ولهذا صار في عدد منهم من النبوغ والجامعية ما بهر العلماء.
وسترى- بإذن الله- تسمية كتب هذا الإمام وهي نحو ثلاثين كتاباً، وتسمية كتب المسائل الفقهية عنه، وهي نحو مائتي كتاب. وأَنها مكتوبة تحت نظره، وإشرافه، وسترى في أول " المدخل الثامن " أَمثلة لعرضها عليه، وإقراره لجلها، وبعض منها بالشطب عليه.
وهذه دلائل التوثيق، وشواهد التنقيح، والتمحيص، كل هذا يدور على قاعدته التي قفى فيها من قبله من الأَئمة: " إِذا صح الحديث فهو مذهبي "، وهذا من أَسباب تعدد الرواية عنه في الفتيا، فضلاً عن اختلاف أَحوال المستفتين، واقعاً، ومكاناً، وزمناً، وفي منهجه هذا دلالة أَصحابه على كيفية التفقه، والتفقيه، على رسم الدليل، والبصيرة بواقع المستفتين، وما يحف بنوازلهم، ووقائعهم. ولهذا صار من أَصحابه من تولى القضاء، وقصده الناس للفتيا، ورحل إِليه الطلاَّب من أَقطار الدُّنيا، وانتشروا، وانتشرت مؤلفاتهم في كل أُفق.
الدور الثاني: دور النقل والنمو:
امتداداً لجهود تلاميذ الإمام في تدوين مسائله، تلقى عنهم حفدة الإمام علومهم، واشتغلوا بمسائل إِمامهم، جمعاً، وترتيباً، وتدقيقاً، وترجيحاً، وصار قصب السبق لصاحب الأثر الخالد؛ الفقيه؛ أحمد بن محمد الخلال ت سنة (٣١١ هـ) ببغداد، فألف كتابه: " الجامع لعلوم الإمام أحمد " فلفت بهذا الأنظار وصار مطلباً لعلماء
стр. 142
الأَمصار، ومن هنا بدأ ظهور الانتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأخذت أصول المذهب وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس، وتدريس، واستقراء، وتأليف، وتقريب، وتلقين.
كل هذا بالِإسناد، والتلقي، طبقة بعد طبقة، وجماعة عن جماعة، وينتظم هذا الدور، والدور قبله، اسم: " طبقة المتقدمين " وينتهي بوفاة شيخ المذهب في زمانه الحسن بن حامد ت سنة (٤٠٣ هـ) ، كما ترى بيانه مفصلاً في: " طبقات الأصحاب الزمانية في نقل المذهب ".
الدور الثالث: دور تحرير المذهب وتنقيحه:
بالدورين السابقين استقرت كتب مسائل الرواية مدونة، ثم مجموعة في: جامع المسائل للخلال، ثم: " جامع المذهب " للحسن ابن حامد، وفي تضاعيف ذلك متون، وبادرة المختصرات: " مختصر الخرقي " وَتنَاوُلِ الحنابلة له بالشرح، ونحوه.
فكانت هذه الذخيرة أَمام شيوخ المذهب، ومحققيه، ومنقحيه؛ إذ جاء دورهم في هذه المرحلة: " طبقة المتوسطين من علماء المذهب "، التي تبتدئ من وفاة الحسن بن حامد ت سنة (٤٠٣ هـ) إلى نهايتها بوفاة البرهان ابن مفلح ت سنة (٨٨٤ هـ) وفي هذا الدور " طبقة المتأخرين " التي تبدأ بمحقق المذهب: العلاء المرداوي. ت سنة (٨٨٥ هـ) - رحم الله الجميع-.
стр. 143
الدور الرابع: دور الاستقرار:
وهو ينتظم أَثناء طبقة المتأخرين إلى الآخر مستمراً إلى عصرنا ويصح أن نسميه: دور الاستفادة من كتب المذهب.
فهو اجترار لهذا التراث الموروث، ويندر فيه التخريج، والتحرير.
وقد ترقى هذا الدور إلى الدور الخامس بعده:
الدور الخامس: دور إِحياء التراث
هذا الدور من خصائص عصرنا، وسمات الدراسات الجامعية العليا، في أَعقاب وفرة المطابع، وتطور الدراسة النظامية، وجعل تحقيق التراث من وَسَائِلِ الحصول على الشهادات العالمِية: " الماجستير " و " العالمِية العالية ": " الدكتوراه ".
إضافة إلى الجهود الحرة المتتابعة في بعث الكتب التراثية ونشرها مطبوعة محققة.
وقد تم الوقوف على ما يزيد عن خمسين ومائتي كتاب " ٢٥٠ " مطبوعة من تراث المذهب الحنبلي، كما تراه في " المبحث السادس عشر " من الأبحاث الملحقة في: " المدخل الثامن إلى معرفة كتب المذهب ".
стр. 144
المبحث الثاني: في مزايا الفقه الحنبلي
هذا مبحث مهم، لكن لابد للباحث فيه من التجرد من الهوى والعصبية، وما يمكن أَن يسمى بلسان العصر الحديث باسم: " السلبية الفكرية " فلا يبالغ في الدعوى بأَن المذهب- الفلاني- تميز بكذا، وكذا، فضلاً عن أَن تكون في أَصلها مجرد دعوى، ولا تسلب مزايا المذاهب الأخرى، لكنه الاستقراء بأَمانة، وعدل، فمن مزاياه:
- " فقه الدليل ": هذا المذهب بحق: قبلة لمدرسة النص؛ إِذ يجد الناظر في كتب: " المسائل عن الإمام أَحمد " حشداً مهماً من أَدلة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة- ﵃ وفتاواهم.
وهذا يدل على تميز " فقه الإمام أَحمد، بالاعتماد على الدليل، وعدم الالتفات إلى غيره ما وجد إِليه سبيلاً.
