← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والثانى، أى الطباق، لا يكون إلا بأضداد، والمقابلة بالأضداد وبغيرها. ومن خواص المقابلة أنه إذا شرط فى الأول أمر شرط فى الثانى ضده كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآيتين، قابل بين الإعطاء والبخل، والاتقاء والاستغناء، والتصديق والتكذيب، واليسرى والعسرى ولما جعل التيسير فى الأول مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضدادها. وقيل: المقابلة إما لواحد بواحد، كقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ واثنين باثنين كقوله: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً. وثلاثة بثلاثة كقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ. وأربعة بأربعة كقوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى الآيتين. أو خمسة بخمسة كقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما الآيات، قابل بين بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، وبين: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وبين: يُضِلُّ وَيَهْدِي، وبين: يَنْقُضُونَ، ومِيثاقَ، وبين: يَقْطَعُونَ، وأَنْ يُوصَلَ. أو ستة بستة كقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ الآية، ثم قال: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ الآية، قابل الجنات والأنهار، والخلد والأزواج، والتطهير والرضوان، بإزاء النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث. وقيل، تنقسم المقابلة إلى ثلاثة أنواع: نظيرى، ونقيضى، وخلافى. مثال الأول: مقابلة السنة بالنوم فى الآية الأولى، فإنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة فى آية: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ. وهذا مثال الثانى فإنهما نقيضان. ومثال الثالث: مقابلة الشرّ بالرشد فى قوله: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشرّ الخير والرشد الغى.

стр. 667

المواربة، براء مهملة وباء موحدة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه، فإذا حصل الإنكار واستحضر بحذفه وجها من الوجوه يتخلص به إما بتحريف كلمة أو تصحيفها أو زيادة أو نقص. ومنه قوله تعالى حكاية عن أكبر أولاد يعقوب: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ فإنه قرىء إن ابنك سرّق ولم يسرق، فأتى بالكلام على الصحة بإبدال ضمة من فتحة وتشديد الراء وكسرتها. المراجعة: هى أن يحكى المتكلم مراجعة فى القول جرت بينه وبين محاور له بأوجز عبارة وأعدل سبك وأعذب ألفاظ، ومنه قوله تعالى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جمعت هذه القطعة وهى بعض آية ثلاثة مراجعات فيها معانى الكلام من الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، بالمنطوق والمفهوم. ويقال: جمعت الخبر والطلب، والإثبات والنفى، والتأكيد والحذف، والبشارة والنذارة، والوعد والوعيد. النزاهة: هى خلوص ألفاظ الهجاء من الفحش حتى يكون كما قال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن أحسن الهجاء: هو الذى إذا أنشدته العذراء فى خدرها لا يقبح عليها، ومنه قوله تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ثم قال: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فإن ألفاظ ذمّ هؤلاء المخبر عنهم بهذا الخبر أتت منزّهة عما يقبح فى الهجاء من الفحش، وسائر هجاء القرآن كذلك. الإبداع، بالباء الموحدة: أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع، مثل قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ فإن فيها عشرين ضربا من البديع، وهى سبع عشرة لفظه، وذلك المناسبة التامة فى: ابلعى وأقلعى. والاستعارة فيهما. والطباق بين الأرض والسماء. والمجاز فى قوله يا سَماءُ، فإن الحقيقة يا مطر السماء. (- ١٨- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 668

والإشارة فى وَغِيضَ الْماءُ، فإنه عبر به عن معان كثيرة، لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء، وتبلغ الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء. والإرداف فى: وَاسْتَوَتْ. والتمثيل فى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ. والتعليل، فإن غيض الماء علة الاستواء. وصحة التقسيم، فإنه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغيض الماء الذى على ظهرها. والاحتراس فى الدعاء لئلا يتوهم أن الغرق لعمومه يشمل من لا يستحق الهلاك، فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق. وحسن النسق. وائتلاف اللفظ مع المعنى والإيجاز، فإنه تعالى يقصّ القصة مستوعبة بأخصر عبارة. والتسهيم، فإن أول الآية يدل على آخرها. والتهذيب، لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة وعقادة التركيب. وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف فى فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شىء منه. والتمكين، لأن الفاصلة مستقرّة فى محلها مطمئنة فى مكانها غير قلقة ولا مستدعاة. والانسجام. والاعتراض.

стр. 669

٦٤ فواصل الآى الفاصلة: كلمة آخر الآية، كقافية الشعر، وقرينة السجع. وقيل: كلمة آخر الجملة. وقيل: الفواصل حروف متشابكة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى. وثمة فرق بين الفواصل ورءوس الآى، فالفاصلة هى الكلام المنفصل عما بعده. والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس. وكذلك الفواصل يكون رءوس آية وغيرها. وكل رأس آية فاصلة وليس كل فاصلة رأس آية. ولمعرفة الفواصل طريقان: توقيفى، وقياسى: أما التوقيفى: فما ثبت أنه ﷺ وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة، أو لتعريف الوقف التام، أو للاستراحة، والوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها. وأما القياسى: فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور فى ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل. والوقف على كل كلمة كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز. وفاصلة الآية كقرينة السجعة فى النثر وقافية البيت فى الشعر.

стр. 670

وتقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام. وتسمى فواصل، لأنه ينفصل عنده الكلامان، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها، وآخذ من قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ولا يجوز تسميتها قوافى إجماعا، لأن اللَّه تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا، لأنها منه وخاصة به فى الاصطلاح، وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الشعر، لأنها صفة لكتاب اللَّه تعالى فلا تتعداه. ولا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء: التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال. فالتمكين، ويسمى ائتلاف القافية: أن يمهد الناثر للقرينة أو الشاعر للقافية تمهيدا تأتى به القافية أو القرينة متمكنة فى مكانها مستقرّة فى قرارها، مطمئنة فى مواضعها غير نافرة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعليقا تاما، بحيث لو طرحت لا ختلّ المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كمّله السامع بطبعه. ومن أمثلة ذلك: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ الآية، فإنه لما تقدم فى الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف فى الاموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب، لأن الحلم يناسب العبادات والرشد يناسب الأموال. ومبنى الفواصل على الوقف، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس كقوله: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ مع قوله: عَذابٌ واصِبٌ، وشِهابٌ ثاقِبٌ وقوله: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ مع قوله قَدْ قُدِرَ. وكثر فى القرآن ختم الفواصل بحروف المدّوالين وإلحاق النون، وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك، كما قال سيبويه: إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا، وجاء فى القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع. وحروف الفواصل إما متماثلة وإما متقاربة: فالأولى: مثل: وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ.

