والفاء، وفى، والكاف، واللام، ولا، وما، ومن، والواو. وأما الأفعال فزيد منها: كان وخرج عليه: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. وأصبح، وخرج عليه: فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ. وقيل: العادة أن من به علة تزاد بالليل أن يرجو الفرج عند الصباح، فاستعمل أصبح، لأن الخسران حصل لهم فى الوقت الذى يرجون فيه الفرج فليست زائدة. وأما الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد، ووقع فى كلام المفسرين الحكم عليها بالزيادة فى مواضع كلفظ (مثل) فى قوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ أى بما. النوع الثالث: للتأكيد الصناعى: وهو أربعة أقسام: أحدها: التوكيد المعنوى: بكل، وأجمع، وكلا، وكلتا، نحو: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. وفائدته رفع توهم المجاوز وعدم الشمول، وكلهم أفادت ذلك، وأجمعون أفادت اجتماعهم على السجود، وأنهم لم يسجدوا متفرقين. ثانيها: التأكيد اللفظى، وهو تكرار اللفظ الأول إما بمرادفه، نحو: ضَيِّقاً حَرَجاً بكسر الراء. وإما بلفظه، ويكون فى الاسم والفعل والحرف والجملة. فالاسم نحو: قَوارِيرَا. قَوارِيرَا. والفعل نحو: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ. واسم الفعل نحو: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ. والحرف نحو: فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها. والجملة نحو: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.

стр. 630

ومن هذا النوع تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل نحو: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. ومنه تأكيد المنفصل بمثله نحو: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ. ثالثها: تأكيد الفعل بمصدره، وهو عوض من تكرار الفعل مرتين، وفائدته رفع توهم المجاز فى الفعل، بخلاف التوكيد السابق فإنه لرفع توهم المجاز فى المسند إليه. والأصل فى هذا النوع أن ينعت بالوصف المراد نحو: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً. وقد يضاف وصفه إليه نحو: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. وقد يؤكد بمصدر فعل آخر واسم عين نيابة عن المصدر نحو: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا والمصدر تبتلا، والتبتيل مصدر بتل. رابعها: الحال المؤكدة نحو: يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. النوع الرابع: التكرار. وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة، وله فوائد، منها: التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرّر تقرّر، وقد نبه تعالى على السبب الذى لأجله كرّر الأقاصيص والإنذار فى القرآن بقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً. ومنها: التأكيد. ومنها: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقى الكلام بالقبول، ومنه: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ فإنه كرّر فيه النداء لذلك. ومنها: إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيها تطرية له وتجديدا لعهده، ومنه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها. ومنها: التعظيم والتهويل نحو: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ.

стр. 631

وقيل: الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما. وأدواته: الهمزة، وهل، وما، ومن، وأى، وكم، وكيف، وأين، أنى، ومتى، وأيان. ما عدا الهمزة نائب عنها، ولكونه طلب ارتسام صورة ما فى الخارج فى الذهن لزم ألا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاكّ مصدق بإمكان الإعلام، فإن غير الشاكّ إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام. وما جاء فى القرآن على لفظ الاستفهام، فإنما يقع فى خطاب الله على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفى حاصل. وقد تستعمل صيغة الاستفهام فى غيره مجازا. وقد توسعت العرب فأخرت الاستفهام عن حقيقته لمعان، أو أشربته تلك المعانى. الأول: الإنكار، والمعنى فيه على النفى، وما بعده منفى، ولذلك تصحبه (إلا) كقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ. وكثيرا ما يصحبه التكذيب، وهو فى الماضى بمعنى لم يكن، وفى المستقبل بمعنى لا يكون نحو: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ الآية: أى لم يفعل ذلك. الثانى: التوبيخ، وجعله بعضهم من قبيل الإنكار، إلا أن الأول إنكار إبطال وهذا إنكار توبيخ، والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفى، فالنفى هنا غير قصدى، والإثبات قصدى، عكس ما تقدم، ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا نحو: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. وأكثر ما يقع التوبيخ فى أمر ثابت ووبخ على فعله. ويقع على ترك فعل كان ينبغى أن يقع كقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. الثالث: التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده. ولا يستعمل ذلك بهل، كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام.

стр. 632

ومنها: أنه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله، ثم أوضح الأمر فى عجزهم بأن كرّر ذكر القصة فى مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأىّ نظم جاءوا وبأىّ عبارة عبروا. ومنها: أنه لما تحداهم قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فلو ذكرت القصة فى موضع واحد واكتفى بها لقال العربى ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها الله فى تعداد السور فعالجتهم من كل وجه. ومنها: أن القصة الواحدة لما كرّرت كان فى ألفاظها فى كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب فى إخراج المعنى الواحد فى صور متبانية فى النظم، وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حبّ التنقل فى الأشياء المتجددة واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة فى اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين. وقيل: ما الحكمة فى عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا فى موضع واحد دون غيرها من القصص؟ وأجيب بوجوه: أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر. ثانيها: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح، وهود، وصالح وغيرهم، فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعى على نقلها لخروجها عن سمت القصص. ثالثها: إنما كرّر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب، كأن النبى ﷺ قال لهم: إن كان من تلقاء نفسى فافعلوا فى قصة يوسف ما فعلت فى سائر القصص. رابعها: هو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم، فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويج النفس بها والإحاطة بطرفيها.

