← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقيل: الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما. وأدواته: الهمزة، وهل، وما، ومن، وأى، وكم، وكيف، وأين، أنى، ومتى، وأيان. ما عدا الهمزة نائب عنها، ولكونه طلب ارتسام صورة ما فى الخارج فى الذهن لزم ألا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاكّ مصدق بإمكان الإعلام، فإن غير الشاكّ إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام. وما جاء فى القرآن على لفظ الاستفهام، فإنما يقع فى خطاب الله على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفى حاصل. وقد تستعمل صيغة الاستفهام فى غيره مجازا. وقد توسعت العرب فأخرت الاستفهام عن حقيقته لمعان، أو أشربته تلك المعانى. الأول: الإنكار، والمعنى فيه على النفى، وما بعده منفى، ولذلك تصحبه (إلا) كقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ. وكثيرا ما يصحبه التكذيب، وهو فى الماضى بمعنى لم يكن، وفى المستقبل بمعنى لا يكون نحو: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ الآية: أى لم يفعل ذلك. الثانى: التوبيخ، وجعله بعضهم من قبيل الإنكار، إلا أن الأول إنكار إبطال وهذا إنكار توبيخ، والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفى، فالنفى هنا غير قصدى، والإثبات قصدى، عكس ما تقدم، ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا نحو: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. وأكثر ما يقع التوبيخ فى أمر ثابت ووبخ على فعله. ويقع على ترك فعل كان ينبغى أن يقع كقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. الثالث: التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده. ولا يستعمل ذلك بهل، كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام.

стр. 632

ومنها: أنه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله، ثم أوضح الأمر فى عجزهم بأن كرّر ذكر القصة فى مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأىّ نظم جاءوا وبأىّ عبارة عبروا. ومنها: أنه لما تحداهم قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فلو ذكرت القصة فى موضع واحد واكتفى بها لقال العربى ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها الله فى تعداد السور فعالجتهم من كل وجه. ومنها: أن القصة الواحدة لما كرّرت كان فى ألفاظها فى كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب فى إخراج المعنى الواحد فى صور متبانية فى النظم، وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حبّ التنقل فى الأشياء المتجددة واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة فى اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين. وقيل: ما الحكمة فى عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا فى موضع واحد دون غيرها من القصص؟ وأجيب بوجوه: أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر. ثانيها: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح، وهود، وصالح وغيرهم، فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعى على نقلها لخروجها عن سمت القصص. ثالثها: إنما كرّر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب، كأن النبى ﷺ قال لهم: إن كان من تلقاء نفسى فافعلوا فى قصة يوسف ما فعلت فى سائر القصص. رابعها: هو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم، فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويج النفس بها والإحاطة بطرفيها.

стр. 633

وخامسها: أن قصص الأنبياء إنما كرّرت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذّبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار للرسول ﷺ ، فكلما كذبوا نزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حلّ على المكذبين، ولهذا قال تعالى فى آيات: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك. وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف، وقصة ذى القرنين، وقصة موسى مع الخضر، وقصة الذبيح. النوع الخامس: الصفة وترد لأسباب: أحدها: التخصيص فى النكرة نحو: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. الثانى: التوضيح فى المعرفة: أى زيادة البيان نحو: وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ. الثالث: المدح والثناء، ومنه صفات اللَّه تعالى نحو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ومنه: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا فهذا الوصف للمدح وإظهار شرف الإسلام والتعريض باليهود، وأنهم بعدآء من ملة الإسلام الذى هو دين الأنبياء كلهم، وأنهم بمعزل عنها. الرابع: الذم نحو: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. الخامس: التأكيد لرفع الإبهام نحو لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ فإن إلهين للتثنية، فاثنين بعده صفة مؤكدة للنهى عن الإشراك، والإفادة أن النهى عن اتخاذ إلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط، لا لمعنى آخر من كونهما عاجزين أو غير ذلك، ولأن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية كقوله ﷺ : «إنما نحن وبنو المطلب شىء واحد» ، وتطلق ويراد نفى العدة، التثنية باعتبارها. فلو قيل: لا تتخذوا إلهين فقط، لتوهم أنه نهى عن اتخاذ جنسى آلهة، وإن جاز أن يتخذ من نوع واحد عدد آلهة ولهذا أكد بالوحدة قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ. الصفة العامة لا تأتى بعد الخاصة، لا يقال: رجل فصيح متكلم، بل متكلم فصيح، وأشكل على هذا قوله تعالى فى إسماعيل: وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا

стр. 634

وأجيب بأنه حال لا صفة: أى مرسلا فى حال نبوّته، وإذا وقعت الصفة بعد متضايقين، وأولهما عدد، جاز إجراؤها على المضاف وعلى المضاف إليه. فمن الأول: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. ومن الثانى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ. وإذا تكررت النعوت لواحد فالأحسن أن تباعد معنى الصفات العطف نحو: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وإلا تركه نحو: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ. وقطع النعوت فى مقام المدح والذم أبلغ من إجرائها. وإذا ذكرت صفات فى معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف فى إعرابها، لأن المقام يقتضى الإطناب، فإذا خولف فى الإعراب كان المقصود أكمل، لأن المعانى عند الاختلاف تتنوّع وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعا واحد. مثاله فى المدح: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. ومثاله فى الذم: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. والنوع السادس: البدل، والقصد به الإيضاح بعد الإبهام، وفائدته البيان والتأكيد. أما الأول فواضح أنك إذ قلت: رأيت زيدا أخاك، بينت أنك تريد بزيد الأخ لا غير. وأما التأكيد فلأنه على نية تكرار العامل فكأنه من جملتين، ولأنه دل على ما دل عليه الأول: إما بالمطابقة فى بدل الكل، وإما بالتضمين فى بدل البعض، أو بالالتزام فى بدل الاشتمال. مثال الأول: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. ومثال الثانى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. ومثال الثالث: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.

стр. 635

النوع السابع: عطف البيان، وهو كالصفة فى الإيضاح، لكن يفارقها فى أنهوضع ليدل على الإيضاح باسم يختص به، بخلافها فإنّها وضعت لتدل على معنى حاصل فى متبوعها. والفرق بينه وبين البدل أن البدل هو المقصود، وكأنك قررته فى موضع المبدل منه، وعطف البيان وما عطف عليه كل منهما مقصود. وعطف البيان يجرى مجرى النعت فى تكميل متبوعه، ويفارقه فى أن تكميل متبوعه بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى المتبوع أو سببية، ومجرى التأكيد فى تقوية دلالته، ويفارقه فى أنه لا يرفع توهم مجاز، ومجرى البدل فى صلاحيته للاستقلال، ويفارقه فى أنه غير منوىّ الاطراح. ومن أمثلته: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ. وقد يأتى لمجرّد المدح بلا إيضاح ومنه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ فالبيت الحرام عطف بيان للمدح لا للإيضاح. النوع الثامن: عطف أحد المترادفين على الآخر: والقصد منه التأكيد أيضا، وجعل منه: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي. النوع التاسع: عطف الخاص على العام: وفائدته التنبيه على فضله، حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الذات. وهذا العطف، يسمى بالتجريد، كأنه جرّد من الجملة وأفرد بالذكر تفضيلا. ومن أمثلته: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. والمراد بالخاص والعام هنا ما كان فيه الأول شاملا للثانى. النوع العاشر: عطف العام على الخاص: والفائدة فيه واضحة وهو التعميم. ومن أمثلته: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي والنسك العبادة، فهو أعم. (م ١٦- الموسوعة القرانية- ج ٢)

