Полный текст (5 429 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
المعتاد، وذلك أن الطرق التى يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعانى المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف وإن لم يكن معتدلا فى وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذى لا يتعمل ولا يتصنع له. وقد علمنا أن القرآن خارج من هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق. ليس من باب السجع ولا فيه شىء منه، وليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعى أن فيه شعرا كثيرا، فهذا إذا تأمله المتأمل تبين بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة وأنه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل فى جميعه.
ومنها: أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرّف البديع والمعانى اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب فى البلاغة، والتشابه فى البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوّز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا فى الفصاحة على ما وصفه اللَّه تعالى به فقال عزّ من قائل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فأخبر أن كلام الآدمى إن امتدّ وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال، وفى ذلك معنى ثابت وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التى يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود فى المدح
стр. 737
دون الهجو، ومنهم من يبرز فى الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق فى التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجوز فى التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب فى وصف الإبل والخيل أو سير الليل، أو وصف الروض. أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعراء ويتداوله الكلام، ولذلك ضرب المثل:
بامرىء القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف فى الخطيب والرسائل وسائر أجناس الكلام. ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت فى شعره على حسب الأحوالالتى يتصرف فيها، فيأتى بالغاية فى البراعة فى معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره.
ثم نجد فى الشعراء من يجود فى الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر فيه مهما تكلفه أو عمله، ومن الناس من يجود فى الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا عجيبا، ومنهم من يوجد بضد ذلك. وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التى قدمنا ذكرها على حدّ واحد فى حسن النظم وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفال فيه إلى الرتبة الدنيا. وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز فى جميعه على حدّ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذى يقدون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار، وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التى يتضمن.
ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا فى الفصل والوصل، والعلوّ والنزال، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عن النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عن التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه، حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحترى مع جودة نظمه
стр. 738
وحسن وصفه فى الخروج من النسيب إلى المديح وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتى فيه بشىء، وإنما اتفق له فى مواضع معدودة خروج يرتضى وتنقل يستحسن، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شىء إلى شىء والتحوّل من باب إلى باب، كالمتناسب والمتنافر فى الإفراد إلى حد الآحاد، ويخرج به الكلام إلى حدّ العادة ويتجاوز العرف.
ومعنى خامس: فنظم القرآن وقع موقعا فى البلاغة يخرج عن عادة كلام الإنس والجن، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال اللَّه : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
ومعنى سادس: وهو أن الذى ينقسم عليه الخطاب من البسيط والاختصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التى توجد فى كلامهم موجودة فى القرآن، وكل ذلك مما لا يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم فى الفصاحة والإبداع والبلاغة.
ومعنى سابع: وهو أن المعانى التى تتضمن فى أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات فى أصل الدين والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا فى اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر، ويمنع ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعانى المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة، فلو أبرع اللفظ فى المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع فى المعنى المتداول المتكرّر والأمر المتقرّر المتصور. ثم إن انضاف إلى ذلك التصرّف البديع فى الوجوه التى تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه بأن التفاضل فى البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعانى وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم.
ومعنى ثامن: وهو أن الكلام يبين فضله ورجحان فصاحته، بأن نذكر منه الكلمة فى تضاعيف كلام أو نقذف ما بين شعر فتأخذه الأسماع وتتشوّق إليه
стр. 739
النفوس، ويرى وجه رونقه باديا غامرا سائر ما يقرن به، كالدرّة التى ترى فى سلك من خرز وكالياقوته فى واسطة العقد، أنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها فى تضاعيف كلام كثير، وهى غرّة جميعه وواسطة عقده والمنادى على نفسه بتمييزه وتخصصه برونقه وجماله واعتراضه فى جنسه ومائه. وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص ليحقق ما ادّعيناه منه، ولولا هذه الوجوه التى بيناها لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون فى أمرهم ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضا فى معارضته ويتوقفون لها، فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه، ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعا فيهم، ولا متقدما فى الفصاحة منهم هذه الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره، إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك تحققا بظهور العجز وتبينا له. وأما قوله تعالى حكاية عنهم: قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم وهو يدل على عجزهم، ولذلك أورده اللَّه مورد تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء، فلما لم يستعملوا ذلك مع استمرار التحدّى، وتطاول زمان الفسحة فى إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط، ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول فى الحشرات والهوام والحيات وفى وصف الأزمة، والاتساع والأمور التى لا تؤبه لها ولا يحتاج إليها، ويتنافسون فى ذلك أشد التنافس ويتبجحون به أشدّ التبجح، فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته فى هذه المعانى الفسيحة العبارات الفصيحة مع تضمن المعارضة تكذيبه والذبّ عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم وتضليله إياهم والتخلص من منازعته ثم من محاربته ومقارعته ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل ويعللونها بالأباطيل.
стр. 740
ومعنى تاسع: وهو أن الحروف التى بنى عليها كلام العرب ثمانية وعشرون حرفا، وعدد السور التى افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف فى أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهو أربعة عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التى ينظمون بها كلامهم، والذى ينقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليها وجوهها أقسام، هى:
فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة.
فالمهموسة: منها عشرة وهى: الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين.
وما سوى ذلك من الحروف فهى مجهورة.
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة فى جملة الحروف المذكورة فى أوائل السور.
وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان.
والمجهور: معناه أنه حرف أشبع الاعتماد فى موضعه ومنع أن يجرى معه حتى ينقضى الاعتماد ويجرى الصوت.
والمهموس: كل حرف ضعف الاعتماد فى موضعه حتى جرى معه النفس، وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبتنى عليه أصول العربية.
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقولون: إنها على ضربين.
أحدهما حروف الحلق، وهى ستة أحرف: العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والعين، والنصف من هذه الحروف مذكور فى جملة الحروف التى تشتمل عليها الحروف المبينة فى أوائل السور.
وكذلك النصف من الحروف التى ليست بحروف الحلق.
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين:
أحدهما حروف غير شديدة.
стр. 741
وإلى الحروف الشديدة، وهى التى تمنع الصوت أن يجرى فيه، وهى الهمزة والقاف والكاف والجيم والظاء والذال والطاء والباء.
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هى مذكورة فى جملة تلك الحروف التى بنى عليها تلك السور.
ومن ذلك الحروف المطبقة وهى أربعة أحرف، وما سواها منفتحة.
فالمطبقة: الطاء والظاء والضاد والصاد.
وقد علمنا أن نصف هذه فى جملة الحروف المبدوء بها فى أوائل السور.
وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة فى ذكر هذه الحروف على حدّ يتعلق به الإعجاز من وجه:
ومعنى عاشر: وهو أنه سهل سبيله فهو خارج عن الوحشى المستكره والغريب المستنكر وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريبا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى من عبارته إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه فى نفسه ولا موهم مع دنوه فى موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به، فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الإعجاز، ولكن لو وضع فى وحشى مستكره أو عمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف لكان لقائل أن يقول فيه، ويعتذر ويعيب ويقرّع، ولكنه أوضح مناره وقرب منهاجه وسهل سبيله وجعله متشابها متماثلا وبين مع ذلك إعجازهم فيه، وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغاتهم لا ينفك من تصرف فى غريب مستنكر أو وحشى مستكره ومعان مستبعدة، ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه فى الرتبة، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين متصرف بين المنزلين
стр. 742
٤ تعقيب على وجوه إعجاز القرآن
من الإخبار عن الغيوب والصدق والإصابة فى ذلك كله فهو كقوله تعالى:
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فأغزاهم أبو بكر وعمر رضى اللَّه عنهما إلى قتال العرب والفرس والروم.
