← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 23611

المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب

بكر أبو زيد

Полный текст (1 073 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الواحد للمخطئ " مع اعتقاد أَن الحق واحد. وقد رجع كبار الصحابة ﵃ في مسائل لما اتضح لهم الدليل، وهكذا المهتدون بهديهم إِلى يومنا هذا، فالرجوع يكون لدليل، وهذا عين الاقتداء ومحض الطواعية لله ولرسوله ﷺ ، فإِن كان رجوعاً إلى رأي مجرد فهو تقليد، ومن لم يرجع إلى الفهم السوي للدليل بين له حتى يعلم الصواب من الخطأ، وتبرأ الذمم. ٦- حِكْمَته: تترجم هذه بآثاره، أو حِكمته، أو فائدته، وهي: ١- أَن الاختلاف بهذا الاعتبار من كمال الشريعة وشمولها، وسعتها، والتوسعة على العباد والرحمة بهم. وكونه رحمة للخلق وتوسعة عليهم، هو من جهة مَنح الشرع المطهر للمجتهد: الاجتهاد في استنباط أَحكام النوازل من الأَدلة الشرعية، لا أَن يقول الِإنسان بقول أَحدهم من غير أَن يكون الصواب لجانب ذلك القول كما حرره ابن عبد البر في: " جامعه ": (٢/ ٨٢- ٨٣) . أَما الأَخذ على التخيير، فَهوَ فيما ورد في الشرع من مسائل فيها: " اختلاف تنوع " لا تضاد. وقد جاءت الشريعة باختلاف التنوع بخاصة في العبادات كما في صيغ: الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتحيات، والصلاة الإبراهيمية، والدعاء بين السجدتين، والسلام، وغيرها كثير مع ما فيها

стр. 107

من تفضيل بعضها على بعض. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: ما يسرني أَن أَصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأَخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة. " الفتاوى: (٣٠/ ٨٠) ". ورحم الله الإمام أَحمد فإِن تلميذه إِسحاق بن بهلول الأَنباري سمى كتابه: " كتاب الاختلاف " فقال له أَحمد: سَمَهِ " كتاب السعة " كما في ترجمته من: " الطبقات ". وفي ترجمة: طلحة بن مصرف- رحمه الله تعالى- من " الحلية: (٥/١١٩) " قال عنه موسى الجهني: " كان طلحة إِذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا: الاختلاف، ولكن قولوا: السعة " انتهى. وقال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " المغني ": " أَما بعد: فإِن الله برحمته وطوله وقوته وحوله، ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وجعلَ السبب في بقائهم بقاءَ علمائهم، واقتداءهم بأئمتهم وفقهائهم، وجعلَ هذه الأُمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأَظهرَ في كل طبقة من فقهائها أَئمة يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رأيها، وجعل في سلف هذه الأمَّة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بِهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة

стр. 108

قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة ... " انتهى وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في: " الفتاوى: ١٤/١٥٩ ": " والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنَّف رجل كتاباَ سمّاه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه؛ لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) " انتهى. وقال أيضًا: " ٣٠/ ٨٠ " في جواب له على منع الإلزام بالمختلف فيه: ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز ... وذكره " انتهى. وقال الشيخ مرعي الحنبلي كما في: " عمدة التحقيق " لسعيد الباني: (ص ٣٧) : " إن اختلاف المذاهب في هذه الملة رحمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، فاختلافها خصيصة لهذه الأمَّة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة انتهى. ويتحصَّل من هذا التقرير أن هذا النوع من الخلاف ضرورة تمليه: الشريعة، واللغة، واختلاف أحوال البشر وتغيُّر أنماط الحياة

стр. 109

وأَن من يدعو إلى جمع الناس على رأي واحد، أو مذهب واحد في كل ما جاز فيه الخلاف، فقد رام الشطط، ونفخ في غير ضرم، وتحجر رحمة الله وهي أَوسع. وهُنا يورد بعض طلبة العلم: قول الله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وهذا من الخطأ في فهم كتاب الله تعالى. وبيانه: أَن أهل الاجتهاد من علماء أمة محمد ﷺ ليس الخلاف ملازماً لهم في كل أمور دينهم، فهم غير داخلين في قوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) وإنَّما هم داخلون فيمن تداركهم الله برحمته في قوله- سبحانه-: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهم مرحومون بإجماعهم على أصول الدين وفروعه المجمع عليها ومشمولون بالرحمة باختلافهم؛ لاختلاف الفهوم في الفروع غير المتفق عليها، توسعة من الله عليهم ورحمة بهم؛ لاختلاف أَحوالهم، وتعدد نوازلهم، فآل اختلافهم فيها كاتفاقهم فيما سواها، الكل رحمة من الله لهم. وللعلاَّمة الشاطبي- رحمه الله تعالى- فضل التنبيه المفصَّل على ذلك في: " الاعتصام: ٢/١٦٨-١٧٣ " فلينظر والله أعلم. ٢- وبه تعرف عُمق فقه السلف حين نهوا عن: " الأغلوطات " (١) وهي السؤال عما لم يقع، وعن التعمق في ذلك، وهو ما عرف بعد

стр. 110

باسم: " الفقه التقديري "، لأنه حكم على الصورة المنقدحة في الذهن دون معرفة مَا يَحف بِها، فَتُرِكَ ذلك واجتهاد الناس لما فيه من أمور مستقبلية تؤثر على النتيجة الحكمية، حسب اختلاف الأَزمان، وحسب اختلاف الأَشخاص، وحسب اختلاف الأَحوال والأَماكن، وحسب اختلاف الأَعراف والعوائد، وحسب تقدير المصالح العامة والخاصة. قال الزمخشري عند قول الله تعالى. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) : " الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأَحوال والأَوقات فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أَي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم " انتهى وهذا يوقفك بانبساط على معنى قول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: ٨٩] فهو تبيان لكل شيء بأصوله وقواعده الكبيرة الكلية الشاملة، كل واحدة منها كَالجِذْع تتفرع منه الأَغصان. وكم وراء هذا المنهج الاستنباطي من حِكَمٍ ومصالح، منها: ترويض النفوس على إِجالة النظر، والصبر والدأب، وتحريك الثروة الفقهية طلباَ لمزيد الربح من استنباط الأَحكام، وعمارة الحواس باستخراجها، وهذا من فضائل هذا الدّين، وسعته وشموله، وأَنه دين رحمة وسعة ورأفة بالخلق من الخالق، ولهذا رأينا جهود العلماء