стр. 636

النوع الحادى عشر: الإيضاح بعد الإبهام: يقولون: إذا أردت أن تبهم ثم توضح فإنك تطنب. وفائدته: إما رؤية المعنى فى صورتين مختلفتين: الإبهام والإيضاح، أو لتمكن المعنى فى النفس تمكنا زائدا لوقوعه بعد الطلب، فإنه أعزّ من المنساق بلا تعب، أو لتكمل لذة العلم به. فإن الشىء إذا علم من وجه ما تشوّقت النفس للعلم به من باقى وجوهه وتألمت، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه كانت لذته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة. ومن أمثلته: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فإن اشرح يفيد طلب شرح شىء ما له، وصدرى يفيد تفسيره وبيانه. ومنه التفصيل بعد الإجمال نحو: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً إلى قوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. وعكسه كقوله: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ أعيد ذكر العشرة لرفع توهم أن الواو فى: وَسَبْعَةٍ بمعنى أو، فتكون الثلاثة داخلة فيها كما فى قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثم قال: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فإن من جملتها اليومين المذكورين أولا وليست أربعة غيرهما. النوع الثانى عشر: التفسير: وهو أن يكون فى الكلام لبس وخفاء فيؤتى بما يزيله ويفسره. ومن أمثلته: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً فقوله: إِذا مَسَّهُ تفسير للهلوع. ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها، لأن تفسير الشىء لا حق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه. النوع الثالث عشر: وضع الظاهر موضع المضمر، وله فوائد:

стр. 637

منها: زيادة التقرير والتمكين نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ والأصل: هو الصمد. ومنها: قصد التعظيم نحو: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ومنها: قصد الإهانة والتحقير نحو: أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ. ومنها: إزالة اللبس حيث يوهم الضمير أنه غير الأول نحو: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ لو قال تؤتيه لأوهم أنه الأول. ومنها: قصد تربية المهابة وإدخال الروع على ضمير السامع بذكر الاسم المقتضى لذلك كما تقول: الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا، ومنه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ. ومنها: قصد تقوية داعية- الأمور، ومنه: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. ومنها: تعظيم الأمر نحو: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. ومنها: الاستلذاذ بذكره، ومنه: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ لم يقل منها، ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة. ومنها: قصد التوسل من الظاهر إلى الوصف، ومنه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ بعد قوله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ لم يقل فآمنوا باللَّه ربى ليتمكن من إجراء الصفات التى ذكرها ليعلم أن الذى وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الصفات، ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك لأنه لا يوصف. ومنها: التنبيه على عليه الحكم نحو: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، لم يقل (لهم) إعلاما بأن من عادى هؤلاء فهو كافر، وأن اللَّه إنما عاداه لكفره.

стр. 638

ومنها: قصد العموم نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ لم يقل إنها، لئلا يفهم تخصيص ذلك بنفسه. ومنها: قصد الخصوص نحو: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ لم يقل (لك) تصريحا بأنه خاص به. ومنها: الإشارة إلى عدم دخول الجملة الأولى فى حكم الأولى نحو: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ فإن وَيَمْحُ اللَّهُ استئناف لا داخل فى حكم الشرط. ومنها: مراعاة الجناس، ومنه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ السورة. ومنها: مراعاة الترصيع وتوازن الألفاظ فى التركيب، ومنه قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى. ومنها: أن يتحمل ضميرا لا بد منه، ومنه: أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها لو قال استطعماها لم يصح، لأنهما لم يستطعما القرية أو استطعماهم، فكذلك لأن جملة استطعما صفة لقرية النكرة لا لأهل، فلا بد أن يكون فيها ضمير يعود عليها، ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر. وإعادة الظاهر بمعناه أحسن من إعادته بلفظه، نحو: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. وإعادته فى جملة أخرى أحسن منه فى الجملة الواحدة لانفصالها، وبعد الطول أحسن من الإضمار، لئلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه فيفوته ما شرع فيه، كقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ بعد قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ. النوع الرابع عشر: الإيغال، وهو الإمعان، وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، من ذلك: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ فقوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَ إيغال، لأنه يتم المعنى بدونه، إذ الرسول مهتد لا محالة، لكن فيه زيادة مبالغة فى الحث على اتباع الرسل والترغيب فيه.

стр. 639

النوع الخامس عشر: التذليل، وهو أن يأتى بجملة عقب جملة، والثانية تشمل على المعنى الأول لتأكيد منطوقه أو مفهومه ليظهر المعنى لمن لم يفهمه ويتقرّر عند من فهمه نحو: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ. النوع السادس عشر الطرد والعكس، وهو أن يؤتى بكلامين يقرّر الأول بمنطوقه مفهوم الثانى وبالعكس كقوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلى قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ فمنطوق الأمر بالاستئذان فى تلك الأوقات خاصة مقرّر لمفهوم رفع الجناح فيما عداها، وبالعكس. النوع السابع عشر: التكميل، ويسمى بالاحتراس، وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم نحو: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فإنه لو اقتصر على أَذِلَّةٍ لتوهم أنه لضعفهم فدفعه بقوله أعزّة. النوع الثامن عشر: التتميم، وهو أن يؤتى فى كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة كالمبالغة فى قوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أى مع حبّ الطعام: أى اشتهائه، فإن الإطعام حينئذ أبلغ وأكثر أجرا. النوع التاسع عشر: الاستقصاء، وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه، فيأتى بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصى جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا كقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ الآية، فإنه تعالى لو اقتصر على قوله جنة لكان كافيا، فلم يقف عند ذلك حتى قال فى تفسيرها: مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ فإن مصاب صاحبها بها أعظم، ثم زاد: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ متمما لوصفها بذلك، ثم كمل وصفها بعد التتميمين فقال له: فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فأتى بكل ما يكون فى الجنان ليشتد الأسف على إفسادها. ثم قال فى وصف صاحبها: وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ثم استقصى المعنى فى ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية بالضعفاء. ثم ذكر استئصال

стр. 640

الجنة التى ليس لهذا المصاب غيرها بالهلاك فى أسرع وقت حيث قال: فَأَصابَها إِعْصارٌ ولم يقتصر على ذكره للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك فقال: فِيهِ نارٌ ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفى باحتراقها لما فيه من الأنهار ورطوبة الأشجار فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله: فَاحْتَرَقَتْ فهذا أحسن استقصاء وقع فيه كلام وأتمه وأكمله. والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل: أن التتميم يردّ على المعنى ليتم فيكمل. والتكميل يردّ على المعنى التام أوصافه. والاستقصاء يردّ على المعنى التام الكامل فيستقصى لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه حتى يستوغب جميع ما تقع الخواطر عليه فيه فلا يبقى لأحد فيه مساغ. النوع العشرون: الاعتراض، ويسمى الالتفات وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الأعراب فى أثناء كلام أو كلامين اتصلا معنى لنكتة غير دفع الإيهام كقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ فقوله: سُبْحانَهُ اعتراض لتنزيه اللَّه عن البنات والشناعة على جاعليها. ووجه حسن الاعتراض حسن الإفادة مع أن مجيئه مجىء ما لا يترقب فيكون كالحسنة تأتيك من حيث لا تحتسب. النوع الحادى والعشرون: التعليل: وفائدته التقرير والأبلغية، فإن النفوس أبعث على قبول الأحكام المعللة من غيرها، وغالب التعليل فى القرآن على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى، وحروفه: اللام، وإن، وأن، وإذ، والباء، وكى، ومن، ولعل. ومما يقتضى التعليل لفظ الحكمة: كقوله: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ. وذكر الغاية من الخلق نحو قوله: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً، وأَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً. وَالْجِبالَ أَوْتاداً.