وكقوله: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ وراهن أبو بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه فى ذلك وصدق اللَّه وعده.
وكقوله فى قصة أهل بدر: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
وكقوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ.
وكقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ فى قصة أهل بدر.
وكقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً فصدق اللَّه تعالى وعده فى كل ذلك.
وقال فى قصة المتخلفين عنه فى غزوته: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا فحق ذلك كله وصدق ولم يخرج من المخالفين الذين خوطبوا بذلك معه أحد.
وكقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
وكقوله: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا
стр. 743
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
فامتنعوا من المباهلة ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا ما ذكر فى الخبر.
وكقوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ولو تمنوه لوقع بهم هذا وما أشبهه.
ومن إخباره عن قصص الأولين وسير المتقدمين، فمن العجيب الممتع على من لم يقف على الأخبار ولم يشتغل بدرس الآثار، وقد حكى فى القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها، ولذلك قال اللَّه تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ.
وقال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
وقال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ.
فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الأمور الغائبة السالفة.
وقال: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا الآية.
ومن الإعجاز الواقع فى النظم والتأليف والرصف، فهو على وجوه:
منها: أنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد فى كلامهم ومباين لأساليب خطابهم، لم وهو ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزون غير المقفى، لأن قوما من كفار قريش ادّعوا أنه شعر.
ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا.
ومن أهل الملة من يقول إنه كلام مسجع.
ومنهم من يدعى أنه كلام موزن.
فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب.
стр. 744
٥ نفى الشعر من القرآن
نحن نعلم أن اللَّه تعالى نفى الشعر من القرآن.
ومن النبى ﷺ فقال: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ وقال فى ذم الشعراء: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ إلى آخر ما وصفهم به فى هذه الآيات، فقال: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ.
وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار من قولهم إنه شاعر، وإن هذا شعر، لا بد من أن يكون محمولا على أنهم نسبوه فى القرآن إلى أن الذى أتاهم به هو من قبيل الشعر، الذى يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة.
أو يكون محمولا على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم فى وصفهم إياهم بالشعر لدقة نظرهم فى وجوه الكلام وطرق لهم فى المنطق.
أو يكون محمولا على أنه أطلق من بعض الضعفاء منهم فى معرفة أوزان الشعر، وهذا أبعد الاحتمالات. فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحا، وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره.
وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه فى رأيهم وعندهم أقدر، فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب.
فإن زعم زاعم أنه قد وجد فى القرآن شعرا كثيرا، فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت تام أو أبيات تامة، ومنه ما يزعمون أنه مصراع، كقول القائل:
قد قلت لما حاولوا سلوتى ... هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
стр. 745
ومما يزعمون أنه بيت قوله:
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ قالوا: هو من الرمل من البحر الذى قيل فيه:
مَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وكقوله :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قالوا: هو من المتقارب.
وكقوله:
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا ويشبعون حركة الميم فيزعمون أنه من الرجز.
وذكر عن أبى نواس أنه ضمن ذلك شعرا وهو قوله:
وفتية فى مجلس وجوههم ... ريحانهم قد عدموا التثقيلا
دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا وقوله :
وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مؤمنينا زعموا أنه من الوافر:
وكقوله :
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ضمنه أبو نواس فى شعره ففصل وقال: فذاك الذى، وشعره:
وقرا معلنا ليصدع قلبى ... والهوى يصدع الفؤا السقيما
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليتيما
стр. 746
وهذا من الخفيف لا يقع مقصودا إليه، وإنما يقع مغمورا فى الخطاب.
فكذلك حال السجع الذى يزعمونه ويقدرونه، ويقال لهم: لو كان وكما ضمنه فى شعره من قوله:
سبحان من سخر هذا لنا ... حقّا وما كنا له مقرنين
فزاد فيه حتى انتظم له الشعر.
وكما يقولونه فى قوله : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً.
ونحو ذلك فى القرآن كثير، كقوله: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحامِلاتِ وِقْراً. فَالْجارِياتِ يُسْراً وهو عندهم شعر من بحر البسيط.
والجواب عن هذه الدعوى التى ادّعوها من وجوه.
أولها: أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن لو كانوا يعتقدونه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم لبادروا إلى معارضته، لأن الشعر مسخر لهم سهل عليهم فيه ما قد علمت من التصرّف العجيب والاقتدار اللطيف، فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ولا عوّلوا عليه علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء فى الصنعة والمرمدون فى هذا الشأن.
وإنّ استدراك من يجىء الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة فى ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم وزعمه أنه قد ظفر بشعر فى القرآن ذهب أولئك النفر عنه، وخفى عليهم شدة حاجاتهم إلى الطعن فى القرآن والغض عنه واتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه.
فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق، وإذا كان كذلك علم أن الذى أجاب به العلماء عن هذا السؤال شديد، وهو أنهم قالوا: إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وأقل الشعر بيتان فصاعدا، وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام.
وقالوا أيضا: إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف رويهما وقافيتهما فليس بشعر. (- ٢٣- الموسوعة القرآنية- ج ٢)
стр. 747
ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلا، لا سيما إذا كان مشطورا أو منهوكا، وكذلك ما كان يقارنه فى قلة الأجزاء.
ويقولون: إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه على الطريق الذى يتعمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامى والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه، وما يتفق من كل واحد فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض فى كلامه ألفاظ تنزن بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض فى جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه ألا ترى أن العامى قد يقول لصاحبه أغلق البابوائتنى بالطعام، ويقول الرجل لأصحابه أكرموا من لقيتم من تميم، ومتى تتبع الإنسان هذا عرف أن يكثر فى تضاعيف الكلام مصله وأكثر منه، وهذا القدر الذى يصح فيه التوارد ليس يعده أهل الصناعة سرقة، إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ كقوله امرىء القيس:
وقوفا بهم صحبى على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحميل
وكقوله طرفة:
وقوفا بها صحبى على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
ومثل هذا كثير، فإذا صح مثل ذلك فى بعض البيت ولم يمتنع فيه فكذلك لا يمتنع وقوعه فى الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا، وكذلك يمتنع التوارد على بيتين، وكذلك يمتنع فى الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما، فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعدّ شعرا، وإنما يعدّ شعرا ما إذا قصده صاحبه تأتى له ولم يمتنع عليه، فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له وإنما يعرض فى كلامه عن غير قصد إليه لم يصح أن يقال إنه شعر، ولا إن صاحبه شاعر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا لأنه لو قصده لكان يتأتى منه، وإنما لم يصح ذلك لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد، وما كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد ألا ترى أن السوقى قد يقول اسقنى الماء يا غلام سريعا قد يتفق ذلك من الساهى ومن لا تقصد النظم، فأما الشعر إذا بلغ الحدّ الذى بينا فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه.
стр. 748
فأما الرجز فإنه يعرض فى كلام العوامّ كثيرا، فإذا كان بيتا واحدا فليس ذلك بشعر، وقد قيل إن أقل ما يكون منه شعرا أربعة أبيات بعد أن تتفق قوافيها، ولم يتفق ذلك فى القرآن بحال، فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجرى مجراه فى قلة الكلمات فليس بشعر.
وما اتفق فى ذلك من القرآن مختلف الروىّ. ويقولون: إنه متى اختلف الروى خرج من أن يكون شعرا.
ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته، لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم.
فإن قيل: فى القرآن كلام موزون كوزن الشعر وإن كان غير مقفى، بل هو مزاوج متساوى الضروب، وذلك آخر أقسام كلام العرب.
