← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

[إدريس] قيل: إنه قبل نوح. ويقال: كان إدريس أول بنى آدم أعطى النبوّة، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلابيل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم. وإدريس جدّ نوح الذى يقال له خنون، وهو اسم سريانى، وقيل: عربى مشتق من الدراسة، لكثرة درسه الصحف، وكان نبيا رسولا، وأنه أول من خط بالقلم. وعن ابن عباس قال: كان فيما بين نوح وإدريس ألف سنة. [إبراهيم] اسم قديم ليس بعربىّ، وقد تكلمت به العرب على وجوه أشهرها، إبراهيم، وقالوا: إبراهام. وقرىء به فى السبع، وإبراهيم بحذف الياء، وإبراهيم، وهو اسم سريانى معناه أب رحيم، وقيل مشتق من البرهمة، وهى شدة النظر، وهو ابن آزر، واسمه تارح، بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة، ابن ناحور- بنون مهملة مضمومة- ابن شاروخ- بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة، ابن راغوث، بغين معجمة، ابن فالخ، بفاء ولام مفتوحة ومعجمة، ابن عامر، بمهملة وموحدة، ابن شالخ، بمعجمتين، ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. ويقال: ولد إبراهيم على رأس ألفى سنة من خلق آدم. وفى المستدرك من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة قال: اختتن إبراهيم بعد عشرين ومائة سنة، ومات ابن مائتى سنة ، ويقال إنه عاش مائة وخمسا وسبعين سنة. [إسماعيل] ويقال بالنون آخره. وهو أكبر ولد إبراهيم. [إسحاق] ولد بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وثمانين سنة، ومعنى إسحاق بالعبرانية: الضحاك. [يعقوب] عاش مائة وسبعا وأربعين سنة. [يوسف] هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال: إن يوسف ألقى فى الجبّ وهو ابن اثنتى عشرة سنة، ولقى أباه بعد الثمانين وتوفى وله. مائة وعشرون. وهو مرسل لقوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ. وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وفى يوسف ست لغات بتثليث السين مع الواو والهمزة، والصواب أنه عجمىّ لا اشتقاق له.

стр. 702

[لوط] هو لوط بن هاران بن آزر. وقيل: اسمه عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: الراجح فى نسبه أنه هود بن عبد اللَّه بن رباح بن حاوز بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. [صالح] هو ابن عبيد بن حاير بن ثمود بن حاير بن سام بن نوح، بعث إلى قومه حين راهق الحلم، فلبث فيهم أربعين عاما. وقيل: صالح من العرب، لما أهلك اللَّه عادا عمرت ثمود بعدها، فبعث اللَّه إليهم صالحا غلاما شابا فدعاهم إلى اللَّه حين شمط وكبر. ويقال: هو صالح بن عبيد بن أسيد بن ماشج بن عبيد بن حاذر بن ثمود ابن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح بعثة اللَّه إلى قومه وهو شاب. وكانوا عربا منازلهم بين الحجاز والشام، فأقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة. [شعيب] قال هو اين ميكاييل بن يشجن بن لاوى بن يعقوب، كان يقال له خطيب الأنبياء، وبعث رسولا إلى أمتين: مدين، وأصحاب الأيكة، وكان كثير الصلاة وعمى فى آخره، ويقال: ما بعث اللَّه نبيّا مرتين إلا شعيبا: مرة إلى مدين فأخذهم اللَّه بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم اللَّه بعذاب يوم الظلة. ويزعم بعضهم أنه بعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب الرس. [موسى] هو ابن عمران ين يصهر بن فاهث بن لاوى ين يعقوب ﵉، لا خلاف فى نسبه، وهو اسم سريانى. وعن ابن عباس قال: إنما سمى موسى لأنه ألقى بين شجر وماء، فالماء بالقبطية مو، والشجر سا. [هارون] أخو موسى شقيقه، وقيل: لأمه فقط، وقيل لأبيه فقط، حكاهما الكرمانى فى عجائبه، كان فصيحا جدا. مات قبل موسى وكان ولد قبله بسنة. ومعنى هارون بالعبرانية: المحبب. [داود] هو ابن إيشا- بكسر الهمزة وسكون التحتية وبالشين المعجمة- ابن عوبد- بوزن جعفر بمهملة وموحدة- ابن باعر- بموحدة

стр. 703

ومهملة مفتوحة- ابن سلمون بن يخشون بن عمى بن يارب، بتحتية وآخره موحدة- اين رام بن حضرون- بمهملة ثم معجمة- ابن فارص- بفاء وآخره مهملة- ابن يهوذا بن يعقوب. وكان أعبد البشر، وجمع له النبوة والملك. وقال النووى: عاش مائة سنة مدّة ملكه منها أربعون سنة، وكان له اثنا عشر ابنا. [سليمان] ولده، كان خاشعا متواضعا، وكان أبوه يشاوره فى كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه. وعن ابن عباس قال: ملك الأرض مؤمنان: سليمان، وذو القرنين، وكافران. نمروذ، وبخت نصر، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه بأربع سنين، ومات وله ثلاث وخمسون سنة. [أيوب] من بنى إسرائيل، هو أيوب بن موص بن روح بن عيص ين إسحاق. وحكى أن أمه بنت لوط، وأبوه ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى. وقيل: كان بعد شعيب. وقيل: كان بعد سليمان. ابتلى وهو ابن سبعين، وكانت مدة بلائه، سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ثلاث سنين، ومدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة. [ذو الكفل] ويقال: هو ابن أيوب. ويقال: إن اللَّه بعث بعد أيوب ابنه بشر بن أيوب نبيا، وسماه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيما بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة. وقيل: هو إلياس. وقيل: هو يوشع بن نون. وقيل: هو نبى اسمه ذو الكفل. وقيل: كان رجلا صالحا تكفل بأمور فوفى بها. وقيل: هو زكريا فى قوله: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا. وقيل: هو نبىّ تكفل اللَّه له فى عمله بضعف عمل غيره من الأنبياء.