стр. 641

٦٢ الخبر والإنشاء قيل: إن أقسام الكلام عشرة: نداء، ومسألة، وأمر، وتشفع، وتعجب، وقسم، وشرط، ووضع، وشك، واستفهام. وقيل: تسعة بإسقاط الاستفهام لدخوله فى المسألة. وقيل: سبعة بإسقاط الشك، لأنه من قسم الخبر. وقيل: هى ستة: خبر، واستخبار، وأمر، ونهى، ونداء، وتمنّ. وقيل: خمسة: خبر، وأمر، وتصريح، وطلب، ونداء. وقيل: أربعة: خبر، واستخبار، وطلب، ونداء. وقيل: ثلاثة: خبر، وطلب، وإنشاء، لأن الكلام إما أن يحتمل التصديق والتكذيب أولا. فالأول الخبر، والثانى إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء، وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب. وقيل: الخبر: الكلام الذى يدخله الصدق والكذب. وقيل: الذى يدخله التصديق والتكذيب. وقيل: كلام يفيد بنفسه نسبة. وقيل: الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا. وقيل: القول المقتضى بصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفى أو الإثبات. والإنشاء: ما يحصل مدلوله فى الخارج بالكلام، والخبر خلافه. وقيل: الكلام إن أفاد بالوضع طلبا فلا يخلو إما أن يكون بطلب ذكر الماهية أو تحصيلها أو الكفّ عنها. والأول الاستفهام. والثانى الأمر. والثالث النهى. وإن لم يفد طلبا بالوضع.

стр. 642

فإن لم يحتمل الصدق والكذب سمى تنبيها وإنشاء، لأنك نبهت به عن مقصودك وأنشأته: أى ابتكرته من غير أن يكون موجودا فى الخارج، سواء أفاد طلبا باللازم كالتمنى والترجى والنداء والقسم، أم لا، وإن احتملهما من حيث هو فهو خبر. والقصد بالخبر إفادة المخاطب، وقد يرد بمعنى الأمر نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ. وبمعنى النهى نحو: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. وبمعنى الدعاء نحو: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أى أعنا. ومن أقسام الخبر: النفى، بل هو شطر الكلام كله. والفرق بينه وبين الجحد: أن النافى إن كان صادقا سمى كلامه نفيا، ولا يسمى جحدا، وإن كان كاذبا سمى جحدا ونفيا أيضا. فكل جحد نفى وليس كل نفى جحدا. مثال النفى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ. ومثال الجحد نفى فرعون وقومه آيات موسى، قال تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ. وأدوات النفى: لا، ولات، وما، وإن، ولم، ولما. وأصل أدوات النفى «لا وما» لأن النفى إما فى الماضى وإما فى المستقبل، والاستقبال أكثر من الماضى أبدا «ولا» أخفّ من «ما» فوضعوا الأخف للأكثر. ثم إن النفى فى الماضى إما أن يكون نفيا واحدا مستمرا، أو نفيا فيه أحكام متعددة، وكذلك النفى فى المستقبل، فصار النفى على أربعة أقسام، واختاروا له أربع كلمات: «ما، ولم، ولن، ولا» . وأما «إن» ، «لما» فليسا بأصلين، فما ولا، فى الماضى والمستقبل متقابلان، ولم، كأنه مأخوذ من: لا وما، لأن «لم» نفى للاستقبال لفظا والمضى معنى، فأخذ اللام من «لا» التى هى لنفى المستقبل، والميم من «ما» التى هى لنفى الماضى، وجمع بينهما إشارة إلى

стр. 643

أن فى «لم» إشارة إلى المستقبل والماضى، وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن «لا» هى أصل النفى، ولهذا ينفى بها فى أثناء الكلام فيقال: لم يفعل زيد ولا عمرو. وأما «لما» فتركيب بعد تركيب كأنه قال: لم وما، لوكيد معنى النفى فى الماضى. وتفيد الاستقبال أيضا ولهذا تفيد «لما» الاستمرار. ونفى العام يدل على نفى الخاص، وثبوته لا يدل على ثبوته، وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام، ونفيه لا يدل على نفيه، ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به، فلذلك كان نفى العام أحسن من نفى الخاص، وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام. فالأول كقوله: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لم يقل بضوئهم بعد قوله أضاءت، لأن النور أعم من الضوء، إذ يقال على القليل والكثير، وإنما يقال الضوء على النور الكثير ولذلك قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ففى الضوء دلالة على النور فهو أخص منه، فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس، والقصد إزالة النور عنهم أصلا ولذا قال عقبه: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ. والثانى كقوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ولم يقل طولهن، لأن العرض أخص، إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس. ونظير هذه القاعدة أن نفى المبالغة فى الفعل لا يستلزم نفى أصل الفعل. والعرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا نحو: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ والمعنى: إنما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام. وإذا كان الجحد فى أول الكلام كان جحدا حقيقيّا نحو: ما زيد يخارج. وإذا كان فى أول الكلام جحدان كان أحدهما زائدا، وعليه: فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ. ومن أقسام الإنشاء: الاستفهام، وهو طلب الفهم، وهو بمعنى الاستخبار.

стр. 644

وقيل: الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما. وأدواته: الهمزة، وهل، وما، ومن، وأى، وكم، وكيف، وأين، وأنى، ومتى، وأيان. ما عدا الهمزة نائب عنها، ولكونه طلب ارتسام صورة ما فى الخارج فى الذهن لزم ألا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاكّ مصدق بإمكان الإعلام، فإن غير الشاكّ إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام. وما جاء فى القرآن على لفظ الاستفهام، فإنما يقع فى خطاب اللَّه على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفى حاصل. وقد تستعمل صيغة الاستفهام فى غيره مجازا. وقد توسعت العرب فأخرت الاستفهام عن حقيقته لمعان، أو أشربته تلك المعانى. الأول: الإنكار، والمعنى فيه على النفى، وما بعده منفى، ولذلك تصحبه إِلَّا كقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ. وكثيرا ما يصحبه التكذيب، وهو فى الماضى بمعنى لم يكن، وفى المستقبل بمعنى لا يكون نحو: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ الآية: أى لم يفعل ذلك. الثانى: التوبيخ، وجعله بعضهم من قبيل الإنكار، إلا أن الأول إنكار إبطال وهذا إنكار توبيخ، والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفى، فالنفى هنا غير قصدى، والإثبات قصدى، عكس ما تقدم، ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا نحو: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. وأكثر ما يقع التوبيخ فى أمر ثابت ووبخ على فعله. ويقع على ترك فعل كان ينبغى أن يقع كقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. الثالث: التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده: ولا يستعمل ذلك بهل، كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام.