стр. 111

تتبارى، وصريف أَقلامهم يتجاوب على امتداد الزمن لِمَدَ حركة الفقه، وبسط أَحكامه لقاء تسلسل القضايا، وتتابع الأَحداث، واختلاف المفاهيم؟ ليبقى ظِلُ الفقه ممدوداً لا قالصاً، والأَجر على الاشتغال به كاملاً موفوراً لا ناقصاً، وهذا من المزيد في فضائل أمة محمد. وانظر إلى حكمة الله سبحانه في إِخفاء ليلة القدر ليجتهد المسلمون في الطلب فيزداد التهجد والتعبُّد في جميع ليالي العشر، وهذا من رحمة الله بعباده، وتقوية النفوس على التعبُّد، وكذلك هنا تشحذ الهمم على التفقُه، وتجول الأَفكار، وتتحرك الأَنظار، وينمى رأس المال بما يتفق ومصالح العباد في الحال والمآل. وقد أَلف السيوطي رحمه الله تعالى في فتح باب الاجتهاد وبيان نعمة الله بهذه المنح الِإلهية لعلماء أُمة محمد ﷺ وانتصر لمذهب الإمام أَحمد في ذلك، وَرَدَّ على المخالفين من أهل مذهبه الشافعية وغيرهم في كتابين: " الرد على من أَخلد إلى الأَرض وجهل أَن الاجتهاد في كل عصر فرض " و " تيسير الاجتهاد ". ومن هنا جاءت في كل مذهب هذه الثروة الفقهية العظيمة، وبدا فيها من عجائب الفقه والتفقه، وتعليل الأَحكام، وبيان مداركها، وتحقيق مناطها، وآثار اختلاف الأَفهام، وفائدة الخلاف؛ ما بهر العقول، وبلغ الألوف، ومنه في هذا المذهب المبارك إذ جاوزت كتبه الألف

стр. 112

في الفقه وأصوله وقواعده، فلله الحمد وله النعمة والفضل. ٣- إِلقاء حكمة الابتلاء والاختبار، لمن يطلب الحكم بدافع معرفة الحق، ومن يطلبه بدافع الهوى والتشهي، والترخُّص بتتبع الآراء الشاذة، والأقوال الغثة. ٤- وبهذا التقرير يعرف السِرَّ في إقرار كل فريق على العمل باجتهاده، والسر في عدم جواز حمل السلطان الناس على أَحد القولين أو الأقوال وإِلزامهم به، أو على مذهب فلان وفلان، كما قال مالك وغيره من الأَئمة: ليس للفقيه أَن يحمل الناس على مذهبه، وفي عدم جواز الِإنكار باليد في المسائل الاجتهادية، لكن يُبين الفقيه بسلطان الحجة العلمية ما يعتقده، ولا يلزم أَحد باتباعه، ولا ينكر عليه باليد إذا خالفه، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: " الفتاوى " ٣٠/ ٧٩- ٨١ "، " ١٩/ ١٢٥- ١٢٦ " فالسلطان هنا للحجة والعلم لا المقدرة وبسط اليد. ٥- تكثير أجور أُمة محمد ﷺ إِذْ جعلَ أَجرين لمن اجتهد وأَصاب، وأَجرا واحدا لمن اجتهد فأَخطأ. ٦- ثم " الخلاف " سنة من سنن الله كَوْنا وَقَدَراَ، ودينا وشرعًا، ولهذا تراه في القرآن الكريم عن " ملائكة الرحمن ": (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [ص/٦٩] ، وبين أنبياء الله ورسله كما في قصة موسى وهارون، وقصة موسى والخضر، وقصة داود وابنه

стр. 113

سليمان، وهكذا. وفي السنة المشرفة: محاجة آدم وموسى، وقصة داود وسليمان في شأن المرأتين المختصمتين في طفل، واختصام الملائكة في مصير الرجل الذي قتل مائة نفس إلى آخر ما بسطه ابن الوزير في: " إِيثار الحق "، ثم قال: فدلَ على اتساع الأمر فيما الـ ... كرام فيه خالفت الكراما وما سبب الخلاف سوى اتساع الـ ... علوم هناك نقصا أَو تماما ولم يفلح أَبداً من تصدَّى للاجتهاد كُلاّ أو جزءاً وهو غير متأهل ديناً، وعلماً، وفقهاً، يدفعه حب الظهور، والولع بالشذوذ، وضغط الإسلام للواقع، وضغط النصوص للوقائع، وتحميل النصوص ما لا تحتمله، وممالأة الولاة، وتصيد الرغبات، وتسويغ تصرفاتهم باسم الشرع المطهَّر، والجرأة على الفتيا، والمسارعة إليها: " ها أنذا فاعرفوني " فيصدر من الفتاوى بما يصح أَن نُلقبه باسم: " الفتاوى المغتصبة ", ومنها إصدار " الفتاوى الطائرة " في المجالس، والجلسات العارضة، في كبريات المسائل والنوازل، مِمَّا لو حصل في الصدر الأول لَجَمَع له أَبو بكر- ﵁: عمر، ومن معه من وجوه الصحابة- ﵃. وهكذا في موجة نكدة يأباها الله ورسوله والمؤمنون. ولم يُفْلح من جعل من هذا النوع من الخلاف محنة وشعارا

стр. 114

يعقد الولاء على الموافقة له، والبراءة على المخالفة له فيتخذه منفذاً للفرقة، وَبَثِّ الفتنة والتعادي بجعل المخالف خصما لدوداً، وخلافه مشؤوماً، والنفخ في الانتصار لمدرسة على أخرى لا للدليل وداعي الطواعية لله ولرسوله ﷺ ، لكن للعصبية والهوى، حتى تطور هذا العداء إلى مواجهات من التنازع والاختلاف، والخصام والتدابر ثم جرَّت هذه إلى مواجهات عسكرية، ومن نظر في: " معجم البلدان " والبحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (٣/ ١١٥) وغيرهما رأى من نماذج هذه المواجهات ما يأباه الله ورسوله والمؤمنون. ومن هنا وجد المندسُّون في الصف الإسلامي فرصة لتشييد هذه المواجهات، تبديداً لوحدة المسلمين، وتفريقا لجماعتهم، فليحذر المسلم الولوج في هذه المضايق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في " الفتاوى ٣٢/١٣٧ " في معرض بحثه بعض المسائل الخلافية الفقهية: (وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة، حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة، وأَهل الِإلحاد ... ) انتهى. ونحوه لدى ابن الوزير في: " الإيثار ٣٧٥ ". وقد وصلَ إلى بعض الكتب المعتمدة لأئمة كبار يُشار إليهم بالبنان في العلم والإيمان، نَفْثَةٌ بعبارات كان الأجمل: التحامي عنها،