стр. 704

وقيل: لم يكن نبيا، وأن اليسع استخلفه فتكفل له أن يصوم النهار ويقوم الليل. وقيل: أن يصلى كل يوم مائة ركعة. وقيل هو إليسع وأن له اسمين. [يونس] هو ابن متى، بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور، ويقال: إنه كان فى زمن ملوك الطوائف من الفرس وأنه لبث فى بطن الحوت أربعين يوما، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة. وقيل: التقمه ضحى ولفظه عشية. وفى يونس ست لغات: تثليث النون مع الواو والهمزة، والقراءة المشهورة بضم النون مع الواو. [إلياس] هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون- أخى موسى- ابن عمران. وقيل: إنه من سبط يوشع. وعمر كما عمر الخضر. ويقال: إن إلياس هو إدريس. وإلياس بهمزة قطع اسم عبرانى، وقد زيد فى آخره ياء ونون فى قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ كما قالوا فى إدريس: إدراسين. [إليسع] هو ابن أخطوب بن العجوز. والعامة تقرؤه بلام مخففة. وقرأ بعضهم: والليسع، بلامين وبالتشديد، فعلى هذا هو عجمى، وكذا على الأولى. وقيل: عربى منقول من الفعل من وسع يسع. [زكريا] كان من ذرية سليمان بن داود، وقتل بعد قتل ولده، وكان له يوم بشر بولده اثنتان وتسعون سنة. وقيل: تسع وتسعون. وقيل: مائة وعشرون. وزكريا، اسم أعجمىّ. وفيه خمس لغات: أشهرها المد، والثانية القصر، وقرىء بهما فى السبع، وزكريا، بتشديد الراء وتخفيفها، وزكر: كقلم. [يحيى] ولده، أول من سمى يحيى بنص القرآن، ولد قبل عيسى بستة أشهر، ونبىء صغيرا، وقتل ظلما، وسلط اللَّه على قاتليه بخت نصر وجيوشه.

стр. 705

ويحيى، اسم عجمىّ، وقيل: عربى. وعلى القولين لا ينصرف. وعلى الثانى إنما سمى به لأنه أحياه اللَّه بالإيمان. وقيل: لأنه حيى به رحم أمه. وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء. وقيل: معناه يموت، كالمفازة للمهلكة، والسليم للديغ. [عيسى] ابن مريم بنت عمران، خلقه اللَّه بلا أب، ورفع وله ثلاث وثلاثون سنة. وعيسى اسم عبرانى أو سريانى. ولم يكن من الأنبياء من له اسمان: إلا عيسى ومحمد ﷺ . محمد ﷺ سمى فى القرآن بأسماء كثيرة منها محمد وأحمد. فائدة: وثمة خسة سموا قبل أن يكونوا. محمد: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. ويحيى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى. وعيسى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. وإسحاق ويعقوب. فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ. وفيه من أسماء الملائكة، جبريل، وميكائيل، وفيهما لغات: جبريل- بكسر الجيم والراء بلا همز. وجبريل، بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز. وجبرائيل، بهمزة بعد الألف. وجبراييل بياءين بلا همز. وجبرئيل، بهمز وياء بلا ألف. وجبرئل، مشدودة اللام، وقرىء بها. وأصله كوريال فغير بالتعريب وطول الاستعمال إلى ما ترى. وقرىء: ميكاييل بلا همز، وميكئل، ومكال.

стр. 706

وعن ابن عباس قال: جبريل، عبد اللَّه، وميكائل عبيد اللَّه، وكل اسم فيه إيل فهو عبد اللَّه. وقيل: إيل: اللَّه، بالعبرانية. وقيل: اسم جبريل فى الملائكة، خادم اللَّه. وفيه من أسماء البلاد والبقاع والأمكنة والجبال: بكة: اسم لمكة، فقيل الباء بدل من الميم. وقيل: مكة الحرم، وبكة المسجد خاصة. وقيل: مكة البلد، وبكة البيت، وموضع الطواف. وقيل: البيت خاصة. والمدينة: سميت فى الأحزاب بيثرب حكاية عن المنافقين، وكان اسمها فى الجاهلية، فقيل: لأنه اسم أرض فى ناحيتها. وقيل: سميت بيثرب بن وائل، من بنى إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها. وبدر: وهى قرية قرب المدينة، كانت بدر لرجل من جهينة يسمى بدرا فسميت به، وبدر ما بين مكة والمدينة. وأحد. وحنين: وهى قرية قرب الطائف. وجمع: وهى مزدلفة. والمشعر الحرام: وهو جبل بها. ونقع: قيل: هو اسم لما بين عرفات إلى مزدلفة. ومصر. وبابل: وهى بلد بسواد العرق. والأيكة وليكة بفتح اللام: بلد قوم شعيب، والثانى اسم البلدة والأول اسم الكورة. والحجر: منازل ثمود ناحية الشام عند وادى القرى.

стр. 707

والأحقاف: وهى جبال الرمل بين عمان وحضر موت، وقيل: إنها جبل بالشام. وطور سيناء: وهو الجبل الذى نودى منه موسى. والجودىّ: وهو جبل بالجزيرة. وطوى: اسم الوادى. والكهف: وهو البيت المنقور فى الجبل. والرقيم: القرية التى خرجوا منها. وقيل: الرقيم واد، وقيل: الرقيم واد بين عقبان وأيلة دون فلسطين. وقيل: الرقيم اسم الوادى الذى فيه الكهف. والعرم: اسم الوادى. وحرد: اسم القرية. والصريم: أرض باليمن تسمى بذلك. وق: جبل محيط بالأرض. والجرز: هو اسم أرض. والطاغية: اسم البقعة التى أهلكت بها ثمود. وفيه من أسماء الأماكن الأخروية. الفردوس: وهو أعلى مكان فى الجنة. وعليون: قيل: أعلى مكان فى الجنة. والكوثر: نهر فى الجنة. وسلسبيل وتسنيم: عينان فى الجنة. وسجين: اسم لمكان أرواح الكفار. وصعود: جبل فى جهنم. وغى وآثام وموبق والسعر وويل وسائل وسحق: أودية فى جهنم. وعن ابن مسعود فى قوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قال: واد فى جهنم. وأخرج الترمذى وغيره من حديث أبى سعيد الخدرى عن رسوله اللَّه، ﷺ ، قال، واد فى جهنم.