стр. 645

وذهب كثير من العلماء فى قوله: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إلى أن هَلْ تشارك الهمزة فى معنى التقرير أو التوبيخ. وقيل: إن استفهام التقرير لا يكون بهل، إنما يستعمل فيه الهمزة، إذ أن هل تأتى تقريرا كما فى قوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ والكلام مع التقرير موجب، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ويعطف على صريح الموجب. فالأول كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. والثانى نحو: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً. وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار، والإنكار نفى، وقد دخل على النفى، ونفى النفى إثبات، ومن أمثلته: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ. الرابع: التعجب أو التعجيب نحو: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ. وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه فى قوله: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ فالهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم. ويحتمل التعجب والاستفهام الحقيقى: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ. الخامس: العتاب كقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلا أربع سنين. السادس: التذكير، وفيه نوع اختصار كقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ. السابع: الافتخار نحو: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ. الثامن: التفخيم نحو: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً. التاسع: التهويل والتخويف نحو: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ. العاشر: عكسه، وهو التسهيل والتخفيف نحو: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا.

стр. 646

الحادى عشر: التهديد والوعيد نحو: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. الثانى عشر: التكثير نحو: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها. الثالث عشر: التسوية وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها نحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ. الرابع عشر: الأمر نحو: أَأَسْلَمْتُمْ أى أسلموا. الخامس عشر: التنبيه، وهو من أقسام الأمر نحو: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ أى انظر. السادس عشر: الترغيب نحو: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. السابع عشر: النهى نحو: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ بدليل: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ. الثامن عشر: الدعاء، وهو كالنهى، إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى نحو: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ أى لا تهلكنا. التاسع عشر: الاسترشاد نحو: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. العشرون: التمنى نحو: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ. الحادى والعشرون: الاستبطاء نحو: مَتى نَصْرُ اللَّهِ. الثانى والعشرون: العرض: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. الثالث والعشرون: التحضيض نحو: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ. الرابع والعشرون: التجاهل نحو: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. الخامس والعشرون: التعظيم نحو: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. السادس والعشرون: التحقير نحو: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ. السابع والعشرون: الاكتفاء نحو: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.

стр. 647

الثامن والعشرون: الاستبعاد نحو: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى. التاسع والعشرون: الإيناس نحو: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. الثلاثون: التهكم والاستهزاء نحو: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ. الحادى والثلاثون: التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله كقوله: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أى من حق عليه كلمة العذاب فإنك لا تنقذه، فمن للشرط، والفاء جواب الشرط. الثانى والثلاثون: الإخبار نحو: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا. ومن أقسام الإنشاء: الامر، وهو طلب فعل غير كف، وصيغته افعل، ولتفعل، وهى حقيقة فى الإيجاب نحو: أَقِيمُوا الصَّلاةَ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وترد مجازا لمعان أخر. منها: الندب نحو: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا. والإباحة نحو: فَكاتِبُوهُمْ. والتهديد نحو: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إذ ليس المراد الأمر بكل عمل شاءوا. والإهانة نحو: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. والتسخير: أى التذليل نحو: كُونُوا قِرَدَةً عبر به عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالا لهم فهو أخص من الإهانة. والتعجيز نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إذ ليس المراد طلب ذلك منهم بل إظهار عجزهم. والامتنان نحو: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ. والعجب نحو: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ. والتسوية نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا. والإرشاد نحو: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ. والاحتقار نحو: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ. والإنذار نحو: قُلْ تَمَتَّعُوا.

стр. 648

والإكرام نحو: ادْخُلُوها بِسَلامٍ. والتكوين، وهو أعم من التسخير نحو: كُنْ فَيَكُونُ. والإنعام، أى تذكير النعمة نحو: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. والتكذيب نحو: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها. والمشورة نحو: فَانْظُرْ ماذا تَرى. والاعتبار نحو: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ. والتعجب نحو: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ. ومن أقسامه: النهى، وهو طلب الكفّ على فعل، وصيغته «لا تفعل» وهى حقيقة فى التحريم، وترد مجازا لمعان: منها الكراهية نحو: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً. والدعاء نحو: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا. والإرشاد نحو: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. والتسوية نحو: أَوْ لا تَصْبِرُوا. والاحتقار والتقليل نحو: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية، أى فهو قليل حقير. وبيان العاقبة نحو: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ أى عاقبة الجهاد الحياة لا الموت. واليأس نحو: لا تَعْتَذِرُوا. والإهانة نحو: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. ومن أقسامه: التمنى. وهو طلب حصول شىء على سبيل المحبة، ولا يشترط إمكان المتمنى بخلاف المترجى، ويقال: إن التمنى والترجى والنداء والقسم ليس فيه طلب بل هو تنبيه، ولا بدع فى تسميته إنشاء. والتمنى لا يصح فيه الكذب، وإنما الكذب فى المتمنى، الذى يترجح عند صاحبه وقوعه، فهو إذن وارد على ذلك الاعتقاد الذى هو ظن. وحرف التمنى الموضوع له: ليت نحو: يا لَيْتَنا نُرَدُّ.

стр. 649

وقد يتمنى بهل حيث يعلم فقده نحو: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا. وبلو نحو: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ ولذا نصب الفعل فى جوابها. وقد يتمنى بلعل فى البعيد فتعطى حكم ليت فى نصب الجواب نحو: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ. ومن أقسامه الترجى، وفرق بعضهم بينه وبين التمنى بأنه فى الممكن والتمنى فيه وفى المستحيل، وبأن الترجى فى القريب والتمنى فى البعيد، وبأن الترجى فى المتوقع والتمنى فى غيره، وبأن التمنى فى المشقوق للنفس والترجى فى غيره. وقيل: الفرق بين التمنى وبين العرض، هو الفرق بينه وبين الترجى، وحرفا الترجى: لعل وعسى، وقد ترد مجازا لتوقع محذور، ويسمى الإشفاق نحو: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ. ومن أقسامه النداء، وهو طلب إقبال المدعو على الداعى بحرف نائب مناب أدعو، ويصحب فى الأكثر الأمر والنهى. والغالب تقدمه نحو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ. وقد يتأخر نحو: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ. وقد يصحب الجملة الخبرية فتعقبها جملة الأمر نحو: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ. وقد لا يعقبها نحو: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. وقد تصحبه الاستفهامية نحو: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ. وقد ترد صورة النداء لغيره مجازا كالإغراء والتحذير، وقد اجتمعا فى قوله تعالى: ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها. والاختصاص كقوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. والتنبيه كقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا. والتعجب كقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ. والتحسر كقوله: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً .

стр. 650

وأصل النداء ب «يا» أن تكون للبعيد حقيقة أو حكما، وقد ينادى بها القريب لنكت. منها: إظهار الحرص فى وقوعه على إقبال المدعو، نحو: يا مُوسى أَقْبِلْ. ومنها: كون الخطاب المتلو يعتنى به، نحو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ. ومنها: قصد تعظيم شأن: المدعو، نحو: يا رب. ومنها قصد انخفاضه، كقول فرعون: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً.

