صنعه ما يتحير فيه العقول ثم اعلم ان الله تعالى خلق حواء لامر تقتضيه الحكمة ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه وليبقى الذرية على ممر الأزمان والأيام الى ساعة القيام فان بقاءها سبب لبعثة الأنبياء وتشريع الشرائع والاحكام ونتيجة لامر معرفة الله فان الله تعالى خلق الخلق لاجلها وفي الزوجية منافع كثيرة دينية ودنيوية واخروية ولم يذكر الله تعالى في كتابه من الأنبياء الا المتزوجين وقالوا ان يحيى ﵇ قد تزوج لنيل الفضل واقامة السنة ولكن لم يجامع لكون ذلك عزيمة في تلك الشريعة ولذلك مدحه الله بكونه حصورا وفي الأشباه ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم الى الآن ثم تلك العبادة لا تستمر في الجنة الا الايمان والنكاح قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة
من المتأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل وحفظا من الزنى والترغيب في النكاح يجرى الى ما يجاوز المائة الاولى من الالف الثاني كما قال ﵇ (إذا اتى على أمتي مائة وثمانون سنة بعد الالف فقد حلت العزوبة والعزلة والترهب على رؤس الجبال) وذلك لان الخلق في المائتين اهل الحرب والقتل فتربية جر وحينئذ خير من تربية ولد وان تلد المرأة حية خير من ان تلد الولد: كما قال السعدي
زنان باردار اى مرد هشيار ... اگر وقت ولادت مار زايند
از ان بهتر بنزد يك خردمند ... كه فرزندان نا هموار زايند
وَكُلا مِنْها اى من ثمار الجنة وجه الخطاب إليهما إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به فان حواء أسوة له في الاكل بخلاف السكنى فانها تابعة له فيها ثم معنى الأمر بهذا والشغل به مع انه اختصه واصطفاه وللخلافة أبداه انه مخلوق والذي يليق بالخلق هو السكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظ رَغَداً اى أكلا واسعا رافها بلا تقدير وتقتير حَيْثُ شِئْتُما أي مكان من الجنة شئتما وسع الأمر عليهما ازاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر وَلا تَقْرَبا بالأكل ولو كان النهى عن الدنو لضمت الراء هذِهِ الشَّجَرَةَ الشجرة نصب على انه بدل من اسم الاشارة او نعت له بتأويلها بمشتق اى هذه الحاضرة من الشجر اى لا تأكلا منها وانما علق النهى بالقربان منها مبالغة فى تحريم الاكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها البر والسنبلة وهو الأشهر والأجمع والأنسب عند الصوفية لان النوع الإنساني ظهر في دور السنبلة وعليها من كل لون وثمرها احلى من العسل وألين من الزبد وأشد بياضا من الثلج كل حبة من حنطتها مثل كلية البقرة وقد جعلها الله رزق أولاده في الدنيا ولذلك قيل تناول سنبلة فابتلى بحرث السنبلة او المراد الكرم ولذلك حرمت علينا او التين ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها كما ابتلاه بثمرها وهو البلاء الحسن وقيل غير ذلك والاولى عدم تعيينها لعدم النص القاطع فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ مجزوم على انه معطوف على تقربا او منصوب على انه جواب للنهى والمعنى على الاول لا يكن منكما قربان الشجرة وكونكما من الظالمين وعلى الثاني ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين وأياما كان فالقرب اى الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين اى الذين ظلموا
стр. 107
أنفسهم بارتكاب المعصية او نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم او تعدوا حدود الله قال القرطبي قال بعض ارباب المعاني في قوله ولا تقربا اشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وان سكناهما فيها لا يدوم لان المخلد لا يحظر عليه شىء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فدل على خروجه منها قال الشيخ نجم الدين قدس سره ان آدم خاطبه مولاه خطاب الابتلاء والامتحان والنهى نهى تعزز ودلال كأنه قال يا آدم ابحت لك الجنة وما فيها الا هذه الشجرة فانها شجرة المحبة والمعرفة والمحبة مطية المحنة وأن منعه منها كان تحريضا على تناولها فان الإنسان حريص على ما منع فسكنت نفس آدم الى حواء والى الجنة وما فيها الا الى الشجرة المنهي عنها لانها كانت مشتهى القلب وكان للنفس فيها حظ ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها حتى تناول منها فظهر سر الخلافة والمحبة والمحنة والتحقق بمظاهر الجمال والجلال كالتواب والغفور والعفو والقهار والستار والحاصل انه لما علم الله تعالى انه يأكل من الشجرة نهاه ليكون أكله عصيانا يوجب توبة ومحبة وطهارة من تلوث الذنب كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فاورثه ذلك النهى عن أكل الشجرة عصيانا بسبب النسيان ثم توبة بسبب العصيان ثم محبة بسبب التوبة ثم طهارة بسبب المحبة كما ورد في الخبر (إذا أحب الله عبدا لم يضره الذنب) اى حفظه من الذنب وإذا وقع فيه وفقه للتوبة والندامة وكل زلة عاقبتها التوبة والتشريف والاجتباء فقيل هي زلة تنزيه واستحقاق آدم اللوم بالنهى التنزيهي من قبيل حسنات الأبرار سيآت المقربين قال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره المراد بالدعوة الى الجنة الدعوة الى مقام الروح في وجود بنى آدم كأنه قال لقلب الإنسان يا آدم القلب اسكن أنت وزوجك وهي النفس الانسانية في الروح بالطاعات والعبادات وَكُلا مِنْها رَغَداً اى كلا من المعارف الالهية لان الروح مقام المعرفة التي تحصل بسبب الطاعات والعبادات حَيْثُ شِئْتُما أي عمل احببتما من الخيرات والصالحات وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ اى شجرة المخالفة فان هذا الخطاب لما كان يشمل عامة العباد الى يوم القيامة لم ينحصر فى آدم وحواء ﵉ فينبغى للمؤمن ان يترقى الى الله تعالى بسبب الطاعات والعبادات ويجتنب عن المخالفات حتى لا يقع في المهالك والدركات: قال في المثنوى