стр. 708

وفيه من المنسوب إلى الأماكن: الأمى: قيل إنه نسبة إلى أمّ القرى. وعبقرى: قيل إنه منسوب إلى عبقر، موضع للجن ينسب إليه كل نادر. والسامرى: قيل منسوب إلى أرض يقال لها سامرون، وقيل: سامرة. والعربى: قيل منسوب إلى عربة، وهى باحة دار إسماعيل ﵇. وفيه من أسماء الكواكب: الشمس، والقمر، والطارق، والشعرى. وأما الكتى، فليس فى القرآن منها: غير أبى لهب، واسمه عبد العزى. وأما الألقاب فمنها: إسرائيل، لقب يعقوب، ومعناه عبد اللَّه. وقيل: صفوة اللَّه. وقيل: سرىّ اللَّه، لأنه أسرى لما هاجر. وفيه لغات أشهرها بياء بعد الهمزة ولام. وقرىء: إسراييل بلا همزة. ومنها: المسيح لقب عيسى، ومعناه: الصديق. وقيل: الذى ليس لرجله أخمص. وقيل: الذى لا يمسح ذا عاهة إلا برىء. وقيل: الجميل. وقيل: الذى يمسح الأرض، أى يقطعها. ومنها: إلياس، قيل إنه لقب إدريس. وإلياس: هو إدريس، وإسرائيل هو يعقوب. ومنها: ذو الكفل. قيل: إنه لقب إلياس. وقيل: لقب اليسع. وقيل: لقب يوشع.

стр. 709

وقيل: لقب زكريا. ومنها: نوح اسمه عبد الغفار، ولقبه نوح لكثرة نوحه على نفسه فى طاعة ربه. ومنها: ذو القرنين، واسمه اسكندر. وقيل: عبد اللَّه بن الضحاك بن سعد. وقيل: المنذر بن ماء السماء. وقيل: الصعب بن قرين بن الهمال، ولقب ذا القرنين لأنه بلغ قرنى الأرض المشرق والمغرب. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: كان على رأسه قرنان، أى ذؤابتان. وقيل: كان له قرنان من ذهب. وقيل: كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل: كان على رأسه قرنان صغيران تواريهما العمامة. وقيل: إنه ضرب على قرنه فمات ثم بعثه اللَّه، فضربوه على قرنه الآخر. وقيل: لأنه كان كريم الطرفين. وقيل: لأنه انقرض فى وقته قرنان من الناس وهو حىّ. وقيل: لأنه أعطى علم الظاهر وعلم الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. ومنها: فرعون، واسمه الوليد بن مصعب، وكنيته أبو العباس. وقيل: أبو الوليد. وقيل: أبو مرة. وقيل: إن فرعون لقب لكل من ملك مصر. ومنها: تبع، قيل: كان اسمه أسعد بن ملكى كرب، وسمى تبعا لكثرة من تبعه. وقيل: إنه لقب ملوك اليمن، سمى كل واحد منهم تبعا، أى يتبع صاحبه، كالخليفة يخلف غيره.

стр. 710

٧٣ المبهمات للإبهام فى القرآن أسباب: أحدها: الاستغناء ببيانه فى موضع آخر كقوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فإنه مبين فى قوله: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ. الثانى: أن يتعين لاشتهاره كقوله: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ولم يقل حواء لأنه ليس له غيرها. الثالث: قصد الستر عليه ليكون أبلغ من استعطافه نحو: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية، هو الأخنس بن شريق، وقد أسلم بعد وحسن إسلامه. الرابع: ألا يكون فى تعيينه كبير فائدة نحو: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ. الخامس: التنبيه على العموم، وأنه غير خاص، بخلاف ما لو عين نحو: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً. السادس: تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم نحو: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ .

стр. 711

الباب الرابع اعجاز القرآن

стр. 712

١ إعجاز القرآن المعجزة: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدى، سالم عن المعارضة. وهى: إما حسيّة أو عقلية. وأكثر معجزات من سبق من الأنبياء حسية، ومعجزة هذه الأمة عقلية، ولأن هذه شريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية، ليراها ذوو البصائر، كما قال ﷺ «ما من الأنبياء نبىّ إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه اللَّه إلىّ، فأرجو أن أكون اكثرهم تابعا» . قيل: إن معناه: إن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القران مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة فى أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شىء مما أخبر به أنه سيكون، يدل على صحة دعواه. وقيل: المعنى: أن المعجزات النواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذى يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذى يشاهد بعين العقل باق يشاهد كل من جاء بعد الأول مستمرّا. ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب اللَّه تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديثهم بذلك، قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة. وقال تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ فأخبره أن الكتاب آيات من آياته كاف فى الدلالة قائم مقام معجزات غيره، وآيات من سواه من الأنبياء.

стр. 713

ولما جاء به النبىّ ﷺ إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحدّاهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا، كما قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ. ثم تحدّاهم بعشر سور منه فى قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. ثم تحدّاهم بسورة فى قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ الآية. ثم كرر فى قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ الآية. فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً فهذا، وهم الفصحاء اللدّ، وقد كانوا أحرص شىء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان فى مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدّث نفسه بشىء من ذلك ولارامه، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: سحر، وتارة قالوا: شعر، وتارة قالوا: أساطير الأولين، كل ذلك من التحير والانقطاع. ثم رضوا بتحكيم السيف فى أعناقهم، وسبى ذراريهم وحرمهم، واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شىء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله فى قدرتهم لبادروا إليه، لأنه كان أهون عليهم. وعن ابن عباس قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبىّ ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له فبلغ أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك ما لا ليعطو كه لئلا تأتى محمد لتعرض لما قاله، قال: قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟

стр. 714

فو اللَّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر منى، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، واللَّه ما يشبه الذى تقول شيئا من هذا، وو اللَّه إن لقوله الذى يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول ففيه، قال: فدعنى حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره. ولقد بعث اللَّه محمدا ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشدّ ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللَّه، وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذى يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبنى أعمامهم، وهو فى ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديّا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا طبع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامى عليه، ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ فى تكذيبه، وأسرع فى تفريق أتباعه، من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبر الذى لا يخفى على من هو دون قريش، والعرب فى الرأى والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقاصر الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط فى الامر الظاهر، والخطا (م ٢١- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 715

المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشدّ الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة فى الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطيقونه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط فى الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه. ولما ثبت كون القرآن معجزة نبينا، ﷺ ، وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز، وقد خاض الناس فى ذلك كثيرا، فبين محسن ومسىء. فزعم قوم أن التحدىّ وقع بالكلام القديم الذى هو صفة الذات، وأن العرب كلفت فى ذلك ما لا يطاق وبه وقع عجزها، وهو مردود لأن ما لا يمكن الوقوف عليه لا يتصورّ التحدى به. والصواب ما قاله الجمهور أنه وقع بالدالّ على القديم وهو الألفاظ، وقد زعم بعضهم أن إعجازه بالصرفة، أى إن اللَّه صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجى فصار كسائر المعجزات. وهذا قول فاسد بدليل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ الآية، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره. هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز؟ بل المعجز هو اللَّه تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله. وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدّى، وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفى ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن. ومما يبطل القول بالصرفة أيضا أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها

стр. 716

الصرفة لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون بالمنع معجزا فى يتضمن الكلام فضيلة على غيره فى نفسه. وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به. ولا بأعجب من قول آخرين: إن العجز وقع منهم، وأما من بعدهم ففى قدرته الإتيان بمثله. وكل هذا لا يعتدّ به. وقال قوم: وجه إعجازه ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن العرب. وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن قصص الأولين، وسائر المتقدمين، حكاية من شاهدها وحضرها. وقال آخرون: ما تضمنه من الإخبار عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك بقول أو فعل كقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ. وقيل: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد فى كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم. ولهذا لم يمكنهم معارضته. ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التى أودعوها فى الشعر، لأنه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به كقوله الشعر، ووصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق فى البلاغة، وله طريق تسلك، فأما شأو ونظم القرآن فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا. ونحن نعتقد أن الإعجاز فى بعض القرآن أظهر وفى بعضه أدقّ وأغمض. وقيل: وجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع العيوب.

стр. 717

وقيل: وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة، وعلة مركباته معنى بأن يوقع كل فن فى مرتبته العليا فى اللفظ والمعنى. وقيل: الصحيح والذى عليه الجمهور والحذّاق فى وجه إعجازه، أنه بنظمه وصحة معانيه، وتوالى فصاحة ألفاظه، وذلك أن اللَّه أحاط بكل شىء علما، وأحاط بالكلام كله، فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أى لفظة تصلح أن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول. ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن فى الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان فى قدرتها الإتيات بمثله فصرفوا عن ذلك. والصحيح أنه لم يكن فى قدرة أحد قط، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا، ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرّا، وكتاب اللَّه تعالى لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن يتبين لنا البراعة فى أكثر ويخفى علينا وجهها فى مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ فى سلامة الذوق وجودة القريحة، وقامت الحجة على العالم بالعرب إذا كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة فى معجزة موسى بالسحرة، وفى معجزة عيسى بالأطباء، فإن اللَّه إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما يكون فى زمن النبى الذى أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى فى مدة موسى إلى غايته، وكذلك الطب فى زمن عيسى، والفصاحة فى زمن محمد ﷺ . وقيل: وجه الإعجاز فى القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها فى جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة فى جميع أنحائها فى العالى منه إلا فى الشىء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة فى جميعه، بل توجد فى تفاريق وأجزاء منه. وقيل: الجهة المعجزة فى القرآن تعرف بالتفكير فى علم البيان، وهو كما اختاره جماعة فى تعريفه: ما يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى وعن تعقيده،

стр. 718

ويعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال، لأن جهة إعجازه ليس مفردات ألفاظه، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد تأليفها، وإلا لكان كل تأليف معجزا، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزا، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا. والأسلوب: الطريق، ولكان هذيان مسيلمة معجزا، ولأن الإعجاز يوجد دونه، أى الأسلوب فى نحو: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا، فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ولا بالصرف عن معارضتهم لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن المقفع والمعرى وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع، ويضحك منه فى أحوال تركيبه، وبها، أى بتلك الأحوال، أعجز البلغاء وأخرص الفصحاء، فعلى إعجازه دليل إجمالى، وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى، ودليل تفصيلى مقدمته التفكر فى خواصّ تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شىء علما. وقيل: إن إعجاز القرآن ذكر من وجهين: أحدهما إعجاز متعلق بنفسه. والثانى بصرف الناس عن معارضته. فالأول إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه. أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذى هو اللفظ والمعنى، فإن ألفاظه ألفاظهم، قال تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ ولا بمعانيه فإن كثيرا منها موجود فى الكتب المتقدمة، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. وما هو فى القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد والإخبار بالغيب. فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلم، ويكون الإخبار بالغيب إخبارا بالغيب سواء كان بهذا النظم أو بغيره، مؤدىّ بالعربية أو بلغة أخرى بعبارة أو إشارة، فإذن النظم المخصوص صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشىء واسمه لا بعنصره، كالخاتم والقرط والسوار، فإنه باختلاف صورها

стр. 719

اختلفت أسماؤها لا بعنصرها الذى هو الذهب والفضة والحديد. فإن الخاتم المتخذ من الفضة ومن الذهب ومن الحديد يسمى خاتما وإن كان العنصر مختلفا. وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدا. فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص، وبيان كون النظم معجزا يتوقف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه. ومراتب تأليف الكلام خمس: الأولى: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض لتحصل الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف. والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض لتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذى يتداوله الناس جميعا فى مخاطباتهم وقضاء حوائجهم، ويقال له المنثور من الكلام. والثالثة: يضم بعض ذلك إلى بعض ضما له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم. والرابعة: أن يعتبر فى أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له المسجع. والخامسة: أن يجعل مع ذلك وزن، ويقال له: الشعر والمنظوم، إما محاورة ويقال له الخطابة، وإما مكاتبة ويقال له الرسالة. فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكل من ذلك نظم مخصوص. والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شىء منها يدل على ذلك، لأنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو شعر، أو سجع، كما يصح أن يقال هو كلام، والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم، ولهذا قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تنبيها على أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر فيمكن أن يغير بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الآخر.