стр. 651

٦٣ بدائع القرآن ولها أنواع: منها: الإبهام، ويدعى التورية: أن يذكر لفظ لها معنيان، إما بالاشتراك أو التواطؤ، أو الحقيقة والمجاز، أحدهما قريب والآخر بعيد، ويقصد البعيد ويورى عنه بالقريب، فيتوهمه السامع من أول وهلة. ومن أمثلتها: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فإن الاستواء على معنيين: الاستقرار فى المكان وهو المعنى القريب المورى به، الذى هو غير مقصود لتنزيهه تعالى عنه. والثانى الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المقصود الذى ورى به عنه بالقريب المذكور. وهذه التورية تسمى مجردة، لأنها لم يذكر فيها شىء من لوازم المورى به ولا المورى عنه. ومنها: ما يسمى مرشحة، وهى التى ذكر فيها شىء من لوازم هذا أو هذا كقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ فإنه يحتمل الجارحة وهو المورى به. ويحتمل القوة والقدرة، وهو البعيد المقصود. الاستخدام هو والتورية أشرف أنواع البديع، وهما سيان بل فضله بعضهم عليها، ولهم فيه عبارتان: إحداهما: أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مرادا به المعنى الآخر. والأخرى: أن يؤتى بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين، ومن الآخر الآخر. ومن أمثلته قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ الآية، فلفظ كِتابٌ يحتمل الأمد المحتوم والكتاب المكتوب. فلفظ أَجَلٍ يخدم المعنى الأول، و (يمحو) يخدم الثانى. الالتفات: نقل الكلام من أسلوب إلى آخر: أى من المتكلم أو الخطاب، أو الغيبة إلى آخر منها بعد التعبير بالأول، وله فوائد: (م ١٧- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 652

منها: نطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقلات والسلامة من الاستمرار على منوال واحد. مثاله من المتكلم إلى الخطاب، ووجهه حثّ السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عناية تختص بالمواجهة، قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الأصل، وإليه أرجع، فالتفت من المتكلم إلى الخطاب، ونكتته أنه أخرج الكلام فى معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه فى مقام تخويفهم ودعوتهم إلى اللَّه تعالى، ومن أمثلته أيضا قوله تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ. ومثاله من التكلم إلى الغيبة، ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب، وأنه ليس فى كلامه ممن يتلون ويتوجه ويبدى فى الغيبة خلاف ما نبديه فى الحضور قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ والأصل: لنغفر لك. ومثالة من الخطالب إلى المتكم لم يقع فى القرآن، ومثل له بعضهم: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، ثم قال: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا، وقيل: إن المثال لا يصح لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا. ومثاله من الخطاب إلى الغيبة: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ والأصل بكم، ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجب من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمرّ على خطابهم لفاتت تلك الفائدة، وقيل: لأن الخطاب أولا من الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فلو كان «وجرين بكم» للزم الذى للجميع، فالتفت عن الأول للإرشاد إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما طكروه عنهم فى آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخاص. ومثاله من الغيبة إلى المتكلم: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ. ومثاله من الغيبة إلى الخطاب: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا.

стр. 653

وشرط الالتفات أن يكون الضمير فى المنتقل إليه عائدا فى نفس الأمر إلى المنتقل عنه، ولا يلزم عليه أن يكون فى (أنت صديقى) التفات. وشرطه أيضا أن يكون فى جملتين، وإلا يلزم عليه أن يكون نوعا غريبا. ومن الالتفات: بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه كقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بعد أَنْعَمْتَ فإن المعنى: غير الذين غضبت عليهم. ومنه: أن يقدم المتكلم فى كلامه مذكورين مرتبين، ثم يخبر عن الأول منهما، وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثانى، ثم يعود إلى الإخبار عن الأول كقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربه تعالى، ثم قال منصرفا عن الإخبار عن ربه تعالى إلى الإخبار عن الإنسان: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. ويقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر. مثاله من الواحد إلى الاثنين: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ. وإلى الجمع: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ. ومن الاثنين إلى الواحد: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى. وإلى الجمع: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً. ومن الجمع إلى الواحد: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ. وإلى الاثنين: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ إلى قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. ويقرب منه أيضا الانتقال من الماضى أو المضارع أو الأمر وإلى آخر. مثاله من الماضى إلى المضارع: أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ. وإلى الأمر: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ. ومن المضارع إلى الماضى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ.

стр. 654

وإلى الأمر قال: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ. ومن الآمر إلى الماضى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا. وإلى المضارع: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. الاطراد: هو أن يذكر المتكلم أسماء آباء الممدوح مرتبة على حكم ترتيبها فى الولادة. ومنه فى القرآن قوله تعالى حكاية عن يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وإنما لم يأت به على الترتيب المألوف، فإن العادة الابتداء بالأب، ثم الجد، ثم الجد الأعلى، لأنه لم يرد هنا مجرد ذكر الآباء، وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التى اتبعها، فبدأ بصاحب الملة، ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا، على الترتيب. الانسجام: هو أن يكون الكلام لخلوه من العقادة منحدرا كتحدر الماء المنسجم، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسهل رقة، والقرآن كله كذلك. وقيل: وإذا قوى الانسجام فى النثر جاءت قراءته موزونة بلا قصد لقوّة انسجامه، ومن ذلك ما وقع فى القرآن موزونا فنمه من بحر الطويل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ. ومن المديد: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا. ومن البسيط: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ. ومن الوافر: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. ومن الكامل: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ومن الهزج: فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً. ومن الرجز: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها. ومن الرمل: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ. ومن السريع: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ. ومن المنسرح: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ.

стр. 655

ومن الخفيف: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً. ومن المضارع: يَوْمَ التَّنادِ. ومن المقتضب: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. ومن المجتث: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ومن المتقارب: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. الإدماج: وهو أن يدمج المتكلم غرضا فى غرض، أو بديعا فى بديع، بحيث لا يظهر فى الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين كقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أدمجت المبالغة فى المطابقة، لأن انفراده تعالى بالحمد فى الآخرة، وهى الوقت الذى لا يحمد فيه سواه، مبالغة فى الوقت بالانفراد بالحمد، وهو إن خرج مخرج المبالغة فى الظاهر فالأمر فيه حقيقة فى الباطن، فإنه ربّ الحمد والمنفرد به فى الدارين. وقيل فى هذه الآية: إنها من إدماج غرض فى غرض، فإن الغرض منها تفرّده تعالى بوصف الحمد، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء. الافتنان: هو الإتيان فى كلام بفنين مختلفين، كالجمع بين الفخر والتعزية فى قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فإنه تعالى عزّى جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدح بالبقاء بعد فناء الموجودات فى عشر لفظات، مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام . الاقتدار: هو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد فى عدة صور اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه على صياغة قوالب المعانى والأغراض، فتارة يأتى به فى لفظ الاستعارة، وتارة فى صورة الإرداف، وحينا فى مخرج الإيجاز، ومرة فى قالب الحقيقة وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن، فإنك ترى فى الصفة الواحدة، التى لا تختلف معانيها، تأتى فى صورة مختلفة وقوالب من الألفاظ متعددة، حتى لا تكاد تشتبه فى موضعين منه، ولا بد أن تجد الفرق بين صورها ظاهرا.