стр. 671

والثانى، مثل: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وفواصل القرآن لا تخرج عن هذين القسمين، بل تنحصر فى المتماثلة والمتقاربة. وكثر فى الفواصل التضمين والإيطاء لأنهما ليسا بعين فى النثر، وإن كانا معيبين فى النظم. فالتضمين أن يكون ما بعد الفاصلة متعلقا بها كقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ . والإبطاء تكرر الفاصلة بلفظها كقوله تعالى فى الإسراء: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا وختم بذلك الآيتين بعدها.

стр. 672

٦٥ فواتح السور إن اللَّه تعالى افتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شىء من السور عنها: الأول: الثناء عليه تعالى، والثناء قسمان: إثبات لصفات المدح، ونفى وتنزيه من صفات النقص. فالأول: التحميد فى خمس سور، وتبارك فى سورتين. والثانى: التسبيح فى سبع سور. والتسبيح كلمة استأثر اللَّه بها فبدأ بالمصدر فى بنى إسرائيل، لأنه الأصل، ثم بالماضى، فى الحديد والحشر، لأنه أسبق الزمانين، ثم بالمضارع فى الجمعة والتغاين، ثم بالأمر فى الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها. الثانى: حروف التهجى فى تسع وعشرين سورة. والثالث: النداء فى عشر سور: خمس بنداء الرسول ﷺ : الأحزاب والطلاق والتحريم والمزمل والمدثر. وخمس بنداء الأمة: النساء والمائدة والحج والحجرات والممتحنة. الرابع: الجمل الخبرية نحو: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ، أَتى أَمْرُ اللَّهِ، اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، سُورَةٌ أَنْزَلْناها، تَنْزِيلُ الْكِتابِ، الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّا فَتَحْنا، اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، الرَّحْمنُ، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ، الْحَاقَّةُ، سَأَلَ سائِلٌ، إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً أقسم فى موضعين،

стр. 673

عَبَسَ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ، لَمْ يَكُنِ، الْقارِعَةُ، أَلْهاكُمُ، إِنَّا أَعْطَيْناكَ. فتلك ثلاث وعشرون سورة. الخامس: القسم فى خمس عشرة سورة أقسم فيها بالملائكة، وهى: الصفات، وسورتان بالأفلاك البروج، والطارق، وستّ سور بلوازمها: فالنجم قسم بالثريا، والفجر بمبدأ النهار، والشمس بآية النهار، والليل بشطر الزمان، والضحى بشطر النهار، والعصر بالشطر الآخر أو بجملة الزمان، وسورتان بالهواء الذى هو أحد العناصر، والذاريات، والمرسلات، وسورة بالتربة التى هى منها أيضا وهى الطور، وسورة بالنبات وهى والتين، وسورة بالحيوان الناطق وهى والنازعات، وسورة بالبهيم وهى والعاديات. السادس: الشرط فى سبع سور: الواقعة، والمنافقون، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة، والنصر. السابع: الأمر فى ستّ سور: قُلْ أُوحِيَ، اقْرَأْ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قُلْ أَعُوذُ المعوذتين. الثامن: الاستفهام فى ست: هَلْ أَتى، عَمَّ يَتَساءَلُونَ، هَلْ أَتاكَ، أَلَمْ نَشْرَحْ، أَلَمْ تَرَ، أَرَأَيْتَ. التاسع: الدعاء فى ثلاث: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ. تَبَّتْ. العاشر: التعليل فى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ. ومن البلاغة حسن الابتداء، وهو أن يتأنق فى أول الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا أقبل السامع على الكلام ووعاه وإلا أعرض عنه، ولو كان الباقى فى نهاية الحسن فينبغى أن يؤتى فيه بأعذب لفظ وأجز له وأرقه وأسلسه وأحسنه نظما وسبكا، وأصحه معنى، وأوضحه وأحلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملبس، أو الذى لا يناسب. وقد أتت فواتح السور على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات، وحروف الهجاء والنداء، وغير ذلك.

стр. 674

ومن الابتداء الحسن نوع أخص منه يسمى براعة الاستهلال، وهو أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه، ويشير إلى ما سبق الكلام لأجله، والعلم الأسنى فى ذلك سورة الفاتحة التى هى مطلع القرآن، فإنها مشتملة على جميع مقاصده.

стр. 675

٦٦ خواتم السور هى أيضا مثل الفواتح فى الحسن، لأنها آخر ما يقرع الأسماء. فلهذا جاءت متضمنة للمعانى البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام، حتى لا يبقى معه للنفوس تشوّف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض، وتحميد وتهليل ومواعظ، ووعد ووعيد إلى غير ذلك، كتفصيل جملة المطلوب فى خاتمة الفاتحة، إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من المعاصى المسببة لغضب اللَّه والضلال، ففصل جملة ذلك بقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والمراد المؤمنون، ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كل إنعام، لأن من أنعم اللَّه عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم اللَّه عليه بكل نعمة مستتبعة لجميع النعم. ثم وصفهم بقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة، وهى نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب اللَّه تعالى والضلال المسببين عن معاصيه وتعدّى حدوده. وكالدعاء الذى اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة. وكالوصايا التى ختمت بها سورة آل عمران: والفرائض التى ختمت بها سورة النساء، وحسن الختم بها لما فيها من أحكام الموت الذى هو آخر أمر كل حىّ، ولأنها آخر ما نزل من الأحكام. وكالتبجيل والتعظيم الذى ختمت به المائدة. وكالوعد والوعيد الذى ختمت به الأنعام. وكالتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذى ختمت بها الأعراف. وكالحض على الجهاد، وصلة الأرحام الذى ختم به الأنفال.

стр. 676

وكوصف الرسول ومدحه والتهليل الذى ختمت به براءة. وتسليته ﵊ الذى ختم به يونس. ومثلها خاتمة هود. ووصف القرآن ومدحه الذى ختم به يوسف. والوعيد والرد على من كذب الرسول الذى به ختم الرعد. ومن أوضح ما آذن بالختام خاتمة إبراهيم: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ الآية. ومثلها خاتمة الأحقاف. وكذا خاتمة الحجر بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وهو مفسر بالموت فإنها فى غاية البراعة. وانظر إلى سورة الزلزلة كيف بدئت بأهوال القيامة وختمت بقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. وانظر إلى براعة آخر آية نزلت وهى قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وما فيها من الإشعار بالآخرية المستلزمة للوفاة. وكذا آخر سورة نزلت وهى سورة النصر فيها الإشعار بالوفاة. وعن ابن عباس أن عمر سألهم عن قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقالوا: فتح المدائن والقصور. قال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أجل ضرب لمحمد نعيت له نفسه. وعنه أيضا قال: كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد فى نفسه فقال: ألم يدخل هذا معناه ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من قد علمتم، وثم دعاهم ذات يوم فقال: ما تقولون فى قوله اللَّه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لى: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه له قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فقال عمر: إنى لا أعلم منها إلا ما تقول.