стр. 720

وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضا إذا اعتبر، وذلك أنه ما من صناعة محمودة كانت أو مذمومة إلا وبينها وبين قوم مناسبات واتفاقات جميلة، بدليل أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها وتطيعه قواه فى مباشرتها، فيقبلها بانشراح صدره ويزاولها باتساع قلبه، فلما دعا اللَّه أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون فى كل واد من المعانى بسلاطة لسانهم إلى معارضة القرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله، ولم يتصدّوا لمعارضته، لم يخف على أولى الألباب أن صارفا إليها صرفهم عن ذلك، وأىّ إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء عجزت فى الظاهر عن معارضته مصروفة فى الباطن عنها. وإعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة كما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة إلا بإتقان علمى المعانى والبيان والتمرين فيهما. ولقد سئل بندار الفارسى عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف على المعنى، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان، بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شىء منه إلا وكان ذلك المعنى آية فى نفسه ومعجزة لمحاوله وهدى لقائله، وليس فى طاقة البشر الإحاطة بأغراض اللَّه فى كلامه وأسراره فى كتابه، فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده. وذهب الأكثرون من علماء النظر إلى وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها وصغوا فيه إلى حكم الذوق. والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها فى درجات البيان متفاوتة. وفمنها: التبليغ الرصين الجزل. ومنها: الفصيح القريب السهل. ومنها: الجائز المنطلق الرسل. وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود. فالأول أعلاها، والثانى أوسطها، والثالث أدناها وأقربها. فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت

стр. 721

من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتى الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد فى نعومتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الذعورة، فكان اجتماع الأمرين فى نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن ليكون آيه بينة لنبيه ﷺ . وإنما تعذر عن البشر الإتيان بمثله لأمور: منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التى هى ظروف المعانى، ولا تدرك أفهامهم جميع معانى الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتواصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه فى غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاوة وتشاكلا من نظمه. وأما معانيه فكل ذى لبّ يشهد له بالتقدم فى أبوابه، والترقى إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على الفرّق فى أنواع الكلام: فأما أن توجد مجموعة فى نوع واحد منه، فلم توجد إلا فى كلام العليم القدير. نخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ فى أحسن نظوم التألف مضمنا أصح المعانى من توحيد اللَّه تعالى، وتنزيهه فى صفاته، ودعائه إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شىء منها موضعه الذى لا يرى شىء أولى منه ولا يتوهم فى صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات اللَّه بمن مضى، وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة فى الأعصار الآتية من الزمان، جامعا فى ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأداء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.

стр. 722

ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتنسق أمر يعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته فى شكله. ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظوما او مرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا فى القلوب، وقلاعا فى النفوس يرهبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا ان يعترفوا به نوعا من الاعتراف ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن عليه لطوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، مع علمهم أن صاحبهم أمىّ وليس بحضرته من يملى أو يكتب فى نحو ذلك من الأمور التى أوجبها العناد والجهل والعجز. وثمة فى إعجاز القرآن وجه ذهب عنه الناس، وهو صنيعه فى القلوب وتأثيره فى النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة فى حال ذوى الروعة والمهابة فى حال آخر ما يخلص منه إليه، قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وقال اللَّه: نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. وقد اختلف أهل العلم فى وجه إعجاز القرآن، فذكروا فى ذلك وجوها كثيرة كلها حكمة وصوابا، وما بلغوا فى وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره. فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة. وقال آخرون: هو البيان والفصاحة. وقال آخرون: هو الوصف والنظم. وقال آخرون: هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر مع كونه حروفه فى كلامهم ومعانيه فى خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من اقتصر على معانيه وغير حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته، فكان فى ذلك أبلغ دلالة على إعجازه.

стр. 723

وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكلّ وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته. وقال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية. وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع. وقال آخرون: هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها ويشقّ حصرها. وأهل التحقيق على أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل غير ذلك مما لم يسبق. فمنها: الروعة التى له فى قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقرّ والجاحد. ومنها: أنه لم يزل ولا يزال غضاّ طريّا فى أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين. ومنها: جمعه بين صفتى الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر. ومنها: جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد تحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقيل: وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة والتحدى للكافة والصرفة والبلاغة والإخبار عن الأمور المستقبلة ونقض العادة وقياسه بكل معجزة. ونقض العادة هو أن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها: الشعر. ومنها: السجع. ومنها: الخطب. ومنها: الرسائل.

стр. 724

ومنها: المنثور الذى يدور بين الناس فى الحديث. فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة فى الحسن تفوق به كل طريقة، ويفوق الموزون الذى هو أحسن الكلام. وأما قياسه بكل معجزة فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة إذا كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية، وما جرى هذا المجرى فى ذلك سبيلا واحدا فى الإعجاز، إذ خرج عن العادة فصدّ الخلق عن المعارضة. والقرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها فى أربعة وجوه: أولها: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن. والثانى: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب. ومنها: نظمها ونثرها الذى جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له. وكل واحد من هذين النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها، والأسلوب الغريب بذاته نوع إعجاز على التحقيق لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذ كل واحد خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها، خلافا لمن زعم أن الإعجاز فى مجموع البلاغة والأسلوب. الوجه الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن، فوجد كما ورد. الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أخبار أهل الكتاب الذى قطع عمره فى تعلم ذلك، فيورده ﷺ على وجهه ويأتى به على نصه، وهو أمّى لا يقرأ ولا يكتب.

стр. 725

فهذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها. ومن الوجوه فى إعجازه غير ذلك، أى وردت بتعجيز قوم فى قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا على ذلك كقوله لليهود: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً فما تمناه أحد منهم، وهذا الوجه داخل فى الوجه الثالث. ومنها: الروعة التى تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم، والهيبة التى تعتريهم عند تلاوته، وقد أسلم جماعة عند سماع آياته منه كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبى ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قوله: الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبه أن يطير. وذلك أول ما وقر الإسلام فى قلبه. وقد مات جماعة عند سماع آيات منه. ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع ما تكفل الله بحفظه. ومنها: أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة، وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد ويملّ مع الترديد، ولهذا وصف ﷺ القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الردّ. ومنها: جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد فى كلمات قليلة وأحرف معدودة.