ففي الصلاة على حد قول النبي ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي " وفي: " الحج ": " خذوا عني مناسككم " وفي سائر أَبواب الدِّين على حد قوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... " وقد أدَّى هذا إلى بذل الجهد في البحث عن سَنَد المروي من السنة، وأقوال الصحابة، وفتاواهم، ومعرفة الصحيح من الضعيف، أو الموضوع؛
стр. 145
أَلا ترى إلى ديدنه في أَجوبته: فيه حديثان، فيه أَربعة أَحاديث، فيه أَحاديث جياد حسان، روى هذه السنة عن النبي ﷺ كذا وكذا من الصحابة- ﵃ وهكذا. ونحوه في استدلاله بالأَثر عن الصحابة- ﵃.
- كثرة المسائل العلمية والعملية (١) :
لظهور هذه الميزة في فقهه: " فقه الدليل " كَثُرَ كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية والعملية، ثم كلامه- رحمه الله تعالى- في المسائل العلمية- أي الاعتقادية الخبرية- أكثر من غيره من الأَئمة المشهورين فإن كلامهم أكثر ما يوجد في: " المسائل العملية ".
- البعد عن الفقه التقديري في المذهب:
أَي الفروع التي يشتغل الفقيه بفرضها، ثم التَّوْليد منها بتقدير وقوعها، ثم بفرض الحكم الفقهي لها.
ومن نظر في أَجوبة الإمام أَحمد خرج بنماذج كثيرة يزجر فيها السائلين عنها، وقد ساق جملة منها ابن مفلح الحنبلي في كتابه: " الآداب الشرعية: ٢/ ٧٦- ٨٠ "
وهي أَكثر ما تكون في أَحكام العبادات، والرق، والأَيمان والنذور والنكاح، ومنه: " لو نكح الخنثى نفسه فولد: هل يرث ولده بالأبوة، أو الأمومة، أو بهما ... "
стр. 146
وهي من مبادرات المذهب الحنفي، ولهذا صار الفقه التقديري من سمات أَصحابه. وقد نال أَصحاب المذهبين المالكي، والشافعي، من هذا بنصيب. أَما الحنابلة فلديهم طرف من الفقه التقديري، لكن لم يصل إلى حد الِإغراب، وهذا أَثر نفيس من آثار مسلك الإمام أَحمد في فقهه، فما عرف عنه مع كثرة كتب المسائل عنه أَنه يفرض المسألة، ثم يفرض وقوعها، ثم يفرض الحكم لها.
وقد أَفاض الحجوي في: بحث الفقه التقديري: تاريخاً، وحكماً، في كتابه: " الفكر السامي ": (١/ ٣٤٩- ٣٥١، ٢/ ٤٠٢) وأَبو زهرة في كتابه: " أبو حنيفة: ص/٢٥٨- ٢٦٢.
وَفَصَّل حُكْمَهُ ابن تيمية في " الاستقامة: ١/٨- ١٩ وابن القيم في: " إعلام الموقعين: ٤/ ٢٢١- ٢٢٢ " في " الفائدة الثامنة والثلاثين "، وانظر فيه: (٤/ ٥٧-١٥٨، ٢/١٦٨ ١) وفي (الآداب الشرعية) لابن مفلح: (٧٦/٢- ٧٩) وفي " جامع العلوم والحكم " عند شرح الحديث التاسع أجوبة مهمة للإمام أحمد- رحمه الله تعالى- في صرف المستفتين عما لم يقع (١) .
- البعد عن الِإغراق في الرأي:
من الطبعي فيمن يعتمد النص، وينشد الدليل، ويستروح دلالته من منطوقه، أو مفهومه، أن يبتعد عن " الرأي المجرد ".
стр. 147
وقد أَغنانا ابن القيم- رحمه الله تعالى- في البيان عن هذا في فاتحة كتابه: " إِعلام الموقعين ": (١/ ٤٤- ٨٤) .
وصدر في جامعة أُم القرى رسالة باسم: " الرأي عند الإمام أَحمد بن حنبل " للشيخ عثمان المرشد.
- التيسير في الأحكام من العبادات والمعاملات والشروط والنكاح وغيرها:
* تميز مذهب الإمام أَحمد في: " أَبواب الطهارة " بالقول بطهارة بول وروث مأكول اللحم، ولولا هذا لضاق الأَمر، وكثر الحرج، لاسيما على الدائس، والحالب.
* وبالقول بالمسح على الجوربين، والجورب- الشراب- لباس القدمين، لعامة أهل العصر، على مدار العام.
* تميز مذهب الإمام أَحمد بأَن الأَصل في العقود والشروط هو " الصحة "، وهذا يفتح حرية المتعاقدين في إِبرام العقود، والشروط، بناء على هذا الأَصل، وتستمر فى التوسع ما لم تصادم نَصًّا.
وهذا تمسك ونزوع إلى الأَصل الشرعي: التيسير، ورفع الحرج، ومن مذهبه: صحة البيع بالمعاطاة.
* وتميز مذهبه في: أبواب الفُرق من النكاح بأن " الخُلع " فسخ لا طلاق؛ لذا فلا ينقص به عدد الطلاق، وفي هذا تضييق لدائرة الفِراق وأمام هذا: أن مذهبه: الحكم بالفسخ، لعدم النفقة
стр. 148
والوطء، وفي هذا إِبعاد لمضارة النساء.
وفي الوقف: جواز وقف الإنسان على نفسه مدة حياته، في إحدى الروايتين عنه، وفي هذا توسيع لدائرة عمل البر والخير.
ومن نظر في " كتب المفردات " في المذهب، رأى فيها من التيسير ورفع الحرج - مما يلتقي مع مقاصد الشريعة، لا يناهض نصوصها- الخير الكثير
وفي هذا دفع للمهاترة العصرية نحو المذاهب، بنسبتها إلى ركوب الصَّعْب والذَّلول في أصولها، وفروعها، والعدول عن التيسير ورفع الحرج: وإنه: " سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ "
стр. 149
المبحث الثالث: في معرفة ما كتب عن التعريف بالمذهب
إِنَّ التعريف بأَي مذهب، يعني:
١- معرفة الإمام
٢- وعلماء مذهبه.