стр. 677

٦٧ الآيات والسور المناسبة فى اللغة: المشاكلة والمقاربة، ومرجعها فى الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينها عام أو خاص، عقلى أو حسى أو خيالى أو غير ذلك من أنواع العلاقات، أو التلازم الذهنى، كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه. وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء. وذكر الآية بعد الأخرى: إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلم بعضه ببعض، وعدم تمامه بالأولى فواضح، وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على وجه التأكيد أو التفسير أو الاعتراض أو البدل، وهذا القسم لا كلام فيه. وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها خلال النوع المبدوء به. وإما أن تكون معطوفة على الأولى بحروف من حروف العطف المشركة فى الحكم أولا. فإن كانت معطوفة فلا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه كقوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وقوله: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للتضادّ بين القبض والبسط، والولوج، والنزول، والعروج، وشبه التضادّ بين السماء والأرض. ومما الكلام فيه التضادّ ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب، والرغبة بعد الرهبة، وقد جرت عادة القرآن إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون

стр. 678

باعثا على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهى. وتأمل البقرة والنساء والمائدة تجده كذلك. وإن لم تكن معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام، وهى قرائن معنوية تؤذن بالربط. وله أسباب: أحدها: التنظير، فإن إلحاق النظير بالنظير من شأن العقلاء كقوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ عقب قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فإنه تعالى أمر رسوله أن يمضى لأمره فى الغنائم على كره من أصحابه، كما مضى لأمره فى خروجه من بيته لطلب العير، أو للقتال وهم له كارهون. والقصد أن كراهتهم لما فعله من قسمة الغنائم ككراهتهم للخروج، وقد تبين فى الخروج الخير من الظفر والنصر والغنيمة وعزّ الإسلام. فكذا يكون فيما فعله فى القسمة فليطيعوا ما أمروا به ويتركوا هوى أنفسهم. الثانى: المضادة، كقوله فى سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ الآية، فإن أول السورة كان حديثا عن القرآن، وأن من شأنه الهداية. للقوم الموصوفين بالإيمان، فلما أكمل وصف المؤمنين عقب بحديث الكافرين، فبينهما جامع وهمى، ويسمى بالتضادّ من هذا الوجه. وحكمته: التشويق والثبوت على الأول كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء فإن قيل: هذا جامع بعيد لأن كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات، والمقصود بالذات الذى هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن القرآن لأنه مفتتح القول. قيل: لا يشترط فى الجامع ذلك، بل يكفى التعلق على أىّ وجه كان، ويكفى فى وجه الربط ما ذكرنا، لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به والحثّ على الإيمان.

стр. 679

ولهذا لما فرغ من ذلك قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فرجع إلى الأول. الثالث: الاستطراد، كقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ فهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدوّ السوآت وخصف الورق عليهما إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى. ومن الاستطراد قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ فإن أول الكلام ذكر للرّد على النصارى الزاعمين بنوة المسيح، ثم استطرد للردّ على العرب الزاعمين نبوّة الملائكة. ويقرب من الاستطراد حتى لا يكاد ان يفترقان، حسن التخلص، وهو أن ينتقل مما ابتدىء به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا دقيق المعنى، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثانى لشدة الالتئام بينهما. وقيل: الفرق بين التخلص والاستطراد: أنك فى التخلص تركت ما كنت فيه بالكلية وأقبلت على ما تخلصت إليه. وفى الاستطراد تمرّ بذكر الأمر الذى استطردت إليه مرورا كالبرق الخاطف، ثم تتركه وتعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصده، وإنما عرض عروضا. ويقرب من حسن التخلص: الانتقال من حديث إلى آخر، تنشيطا للسامع مفصولا بهذا كقوله فى سورة ص بعد ذكر الأنبياء: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ فإن هذا القرآن نوع من الذكر. لما انتهى ذكر الأنبياء، وهو نوع من التنزيل، أراد أن يذكر نوعا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها، ثم لما فرغ قال: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ فذكر النار وأهلها. ويقرب منه أيضا: حسن المطلب، وهو أن يخرج إلى الغرض بعد تقدم الوسيلة كقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

стр. 680

ومما اجتمع فيه حسن التخلص والمطلب معا قوله حكاية عن إبراهيم: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. والأمر الكلى المفيد لعرفان مناسبات الآيات فى جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذى سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات فى القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام فى المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التى تقتضى البلاغة شفاء الغليل، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية فى كل سورة. ولترتيب وضع السور فى المصحف أسباب تطلع على أنه توفيقى صادر عن حكيم: أحدها: بحسب الحروف كما فى الحواميم. الثانى: الموافقة أول السورة لآخر ما قبلها، كآخر الحمد فى المعنى وأول البقرة. الثالث: للتوازن فى اللفظ، كآخر تبت وأول الإخلاص. الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى، كالضحى وألم نشرح. فسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه فى دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهوديد والنصرانية، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها. فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم، ولهذا ورد فيها ذكر المتشابه لما تمسك به النصارى، وأوجب الحج فى آل عمران، وأما فى البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه. وكان خطاب النصارى فى آل عمران أكثر، كما أن خطاب اليهود فى البقرة أكثر، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها، والنبىّ ﷺ لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى فى آخر الأمر، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب. ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذى اتفق عليه والأنبياء، فخوطب به جميع الناس.

стр. 681

والسور المدنية فيها خطاب من أقرّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا ب أَهْلِ الْكِتابِ، يا بَنِي إِسْرائِيلَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التى بين الناس، وهى نوعان: مخلوقة للَّه، ومقدورة لهم، كالنسب والصهر ولهذا افتتحت بقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فانظر هذه المناسبة العجيبة فى الافتتاح وبراعة الاستهلال، حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثر السورة فى أحكامه من نكاح النساء ومحرماته والمواريث المتعلقة بالأرحام، فإن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم بثّ منهما رجالا كثيرا ونساء فى غاية الكثرة. وأما المائدة فسورة العقود تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة، وبها تم الدين، فهى سورة التكميل، لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذى هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذى هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبه المعتدين من السراق والمحاربين الذى هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذى هو من تمام عبادة اللَّه تعالى، ولهذا ذكر فيها ما يختص شريعة محمد ﷺ كالوضوء والتيمم والحكم بالقرآن على كل ذى دين، ولهذا أكثر فيها من لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها أن من ارتدّ عوض اللَّه بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا، ولهذا أورد أنها آخر ما نزل فيها من إشارات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب، وحكى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بها الكناية فى قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الإشارة إلى قوله: اقرأ. ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة، واختصاص كل واحدة بما بدئت به، حتى لم يكن لترد آلم فى موضع الر ولا حم فى موضع طس. وذلك أن كل سورة بدئت بحرف منها، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق لكل سورة منه ألا يناسبها غير الواردة فيها، فلو وضع ق

