← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 23611

المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب

بكر أبو زيد

Полный текст (1 073 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثم مِحْنَةٌ ثم نُصْرَةٌ. ويمكن تلخيصها محنة، ثم نصرة، في العناوين الآتية: * المدَّعِي: أَحمد البدعة: أَحمد بن أَبي دؤاد، المولود سنة (١٦٠ هـ) والمتوفى سنة (٢٤٠ هـ) ببغداد، كان له مجد في: الثراء، والقضاء، والحظوة لدى الخلفاء، لكن أَبغضته العامة، لفساد معتقده، وإيقاده الفتن. قام هذا السبأي الماكر بالنَّوْبَةِ عن الجهمية والمعتزلة بدعوى خلق القرآن، متسترًا بثلاثة من خلفاء بني العباس على التعاقب: المأمون، فالمعتصم، فالواثق. ويمثلهم في الساحة الجاحظ عمرو بن بحر الكناني مولاهم المعتزلي، المتوفى سنة (٢٥٥ هـ) فهو الصحفي المتحدّث بلسان المعتزلة، ناشر وقائع الدعوى مُمَوّهًا بظهور ابن أَبي دؤاد على ابن حنبل الإمام! وفي التنفيذ: الجلواز " المصعبي " المسكين، عسى أَن تكون غايته أَنه: " خادم مأمور " فقد بقي هذا المسكين صاحب الشرطة في بغداد في أَيام: المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. نعوذ بالله من الشقاء. " المدَّعى عليه: أحمد السنة: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المولود سنة (١٦٤ هـ) المتوفى سنة (٢٤١ هـ)

стр. 387

نوْظِرَ في عهد المأمون، ثم سجنه ببغداد، ثم حُمِلَ مقيدًا إِليه في طرسوس، ثم أُعيد إلى سجنه ببغداد؛ إِذ مات المأمون وهو في الطريق محمولًا مقيدًا معادلًا على جمل مع صاحبه: محمد بن نوح، والذي مات في الطريق- رحمة الله عليه- ثم ضُرِبَ أَحمد في عهد المعتصم، ثم أفرج عنه من سجنه، ومنع من الدرس في عهد الواثق، ثم انتهت الدعوى بظهوره على ابن أَبي دؤاد في عهد المتوكل. كان له من المنزلة في قلوب العامة والخاصة ما ملأ الكتب من محبته وتقديره، والثقة به، واتخاذه قدوة في إِحياء الشرع المطهر. ثبت- رحمة الله تعالى عليه- في مواجهة هذه المكيدة محتسبًا هذه الفتنة لِصَدِّها عن أهل الإسلام في قالب أهل السنة والجماعة، مكتويًا بنارها، صابرا على محنتها، مطفئًا لضلالها في كوكبة علماء الأمة وخيارها، الذين اتحد موقفهم على معتقدهم الحق: " القرآن كلام الله غير مخلوق ". * الظرف العقدي لزمن الفتنة: في هذه الحقبة: شاع الرفض والتجهم، والاعتزال، والخوض بالقدر، وسب الأصحاب، ودعوى خلق القرآن. * محل الدعوى: نشأت هذه الفتنة أول ما نشأت في: " اليمن " ثم زُرعت في: " العراق " وفيها رمت بثقلها، وعنها انتشرت في الآفاق في: مصر والشام، وبلاد فارس، وغيرها وكان محل الدعوى منها في: " بغداد "

стр. 388

وجُلَّ القائلين بخلق القرآن من موالي بغداد. * موضوع الدعوى: " القرآن مخلوق ": إِنَّها دعوى الجهم بن صفوان، الذي انحاز بأَتباعه عن جماعة المسلمين بهذه المقالة الكافرة، ثم افترقوا فيها إلى ثلاث فرق: فقالت طائفة منهم: " القرآن مخلوق ". وقالت طائفة منهم: " القرآن كلام الله " وسكتت، وهي الواقفة الملعونة. وقالت طائفة: " أَلفاظنا بالقرآن مخلوقة " وهم اللفظية المبتدعة. * مدة الدعوى: بدأت فتنة بعد المائة الأُولى من الهجرة، ثم استمرت في خفاء حتى شيدها وأَعلنها ابن أَبي دؤاد منذ عام ٢١٢ هـ، ثم بدأ الامتحان بها منذ عام ٢١٨ هـ. حتى تجلت في عام ٢٣٤ هـ. أَي: كانت مدة الدعوى سبعة عشر عامًا. * حجة المدعي: " هي هباء وغاية في الوهن والوَهَاء، إِنَّها: " مدرسة الرأي المذموم " في إِخضاع النص للعقل، والعقل يحركه الهوى، والهوى لا عاصم له، مفروضًا بقوة السلطان، مستعملًا نفوذه أَدوات مراغمة له. * حجة المدعى عليه: هي أجْلَى من ابن جَلاَ إنها: " مدرسة النص " في إخضاع العقل للنص- والنص معصوم- يحركه سلطان الحق، ونفوذه على القلوب المفروض على الناس بقوة الإيمان

стр. 389

بالنص المعصوم. فهو يمتلك سلطان الحق المبين، وحجة الِإيمان المتين، ويقين الصادقين، وبركة الناصحين. ومن نظر فيما جرى فيها من محاورات، ومناظرات، مما هو منثور في الكتب المؤلفة عن هذه المحنة، ومن بطون التراجم والسير رأى في ذلك عجبا، لكن أعظم حجة واجه بها الإمام أَحمد خصومه، هو ذلك الدليل العظيم:، " السبر والتقسيم " وقد أَفاض شيخنا محمد الأمين الشنقيطي، المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ) بمكة - رحمه الله تعالى- في الحديث عن هذا الدليل في تفسيره: " ٤/٣٦٥- ٣٨٤ " وكان مما ذكره مما يتعلق بموضوع بحثنا قوله: " ٤/ ٣٧٨-٣٨٠ ": إن هذا الدليل. " السبر والتقسيم " هو أول سبب لضعف المحنه العظمى على المسلمين في عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم، وكان خلاصة هذا الدليل الذي ألقم به الإمام أحمدُ خَصمَهُ أحمد بن أبي دؤاد، حَجَراً: " أن الشيخ يقول لابن أبي دؤاد: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، عالمين بها، أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره، فَلاَ قِسْمَ ثالث البتة، ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين، فبيَّن أَن السبر الصحيح، يُظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس على كل تقدير من التقديرين.

стр. 390

أَمَّا عَلَى أن النبي كان عالما بها هو وأَصحابه- وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها- فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النبي وأصحابه من عدم الدعوة لها، وكان يسعه ما وسعهم. وأَما على كون النبي وأصحابه غير عالمين بها، فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدَّعي أنه عالم بها مع عدم علمهم بها، فظهر ضلاله على كل تقدير ولذلك سقط من عين الواثق، وتركَ لذلك الواثقُ امتحانَ أهل العلمِ، فكان هذا الدليل أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى، حتى أَزالها الله بالكلية على يد المتوكل- رحمه الله تعالى- وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا الدليل المذكور " انتهى. ومما يُذكر استطرادًا ما في: " الِإتقان " للسيوطي، وفي غيره (١) : أنه قد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الِإنسان في ثمانية عشر موضعًا، وقال: إنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق، ولما جمع بينها غاَيَرَ، فقال: " الرحمن علَّم القرآن. خلق الِإنسان " * ماذا لحق المدعى عليه من الأَذى: يقلبه المدعي الآثم بعصا الولاة على الشوك بالضرب أَمام جموع المسلمين، والسجن مع المجرمين، وحجبه عن الدنيا بجميع مقوماتها، وسجن روحه عن الدرس وإفادة الطالبين.