٣- وأصوله وجذوره
٤- ومصطلحاته
٥- وكيفية نقله
٦- ومعرفته، وشروط ذلك
٧- وكيفية الطلب والتلقي له
٨- ومعرفة كتبه
وهذه المعارف عُقدت لها المداخل الآتية، وفي فاتحة كل كتاب، ذكر ما كتب فيه تبعاً، أو استقلالاً، مما أَغنى عن التطويل بذكره هُنا، إِضافة إلى أَنَّهُ عِنْدَ التعريف بكل مذهب نجد فوائد مهمة عنه في كتب طبقات علماء ذلك المذهب، وفي مقدمات كتبه الفقهية، وفي مثاني أبحاثه، وفي باب الاجتهاد من كتب أصول الفقه في كل مذهب، وفي الكتب العامة عن: تاريخ الفقه الإسلامي
стр. 150
وتاريخ المذاهب، وحدوثها، مثل: " الفكر السامي " للحجوي، و " نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة " لتيمور وغيرها.
- فائدة:
لا بأس من عقد هذه الفائدة الاستطرادية هُنا في تسميه ما تم الوقوف عليه، في: التعريف بالمذاهب الفقهيه الثلاثة، على ما يأتي:
المذهب الحنفي:
- " شرح عقود رسم المفتي " لابن عابدين.
- مقدمة: " فتاوى قاضي خان ".
- مقدمة: " رد المحتار ١/ ٧٠- ٧٢ ".
- " الطبقات السنية في تراجم الحنفية ": " ١/ ٤٠- ٤٢ ".
- " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " في آخره فوائد عن مصطلحات المذهب.
- " الفوائد البهية " للكنوي في آخره بحث مهم.
- " إِرشاد أهل الملة " للمطيعي في آخره بحث مهم.
- " المذهب عند الحنفية " لمحمد إبراهيم بن أحمد علي.
стр. 151
المذهب المالكي:
- " الطليحة " نظم، للقلاوي الشنقيطي
- شرحها: " نورالبصر " مخطوط.
- شرحها أيضا: " نور العينين " مخطوط
- " مقدمة الحطاب على خليل "
- " إِرشاد السالك ".
- " معلمة الفقه المالكي " عبد العزيز بن عبد الله.
- " المذهب عند المالكية ". لمحمد إبراهيم بن أحمد علي
- " المذهب المالكي " محمد المختار المامي الشنقيطي، رسالة بجامعة الإمام فى الرياض.
- " دليل السالك.
- " البحث الفقهي/ أصوله. مصطلحاته ".
- " كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب " لابن فرحون.
- منظومة بهرام " و " شرحها " للمختار. طبعت باسم: " ما لايعذر فيه بالجهل ".
- " المصطلح الفقهي في المذهب المالكي " للفاضل بن عاشور
- " تعدد الأقوال والروايات في المذهب المالكي " عبد السلام العسري
- " ندوة فقه مالك "
стр. 152
- " أسنى المسالك في أَن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك " لمحمد البوصيري الشنقيطي.
- " أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك " لمحمد ابن الحارث الخشني.
- " أصول فقه الإمام مالك النقلية " لعبد الرحمن الشعلان.
- " عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين " أَحمد بن محمد نور سيف.
- " الفكر السامي ... " للحجوي.
- " المدخل إلى أصول الفقه المالكي " للباجقني.
- " المنهج إلى المنهج في أصول المذهب المبرج " لمحمد زيدان.
- " مصطلحات المذهب المالكي " للشيخ عبد العزيز بن صالح الخليفي.
المذهب الشافعي:
- في: مقدمة " المجموع "، وفي مواضع منه، وفي مقدمة: " روضة الطالبين " كلاهما للنووي، وفي " طبقات الشافعية " للسبكي. مواضع كما تفيده فهارسها.
- و " المذهب عند الشافعية " محمد إبراهيم بن أَحمد علي.
- " فوائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد " لمحمد ابن إبراهيم المناوي. ت سنة (٧٤٧ هـ)
- " مجموعة رسائل مفيدة " لعلوي السقاف
- " مقدمة تحقيق: " الوسيط " للغزالي و " الغاية القصوى " للبيضاوي
стр. 153
المدخل الثالث: في أصول المذهب
стр. 154
المدخل الثالث: في أصول المذهب
البحث في: " أصول مذهب ما " تجده في مواضع من كُتب ذلك المذهب، لاسيما شروحه، وبعض مقدماتها، والمبحث في: " أصول المذاهب الأربعة " هو اللباب في كتب " أصول الفقه " وكلما كان المؤلف في الأصول من أهل المذهب، كان أَلصق بتحقيق أصول مذهبه.
وللحنابلة في هذا القِدح المعلى، فلهم في: " أصول الفقه " نحو ستين كتاباً، بدءاً من مجتهد المذهب شيخ الحنابلة في زمانه الحسن ابن حامد. ت سنة (٤٠٣ هـ) فله: " كتاب أصول الفقه " ثم لأَحمد القطان. ت سنة (٤٢٤ هـ) ثم للقاضي أَبي يعلى. ت سنة (٤٥٨ هـ) وله أربعة كتب في أصول الفقه.
وهكذا استمر التأليف فى أصول الفقه، شاملة لأصول المذاهب الأربعة.
وأول من كتب في أصول مذهبنا: الحسن بن حامد ت سنة
стр. 155
(٤٠٣ هـ) في كتابه: " تهذيب الأَجوبة " أي: أجوبة أَحمد، على المسائل، وأصوله في أَجوبته.
ثم أَبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي البغدادي. ت سنة (٤٨٨ هـ) في مُقَدَّمَةٍ كَتَبهَا في اعتقاد أَحمد، وأصول مذهبه ومشربه، وهي من مكنونات: " الكواكب الدراري " لابن عروة الدمشقي. ت سنة (٨٣٧ هـ) .