داروى مردى بخور اندر عمل ... تا شوى خورشيد كرم اندر حمل «١»
جهد كن تا نور تو رخشان شود ... تا سلوك وخدمتت آسان شود «٢»
تا جلا باشد مران آيينه را ... كه صفا زايد ز طاعت سينه را «٣»
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها اى اذهب آدم وحواء وأبعدهما عن الجنة يقال زل عنى كذا إذا ذهب والازلال الازلاق والزلة بالفتح الخطأ وهو الزوال عن الصواب من غير قصد والمقصود حملهما على الزلة بطريق التسبب وهو بالوسوسة وبالغرور والدعاء فان قلت إبليس كافر والكافر لا يدخل الجنة فكيف دخل هو قلت منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة ولم يمنع من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحوا فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
стр. 108
من النعيم والكرامة ولم يقصد إبليس إخراج آدم من الجنة وانما قصد إسقاطه من مرتبته وابعاده كما ابعد فلم يبلغ مقصده قال الله تعالى فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قال الشيخ صدر الدين قدس سره في الفكوك لما سمع آدم قول إبليس ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ صدقه هو وزوجته وهذه القضية تشتمل على أمرين مشكلين لم ار أحدا تنبه لهما ولا أجابني أحد من اهل العلم الظاهر والباطن عنهما وهو انه ﵇ بعد سجود الملائكة له بأجمعهم ومشاهدة رجحانه عليهم بذلك وبعلم الأسماء والخلافة ووصية الحق له كيف اقدم على المخالفة وتسوف بقول إبليس الا ان تكونا ملكين وكيف لم يعلم ايضا ان من دخل الجنة المعرفة بلسان الشريعة لم يخرج منها وان النشأة الجنانية لا تقبل الكون والفساد فهى لذاتها تقتضى الخلود وكان هذه الحال تدل دلالة واضحة على ان الجنة التي كان فيها ليست الجنة التي عرضها السموات والأرض والتي ارضها الكرسي الذي هو الفلك الثامن وسقفها عرش الرحمن فان تلك الجنة لا يخفى على من دخلها انها ليست محل الكون والفساد ولا ان يكون نعيمها موقتا ممكن الانقطاع فان ذلك المقام يعطى بذاته معرفة ما تقتضيه حقيقته وهو عدم انقطاع نعيمها بموت او غيره كما قال الله تعالى عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ اى غير منقطع ولا متناه فافهم فحال آدم وحواء في هذه القضية كحال بنى إسرائيل الذين قال الله في حقهم أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ الآية ولهذه المناسبة والمشاركة اردف الحق قصة آدم في سورة البقرة بقصة موسى وبنى إسرائيل مع ما بينهما من طول المدة فراعى سبحانه في ذلك المضاهاة فى الفعل والحال دون الزمان فهذا من اسرار القرآن انتهى كلام الشيخ فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى لم يخلق الإنسان في الجنة ابتداء ولم ابتلاء بالخروج الى الدنيا قلت تعظيم النعم على العباد واجب فلو لم يخلقوا في الدنيا ابتداء ما عرفوا قدر الجنة وقيل ليكونوا في الجنة على الجزاء لا على الابتداء وليأمنوا الزوال وقيل خلقنا في الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب والمطيع من المخالف لاقتضاء الصفات الجلالية لان الجنان ليست من مظاهر الجلال ولو خلقنا وبقينا فى الجنة لما ظهر فينا صفات الجلال كما لم تظهر في الملك فالحكمة الإلهية اقتضت خلق الإنسان فى الدنيا وظهور المخالفة منه ليظهر فيه الرحمة والغفران فلو بقي آدم في الجنة لفاته نصف الكمال الذي هو التجليات القهرية فخرج ليتحقق بمظاهر اسماء الجمال والجلال ثم يرد الى عالم الجنان كاملا مكملا بانواع الفضائل والكمالات والمقصود ايضا كما سبق تميز الخبيث من الطيب وقد قدر الله تعالى ان يخرج من صلبه سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وخمر طينته بتراب كل مؤمن وعدو فاخرجه الى الدنيا ليخرج من ظهره الذين لا نصيب لهم في الجنة قال الشيخ الكامل المكمل على رده في هامش كشف الكنوز وحل الرموز وهو كتاب فريد في فنه وجدت تذكرة السؤال من بعض الملاحدة على كرسى سيدى ابن نور الدين في مجلس وعظ بجامع اياصوفيه من كلام خواجه حافظ شيرازى
من ملك بودم وفردوس برين جايم بود ... آدم آورد درين دير خراب آبادم
стр. 109
فاجاب الشيخ بديهة وفهم مراد الملحد عن السؤال فقال أنت أخرجت آدم من الجنة حيث هجت في صلبه باستعداد الفساد والإلحاد ولو لم يخرج أبونا آدم لبقيت الملاحدة والفجرة فى الجنة فاقتضت غيرة الحق خروجه وسئل ابو مدين قدس سره عن خروج آدم من الجنة على وجه الأرض ولم تعدى في أكل الشجرة بعد النهى فقال لو كان أبونا يعلم انه يخرج من صلبه مثل محمد ﷺ لصار يأكل عرق الشجرة فكيف ثمرها ليسارع فى الخروج على وجه الأرض ليظهر الكمال المحمدي والجمال الأحمدي وسأل خليل الرحمن صلوات الله على نبينا وعليه فقال يا رب لم أخرجت آدم فقال اما علمت ان جفاء الحبيب شديد وقال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بافتاده افندى سر خروج آدم من الجنة انه رأى مرتبة من مراتب التوحيد أعلى من مرتبته التي هو فيها فسألها من الله تعالى فقيل له