стр. 391

* كسب الدعوى: والنتيجة الحكمية والعاقبة كانت لأَهل السنة: ظهر أَحمد السنة على أَحمد البدعة بالحجة والبرهان، وظهر أهل السنة على أهل البدعة، وظهر الحق على الباطل، وانتصر فقير المال على فقير الِإيمان، وفاز المقيد بالحديد، المضروب سِرًّا وعَلَناً، على المختال الماكر المترجل على بلاط الولاة، فارتفعت به رؤوس أهل السنة، وقمعت أَخلاف أهل البدعة؛ فلم يستجب للجهمية أَحد من علماء المسلمين، وكانت طرائقهم لرفضها متنوعة: مقتول في سبيلها. وآخر في سجن وعذاب. وثالث مات حتف أَنفه متألمَاً. ورابع أَجاب مكرهاً. وخامس فرَّ من الفتنة واختفى. وانفرد بالوقوف علنا في وجهها: الأَئمة. محمد بن نوح، حتى وافاه الأَجل المحتوم مقيدًا سنة (٢١٨ هـ) ونعيم بن حماد، المتوفى بالسجن بسببها في بغداد سنة (٢٢٨ هـ) ويوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، المتوفى بالسجن بسببها في بغداد سنة (٢٣١ هـ) وأحمد بن نصر الخزاعي، المقتول فيها سنة (٢٣١ هـ) وأَحمد بن حنبل حتى تم له النصر المكتوب سنة (٢٣٤ هـ) وقد توفي سنة (٢٤١ هـ) - رحمه الله تعالى-.

стр. 392

ومن الذين وقفوا في وجه هذه الفتنة: فضل الأنماطي- رحمه الله تعالى- وأبو صالح- رحمه الله تعالى- قال الذهبي في: " السير ١١/٢٦٣: " وأظهرت القضاة- المحنة بخلق القرآن وفُرَق بين فضل الأَنماطي وامرأته، وبين أبي صالح وبين امرأته ... ". ومن الذين كان لهم مقام محمود في الوقوف أمام هذه الفتنة: الراوية في الكتب الستة: عفان بن مسلم الإمام الحافظ المتوفى سنة (٢١٩ هـ) - رحمه الله تعالى- قال الذهبي في: " السير " قال حنبل: حضرتُ أبا عبد الله وابنَ مَعِين عند عفان بعدما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة وكان أول من امتحن من الناس عفان، فسأله يحيى من الغدِ بعد ما امتُحن، وأبو عبد الله حاضِر ونحنُ معه، فقال: أخبرنا بما قال لَكَ إسحاق؟ قال: يا أبا زكريا لم أسَوِّد وجهَكَ ولا وجُوهَ أصحابِكَ، إني لم أجِبْ فقال له: فكيف كان؟ قال: دعاني وقرأَ عليَّ الكتابَ الذي كَتبَ به المأمون من الجزيرة، فإذا فيه: امتَحِن عفان، وادعُهُ إلى أَنْ يقولَ: القرآنُ كذا وكذا، فإن قال ذلك فأَقِره على أَمرِه، وإن لم يُجِبْكَ إلى ما كتبتُ به إليكَ فاقطَعْ عنه الذي يُجرى عليه- وكان المأمون يُجري على عفان كلَّ شهر خمسَ مئةِ درهم- فلما قرأَ عليَّ الكتاب قال لي إسحاقُ، ما تقولُ؟ فقرأتُ عليه: (قُلْ هُو الله أَحَدٌ) حتى ختمتُها، فقلتُ:

стр. 393

أمخلوقٌ هذا فقال. يا شيخُ، إنَّ أميرَ المؤمنين يقولُ: إنَّك إن لم تُجِبْهُ إلى الذي يدعوكَ إليه يقطَعُ عنك ما يجري عليكَ فقلتُ: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: ٢٢] ، فسَكَتَ عني، وانصرفت، فسُرَّ بذلك أبو عبد الله ويحيى. قلتُ: هذه الحكايةُ تدلّ على جلالةِ عفان وارتفاعِ شأنِهِ عند الدولة، فإن غيره امتُحِنَ، وقيد وسُجِن، وعفانُ فما فعلوا معه غيرَ قطعِ الدراهم عنه. قال القاسم بن أبي صالح: سمعتُ إبراهيم بنَ ديزيل يقول: " لما دُعي عفَّانُ للمِحنةِ، كنتُ آخِذًا بِلجام حِمارِه، فلما حَضَر عُرِض عليه القولُ، فامتنع أن يُجِيبَ، فقيل له: يُحبَسُ عَطاؤك- قال: وكان يُعطى في كُلِّ شهرٍ ألفَ درهم- فقال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فلما رَجَعَ إلى دارِه عَذَلَهُ نِساؤُه ومَن في داره، قال: وكانَ في دارِه نحو أربعينَ إنسانا، فدقَّ عليه داقٌّ البابَ، فدخلَ عليه رجل شبهتُه بِسَمَّانٍ أو زَيَّات، ومَعه كيس فيه ألفُ درهم، فقال: يا أبا عثمان ثبتكَ الله كما ثَبَّتَّ الدين، وهذا في كل شهر " انتهى. * شهداء الفتنة: هذه الفتنة غزت صفوة الأمة وخيارها: العلماء، من مفسرين، ومحدثين، وغيرهم، فأوذي فيها علماء كثيرون وامتلأت سجون بغداد، و " سر من رأى " حتى قيل لها: " سوء من رأى ". وفر آخرون من دار إلى دار ومن قطر إلى آخر.

стр. 394

مات محمد بن نوح وهو في قيده برفقة الإمام أَحمد ت سنة (٢١٨ هـ) . ومات في السجن: نعيم بن حماد ت سنة (٢٢٨ هـ) ويوسف ابن يحيى البويطي المصري صاحب الإمام الشافعي. ت سنة (٢٣١ هـ) في عهد الواثق؛ إذ كتب القاضي أحمد بن أَبي دؤاد إلى قاضي مصر بامتحانه، فأَبى البويطي، وقال: لئن أَدخلت على الواثق لأَصْدُقَنَّهُ، ولأَموتن في حديدي هذا؛ حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وقد حُمِلَ من مصر إلى بغداد، ومات سجينًا ببغداد سنة (٢٣١ هـ) - رحمه الله تعالى-. وَقتَلَ الخليفه الواثق: العالم العابد أَحمد بن نصر الخزاعي سنة (٢٣١ هـ) . * الذين لاذوا بِالتَّقِيَّة: أَقبلت المحنة تساق بقوة السلطان ونفوذه، فلاذ الممتحنون بالتقية، فأَجابوا في المحنة على حد قول الله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) . فأَجاب مكرهًا تقية: جمع من العلماء، سَمَّاهم ابن الجوزي في: " المناقب " وساق عن بِشْرٍ الحافي قوله فيهم: " وَدِدت أن رؤوسهم خُضبت بدمائهم وأنهم لم يجيبوا ". * الثابت في المحنة: أَما ثبات القلب، واطمئنانه بما قضت به نصوص الوحيين الشريفين، من أَن " القرآن كلام الله غير مخلوق " فقد كان هذا الثبات- ولله الحمد- صفة لعموم أهل الإسلام الذين لم يتلطخوا بأقذار التجهم والاعتزال، وهذه نعمة من الله عظيمة، وبرهان