стр. 726

٢ القرآن معجزة القرآن الذى هو متلوّ محفوظ مرسوم فى المصاحف هو الذى جاء به النبى ﷺ ، وأنه هو الذى تلاه على من فى عصره ثلاثا وعشرين سنة، والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر الذى يقع عنده العلم الضرورى به، وذلك أنه قام به فى الموقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره من لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذى لا يشتبه على أحد، ولا يحتمل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه ويأخذه على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى انتشر ذلك فى أرض العرب كلها، وتعدىّ إلى الملوك المعاقبة، كملك الروم والعجم القبط والحبش وغيرهم من ملوك الأطراف. ولما ورد ذلك مضاداّ لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم المختلفة فى الكفر، وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف أهل دينه الذين أكرمهم اللَّه بالإيمان على جملته وتفاصيله، وتظاهر بينهم حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم وعلما عليه، والمفروض تلاوته فى صلواتهم، والواجب استعماله فى أحكامهم. ثم تناقله خلف عن سلف، ثم مثلهم فى كثرتهم، وتوفر دواعيهم عى نقله حتى انتهى إلينا ما وصفناه من حاله. فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب فى أنه أتى بهذا القرآن من عند اللَّه، فهذا أصل. وإذا ثبت هذا الأصل وجودا، ولقد تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التى وصفناها فلم يأتوا بذلك، والذى يدل على هذا الأصل أنا قد علمنا أن ذلك مذكور فى القرآن فى المواضع الكثيرة، كقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ

стр. 727

وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وكقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته. وذلك يدل على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن يعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن كلام اللَّه ، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أولا، وإذا ثبت بما تبين إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه، ثبت أن الذى أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم وأنه صدق، وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا. ومن ذلك قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقوله أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ. فقد ثبت بما تبين أنه تحدّاهم إليه ولم يأتوا بمثله. وفى هذا أمران: أحدهما التحدّى إليه. والآخر أنه لم يأتوا له بمثل. والذى يدل على ذلك النقل المتواتر الذى يقع به العلم الضرورى، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين. وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التى فيها ذكر التحدى، وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن. كان كذلك قولا باطلا يعلم بطلانه مثل ما يعلم به بطلان قول من زعم أن القرآن أضعاف هذا، وهو يبلغ حمل جمل، وأنه كتم وسيظهره المهدى. ويدعى أن هذا القرآن ليس هو الذى جاء به النبى ﷺ ، وإنما هو شىء وضعه عمر أو عثمان رضى اللَّه عنهما حيث وضع المصحف.

стр. 728

أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا. وقد ضمن اللَّه حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده الحق. ومعروف أن العدد الذين أخذوا القرآن فى الأمصار وفى البوادى وفى الأسفار والحضر وضبطوه حفظا من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف، لا يجوز عليهم السهو والنسيان ولا التخليط فيه والكتمان، ولو زادوا ونقصوا أو غيروا لظهر. وقد علمت أن شعر امرىء القيس وغيره لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن ولا أن يحفظ كحفظه ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه مساسها إلى القرآن، لوزيد فيه بيت أو نقص منه بيت، لا بل لو غير فيه لفظ، لتبرأ منه أصحابه وأنكره أربابه، فإذا كان كذلك مما لا يمكن فى شعر امرىء القيس ونظائره، مع أن الحاجة إليه تقطع لحفظ العربية، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه فى القرآن مع شدة الحاجة إليه فى أصل الدين، ثم فى الأحكام والشرائع واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه. فمنهم من يضبطه لإحكام قراءته ومعرفة وجوهها وصحة أدائها. ومنهم: من يحفظه للشرائع والفقه. ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه. ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة. ومن الملحدين من يحصله لينظر فى عجيب شأنه. وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة، على كثرة أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم، أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان. وإنك إذا تأملت ما ذكر فى أكثر السور فى ردّ قومه عليه وردّ غيرهم وقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وقول بعضهم: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ إلى الوجوه التى يصرف إليها قولهم فى الطعن عليه. فمنهم من يستهين بها، ويجعل ذلك سببا لتركه الإتيان بمثله.

стр. 729

ومنهم من يزعم أنه مفترى فلذلك لا يأتى بمثله. ومنهم من يزعم أنه دارس وأنه أساطير الأولين. ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما جاز على كله. ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا جاز ذلك فى كله، فثبت من هذا أنه تحدى إليه، وأنهم لم يأتوا له بمثل. فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه. والذى يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدى، وجعله دلالة على صدقه وثبوته. وتضمن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبى ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم فى لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبى. فلما لم يحصل هناك معارضة منهم على أنهم عاجزون عنها. ومعلوم أنهم لو عارضوه بم تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود فى مذهب أصحابه. فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالا فحالا، ويعلو شيئا فشيئا، وهم على العجز عن القدح فى آيته، والطعن فى دلالته، علم أنهم كانو لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجته. وقد أخبر اللَّه تعالى عنهم أنهم قوم خصمون وقال: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا وقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وعلم أيضا أن ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى اللَّه عنهم من قولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقولهم: ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ وقالوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ

стр. 730

عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ وقالوا: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وقالوا: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً. وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً وقوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ إلى آيات كثيرة فى نحو هذا تدل على أنهم كانوا متحيرين فى أمرهم متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحدّى إليه وعرف الحث عليه. وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب وجاهروه ونابذوه، وقطعوا الأرحام وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والإتيان بغير ذلك من المعجزات يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه، فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم، وذلك يدحض حجته ويفسد دلالته ويبطل أمره، فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التى ليس عليها مزيد فى المنابذة والمعاداة، ويتركون الأمر الخفيف هذا مما يمتنع وقوعه فى العادات، ولا يجوز إتقانه من العقلاء. ويمكن أن يقال إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من الذراية والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته، ويكرر فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتى به ويقرعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما يسعى له بتركهم المعارضة، وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره حتى يتلوا قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقوله: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ وقوله، وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ وقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ (م ٢٢- الموسوعة القرآنية- ج ٢)