стр. 115

منها: " قال الخصم " كما في: " التحقيق " لابن الجوزي، و " أَحاديث الخصوم " كما في: " نصب الراية " للزيلعي، و " وأَمَا حديثهم " كما في: " المغني " لابن قدامة، فيا ليتها لم تحصل، كما تركوا نظيرتها من العبارات. " آيات الخصوم " و " وأَمَّا آيتهم " - غفر الله للجميع بمنه وكرمه-. ولم يفلح من جعلَ هذا النوع من الخلاف سبيلاً إلى تسويغ ما لا يجوز فيه الخلاف من أمور الاعتقاد، وغيرها، فهذا تفريط في جنب الله، وتعدٍ لحدوده، ولا يقول بهذا إلَّا أهل الأَهواء؛ لنشرها، وإفشاء البدع والجهالات، وإنكار هذا هو موضوع رسالة: " إِتمام المنة والنعمة في ذم اختلاف الأمة " للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ت سنة (١٢٩٢هـ) - رحمه الله تعالى- واليوم نُصَوِّبهُ رداً عل فاتحة كتاب: " صفحات في أدب الرأي " ولم يفلح من جعل هذا النوع من الخلاف سبيلاً إلى النيل من هذا الدِّين وإلى علمائه المجتهدين، لما تقدم. ولم يفلح من جعل من هذا الخلاف سبيلاً إلى تتبع رخص المذاهب، ونادر الخلاف، وندرة المخالف، والتقاط الشواذ، وتبني الآراء المهجورة، والغلط على الأَئمة ونصبها للناس ديناً وشرعا وقده بينت ذلك مبسوطاً في: " التعالم ". ومنها إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة، مثل: الفتوى بجواز الفوائد الربوية، وشهادات الاستثمار وسندات الخزينة، وفتوى إباحة

стр. 116

التأمين، وفتوى إِباحة السفور، وفتوى إِباحة الاختلاط. وكلها فتاوى شاذة فاسدة تُمالئ الرغبات، وبعض التوجهات، وقد رفضها المسلمون، وبقيت في دفاتر مصدريها يحملون مسؤليتها، نسأل الله السلامة والعافية، وهي حقيقة أَن تُلقب باسم: " الفتاوى المغتصبة "، وللشاطبي- رحمه الله تعالى- في: " الموافقات: ٤/ ٢٥٩- ٢٦٠ " كلام نفيس في أَن تتبع الخلاف، والقول الشاذ؛ من اتباع الهوى. والله أعلم. وكل هذه أذايا يُحَارِبُ بها المسلمون أَنفسهم، ويَصْدَعُوْنَ بها صَفَّهم، ويَسْتَعْدُوْنَ بها الكافرين عليهم!! ولإحساس العلماء بالخطر من إِثارة النقع في هذه القضية، أَصدر المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي قراره رقم ٩ في ٢٤/ ٢/ ١٤٠٨هـ وهذا نصه: " الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٥٨هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م إلى يوم الأَربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ. الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧م قد نظرَ في موضوع الخلاف الفقهي بين

стр. 117

المذاهب المتبعة، وفي التعصب الممقوت من بعض أَتباع المذاهب لمذهبهم تعصبا يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابه إلى الطعن في المذاهب الأخرى وعلمائها. واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه، فيوحي إليهم المضللون بأَنه مادام الشرع الإسلامي واحداً وأصوله من القرآن العظيم والسُّنة النبوية الثابتة متحدة أيضا، فلماذا اختلاف المذاهب؟ ولمَ لا تُوحَّد حتى يصبح المسلمون أمام مَذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة؟ كما استعرض المجلس أيضا أمر العصبية المذهبية والمشكلات التي تنشأ عنها، ولاسيما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا، حيث يدعو أَصحابها إلى خط اجتهادي جديد، ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقتها الأمَّة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أَئمتها أو بعضهم ضلالا، ويوقعون الفتنة بين الناس. وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته ونتائجه في التضليل والفتنة، قرر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كلا الفريقين: المضللين والمتعصبين؛ تنبيهاً وتبصيرا: أولا: حول اختلاف المذاهب: إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:

стр. 118

(أ) اختلاف في المذاهب الاعتقادية (ب) واختلاف في المذاهب الفقهية فأَما الأول: وهو الاختلاف الاعتقادي، فهو في الواقع مصيبة جرَّت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقّت صفوف المسلمين وفرقت كلمتهم، وهي مما يؤسف له ويجب أَن لا يكون وأَن تجتمع الأُمة على مذهب أَهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي السليم في عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلافة الراشدة التي أَعلن الرسول أًنها امتداد لسنته بقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " وأَما الثاني: وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل فله أَسباب علمية اقتضته، ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة ومنها الرحمة بعباده وتوسيع مجال استنباط الأَحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أَمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصراً لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أَحد الأَئمة الفقهاء في وقت ما أو في أَمر ما وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقاً ويسراً، سواء أَكان ذلك في شؤون العبادة أَم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء والجنايات على ضوء الأدلَّة الشرعية فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب، وهو الاختلاف

стр. 119

الفقهي، ليس نقيصة ولا تناقضاً في ديننا، ولا يمكن أَن لايكون، فلا يوجد أُمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي. فالواقع أَن هذا الاختلاف لا يمكن أَن لا يكون؛ لأن النصوص الأَصلية كثيراً ما تحتمل أَكثر من معنى واحد، كما أَنَّ النص لا يمكن أَن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير محدودة، كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فلابد من اللجوء إلى القياس، والنظر إلى علل الأَحكام، وغرض الشارع، والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الواقع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أَحكامهم في الموضوع الواحد، وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه، فمن أَصاب فله أَجران، ومن أَخطأ فله أَجر واحد، ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج. فأَين النقيصه في وجود هذا الاختلاف المذهبي الذي أَوضحنا ما فيه من الخير والرحمة؟ وأَنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأَن تتباهى بها الأمَّة الإسلامية، ولكن المضللين من الأَجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم ولاسيما الذين يدرسون لديهم في الخارج، فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافاً اعتقادياً؛ ليوحوا إليهم

стр. 120

- ظلماً وزوراَ- بأَنَّه يدل على تناقض الشريعة، دون أَن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين، وشتَّان ما بينهما. ثانيا: وأما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أَن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأَئمتها ما يوجب عليهم أَن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه، ويضللون به الناس ويشقون صفوفهم، ويفرقون كلمتهم، في وقت نحن أَحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة من أَعداء الإسلام، بدلاً من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيراً والحمد لله رب العالمين " انتهى. والآن قد علمت الجواب ممَّا تقدَّم مبسوطا، وخلاصته: أَنَّه لايوجد اختلاف تضاد أَصلاَ من جهه التنزيل والوحي في أَي أَمر من أمور الشرع المستمرة الحكم، وأَن هذا أيضا مستمر الحكم في الأصول الملية، والقواعد الكلية، وكثير من الفروع الشرعية، وأَن الخلاف الحاصل في شيء منها اختلاف باطل مذموم لا يأتي به الشرع أصلاً، وأَما الخلاف الحاصل في فروع تشريعية سوى المجمع عليها إنما جاء من قبل اختلاف فهوم المجتهدين لا غير على