وقد طُبِعَت في خاتمة طبع " طبقات ابن أَبي يعلى (٢/٢٦٥- ٢٩٠) وما يختص بالأصول منها يبدأ من (ص/ ٢٨١- إلى ص/ ٢٩٠)
وقد جمع شمل أصول المذهب: ابن بدران الدمشقي. ت سنة (١٣٤٦ هـ) رحمه الله تعالى- في كتابه. " المدخل إلى مذهب الإمام أَحمد بن حنبل " في العقود: الثالث، والرابع، والخامس (ص/٤٩- ٢٠٢) أي ثلثي الكتاب، وهو مغنٍ عما سواه؛ لما فيه من التحقيق، والتدقيق، وجودة التفصيل، والترتيب، وهو في جملته شرح وبيان لكلمة ابن القيم الجامعة في بيان أصول مذهب أَحمد، وأكتفي بسياقها، قال- رحمه الله تعالى (١) :
" وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ولما بناها المنصور أقْدَمَ إليها من الأَئمة والفقهاء والمحدِّثين بشَراً كثيراً، فكان من أعيان
стр. 156
المفتين بها أبو عُبَيْد القاسمُ بن سَلاَّم، وكان جَبَلاً نفخ فيه الروح علماً، وجَلاَلة، ونبلاً، وأَدبأ، وكان منهم: أَبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكلبي، صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأَخذ عنه، وكان أَحمد يُعَظِّمه ويقول: هو في مسلاخ الثوري.
وكان بها إِمام أهل السنة على الِإطلاق: أَحمد بن حنبل الذي ملأ الأَرض علماً وحديثاً وسنة، حتى إِن أَئمة الحديث والسنة بعده هم أَتباعُه إلى يوم القيامة، وكان ﵁ شديدَ الكراهة لتصنيف الكُتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أَن يكتب كلامه، ويشتد عليه جداً، فعلم الله حُسْنَ نيته وقَصْده فكُتِبَ من كلامه وفَتْوَاه أَكثر من ثلاثين سفراً، ومَنَّ الله سبحانه علينا بأَكثرها فلم يَفُتْنَا منها إلَّا القليل، وجمع الخَلاَّلُ نصوصه في " الجامع الكبير " فبلغ نحو عشرين سِفْراً، أو أكثر ورويت فتاويه، ومسائله، وَحُدِّثَ بها قرنا بعد قرن فصارت إِماماً وقدوة لأَهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إِن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره معَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأمَّل فتاواه، وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنّها تخرج من مِشْكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أَعظم، حتى إنه لَيقدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل، قال إسحاق ابن
стр. 157
إبراهيم بن هانئ في مسائله: قلت لأَبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله ﷺ مُرْسَل برجال ثبت أَحَبُّ إِليك، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أَبو عبد الله ﵀: عن الصحابة أَعْجَبُ إِليّ
وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:
أَحدها: النصوص، فإِذا وجد النص (١) أَفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه كائناً من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المَبْتُوتة؛ لحديث فاطمة بنت قَيْس، ولا إلى خلافه في التيمم للجُنُب لحديث عمار بن ياسر ولا خلافه في استدامة المحرم الطيبَ الذي تطيب به قبل إِحرامه، لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفَسخ إلى التمتع، لصحة أَحاديث الفسخ وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأَبي أَيوب وأبي بن كعب في: ترك الغُسْل من الِإكسال؛ لصحة حديث عائشة أَنها فَعَلَتْه هي ورسول الله ﷺ فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي: أَن عِدَّةَ المتوفى عنها الحامل أَقصى الأَجلين لصحة حديث سبيعة الأَسلمية، ولم يلتفت إلى قول مُعَاذ ومعاوية في توريث المسلم عن الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن
стр. 158
عباس في الصَّرْفِ؛ لصحة الحديث بخلافه، ولا إِلى قوله بإِباحة لحوم الحُمْرِ كذلك، وهذا كثير جداً، ولم يكن يُقَدِّمُ على الحديث الصحيح عملا ولا رأياً ولا قياساً، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس: إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كَذَّبَ أَحمدُ من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسِغْ تقديمَه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضا نصَّ في رسالته الجديدة على: أَن ما لا يُعْلَم فيه بخلافٍ لا يقال له: إجماع، ولفظهُ: " ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً "، وقال عبد الله ابن أَحمد بن حنبل: سمعت أَبي يقول: ما يَدَّعي فيه الرجلُ الإجماع فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعَلَّ الناس اختلفوا، ما يُدْرِيه، ولم يَنته إِليه؟ فليقل: لا نعلم الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي، والأَصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، هذا لفظه.
ونصوصُ رسول الله ﷺ أَجلُّ عند الِإمام وسائرِ أَئمة الحديث من أَن يُقَدِّموا عليها توهُّمَ إجماع مضمونه: عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ؛ لتعطَّلت النصوصُ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أَن يُقَدِّمَ جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أَنكره الإمام أحمد، والشافعي، من دَعْوى الإجماع، لا ما يظنه بعضُ الناس أنه استبعاد لوجوده
стр. 159
فصل:
الأَصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أَحمد: ما أَفتى به الصحابة، فإنَّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعْرَف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيره، ولم يقل: إِن ذلك إجماع، بل من وَرَعه في العبارة، يقول: لا أَعلم شيئاَ يَدْفَعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أَبي طالب: لا أَعلم شيئاً يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأَحَدَ عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأَهل المدينة على تَسَرِّي العبد، وهكذا قال أنس بن مالك. لا أَعلم أَحداً ردَّ شهادة العبد، حكاه عنه الإمام أَحمد، وإذا وجد الإمام هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.
فصل:
الأَصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أَقربَهَا إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له مُوَافقة أَحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
قال إِسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأَبي عبد الله: يكون الرجلُ في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يُفْتي بما وافَقَ الكتابَ والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أَمسك عنه، قيل له: أَفيجب عليه؟ قال: لا.
стр. 160
فصل:
الأَصل الرابع: الأَخذ بالمرسَلِ والحديثِ الضعيف ، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده: الباطلَ ولا المنكَرَ ولا ما في روايته مُتَّهم، بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إِليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أَقسام الحَسَن،- ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح، وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإِذا لم يجد في الباب أَثراً يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعاً على خلافه؛ كان العمل به عنده أَولى من القياس.
وليس أَحَد من الأَئمة إلَّا وهو موافِقُه على هذا الأَصل من حيث الجملة، فإِنَّه ما منهم أَحد إلَّا وقد قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس.