قيل: من سبيل الموزون من كلام أن يتساوى أجزاؤه فى الطول والقصر والسواكن والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا كقوله: ربّ أخ كنت به مغتبطا أشدّ كفى بعرى صحبته تمسكا منى بالود، ولا أحسبه يزهد فى ذى أمل تمسكا منى بالود، ولا أحسبه يغير العهد ولا يحول عنه أبدا فخاب فيه أملى.
وقد علمنا أن هذا القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكرا، بل أكثره على ذلك.
وكذلك ليس فى القرآن من الموزون الذى وصفناه أولا، وهو الذى شرطنا فيه التعادل والتساوى فى الأجزاء غير الاختلاف الواقع فى التقفية، ويبين ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذى بينا، وتتم فائدته بالخروج منه.
وأما الكلام الموزون فإنه فائدته تتم يوزنه.
стр. 749
٦ نفى السجع من القرآن
الرأى المجمع عليه نفى السجع من القرآن. وذهب بعضهم إلى إثبات السجع فى القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل فى البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك من الوجوه التى يعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون ﵉، ولمكان السجع قيل فى موضع: هارون وموسى.
ولما كانت الفواصل فى موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون، قالوا: هذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع فى الخطاب إلا مقصودا إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى يسمى شعرا، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده من الشاعر.
وأما ما فى القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر، لأن الكهانة تنافى النبوات كذلك الشعر.
والذى يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا، لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوحوه
стр. 750
دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو فى تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى، وفصل بين أن ينتظم الكلام فى نفس بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ، ومتى ارتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى ارتبط المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتجنيس الكلام دون تصحيح المعنى.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط متى أخلّ به المتكلم أوقع الخلل فى كلامه ونسب إلى الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا وكان شعره مرذولا، وربما أخرجه عن كونه شعرا.
وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب الفواصل متدانى المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا فى السجع غير مرضىّ ولا محمود.
فإن قيل: متى خرج السجع المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه خرج من أن يكون سجعا، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا، بل يأتى به طورا، ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه.
قيل: متى وقع أحد مصراعى البيت مخالفا للآخر كان تخليطا وخبطا، وكذلك متى اضطرت أحد مصراعى الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا.
وعلم أن فصاحة القرآن غير مذمومة فى الأصل فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا من الاضطراب، ولو كان الكلام الذى هو فى صورة السجع منه لما تحيروا فيه وكانت الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا مميز منها.
ويزعم بعضهم أنه سجع متداخل، ونظيره من القرآن قوله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ وقوله: أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
وقوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ وقوله: التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وقوله: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي.
стр. 751
ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير حتى سماه بعضهم سحرا وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به، ويصرفونه إليه، ويتوهمونه فيه، وهم فى الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم المألوفة لديهم.
ومن جنس السجع المعتاد عندهم قول أبى طالب لسيف بن ذى يزن:
أنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، ونبت زرعه، فى أكرم موطن وأطيب معدن.
والقرآن مخالف لنحو هذه الطريقة مخالفته للشعر، وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم.
وأما ما ذكروا من تقديم موسى على هارون ﵉ فى موضع، وتأخيره عنه فى موضع لمكان السجع، ولتساوى مقاطع الكلام، فليس بصحيح، لأن الفائدة غير ما ذكروه.
وهى أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا من الأمر الصعب الذى تظهر فيه الفصاحة، ونتبين فيه البلاغة، وأعيد كثير من القصص فى مواضع على ترتيبات متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا، ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة فعبروا عنها بالفاظ لهم تؤدى معناها وتحويها، وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما جاء به، كيف وقد قال لهم: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ.
فعلى هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات، وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون التسجيع الذى توهموه.
стр. 752
٧ الوقوف على إعجاز القرآن
لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا أن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك، فإن عرفوا هذا بأن علموا أنهم قد تحدّوا على أن يأتوا بمثله، وقرّعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به، تبينوا أنهم عاجزون عنه، وإذا عجز أهل ذلك اللسان فهم عنه أعجز.
ثم إن من كان من أهل اللسان العربىّ إلا أنه ليس يبلغ فى الفصاحة الحدّ الذى يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره، فهو كالأعجمىّ فى أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما يعرف به الفارسى، وهو من ليس من أهل اللسان سواء.
فأما من كان قد تناهى فى معرفة اللسان العربى، ووقف على طرقها ومذاهبها، فهو يعرف القدر الذى ينتهى إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع ويتجاوز حدود القدرة، فليس يخفى عليه إعجاز القرآن كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردىء والفصيح والبديع والنادر والبارع والغريب، وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم.
وربما اختلفوا فيه لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين والقول الرصين.
ومنهم من يختار الكلام الذى يروق ماؤه وتروع بهجته ورواؤه، ويسلس مأخذه، ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول غير عويص اللفظ ولا غامض المعنى.
стр. 753
كما يختار قوم ما يغمض معناه ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان وسبق إلى البيان.
ومنهم من يختار الغلوّ فى قول الشعر والإفراط فيه، حتى ربما قالوا: أحسن الشعر أكذبه.
وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين فى الغلوّ والاقتصاد وفى المتانة والسلامة.
ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة وألطف تعملا، وأن يتخير الألفاظ الرشيقة للمعانى البديعة والقوافى الواقعة.
والكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التى فى النفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد، وأوضح فى الإبانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الأذن، ومستنكر المورود على النفس، حتى يتأبى بغرابته فى اللفظ عن الأفهام، أو يمتنع بتعويض معناه عن الإبانة، ويجب أن يتنكب ما كان عليه اللفظ مبتذل العبارة، ركيك المعنى سفسافى الوضع، مجتنب التأسيس، على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد.
فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه فى جهته وتحار فى بحره ونضل دون وصفه.
وقد، سماه اللَّه عز ذكره حكيما وعظيما ومجيدا وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
وقال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
وقال: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً.
وقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
стр. 754
وعن علىّ رضى اللَّه عنه قال: قيل: يا رسول اللَّه إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل أو سئل، ما المخرج من ذلك؟ فقال: بكتاب اللَّه العزيز الذى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ من ابتغى العلم فى غيره أضله اللَّه، ومن ولى هذا من جبار فحكم بغيره قصمه اللَّه، وهو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، وتبيان من بعدكم، وهو فصل ليس بالهزل، وهو الذى سمعته الجن فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ لا يخلق على طول الرد» .
وعن أبى أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «من قرأ ثلث القرآن أعطى ثلث النبوّة، ومن قرأ نصف القرآن أعطى نصف النبوّة، ومن قرأ القرآن كله أعطى النبوّة كلها، غير أنه لا يوحى إليه» .
ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره، وجلل الآفاق ضياؤه، ونفذ فى العالم حكمه، وقبل فى الدنيا رسمه، وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب، مبسوط الباع مرفوع العماد، ليس على الأرض من يعرف اللَّه حق معرفته أو يعبده حق عبادته أو يدين بعظمته، أو يعلم علوّ جلالته، أو يتفكر فى حكمته، فكان كما وصفه اللَّه تعالى جلّ ذكره من أنه نور فقال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فأما أن يتقدموهم أو يسبقوهم فلا. ومنها أنا قد علمنا عجز أهل سائر الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول، والطريق فى العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد، لأن التحدى فى الكل على جهة واحدة، والتنافى فى الطباع على حدّ والتكلف على منهاج لا يختلف، ولذلك قال اللَّه ﵎ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
стр. 755
٨ التحدى
ومن حكم المعجزات إذا ظهرت على الأنبياء أن يدّعوا فيها أنها من دلالتهم وآياتهم، لأنه لا يصح بعثة النبى من غير أن يؤتى دلالة ويؤيد بآية، لأن النبىّ لا يتميز من الكاذب بصورته، ولا بقول نفسه ولا بشىء آخر سوى البرهان الذى يظهر عليه فيستدل به على صدقه، فإذا ذكر لهم أن هذه آيتى وكانوا عاجزين عنها صح له ما ادّعاه، ولو كانوا غير عاجزين عنها لم يصح أن يكون برهانا له، وليس يكون ذلك معجزا إلا بأن يتحداهم إلى أن يأتوا، فإذا تحداهم وبأن عجزهم صار معجزا، وإنما احتيج فى باب القرآن إلى التحدى لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزا، فإنما يعرف أولا إعجازه بطريقه، لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزا، فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه فيجب أن يعرف هذا حتى يمكنه أن يستدل به، ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدى إليه والتقريع به والتمكين منه صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء وانقلاب العصا ثعبانا تتلقف ما يأفكون. وأما ما كان من أهل صنعة العربية والتقديم فى البلاغة ومعرفة فنون القول ووجوه المنطق، فإنه يعرف حين يسمعه عجزه عن الإتيان بمثله، ويعرف أيضا أهل عصره ممن هو فى طبقته أو يدانيه فى صناعته عجزهم عنه فلا يحتاج إلى التحدى حتى يعلم به كونه معجزا، ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزا حتى يعرفوا عجز غيرهم عنه لم يجز أن يعرف النبى ﷺ أن القرآن معجز حتى يرى عجز قريش عنه بعد التحدّى إليه.
وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر العرب عنه حتى ينتهى إلى
стр. 756
التحدّى إلى أقصاهم، وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب عنه، ثم يعرف حينئذ كونه معجزا.
وهذا القول إن قيل أفحش ما يكون من الخطأ فيجب أن تكون منزلة أهل الصنعة فى معرفة إعجاز القرآن بأنفسهم منزلة من رأى اليد البيضاء، وفلق البحر بأن ذلك معجز.
وأما من لم يكن من أهل الصنعة فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة، يعرف بها كونه معجزا فيساوى حينئذ أهل الصنعة، فيكون استدلالها فى تلك الحالة به على صدق من ظهر ذلك عليه على سواه إذا ادّعاه دلالة على نبوّته وبرهانا على صدقه.
فأما من قدّر أن القرآن لا يصير معجزا إلا بالتحدى إليه، فهو كتقدير من ظن أن جميع آيات موسى وعيسى ﵉ ليست بآيات حتى يقع التحدّى إليها، والحضّ عليها، ثم يقع العجز عنها، فيعلم حينئذ أنها معجزات. وقد سلف من كلامنا فى هذا المعنى ما يغنى عن الإعادة، ويبين ما ذكرناه فى غير البليغ أن الأعجمىّ الآن لا يعرف إعجاز القرآن إلا بأمور زائدة على الأعجمى الذى كان فى ذلك الزمان مشاهدا له، لأن من هو من أهل العصر يحتاج أن يعرف أولا أن العرب عجزوا عنه، وإنما يعلم عجزهم عنه بنقل الناقلة إليه أن النبىّ ﷺ قد تحدّى العرب إليه فعجزوا عنه، ويحتاج فى النقل إلى شروط، وليس يصير القرآن بهذا النقل معجزا، كذلك لا يصير معجزا بأن يعلم العربىّ الذى ليس ببليغ أنهم قد عجزوا عنه بأبلغهم، بل هو معجز فى نفسه، وإنما طريق معرفة هذا وقوعهم على العلم بعجزهم عنه.
стр. 757
٩ قدر المعجز من القرآن
وأن أقل، ما يعجز عنه من القرآن السورة: قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها. فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز.
ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة فى أقل من هذا القد.
وقيل: إن كل سورة برأسها فهى معجزة، ومعروف أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص، ولم يأتوا الشىء منها بمثل، فعلم أن جميع ذلك معجز.
وأما قوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فليس بمخالف لهذا، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة، وإن كان قد يتأول قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ على أن يكون راجعا إلى القبيل دون التفصيل.
وكذلك يحمل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ على القبيل لأنه لم يجعل الحجه عليهم عجزهم عن الإيتان بجميعه من أوله إلى آخره.
وما علم به كون جميع القرآن معجزا موجود فى كل سورة صغرت أو كبرت، فيجب أن يكون الحكم فى الكل واحدا.
стр. 758
١٠ وجوه من البلاغة
البلاغة على عشرة أقسام:
الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
فأما الإيجاز فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتى باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة، وذلك ينقسم إلى: حذف، وقصر.
فالحذف: الإسقاط للتخفيف كقوله: وإسال القرية.
وحذف الجواب كقوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى كأنه قيل، لكان هذا القرآن.
والحذف أبلغ من الذكر، لأن النفس تذهب كل مذهب فى القصد من الجواب.
والإيجاز بالقصد كقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
والإطناب فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه عىّ.
وأما التشبيه بالعقد على أن أحد الشيئين يسدّ مسد الآخر فى حسن أو عقل كقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ومن ذلك باب الاستعارة، وهو بيان التشبيه، لقوله تعالى:
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.
وأما التلاؤم، فهو تعديل الحروف فى التأليف وهو نقيض التنافر.
والتلاؤم على ضربين:
стр. 759
أحدهما فى الطبقة الوسطى، والمتلائم فى الطبقة العليا القرآن كله.
والتلاؤم حسن الكلام فى السمع وسهولته فى اللفظ، ووقع المعنى فى القلب.
وأما الفواصل فهى حروف متشابكة فى المقاطع يقع بها إفهام المعانى وفيها بلاغة.
ثم الفواصل قد تقع على حروف متجانسة كما قد تقع على حروف متقاربة، ولا تحتمل القوافى ما تحتمل الفواصل، لأنها ليست فى الطبقة العليا فى البلاغة، لأن الكلام يحسن فيها بمجانسة القوافى وإقامة الوزن.
وأما التجانس فإنه بيان بأنوع الكلام الذى يجمعه أصل واحد، وهو على وجهين:
مزاوجة، ومناسبة.
فالمزاوجة كقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.
وأما المناسبة فهى كقوله تعالى: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
وأما التصريف فهو تصريف الكلام فى المعانى كتصريفه فى الدلالات المختلفة، كتصريف الملك فى معانى الصفات، فصرف فى معنى مالك وملك وذى الملكوت والمليك، وفى معنى التمليك والتملك والأملاك، وتصريف المعنى فى الدلالات المختلفة، كما كرر من قصة موسى فى مواضع.
وأما التضمين فهو حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم أو صفة هى عبارة عنه، وذلك على وجهين:
تضمين توجبه البنية كقولنا معلوم يوجب أنه لا بد من عالم.
وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به كالصفة بضارب يدل على مضروب.
стр. 760
والتضمين كله إنجاز، والتضمين الذى تدل عليه دلالات القياس أيضا إنجاز. وذكر أن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من باب التضمين، لأنه تضمن تعليم الاستفتاح فى الأمور باسمه على جهة التعظيم ﷺ ﵎ أو التبرّك باسمه.
وأما المبالغة فهى الدلاية على كثرة المعنى، وذلك على وجوه.
ومنها: مبالغة فى الصفة المبينة لذلك كقولك: رجمن، عدل عن ذلك للمبالغة، وكقوله غفار، وكذلك فعال، وفعول، كقولهم شكور وغفور، وفعيل، كقوله: رحيم وقدير.
ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التى هى صفة عامة كقوله: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وقد يدخل فيه الحذف الذى تقدم ذكره للمبالغة.