стр. 121

ما مضى تفصيله وتوجيهه، وأَنه لا عيب على الدِّين ولا على المجتهدين، وأَن في هذا من الحِكَمِ والأَسرار التشريعية، الخيرَ الكثير والفضلَ النمير * وبعد: فلينعقد قلب المسلم على أَصل الدِّين وقاعدته: كمال الدّين وشموله، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [الماندة: ٣] وأنَّ اختلاف الفهوم في تقدير الواقعات وتطبيق الحكم الشرعي عليها، واختلافها في مقاييس التصحيح والتضعيف: من كمال الدِّين وتمام النعمة وسعة الشريعة، ولا يمس شيء من ذلك البتة كمال دين الله وتمام شرعه، بل هو من كماله وتمامه على الوجه المشروع. وهو- لعمر الله- مشروط بصدوره من متأهل نابذٍ لأَمراض الشهوة والشبهة من الهوى، والتعصب المذهبي، فهو كناشد الضالة؛ هَمُّهُ الحصول عليها على يده أو على يد غيره، وهذا هو هدي الصحابة ﵃ ومن قفا أثرهم إلى يومنا هذا، ثم كان مسعاهم هذا ليشغلوا أَنفسهم بالعمل به لا للمراء والجدل، فهم أَرباب علم وعمل- وفقنا الله لسلوك سبيلهم-. وبهذا تعلم أَن انقداح خلاف ذلك في النفس: من أَمراض الشبهات، وقد تساقط في مجاهلها أَفراد لم تتجاوز كلماتهم شفاههم، بدءاً بالحسين بن علي الكرابيسي، المتوفى سنة (٢٤٨ هـ)

стр. 122

قال أَبو طالب أَحمد بن حميد المشكاني كما في ترجمته من: " الطبقات ": " أخبروني عن الكرابيسي أَنه ذكر قول الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) الآية. قال: لو أَكمل لنا ديننا ماكان هذا الاختلاف، فقال- يعني أحمد بن حنبل-: هذا الكفر صراحا ". انتهى والكرابيسي كان مُسَاءاً، مَرْمِيًّا بالتجهم. ونهاية بصاحب كتاب: " كشف الأَستار " إِذ قال- قبَّحه الله- بعد سياق آية المائدة المذكورة: " وأوضِّح بأَن النبي لو كان قد بلغ بأَمر الإمامة طبقاً لما أَمر به الله، وبذل المساعي في هذا المجال؛ لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت ثمة خلافات في أصول الدِّين وفروعه " انتهى. وقوله هذا أَكفر من كلام الكرابيسي، وكلاهما يستسق من عين واحدة: مرض الشبهة، وتبني الخلاف الباطل المذموم شرعاً وهكذا مَنْ سَلَّمَ نفسه لداعى الهوى؛ رمته الأَهواء في معاطب لا مخلص له منها، ويبقى فيها فريداً، وإن ضلَّ به أَقوام، ويبقى الحق ماكثاً في الأَرض ينفع الخلق، ويتمحص به الحق من الباطل. ولهذا فليجعل المسلم كلمات السلف وسيرتهم مرآة له ينظر من خلالها في القدوة والاقتداء بالشرع المطهَّر وليحذر الانضواء تحت أذيال أهل الأَهواء والالتفات إليها، لما فيه من فساد الانتماء إلى الإسلام فاحذروا.

стр. 123

ولا تستطل هذا الفصل، فإن إطالته أقعد للفهم، وهذا فَضْل وطَوْل، ودعوة إلى جعل الخلاف الجائز سبيلاً للوفاق والوئام ونبذ التعصب والتنابذ وسترى- إِن شاء الله تعالى- البيان عن الثروة الفقهية في فقه مذهب الإمام أَحمد، المتوفى سنة (٢٤١ هـ) - رحمه الله تعالى- والمَجْدِ الفِقْهِيِّ الذي خَلفه لنا عُلَمَاءُ المذهب خِلاَلَ اثني عشر قرناً، في: المدخل الثامن ".

стр. 124

المبحث السادس: في شروط نقل المذهب، والتوقِّي من الغلط فيه وأسباب الغلط وهذا المبحث ينطوي على أَمرين: - الأَمر الأول: شروط نقل المذهب (١) : في كُلّ عِلْم طَريقه النَّقْلُ المُصَدَّق، من الحديث، والأَثر والتاريخ، والأخبار ... استقرأ العلماء الشروط الواجب توفرها في الناقل، وما ينقله، أو يقال في: " الراوي والمروي " وفي: " المُخْبر وخَبَره " وأَكثر من أَولى ذلك فائق العناية، علماء الحديث، وأَئمة التفسير ثم قفاهما علماء العلوم النقلية، من المؤرخين، والِإخباريين، ونحوهم. وفصَّلوا القول في الشروط بنوعيها، وهي في جملتها، وتفصيلا تنطبق على نقل فقه المذاهب، وبيان نوعيها كما يأتي:

стр. 125

- النوع الأول: شروط تتعلق بالراوي، وهي أَربعة: الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط. ومحترزات كل شرط معلومة، وبخاصة لدى المحدِّثين في كتب الاصطلاح. ومعلوم أَن " شرط الإسلام " شرط أَوَّلي مُسَلَّمٌ به، لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، فكان أهل الإسلام يصدون صدوداً بالكلية عن مرويات الكافرين بل لا يتجرأُ الكفرة على الرواية، ثم انقلبت القَوْسُ رَكْوَة في هذا الزمان، الذي امتدت فيه أيدي الكافرين إلى مؤلفات المسلمين فانتشرت منهم البحوث، والدراسات، وتلقاها أَفراد من المسلمين بالحفاوة والتكريم، فدَاخَلَتْ النّقوْلُ عَنْهُم بَعْضَ كُتُب المؤلِّفين من المسلمين، وهذا من مواطن الِإثم، وإن كان ما لديهم من الحق، فإِن لدى المسلمين أَضعافه، وأعيذك بالله أَيُّها المسلم الفقيه، أَن تجلب إلى ما تكتبه أي نقل عن كافر، إِلاَّ على سبيل النذارة والتحذير من تحريفاتهم، وجهالاتهم، وأَغلاطهم على الشرع المطهَّر. - النوع الثاني: شروط في المروي: وهي: ١- ثبوت الرواية له عن الإمام. ٢- أَن يموت وهو قائل به. ٣- أَن يكون بنص لفظه لا نقلاً له بالمعنى، أو أَي تصرف فيه. ٤- تسمية من رواه