стр. 682

موضع ن لعدم التناسب الواجب مراعاته فى كلام اللَّه، وسورة ق بدئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف من ذكر القرآن والخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم، وتلقى الملكين، وقول العتيد والرقيب، والسائق، والإلقاء فى جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب والقرون والتنقيب فى البلاد، وتشقق الأرض وحقوق الوعيد وغير ذلك. وقد تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها الر مائتا كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت ب الر. واشتملت سورة ص على خصومات متعددة. فأولها خصومة النبى ﷺ مع الكفار وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً. ثم اختصام الخصمين عند داود. ثم تخاصم أهل النار. ثم اختصام الملأ الأعلى. ثم تخاصم إبليس فى شأن آدم، ثم فى شأن بنيه وإغوائهم. الم جمعت المخارج الثلاثة: الحلق واللسان والشفتين، على ترتيبها، وذلك إشارة إلى البداية التى هى بدء الخلق، والنهاية التى هى بدء الميعاد، والوسط الذى هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهى. وكل سورة افتتحت بها فهى مشتملة على الأمور الثلاثة. وسورة الأعراف زيد فيها (الصاد) على الم لما فيها من شرح القصص، قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ولهذا قال بعضهم: معنى المص: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وزيد فى الرعد راء، لأجل قوله رَفَعَ السَّماواتِ ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما. واعلم أن إعادة القرآن العظيم فى ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها

стр. 683

ما يتعلق بالقرآن كقوله: الم ذلِكَ الْكِتابُ الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، المص. كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، المر. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ، يس. وَالْقُرْآنِ، ص وَالْقُرْآنِ حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ ق وَالْقُرْآنِ، إلا ثلاث سور: العنكبوت، والروم، ون، ليس فيها ما يتعلق به. (- ١٩- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 684

٦٨ الآيات المشتبهات والقصد به إيراد القصة الواحدة فى صور شتى وفواصل مختلفة. بل تأتى فى موضع واحد مقدما وفى آخر مؤخرا كقوله فى البقرة: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وفى الأعراف: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً. أو فى موضع بزيادة وفى آخر بدونها ففى يس وفى البقرة: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ وفى الأنفال: كُلُّهُ لِلَّهِ. وفى موضع معرفا وفى آخر منكرا. أو مفردا وفى آخر جمعا. أو بحرف وفى آخر بحرف آخر. أو مدغما وفى آخر مفكوكا. وهذا النوع يتداخل مع نوع المناسبات وهذه أمثلة منه بتوجيهها: قوله تعالى فى البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وفى لقمان: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ لأنه لما ذكر هنا مجموع الإيمان ناسب المتقين، ولما ذكر ثم الرحمة ناسب المحسنين. قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا وفى الأعراف فَكُلا بالفاء، قيل لأن السكنى فى البقرة الإقامة، وفى الأعراف اتخاذ المسكن، فلما نسب القول إليه تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ ناسب زيادة الإكرام بالواو الدالة على الجمع بين السكنى والأكل، ولذا قال: مِنْها رَغَداً، وقال: حَيْثُ شِئْتُما لأنه أعم. وفى الأعراف: وَيا آدَمُ فأتى بالفاء الدالة على ترتيب الأكل على السكنى المأمور باتخاذها، لأن الأكل بعد الاتخاذ ومن حيث لا تعطى عموم معنى. (حيث شئتى) .

стр. 685

قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً الآية. وقال بعد ذلك: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ففيه تقديم العدل وتأخيره، والتعبير بقبول الشفاعة تارة وبالنفع أخرى. وذكر فى حكمته أن الضمير فى مِنْها راجع فى الأولى إلى النفس الأولى، وفى الثانية إلى النفس الثانية. فبين فى الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا يقبل منها شفاعة ولا يئخذ منها عدل، وقدمت الشفاعة لأن الشافع يقدم الشفاعة على بدل العدل عنها. وبين فى الثانية أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها، ولا تنفعها شفاعة شافع منها، وقدم العدل لأن الحاجة إلى الشفاعة إنما تكون عند رده ولذلك قال فى الأولى: لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وفى الثانية: وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع وإنما تشفع المشفوع له. قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ وفى إبراهيم: وَيُذَبِّحُونَ بالواو، ولأن الأولى من كلامه تعالى لهم فلم يعدد عليهم المحن تكرما فى الخطاب، والثانية من كلام موسى فعددها، وفى الأعراف: يَقْتُلُونَ وهو من تنويع الألفاظ المسمى بالتفنن. وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الآية، وفى آية الأعراف اختلاف ألفاظ، ونكتته أن آية البقرة فى معرض ذكر المنعم عليهم حيث قال: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلخ، فناسب نسبة القول إلهى تعالى وناسب قوله: (من غدا) لأن المنعم به أتم، وناسب تقديم: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وناسب خَطاياكُمْ لأنه جمع كثرة، وناسب الواو فى: وَسَنَزِيدُ لدلالتها على الجمع بينهما، وناسب الفاء فى فَكُلُوا لأن الأكل مترتب على الدخول. وآية الأعراف افتتحت بما فيه توبيخهم وهو قولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ثم اتخاذهم العجل، فناسب ذلك: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ وناسب ترك رَغَداً والسكنى تجامع الأكل فقال: وَكُلُوا وناسب تقديم ذكر مغفرة الخطايا، وترك الواو فى: سَنَزِيدُ، ولما كان فى الاعراف تبعيض الهادين بقوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ناسب تبعيض الظالمين بقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ولم يتقدم فى البقرة مثله فترك.

стр. 686

وفى البقرة إشارة إلى سلامة غير الذين ظلموا لتصريحه بالإنزال على المتصفين بالظلم، والإرسال أشدّ وقعا من الإنزال، فناسب سياق ذكر النعمة فى البقرة ذلك، وختم آية البقرة بيفسقون، ولا يلزم منه الظلم، والظلم يلزم منه الفسق فناسب كل لفظة منها سياقه. وكذا فى البقرة: فَانْفَجَرَتْ وفى الأعراف فَانْبَجَسَتْ لأن الانفجار أبلغ فى كثرة الماء فناسب سياق ذكر النعم التعبير به. قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وفى آل عمران: مَعْدُوداتٍ، لأن قائلى ذلك فرقتان من اليهود: إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا. والأخرى قالت: إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم العجل. فآية البقرة تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة، وآل عمران بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة. وقيل: إنه من باب التفنن. قوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وفى آل عمران: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ لأن الهدى فى البقرة المراد به تحويل القبلة، وفى آل عمران المراد به الدين لتقدم قوله: لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ومعناه: أى دين اللَّه الإسلام. وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وفى إبراهيم: هَذَا الْبَلَدَ آمِناً لأن الأول دعا قبل مصيره بلدا عند ترك هاجر وإسماعيل به، وهو واد فدعا بأن تصيره بلدا، والثانى دعا به بعد عوده، وسكنى جرهم به ومصيره بلدا فدعا بأمنه. قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وفى آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا لأن الأولى خطاب للمسلمين، والثانية خطاب للنبى ﷺ ، وإلى، ينتهى بها من كل جهة، وعلى، لا ينتهى بها إلا من جهة واحدة وهى العلوّ، والقرآن يأتى المسلمين من كل جهة، يأتى مبلغه إياهم منها، وإنما أتى النبى ﷺ من جهة العلو خاصة فناسب قوله علينا، ولهذا أكثر ما جاء فى جهة النبى ﷺ بعلى، وأكثر ما جاء فى جهة الأمة بإلى.