وأما حسن البيان، على أربعة أقسام:
كلام، وحال، وإشارة، وعلامة.
ويقع التفاضل فى البيان ولذلك قال عزّ من قائل: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ.
ثم البيان على مراتب، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه، من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه فى السمع، وسهولته على اللسان ووقوعه فى النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة، وإذا علا الكلام فى نفسه كان له من الوقع فى القلوب، والتمكن فى النفوس ما يذهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكى، ويحزن ويفرح، ويسكّن ويزعج، ويشجى ويطرب، ويهزّ الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزّة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا، ويرمى السامع من وراء رأيه مرمى بعيدا، وله مسالك فى النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة، وبحسب ما يترتب فى نظمه ويتنزّل فى موقعه ويجرى على سمت مطلعه ومقطعه يكون عجيب تأثيراته وبديع مقتضياته، وكذلك على حسب مصادره يتصوّر وجوه موارده.
стр. 761
فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه، تأمل قوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ فى شدة التنبيه على تركهم الحق والإعراض عنه، وموضع امتنانه بالذكر والتحذير.
وقوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ وهذا بليغ فى التحسير.
وقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر معودين لمخالفة النهى والأمر.
وقوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ هو فى نهاية الوضع من الخلة إلا على التقوى.
وقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وهذا نهاية فى التحذير من التفريط.
وقوله: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ هو النهاية فى الوعيد والتهديد.
وقوله: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ نهاية فى الوعيد.
وقوله: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ نهاية فى الترغيب.
وقوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وكذلك قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا نهاية فى الحجاج.
وقوله: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ نهاية فى الدلالة على علمه بالخفيات.
стр. 762
١١ وجوه مختلفة من الإعجاز
١- أبنية التصريف: ما يتخرج عليها الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ/ ٤/ الفاتحة/ ١/ «إياك» ، مضمرا، أو مظهرا:
فإذا كان مضمرا لم يحكم بوزنه ولا اشتقاقه.
وإذا كان مظهرا فيحتمل ثلاثة أضرب:
١- أن يكون من لفظ «آويت» .
٢- أن يكون من لفظ «الآية» .
٣- أن يكون من تركيب «أوو» .
(٢) وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ/ ٤٠/ البقرة/ ٢/ «إياى» [انظر الآية الأولى] .
(٣) وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ/ ٤١/ ٢/ ٢/ «إياى» [انظر الآية الأولى] .
(٤) وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ/ ٣/ آل عمران/ ٣/ «التوراة» ، إما أن تكون:
١- فعولة، من: ورى الزند يرى، وأصله «وورية» فأبدل من الواو تاء.
٢- وقيل: أصل «توراة» تفعلة، فقلب، كما قيل فى «جارية» : جاراة وفى «ناصية» : ناصاة.
(٥) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ/ ٣٤/ آل عمران/ ٣/ «ذرية» ، فعيلة، من «الذر» ، أو «فعلولة» ، من «ذرأ» .
(٦) وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا/ ٣٧/ آل عمران/ ٣/ «زكريا» ، إذا مد فالهمزة للتأنيث، ولا يجوز أن تكون للإلحاق، فإنه ليس فى الأصول شىء على وزنه فيكون هذا ملحقا به.
ولا يجوز أن تكون منقلبة، لأن الانقلاب لا يخلو من أن يكون من نفس الحرف، أو من الإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف، لأن الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف ولا يجوز أن تكون منقلبة من حرف الإلحاق، لأنه ليس فى الأصول شىء على وزنه يكون هذا ملحقا به.
(٧) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ/ ٤٤/ المائدة/ ٥/ «التوراة» . [انظر الآية: ٤] .
(- ٢٤- الموسوعة القرآنية- ج ٢)
стр. 763
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٨) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ/ ٥/ هود/ ١١/ «يثنون» ، على وزن «يفعوعل» بمعنى:
تنطوى، وأصله: يثنون وتكون «صدورهم» بالرفع، أى: تنطوى صدورهم انطواء وروى: يثنونى، من: «ائنونى» ، مثل: احلولى كررت العين للمبالغة وقيل يثنون، من: أثنى يثنى.
(٩) ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ/ ٦٧/ الإسراء/ ١٧/ «إياه» (أنظر: الآية الأولى) (١٠) كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ/ ٣٥/ النور/ ٢٤/ «درى» ، فعيل من «الدرء» الذى هو الدفع، مع تخفيف الهمزة (١١) فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
/ ٥٦/ العنكبوت/ ٢٩ «إياى» (أنظر: الآية الأولى) ٢- الازدواج والمطابقة (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ/ ١/ الفاتحة/ ١/ بضم اللام تبعا للدال، وقد تكسر الدال تبعا للام، للمطابقة.
(٢) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ/ ٥/ الفاتحة/ ١/ أبدلوا من السين صادا فى «الصراط» لتوافق الطاء فى الإطباق، لأن السين مهموسة والطاء مجهورة.
(٣) وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ/ ١٤/ البقرة/ ٢/ طابق به قوله: (يخادعون اللَّه) لفظا ومعنى.
(٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ/ ١٥/ البقرة/ ٢/ طابق به قوله: (إنما نحن مستهزئون) لفظا.
(٥) فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ/ ١٩٤/ البقرة/ ٢/ طابق به قوله: (/ فمن اعتدى عليكم/) لفظا.
(٦) أَنْبِئْهُمْ/ ٣٣/ البقرة/ ٢/ أبدلوا من النون ميما، لأن الميم توافق الباء فى المخرج وتوافق النون فى الغنة.
(٧) لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا/ ٣٤/ البقرة/ ٢/ بضم التاء تبعا للجيم (٨) وَمَكَرَ اللَّهُ/ ٥٤/ آل عمران/ ٣/ طابق به قوله: (ومكروا) لفظا.
(٩) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ/ ١٥٧/ آل عمران/ ٣/ بضم الميم من «متم» ليطابق ضم القاف فى (قتلتم) .
(١٠) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ/ ١٥٨/ آل عمران/ ٣/ بضم الميم من (متم) ليطابق ضم القاف فى (قتلتم) . وقد كسرت الميم فى سائر التنزيل.
стр. 764
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١١) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ/ ٣٦/ الأنعام/ ٦/ الأختيار النصب فى (الموتى) بإضمار فعل، على تقدير: ويبعث الموتى، ليكون معطوفان على (يستجيب) ، وعلى هذا يكون الوصل أحسن من الوقف على (يسمعون) .
(١٢) قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً/ ٣٧/ الأنعام/ ٦/ بتشديد (ينزل) ليطابق قوله (١٣) فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ/ ١٠١/ الأعراف/ ٧/ لم يقل: كذبوا به، فحذف الجار والمجرور ليطابق سياق الآية (وكذبوا فأخذناهم) .
(١٤) فَانْبَجَسَتْ/ ١٦٠/ الأعراف/ ٧/ أبدلو من النون ميما، لأن الميم يوافق الباء فى المخرج، ويوافق النون فى الغنة.
(١٥) سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ/ ٧٩/ التوبة/ ٩/ طابق به قوله «فيسخرون منهم» لفظا.
(١٦) إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا/ ٢٣/ يونس/ ١٠/ كسرت العين من (متاع) تبعاك (أنفسكم) .
(١٧) وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ/ ٧٨/ يونس/ ١٠/ بالتاء، لمجاورة قوله «أجئتنا لتلفتنا» .
(١٨) وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ/ ٩٤/ هود/ ١١/ أدخل التاء فى الفعل مع الفصل لمجاورة قوله: (كما بعدت ثمود) .