فَقَدَّمَ أَبو حنيفه حديثَ القهْقَهَة في الصلاة على مَحض القياس، وأَجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأَكثرُ أهل الحديث يضعفه، وقدَّم حديثَ " أكثر الحيضِ عشرةُ أَيام " وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس؛ فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مُسَاو في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقَدَّم حديثَ " لا مهر أقلّ من عشرة دراهم " وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه على مَحْض القياس، فإنَّ بَذْلَ
стр. 161
الصداق مُعَاوضة في مقابلة بذل البُضْع، فما تراضَيا عليه جاز قليلاً كان أو كثيراً.
وَقَدَّمَ الشافعي خبر تحريم صَيْد وَجٍّ مع ضعفه على القياس، وَقَدَّمَ خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدَّم في أَحد قَوْلَيه حديث " من قَاء أو رُعفَ فليتوضأ ولْيَبْنِ على صلاته " على القياس مع ضعف الخبر وإرساله.
وأَما مالك فإنه يقدم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس.
الأصل الخامس:
فإِذا لم يكن عند الإمام أَحمد في المسألة نصّ ولا قول للصحابة، أو واحدِ منهم، ولا أَثر مرسل، أو ضعيف، عَدَل إلى الأَصل الخامس: وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلاَّل: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إِنما يُصَار إِليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مَدَارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأَدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدَم اطلاعه فيها على أَثر أو قول أَحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للِإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أَصحابه: إيَّاك أَن تتكلم في مسألة ليس لك
стр. 162
فيها إِمام.
وكان يُسَوغِّ استفتاء فقهاء الحديث وأَصحاب مالك، ويَدُلّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَنْ يُعْرِض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه.
قال ابن هانئ: سألت أَبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث: " أجْرؤكم على الفُتْيا أَجرؤكم على النار " قال أَبو عبد الله- ﵀: يفتي بما لم يسمع، قال: وسألته عمن أفتى بفتْيَا يعي فيها، قال: فإِثمها على من أَفتاها، قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لايدري أَيش أصلها.
وقال أَبو داود في مسائله: ما أحْصِي ما سمعت أَحمد سُئِل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أَدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيَيْنة في الفتوى أَحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أَدري.
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: سمعت أبي يقول: وقال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أَنس عن مسألة فقال: لا أدري، فقال: يا أَبا عبد الله تقول: لا أَدري؟ قال: نعم، فأبلغ مَنْ وراءكَ أني لا أدري.
وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيراَ يُسْألَ عن المسائل يقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيراً ما كان يقول:
стр. 163
سَلْ غيري، فإِن قيل له: مَنْ نسأل؟ قال: سَلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه قال: وسمعت أَبي يقول: كان ابن عُيَيْنة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَنْ يُحْسِن هذا؟! " انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى-.
وَقَدْ أُفْرِدَتْ " أصول مذهب الإمام أَحمد " بكتاب بهذا العنوان للشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي. وهو مطبوع.
وللشيخ عثمان بن إبراهيم المرشد كتاب باسم: " الرأي عند الإمام أَحمد بن حنبل " رسالة مُعدة في جامعة أم القرى للعالمية: " ماجستير " عام (١٣٩٤ هـ) ولم يُطبع بعد.
ومن نظر في: " التقريب لعلوم ابن القيم " لراقمه؛ رأى في أصول أَحمد مباحث عزيزة، ولشيخه ابن تيمية كذلك كما في: " فهرس الأصول " من " فهارس مجموع الفتاوى، والله أعلم.
стр. 164
المدخل الرابع: في معرفة مصطلحات المذهب وتفسيرها
فيه تمهيد وثلاثة فصول هي:
الفصل الأول: في أَلفاظ الإمام ومراتبها الحكمية
الفصل الثاني: في مصطلحات الأصحاب في نقل المذهب.
الفصل الثالث: في مصطلحات الأصحاب في نقل بعضهم عن بعض
стр. 165
- تمهيد:
حقيقة الاصطلاح: إِخراج الشيء عن معناه اللغوي إلى معنى آخَر خاص به.
وقد أَفْرَدْتُ كتابا في: " المواضَعَة في الاصطلاح " فَصَّلْتُ فيه مسائله، وقضاياه القديمة والمعاصرة وَثَبَتاً في المؤلفات المفردة فيه، والأبحاث عنه
ومن الفوائد فيه أَن: أَلفاظ الوحيين في الحقائق الشرعية، مثل: الصلاة، الزكاة ... لا يُطلق عليهما لفظ " الاصطلاح " إنَّما يُقال: حقيقتها شرعاً. وأَمَّا ما تواضع عليه أهل كل فن، فيطلق عليه اللفظان: اصطلاحًا، وشرعاً.
ومن الفوائد فيه: أَنّ المصطلحات والحقائق الشرعية، قد أفرد لها أَبو حاتم الرازي ت سنة (٣٢٢ هـ) كتاباً باسم: " الزينة في المصطلحات الإسلامية " مطبوع في ثلاثة أَجزاء، وعقد لها ابن فارس. ت سنة (٣٩٥ هـ) في كتابه: " الصاحبي " بابا، باسم: " باب في الأَسباب الإسلامية " وعنه السيوطي في: " المزهر " مع زيادات عليه، وكان لعلماء " أصول الدين و " أصول الفقه " في بحثها أوْفَرُ نَصِيْب، يَغْبِطُهُمْ عليه كلّ مَنْ فَازَ بالنظر في تفاريق كلامهم.
وقد طال بينهم الجدل: هل نقلت هذه الألفاظ في النصوص
стр. 166
الشرعية من حقائقها اللغوية إلى حقائق شرعية، بسبب ما شرع الإسلام من شرائع، مثل لفظ: الصلاة. الزكاة. الصوم ... ؟ أو أَنها استعملت في مسمياتها اللغوية المعروفة، لكن الشرع أَضاف إلى الماهية شروطا لم تكن من قبل؟ ثم نشأ موقف ثالث: وهو القول بالمجاز، ثم قول رابع: وهو التوقف.
أَما الأَلفاظ التي يستعملها أَرباب العلوم، ويتواضع عليها- مثلا - الفقهاء، فلا يختلفون في أَنها منقولة إلى حقائقها الاصطلاحية. وبهذا صارت الحقائق الدائرة منقسمه إلى أَربع: " حقيقه لغوية و " حقيقة شرعية " و " حقيقة عرفية عامة " و " حقيقة عرفية خاصة " و " الحقيقة الاصطلاحية " تشمل الحقيقتين الأخيرتين.