стр. 395

ساطع في نفوذ هذا الدّين، وحفظ الله له، رغم ما يكاد له. والحمد لله رب العالمين، فما نعلم عالمًا سنيًا قط تولَّى عن معتقده وانحرف، وأَدار ظهره، مستقبلًا البدعة. وأَما الثابت في المحنة، ثباتًا مضافًا إلى ثبات جنانه، بمعنى وقوفه في المواجهة، وإعلانه مكاسرة المبتدعة فهي في نطاق رجلين اثنين: محمد بن نوح، وقد توفي مُمْتَحَنًا بأَقياده سنة (٢١٨ هـ) - رحمه الله تعالى-، وأَحمد بن حنبل وقد مَدَّ الله في عمره حتى شهدت الدنيا دور النصرة ، وخذلان البدعة، كما رأت الدنيا من يوم وفاته سنة (٢٤١ هـ) يوما مشهودًا كأنّما حشر له الناس، ومات ابن أَبي دؤاد حتف أَنفه وجلس أَيامًا لم يجد من يغسله ويكفنه. * دَوْرُ النصرة: تَجَلَّت النّصْرَةُ لِأَهْلِ السنة على أهل البدعة في موقفين: أَما الأول: فمن بداية الفتنة، فالمحنة بالقول بخلق القرآن، ثبتَ الله- سبحانه- قلب الإمام أَحمد، وَعَصَمَ لسانه من النطق تقية بخلق القرآن، وأَصر على رفض هذه المقولة، وأعلن السنة: " القرآن غير مخلوق " والدولة من ورائه من سدتها العليا إلى أَخلاف السوء. فهذا ظهور للسنة وأهلها، من أول يومها، وكسر للبدعة، والضلالة، وأهلها. ولهذا ساق ابن الجوزي بسنده إلى ابن أبي أسامة قال: " حُكِيَ

стр. 396

لنا أَن أَحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله ألا ترى الحق، كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال: كَلا إن ظهور الباطل على الحق أَن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق " انتهى. وأَما الثاني " فهو ظهور أحمد السنة على أحمد البدعة، بالبرهان والحجة، وسقوط أَحمد البدعة، وتهافت شبهه، واختفاء مقالته، وهلك ابن أَبي دؤاد فى " سنة (٢٤٠ هـ) ببغداد ولم يشهد جنازته مخلوق. وصدق ابن المديني- رحمه الله تعالى- في قوله: " أَعَزَّ الله هذا الدِّين برجلين ليس لهما ثالث: أَبو بكر الصديق يوم الردة وأَحمد بن حنبل يوم المحنة " رواه الخطيب في: " تاريخه: ٤/ ٤١٨ " وابن أبي يعلى في: " الطبقات: ١/١٣ ". ونحوها عن المزني كما في: " السير للذهبي: ١١/ ٢٠١ ". * المحنة الثانية: مكيدة يديرها الحاقدون: بعد ثلاث سنين من إِخماد محنة القول بخلق القرآن، أشعل المفتونون، محنة ثانية للإمام أَحمد، من باب الكيد له، خلاصتها: أَن المتوكل كان يكره العلويين، ومن يؤويهم، فأَعلن أخلاف السوء أن الإمام أحمد: كان يؤوي علويًا من خراسان في داره، واستطاعوا بهذا تحريك المتوكل ضده سنة (٢٣٧ هـ) فبعث له المتوكل بواسطة واليه على بغداد، فريقًا من الرجال والنساء، فكبسوا عليه في داره ليلا، يُفَتشُون عن وجود ذاك

стр. 397

العلوي في داره، فخاب الفاتنون، وظهرت براءة أَحمد، فَفَرحَ المتوكل. * المحنه الثالثة: محنة الدنيا: بعث المتوكل للإمام أَحمد: جائزة الظهور بالحجة على ابن أَبي دؤاد وهي عشرة آلَاف درهم، مع مندوبه، بكتاب رقيق العبارة واعتذار، وإجلال للِإمام أَحمد، وتأكيد عليه بقبول الجائزة، ودعوته للمجيء إِليه. وقف أَحمد حيران، ثم فُتح له بقبولها، لكن ما طلع الفجر إِلا وقد وَزَّع الدراهم كُلَّها على أَولاد المهاجرين، والأَنصار، وفقراء عامة المسلمين. * المحنة الرابعة: محنة الدنيا الثانية: خرج الإمام أَحمد إلى المتوكل إِجابة لدعوته، وفي طريقه- لما علم المتوكل بخروجه- بعث بعشرة آلاف درهم لأَولاد الإمام أَحمد، ورغب إِليهم عدم إِخبار أَحمد بها. استقبل قصر المتوكل الإمام أَحمد، بما فيه من حَشَمٍ، وخَدَمٍ، ووزراء، والعيون تنظر إِليه بالتقدير، والحب، والِإجلال، في قصص يطول ذكرها. لكن الإمام أحمد يرى أَنه إن كان بالأمس- أيام محنة القول بخلق القرآن- في سجن البدن، فهو اليوم في سجن الروح، فهو يتمنى الخلاص، والإذن له بالعودة إلى داره في بغداد.

стр. 398

يرفض العطاء يرفض السكنى عند المتوكل. يرفض قبول شراء دار له في بغداد. يبعث بالكتاب بعد الكتاب لولده في بغداد بعدم قبول الجوائز والصلات. ويوصيه بالحرص على الزهد والقناعة. وأحمد- رحمه الله تعالى- يصبر ويحتسب، أمام هذه المواجهات والمِحَن، وما زال في رِفعة وعلو، وجلالة قَدْرٍ مَلأَت قلوب الناس، وصار لقلوبهم مثل العافية لأَبدانهم، وما أجود ما قاله الذهبي حينما امتحن الإمام مالك- رحمه الله تعالى- في مسألة إيمان البيعة (١) : " وهذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير " ومن يُرد الله به خيرًا يُصب منه " - رواه البخاري- وقال النبي ﷺ : " كل قضاء المؤمن خير له ". وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد /٣١] وأنزل في وقعة أحد قوله: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران/١٦٥] ، وقال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى/٣٠] ، فالمؤمن إذا امتُحن، صبر واتَّعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حَكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له " انتهى. فهذه بعد: من عيون المعارف في ترجمة هذا الإمام، وحياته

стр. 399

ومواقفه فيها، لاسيما أَيام محنة القول بخلق القرآن بحاجة إلى من يستجلي العبر، والدروس منها. وقد قام العالم الفاضل الشيخ: أَحمد ابن عبد الجواد الدومي بجهد متميز في كتابه: " أَحمد بن حنبل بين محنة الدين، ومحنة الدنيا " فمن أَراد أَن يزداد يقينه، ويقوى إِيمانه فليقرأ هذا الكتاب. غفر الله لمؤلفه ورحمه، آمين.