стр. 126

٥- معرفة جنس المروي هل هو من قول الإمام، أو فعله، أو تقريره، أو تقارير طلاَّبه عنه. ٦- حصر المروي عن الإمام في تلك المسألة. ٧- تخليص الرواية الصحيحة من الضعيفة. ٨- تنزيل أقوال الإمام منزلتها حسبما يحف بها على مراد الإمام واصطلاحه فيها. ٩- هل قاله بدليل أَم لا؟ ١٠- صحة المروي من التصحيف، والتحريف. ١١- معرفة المُدَوَّن في كتب المذهب، هل هو كذلك أَم لا؟ ١٢- الوصول إلى معرفة المذهب بطريق من طرق معرفته. ١٣- معرفة الراجح عند الاختلاف بواحد من مسالك الترجيح فيه. ١٤- تفريق الفقيه بين ما في كتب المذهب رواية، وبين ما كان تخريجا للأَصحاب، وبين ما كان فقها للصاحب من غير ارتباط بالمذهب. ١٥- إِذا كان تخريجا للأَصحاب، فهل توافرت فيه شروط التخريج على المذهب، على قواعد المذهب، ونصوصه؟

стр. 127

- الأَمر الثاني: في التوقي من الغلط في نقل المذهب وأسباب الغلط: القول بلا علم من أَعظم الظلم، وأَعظمه القول على الله - تعالى-، ومنه القول على رسول الله ﷺ ، ويلي ذلك القول على أهل الفقه والفتيا من الصحابة- ﵃ بل على جميع الصحابة، ثم القول على إِمام في الفقه والدِّين من علماء التابعين، وهكذا من مراتب القول بلا علم على العلماء وغيرم، حسبما يحصل من آثار وأَضرار. ومنه: " التجاوز في نقل المذاهب " والتقول " والمجازفة، فتجد من السهولة بمكان أن يرى الناظر فرعاً في كتب المذهب المغلوطة، فيقول: " مذهب أَحمد كذا وعليه الأصحاب " لاسيما في مقامات الانتصار وتكثير الجمع، ومواجهة الخصم، وهو قول أَجنبي عن المذهب، محكوم بغلطه، أو مخرج في المذهب لَمْ يَفُهْ به الإمام. ويكثر هذا في حق المشاهير من أهل العلم، لاسيما إذا كان من الفقهاء المتبوعين. وكل هذا لا يعنينا هُنا؛ لأَنه مما تَعَمَّدُهُ القلوب، فهو من مواطن الإثم. لكن الذي يعنينا هنا: هو أن تعلم: كما أن الأصل في " الفطرة " هو السلامة، والانحراف طارئ عليها، وأَن الأصل في: " البدن " هو الصحة، والمرض عارض له، فكذلك الأصل في " العلوم ": الصحة، وفي

стр. 128

" الكتب ": الثبوت، والسلامة من الغلط، والوهم، والخطأ، والسهو، والسقط، وعبور النظر، وغيرها من الأمور العارضة، لكنها في البشر فاشية، مع رفع الِإثم والحرج لعدم العمدية والقصد. وهذه الأمور العارضة، داخلت صفوف العلماء من علماء الشريعة والآلة، وأَصحاب الحرف، والصنائع الأُخرى، من الطب، والهندسة، والمساحة، وغيرها، بل الغلط عند غير علماء الشريعة من المتكلمين والمتفلسفة، أَكثر مما هو عند الفقهاء، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " الفتاوى ٩/ ٢١ "، وهو عند أَرباب العلوم العددية، كالمساحة، والهندسة، والفرائض، أَقل من غيرهم، كَمَا نبه عليه ابن قتيبة في: " اختلاف الحديث ". وهذا فَنّ طريف ومهم دقيق من فنون العلم، وقد تَمَنَّئ ابن القيم- رحمه الله تعالى- أَن يفرد فيه كتاباً، كما في: " مدارج السالكين: ٢/ ٤٣١ " وقد يَسَّرَ الله للعبد الفقير إِفراده في كتاب، شَخَّصْتُ فيه أَسباب الغلط، وأَمثلته، في عدد من العلوم، وبخاصة في فقه الأَئمة الأربعة، وبينت أَسباب الوقاية منه، وجمعت ذلك في كتيب باسم: " كشف الجُلَّة عن الغلط على الأَئمة " ثم أَدرجته في كتاب: " المدخل لفقه النوازل/ القضايا المعاصرة "، لكثرة من يُخَرِّجُ النوازل على فِقْهٍ غَلِطَ الناس فيه على إِمَامٍ ما. وهنا أَقتصر فيما يتعلق بالغلط على مذهب الإمام أحمد، على ما يأتي:

стр. 129

١- لا تغلط فتجعل الأَصل في كتاب من كتب المذهب هو الغلط، بل الأَصل هو الصحة والسلامة من جهة نسبته إلى مؤلفه، وسلامة مسائله وقضاياه من التحريف والتصحيف، وصحة نسبة ما فيه إلى المذهب رواية أو تخريجاً. والغلط عارض، يعرفه البصير ويقف عليه الخبير بالرجوع إلى الأصول، وكتب تصحيح المذهب، لا سيما الحواشي (١) , ٢- التزم التوقي من الغلط، ومنه المسارعة إلى تغليط دون برهان، ومنه قولك: " هذا مذهب الإمام وبه قال الأصحاب " والحق خلافه. ومنه: قولك: " خَرَّجه الأصحاب " وهو رواية، أو بعكسه. قال ابن الوزير- رحمه الله تعالى- في: " العواصم والقواصم: " وإذا نقلت مذاهبهم فاتق الله في الغلط عليهم، ونسبة ما لم يقولوه إِليهم، واستحضر- عند كتابتك ما يبقى بعدك- قولَهُ- : (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) انتهى. فاجتهد- رحمك الله- أَن تكون في المذهب ممن نَقَّح، وحقق، وصَحَّحَ، ودقق، وكشف ما تتابع عليه بعض الأصحاب من غلط، أو تعاقب عليه النساخ من عيوب النظر وسبق القلم. ٣- اجتهد في معرفة الطرق التي بها يعرف المذهب والتخريج

стр. 130

فيه، فإِنك إذا أَتقنت هذه الطرق كنت بمنْأىً عن الوقوع في الغلط. وهي مبينة مفصلة في: " المدخل الخامس ". ٤- في تَشْخِيْصِ أَسباب الغلط في المذهب منها: - إِطلاق قول عن الإمام لم يقله، وحقيقته عن الأصحاب. - عكسه. - التصرف في لفظ الإمام بما يصرفه عن مراده. - فهمه على غير مراده. وقد اشتهر بهذا أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال، في كتابه: " التنبيه " وغيره، كما أشار إلى بعض غلطه في ذلك: الحافظُ ابن رجب في: " القواعد/ ١٦٩ " فقال: " وأبو بكر كثيرا ما ينقل كلام أحمد بالمعنى الذي يفهمه منه، فيقع فيه تغيير شديد، ووقع له مثل هذا في كتاب: زاد المسافر كثيرا " انتهى والزركشي في: " شرح الخرقي: ٦ /٤٧٨ " (١) . - الغفلة عما في أقواله من الِإطلاق والتقييد، وما إلى ذلك - إِغفال بساط الحال لروايات الإمام - الاعتماد في مذهبه على قول رجع عنه. - الجمع بين روايتين مع واجب التفريق بينهما - عكسه - التصحيف والتحريف والتطبيع ومن التصحيف- في رأي ابن رجب- أن حرباً الكرماني روى عن الإمام أحمد: الاستنثار باليسار،