ثم إِنَّ استعمالات الفقهاء وتواطأَهم على بعض المصطلحات ترجع إلى واحد من أَمرين:
١- مصطلحات ترجع إلى: " المدارك القولية " للأَحكام
- وهي نصوص الكتاب والسنة- مثل: العلة. الحُكم. الحِكمة. القياس. الاستصحاب ... إلى آخر التسميات، لِمَا عُرِفَ بَعْدُ بِاسْمِ: " الأَدلة التبعية ".
٢- مصطلحات ترجع إلى تلقيب الفروع الفقهية ذاتها، وتسمية صُوَر النوازل، والواقعات، بأَسماء تُميزها، لمَا عُرِفَ بَعْدُ باسْمِ: " لغة الفقهاء ".
стр. 167
ثم نشأ بَعْدُ، في وقت متاخر أَمر ثالث، وهو التواطؤ من أَهل كل مذهب على أَلفاظ، وحروف، للعزو والنقل، وعرفت- بعد باسم: " المصطلحات الفقهية ".
وقد يشمل هذا اللفظ: " المصطلح الفقهي " الأَمرين الأَخيرين.
فلفظ: " المصطلح الفقهي " في أي مذهب يشمل نوعين من المصطلح لدى الفقهاء:
* النوع الأول: صيغ متداولة للأَحكام الفقهية نفسها، وهي المعروفة باسم: " الحدود " و " التعاريف " و " لغة الفقهاء ".
والمؤلفات المفردة في هذا كثيرة، وقد طُبعَ منها كتب في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
وللأَصحاب بهذا الاسم كتاب: " لغة الفقهاء " جزآن، لابن الجوزي. ت سنة (٥٩٧ هـ) .
وطُبعَ في مصطلحاتهم كتابان هما " المطلع و " الدر النقي " يأتي ذكرهما " في المدخل الثامن ".
* النوع الثاني: اصطلاح بأَلفاظ، ورموز ومبهمات، يستعملها فقهاء كل مذهب، ويتواطؤون عليها؛ رغبة في الاختصار لكثرة التكرار بغرض الدلالة على الرواية في المذهب، ومنزلتها، وما يتبعها للأصحاب من وجوه، وتخاريج، ونحوها، ومراتبها الحكمية في
стр. 168
المذهب، أو اختصارا لاسم عَلَمٍ، أو كتاب، وهي التي اشتهرت بهذا الاسم: " المصطلحات الفقهية "، وعند الحنفية باسم: " رسم عقود المفتي " أَي: " العلامة التي تدل المفتي على ما يُفتي به " (١) .
وهذا النوع الثاني هو المراد بحثه هنا بأَقسامه الثلاثة في خصوص مذهب الإمام أَحمد بن حنبل الشيباني- رحمه الله تعالى- وهي:
١- المصطلحات الدالة على نقل المذهب، ومرتبته الحكمية بالكلمة، أو الرمز بحرف.
٢- المبهمات في أَسماء الأعلام بالكلمة، أو الرمز بحرف.
٣- المبهمات في أَسماء الكتب بالكلمة، أَو الرمز بحرف.
ثم هذه الأَقسام الثلاثة على نوعين:
١- نوع يخص إمام المذهب، وهو القسم الأول فقط: الأَلفاظ والمصطلحات الدالة على مرتبة الحكم التكليفية، وإبداء رأيه.
٢- نوع يخص أهل المذهب في شتى طبقاتهم، ويشمل الأَقسام الثلاثة المذكورة.
وهذه الرموز الحرفية والمصطلحات الكَلِمِيَّة تُعْلَمُ جَميعُها من مؤلفات مفردة، ومقدمات الكتب الفقهية، وموضعهما من الكتب الأصولية في مباحث: الاجتهاد، والتقليد. ومن خلال كتب التراجم
стр. 169
وخاصة: " طبقات الحنابلة " وذيوله.
وهذا يَلْفِتُ نظر المتَفَقّهِ أَن لا ينظر في كتاب إِلاَّ بعد قراءة مُقَدَّمَتِهِ، وأَن لا يحكم على كلامه إلَّا بعد معرفة اصطلاحه.
وجميع هذه الرموز، والمصطلحات أيضا، يمكن تصنيفها في ثلاثة فصول هي:
الفصل الأول: مصطلحات الإمام أَحمد في أجوبته وفتاويه.
الفصل الثاني: مصطلحات الَأَصحاب في نقل مذهبه
الفصل الثالث: مصطلحات الأَصحاب في نقل بعضهم عن بعض
فإلى بيانها على هذا الترتيب:
стр. 170
الفصل الأول: في ألفاظ الإمام أحمد في أجوبته ومراتبها الحكمية
يأتي في: " المدخل السابع: طرق معرفة المذهب ": البيانُ مفصلاً عن طرق معرفة مذهب الإمام أَحمد من خلال أَجوبته، وفتاويه، وما إليها، وحصرها في طرق تحوي أَنواعاً، وتقاسيم.
والمراد هنا سرد أَلفاظ الإمام في الجواب، ما أَمكن ذلك، وبيان مراتبها الحكمية إجمالاً.
وقد تَحَصَّل أَنها على ثلاثة أَقسام:
القسم الأول: الجواب صريحاً بواحد من أَحكام التكليف الخمسة: التحريم، الكراهة، الوجوب، الندب، الِإباحة.
وهذه نص في مذهبه بلا خلاف، سوى لفظ الكراهة، ويأتي.
القسم الثاني: ما أَجاب به وأَكَّدَهُ بِفِعْلِهِ لَهُ، أو بِالقَسَمِ عَلَيْه، وهذا نص في مذهبه بلا خلاف.
القسم الثالث: الجواب منه- رحمه الله تعالى- بلفظ اصطلح عليه يدخل في مدلوله اختلافاً، أو اتفاقا، تحت واحد من أحكام التكليف الخمسة
стр. 171
وأًلفاظ هذا القسم كثيرة، فإلى سرد ما تم الوقوف عليه منها إِجمالاً، ثم الحديث عن فَسْرِ اصطلاحه فيها- رحمه الله تعالى- سيكون في: " المدخل الخامس " وهي:
- أَعجَب إِلَيَّ. يعجبني. لا يعجبني.