стр. 656

ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلافه مع المعنى: الأول: أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا بأن يقرن الغريب بمثله، والمتداول بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة. والثانى: أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد، وإن كان فخما كانت ألفاظه مفخمة، أو جزلا فجزلة، أو غريبا فغريبة، أو متداولا فمتداولة، أو متوسطا بين الغرابة والاستعمال فكذلك. فالأول كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً. أتى بأغرب ألفاظ القسم، وهى التاء، فإنها أقل استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو. وبأغرب صيغ الأفعال التى ترفع الأسماء وتنصب الأخبار، فإن (تزال) ، أقرب إلى الأفهام وأكثر استعمالا منها. وبأغرب الألفاظ الإهلاك وهو الحرض، فاقتضى حسن الوضع فى النظم أن تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها فى الغرابة توخيا لحسن الجوار، ورعاية فى ائتلاف المعانى بالألفاظ، ولتتعادل الألفاظ فى الوضع وتتناسب فى النظم. ولما أراد غير ذلك قال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها. ومن الثانى قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ لما كان الركون إلى الظالم، وهو الميل إليه والاعتماد عليه، دون مشاركته فى الظلم، وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم، فأتى بلفظ المس، الذى هو دون الإحراق والاصطلاء. الاستدراك والاستثناء شرط كونهما من البديع: أن يتضمنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدل عليه المعنى اللغوى. مثال الاستدراك: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فإنه لو اقتصر على قوله لَمْ تُؤْمِنُوا لكان منفردا لهم، لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك، ليعلم أن

стр. 657

الإيمان موافقة القلب اللسان، وإن انفرد اللسان بذلك يسمى إسلاما ولا يسمى إيمانا، وزاد ذلك إيضاحا بقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن. ومثال الاستثناء: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح فى دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم، إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما، لم يكن فيه من التهويل ما فى الأول، لأن لفظ الألف فى الأول، أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام، وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعدا ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف. الاقتصاص: هو أن يكون كلاما فى سورة مقتصا من كلام فى سورة أخرى، أو فى تلك السورة، كقوله تعالى: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ والآخرة دار ثواب لا عمل فيها فهذا مقتص من قوله تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى. الإبدال: هو إقامة بعض الحروف مقام بعض، ومنه: فَانْفَلَقَ أى انفرق، ولهذا قال: فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ فالراء واللام متعاقبان. تأكيد المدح بما يشبه الذم: ومنه قوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ الآية، فإن الاستثناء بعد الاستفهام الخارج مخرج التبويخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان يوهم أن ما يأتى بعده مما يوجب أن ينتقم على فاعله مما يذم، فلما أتى بعد الاستثناء بما يوجب مدح فاعله كان الكلام متضمنا تأكيد المدح بما يشبه الذم. التفويت: هو إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح والوصف وغير ذلك من الفنون، كل فن فى جملة منفصلة عن أختها مع تساوى الجمل فى الزنة، ويكون فى الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة. فمن الطويلة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ.

стр. 658

ومن المتوسطة: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ويُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ. ولم يأت المركب من القصيرة فى القرآن. التقسيم: هو استيفاء أقسام الشىء الموجودة إلا الممكنة عقلا نحو: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً إذ ليس فى رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق. والطمع فى الأمطار. التدبيج: هو أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد التورية بها والكناية، وكقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ قالمراد بذلك الكناية عن الواضح من الطرق، لأن الجادة البيضاء هى الطريق التى كثر السلوك عليها جدا، وهى أوضح الطرق وأبينها، ودونها الحمراء، ودون الحمراء السوداء، كأنها فى الخفاء والالتباس، ضد البيضاء فى الظهور والوضوح. ولما كانت هذه الألوان الثلاثة فى الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى فى الظهور البيضاء، والطرف الأدنى فى الخفاء السواد، والأحمر بينهما، على وضع الألوان فى التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، والهداية بكل علم نصب للهداية متقسمة هذه القسمة، أتت الآية الكريمة منقسمة كذلك، فحصل فيها التدبيح وصحة التقسيم. والتنكيت: هو أن يقصد المتكلم إلى شىء بالذكر دون غيره مما يسدّ مسده، لأجل نكتة فى المذكور ترجح مجيئه على سواه كقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم وهو تعالى ربّ كل شىء، لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبى كبشة عبد الشعرى، ودعا إلى عبادتها، فأنزل اللَّه تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى التى ادعيت فيها الربوبية. التجريد: هو أن ينزع من أمر ذى صفة آخر مثله مبالغة فى كمالها فيه نحو: لى من فلان صديق حميم مجرد من الرجل الصديق، آخر مثله متصفا بصفة الصداقة. ومن أمثلته فى القرآن: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ ليس المعنى أن الجنة فيها دار الخلد وغير دار خلد، بل هى نفسها دار الخلد: فكأنه جرّد من الدار دارا.

стр. 659

التعديد: هو إيقاع الألفاظ المفردة على سياق واحد، وأكثر ما يوجد فى الصفات كقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ. الترتيب: هو أن يورد أوصاف الموصوف على ترتيبها فى الخلقة الطبيعية، ولا يدخل فيها وصفا زائدا، ومنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً. التضمين: يطلق على أشياء: أحدها: إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه، وهو نوع من المجاز. الثانى: حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم هو عبارة عنه، وهذا نوع من الإيجاز. الثالث: تعلق ما بعد الفاصلة بها. الرابع: إدراج كلام الغير فى أثناء الكلام لقصد تأكيد المعنى أو ترتيب النظم، ومنه قوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. الجناس: هو تشابه اللفظين فى اللفظ. وفائدته الميل إلى الإصغاء إليه، فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها. ولأن الفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به آخر كان للنفس تشوّق إليه. وأنواع الجناس كثيرة: منها: التام، بأن يتفقا فى أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ. ومنها المصحف، ويسمى جناس الخط، بأن تختلف الحروف فى النقط كقوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. ومنها: المحرّف، بأن يقع الاختلاف فى الحركات كقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ.

стр. 660

وقد اجتمع التصحيف والتحريف فى قوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. ومنها: الناقص، بأن يختلف فى عدد الحروف سواء كان الحرف المزيد أولا أو وسطا أو آخرا كقوله: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ. ومنها: المذيل، بأن يزيد أحدهما أكثر من حرف فى الآخر أو الأول، وسمى بعضهم الثانى بالمتوج كقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ. ومنها: المضارع، وهو أن يختلفا بحرف مقارب فى المخرج، سواء كان فى الأول أو الوسط أو الآخر، كقوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. ومنها: اللاحق، بأن يختلف بحرف غير مقارب فيه كذلك كقوله: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. ومنها: المرفق، وهو ما تركب من كلمة وبعض أخرى كقوله: جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ. ومنها: اللفظى بأن يختلفا بحرف مناسب للآخر مناسبة لفظية كالضاد والظاء كقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. ومنها: تجنيس القلب بأن يختلفا فى ترتيب الحروف نحو: رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ. ومنها: تجنيس الاشتقاق، بأن يجتمعا فى أصل الاشتقاق، ويسمى المقتضب نحو: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ. ومنها: تجنيس الإطلاق، بأن يجتمعا فى المشابهة فقط كقوله: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ. الجمع: هو أن يجمع بين شيئين أو أشياء متعددة فى حكم كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا جمع المال والبنون فى الزينة. الجمع والتفريق: هو أن تدخل شيئين فى معنى وتفرّق بين جهتى الإدخال، ومنه قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، جمع النفسين فى حكم