لاتصل إليها الا بالبكاء فاحب آدم ان يبكى فقيل ان الجنة ليست موضع البكاء بل هي موضع السرور فطلب ان ينزل الى الدنيا فكون ما صدر عنه ذنبا بالنسبة اليه باعتبار قصور مرتبته عن المرتبة المطلوبة على نهج حسنات الأبرار سيآت المقربين كذا في واقعات الهدائى قال الشيخ نجم الدين قدس سره والاشارة ان آدم ﵇ أصبح محمود العناية مسجود الملائكة متوجا بتاج الكرامة ملبسا بلباس السعادة في وسطه نطاق القربة وفي جيده طوق الزلفة لاحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرتبة يتوالى عليه النداء كل لحظة يا آدم فلما جاء القضاء ضاق الفضاء: قال في المثنوى
چون قضا آيد شود دانش بخواب ... مه سيه كردد بگيرد آفتاب
فلم يمس حتى نزع لباسه وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف ان اخرج بغير مكث ولا بحث فَأَزَلَّهُمَا يد التقدير بحسن التدبير الشَّيْطانُ عَنْها اى عن تلك العزة والقرابة وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما أخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب واخوته قد ألقوه في غيابة الجب فاخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من السلامة الى الملامة ومن الفرح الى الترح ومن النعمة الى النقمة ومن المحبة الى المحنة ومن القربة الى الغربة ومن الالفة الى الكلفة ومن الوصلة الى الفرقة وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شىء ومؤانسا مع كل أحد ولذلك سمى إنسانا فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شىء واتخذ كل أحد عدوا وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب فكما أن ذات المحبوب لا يقبل الشركة في التعبد كذا لا يقبل الشركة فى المحبة ولهذا قال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس ويقول هذا رَبِّي فلما ذاق شجرة الخلة قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ وَقُلْنَا اهْبِطُوا خطاب لآدم وحواء وجمع الضمير لانهما أصلا الجنس فكانهما الجنس كله وقيل هو لخمسة وخامسهم الطاووس وهذا الأمر وان انتظمهم في كلمة فما كان هبوطهم جملة بل هبط إبليس حين لعن وهبوط آدم وحواء كان بعده بكثير الا ان يحمل على ان إبليس اخرج منها ثانيا
стр. 110
بعد ما كان يدخلها للوسوسة ودلت كلمة اهبطوا على انهما كانا في جنة الخلد حيث امرا بالانحدار وهو النزول من علو الى سفل وقد سبق في الآيات السابقة ما سبق قال القرطبي فى تفسيره ان الصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الازلية في ذلك وهي نثر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الاكلة سبب اهباطهما من الجنة فاخرجهما لانهما خلقا منها وليكون آدم خليفة الله في الأرض ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة انتهى كلام القرطبي فهبوطه من الجنة هبوط التشريف والامتحان والتمييز بين قبضتى السعادة والشقاوة لان ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية على ما في كشف الكنوز واكثر المفسرين على ان المعنى انزلوا استخفافا بكم لكن القول ما قالت حذام قال المولى الشهير بابن الكمال في رسالة القضاء والقدر عتاب آدم ﵇ في قوله تعالى أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ عتاب تلطيف لا عتاب تعنيف وتعذيب وتنزيله من السماء الى الأرض بقوله اهبطوا مِنْها جَمِيعاً تكميل وتبعيد تقريب كما في قول الشاعر سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال استغنى فيها عن الواو بالضمير اى متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله والعدو يصلح للواحد والجمع ولهذا لم يقل اعداء فابليس عدو لهما وهما عدو لابليس والحية عدو لبنى آدم وهم عدوها هى تلسعهم وهم يدمغونها وإبليس يفتنهم وهم يلعنونه وكذا العداوة بين ذرية آدم وحواء بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين والعداوة مع إبليس دينية فلا ترتفع ما بقي الدين والعداوة مع الحية طبيعية فلا ترتفع ما بقي الطبع ثم هذه عداوة تأكدت بيننا وبينهم لكن حزبا يكون الله معهم كان الظفر لهم ثم قوله بعضكم لبعض عدو اخبار عن كونه
اى التعادي لا امر بتحصيله ولما قال بعضكم لبعض عدو قال آدم الحمد لله حيث لم يقل أنا لكم عدو والعدو هو المجاوز حده في مكروه صاحبه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ اى موضع قرار على وجهها او في القبور ثم المستقر ثلاثة رحم الام قال تعالى فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ أودع في صلب الأب واستقر في رحم الام والثاني الدنيا قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ والثالث العقبى اما في الجنة قال تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا واما في النار قال تعالى إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً الآية وَمَتاعٌ اى تمتع بالعيش وانتفاع به إِلى حِينٍ الى آخر اعماركم وهو حين الموت او الى القيامة قال بعض العلماء في قوله تعالى إِلى حِينٍ فائدة لآدم ﵇ ليعلم انه غير باق فيها ومنتقل الى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب ولما هبطوا وقع آدم بأرض الهند على جبل سرنديب ولذلك طابت رائحة أشجار تلك الاودية لما معه من ريح الجنة وكان السحاب يمسح رأسه فاصلع فاورث أولاده الصلع ووقعت حواء بجدة وبينهما سبعمائة فرسخ والطاووس بمرج الهند والحية بسجستان او باصفهان وإبليس بسد يأجوج ومأجوج وسجستان اكثر بلاد الله حيات ولولا العربد
стр. 111