- أَحب إليَّ. أحب كذا. لا أحبه
- حسن هذا حسن. هذا أَحسن. أَستحسن كذا لا أَستحسنه
- لا بأس. لا بأس بكذا. أَرجو أَن لايكون به بأس. أَرجو، تفيد الِإباحة اتفاقاً
- احتياطاً يفعل كذا احتياطاً. يحتاط. تحتاط.
- إِن شاء.
- ينبغي. لا ينبغي. لا ينبغي أَن يفعل كذا. لا ينبغي أَن يفعل هذا
- أَكره. أَكرهه. أَكره كذا. كَرِهَهُ.
- أَخاف. أَخاف أَن يكون كذا. أَخاف أَن لا يكون كذا.
- أَخشى. أَخشى أَنه كذا. أَخشى أَنه لا يكون كذا.
- أحب السلامة
- أجبن عنه.
- أَتوقَّاه.
стр. 172
- أهون. هو أهون. ذاك أهون
- أَسهل. هذا أَسهل. هذا أَسهل عندي
- أَشد. هو أَشد. ذاك أَشد.
- أَدْوَنُ. أَيْسَر
- لا يصلح. يفيد التحريم اتفاقاً.
- لا يجزئ.
- لا أَراه. وما أَراه. لا نرى ذلك. تفيد التحريم اتفاقاً
- لا يفعل
- لا أَقنع بهذا
- أَختار كذا
- ما هو عندنا كذا.
- أَستوحش منه.
- ما سمعت.
- لا أَجترئ عليه.
- ذاك شنع. هذا أَشنع. يشنع عند الناس. شَنَّع.
- قبيح. أَستقبحه. هو قبيح. تفيد التحريم اتفاقاً.
- دعه. دع هذه المسألة
стр. 173
فهذه سبعون لفظا، ارتجلها الإمام أَحمد، في الاصطلاح الحكمي على ما يسأل عنه من النوازل والواقعات والأقضيات الفقهية، وَيَلْحَقُ بها جوابه بالحركات. إِشارة وإيماء، تعجباً وضحكاً، نفيا وإثباتاً، وهكذا مما اصطلح الأصحاب على تسميته باسم: " التنبيهات ".
ثم هذه الأَلفاظ التي اصطلح عليها الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- في أَجوبته كما في مسائل أَصحابه عنه، منها ما هو متفق على إِلحاقه بواحد من أَحكام التكليف الخمسة، ومنها ما هو مختلف فيه.
ثم إٍن الرواة عنه قد اختلفت رواياتهم عنه في الحكم الواحد جوازا، أو منعا، وقد سلكَ الأصحاب في هذا مسلكا جميلاً، كتنزيل كل رواية بحكم ما يحف بها، أو الترجيح، أو النسخ، ورجوع الإمام عنها، إلى آخر ما ستراه- إِن شاء الله تعالى- في: " المدخل الثامن ".
стр. 174
الفصل الثاني: في مصطلحات الأصحاب العامة في نقل المذهب، وحكايته، والترجيح فيه
يجد الناظر في هذا مجموعة أَلفاظ، تواضع الأصحاب عليها في نقل المذهب، وتدوينه، وتحريره، هي في جملتها على ثلاث مجموعات:
الأولى: اصطلاحات في محيط أحكام التكليف الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
وهذه معلومة؛ ومبسوطة في كتب: " أصول الفقه ".
ومن مصطلحات الأصحاب في مقام الاستحباب: إطلاق لفظ: " ينبغي " بمعنى: يُستحب، كما في: " الِإنصاف: ١/ ٤٠٩ ".
الثانية: اصطلاحات عامة، متداولة لدى علماء المذهب كافة، بل يشترك في إطلاقها علماء المذاهب الأربعة وهي:
الرواية. الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. القول.
стр. 175
قياس المذهب. الوقف والسكوت. زاد في الفروع: التوجيه.
وزاد الشافعية. " الطرق " كما في: " المجموع " للنووي (١/ ٦٦) وفي: " مغني المحتاج " (١/١٢) .
الثالثة: اصطلاحات خاصة لدى فقيه في كتابه، كابن مفلح في " الفروع " وفَسْر هذه المصطلحات منتشر لدى الأصحاب في كتب الأصول، والفقه، خاصة في مقدمات بعضها وخواتيمها وفي مثانيها، كما في مقدمات: " الفروع " و " تصحيحه " و " شرح المنتهى " و " غاية المطلب في معرفة المذهب " للجراعي. ت سنة (٨٨٣ هـ) . و " كشاف القناع " و " مقدمة الِإنصاف " و " خاتمته " و " خاتمة المطلع " وخاتمة " شرح المنتهى " لمؤلف المتن ابن النجار الفتوحي. و " صفة الفتوى " لابن حمدان. و " شرح مختصر الروضة " للطوفي: (٣/ ٦٤٠- ٦٤٩) و " المسودة " لآل تيميه: (ص/ ٥٢٧- ٥٣٣) والعدة لأَبي يعلى. (٤/ ١٦٢٢- ١٦٤٠) و " المدخل " لابن بدران (ص/ ٥٥- ٥٦، ٢٠٤، ٢١٣) ومقدمة تحقيق: " شرح الزركشي " (١/٨٣- ٨٧) وذيل ابن رجب: (١/١١٦) .
وبالتتبع لهذه المصطلحات في مجموعاتها الثلاث حصل انقسامها إلى خمسة أَقسام هي:
- القسم الأول (١) : ألفاظ تعني نقل المذهب بالرواية عن
стр. 176
الإمام أحمد، وهي على نوعين:
١- الصريح، ويعبر عنه الأصحاب بلفظ: " الرواية " و " الروايات المطلقة " وما في معناها: نصًّا. النص. نص عليه. المنصوص عليه. المنصوص عنه. وعنه. رواه الجماعة.
٢- " التنبيهات " وهي حكاية الراوي: حركة الإمام الجوابية، ولهم في هذا عدة عبارات منها: أَومأ إِليه. أَشار إِليه. دل كلامه عليه. توقف فيه. سكت عنه.