стр. 400

المبحث الخامس: في معرفة الخصال التي تَمَيَّز بها الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى- قال ابن أَبي يعلى في: " الطبقات ١/٤٠٦ " في ترجمة يحيى ابن معين، المتوفى سنة (٢٣٣ هـ) عن شيخه الإمام أَحمد: " كان في أَحمد بن حنبل ست خصال، ما رأيتها في عَالم قَط: كان محدثًا وكان حافظًا. وكان عالمًا. وكان ورعًا. وكان زاهدا. وكان عاقلا " انتهى. وقال قَبْل في ترجمة الإمام أَحمد: (١/٥- ١٦) : " وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: أَحمد إِمام في ثمان خصال: إِمام في الحديث، إِمام في الفقه، إِمام في اللغة، إِمام في القرآن، إِمام في الفقر، إِمام في الزهد، إِمام في الورع، إِمام في السنة ". وصدق الشافعي في هذا الحصر. أَما قوله: " إِمام في الحديث " فهذا ما لا خلاف فيه ولا نزاع، حصل به الوفاق والإجماع، أَكثر من التصنيف، والجمع والتأليف، وله: الجرح والتعديل، والمعرفة والتعليل، والبيان والتأويل. قال أَبو عاصم النبيل يومًا: مَنْ تَعُدُّون في الحديث ببغداد؟ فقالوا: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبا خيثمة، ونحوهم. فقال: من تعدون

стр. 401

بالبصرة عندنا؟ فقالوا: على بن المديني، وابن الشاذكوني، وغيرهما. فقال: من تعدون بالكوفة؟ قلنا: ابن أَبي شيبة، وابن نُمير، وغيرهما، فقال أَبو عاصم- وتنفس-: ها، ها، ما أَحد من هؤلاء إِلاَّ وقد جاءنا ورأيناه، فما رأيت في القوم مثل ذلك الفتى أَحمد بن حنبل. وقال أَبو عبيد القاسم بن سَلاَّم: انتهى العلم إلى أَربعة. أَحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأَبي بكر بن أَبي شيبة. وكان أَحمد بن حنبل أَفقههم فيه. ودخلَ الشافعي يومًا على أَحمد بن حنبل، فقال: يا أَبا عبد الله؟ كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا، فلو كان معي حديث عن رسول الله ﷺ ؟ فدفع إِليه أَحمد ثلاثة أَحاديث. فقال له: جزاك الله خيرًا. وقال الشافعي لِإمامنا أَحمد يوما: أَنتم أَعلم بالحديث والرجال، فإِذا كان الحديث الصحيح فأَعلموني، إِن شاء يكون كوفيًا، أو شاء شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا. وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأَهله. وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أَحمد بن حنبل. قالوا له: وإيش الذي بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين أَلف مسألة، فأَجاب فيها بأَن قال: " أخبرنا " و " حدَّثنا ". وقال إبراهيم الحربي- وقد ذكر أحمد-: كأَن الله قد جمع له

стр. 402

علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى، ويمسك ما يشاء. وقال أَبو زُرعة الرازي: حَزَرنا حفظ أَحمد بن حنبل بالمذاكَرة على سبعمائة أَلف حديث. وفي لفظ آخر قال أَبو زرعة الرازي: كان أَحمد يحفظ أَلف أَلف. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأَبواب. وأَما الخصلة الثانية، وهي قوله: " إِمام في الفقه " فالصدق فيه لائح، والحق فيه واضح، إِذ كان أَصل الفقه: كتاب الله وسنة رسوله وأَقوال صحابته، وبعد هذه الثلاثة: القياس. ثم قد سُلّم له الثلاث، فالقياس تابع، وإنما لم يكن للمتقدمين من أَئمة السنة والدِّين تصنيف في الفقه، ولايرون وضع الكتب ولا الكلام، إِنما كانوا يحفظون السنن والآثار ويجمعون الأخبار ويفتون بها فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها عنهم ودراية يتفهمها منهم ومن دقق النظر وحقق الفكر شاهد جميع ما ذكرته. وأَما نقلة الفقه عن إمامنا أَحمد فهم أَعيان البلدان، وأَئمة الأَزمان، منهم: ابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل، وإسحاق بن منصور الكوسَج المروزي، وأَبو داود السجستاني، وأَبو إِسحاق إبراهيم الحربي، وأَبو بكر الأَثرم، وأَبو بكر المروزي، وعبد الملك الميموني، ومُهنا الشامي، وحرب الكرماني، وأَبو زرعة وأَبو حاتم الرازيان، وأَبو زرعة الدمشقي، ومثنى بن جامع الأنباري، وأبو طالب المشكاني، والحسن بن ثواب، وابن مشيش، وابن بدينا الموصلي، وأَحمد ابن

стр. 403

القاسم، والقاضي الرّقي، وأَحمد بن أصرم المزني، وعلي بن سعيد النسوي، وأَبو الصقر، والرزاطي، والبغوي، والشالَنْجِي، وعبد الرحمن المتطبب، وأَحمد بن الحسن الترمذي، وأَحمد بن أَبي عبدة، وأَحمد ابن نصر الخفاف، وأحمد بن واصل المقري، وأَحمد بن هشام الأَنطاكي، وأَحمد بن يحيى الحلواني، وأَحمد بن محمد الصائغ، وأَحمد بن محمد بن صدقة. وهم مائة ونيف وعشرون نفسًا. وأَما نقلة الحديث عنه: فقد جمعت فيهم المصنفات، وساقهم الأئمة الثقات، وقال الأَثرم: قلت يوما - ونحن عند أَبي عبيد القاسم ابن سلام - في مسألة. فقال بعض من حضر هذا قول من؟ فقلت: من ليس بغرب ولا شرق أكبر منه: أَحمد بن حنبل. قال أَبو عبيد: صدق. وقال إِسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن آدم يقول: أَحمد بن حنبل إِمامنا. وقال أبو ثور أحمد بن حنبل: أَعلم من الثوري وأَفقه. وأَما الخصله الثالثة، وهي قوله: " إِما في اللغة "، فهو كما قاله. قال المروزي: كان أَبو عبد الله لا يلحن في الكلام، ولما نوظر بين يدي الخليفة كان يقول: كيف أَقول ما لم يُقَل؟ وقال أَحمد - فيما رواه عنه محمد بن حبيب -: كتبت من العربية أَكثر مما كتب أَبو عمرو بن العلاء، وكان يُسأل عن أَلفاظ من اللغة تتعلق بالتفسير والأخبار فيجيب عن ذلك بأوضح جواب، وأفصح خطاب

стр. 404

فروى عبد الله بن أَحمد: سألت أَبي عن حديث إسماعيل ابن عُلَيَّة عن أَيوب عن أَبي معشر قال: " يكره التكفير في الصلاة "؟ قال أَبي: التكفير أَن يضع يمينه عند صدره في الصلاة. وقال عبد الله أيضا: قرأت على أَبي: أَبو خالد الأَحمر عن ابن جريج عن عطاء قال: " في الوطواط ثلثي درهم " سألت أَبي عن الوطواط؟ قال: هو الخُطَّاف. وقال عبد الله أيضا: سألت أَبي عن نهي النبي ﷺ عن بيع المجبر؟ فقال: يعني ما في الأَرحام. وقال عبد الله أيضا: سئل أَبي عن حَبل الحَبَلة؟ قال: التي في بطنها إذا وضعت وتحمل، نهى النبي ﷺ عنه لأَنه غرر، يقول: نتاج الجنين. وقال عبد الله بن أَحمد أيضا: سمعت أَبي في حديث ابن مسعود: " كفى بالمَعْك ظلمًا " قال أَبي: المعك: المطْل. وقال عبد الله بن أَحمد: حدَّثني أَبي حدَّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير " كان رجل يداين الناس، له كاتب ومتجاز " قال أَبي: " المتجازي " المتقاضي. وقال حرب الكرماني: قلت لأَحمد: ما تفسير " لا تقضية في ميراث إلَّا ما حمل القَسْم "؟ قال: إِن كان شيئًا إِن قسم أضَرَّ بالورثة، مثل الحمام وغير ذلك مما لا يمكن قَسْمه. وأما الخصلة الرابعة، وهي قوله: " إمام في القرآن " فهو واضح