تأكلها وتفنى كثيرا منه لا خليت سجستان من أجل الحيات وكانوا في احسن حال فابتلى آدم بالحرث والكسب وحواء بالحيض والحبل والطلق ونقصان العقل والميراث وجعل الله قوائم الحية في جوفها وجعل قوتها التراب وقبح رجلى الطاووس وجعل إبليس بأقبح صورة وافضح حالة وكان مكث آدم وحواء في الجنة من وقت الظهر الى وقت العصر من يوم من ايام الآخرة وكل يوم من أيامها كالف سنة من ايام الدنيا يذكر ان الحية كانت خادم آدم ﵇ فى الجنة فخانته بان مكنت عدوه من نفسها وأظهرت العداوة له هناك فلما اهبطوا تأكدت العداوة فقيل لها أنت عدو بنى آدم وهم اعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك قال ﵇ (اقتلوا الحيات واقتلوا ذات الطفيتين والأبتر فانهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل) فخصهما بالذكر مع انهما داخلان في العموم ونبه على ذلك لسبب عظيم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل ايضا لظاهر الأمر العام وما كان فى البيوت لا يقتل حتى يؤذن ثلاثة ايام لقوله ﷺ (ان بالمدينة جنا قد اسلموا فاذا رأيتم منها شيأ فآذنوه ثلاثة ايام) قال ابن الملك في شرح المشارق والجن لكونه جسما لطيفا يتشكل بشكل الحيات والجان من الحيات التي نهى عن قتلها وهي حية بيضاء صغيرة تمشى ولا تلتوى والصحيح ان النهى عن قتل الحيات ليس مختصا بالمدينة بل ينهى عن قتل حيات البيوت في جميع البلاد لان الله تعالى قال وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ الآية والأبتر وذات الطفيتين تقتلان من غير إيذان سواء كانتا من حيات المدينة أم لا وإذا رأى أحد شيأ من الحيات في المساكن يقول أنشدكم بالعهد الذي اخذه عليكم نوح ﵇ وأنشدكم بالعهد الذي اخذه عليكم سليمان ﵇ ان لا تؤذونا فاذا رأى منها شيأ بعد فليقتله ومن خاف من مضرة الحية والعقرب فليقرأ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ فانه يسلم بإذن الله تعالى واعلم ان ما كان من الحيوان أصله الاذية فانه يقتل ابتداء لاجل اذيته من غير خلاف كالحية والعقرب والفار والوزغ وشبهها وفي حواشى الخبازى على الهداية قتل الحيوان اما لدفع المضرة او لجلب المنفعة قال الفقير جامع هذه المجالس الانيقة يدخل فيه قتل نحلة العسل ودود القز ونحوهما إذا لم يمكن جلب منفعتها بدون القتل فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بان ادخلت إبليس بين فكيها ولو كانت تنذره ما تركها تدخل به وقال إبليس أنت في ذمتى فامر ﷺ بقتلها وقال (اقتلوها وان كنتم في الصلاة) يعنى الحية والعقرب والوزغة نفخت على نار ابراهيم ﵇ من بين سائر الدواب فلعنت وفي الحديث (من قتل وزغة فكانما قتل كافرا) والوزغة من ذوات السموم وتفسد الطعام خصوصا الملح وإذا لم تجد طريقا الى إفساده
ارتقت السقف وألقت خرءها فيه من موضع يحاذيه فجبلتها على الخبث والإفساد والفارة أبدت جوهرها بان عمدت الى حبال سفينة نوح ﵇ فقطعتها والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبى الله نوح ﵇ من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فاقبل على جيفة ونزل وكذا الحدأة والسبع العادي والكلب العقور كله في معنى الحية والأمر بقتل المضر من باب الإرشاد الى دفع المضرة
стр. 112
قال السعدي قدس سره
سنك بر دست ومار بر سر سنك ... خيره رأيى بود قياس ودرنك
وقال ايضا
ترحم بر پلنگ تيز دندان ... ستمكارى بود بر كوسفندان
وفي التأويلات النجمية انه لما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم جعل الله شخص آدم مستقر قلبه وجعل الأرض مستقر شخصه وقال وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ اى التمتع والانتفاع لبذر المحبة بماء الطاعة والعبودية الى حين ادراك ثمرة المعرفة كقوله تعالى تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات الا المعرفة لقوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اى ليعرفون وثمرة المعرفة وان ظهرت على أغصان العبادة ولكن لا تنبت الا من حبة المحبة كما اخبر النبي ﵇ (أن داود ﵇ قال يا رب لماذا خلقت الخلق قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لا عرف) فثبت ان بذر المعرفة هو المحبة: قال في المثنوى
آفتاب معرفت را نقل نيست ... مشرق او غير جان وعقل نيست
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ الفاء للدلالة على ان التوبة حصلت عقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به ومن ثمة قال القرطبي ان آدم تاب ثم هبط واليه الاشارة بقوله تعالى اهبطوا ثانيا ومنه يعرف ان الأمر بالهبوط ليس للاستخفاف ومشوبا بنوع سخط إذ لا سخط بعد التوبة فآدم اهبط بعد ان تاب الله عليه ومعنى تلقى الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها فان قلت ما هن قلت قوله تعالى رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية: قال الحافظ
زاهد غرور داشت سلامت نبرد راه ... رندا زره نياز بدار السلام رفت
وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان أحب الكلام الى الله تعالى ما قال أبونا آدم حين اقترف الخطيئة سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا اله الا أنت ظلمت نفسى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت وعن النبي ﷺ (ان آدم قال بحق محمد ان تغفر لى قال وكيف عرفت محمدا قال لما خلقتنى ونفخت في الروح فتحت عينى فرأيت على ساق العرش لا اله الا الله محمد رسول الله فعلمت انه أكرم الخلق عليك حتى قرنت اسمه باسمك فقال نعم وغفر له بشفاعته) او الكلمات هي قول آدم عند هبوطه من الجنه يا رب ألم تخلقنى بيدك من غير واسطة قال بلى قال يا رب ألم تسكنى جنتك قال بلى قال يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال يا رب أرأيت ان أصلحت ورجعت وتبت أراجعى أنت الى الجنة قال نعم فالكلمات هي العهود الانسانية والمواثيق الآدمية والمناجاة الربانية من الخليفة الى حضرة الحق تعالى فتاب آدم الى الله بالرجوع عن المعصية والاعتراف بذنبه والاعتذار لخطاه وسهوه فَتابَ عَلَيْهِ اى فرجع الرب عليه بالرحمة وقبول التوبة واصل التوب الرجوع فاذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية الى الطاعة وإذا وصف به