فهذه تعني حكاية الوارد عن الإمام أَحمد بالرواية عنه، فليس للأصحاب فيها سوى النقل.
وحقيقة كل من النوعين كالآتي:
الرواية: هي الحكم المروي عن الإمام أَحمد في مسألة ما، نصا من الإمام، أو إِيماء (١) ، وقد تكون تخريجاً من الأصحاب على نصوص أحمد فتكون: " رواية مخرجة " (٢) .
وبقية الأَلفاظ المذكورة بعد لفظ: " الرواية " بمعناها، وهي:
* نَصًّا و " النص " و " المنصوص عليه " و " عنه ": هو الصريح في معناه (٣) ، أي عن الإمام.
стр. 177
* رواه الجماعة: فيُراد به القول عن الإمام أَحمد يرويه عنه الكبار من تلامذته وهم سبعة: ولداه: عبد الله، وصالح، وحنبل ابن عم الإمام- إسحاق- وأَبو بكر المروذي، وإبراهيم الحربي، وأَبو طالب، والميموني. وهو اصطلاح متقدم، وقد استعمله أبو الخطاب في " الانتصار " وابن قدامة في: " المغني " والمرداوي في: " الإنصاف " (١) وغيرهما.
وانظر في حرف الراء: رواه الجماعة، من الفصل الثالث.
* التنبيهات: هي حكاية الراوي: حركة الإمام الجوابية: إِشارةً، بايماءً، وتعجباً، وضحكاً، نفياً، وإثباتاً، وتعابيرهم عن هذا بلفظ: أَومأ إِليه. أَشار إليه. وتشمل التنبيهات أيضا: تعابير الأصحاب عما ليس فيه للِإمام عبارة صريحة، مثل قولهم:
" ظاهر كلام الإمام كذا "، " دَلَّ كلامه عليه.
وتشمل أيضا حكاية الأصحاب للتوقف، والسكوت من الِإمام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى (٢) -: " وأَما التنبيهات بلفظه، فقولنا: أَومأ إليه أَحمد، أو أَشار إِليه، أَو
دل كلامه عليه، أو توقف فيه " انتهى.
стр. 178
- القسم الثاني: وأَلفاظه: الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. الاتجاه- ويُقال: التوجيه-. القول. قياس المذهب. الوقف ويأتي التعريف بها في: " الفصل الثاني " من " المدخل الخامس ".
وهذه من فقه الأصحاب في إطار أصول المذهب، وقواعده، والتنظير بمسائله فيما لا نص فيه، ولا رواية عن الإمام، حينما تعوزهم الرواية عن الإمام، ويفقدون النص عنه، فإن الفقيه المتمذهب يفزع إلى نصوص إمامه فيجيل نظره في ذلك النص: في منطوقه، ومفهومه، وعامه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده، مستظهرا علته، مبيناً مدركه، حتى يتم له بيان الحكم التكليفي فيما لم يتكلم فيه الإمام في إطار مذهبه على وجه التخريج، أو الوجه، أو الاحتمال، أو قياس المذهب، فيحصل للفقيه المتمذهب أمران:
أولها: بيان حكم الواقعة، أو الفرع المقرر المفترض.
وثانيها: أن يكون ذلك الحكم في دائرة المذهب بواحد من المسالك الممنوحة لمجتهد المذهب من الأصحاب المتقدم ذكرها.
- القسم الثالث: أَلفاظ من الأصحاب يصدق أي مصطلح منها على أي مصطلح في القسمين قبله، منها:
المذهب. ظاهر المذهب. القول.
* المذهب كذا (١) : سواء كان من نصِّ الإمام، أو مُخَرَّجاً عليه.
стр. 179
وقد أَطال ابن حمدان في: " صفة الفتوى " في الحط على من ينصون على أَنَّ كذا هو المذهب بلا علم ولا هدى، وبسط القول بمبحث نفيس محذرا من الاغترار بهم، ولأهميته نقله عنه المرداوي في " خاتمة الِإنصاف " بطوله: (١٢/ ٢٦٧- ٢٧٦) .
وانظر في المدخل الثامن طرق معرفة المعتمد في المذهب.
- ظاهر المذهب: هو المشهور من المذهب (١) .
أي: سواء كان رواية، أو وجهاً، ونحوه.
قال المرداوي في مقدمة: " تصحيحه " (٢) :
" قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد نقل عن أَبي البركات جدنا، أَنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر المذهب إِنه ما رجحه أَبو الخطاب في: " رؤوس مسائله "، قال: ومما يعرف منه ذلك: المغني لأَبي محمد، وشرح الهداية لجدنا. ومن كان خبيراً بأصول أَحمد، ونصوصه؛ عَرَفَ الراجح من مذهبه في عامة المسائل " انتهى.
- القول (٣) : يشمل: الوجه، والاحتمال، والتخريج، وقد يشمل
стр. 180
الرواية، وهو كثير في كلام المتقدمين كأَبي بكر وابن أَبي موسى، وغيرهما، والمصطلح الآن على خلافه.
قال البهوتي- رحمه الله تعالى- على قول الحجاوي في: " الِإقناع ": " على قول واحد ":
" من غير تعرض للخلاف طلباً للاختصار وكذلك صنعت في شرحه، والقول: يعم ما كان رواية عن الإمام، أو وجهاً للأَصحاب.
- القسم الرابع: اصطلاحات في نقلهم الخلاف المطلق في المذهب بلا ترجيح.
ومنها: على روايتين. فيه روايات. على وجهين. فيه أوجه. أو احتمالان. أو احتمالات. أو احتمل كذا.
قيل كذا. وقيل كذا. قيل وقيل. قال فلان كذا وقال فلان كذا. ونحوها.
- القسم الخامس: اصطلاحات في مقام الترجيح والاختيار والتصحيح والتضعيف في المذهب.
ومنها: الأَصح. في الأصح. في المشهور. على المشهور. الأَشهر. وهكذا في ألفاظ أخرى، وكل ألفاظ هذين القسمين، تكون حسب اصطلاح كل فقيه في كتابه، وهي مفصلة في: " الفصل الثالث " من: المدخل الخامس ".