стр. 661

التوفى، ثم فرق بين جهتى التوفى بالحكم بالإمساك والإرسال، أى اللَّه يتوفى الأنفس التى تقبض والتى لم تقبض، فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. الجمع والتقسيم: وهو جمع متعدّد تحت حكم ثم تقسيمه كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. الجمع مع التفريق والتقسيم كقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ الآيات، فالجمع فى قوله لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لأنها متعددة معنى، إذ النكرة فى سياق النفى تعم. والتفريق قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. والتقسيم قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا. جمع المؤتلف والمختلف: هو أن تريد التسوية بين الزوجين، فتأتى بمعان مؤتلفة فى مدحها، وتروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا تنقص الآخر، فتأتى لأجل ذلك بمعان تخالف معنى التسوية كقوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ الآيات، سوّى فى الحكم والعلم وزاد فضل سليمان بالفهم. حسن النسق: هو أن يأتى المتكلم بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا، بحيث إذا أفردت كل جملة منه قامت بنفسها واستقل معناها بلفظها، ومنه قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الآية، فإن جمله معطوف بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذى تقتضيه البلاغة من الابتداء بالاسم، الذى هو انحسار الماء عن الأرض، المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها، ثم انقطاع مادة السماء المتوقف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج. ومنه اختلاف ما كان بالأرض ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقطاع المادتين الذى هو متأخر عنه قطعا، ثم بقضاء الأمر الذى هو هلاك من قدر هلاكه ونجاة من سبق نجاته. وأخرّ عما قبله لأن علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم منها، وخروجهم موقوف على ما تقدم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهابه الخوف وحصول الأمن من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين لإفادة أن الغرق وإن عمّ الأرض فلم يشمل إلا من استحق العذاب لظلمه.

стр. 662

عتاب المرء نفسه منه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي الآيات. العكس: هو أن يؤتى بكلام يقدم فيه جزء ويؤخر آخر، ثم يقدم المؤخر ويؤخر المقدم كقوله تعالى: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. ومن غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً، وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فإن نظم الآية الثانية عكس نظم الآية الأولى، لتقديم العمل فى الأولى على الإيمان، وتأخيره فى الثانية عن الإسلام. ومنه نوع يسمى: القلب والمقلوب المستوى وما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن تقرأ الكلمة من آخرها إلى أولها كما تقرأ من أولها إلى آخرها كقوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ولا ثالث لهما فى القرآن. العنوان: هو أن يأخذ المتكلم فى غرض فيأتى لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة فى ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة وقصص سالفة. ومنه نوع عظيم جدّا وهو عنوان العلوم، بأن يذكر فى الكلام ألفاظا تكون مفاتيح العلوم ومداخل لها. من الأول قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها الآية، فإنه عنوان قبصه بلعام. ومن الثانى قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ الآية، فيها عنوان علم الهندسة، فإن الشكل المثلث أول الأشكال، وإذا نصب فى الشمس على أىّ ضلع من أضلاعه لا يكون له ظل لتحديد رءوس زواياه، فأمر اللَّه تعالى أهل جهنم بالانطلاق إلى ظل هذا الشكل تهكما بهم. وقوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآيات، فيها عنوان علم الكلام وعلم الجدل وعلم الهيئة.

стр. 663

الفرائد: هو مختص بالفصاحة دون البلاغة، لأنه الإتيان بلفظة تتنزل منزلة الفريدة من العقد، وهى الجوهرة التى لا نظير لها تدل على عظم فصاحة هذا الكلام وقوّة عارضته وحزالة منطقة وأصالة عربيته، بحيث لو أسقطت من الكلام عزّت على الفصحاء، ومنه لفظ، حَصْحَصَ فى قوله: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، والرفث فى قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ولفظة فُزِّعَ فى قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وخائِنَةَ الْأَعْيُنِ فى قوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ ونَجِيًّا فى قوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا وبِساحَتِهِمْ فى قوله: فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ. القسم: هو أن يريد المتكلم الحلف على شىء فيحلف بما يكون فيه فخر له، أو تعظيم لشأنه أو تنويه لقدره أو ذمّ لغيره، أو جاريا مجرى الغزل الرقيق، أو خارجا مخرج الموعظة والزهد كقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ أقسم بقسم فوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة وأجلّ عظيمة لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أقسم بحياة نبيه ﷺ تعظيما لشأنه وتنويها بقدره. اللف والنشر: هو أن يذكر شيئان أو أشياء، إما تفصيلا بالنص على كل واحد، أو إجمالا بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم، ويفوّض إلى عقل السامع ردّ كل واحد إلى ما يليق به. فالإجمالى كقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى أى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا اليهود، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا النصارى، وإنما سوّغ الإجمال فى اللّف ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، فوثق بالعقل فى أنه يرد كل قول إلى فريقه لأمن اللبس، وقائل ذلك يهود المدينة ونصارى نجران.

стр. 664

وقد يكون الإجمال فى النشر لا فى اللفّ، بأن يؤتى بمتعدد ثم بلفظ يشتمل على متعدد يصلح لهما نحو: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ فإن الخيط الأسود أريد به الفجر الكاذب لا الليل. والتفصيلى قسمان: أحدهما أن يكون على ترتيب اللف كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ. فالسكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار. والثانى أن يكون على عكس نرتيبه كقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ الآيات. المشاكلة: ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته تحقيقا أو تقديرا. فالأول كقوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فإن إطلاق النفس والمكر فى جانب البارى تعالى لمشاكلة ما معه. ومثال التقدير قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ أى تطهير اللَّه، لأن الإيمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون إنه تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بصبغة اللَّه للمشاكلة بهذه القرينة. المزاوجة: أن يزاوج بين معنيين فى الشرط والجزاء أو ما جرى مجراهما. ومنه فى القرآن: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. المبالغة: أن يذكر المتكلم وصفا فيزيد فيه حتى يكون أبلغ فى المعنى الذى قصد، وهى ضربان: مبالغة بالوصف، بأن يخرج إلى حدّ الاستحالة، ومنها: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. ومبالغة بالصيغة، وصيغ المبالغة: فعلان، كالرحمن، وفعيل كالرحيم، وفعال كالتوّاب والغفار والقهار، وفعول كغفور وشكور وودود، وفعل كحذر وأشر

стр. 665

وفرح، وفعال بالتخفيف كعجاب، وبالتشديد ككبار، وفعل كلبد وكبر، وفعلى كالعليا والحسنى وشورى والسوأى. بالمطابقة، وتسمى: الطباق: الجمع بين متضادين فى الجملة. وهو قسمان: حقيقى، ومجازى، والثانى يسمى التكافؤ، وكل منهما: إما لفظى أو معنوى. وإما طباق إيجاب، أو سلب. فمن أمثلة الحقيقى فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً. ومن أمثلة المجازى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أى ضالا فهديناه. ومن أمثلة طباق السلب: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ. ومن أمثلة المعنوى: قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون. ومنه نوع يسمى: الطباق الخفى كقوله: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً، لأن الغرق من صفات الماء فكأنه جمع بين الماء والنار، وهى أخفى مطابقة فى القرآن. ومن أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ لأن معنى القصاص القتل، فصار القتل سبب الحياة. ومنه نوع يسمى: ترصيع الكلام، وهو اقتران الشىء بما يجتمع معه فى قدر مشترك كقوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى. وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى أتى بالجوع مع العرى، وبابه أن يكون مع الظمأ، وبالضحى مع الظمأ، وبابه يكون مع العرى، لكن الجوع والعرى اشتركا فى الخلو، فالجوع خلو الباطن من الطعام والعرى خلو الظاهر من اللباس، والظمأ والضحى اشتركا فى الاحتراق، فالظمأ احتراق الباطن من العطش والضحى احتراق الظاهر من حرّ الشمس. ومنه نوع يسمى: المقابلة، وهى أن يذكر لفظان فأكثر ثم أضدادها على الترتيب. والفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين: أحدهما: أن الطباق لا يكون إلا من ضدين فقط: والمقابلة لا تكون إلا بما زاد من الأربعة إلى العشرة.