стр. 731

جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ إلى غير ذلك من الآيات التى تتضمن تعظيم شأن القرآن. فمنها ما يتكرّر فى السورة فى مواضع منها. ومنها ما ينفرد فيها. وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة وإن لم يكن متحديا إليه. ألا ترى أنهم قد كان ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا؟ ولهم فى ذلك مواقف معروفة وأخبار مشهورة وأيام منقولة. وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم. فلن يجوز والحالة هذه أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحدّاهم إليها أو لم يتحداهم. ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر لوجب فى ذلك أمر آخر، وهو أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه وتعمل نظمه فى الحال. فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق وخطبة متقدمة ورسالة سالفة ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا هذا أفصح مما جئت به، وأغرب منه أو هو مثله، علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير، ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا ولعرفناه كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغتهم، وصنوف فصاحاتهم. فإن قيل: الذى بنى على الأمر فى تثبيت معجزة القرآن أنه وقع التحدى إلى الإتيان بمثله وأنهم عجزوا عنه بعد التحدى إليه، ومما يؤكد هذا أن النبى ﷺ قد دعا الآحاد إلى الإسلام محتجاّ عليهم بالقرآن، لأنا نعلم أنه لم يلزمهم تصديقه تقليدا، ونعلم أن السابقون الأولين إلى الإسلام لم يقلدوه، وإنما دخلوا على

стр. 732

بصيرة، ولم نعلمه قال لهم: ارجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فقد ثبتت حجتى، بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه وتابعوا الحق وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا فى صدقه ولم يرتابوا فى وجه دلالته، فمن كانت بصيرته أقوى ومعرفته أبلغ كان إلى القبول منه أسبق، ومن اشتبه عليه وجه الإعجاز، واشتبه عليه بعض شروط المعجزات، وأدلة النبوات، كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه واجتمعت له بصيرته وترادفت عليه مواده. ونحن نعلم تفاوت الناس فى إدراكه ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمى لا يعلم أنه معجزا إلا بأن يعلم عجز العرب عنه، وهو يحتاج فى معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة. فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم وجرى مجراهم فى توجه الحجة عليه. وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالى فى هذه الصنعة، فربما حلّ فى ذلك محل الأعجمىّ فى أن لا يتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهى فى الصنعة عنه. وكذلك لا يعرف المتناهى فى معرفة الشعر وحده أو الغاية فى معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما غور هذا الشأن ما يعرف من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب، ووجوه الكلام وطرق البراعة، فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه بعجز البارع فى هذه العلوم كلها عنه. فأما من كان متناهيا فى معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التى يمكن فيها إظهار الفصاحة فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، ويعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، ومتى علم البليغ المتناهى فى صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره، لأنه كهو لأنه يعلم أن حاله وحال غيره فى هذا الباب سواء. فالبليغ المتناهى فى وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن وتكون معرفته حجة عليه إذا تحدّى إلى وعجز عن مثله وإن لم ينتظر وقوع التحدى فى غيره وما الذى يصنع ذلك الغير.

стр. 733

قلو قيل: لو كان هذا لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا فى عصر النبى ﷺ على طريقة واحدة فى إسلامهم عند سماعه. قيل: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة: منها أنهم كانوا يشكّون. ومنهم من يشك فى إثبات الصانع. وفيهم من يشك فى التوحيد. وفيهم من يشك فى النبوة. ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ليسلم عام الفتح قال له النبى ﵊: «أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: بلى، فشهد، قال: أما آن لك أن تشهد أنى رسول اللَّه، قال: أما هذه ففى النفس منها شىء» . فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة. فمنهم من قلت شبهه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم. ومنهم من كبرت شبهه وأعرض عن تأمل الحجة حتى تأملها أو لم يكن فى البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله فلذلك وقف أمره. ولو كانوا فى الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة، لتوافقوا إلى القبول جملة واحدة.

стр. 734

٣ وجوه إعجاز القرآن ثمة ثلاثة أوجه من الإعجاز: أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه. فمن ذلك ما وعد اللَّه تعالى نبيه ﵊ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ففعل ذلك. وكان أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم اللَّه من إظهار دينه ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجح. وكان عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يفعل كذلك فى أيامه، حتى وقف أصحاب جيوشه عليه، فكان سعد بن أبى وقاص ﵀ وغيره من أمراء الجيوش من جهته يذكر ذلك لأصحابه، ويحرّضهم به، ويوثق لهم، وكانوا يلقون الظفر فى مواجهاتهم، حتى فتح إلى آخر أيام عمر رضى اللَّه عنه إلى بلخ وبلاد الهند، وفتح فى أيامه مرو الشاهجان ومرو الروذ، ومنعهم من العبور بجيحون، وكذلك فتح فى أيامه فارس إلى إصطخر، وكرمان ومكران وسجستان وجميع ما كان من مملكة كسرى، وكل ما كان يملكه ملوك الفرس بين البحرين من الفرات إلى جيحون، وأزال ملك ملوك الفرس، إلى حدود أرمينية وإلى باب الأبواب، وفتح أيضا ناحية الشام والأردنّ وفلسطين وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر وهو ملك قيصر، وغزت الخيول فى أيامه إلى عمورية، فأخذ الضواحى كلها ولم يبق دونها إلا ما حجز دونه بحر أو حال عنه جبل منيع أو أرض خشنة أو بادية غير مسلوكة. وقال اللَّه : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ فصدق فيه.