стр. 405

لا يمكن البيان، لائح البرهان. قال أَبو الحسين بن المنادي: صنف أَحمد في القرآن: التفسير، وهو مائة أَلف وعشرون أَلفًا، يعني حديثاَ، والناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى، وجواب القرآن، وغير ذلك. وقال عبد الله بن أَحمده كان أَبي يقرأ القرآن في كل أسبوع ختمتين، إِحداهما بالليل، والأخرى بالنهار. وقد ختم إِمامنا أَحمد القرآن في ليلة بمكة مصليًا به. وأَما الخصلة الخامسة، وهي قوله: " إِمام في الفقر " فيا لها من خَلة مقصودة، وحالة محمودة، منازل السادة الأَنبياء، والصفوة الأَتقياء. أَنبأنا الوالد السعيد بإِسناده عن أَبي جعفر في قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) [الفرقان/٧٥] قال: الجنة (بِمَا صَبَرُوا) قال: على الفقر في الدنيا. وبإِسناده عن أَبي بَرْزة الأَسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أَغنيائهم بمقدار أَربعين خريفاً، حتى يتمنى أَغنياء المسلمين يوم القيامة أَنهم كانوا في الدنيا فقراء ". وبإِسناده عن أَبي سعيد الخدري قال: سمعته النبي ﷺ يقول: " اللهم توفني فقيرا، ولا تتوفني غنيًا ". وبإِسناده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " الفقر على المؤمن أَزين من العذار على خد الفرس ". وأخبرنا بهذا الحديث جدي جابر قال: أَخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا محمد بن العباس بن الفضل المروزي أبو جعفر، حدثنا أبي، حدَّثنا إسحاق بن بشر، حدَّثنا شريك عن أبي

стр. 406

إِسحاق السَّبيعي، عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ " الفقر على المؤمن أزين من العذار على خَدِّ الفرس ". وبإِسناده عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : " القه فقيرًا ولا تلقه غنياَ. قال: فقلت: كيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: إذا رزقت فلا تَخْبأ، وإذا سُئلت فلا تمنع. قال: قلت: وكيف لي بذلك، يا رسول الله؟ قال: هو ذاك، وإلًا فهو النار ". وأَما الخصلة السادسة، وهي قوله: " إِمام في الزهد " فحاله في ذلك أَظهر وأَشهر أَتته الدنيا فأَباها، والرياسة فنفاها، عرضت عليه الأَموال، وفرضت عليه الأَحوال، وهو يرد ذلك بتعفُّف وتعلُّل وتقلُّل. ويقول: قليل الدُّنيا يجزي وكثيرها لا يجزي، ويقول: أَنا أَفرح إذا لم يكن عندي شيء. ويقول: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأَيام قلائل. وقال إِسحاق بن هانئ: بكَّرت يومًا لأعارض أَحمد بالزهد، فبسطت له حصيرًا ومَخَدَّة، فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ قلت: لتجلس عليه فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلَّا بالزهد فرفعته، وجلس على التراب. وقال أَبو عمير عيسى بن محمد بن عيسى- وذكر عنده أَحمد ابن حنبل- فقال: ﵀، عن الدنَيا ما كان أَصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدُّنيا فأباها " والبدع فنفاها.

стр. 407

وأَما الخصلة السابعة، وهي قوله: " إِمام في الورع " فصدق في قوله وبرع، فمن بعض ورعه: قال أَبو عبد الله السمسار كانت لأم عبد الله بن أَحمد دار معنا في الدرب، يأخذ منها أَحمد درهمًا بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة لتصلحها، فأَصلحها ابنه عبد الله، فترك أَبو عبد الله أَحمد الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أَفسده علي. قلت: إِنَّما تورع من أخذ حقه من الأجرة، خشية أَن يكون ابنه أَنفق على الدار مما يصل إليه من مال الخليفة. ونهى ولديه وعمه عن أَخذ العطاء من مال الخليفة، فاعتذروا بالحاجة، فهجرهم شهرًا لأَخذ العطاء. ووصف له دهن اللوز في مرضه، قال حنبل: فلما جئناه به، قال: ما هذا؟ قلنا: دهن اللوز فأَبى أَن يذوقه وقال: الشّيرج. فلما ثقل واشتدت علته جئناه بدهن اللوز فلما تبين أَنه دهن اللوز كرهه ودفعه، فتركناه ولم نَعُد له. ووصف له في علته قَرعة تشوى ويؤخذ ماؤها، فلما جاءوا بالقرعة قال بعض من حضر اجعلوها في تَنور صالح، فإنهم قد خبزوا، فقال بيده: لا وأَبى أَن يوجه بها إلى منزل صالح، قال حنبل: ومثل هذا كثير قال حنبل: وأخبرني أبي - يعني إسحاق عم أحمد - قال: لما وصلنا العسكر أنزلنا السلطان دارًا لإيتاخ ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك: لمن هذا الدار؟ فقالوا: هذه دار لإيتاخ، فقال: حولوني

стр. 408

واكتروا لي دارًا، قالوا: هذه دار أَنزلكها أَمير المؤمنين. فقال: لا أبيتُ هاهنا، فاكترينا له دارًا غيرها، وتحول عنها وكانت تأتينا في كل يوم مائدة أَمر بها المتوكل، فيها ألوان الطعام والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أَبو عبد الله، ولا ذاق منها شيئًا، وكانت نفقة المائدة في كل يوم مائة وعشرين درهمًا، فما نظر إليها أَبو عبد الله، ودامت العلة بأَبي عبد الله، وضعف ضعفا شديدًا، وكان يواصل، فمكث ثمانية أَيام مواصلًا لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن كاد أَن يطفأ، فقلت: يا أَبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أَيام، وهذا لك اليوم ثمانية أَيام، فقال: إِنِّي مطيق. قلت: بحَقي عليك. فقال. إِن حَلَّفتني بحقك فإِني أَفعل، فأَتيته بسويق فشرب. وأَجرى المتوكل على ولده وأَهله أَربعة آلاف درهم في كل شهر، فبعث إِليه أَبو عبد الله: إِنهم في كفاية، فبعث إِليه المتوكل: إِنما هذا لولدك، مالك ولهذا؟ فقال له أَحمد: يا عمِّ، ما بقي من أَعمارنا؟ كأَنك بالأَمر قد نزل، فالله الله، فإِن أَولادنا إِنما يريدون يتأملون بنا، وإنما هي أَيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أَو شر، صبر قليل، وثواب طويل، إِنما هذ فتنة. فلما طالت علة أَحمد كان المتوكل يبعث بابن ماسَويه المتطبب، فيصف له الأَدوية، فلا يتعالج، فدخل ابن ماسَويه على المتوكل، فقال له المتوكل: ويحك، ابن حنبل، ما نجح فيه الدواء؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إِن أحمد بن حنبل ليست به علة في بدنه، إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل

стр. 409

ولما توفي أَحمد وَجَّه ابن طاهر الأَكفان، فردت عليه. وقال عم أَحمد للرسول: قل له: أَحمد لم يدع غلامي يُرَوِّحه، يعني خشية أَن أَكون اشتريته من مال السلطان، فكيف نكفنه بمالك؟. وقال ابن المنادي: امتنع أحمد من التحديث قبل أَن يموت بثمان سنين، أو أَقل، أو أكثر وذلك: أَن المتوكل وجه يقرأ ﵇، ويسأله أَن يجعل المعتز في حجره، ويعلمه العلم، فقال للرسول: اقرأ على أَمير المؤمنين السلام، وأَعلمه أَن عليَّ يمينًا: أَني لا أتم حديثًا حتى أَموت، وقد كان أَعفاني مما أَكره، وهذا مما أَكره. وقال المروزي: سمعت أَحمد يقول: الخوف قد منعني أَكل الطعام والشراب فما أشتهيه. وكان أَحمد يزرع داره التي يسكنها، ويخرج عنا الخراج الذي وظفه عمر ﵁ على السواد. وكان أَحمد إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أَقدر أَنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. وقال إِسحاق عم أحمد: دخلت على أَحمد ويده تحت خده، فقلت له: يا ابن أَخي: أي شيء هذا الحزن؟ فرفع رأسه وقال: طوبى لمن أَخمل الله ذكره. وقال إسماعيل بن حرب: أُحْصِيَ ما رَدَّ أَحمد بن حنبل حين جيء به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفاً. وقال صالح بن أحمد: كان أبي لا يدع أحدا يستقي له الماء لوضوئه.