(١٩) طَعامٌ تُرْزَقانِهِ/ ٢٧/ يوسف/ ١٢/ بضم النون تبعا للهاء.
(٢٠) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ/ ٧٣/ الحجر/ ١٥/ نصب (الجان) بإضمار فعل، لأن قبله:
(ولقد خلفنا الإنسان) (٢١) فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ/ ٢٩/ النحل/ ١٦/ دخلت اللام على (بئس) لمجاورة قوله:
(ولنعم دار المتقين) (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ/ ١٠١/ النحل/ ١٦/ شدد لقوله: (قل نزله روح القدس) .
(٢٣) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ/ ١٢٧/ النحل/ ١٦/ ترك النون من (ولاتك) لأن سياق الآية:
(ولم يك) النحل: ١٢٠، بخلاف ما فى سورة النساء: ١٤١ فإنه بالنون.
(٢٤) حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا/ ٩٣/ الإسراء/ ١٧/ خصه، ابن كثير بالتشديد لمناظرة قوله:
(ونزلناه تنزيلا) الإسراء: ١٠٦.
(٢٥) وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ/ ٦٣/ الكهف/ ١٨/ بضم الهاء من (أنسانيه) للمطاقة، على قراءة حفص.
стр. 765
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٢٦) وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ/ ٤٨/ إبراهيم/ ٢١/ أدخل التاء فى الفعل مع الفصل، لمجاورة قوله:
(يوم تبدل الأرض) إبراهيم: ٤٨ (٢٧) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ/ ٣٩/ يس/ ٣٦/ برفع (القمر) ونصبه، فمن نصب نظر إلى قوله: (نسلخ منه النهار) يس: ٣٧، ومن رفع نظر إلى قوله: (وآية لهم الأرض) يس:
٣٣، (وآية لهم الليل) يس: ٣٧ بفتح النون، لتساوى: (المكرمين) من (٢٨) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ/ ٢٥/ يس/ ٣٦/ بعده، يس: ٢٧، و: (ترجعون) من قبله يس: ٢٢ (٢٩) ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً/ ٢١/ الزمر/ ٣٩/ بفتح اللام تبعا للعين، على قراءة ابن عامر.
(٣٠) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا/ ٣٥/ الشورى/ ٤٢/ بفتح الميم من «يعلم» تبعا للام، للمطابقة لفظا (٣١) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها/ ٤٠/ الشورى/ ٤٢/ طباق على المعنى (٣٢) أَتَعِدانِنِي/ ١٧/ الأحقاف/ ٤٦/ بفتح النون، تبعا للألف، وطلبا للمطابقة، (٣٣) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ/ ٣١/ الإنسان (الدهر) / ٧٦/ (والظالمين) منصوب بفعل مضمر ليضابق:
(يدخل) ، على تقدير: يدخل من يشاء فى رحمته ويعذب الظالمين.
(٣٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ/ ٥٣/ الكافرون/ ١٠٩/ لم يقل (من أعبد) ، لأن قبله: (ما تعبدون) ، يعنى الأصنام، فجاء على الازدواج والمطابقة.
٣- الاسم: حمله على الموضع دون اللفظ (١) وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ/ ٦٢/ آل عمران/ ٣، / (إلا اللَّه) رفع، محمول على موضع: (من وما من إله إلا الله/ ٦٥/ ص/ ٣٨/ إله) .
وخبر (من إله) مضمر، وكأنه قال:
اللَّه فى الوجود. ولم يجز حمله على اللفظ، إذ لا تدخل «من» عليه.
وهكذا جميع ما جاء فى التنزيل فى قوله (لا إله إلا اللَّه)
стр. 766
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٢) وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ/ ٦/ المائدة/ ٥/ إن نصب (وأرجلكم) محمول على موضع الجار والمجرور، ويراد «بالمسح» الغسل لأن مسح الرجلين لما كان محدودا بقوله: (إلى الكعبين) حمل على الغسل.
وقيل: هو محمول على قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) .
(٣) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً/ ١٦١/ الأنعام/ ٦/ (دينا) ، محمول على موضع الجار والمجرور، أى: هدانى دينا قيما.
/ ٥٩، / (٤) ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (فيمن/ ٥٩/ ٦٥/ الأعراف/ ٧/ محمول على موضع: (من إله) .
قرأ برفع: غيره) ٧٣/ ٨٢/ ٥٠، / ٦١/ ٨٤/ هود/ ١١ ٢٣، / المؤمنون/ ٢٣ ٣٢/ (٥) فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ/ ٧١/ هود/ ١١/ محمول على موضع الجار والمجرور، فى أحد الوجوه.
(٦) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ/ ٤٣/ الرعد/ ١٣/ فى موضع (من) وجهان: الجر على لفظة «اللَّه» ، والحمل على موضع الجار والمجرور، أى: كفاك اللَّه ومن عنده علم الكتاب.
(٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ ... ملة أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ/ ٧٨/ الحج/ ٢٢/ أى: جاهدوا فى دين اللَّه، أو ملة أبيكم، وهو محمول على موضع الجار والمجرور، أى: هدانى (٨) هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ، (فيمن رفع) / ٣/ فاطر/ ٣٥/ محمول على موضع الجار والمجرور.
(٩) لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ/ ٣٢/ الصافات، / ٣٧/ لفظه (اللَّه) محمول على موضع (لا إله) / ١٩/ محمد/ ٤٧/ (١٠) أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ/ ٥٣/ فصلت/ ٤١/ يجوز فى موضع (أن) الجر والرفع، فالجر.
على اللفظ، والرفع على موضع الجار والمجرور، أى: ألم يكف ربك شهادة على كل شىء.
стр. 767
٤- الاسمان؟؟، يكنى عن أحدهما اكتفاء بذكره عن صاحبه الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ/ ٤٥/ البقرة/ ٢/ لم يقل: (وإنهما، اكتفاء بذكر (الصلاة) عن ذكر (الصبر) .
(٢) وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ/ ١٢/ النساء/ ٤/ لم يقل: (ولهما) ، اكتفاء بذكر «الرجل» عن ذكر «المرأة» .
(٣) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
/ ١١٢/ النساء/ ٤/ لم يقل: (بهما) ، اكتفاء بذكر (الإثم) عن «الخطيئة» .
(٤) وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ/ ١٤١/ الأنعام/ ٦/ لم يقل: (أكلهما) ، اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر.
(٥) وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها/ ٣٤/ التوبة/ ٩/ لم يقل: (ينفقونهما) ، اكتفاء بذكر (الفضة) عن (الذهب) .
(٦) وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ/ ٦٢/ التوبة/ ٩/ التقدير: واللَّه أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه.
(٧) فإذا حبالهم وعصيهم تخيل إليه (فيمن قرأ بالتاء) / ٦٦/ طه/ ٢٠/ لم يقل: (تخيلان) ، اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر.
(٨) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها/ ١١/ الجمعة/ ٦٢/ لم يقل «إليهما» ، اكتفاء بذكر (التجارة) عن (اللهو) .
٥- اسم الفاعل:
(أ) مضافا إلى ما بعده بمعنى الحال أو الاستقبال (١) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ/ ٣/ الفاتحة/ ١/ الإضافة فيه إضافة غير تحقيقية، وهو فى تقدير الانفصال، والتقدير: مالك أحكام يوم الدين، وهو على هذا ليس صفة لما قبله، ولكن بدلا
стр. 768
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٢) هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ/ ٩٨/ المائدة/ ٥/ أى: بالغا الكعبة، إضافة فى تقدير الانفصال، أى: هديا مقدرا به بلوغ الكعبة، ليس أن البلوغ ثابت فى وقت كونه هدايا.
والحال هنا كالحال فى قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها (١١: ١٠٩) أى: مقدرين الخلود فيها.