стр. 735

وقال فى أهل بدر: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ووفى لهم بما وعد. وجميع الآيات التى يتضمنها القرآن من الإخبار عن الغيوب تكثر جدا. والوجه الثانى: أنه كان معلوما من حال النبى ﷺ أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم. ثم أتى بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير من حين خلق الله آدم ﵇ إلى حين مبعثه. فذكر فى الكتاب الذى جاء به معجزة له قصة آدم ﵇، وابتداء خلقه وما صار إليه أمره من الخروج من الجنة، ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته. ثم ذكر قصة نوح ﵇ وما كان بينه وبين قومه وما انتهى إليه أمره. وكذلك أمر إبراهيم ﵇ إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين فى القرآن والملوك والفراعنة الذين كانوا فى أيام الأنبياء صلوات اللَّه عليهم. وهذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى التعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحى، ولذلك قال : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ وقال: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ. والوجه الثالث: أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه فى البلاغة إلى الحدّ الذى يعلم عجز الخلق عنه، والذى يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه: منها: ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصررّف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز فى تصرفه عن أساليب الكلام

стр. 736

المعتاد، وذلك أن الطرق التى يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعانى المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف وإن لم يكن معتدلا فى وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذى لا يتعمل ولا يتصنع له. وقد علمنا أن القرآن خارج من هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق. ليس من باب السجع ولا فيه شىء منه، وليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعى أن فيه شعرا كثيرا، فهذا إذا تأمله المتأمل تبين بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة وأنه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل فى جميعه. ومنها: أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرّف البديع والمعانى اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب فى البلاغة، والتشابه فى البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوّز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا فى الفصاحة على ما وصفه اللَّه تعالى به فقال عزّ من قائل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فأخبر أن كلام الآدمى إن امتدّ وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال، وفى ذلك معنى ثابت وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التى يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود فى المدح

стр. 737

دون الهجو، ومنهم من يبرز فى الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق فى التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجوز فى التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب فى وصف الإبل والخيل أو سير الليل، أو وصف الروض. أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعراء ويتداوله الكلام، ولذلك ضرب المثل: بامرىء القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف فى الخطيب والرسائل وسائر أجناس الكلام. ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت فى شعره على حسب الأحوالالتى يتصرف فيها، فيأتى بالغاية فى البراعة فى معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره. ثم نجد فى الشعراء من يجود فى الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر فيه مهما تكلفه أو عمله، ومن الناس من يجود فى الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا عجيبا، ومنهم من يوجد بضد ذلك. وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التى قدمنا ذكرها على حدّ واحد فى حسن النظم وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفال فيه إلى الرتبة الدنيا. وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز فى جميعه على حدّ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذى يقدون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار، وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التى يتضمن. ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا فى الفصل والوصل، والعلوّ والنزال، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عن النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عن التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه، حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحترى مع جودة نظمه

стр. 738

وحسن وصفه فى الخروج من النسيب إلى المديح وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتى فيه بشىء، وإنما اتفق له فى مواضع معدودة خروج يرتضى وتنقل يستحسن، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شىء إلى شىء والتحوّل من باب إلى باب، كالمتناسب والمتنافر فى الإفراد إلى حد الآحاد، ويخرج به الكلام إلى حدّ العادة ويتجاوز العرف. ومعنى خامس: فنظم القرآن وقع موقعا فى البلاغة يخرج عن عادة كلام الإنس والجن، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال اللَّه : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. ومعنى سادس: وهو أن الذى ينقسم عليه الخطاب من البسيط والاختصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التى توجد فى كلامهم موجودة فى القرآن، وكل ذلك مما لا يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم فى الفصاحة والإبداع والبلاغة. ومعنى سابع: وهو أن المعانى التى تتضمن فى أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات فى أصل الدين والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا فى اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر، ويمنع ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعانى المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة، فلو أبرع اللفظ فى المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع فى المعنى المتداول المتكرّر والأمر المتقرّر المتصور. ثم إن انضاف إلى ذلك التصرّف البديع فى الوجوه التى تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه بأن التفاضل فى البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعانى وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم. ومعنى ثامن: وهو أن الكلام يبين فضله ورجحان فصاحته، بأن نذكر منه الكلمة فى تضاعيف كلام أو نقذف ما بين شعر فتأخذه الأسماع وتتشوّق إليه

стр. 739

النفوس، ويرى وجه رونقه باديا غامرا سائر ما يقرن به، كالدرّة التى ترى فى سلك من خرز وكالياقوته فى واسطة العقد، أنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها فى تضاعيف كلام كثير، وهى غرّة جميعه وواسطة عقده والمنادى على نفسه بتمييزه وتخصصه برونقه وجماله واعتراضه فى جنسه ومائه. وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص ليحقق ما ادّعيناه منه، ولولا هذه الوجوه التى بيناها لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون فى أمرهم ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضا فى معارضته ويتوقفون لها، فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه، ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعا فيهم، ولا متقدما فى الفصاحة منهم هذه الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره، إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك تحققا بظهور العجز وتبينا له. وأما قوله تعالى حكاية عنهم: قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم وهو يدل على عجزهم، ولذلك أورده اللَّه مورد تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء، فلما لم يستعملوا ذلك مع استمرار التحدّى، وتطاول زمان الفسحة فى إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط، ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول فى الحشرات والهوام والحيات وفى وصف الأزمة، والاتساع والأمور التى لا تؤبه لها ولا يحتاج إليها، ويتنافسون فى ذلك أشد التنافس ويتبجحون به أشدّ التبجح، فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته فى هذه المعانى الفسيحة العبارات الفصيحة مع تضمن المعارضة تكذيبه والذبّ عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم وتضليله إياهم والتخلص من منازعته ثم من محاربته ومقارعته ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل ويعللونها بالأباطيل.

стр. 740

ومعنى تاسع: وهو أن الحروف التى بنى عليها كلام العرب ثمانية وعشرون حرفا، وعدد السور التى افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف فى أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهو أربعة عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التى ينظمون بها كلامهم، والذى ينقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليها وجوهها أقسام، هى: فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة. فالمهموسة: منها عشرة وهى: الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين. وما سوى ذلك من الحروف فهى مجهورة. وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة فى جملة الحروف المذكورة فى أوائل السور. وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان. والمجهور: معناه أنه حرف أشبع الاعتماد فى موضعه ومنع أن يجرى معه حتى ينقضى الاعتماد ويجرى الصوت. والمهموس: كل حرف ضعف الاعتماد فى موضعه حتى جرى معه النفس، وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبتنى عليه أصول العربية. وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقولون: إنها على ضربين. أحدهما حروف الحلق، وهى ستة أحرف: العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والعين، والنصف من هذه الحروف مذكور فى جملة الحروف التى تشتمل عليها الحروف المبينة فى أوائل السور. وكذلك النصف من الحروف التى ليست بحروف الحلق. وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما حروف غير شديدة.
следующие страницы →