стр. 666

والثانى، أى الطباق، لا يكون إلا بأضداد، والمقابلة بالأضداد وبغيرها. ومن خواص المقابلة أنه إذا شرط فى الأول أمر شرط فى الثانى ضده كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآيتين، قابل بين الإعطاء والبخل، والاتقاء والاستغناء، والتصديق والتكذيب، واليسرى والعسرى ولما جعل التيسير فى الأول مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضدادها. وقيل: المقابلة إما لواحد بواحد، كقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ واثنين باثنين كقوله: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً. وثلاثة بثلاثة كقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ. وأربعة بأربعة كقوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى الآيتين. أو خمسة بخمسة كقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما الآيات، قابل بين بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، وبين: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وبين: يُضِلُّ وَيَهْدِي، وبين: يَنْقُضُونَ، ومِيثاقَ، وبين: يَقْطَعُونَ، وأَنْ يُوصَلَ. أو ستة بستة كقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ الآية، ثم قال: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ الآية، قابل الجنات والأنهار، والخلد والأزواج، والتطهير والرضوان، بإزاء النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث. وقيل، تنقسم المقابلة إلى ثلاثة أنواع: نظيرى، ونقيضى، وخلافى. مثال الأول: مقابلة السنة بالنوم فى الآية الأولى، فإنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة فى آية: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ. وهذا مثال الثانى فإنهما نقيضان. ومثال الثالث: مقابلة الشرّ بالرشد فى قوله: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشرّ الخير والرشد الغى.

стр. 667

المواربة، براء مهملة وباء موحدة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه، فإذا حصل الإنكار واستحضر بحذفه وجها من الوجوه يتخلص به إما بتحريف كلمة أو تصحيفها أو زيادة أو نقص. ومنه قوله تعالى حكاية عن أكبر أولاد يعقوب: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ فإنه قرىء إن ابنك سرّق ولم يسرق، فأتى بالكلام على الصحة بإبدال ضمة من فتحة وتشديد الراء وكسرتها. المراجعة: هى أن يحكى المتكلم مراجعة فى القول جرت بينه وبين محاور له بأوجز عبارة وأعدل سبك وأعذب ألفاظ، ومنه قوله تعالى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جمعت هذه القطعة وهى بعض آية ثلاثة مراجعات فيها معانى الكلام من الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، بالمنطوق والمفهوم. ويقال: جمعت الخبر والطلب، والإثبات والنفى، والتأكيد والحذف، والبشارة والنذارة، والوعد والوعيد. النزاهة: هى خلوص ألفاظ الهجاء من الفحش حتى يكون كما قال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن أحسن الهجاء: هو الذى إذا أنشدته العذراء فى خدرها لا يقبح عليها، ومنه قوله تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ثم قال: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فإن ألفاظ ذمّ هؤلاء المخبر عنهم بهذا الخبر أتت منزّهة عما يقبح فى الهجاء من الفحش، وسائر هجاء القرآن كذلك. الإبداع، بالباء الموحدة: أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع، مثل قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ فإن فيها عشرين ضربا من البديع، وهى سبع عشرة لفظه، وذلك المناسبة التامة فى: ابلعى وأقلعى. والاستعارة فيهما. والطباق بين الأرض والسماء. والمجاز فى قوله يا سَماءُ، فإن الحقيقة يا مطر السماء. (- ١٨- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 668

والإشارة فى وَغِيضَ الْماءُ، فإنه عبر به عن معان كثيرة، لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء، وتبلغ الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء. والإرداف فى: وَاسْتَوَتْ. والتمثيل فى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ. والتعليل، فإن غيض الماء علة الاستواء. وصحة التقسيم، فإنه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغيض الماء الذى على ظهرها. والاحتراس فى الدعاء لئلا يتوهم أن الغرق لعمومه يشمل من لا يستحق الهلاك، فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق. وحسن النسق. وائتلاف اللفظ مع المعنى والإيجاز، فإنه تعالى يقصّ القصة مستوعبة بأخصر عبارة. والتسهيم، فإن أول الآية يدل على آخرها. والتهذيب، لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة وعقادة التركيب. وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف فى فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شىء منه. والتمكين، لأن الفاصلة مستقرّة فى محلها مطمئنة فى مكانها غير قلقة ولا مستدعاة. والانسجام. والاعتراض.

стр. 669

٦٤ فواصل الآى الفاصلة: كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع. وقيل: كلمة آخر الجملة. وقيل: الفواصل حروف متشابكة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى. وثمة فرق بين الفواصل ورءوس الآى، فالفاصلة هى الكلام المنفصل عما بعده. والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس. وكذلك الفواصل يكون رءوس آية وغيرها. وكل رأس آية فاصلة وليس كل فاصلة رأس آية. ولمعرفة الفواصل طريقان: توقيفى، وقياسى: أما التوقيفى: فما ثبت أنه ﷺ وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة، أو لتعريف الوقف التام، أو للاستراحة، والوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها. وأما القياسى: فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور فى ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل. والوقف على كل كلمة كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز. وفاصلة الآية كقرينة السجعة فى النثر وقافية البيت فى الشعر.

стр. 670

وتقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام. وتسمى فواصل، لأنه ينفصل عنده الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها، وآخذ من قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ولا يجوز تسميتها قوافى إجماعا، لأن اللَّه تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا، لأنها منه وخاصة به فى الاصطلاح، وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الشعر، لأنها صفة لكتاب اللَّه تعالى فلا تتعداه. ولا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء: التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال. فالتمكين، ويسمى ائتلاف القافية: أن يمهد الناثر للقرينة أو الشاعر للقافية تمهيدا تأتى به القافية أو القرينة متمكنة فى مكانها مستقرّة فى قرارها، مطمئنة فى مواضعها غير نافرة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعليقا تاما، بحيث لو طرحت لا ختلّ المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كمّله السامع بطبعه. ومن أمثلة ذلك: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ الآية، فإنه لما تقدم فى الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف فى الاموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب، لأن الحلم يناسب العبادات والرشد يناسب الأموال. ومبنى الفواصل على الوقف، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس كقوله: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ مع قوله: عَذابٌ واصِبٌ، وشِهابٌ ثاقِبٌ وقوله: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ مع قوله قَدْ قُدِرَ. وكثر فى القرآن ختم الفواصل بحروف المدّوالين وإلحاق النون، وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك، كما قال سيبويه: إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا، وجاء فى القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع. وحروف الفواصل إما متماثلة وإما متقاربة: فالأولى: مثل: وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ.
следующие страницы →