(٣) ثانى عطفه/ ٩/ الحج/ ٢٢/ أى: ثانيا عطفه، والإضافة فى تقدير الانفصال، ولولا ذلك لم ينتصب على الحال (٤) وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ/ ٤٠/ يس/ ٣٦/ أى (سابق) النهار، بالتنوين.
(٥) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ/ ٣٨/ الصافات/ ٣٧/ أى: لذائقون العذاب الأليم، فالنية به ثبات النون، لأنه بمعنى الاستقبال.
(٦) هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ/ ٣٨/ الزمر/ ٣٩/ هو فى تقدير التنوين، دليله قراءة من نون ونصب (ضره) و (رحمته) (٧) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ/ ٢٤/ الأحقاف/ ٤٦/ أى: مستقبلا أوديتهم.
(٨) عارِضٌ مُمْطِرُنا/ ٢٤/ الأحقاف/ ٤٦/ أى: عارض ممطر إيانا.
(٩) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها/ ٤٥/ النازعات/ ٧٩/ التقدير (منذر) ، بالتنوين، ولعله قراءة يزيد، فقد قرأ بالتنوين.
(ب) مضافا إلى المسكنى (١) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ/ ٢٢٣/ البقرة/ ٢/ الهاء والكاف، فى هذه الآيات، جر بالإضافة، وليس فى موضع نصب، بحجة انتصاب «أهلك» - الآية الخامسة- إذ هى منصوبة بفعل مضمر، وليست معطوفة على المضمر المجرور، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور.
(٢) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ/ ١٣٥/ الأعراف/ ٧/ (٣) لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ/ ٧/ النحل/ ١٦/ (٤) إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ/ ٧/ القصص/ ٢٨/ (٥) إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ/ ٣٣/ العنكبوت/ ٢٩/ (٦) إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ/ ٥٦/ غافر/ ٤٠/
стр. 769
ج- متوهما جريه على ما هو له فلا يبرز فيه الضمير الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها/ ١٦١/ البقرة/ ٢/ (خالدين) حال من المجرور ب (على) . أى:
أولئك عليهم لعنة الله خالدين فيها، فقد جرى على غير من هو له فلم يبرز فيه الضمير.
وليست حالا من: (اللعنة) ، لمكان الكينونة المتصلة بها، وهى (فيها) .
(٢) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها. / ٨٧/ آل عمران/ ٣/ (خالدين) حال من المجرور ب (على) ، أى:
إن عليهم لعنة اللَّه خالدين فيها، فقد جرى على غير من هو له، فلم يبرز فيه الضمير.
وليست حالا من (اللعنة) لمكان الكينونة المتصلة بها، وهى (فيها) .
(٣) لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها/ ١٩٨/ آل عمران/ ٣/ (خالدين) حال من الضمير فى «ربهم» العائد إلى (للذين) .
(٤) يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها/ ١٤/ النساء/ ٤/ (خالدا) حال من الهاء فى: (يدخله) ، أى:
يدخله نارا مقدرا الخلود فيها، ولا يكون صفة (النار) ، لأنه لم يقل: خالدا فيها هو.
(٥) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها/ ٥٧، ١٢٢/ النساء/ ٤/ (خالدين) حال من (هم) فى (سندخلهم) العائد إلى (الذين) .
(٦) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها/ ٣٩/ النساء/ ٤/ (خالدا) حال من (متعمد) ، أى: يجزاه خالدا فيها.
ولا يكون (خالدا) حال من الهاء فى (جزاؤه) ، لأنه أخبر عن المصدر بقوله (جهنم) فيكون الفصل بين الصلة والموصول
стр. 770
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه ولا يكون حالا من «جهنم» لمكان (فيها) ، لأنه لم يبرز الضمير، ألا ترى أن الخلود ليس فعل جهنم.
(٧) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها/ ٨٥/ المائدة/ ٥/ (خالدين) حال من المفعول، دون: (جنات) .
(٨) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. / ٧٢/ التوبة/ ٩/ (خالدين) حال من المفعول، دون: (جنات) .
(٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها/ ٨٩/ التوبة/ ٩/ (خالدين) حال من الضمير فى «لهم» .
(١٠) وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها/ ١٠٠/ التوبة/ ٩/ (خالدين) حال من الضمير فى «لهم» .
(١١) لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ/ ١٤/ الرعد/ ١٣/ أى: ما الماء ببالغ فيه، أو: ما فوه ببالغ الماء، ولا يكون: وما فوه ببالغه الماء، ويكون الضميران ل (فيه) وفاعل (بالغ الماء) ، لأنه يكون جاريا على (فيه) وهو للماء، والمعنى: إلا كاستجابة كفيه إلى الماء.
(١٢) أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً/ ٢، ٣/ الكهف/ ١٨/ (ماكثين) حال من «الهاء والميم» .
(١٣) فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ/ ٤/ الشعراء/ ٢٦/ (خاضعين) محمول على حذف المضاف، أى: فظلت أصحاب أعناقهم، فحذف المضاف. وليس حالا من المضاف إليهم دون «الأعناق» ، لذا جمع جمع سلامة، ولو جرى على «الأعناق» لقيل: خاضعة.
стр. 771
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١٤) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها/ ١٩/ النمل/ ٢٧/ أى: مقدرا الضحك من قولها.
(١٥) لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ. / ٥٣/ الأحزاب/ ٣٣/ (غير ناظرين) نصب على الحال من الضمير فى قوله: (لا تدخلوا بيوت النبى) ، ولم يجر وصفا ل (طعام) لأنه لم يقل: غير ناظرين أنتم إناه، إذ ليس فعلا ل (طعام) .
(١٦) فَادْخُلُوها خالِدِينَ/ ٧٣/ الزمر/ ٣٩/ أى: مقدرين الخلود مستقبلا.
(١٧) بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. / ١٢/ الحديد/ ٥٧/ (خالدين) حال من (الدخول) المحذوف من اللفظ المثبت فى التقدير، ليكون المعنى عليه كأنه: دخول جنات خالدين، أى: مقدرين الخلود مستقبلا.
ولا يكون حالا من (بشراكم) ، على معنى: تبشرون خالدين فيها، لئلا يفصل بين الصلة والموصول.
(١٨) وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. / ٩/ التغابن/ ٦٤/ (خالدين) حالا من الهاء العائدة إلى (من) ، وحمل على المعنى فجمع.
(١٩) وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. / ٦٥/ الطلاق/ ٦٥/ «خالدين» حال من الهاء العائدة إلى «من» ، وحمل على المعنى فجمع.
٦- الأصل: رفضه واستعمال الفرع (١) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ/ ٦ و ٧/ الفاتحة/ ١/ جاء الاستعمال وكثرة القراءة بالصاد، وقد رفض فيه السين إلا فى القليل.
(٢) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ/ ٧/ الفاتحة/ ١/ الأصل: عليهمو، بالواو، لأنها بإزاء: عليهن، وكما أن المثنى المؤنث بحرفين، فكذلك المذكر وجب أن يكون بحرفين، إلا أنهم حذفوا الواو استخفافا وأسكنوا الميم، فقالوا: (علهيم)
стр. 772
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٣) كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ/ ٣٣/ الروم/ ٣٠/ الأصل: (لديهمو) . وانظر ما سبق فى (عليهم) . وكذلك الحال فى (إليهم) و (إليكم) و (فيهم) و (فيكم) وما شابه.
٧- إلا:
(ا) الأفعال المفرغة لما بعدها (١) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ/ ٨٣/ البقرة/ ٢/ (اللَّه) منصوبة ب (تعبدون) ، فرغ له.