стр. 687

قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها وقال بعد ذلك: فَلا تَعْتَدُوها لأن الأولى وردت بعد نواه فناسب النهى عن قربانها، والثانية بعد أوامر فناسب النهى عن تعدّيها وتجاوزها بأن يوقف عندها. قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وقال: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ لأن الكتاب أنزل منجما فناسب الإتيان بنزول الدالّ على التكرير، بحلافهما فإنهما أنزلا دفعة. قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وفى الإسراء: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لأن الأولى خطاب للفقراء المقلين، أى لا تقتلوهم من فقر بكم فحسن: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ ما يزول به إملاقكم. ثم قال: وَإِيَّاهُمْ أى نرزقكم جميعا. والثانية خطاب للأغنياء، أى فقر يحصل لكم بسببهم، ولذا حسن: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. قوله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وفى فصلت: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لأن آية الأعراف نزلت أولا، وآية فصلت نزلت ثانيا، فحسن التعريف، أى هو السميع العليم الذى تقدم ذكره أولا عند نزوغ الشيطان. قوله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وقال فى المؤمنين: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وفى الكفار وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لأن المنافقين ليسوا متناصرين على دين معين وشريعة ظاهرة، فكان بعضهم يهودا وبعضهم مشركين فقال: مِنْ بَعْضٍ أى فى الشك والنفاق، والمؤمنون متناصرون على دين الإسلام، وكذلك الكفار المعلنون بالكفر كلهم أعوان بعضهم ومجتمعون على التناصر بخلاف المنافقين، كما قال تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى.

стр. 688

٦٩ أمثال القرآن عن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» . وقيل: من أعظم علم القرآن علم أمثاله. وقد عدّه الشافعى مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال: ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المبينة لاجتناب ناهيه. وقال الشيخ عز الدين: إنما ضرب اللَّه الأمثال فى القرآن تذكيرا ووعظا، فما اشتمل منها على تفاوت ثوابا أو على إحباط عمل أو على مدح أو ذم أو نحوه فإنه يدل على الأحكام. وقيل: ضرب الأمثال فى القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحثّ، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصوّر المعانى بصورة الأشخاص، لأنها أثبت فى الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفىّ بالجلى، والغائب بالمشاهد. وتأتى أمثال القرآن مشتملة على بيان بتفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله، قال تعالى: وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ فامتنّ علينا بذلك لما تضمنه من الفوائد. ومن حكمته تعليم البيان وهو من خصائص هذه الشريعة. وقيل: التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعانى، وإدناء المتوهم من الشاهد، فإن كان الممثل له عظيما كان الممثل به وإن كان حقيرا كان الممثل به كذلك.

стр. 689

ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفىّ فى إبراز خفيات الدقائق، ورفع الأستار عن الحقائق، تريك المتخيل فى سورة المتحقق، والمتوهم فى معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفى ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة، وقمع لضرورة الجامع الأبى، فإنه يؤثر فى القلوب ما لا يؤثر وصف الشىء فى نفسه، ولذلك أكثر اللَّه تعالى فى كتابه وفى سائر كتبه الأمثال. وأمثال القرآن قسمان: ظاهر مصرح به. وكامن لا ذكر للمثل فيه. فمن أمثلة الأول قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ضرب فيها للمنافقين مثلين: مثلا بالنار، ومثلا بالمطر، وعن ابن عباس قال: هذا مثل ضربه اللَّه للمنافقين، كانوا يعتزّون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفىء، فلما ماتوا سلبهم اللَّه العزّ كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم فى ظلمات، ويقول فى عذاب: أَوْ كَصَيِّبٍ هو المطر ضرب مثله فى القرآن فِيهِ ظُلُماتٌ يقول: ابتلاء وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ تخويف يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يقول: كلما أصاب المنافقون فى الإسلام عزّا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا فأبوا ليرجعوا إلى الكفر. ومنها قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الآية. فهذا مثل ضربه اللَّه احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وهو الشك وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهو اليقين، كما يجعل الحلى فى النار فيؤخذ خالصة ويترك خبثه فى النار، كذلك يقيل اللَّه اليقين ويترك الشك. وقيل: هذا مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر. وقيل: هذه ثلاثة أمثال ضربها اللَّه فى مثل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا يتنفع به ولا ترجى بركته كذلك يضمحل الباطل عن أهله،

стр. 690

وكما مكث هذا الماء فى الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها، وكذلك الذهب والفضة حين أدخل النار فأذهب خبثه كذلك يبقى الحق لأهله، وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل فى النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله. ومنها قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ الآية. فهذا مثل ضربه اللَّه للمؤمن، يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب. والذى خبث، صرب مثلا للكافر كالبلد السبخة المالحة، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث. ومنها قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ، فعن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبى ﷺ : فيمن ترون هذه الآية نزلت: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؟ قالوا: اللَّه أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: فى نفسى منها شىء، فقال: يا ابن أخى، قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أىّ عمل، قال ابن عباس: لرجل غنىّ عمل بطاعة اللَّه ثم بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله. فقد قيل: إن الحسن بن الفضل سئل: هل تجد فى كتاب اللَّه: خير الأمور أوساطها؟ قال: نعم فى أربعة مواضع، قوله تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ وقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وقوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. ثم قيل له: فهل تجد فى كتاب اللَّه: من جهل شيئا عاداه؟ قال: نعم فى موضعين: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ. قيل له: فهل تجد فى كتاب اللَّه: احذر شرّ من أحسنت إليه؟ قال: نعم: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ. قيل له: فهل تجد فى كتاب اللَّه: ليس الخبر كالعيان؟ قال: فى قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

стр. 691

قيل له: فهل تجد: فى الحركات البركات؟ قال: فى قوله تعالى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً. قيل له: فهل تجد: كما تدين تدان؟ قال: فى قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. قيل له: فهل تجد فيه قولهم: حين تقلى تدرى؟ قال: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا. قيل له: فهل تجد فيه: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟ قال: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ. قيل له: فهل تجد فيه: من أعان ظالما سلط عليه؟ قال: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ. قيل له: فهل تجد فيه قولهم: لا تلد الحية إلا حيية؟ قال: قال تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً. وقيل له: فهل تجد فيه: للحيطان آذان؟ قال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ. وقيل له: فهل تجد فيه: الجاهل مرزق والعالم محروم؟ قال: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا. وقيل له: فهل تجد فيه: الحلال لا يأتيك إلا قوتا والحرام لا يأتيك إلا جزافا؟ قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.