стр. 131

فتصحفت على بعضهم إلى " الاستنان " أي السواك باليسار وهذا في مبحث: هل يستاك للوضوء بيمينه أم بيساره؟ (١) - المتابعة عليه. والتتابع إنما يكون عند فشو الجهل، وتقليد الأَوراق. - الغلط في الأَسماء والحدود (٢) . - عدم الربط بين ما في الكتاب وشرط المؤلف في مقدمته. - عدم الربط بين المسألة والباب الذي عقد لها. - ومن أَسباب الغلط أَن يقول الإمام قولا فيزيد بعض الأصحاب في قدره أو نوعه؛ للِإيضاح، فينسبُ الناقلُ الكُلَّ إلى الإمام أَحمد. - ومن أسباب الغلط: نصرة القول عن الإمام على خلاف الدليل. - ومن أَسباب الغلط: اعتماد الكتب المنتقدة في المذهب، دون المعتمدة. ويأتي بيانهما في: " المبحث الرابع من: " المدخل الثامن ". كما أن الكتب المحررة مظنة- أيضا- للغلط في بعض الروايات بأي من أسباب الغلط. - ومنه الاعتماد في النقر على نسخة سقيمه غير مقابلة ولا مصححة. مثاله: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " المناسك " إذ قال: " قال حرب: سألت أحمد، قلت: فإن رمى جمرة العقبة من فوقها؟ قال: لا ولكن يرميها من بطن

стр. 132

الوادي ... وذكر القاضي عن حرب عن أحمد: لا يرمي الجمرة من بطن الواد ولا يرمي من فوق الجمرة ... ثم قال- رحمه الله تعالى-: " وهذا غلط على المذهب منشأه الغلط في نقل الرواية، وقد ذكر القاضي- في موضع آخر- المذهب كما حكيناه، ولعل سببه أن النسخة التي نقل منها رواية حرب كان فيها غلط، فإني نقلت رواية حرب من أصل متقن قديم من أصح الأصول، وكذلك ذكرها أبو بكر في: الشافي " انتهى (١) . إلى غير ذلك من أَسباب بسطتها- ولله الحمد- في الكتاب السابق ذكره. ٥- أَمثلة الأَغاليط على الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-: منها: ما حكاه بعضهم عن الإمام- رحمه الله تعالى - من أَنه يُجَوِّز للقادر على الاستدلال: تقليد الأَعلم وهذا غلط عليه، بل لا يُجوز له التقليد، وعليه الاجتهاد، كما هو المنصوص عن أَحمده وبيَّن هذا في: " الفتاوى: ٢٥/ ٢٢٥ ". ومنها: ما حُكي عنه من جواز تقليد العالم للعالم. وهذا غلط عليه، وإنما هو محكي عن شيخه محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أَبي حنيفة- رحم الله الجميع- قيل عن محمد ابن الحسن: يجوز تقليد الأَعلم. وقيل: العالم.

стр. 133

نَبَّه على ذلك شيخ الإسلام في: " منهاج السنة: ٢/٢٤٤ ". ومنها: غلط الحافظ ابن عبد البر- رحمه الله تعالى- من أَن التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة لا يجب عند الإمام أَحمد؛ وقد رده شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في بحث مطول من: " الفتاوى: ٢٢/٥٨٨- ٥٩١ ". ومنها: الغلط عليه في القول بوجوب صيام يوم الغيم، فإِنَّه لا أَصل للوجوب في كلام الإمام أَحمد، ولا أَحد من أَصحابه، وإنما هو القول بالاستحباب كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في: " الفتاوى: ٢٥/ ٩٩ ". ومنها: تتابع جماعة من فقهاء المذهب: أَبو الخطاب في: " الهداية " وابن قدامة في: " المقنع " والجد المجد ابن تيمية في: " المحرر " وغيرهم: أَنه يصح تراخي القبول مطلقا عن الإيجاب في النكاح ولو بعد المجلس، وقد نفاه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- في: " الفتاوى: ٢١/ ١٤٠ ". والأَمثلة على هذا كثيرة، وما زال علماء المذهب يصححون، وينقحون المذهب على الصحيح منه، ثم على الصحيح حسب الدليل، فَإلى قَفْوِهِم في طلب الصحة، والسنة، والأثر. وإن أَردت الديوان الجامع للتصحيح والتضعيف في المذهب وكشف الغلط؛ فعليك بكتاب خاتمة المذهب المرداوي: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ". والله أعلم. ٦- معرفة الكتب التي اشتهرت بالأغاليط.

стр. 134

تأتي في: " المدخل الثامن " تسمية الكتب المنتقدة في المذهب وأنها موطن الغلط فيه، لكن أَوسعها في الغلط كتاب: " مفردات الإمام أَحمد " للكيا الشافعي وإذا نظرت في سياقات كتب المذهب المتقدمة، تبيَّن لك ملتقطات مهمة في بعضها مع شهرتها، ومنها: " زاد المستقنع " فإِنه مع شهرته واعتماد علماء المذهب عليه، قد حرر بعض الأصحاب ما فيه من مسائل تخالف المذهب، وأخرى تخالف الراجح فيه. والله أعلم

стр. 135

المدخل الثاني: في معارف عامة عن المذهب الحنبلي وفيه ثلاثة أبحاث: المبحث الأول: الأَدوار التي مَرَّ بها المذهب. المبحث الثاني: مزاياه. المبحث الثالث: معرفة ما كتب عن التعريف بالمذهب.

стр. 136

المبحث الأول (١) : لمحة تاريخية عن الأَطوار التي مَرَّ بها المذهب الحنبلي جَرَى الكاتبون في: " تاريخ الفقه الإسلامي " على تصنيف الأَدوار والمراحل التي مَرت به إلى الأَدوار الآتية (٢) : ١- في عصر النبي ﷺ ٢- عصر الصحابة- ﵃ ومنهم من يعبر عنه بعصر الخلفاء الراشدين. ٣- عصر التابعين. ٤- عصر تابعي التابعين إلى أواخر القرن الرابع الهجري. ويقال: عصر تابعي التابعين، والأَئمة المجتهدين ٥- عصر تقاصر الاجتهاد، وظهور التقليد والجمود، إلى سقوط بغداد على يد التتر سنة (٦٥٦ هـ) ٦- من سقوط بغداد إلى عصرنا الحاضر أَما في: تاريخ واحد من المذاهب الفقهية، بخاصة، فتصنيف