стр. 113
الباري تعالى أريد به الرجوع عن العقوبة الى المغفرة والفاء للدلالة على ترتبه على تلقى الكلمات المتضمن لمعنى التوبة وتمام التوبة من العبد بالندم على ما كان وبترك الذنب الآن وبالعزم على ان لا يعود اليه في مستأنف الزمان وبرد مظالم العباد وبإرضاء الخصم بايصال حقه اليه باليد والاعتذار منه باللسان واكتفى بذكر آدم ﵇ لان حواء كانت تابعة له في الحكم ولذلك طوى ذكر النساء في اكثر القرآن والسنن إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرجاع على عباده بالمغفرة او الذي يكثر اعانتهم على التوبة الرَّحِيمُ المبالغ في الرحمة وفي الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران والجملة تعليل لقوله تعالى فَتابَ عَلَيْهِ قال في المثنوى
مركب توبه عجائب مركبست ... بر فلك تازد بيك لحظه ز پست «١»
چون برارند از پشيمانى حنين ... عرش لرزد از انين المذنبين «٢»
قال ابن عباس رضى الله عنهما بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتى سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ولم يقرب آدم حواء مائة سنة وقال شهر بن حوشب بلغني ان آدم لما هبط الى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى قالوا لو أن دموع اهل الأرض جمعت لكانت دموع داود اكثر حيث أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع اهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم اكثر حيث أخرجه الله من الجنة قال في المثنوى
چون خدا خواهد كه مان يارى كند ... ميل ما را جانب زارى كند «٣»
اى خنك چشمى كه آن كريان اوست ... وى همايون دل كه آن بريان اوست
آخر هر كريه آخر خنده ايست ... مرد آخر بين مبارك بنده ايست
باش چون دولاب نالان چشم تر ... تا ز صحن جان بر رويد خضر
فاذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا فكيف حال من انغمس في بحر العصيان والتوبة بمنزلة الصابون فكما ان الصابون يزيل الأوساخ الظاهرة فكذا التوبة تزيل الأوساخ الباطنة والعبد إذا رجع عن السيئة وأصلح عمله أصلح الله شأنه وأعاد عليه نعمته الفائتة عن ابن أدهم بلغني ان رجلا من بنى إسرائيل ذبح عجلا بين يدى امه فيبست يده فبينما هو جالس إذ سقط فرح من وكره وهو يتبصبص فاخذه ورده الى وكره فرحمه الله لذلك ورد عليه يده بما صنع ولا ريب أن العمل الصالح يمحو الخطيئات وفي التأويلات النجمية ان أول نبت أنبتته امطار الإلهامات الربانية من حبة المحبة في قلب آدم وطينة الانسانية كان نبات رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ لانه ابصر بنور الايمان انه ظالم لنفسه إذ أكل حبة المحبة ووقع في شبكة المحنة والمذلة وان لم يعنه ربه بمغفرته ويقه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي اهبط اليه ويخسر رأس مال استعداد السعادة الازلية ولم يمكنه الرجوع الى ذروة مقام القربة فاستغاث الى ربه وقال ربنا مضطرا وكانت الحكمة في ابعاده بالهبوط هذا الاضطرار والدعاء فانه يجب المضطر إذا دعاه ويكشف
стр. 114
السوء فبسابقه العناية أخذ بيده وأفاض عليه سجال رحمته فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ للتائبين فاخرج من نبات الكلمات شجرة الاجتباء واظهر على دوحتها زهرة التوبة واثمر منها ثمرة الهداية وهي المعرفة كما قال ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قُلْنَا استئناف مبنى على سؤال ينسحب عليه الكلام كانه قيل فماذا وقع بعد قبول توبته فقيل قلنا اهْبِطُوا مِنْها اى من الجنة جَمِيعاً نصب على الحال من ضمير الجمع تأكيد في المعنى للجماعة من آدم وحواء وإبليس والحية والطاووس كأنه قيل اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعى اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد وكرر الأمر بالهبوط إيذانا بتحتم مقتضاه وتحققه لا محالة ودفعا لما عسى يقع في أمنيته ﵇ من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك ولان الاول دل على ان هبوطهم الى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون والثاني أشعر بانهم اهبطوا للتكليف فاختلف المقصود وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة لكن اعترض بينهما كلام وهو تلقيه الكلمات ونيله قبول التوبة فاعاد الاول ليتصل المعنى الثاني به وهو الابتلاء بالعبادة والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية قال في الإرشاد والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدى الى النجاة والنجاح وما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصدا أوليا بل انما هو دائر على سوء اختيار المكلفين ثم ان في الآية دليلا على ان المعصية تزيل النعمة عن صاحبها لان آدم قد اخرج من الجنة بمعصية واحدة وهذا كما قال القائل إذا تم امر دنا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم إذا كنت في نعمة فارعها فان المعاصي تزيل النعم قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي اى ان يأتينكم والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به هُدىً اى رشد وبيان شريعة برسول ابعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم والخطاب في قوله يأتينكم لآدم والمراد ذريته وإبليس وذريته لم يأتهم