стр. 410

وأَما الخصلة الثامنة، وهي قوله: " إِمام في السنة " (١) فلا يختلف العلماء الأوائل والأَواخر أَنه في السنة: الإمام الفاخر والبحر الزاخر أوذي في الله فصبر، ولكتابه نصر ولسنة رسول الله صلى عليه وسلم انتصر، أَفصح الله فيها لسانه، وأَوضح بيانه، وأَرجح ميزانه، لا رَهَب ما حُذِّر ولا جَبُن حين أُنذر أَبان حقاً، وقال صدقاً، وزان نطقاً وسبقاً، ظهر على العلماء، وقهر العظماء، ففي الصادقين ما أَوجهه، وبالسابقين ما أَشبهه، وعن الدنيا وأَسبابها ما كان أَنزهه، جزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين فهو للسنة كما قال الله في كتابه المبين: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: ١٣] . قال علي بن المديني: أيَّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردِّة وأحمد بن حنبل في يو المحنة. وقيل لبشر بن الحارث، يوم ضُرِب أَحمد: قد وجب عليك أَن تتكلم فقال: تريدون مني مقام الأَنبياء؟ ليس هذا عندي، حفظ الله أحمد بن حنبل من بين يديه ومن خلفه. ثم قال، بعد ما ضرب أَحمد: لقد أدخل الكير فخرج ذهبة حمراء. وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: من أَبغض أَحمد بن حنبل فهو كافر.

стр. 411

فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم، من أَبغض أَحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة أَبغض النبي، ومن أَبغض النبي ﷺ كفر بالله العظيم. وقال أَحمد بن إِسحاق بن راهويه: سمعت أبي يقول: لولا أَحمد بن حنبل وبَذْلُ نفسه لما بذلها؛ لذهب الِإسلام. وقال عبد الوهاب الوراق: أَبو عبد الله أحمد بن حنبل إمامنا، وهو من الراسخين في العلم. إذا وقفت غدا بين يدي الله تعالى فسألني: بمن اقتديت؟ أقول: أحمد. وأي شيء ذهب على أبي عبد الله من أمر الإسلام؟ وقد بلي عشرين سنة في هذا الأَمر. وأنبأنا محمد بن الأَبنوسي عن الدارقطني. قال: أخبرنا محمد ابن مخلد قال: سمعت العباس الدُّري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: أَراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله لا نقدر على أحمد، ولا على طريق أحمد. وحدثنا الوالد السعيد - إملاء بجامع المنصور - عن عبد الله بن عبد الرحمن أن عبد الله بن إِسحاق المدائني حدثه قال: حدثنا أَبو الفضل الوراق قال: حدثني أَحمد بن هانئ عن صدقة المقابري، قال: كان في نفسي على أحمد بن حنبل، قال: فرأيت في النوم كأن النبي ﷺ يمشي في طريق، وهو آخذ بيد أحمد بن حنبل، وهما يمشيان على تؤدة ورفق، وأنا خلفهما أَجد نفسي في أن أَلحق بهما

стр. 412

فما أَقدر، فلما استيقظت ذهب ما كان في نفسي، ثم رأيت بعد كأَني في الموسم، وكأَن الناس مجتمعون. فنادى مناد: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فنادى: يَؤُمكم أَحمد بن حنبل، فإِذا أَحمد ابن حنبل، فصلى بالناس، وكنت بعدُ إذا سُئلت عن شيء؟ قلت: عليكم بالإمام، يعني أَحمد بن حنبل. فهذه الثمان التي ذكرها الشافعي، ويقرن بها أيضا ثمان خصال انفرد بها: إِحداها: الإجماع على أصوله التي اعتقدها، والأَخذ بصحة الأَخبار التي اعتمدها، حتى إِنَّ من زاغ عن هذا الأَصل كفروه، وحذروا منه وهجروه، فانتهت إِليه فيها الحجة، ووقفت دونه المحجة، واِن كانت كذلك مذاهب المتقدمين من أهل السنة والدين، فصار إِمامًا متبعًا، وعلماً متلمعاً، وما أَشبهه بالقراءات المأثورة عن السلف، ثم انتهت إلى القراء السبعة خير الخلف. الثانية: اتفاق الأَلسن عليه بالصلاح، وإليه يشار بالتوفيق والفلاح، فإِذا ذكر بحضرة الكافة من العلماء على اختلاف مذاهبهم في مجالسهم أو مدارسهم قالوا: أَحمد رجل من أهل الحديث صالح، لعمري إِنهما خلتان جليلتان، سأل الصلاح الأَنبياء، والتمسه الأصفياء، قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء/ ٨٣] ، وفي قصة سليمان عليه

стр. 413

السلام (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل/١٩] . الثالثة: أَنه ما أحبه أحد- إما محب صادق وإما عدو منافق- إلاّ وانتفت عنه الظنون، وأُضيفت إِليه السنن، ولا انزوى عنه رفضا، وظهر له عنادا وبغضا؛ إلَّا واتفقت الأَلسن على ضلالته، وسفه في عقله وجهالته، وقد قدمنا قول الشافعي: من أَبغض أَحمد بن حنبل فقد كفر ". وقال قتيبة بن سعيد: أَحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع. الرابعة: ما ألقى الله له في قلوب الخلق من هيبة أَصحابه ومحبيه، أَهل مذهبه ومخالصيه، فلهم التعظيم والِإكبار، والمعروف والِإنكار، والمصالح والأَعمال، والمقال والفِعال. بَسْطتهم سامية، وسَطوتهم عَالية، فالموافق التقي يكرمهم ديانة ورياسة، والمنافق الشقي يعظمهم رعاية وسياسة. ولما ذكر لأَمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله- ﵀ بعد موت إِمامنا أَحمد- غفر الله لنَا وله- أَن أَصحاب إمامنا يأتون على أهل البدع حتى يكون بينهما الشر فقال لصاحب الخبر لاترفع إِليَّ من خَبرهم شَيئا وَشُدَّ على أَيديهم، فإنهم وصاحبَهم من سادات أمة محمد ﷺ . وقد عرف الله تعالى لأحمد صبره، وبلاءه، ورفع عَلَمهُ أيام حَياته وبعد موته، أصحابه أَجلَّ الأصحاب، وأنا أظن أَن الله يعطي