стр. 692

٧٠ أقسام القرآن القصد بالقسم: تحقيق الخبر وتوكيده، حتى جعلوا مثل: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ قسما، وإن كان فيه إخبار بشهادة، لأنه لما جاء توكيدا للخبر سمى قسما. وقد قيل: ما معنى القسم منه تعالى؟ فإنه إن كان لأجل المؤمن فالمؤمن مصدّق بمجرد الإخبار من غيرهم قسم، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده؟ وأجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القسم إذا أرادت أن تؤكد أمرا. وقيل: إن اللَّه ذكر القسم لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك أن الحكم يفصل باثنين: إما بالشهادة، وإما بالقسم، فذكر تعالى فى كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجة فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ وقال: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ. ولا يكون القسم إلا باسم معظم، وقد أقسم اللَّه تعالى بنفسه فى القرآن فى خمسة مواضع بقوله: قُلْ إِي وَرَبِّي، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ، فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ. والباقى كله قسم بمخلوقاته، كقوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَالصَّافَّاتِ، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وَالضُّحى فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. فإن قيل: كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهى عن القسم بغير اللَّه؟ أجيب عنه بأوجه:

стр. 693

أحدها: أنه على حذف مضاف: أى ورب التين، ورب الشمس، وكذا الباقى. الثانى: أن العرب كانت تعظيم هذه الأشياء وتقسم بها، فنزل القرآن على ما يعرفونه. الثالث: أن الأقسام إنما تكون بما يعظمه المقسم أو يجله وهو فوقه، واللَّه تعالى ليس شىء فوقه، فأقسم تارة بنفسه، وتارة بمصنوعاته، لأنها تدل على بارىء وصانع. ثم إن القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع، لأن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل، إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل. وقيل: إن اللَّه يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا باللَّه. وقيل: أقسم اللَّه تعالى بالنبى ﷺ فى قوله لَعَمْرُكَ لتعرف الناس عظمته عند اللَّه ومكانته لديه. والقسم بالشىء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة، أو لمنفعة. فالفضيلة كقوله: وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. والمنفعة نحو: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. ولقد أقسم اللَّه تعالى بثلاثة أشياء: بذاته، كالآيات السابقة. وبفعله نحو: وَالسَّماءِ وَما بَناها. وَالْأَرْضِ وَما طَحاها. وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. وبمفعوله نحو: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. والقسم، إما ظاهر كالآيات السابقة. وإما مضمر، وهو قسمان: قسم دلت عليه اللام نحو: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ. وقسم دل عليه المعنى نحو: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وتقديره: واللَّه.

стр. 694

والألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان: أحدهما: ما تكون كغيرها من الأخبار التى ليست بقسم فلا تجاب بجوابه كقوله: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ فهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما وأن يكون حالا لخلوّه من الجواب. والثانى: ما يتلقى بجواب القسم كقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ. وأكثر الأقسام فى القرآن المحذوفة الفعل لا تكون إلا بالواو، فإذا ذكرت الباء أتى بالفعل كقوله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ. ولا تجد الباء مع حذف الفعل، ومن ثم كان خطأ من جعل قسما باللَّه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ، بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ وقال ابن القيم: واللَّه يقسم بأمور على أمور، وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمه لذاته وصفاته، وأقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته. فالقسم: إما على جملة خبرية، وهو الغالب كقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ. وإما على جملة طلبية كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ. مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم. فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه، وذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها. فأما الأمور المشهورة الظاهرة كالشمس والقمر، والليل والنهار، والسماء والأرض، فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها. وما أقسم عليه الربّ فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس.

стр. 695

وهو سبحان وتعالى يذكر جواب القسم تارة، وهو الغالب، ويحذفه أخرى، كما يحذف جواب لَوْ كثيرا للعلم به. والقسم لما كان يكثر فى الكلام ختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء، ثم عوض من الباء كثيرا الواو فى الأسماء الظاهرة، والتاء فى اسم اللَّه تعالى كقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ. ثم إنه يقسم على اصول الأيمان التى تجب على الخلق معرفتها. فتارة يقسم على التوحيد. وتارة يقسم على أن القرآن حق. وتارة على أن الرسول حق. وتارة على الجزاء والوعد والوعيد. وتارة يقسم على حال الإنسان. فالأول كقوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا إلى قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ. والثانى كقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. والثالث كقوله: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. والرابع كقوله: وَالذَّارِياتِ إلى قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ. والخامس كقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى إلى قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى. وأكثر ما يحذف الجواب إذا كان فى نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه، فإن المقصود يحصل بذكره فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز، كقوله: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ فإن فى المقسم به من تعظيم القرآن، ووصفه بأنه ذو الذكر المتضمن لتذكير العباد، وما يحتاجون إليه، والشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه، وهو كونه حقّا من عند اللَّه غير مفترى كما يقول الكافرون، ولهذا قال كثيرون: إن تقدير الجواب: إن القرآن لحق.

стр. 696

وهذا يطرد فى كل ما شابه ذلك كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وقوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فإنه يتضمن إثبات المعاد. وقوله: وَالْفَجْرِ الآيات، فإنها أزمان تتضمن أفعالا معظمة من المناسك وشعائر الحج التى هى عبودية محضة للَّه تعالى وذلّ وخضوع لعظمته، وفى ذلك تعظيم ما جاء به محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ومن لطائف القسم الأول: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى الآيات، أقسم تعالى على إنعامه على رسوله وإكرامه له، وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوّته، وعلى جزائه فى الآخرة، فهو قسم على النبوّة والمعاد، وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته، وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى، الذى يوافى بعد ظلام الليل، المقسم عليه، وهو نور الوحى، الذى وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه: ودّع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحى ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه.