كتاب ولا رسول ولا يكون منهم اتباع وجواب الشرط هو الشرط الثاني مع جوابه وهو قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ اى اقتدى بشريعتى وكرر لفظ الهدى ولم يضمر بان يقال فمن تبعه لانه أراد بالثاني أعم من الاول وهو ما اتى به الرسل من الاعتقاديات والعمليات واقتضاه العقل اى فمن تبع ما أتاه من قبل الشرع مراعيا فيه ما يشهد به العقل من الادلة الآفاقية والانفسية فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فى الدارين من لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات مطلوب فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع اى لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا انه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن أصلا بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعى في اقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين وَالَّذِينَ كَفَرُوا عطف على من تبع إلخ قسيم له كانه قيل ومن لم يتبعه إلخ وانما اوثر عليه ما ذكر تفظيعا لحال الضلالة وإظهارا لكمال قبحها وإيراد الموصول بصيغة الجمع للاشعار بكثرة الكفرة اى والذين كفروا برسلنا المرسلة إليهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا
стр. 115
المنزلة عليهم او كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا أُولئِكَ اشارة الى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب أَصْحابُ النَّارِ ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها وفي الصحبة معنى الوصلة فسموا أصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها فكأنهم ملكوها فصاروا أصحابها هُمْ فِيها اى في النار خالِدُونَ دائمون والجملة فى حيز النصب على الحالية ففى هاتين الآيتين دلالة على ان الجنة في جهة عالية دل عليه قوله تعالى اهْبِطُوا مِنْها وان متبع الهدى مأمون العاقبة لقوله تعالى فَلا خَوْفٌ إلخ وان عذاب النار دائم والكافر فيه مخلد وان غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى هُمْ فِيها خالِدُونَ
فانه يفيد الحصر ... واعلم ان الشرف في اتباع الهدى كما قيل
سگ اصحاب كهف روزى چند ... پى نيكان گرفت مردم شد
فالمؤمن بين ان يطيع الله فيثيبه بالنعيم وبين ان يعصيه فيعاقبه بالجحيم ومن العجب ان الجمادات وغير المكلفين من العباد يخافون عذاب الله ويقومون بحقوق الله ولا يخافه المكلفون كما روى عن مالك بن دينار ﵀ انه مر يوما على صبى وهو يلعب بالتراب يضحك تارة ويبكى اخرى قال فهممت ان اسلم عليه فامتنعت نفسى تكبرا فقلت يا نفس كان النبي ﷺ يسلم على الصغار والكبار فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مالك ابن دينار فقلت من اين عرفتنى ولم تكن رأيتنى فقال حيث التقت روحى بروحك في عالم الملكوت عرف بينى وبينك الحي الذي لا يموت فقلت ما الفرق بين العقل والنفس قال نفسك التي منعتك عن السلام وعقلك الذي بعثك عليه فقلت ما بالك تلعب بهذا التراب فقال لانا منه خلقنا واليه نعود فقلت أراك تضحك تارة وتبكى اخرى قال نعم إذا ذكرت عذاب ربى بكيت وإذا ذكرت رحمته ضحكت فقلت يا ولدي أي ذنب لك حتى تبكى فقال يا مالك لا تقل هذا فانى رأيت أمي لا توقد الحطب الكبار الا ومعه الحطب الصغار: قال في المثنوى
طفل يك روزه همى داند طريق ... كه بگيرم تا رسد دايه شفيق
تو نمى دانى كه دايه دايگان ... كم دهد بي گريه شير او رايگان
گفت فليبكوا كثيرا گوش دار ... تا بريزد شير فضل كردگار
والاشارة في تحقيق الآيتين ان الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط الى الأرض بشره بان الهامه ووحيه لا ينقطع عنه ولا ينقطع عن ذريته هداه بواسطة أنبيائه ووحيه وإنزال كتبه فاما يأتينكم منى هدى فمن أتاه منهم هدى من الهامى ووحيي ورسولى وكتابى فمن تبع هداى كما تبعه آدم بالتوبة والنوح والبكاء والاستغفار وتربية بذر المحبة بالطاعة والعبودية حتى تثمر التوحيد والمعرفة فلا خوف عليهم في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية وابطال استعداد السعادة الابدية باستيفاء التمتعات الدنيوية ولا هم يحزنون على هبوطهم الى الأرض لتربية بذر المحبة إذ هم رجعوا بتبع الهداية وجذبات العناية الى أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار مثواه فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا اى ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية وظلموا
стр. 116
على أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الانسانية حتى أفسدوا الاستعداد الفطري وكذبوا بآياتنا اى معجزات انبيائنا وكتبنا وما أنزلنا على الأنبياء بالوحى والإلهام والرشد فى تربية بذر المحبة وتثمير الشجرة الانسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ الى درجات القربات ونعيم الجنات والغرفات أولئك اصحاب النار نار جهنم ونار القطيعة هُمْ فِيها خالِدُونَ لانهم خلدوا في ارض الطبيعة واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بما الشريعة فبقوا بإفساد استعدادهم فى دركات الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين يا بَنِي إِسْرائِيلَ البنون اسم للذكور والإناث إذا اجتمعوا وإسرائيل اسم يعقوب ﵇ ومعناه عبد الله لان اسرا بلغة العبرانية وهي لغة اليهود بمعنى العبد وايل هو الله اى يا أولاد يعقوب والخطاب لليهود المعاصرين للنبى ﷺ الذين كانوا حوالى المدينة من بنى قريظة والنضير وكانوا من أولاد يعقوب وتخصيص هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما انهم أوفر الناس نعمة وأكثرهم كفرا بها اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الذكر بضم الذال بالقلب خاصة بمعنى الحفظ الذي يضاد النسيان والذكر بكسر الذال يقع على الذكر باللسان والذكر بالقلب يكون امرا بشكر النعمة باللسان وحفظها بالجنان اى احفظوا بالجنان واشكروا باللسان نعمتى لان النعمة اسم جنس بمعنى الجمع قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها الَّتِي أَنْعَمْتُ بها عَلَيْكُمْ وفيه اشعار بانهم قد نسوها بالكلية ولم يخطروها بالبال لا انهم أهملوا شكرها فقط وتقييد النعمة بكونها عليهم لان الإنسان غيور حسود بالطبع فاذا نظر الى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ولذا قيل لا تنظر الى من هو فوقك في الدنيا لئلا تزدرى بنعمة الله عليك فان من نظر الى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر قال ارباب المعاني ربط بنى إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن امة محمد ﷺ ودعاهم الى ذكره فقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ليكون نظر الأمم من النعمة الى المنعم ونظر امة محمد من المنعم الى النعمة والنعمة ما لم يحجبك عن المنعم وَأَوْفُوا أتموا ولا تتركوا بِعَهْدِي الذي قبلتم يوم الميثاق وهو علم في جميع أوامره من الايمان والطاعة ونواهيه ووصاياه فيدخل فى ذلك ما عهده تعالى إليهم في التوراة من اتباع محمد ﷺ والعهد حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا والمراد منه الموثق والوصية والعهد هنا مضاف الى الفاعل أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أتمم جزاءكم بحسن الاثابة والقبول ودخول الجنة والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد وهو هنا مضاف الى المفعول فان الله عهد إليهم بالايمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم وأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ومن الله حقن المال والدم وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث نغفل عن أنفسنا فضلا عن غيرنا ومن الله الفوز باللقاء الدائم كما قال القشيري أَوْفُوا بِعَهْدِي فى دار الحجبة أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فى دار القربة على بساط الوصلة بادامة الانس والرؤية وأوفوا بعهدي بقولكم ابدا ربى ربى أوف بعهدكم بجوابكم ابدا عبدى عبدى وَإِيَّايَ نصب بمحذوف تقديره وإياي ارهبوا فَارْهَبُونِ فيما تأتون وتذرون وخصوصا في نقض العهد
стр. 117
لا بارهبون لان ارهبون قد أخذ مفعوله والأصل ارهبونى لكن حذفت الياء تخفيفا لموافقة رؤس الآي والفاء الجزائية دالة على تضمن الكلام معنى الشرط كانه قيل ان كنتم راهبين شيأ فارهبون والرهبة خوف معه تحرز والآية متضمنة للوعد لقوله أُوفِ والوعيد لقوله وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وان المؤمن ينبغى ان لا يخاف أحدا الا الله للحصر المستفاد من تقديم إياي وَآمِنُوا يا بنى إسرائيل بِما أَنْزَلْتُ افراد الايمان بالقرآن بالأمر به بعد اندراجه تحت العهد لما انه العمدة القصوى في شأن الوفاء بالعهد اى صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلته على محمد مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ اى حال كون القرآن مصدقا للتوراة لانه نازل حسبما نعت فيها وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر فان ايمانهم بما معهم مما يقتضى الايمان بما يصدقه قطعا وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ فريق كافِرٍ بِهِ اى بالقرآن فان وزر المقتدى يكون على المبتدى كما يكون على المقتدى: قال في المثنوى
هر كه بنهد سنت بد اى فتا ... تا در افتد بعد او خلق از عما
جمع گردد بروى آن جمله بزه ... كو سرى بودست وايشان دم غزه
اى لا تسارعوا الى الكفر به فان وظيفتكم ان تكونوا أول من آمن به لما انكم تعرفون شأنه وحقيقته بطريق التلقي مما معكم من الكتب الالهية كما تعرفون أبنائكم وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون بزمانه فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم من كونكم أول كافر به ودلت الآية على انه ﵊ قدم المدينة فكذبه يهود المدينة ثم بنوا قريظة وبنوا النضير ثم خيبر ثم تتابعت على ذلك سائر اليهود وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي اى لا تأخذوا لانفسكم بدلا منها ثَمَناً قَلِيلًا هى الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة بالنسبة الى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة بترك الايمان قيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم ويهدون إليهم الهدايا ويعطونهم الرشى على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع وكان ملوكهم يجرون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا فلما كان لهم رياسة عندهم ومآكل منهم خافوا ان يذهب ذلك منهم اى من الأحبار لو آمنوا بمحمد واتبعوه وهم عارفون صفته وصدقه فلم يزالوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويغيرون نعت محمد ﷺ كما حكى ان كعب بن الأشرف قال لاحبار اليهود ما تقولون في محمد قالوا انه نبى قال لهم كان لكم عندى صلة وعطية لو قلتم غير هذا قالوا أجبناك من غير تفكر فامهلنا نتفكر وننظر في التوراة فخرجوا وبدلوا نعت المصطفى بنعت الدجال ثم رجعوا وقالوا ذلك فاعطى كل واحد منهم صاعا من شعير واربعة اذرع من الكرباس فهو القليل الذي ذكره الله في هذه الآية الكريمة: قال في المثنوى