стр. 414

أَحمد ثوابَ الصدّيقين. الخامسة: ما أَحدٌ من أَصحابه المتمسكين بمعتقده قديما وحديثًا، تابع ومَتبوع، إِلاَّ وهو من الطعن سليم، ومن الوهن مستقيم، لا يضاف إِليه ما يضاف إلى مخالف، ومجانف، من وَسْمٍ ببدعة، أو رسم بشنعة، أو تحريف مقال، أو تقبيح فعال. السادسة: اتفاق القول الأَخير والقديم: أَن له الاحتياط في التحليل والتحريم، يعتمد في فقه على العزائم، كما لم تأخذه في أصوله المقربة إلى الله لومة لائم، يعتمد على كتاب ناطق، أو خبر موافق، أو قول صحابي جليل صادق، ويقدم ذلك على الرأي والقياس. السابعة: أَن كلام أَحمد في أهل البدع مسموع، وإليه فيهم الرجوع. فمن ظهر في قوله نكيره، ولما يعتقده تغييره: فقد ثبت تكفيره، مثل ما قال في اللفظيه والمرجئة والرافضة والقدرية والجهمية، وإن كان قد سبق النطق بضلالهم، لكن له القدَم العالي في شرح فساد مذاهبهم، وبيان قبيح مثالبهم، والتحذير من ضلالهم. الثامنة: ما أَظهره الله تعالى له في حياته من المراتب، ونشر له بعد مماته من المناقب، ورفع له بذلك العلم بين سائر الأمم، فتنافس حين موته في الصلاة عليه العلماء والكبراء، والأغنياء والفقراء، والصلحاء والأولياء، لأنه توفي في شهر ربيع الآخر من سنة

стр. 415

إِحدى وأَربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، فقال المتوكل على الله لمحمد بن عبد الله بن طاهر: طوبى لك، صليت على أحمد ابن حنبل. وروى الأَئمة الثقات، والحفاظ الأَثبات: أَن عبد الوهاب الوراق قال: " ما بلغنا أَنه كان للمسلمين جمع أَكبر منهم على جنازة أَحمد ابن حنبل، إلَّا جنازة في بني إسرائيل " انتهى بطوله.

стр. 416

المدخل السابع: في التعريف بعلماء المذهب وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: معرفة التآليف المفردة عن الإمام أَحمد وعن الآخذين عنه وعلماء مذهبه. وهي سبعة أنواع الفصل الثاني: في معرفة طبقاتهم. وفيه مبحثان. الفصل الثالث: في معارف عامة عن الأصحاب. وفيه سبعة أَبحاث

стр. 417

الفصل الأول: في معرفة التآليف المفردة عن علماء المذهب من لدن الإمام إلى وفيات القرن الخامس عشر الهجري

стр. 418

- تمهيد: ساق ابن أَبي يعلى بسنده في: " الطبقات: ١/ ٢٧٤ " في ترجمة محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: " سمعت أَحمد بن حنبل يقول: إِنما الناس بشيوخهم، فإِذا ذهب الشيوخ، تُوِدِّعَ من العيش " انتهى. وشيوخ هذا المذهب، قد اتصل عقدهم عن لدن رأسهم ورئيسهم: الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إلى زماننا - والحمد لله على نعمه - وتستفاد ترجمة الإمام أَحمد، والأصحاب، من كتب التراجم العامة كغيرهم من علماء الِإسلام، ومن الكتب الخاصة بتراجمهم وقد كان لفقهاء الحنابلة فضل السبق على أَتباع المذاهب الثلاثة: الحنفية والمالكية، والشافعية، في تسجيل تراجم الحنابلة بمصنفات مفردة، يتلوهم في ذلك الحنفية، ثم الشافعية، ثم المالكية، فأول تأليف في تراجم الحنابلة هو كتاب طبقات أصحاب أَحمد بن حنبل للخلال، المتوفى سنة (٣١١ هـ) و " طبقات الأصحاب " لابن المنادي ت سنة (٣٣٦ هـ) . وأَول كتاب للحنفية " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " للصيمري ت سنة (٤٣٦ هـ) وهو مطبوع. وقد ترجم فيه لأَبي حنيفة، وتلاميذه، وتلاميذهم، ومن بعدهم إلى زمن المؤلف- رحم الله الجميع - هو: " وفيات الأَعيان من مذهب النعمان " لنجم الدين إبراهيم بن علي

стр. 419

الطرطوسي، المتوفى سنة (٧٥٨ هـ) (١) . وأَول كتاب في تدوين شيوخ مذهب الشافعية هو " المذهب في ذكر شيوخ المذهب " لأَبي حفص عمر بن علي المطوعي، المتوفى سنة (٤٤٠ هـ) . وليس أَولها مطلقاً كما ذكره السبكي في مقدمة " الطبقات " له. وأَول كتاب في ذلك للمالكية هو: " ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أَعلام مذهب مالك " للقاضي عياض اليحصبي، المتوفى سنة (٥٤٤ هـ) . ويمكن تصنيف جهود الحنابلة في إِفراد ترجمة الإمام، وإفراد تراجم الأصحاب على سبعة أَنواع هي: النوع الأول: تسمية الكتب المفردة في ترجمة الإمام أَحمد وخبره- رحمه الله تعالى- في محنة القول بخلق القرآن الكريم النوع الثاني: كتب في تراجم تلاميذ الإمام والرواة عنه. النوع الثالث: كتب في تراجم الأصحاب على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم. النوع الرابع: كتب تختص بتراجم الأصحاب حسب بلدانهم

стр. 420

النوع الخامس: كتب تختص بترجمة عَلَم من أعيان المذهب. النوع السادس: التراجم الذاتيةز النوع السابع: مؤلفات في تفضيل المذهب والدفاع عنه. - النوع الأول: تسميه الكتب المفردة في ترجمة الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى-: فَضْلًا عَنْ سيرته الفائقة المنتشرة في كُتُبِ الرّجالِ وَتَاريخ السِّنِيْنِ والأَجيال (١) ، فَقَدْ أفْردَتْ في تَرْجَمَتِهِ، وَسِيْرتهِ، وَخَبَرِ محنَتِهِ، كُتُبٌ جَمة، تقع باسم: " مناقب " و " فضائل " و " منافع " و " سيرة " و " أَخلاق " و " منامات " و " محنة الإمام أَحمد بن حنبل " تُعلم من ترجمته، وتراجم مؤلفيها، والأصحاب، وغيرهم من علماء المذاهب الأخرى بدءًا بكتاب ابنه صالح، وابن عمِّه: حنبل بن إِسحاق، إلى علماء عصرنا، منها: ١- " محنة أحمد بن حنبل " لابنه صالح ت سنة (٢٦٦ هـ) وهو أَكبر أَولاده. مطبوع. ٢- " محنة أَحمد بن حنبل " لابن عمه وتلميذه: حنبل بن إِسحاق ت سنة (٢٧٣ هـ) مطبوع عام (١٤٠٣هـ) بمصر. ٣- " أَخلاق أَحمد " للخلال ت سنة (٣١١ هـ)

стр. 421

٤- " فضائل أحمد " لابن أبي حاتم ت سنة (٣٢٧ هـ) . ٥- " فضائل أَحمد " لأبي الحسين أَحمد بن جعفر بن المنادي ت سنة (٣٣٦ هـ) . ٦- " مناقب الإمام أَحمد " للطبراني سليمان بن أَحمد ت سنة (٣٦٠ هـ) . ٧- " أَخبار أًحمد " لأَبي حفص بن شاهين: عمر بن أَحمد البغدادي ت سنة (٣٨٥ هـ) . ٨- " مناقب الإمام أَحمد " للِإمام البيهقي الشافعي الصغير ت سنة (٤٥٨ هـ) . ٩- " فضائل أَحمد " للقاضي أَبي يعلى ت سنة (٤٥٩ هـ) ١٠- " مناقب الإمام أَحمد " للخطيب البغدادي ت سنة (٤٦٣ هـ) ذكره فى آخر ترجمته له من " تاريخه: ٤/٤٢٣ ". ١١- " بعض فضائل أَحمد وترجيح مذهبه " للشريف أَبي جعفر الحنبلي ت سنة (٤٧٠ هـ) . ١٢- " مناقب الإمام أَحمد " لأَبي علي البناء البغدادي الحنبلي ت سنة (٤٧١ هـ) . قال عنه في مقدمة كتابه: " المقنع في شرح الخِرَقي ": " وقد أَفردت لمناقبه وفضائله وطبقات أَصحابه أَحد عشر جزءاَ ". ١٣- وله: " المنامات المرئية للِإمام أحمد " جزء. ١٤- وله: " ثناء أَحمد علي الشافعي وثناء الشافعي على أَحمد " ١٥- " شيوخ الإمام أحمد وتراجمهم " للإبراهيمي الحافظ ت سنة (٤٧٦ هـ) . ١٦- مناقب الإمام أحمد. لأبي عبد الله السدوسي ت "؟ " ذكره شيخ