стр. 697

٧١ جدل القرآن قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحذير تبنى من كليات المعلومات العقلية والسمعية وإلا وكتاب اللَّه قد نطق به، لكن أورده على عادات العرب دون دقائق طرق المتكلمين لأمرين: أحدهما: بسبب ما قاله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. والثانى: أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذى يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذى لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا، فأخرج تعالى مخاطباته فى محاجة خلقه فى أجلى صورة، ليفهم العامة من جليها، ما يقنعهم وتلزمهم الحجة وتفهم الخواص من أنبائها ما يربى على ما أدركه فهم الخطباء. وزعم بعضهم أن المذهب الكلامى لا يوجد منه شىء فى القرآن وهو مشحون به، وتعريفه أنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام. ومنه نوع منطقى تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة. فلقد ذكر أن من أول سورة الحج إلى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات: قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها، وذلك مقطوع بصحته لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته منقوله إلينا بالتواتر فهو حق، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق فاللَّه هو الحق. وأخبر تعالى أنه يحيى الموتى، لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر، وحصول فائدة هذا الخبر موقوتة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأحوال التى

стр. 698

يقبلها اللَّه من أجلهم، وقد ثبت أنه قادر على كل شىء، ومن الأشياء إحياء الموتى فهو يحيى الموتى. وأخبر أنه على كل شىء قدير، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين، ومن يجادل فيه بغير علم يذقه عذاب السعير، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شىء قدير، فهو على كل شىء قدير. وأخبر أن الساعة آتية لا ريب فيها، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وضرب لذلك مثلا بالأرض الهامدة التى ينزل عليها الماء فتهتزّ وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، ومن خلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق، ثم أعدمه بالموت، ثم يعيده بالبعث، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق، ثم أماتها بالمحل، ثم أحياها بالخصب. وصدق خبره فى ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على المتوقع الغائب، حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره فى الإتيان بالساعة، ولا يأتى بالساعة إلا من يبعث من فى القبور، لأنه عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة فهى آتية لا ريب فيها، وهو يبعث من فى القبور. واستدل على المعاد الجسمانى بضروب: أحدها: قياس الإعادة على الابتداء كما قال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. ثانيها: قياس الإعادة على خلق السموات والأرض بطريق الأولى، قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ الآية. ثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات. رابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر. خامسها: فى قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى. وتقريرها أن اختلاف المختلفين فى الحق لا يوجب انقلاب الحق فى نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه والحق فى نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا فى حياتنا إلى الوقوف عليها

стр. 699

وقوفا يوجب الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا فى فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الحيلة ونقلها إلى صورة غيرها، صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه هى الحالة التى وعد اللَّه بالمصير إليها فقال: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذى ينكره المنكرون. ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليها فى قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجرى تدبيرهما على نظام ولا يتسق على أحكام، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته، فإما أن تنفذ إرادتهما فيتاقض لاستحالة تجزىء الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف. وإما ألا تنفذ إرادتهما فيؤدى إلى عجزهما أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدى إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزا. (م ٢٠- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 700

٧٢ ما وقع فى القرآن من الأسماء والكنى والألقاب فى القرآن من أسماء الأنبياء والمرسلين خمس وعشرون هم مشاهيرهم: [آدم] أبو البشر، ذكر قوم أنه أفعل، وصف مشتق من الأدمة ولذا منع الصرف. وقيل: أسماء الأنبياء كلها أعجمية إلا أربعة: آدم، وصالح، وشعيب، ومحمد. وعن ابن عباس قال: إنما سمى آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وقيل: هو اسم سريانى أصله آدام بوزن خاتام، وعرّب بحذف الألف الثانية. وقيل: التراب بالعبرانية، آدام فسمى آدم به. [نوح] أعجمى معرّب، ومعناه بالسريانية: الشاكر. وقيل: إنما سمى نوحا لكثرة بكائه على نفسه، واسمه: عبد الغفار. قال: والأكثرون إدريس. وقيل: هو نوح بن ملك، بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف- ابن متوشلخ- بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها وفتح الشين المعجمة واللام بعدها معجمة- ابن أخنوخ- بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة بعدها واو ساكنة ثم معجمة، وهو إدريس، فيما يقال. وعن أبى ذرّ قال: «قلت يا رسول اللَّه، من أول الأنبياء؟ قال: آدم، قلت: ثم من؟ قال: نوح، وبينهما عشرون قرنا» . وعن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون. وعنه أيضا: «بعث اللَّه نوحا الأربعين سنة، فلبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا» . وقيل: إن مولد نوح كان بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عاما. ويقال: إنه أطول الأنبياء عمرا.

стр. 701

[إدريس] قيل: إنه قبل نوح. ويقال: كان إدريس أول بنى آدم أعطى النبوّة، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلابيل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم. وإدريس جدّ نوح الذى يقال له خنون، وهو اسم سريانى، وقيل: عربى مشتق من الدراسة، لكثرة درسه الصحف، وكان نبيا رسولا، وأنه أول من خط بالقلم. وعن ابن عباس قال: كان فيما بين نوح وإدريس ألف سنة. [إبراهيم] اسم قديم ليس بعربىّ، وقد تكلمت به العرب على وجوه أشهرها، إبراهيم، وقالوا: إبراهام. وقرىء به فى السبع، وإبراهيم بحذف الياء، وإبراهيم، وهو اسم سريانى معناه أب رحيم، وقيل مشتق من البرهمة، وهى شدة النظر، وهو ابن آزر، واسمه تارح، بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة، ابن ناحور- بنون مهملة مضمومة- ابن شاروخ- بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة، ابن راغوث، بغين معجمة، ابن فالخ، بفاء ولام مفتوحة ومعجمة، ابن عامر، بمهملة وموحدة، ابن شالخ، بمعجمتين، ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. ويقال: ولد إبراهيم على رأس ألفى سنة من خلق آدم. وفى المستدرك من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة قال: اختتن إبراهيم بعد عشرين ومائة سنة، ومات ابن مائتى سنة ، ويقال إنه عاش مائة وخمسا وسبعين سنة. [إسماعيل] ويقال بالنون آخره. وهو أكبر ولد إبراهيم. [إسحاق] ولد بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وثمانين سنة، ومعنى إسحاق بالعبرانية: الضحاك. [يعقوب] عاش مائة وسبعا وأربعين سنة. [يوسف] هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال: إن يوسف ألقى فى الجبّ وهو ابن اثنتى عشرة سنة، ولقى أباه بعد الثمانين وتوفى وله. مائة وعشرون. وهو مرسل لقوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ. وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وفى يوسف ست لغات بتثليث السين مع الواو والهمزة، والصواب أنه عجمىّ لا اشتقاق له.