стр. 137

المراحل الزمنية التي مر بها: " المذهب " مثلاً على عِدَّةِ مراحل، هي: ١- دور التأسيس ويُقال: طور التأسيس ويُقال: دور النشؤ والتكوين ويقال: دور السلف في تكوين المذهب ٢- دور النَّقْل ويُقال: طور النقل ويُقال: دور التوسع والنمو والانتشار ويُقال: دور التطور ٣- دور التحرير ويُقال: طور التحرير ويُقال: مرحلة التحوير ٤- دور الاستقرار ويُقال: طور الاستقرار ويُقال: مرحلة الاستقرار وهكذا بأَلفاظ لكل دور، اصطلحوا عليها، وهي متقاربة لكن يدخلها شيء من التحكم في تحديد الزمن بداية ونهاية لكل دور فهو تحديد تقريبي. وهذه لمحة عن هذه الأدوار في المذهب الحنبلي:

стр. 138

الدور الأول: دور نشأته في حياة الإمام أَحمد كان الواحد من علماء الصحابة- ﵃ ثم من علماء التابعين وتابعيهم- رحمهم الله تعالى- إِماماً من أَئمة الهدى، يُقتدى به في العلم والدِّين، وما زال ذلك ممتداً في القرون المفضلة ومن هؤلاء في القرن الأول الهجري: " الفقهاء السبعة " في المدينة، ولهذا يُقال: " فقهاء المدينة السبعة "؛ لأَن الفتوى بعد الصحابة صارت إِليهم، ولما كانت وفاة أَربعة منهم سنة (٩٤ هـ) سميت: " سنة الفقهاء " وهم: ١- عروة بن الزبير الأَسدي المدني ت سنة (٩٤ هـ) . ٢- سعيد بن المسيب المخزومي المدني ت سنة (٩٤ هـ) . ٣- راهب قُريش: أَبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني ت سنة (٩٤ هـ) وقيل غير ذلك. ٤- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني ت سنة (٩٤ هـ) . وقيل غير ذلك. ٥- خارجة ابن الصحابي كاتب الوحي: زيد بن ثابت الأَنصاري المدني. ت سنة (١٠٠هـ) وقيل: قبلها. ٦- سليمان بن يسار الهلالي مولاهم المدني ت بعد سنة (١٠٠ هـ) وقيل: سنة (١٠٠ هـ) ٧- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق التيمي المدني ت سنة (١٠٦ هـ) على الصحيح

стр. 139

ومن هؤلاء الأعلام في القرنين الثاني إلى منتصف الثالث: الأربعة المشهورون، والأَئمة المتْبُوعُون: أَبو حنيفة المولود سنة (٨٠ هـ) ت سنة (١٥٠ هـ) في بغداد، ومالك المولود سنة (٩٣ هـ) ت سنة (١٧٩ هـ) في مدينة النبي ﷺ والشافعي المولود سنة (١٥٠ هـ) ت سنة (٢٠٤ هـ) في مصر وأَحمد. المولود في (٢٠/٣/١٦٤ هـ) . ت في (١٢/ ٣/ ٢٤١ هـ) في بغداد. وقد أَخذ وروى الشافعي عن مالك، وأَخذ أَحمد عن الشافعي، والشافعي عن أحمد ومضوا كذلك في ركاب علماء تلك العصور المباركة، والمرحلة الزمنية الميمونة، ولحقوا بربهم، وما انحاز واحد منهم عن علماء عصره بمذهب دعا إليه، بل كانوا على سَنَنِ الهدى، وما عرفوا التمذهب أَبداً، لكن بدأ يتقاصر العلم في الناس، وصار لهؤلاء الأَئمة من العلم، والفقه في دين الله، ما بهَرَ العقول، وَحظوا بأَتباع أَبرار وتلامذة أخيار حفظوا علمهم، وأخذوه عنهم، فرووه، ودونوه، ونشروه، واستنبطوا مآخذه، وتتبعوا أصوله، وقواعده، وجُذوره، فالتفت الناس إِليهم كالعنق الواحد. وكان منهم آخرهم زَمَناً، وأَوسعهم رواية وأَثراً، صاحب ديوان الإسلام في الرواية: " المسند ": الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله تعالى- والناظر إلى فقه من سبقه من كوة الدليل، وناظورة السنة والتنزيل، والذي احتوشه الطلاب من سائر الآفاق، وقصده المستفتون، فصار له في مجالات: التلقي، واللقاء، والإلقاء،

стр. 140

ما جعل له كبير الأَثر في تكوين ملكة فقهية، بعيدة النظر، محفوفة بالكتاب والسنة، وقفو الأَثر، فحدد أصول علمه، وجذور فقهه، وقواعد منهجه، في أصوله الواضحة، ومعالمه الضاحية: الكتاب، والسنة، وفتاوى الصحابة، والقياس. - أَما التلقي: ففي شيوخه الذين فاقوا الحصر، ومنهم الإمام الشافعي، ولهذا صار له أَثر على مذهبه وفيما كتبه الثلاثة قبله، ودونه عنهم تلامذتهم، وفي رواية وفقه من عاصرهم إلى الأول. - وأَما اللقاء: فإِن ظهور الإمام أَحمد في الرواية، ونَهَمهُ فيها وفي فقهها، جعل عنده ظاهرة الاستزادة من الرواية، والسماع، يظهر هذا في كثرة شيوخه، واتجهت اليه أَنظار الطلاب من الآفاق الذين يبلغون في درسه أَكثر من خمسمائة ما منهم إلَّا وهو صاحب محبرة، فضلا عن كثرة المستمعين، حتى كان يُقِيمُ في درسه المستملين، والسائلين المستفتين، مما جعل الرواية وفقهها يسيران في حلقات درسه على قدم التساوي، فصار له تفوق في: " الِإلقاء " والتلقي عنه، يشهد لهذا كثرة تلامذته، والآخذين عنه. ومن هنا دون الأصحاب المسائل عنه، وتابعوه، وتتبعوا علمه، ووطئوا عقبه، واعتنوا بأقواله، وأَفعاله، غاية العناية، حتى فاق أَقرانه، ولم يدرك من بعده مكانه، في تدوين " المسائل عنه " في الفقه، والأصول، والاعتقاد، وسائر أبواب الدِّين، فصار طلابه بهذا أَعلاماً، في زمانهم، وبناة لعلم شيخهم، ومؤسس مدرستهم: " مدرسة فقه الدليل ".