стр. 422

الإسلام ابن تيمية في بيان الدليل في إبطال التحليل: ١٨٦. ١٧- " مناقب- سيرة - الإمام أَحمد " لشيخ الإسلام الهروي ت سنة (٤٨١ هـ) . ١٨- " مناقب الإمام أَحمد " للجرجاني عبد الله بن يوسف ت سنة (٤٨٩ هـ) . ١٩- " مناقب الإمام أَحمد " ليحيى بن عبد الوهاب، ابن منده ت سنة (٥١١ هـ) . ٢٠- " مناقب الإمام أَحمد " لابن أَبي يعلى أَبي الحسين الشهيد صاحب الطبقات ت سنة (٥٢٧ هـ) . ٢١- " فضائل الإمام أَحمد " لأَبي عبد الله الحسين بن أَحمد الأَسدي صاحب كتاب: " المدخل إِلى المسند " كما في ترجمة ابن منده المذكور في " ذيل الطبقات " لابن رجب، ولم أَقف له على ترجمة. ٢٢- " مناقب الإمام أَحمد " في مجلد. لأَبي منصور السلامي محمد بن ناصر البغدادي ت سنة (٥٥٠ هـ) . ٢٣- " مناقب الإمام أَحمد " لابن الجوزي ت سنة (٥٩٧ هـ) مطبوع. و " مختصره " له. قال ناصح الدِّين ابن الحنبلي: " لقد كان فيه - أي ابن الجوزي - جمال لأهل بغداد خاصة وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس من المقدس.

стр. 423

٢٤- وله: " تقريب الطريق الأبعد في فضائل مقبرة أحمد ". ٢٥- " مجمل الرغائب من كتاب المناقب لابن الجوزي " لزكي الدِّين عبد الله بن محمد الخزرجي المكي، من علماء القرن السابع له نسخة خطية في مكتبه الموسوعة الكويتية برقم/٢٥٨. ٢٦- " محنة الإمام أَحمد " في ثلاثة أجزاء للحافظ عبد الغني المقدسي ت سنة (٦٠٠ هـ) مطبوع في مجلد. ٢٧- " كتاب: فصل في امتحان الإمام أَحمد بن حنبل مع أَمير المؤمنين وقد سأله عن القرآن أمخلوق هو أو منزَّل " لأَبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن يوسف القرشي. كتبه قبل سنة (٦٦٩ هـ) ٢٨- " قصيدة في مدح الإمام أَحمد " وهي طويلة للطوفي ت سنة (٧١٦ هـ) ٢٩- " منافع الإمام أَحمد " لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد ابن النقيب، الشهير بابن رجب ت سنة (٧٩٥ هـ) ٣٠- " الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل " للسعدي الحنبلي ت سنة (٩٠٠ هـ) مطبوع ٣١- " مختصر ترجمة الإمام أحمد لابن الجوزي " تأليف أبي البركات نعمان خير الدين الآلوسي ت سنة (١٣١٧ هـ) وَقَدْ أفْرَدَ تَرْجَمَتَهُ عَدَدٌ من المعاصرين بكتب مطبوعة منها:

стр. 424

٣٢- " أحمد بن حنبل: حياته وعصره " لأبي زهرة، ت سنة (١٣٩٤ هـ) ٣٣- " أَحمد بن حنبل بين محنة الدِّين ومحنة الدنيا " لأَحمد الدومي. وهو من الكتب المؤثرة الماتعة. ٣٤- " الإمام أَحمد بن حنبل " مصطفى الشكعة. ٣٥- " أَحمد بن حنبل ومنهجه الاجتهادي " محمد سلام مدكور. ٣٦- " ابن حنبل من أَعلام القرن الثالث الهجري " أحمد عبد الباقي. ٣٧- " أَحمد بن حنبل إِمام أهل السنة " عبد الغني الدقر. ٣٨- " أَحمد بن حنبل إِمام أهل السنة عبد الحليم الجندي. ٣٩- " الإمام أَحمد بن حنبل محتسبًا " عبد الله بن سعد الغامدي، رسالة بجامعة الإمام. ٤٠- " أحمد بن حنبل والمحنة " لعبد العزيز بن عبد الحق. مطبوع. وصوابه أَنه من تأليف المستشرق الأَمريكي. ولنز ملفيل باتون. وقد ترجمه عبد العزيز المذكور كما في مقدمة تحقيق كتاب: " محنة الإمام أحمد بن حنبل " للمقدسي: ص/٩ ٤١- " المحنة بحث في جَدَليّهِ-؟ - الديني والسياسي في الإسلام " تأليف فهمي جدعان. طبع في الأردن عام ١٩٨٩م لكنه كتاب لا يفرح به؛ لما فيه من شطح في الرأي، وتعسف في الاستنتاج، وتأثّر بنفس الاستشراق، فإلى الله الشكوى من الخوض فيما لا يُحْسِنهٌ المرء.

стр. 425

- النوع الثاني: كتب في تراجم تلاميذ الإمام وأَصحاب الرواية عنه: فضلًا عن انتشار تراجمهم في كتب التراجم العامة فإِن كتب " طبقات الحنابلة " من عصر الإمام أَحمد، تحوي تراجم تلامذته، كما استغرق ذلك: الجزء الأول " من: " الطبقات " لابن أَبي يعلى، وحوى " ٥٧٧ " ترجمة، كما تُسْتَفادُ تراجمهم أيضا من كتب: " مناقب الإمام أَحمد رحمه الله تعالى " كما في كتاب: " مناقبه " لابن الجوزي - رحمه الله تعالى-، وهم في رواياتهم متفرقون على علوم الإمام أَحمد فمنهم رواة مختصون في نقل الحديث وروايته عن الإمام أَحمد، وقد جُمعت فيهم المصنفات كما قاله ابن أَبي يعلى في مقدمة " الطبقات " (١/ ٧) . ومنهم رواة مختصون في نقل فقه الإمام عنه مشافهة، ويأتي ذكرهم في: " الباب العاشر ". أَما الكتب المفردة في تراجم الرواة عن أَحمد فمنها: ١- كتاب: " طبقات أَصحاب أَحمد بن حنبل " لتلميذ تلامذته، جامع علوم الإمام أحمد: أَبو بكر الخلال أَحمد بن محمد بن هارون ت سنة (٣١١ هـ) . وهو أول كتاب ألف في طبقاتهم. وقد أَشار إليه ابن أبي يعلى في ترجمته له، وعلى هذا الكتاب بنى ابن أبي يعلى الجزء الأول من كتابه. ويوجد في " الظاهرية " بدمشق قطعة منه برقم/٣٨٣٢ باسم: " أصحاب ابن حنبل " من ورقة (٢٨- إلى ٥٢) ضمن مجموع
следующие страницы →