стр. 633

وخامسها: أن قصص الأنبياء إنما كرّرت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذّبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار للرسول ﷺ ، فكلما كذبوا نزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حلّ على المكذبين، ولهذا قال تعالى فى آيات: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك. وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف، وقصة ذى القرنين، وقصة موسى مع الخضر، وقصة الذبيح. النوع الخامس: الصفة وترد لأسباب: أحدها: التخصيص فى النكرة نحو: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. الثانى: التوضيح فى المعرفة: أى زيادة البيان نحو: وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ. الثالث: المدح والثناء، ومنه صفات اللَّه تعالى نحو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ومنه: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا فهذا الوصف للمدح وإظهار شرف الإسلام والتعريض باليهود، وأنهم بعدآء من ملة الإسلام الذى هو دين الأنبياء كلهم، وأنهم بمعزل عنها. الرابع: الذم نحو: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. الخامس: التأكيد لرفع الإبهام نحو لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ فإن إلهين للتثنية، فاثنين بعده صفة مؤكدة للنهى عن الإشراك، والإفادة أن النهى عن اتخاذ إلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط، لا لمعنى آخر من كونهما عاجزين أو غير ذلك، ولأن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية كقوله ﷺ : «إنما نحن وبنو المطلب شىء واحد» ، وتطلق ويراد نفى العدة، التثنية باعتبارها. فلو قيل: لا تتخذوا إلهين فقط، لتوهم أنه نهى عن اتخاذ جنسى آلهة، وإن جاز أن يتخذ من نوع واحد عدد آلهة ولهذا أكد بالوحدة قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ. الصفة العامة لا تأتى بعد الخاصة، لا يقال: رجل فصيح متكلم، بل متكلم فصيح، وأشكل على هذا قوله تعالى فى إسماعيل: وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا

стр. 634

وأجيب بأنه حال لا صفة: أى مرسلا فى حال نبوّته، وإذا وقعت الصفة بعد متضايقين، وأولهما عدد، جاز إجراؤها على المضاف وعلى المضاف إليه. فمن الأول: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. ومن الثانى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ. وإذا تكررت النعوت لواحد فالأحسن أن تباعد معنى الصفات العطف نحو: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وإلا تركه نحو: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ. وقطع النعوت فى مقام المدح والذم أبلغ من إجرائها. وإذا ذكرت صفات فى معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف فى إعرابها، لأن المقام يقتضى الإطناب، فإذا خولف فى الإعراب كان المقصود أكمل، لأن المعانى عند الاختلاف تتنوّع وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعا واحد. مثاله فى المدح: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. ومثاله فى الذم: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. والنوع السادس: البدل، والقصد به الإيضاح بعد الإبهام، وفائدته البيان والتأكيد. أما الأول فواضح أنك إذ قلت: رأيت زيدا أخاك، بينت أنك تريد بزيد الأخ لا غير. وأما التأكيد فلأنه على نية تكرار العامل فكأنه من جملتين، ولأنه دل على ما دل عليه الأول: إما بالمطابقة فى بدل الكل، وإما بالتضمين فى بدل البعض، أو بالالتزام فى بدل الاشتمال. مثال الأول: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. ومثال الثانى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ومثال الثالث: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.

стр. 635

النوع السابع: عطف البيان، وهو كالصفة فى الإيضاح، لكن يفارقها فى أنهوضع ليدل على الإيضاح باسم يختص به، بخلافها فإنّها وضعت لتدل على معنى حاصل فى متبوعها. والفرق بينه وبين البدل أن البدل هو المقصود، وكأنك قررته فى موضع المبدل منه، وعطف البيان وما عطف عليه كل منهما مقصود. وعطف البيان يجرى مجرى النعت فى تكميل متبوعه، ويفارقه فى أن تكميل متبوعه بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى المتبوع أو سببية، ومجرى التأكيد فى تقوية دلالته، ويفارقه فى أنه لا يرفع توهم مجاز، ومجرى البدل فى صلاحيته للاستقلال، ويفارقه فى أنه غير منوىّ الاطراح. ومن أمثلته: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ. وقد يأتى لمجرّد المدح بلا إيضاح ومنه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ فالبيت الحرام عطف بيان للمدح لا للإيضاح. النوع الثامن: عطف أحد المترادفين على الآخر: والقصد منه التأكيد أيضا، وجعل منه: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي. النوع التاسع: عطف الخاص على العام: وفائدته التنبيه على فضله، حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الذات. وهذا العطف، يسمى بالتجريد، كأنه جرّد من الجملة وأفرد بالذكر تفضيلا. ومن أمثلته: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. والمراد بالخاص والعام هنا ما كان فيه الأول شاملا للثانى. النوع العاشر: عطف العام على الخاص: والفائدة فيه واضحة وهو التعميم. ومن أمثلته: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي والنسك العبادة، فهو أعم. (م ١٦- الموسوعة القرانية- ج ٢)
следующие страницы →