стр. 702

[لوط] هو لوط بن هاران بن آزر. وقيل: اسمه عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: الراجح فى نسبه أنه هود بن عبد اللَّه بن رباح بن حاوز بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. [صالح] هو ابن عبيد بن حاير بن ثمود بن حاير بن سام بن نوح، بعث إلى قومه حين راهق الحلم، فلبث فيهم أربعين عاما. وقيل: صالح من العرب، لما أهلك اللَّه عادا عمرت ثمود بعدها، فبعث اللَّه إليهم صالحا غلاما شابا فدعاهم إلى اللَّه حين شمط وكبر. ويقال: هو صالح بن عبيد بن أسيد بن ماشج بن عبيد بن حاذر بن ثمود ابن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح بعثة اللَّه إلى قومه وهو شاب. وكانوا عربا منازلهم بين الحجاز والشام، فأقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة. [شعيب] قال هو اين ميكاييل بن يشجن بن لاوى بن يعقوب، كان يقال له خطيب الأنبياء، وبعث رسولا إلى أمتين: مدين، وأصحاب الأيكة، وكان كثير الصلاة وعمى فى آخره، ويقال: ما بعث اللَّه نبيّا مرتين إلا شعيبا: مرة إلى مدين فأخذهم اللَّه بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم اللَّه بعذاب يوم الظلة. ويزعم بعضهم أنه بعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب الرس. [موسى] هو ابن عمران ين يصهر بن فاهث بن لاوى ين يعقوب ﵉، لا خلاف فى نسبه، وهو اسم سريانى. وعن ابن عباس قال: إنما سمى موسى لأنه ألقى بين شجر وماء، فالماء بالقبطية مو، والشجر سا. [هارون] أخو موسى شقيقه، وقيل: لأمه فقط، وقيل لأبيه فقط، حكاهما الكرمانى فى عجائبه، كان فصيحا جدا. مات قبل موسى وكان ولد قبله بسنة. ومعنى هارون بالعبرانية: المحبب. [داود] هو ابن إيشا- بكسر الهمزة وسكون التحتية وبالشين المعجمة- ابن عوبد- بوزن جعفر بمهملة وموحدة- ابن باعر- بموحدة

стр. 703

ومهملة مفتوحة- ابن سلمون بن يخشون بن عمى بن يارب، بتحتية وآخره موحدة- اين رام بن حضرون- بمهملة ثم معجمة- ابن فارص- بفاء وآخره مهملة- ابن يهوذا بن يعقوب. وكان أعبد البشر، وجمع له النبوة والملك. وقال النووى: عاش مائة سنة مدّة ملكه منها أربعون سنة، وكان له اثنا عشر ابنا. [سليمان] ولده، كان خاشعا متواضعا، وكان أبوه يشاوره فى كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه. وعن ابن عباس قال: ملك الأرض مؤمنان: سليمان، وذو القرنين، وكافران. نمروذ، وبخت نصر، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه بأربع سنين، ومات وله ثلاث وخمسون سنة. [أيوب] من بنى إسرائيل، هو أيوب بن موص بن روح بن عيص ين إسحاق. وحكى أن أمه بنت لوط، وأبوه ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى. وقيل: كان بعد شعيب. وقيل: كان بعد سليمان. ابتلى وهو ابن سبعين، وكانت مدة بلائه، سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ثلاث سنين، ومدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة. [ذو الكفل] ويقال: هو ابن أيوب. ويقال: إن اللَّه بعث بعد أيوب ابنه بشر بن أيوب نبيا، وسماه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيما بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة. وقيل: هو إلياس. وقيل: هو يوشع بن نون. وقيل: هو نبى اسمه ذو الكفل. وقيل: كان رجلا صالحا تكفل بأمور فوفى بها. وقيل: هو زكريا فى قوله: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا. وقيل: هو نبىّ تكفل اللَّه له فى عمله بضعف عمل غيره من الأنبياء.

стр. 704

وقيل: لم يكن نبيا، وأن اليسع استخلفه فتكفل له أن يصوم النهار ويقوم الليل. وقيل: أن يصلى كل يوم مائة ركعة. وقيل هو إليسع وأن له اسمين. [يونس] هو ابن متى، بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور، ويقال: إنه كان فى زمن ملوك الطوائف من الفرس وأنه لبث فى بطن الحوت أربعين يوما، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة. وقيل: التقمه ضحى ولفظه عشية. وفى يونس ست لغات: تثليث النون مع الواو والهمزة، والقراءة المشهورة بضم النون مع الواو. [إلياس] هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون- أخى موسى- ابن عمران. وقيل: إنه من سبط يوشع. وعمر كما عمر الخضر. ويقال: إن إلياس هو إدريس. وإلياس بهمزة قطع اسم عبرانى، وقد زيد فى آخره ياء ونون فى قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ كما قالوا فى إدريس: إدراسين. [إليسع] هو ابن أخطوب بن العجوز. والعامة تقرؤه بلام مخففة. وقرأ بعضهم: والليسع، بلامين وبالتشديد، فعلى هذا هو عجمى، وكذا على الأولى. وقيل: عربى منقول من الفعل من وسع يسع. [زكريا] كان من ذرية سليمان بن داود، وقتل بعد قتل ولده، وكان له يوم بشر بولده اثنتان وتسعون سنة. وقيل: تسع وتسعون. وقيل: مائة وعشرون. وزكريا، اسم أعجمىّ. وفيه خمس لغات: أشهرها المد، والثانية القصر، وقرىء بهما فى السبع، وزكريا، بتشديد الراء وتخفيفها، وزكر: كقلم. [يحيى] ولده، أول من سمى يحيى بنص القرآن، ولد قبل عيسى بستة أشهر، ونبىء صغيرا، وقتل ظلما، وسلط اللَّه على قاتليه بخت نصر وجيوشه.

стр. 705

ويحيى، اسم عجمىّ، وقيل: عربى. وعلى القولين لا ينصرف. وعلى الثانى إنما سمى به لأنه أحياه اللَّه بالإيمان. وقيل: لأنه حيى به رحم أمه. وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء. وقيل: معناه يموت، كالمفازة للمهلكة، والسليم للديغ. [عيسى] ابن مريم بنت عمران، خلقه اللَّه بلا أب، ورفع وله ثلاث وثلاثون سنة. وعيسى اسم عبرانى أو سريانى. ولم يكن من الأنبياء من له اسمان: إلا عيسى ومحمد ﷺ . محمد ﷺ سمى فى القرآن بأسماء كثيرة منها محمد وأحمد. فائدة: وثمة خسة سموا قبل أن يكونوا. محمد: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. ويحيى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى. وعيسى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. وإسحاق ويعقوب. فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ. وفيه من أسماء الملائكة، جبريل، وميكائيل، وفيهما لغات: جبريل- بكسر الجيم والراء بلا همز. وجبريل، بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز. وجبرائيل، بهمزة بعد الألف. وجبراييل بياءين بلا همز. وجبرئيل، بهمز وياء بلا ألف. وجبرئل، مشدودة اللام، وقرىء بها. وأصله كوريال فغير بالتعريب وطول الاستعمال إلى ما ترى. وقرىء: ميكاييل بلا همز، وميكئل، ومكال.
следующие страницы →