(٢) وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ/ ٢٦٩/ البقرة/ ٢/ (أولو) مرفوعة ب (يذكر) ، فرغ له.
(٣) وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ/ ٧/ آل عمران/ ٣/ (اللَّه) مرفوعة ب (يعلم) ، فرغ له.
(٤) وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ/ ٩/ إبراهيم ١٤/ (اللَّه) مرفوعة ب (يعلمهم) ، فرغ له.
(٥) وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ/ ١٣/ غافر (المؤمن) / ٤٠/ (من) مرفوعة ب (يتذكر) فرغ له.
(ب) حمل ما بعدها على ما قبله، وقد تم الكلام (١) وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ/ ٢٤٦/ البقرة/ ٢/ التقدير: وما لنا فى أن لا نقاتل، وهو فى موضع الحال.
(٢) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا/ ١١٩/ الأنعام/ ٦/ التقدير: وما لكم فى أن لا تأكلوا، وهو فى موضع الحال.
(٣) وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ/ ٢٧/ هود/ ١١/ (بادى الرأى) منصوب بقوله «اتبعك» ، وجاز هنا لأن (بادى) ظرف، والظرف تعمل فيه رائحة الفعل.
(٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ/ ٤٣، ٤/ النحل/ ١٦/ (بالبينات) حمله قوم على (أرسلنا) ، وحمله آخرون على إضمار فعل دل عليه (أرسلنا) .
(٥) ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ/ ١٠٢/ الإسراء/ ١٧/ (بصائر) حال من (هؤلاء) ، والتقدير: ما أنزل هؤلاء بصائر إلا رب السموات والأرض. وجاز فيه هذا، لأن الحال تشبه الظرف من وجه.
стр. 773
٨- الأمر، ما جاء فى جوابه الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (١) فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا/ ٦١/ البقرة/ ٢/ (يخرج لنا) جزم، لأن التقدير: ادع لنا ربك وقيل له: أخرج، يخرج لنا مما تنبت الأرض.
(٢) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ/ ٣١/ إبراهيم/ ١٤/ فى «يقيموا» أقوال ثلاثة:
١- جواب (قل) ، لأنه يتضمن معنى: مرهم بالصلاة يفعلوا، لأنهم آمنوا.
٢- مقول (قل) ، والتقدير: قل لهم أقيموا الصلاة يقيموها، أى: إن قلت أقيموا أقاموا، لأنهم يؤمنون، ويكون جواب آمر محذوف دل ﵇.
٣- أن يكون بحذف اللام من فعل أمر الغائب، والتقدير: قل لهم ليقيموا الصلاة.
وجاز حذف اللام هنا، لأن لفظ الأمرها هنا صار عوضا من الجازم، وفى أول الكلام لا يكون له عوض إذا حذف.
(٣) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ/ ٥٣/ الإسراء/ ١٧/ التقدير فى (يقولوا) : قوله، لأنه إذا قال، «قل» فقوله لم يقع بعد، فوقوع (يفعل) فى موضع (افعلوا) غير متمكن فى الأفعال، فلما وقع التمكن وقع (افعلوا) .
(٤) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ/ ١٢/ النمل/ ٢٧/ أى: أخرجها تخرج.
٩- أن:
(ا) إبدالها مما قبلها (انظر: أن، إن، إبدالهما مما قبلهما) (ب) بمعنى: أى ولا تكون كذلك إلا بثلاثة شرائط:
١- أن يكون الفعل والذى يفسره، أو يعبر عنه، فيه معنى القول، وليس بقول ٢- ألا يتصل به شىء منه صار فى جملته، ولم يكن تفسيرا له.
٣- أن يكون ما قبلها كلاما تاما، لأنها وما بعدها جملة تفسير جملة قبلها.
(١) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ/ ١٢٠/ المائدة/ ٥/ (أن) بمعنى «أى» ، وهى تفسير «أمرتنى» ، لأن فى الأمر معنى «أى» .
стр. 774
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ/ ٥/ إبراهيم/ ١٤/ تكون «أن» بمعنى «أى» ، وتكون بإصمار الباء.
(٣) أَلَّا تَتَّخِذُوا/ ٢/ الإسرار/ ١٧/ «أن» بمعنى «أى» ، لأنه بعد كلام تام، فيكون التقدير: أى لا تتخذوا.
ويجوز وجهان آخران، وهما:
١- أن تكون الناصبة للفعل، فيكون المعنى: وجعلناه هدى كراهة أن تتخذوا من دونى وكيلا، أو: لئلا تتخذوا.
٢- أن تكون «أن» زائدة، وتضمر «القول» .
(٤) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا/ ١٠٤، ١٠٥/ الصافات/ ٣٧/ أجاز الخليل أن تكون «أن» على «أى» ، لأن (ناديناه) كلام تام، ومعهاه: قلنا يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا (٤) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا/ ١٠٤، ١٠٥/ الصافات/ ٣٧/ (ج) حذفها (١) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ/ ٨٣/ البقرة/ ٢/ التقدبر: بأن لا تعبدوا إلا اللَّه، فلما حذفت «أن» عادت النون فى: (تعبدون) .
(٢) لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ/ ٨٤/ البقرة/ ٢/ التقدير: بأن لا تسفكوا دماءكم، فحذفت وعادت النون فى: (تسفكون) .
(٣) فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ/ ٨٥/ البقرة/ ٢/ «أن» مضمرة، وهى مع الفعل فى تقدير مصدر معطوف على (خزى) .
(٤) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ/ ٨٦/ آل عمران/ ٣/ أى: بعد إنمانهم أن يشهدوا، فحذفت «أن» ليصح عطفه على إيمانهم.
(٥) أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ/ ١٢٨/ آل عمران/ ٣/ على إضمار «أن» بعد «أو» ، ولا يكون عطفا على ما تقدم، حتى لا يفصل بين الصلة والموصول بقوله: (ليس لك من الأمر شى) ، والموصول هو قوله: ((بشرى لكم) لأن الكلام من قوله: (ليقطع) (الآية: ١٢٧) متعلق به، وقوله: (وما النصر) (الآية: ١٢٨) اعتراض
стр. 775
الآية/ رقمها/ السورة/ رقمها/ الوجه (٦) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا (فيمن قرأ بالياء) / ٥٩/ الأنفال/ ٨/ أى: أن سبقوا، ليصح قيامه مقام المفعولين.
(٧) مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ/ ٢٥/ العنكبوت/ ٢٩/ أى: ثم كفر بعضكم ببعض يوم القيامة، فأضمر «أن» .
(٨) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ/ ٦٠/ الزمر/ ٣٩/ أى: ويوم القيامة رؤية الذين كذبوا على اللَّه، لأن قبله: (أن تقول) (الآية: ٥٦ (و) أو تقول () الآيتان: ٧٥، ٥٨) (ء) زيادتها (انظر: الحرف، زيادته) ١٠- إن:
(ا) زيادتها (انظر: الحرف، زيادته) (ب) المخففة من «إن» ، لزوم اللام فى خبرها (١) وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ/ ١٩٨/ البقرة/ ٢/ لزمت اللام فى خبرها (٢) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ/ ١٦٤/ آل عمران/ ٣/ لزمت اللام فى خبرها (٣) وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ/ ١٠٢/ الأعراف/ ٧/ لزمت اللام فى خبرها (٤) إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ/ ٢٩/ يونس/ ١٠/ لزمت اللام فى خبرها (٥) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا/ ٤٢/ الفرقان/ ٢٥/ لزمت اللام فى خبرها (٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا/ ١٦٧/ الصافات/ ٣٧/ لزمت اللام فى خبرها (٧) وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا (على قراءة من خفف «لما» ) / ٣٥/ الزخرف/ ٤٣/ لزمت اللام فى خبرها
следующие страницы →