стр. 141

ولهذا صار في عدد منهم من النبوغ والجامعية ما بهر العلماء. وسترى- بإذن الله- تسمية كتب هذا الإمام وهي نحو ثلاثين كتاباً، وتسمية كتب المسائل الفقهية عنه، وهي نحو مائتي كتاب. وأَنها مكتوبة تحت نظره، وإشرافه، وسترى في أول " المدخل الثامن " أَمثلة لعرضها عليه، وإقراره لجلها، وبعض منها بالشطب عليه. وهذه دلائل التوثيق، وشواهد التنقيح، والتمحيص، كل هذا يدور على قاعدته التي قفى فيها من قبله من الأَئمة: " إِذا صح الحديث فهو مذهبي "، وهذا من أَسباب تعدد الرواية عنه في الفتيا، فضلاً عن اختلاف أَحوال المستفتين، واقعاً، ومكاناً، وزمناً، وفي منهجه هذا دلالة أَصحابه على كيفية التفقه، والتفقيه، على رسم الدليل، والبصيرة بواقع المستفتين، وما يحف بنوازلهم، ووقائعهم. ولهذا صار من أَصحابه من تولى القضاء، وقصده الناس للفتيا، ورحل إِليه الطلاَّب من أَقطار الدُّنيا، وانتشروا، وانتشرت مؤلفاتهم في كل أُفق. الدور الثاني: دور النقل والنمو: امتداداً لجهود تلاميذ الإمام في تدوين مسائله، تلقى عنهم حفدة الإمام علومهم، واشتغلوا بمسائل إِمامهم، جمعاً، وترتيباً، وتدقيقاً، وترجيحاً، وصار قصب السبق لصاحب الأثر الخالد؛ الفقيه؛ أحمد بن محمد الخلال ت سنة (٣١١ هـ) ببغداد، فألف كتابه: " الجامع لعلوم الإمام أحمد " فلفت بهذا الأنظار وصار مطلباً لعلماء

стр. 142

الأَمصار، ومن هنا بدأ ظهور الانتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأخذت أصول المذهب وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس، وتدريس، واستقراء، وتأليف، وتقريب، وتلقين. كل هذا بالِإسناد، والتلقي، طبقة بعد طبقة، وجماعة عن جماعة، وينتظم هذا الدور، والدور قبله، اسم: " طبقة المتقدمين " وينتهي بوفاة شيخ المذهب في زمانه الحسن بن حامد ت سنة (٤٠٣ هـ) ، كما ترى بيانه مفصلاً في: " طبقات الأصحاب الزمانية في نقل المذهب ". الدور الثالث: دور تحرير المذهب وتنقيحه: بالدورين السابقين استقرت كتب مسائل الرواية مدونة، ثم مجموعة في: جامع المسائل للخلال، ثم: " جامع المذهب " للحسن ابن حامد، وفي تضاعيف ذلك متون، وبادرة المختصرات: " مختصر الخرقي " وَتنَاوُلِ الحنابلة له بالشرح، ونحوه. فكانت هذه الذخيرة أَمام شيوخ المذهب، ومحققيه، ومنقحيه؛ إذ جاء دورهم في هذه المرحلة: " طبقة المتوسطين من علماء المذهب "، التي تبتدئ من وفاة الحسن بن حامد ت سنة (٤٠٣ هـ) إلى نهايتها بوفاة البرهان ابن مفلح ت سنة (٨٨٤ هـ) وفي هذا الدور " طبقة المتأخرين " التي تبدأ بمحقق المذهب: العلاء المرداوي. ت سنة (٨٨٥ هـ) - رحم الله الجميع-.

стр. 143

الدور الرابع: دور الاستقرار: وهو ينتظم أَثناء طبقة المتأخرين إلى الآخر مستمراً إلى عصرنا ويصح أن نسميه: دور الاستفادة من كتب المذهب. فهو اجترار لهذا التراث الموروث، ويندر فيه التخريج، والتحرير. وقد ترقى هذا الدور إلى الدور الخامس بعده: الدور الخامس: دور إِحياء التراث هذا الدور من خصائص عصرنا، وسمات الدراسات الجامعية العليا، في أَعقاب وفرة المطابع، وتطور الدراسة النظامية، وجعل تحقيق التراث من وَسَائِلِ الحصول على الشهادات العالمِية: " الماجستير " و " العالمِية العالية ": " الدكتوراه ". إضافة إلى الجهود الحرة المتتابعة في بعث الكتب التراثية ونشرها مطبوعة محققة. وقد تم الوقوف على ما يزيد عن خمسين ومائتي كتاب " ٢٥٠ " مطبوعة من تراث المذهب الحنبلي، كما تراه في " المبحث السادس عشر " من الأبحاث الملحقة في: " المدخل الثامن إلى معرفة كتب المذهب ".

стр. 144

المبحث الثاني: في مزايا الفقه الحنبلي هذا مبحث مهم، لكن لابد للباحث فيه من التجرد من الهوى والعصبية، وما يمكن أَن يسمى بلسان العصر الحديث باسم: " السلبية الفكرية " فلا يبالغ في الدعوى بأَن المذهب- الفلاني- تميز بكذا، وكذا، فضلاً عن أَن تكون في أَصلها مجرد دعوى، ولا تسلب مزايا المذاهب الأخرى، لكنه الاستقراء بأَمانة، وعدل، فمن مزاياه: - " فقه الدليل ": هذا المذهب بحق: قبلة لمدرسة النص؛ إِذ يجد الناظر في كتب: " المسائل عن الإمام أَحمد " حشداً مهماً من أَدلة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة- ﵃ وفتاواهم. وهذا يدل على تميز " فقه الإمام أَحمد، بالاعتماد على الدليل، وعدم الالتفات إلى غيره ما وجد إِليه سبيلاً. ففي الصلاة على حد قول النبي ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي " وفي: " الحج ": " خذوا عني مناسككم " وفي سائر أَبواب الدِّين على حد قوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... " وقد أدَّى هذا إلى بذل الجهد في البحث عن سَنَد المروي من السنة، وأقوال الصحابة، وفتاواهم، ومعرفة الصحيح من الضعيف، أو الموضوع؛

стр. 145

أَلا ترى إلى ديدنه في أَجوبته: فيه حديثان، فيه أَربعة أَحاديث، فيه أَحاديث جياد حسان، روى هذه السنة عن النبي ﷺ كذا وكذا من الصحابة- ﵃ وهكذا. ونحوه في استدلاله بالأَثر عن الصحابة- ﵃. - كثرة المسائل العلمية والعملية (١) : لظهور هذه الميزة في فقهه: " فقه الدليل " كَثُرَ كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية والعملية، ثم كلامه- رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية- أي الاعتقادية الخبرية- أكثر من غيره من الأَئمة المشهورين فإن كلامهم أكثر ما يوجد في: " المسائل العملية ". - البعد عن الفقه التقديري في المذهب: أَي الفروع التي يشتغل الفقيه بفرضها، ثم التَّوْليد منها بتقدير وقوعها، ثم بفرض الحكم الفقهي لها. ومن نظر في أَجوبة الإمام أَحمد خرج بنماذج كثيرة يزجر فيها السائلين عنها، وقد ساق جملة منها ابن مفلح الحنبلي في كتابه: " الآداب الشرعية: ٢/ ٧٦- ٨٠ " وهي أَكثر ما تكون في أَحكام العبادات، والرق، والأَيمان والنذور والنكاح، ومنه: " لو نكح الخنثى نفسه فولد: هل يرث ولده بالأبوة، أو الأمومة، أو بهما ... "
следующие страницы →