بود در إنجيل نام مصطفا ... آن سر پيغمبران بحر صفا
بود ذكر حليها وشكل او ... بود ذكر غزو وصوم وأكل او
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ بالايمان واتباع الحق والاعراض عن حطام الدنيا وإعادة لان معنى
стр. 118
الاول اخشوا في نقض العهد وهذا معناه في كتمان نعت محمد او لان الخطاب بالآية الاولى لما عم العالم والمقلد أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك وبالثانية لما خص اهل العلم أمرهم بالتقوى الذي هو منتهاه وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلوا الحق ملتبسما بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله او تذكرونه في تأويله وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَّ بإضمار لا او نصب بإضمار ان على ان الواو للجمع اى لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان لانهم كانوا يقولون لا نجد في التوراة صفة محمد ﷺ فاللبس غير الكتمان وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اى حال كونكم عالمين بانكم لابسون كاتمون او وأنتم تعلمون انه حق نبى مرسل وليس إيراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل قد يعذر وفي التيسير يجوز صرف الخطاب الى المسلمين والى كل صنف منهم وبيانه ايها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وايها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق فهذه الآية وان كانت خاصة ببني إسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق وابطاله او امتنع من تعليم ما وجب عليه او أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل في مقتضى الآية قال رسول الله ﷺ (من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله ﷺ (لا يمنعن أحدكم هيبة أحد ان يقول او يقوم بالحق حيث كان) وفي التنزيل يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ- حكى- ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فاقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من اصحاب النبي ﷺ قالوا له ابو حازم فارسل اليه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال له ابو حازم يا امير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال أتاني وجوه اهل المدينة ولم تأتنى قال يا امير المؤمنين أعيذك بالله ان تقول ما لم يكن ما عرفتنى قبل هذا اليوم ولا انا رأيتك قال فالتفت الى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ واخطأت قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لانكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران الى الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال واى مكان أجده قال إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قال سليمان فاين رحمة الله يا أبا حازم قال إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال له سليمان يا أبا حازم فاى عباد الله أكرم قال أولوا المروة والنهى قال له سليمان فاى الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فاى الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة أفضل قال على
стр. 119
السائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال فأى القول اعدل قال قول الحق عند من تخافه او ترجوه قال فأى المؤمنين أكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأى المؤمنين أحمق قال رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا امير المؤمنين اعفنى قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها الى قال يا امير المؤمنين ان آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولارضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا
أبا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله أخذ ميثاق العلماء لتبيننه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال أعوذ بالله قال ولم ذاك قال أخشى ان اركن إليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع إلينا حوائجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى إليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد أوجزت وأكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان أوص قال سأوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن أنفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين أعيذك بالله ان يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا ما أرضا هالك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما أنزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى أبيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب ﵇ هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجدبدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وأريني بقولك فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى أعوذ بالله فقال شعيب لم أما أنت جائع قال بلى ولكنى أخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائي نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت
стр. 120
ونصحت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه وان كانت لحق لى فى بيت المال فلى فيها نظراء فان ساويت بيننا والا فليس لى فيها حاجة قال القرطبي في تفسيره بعد إيراد هذه الحكاية قلت هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انتهى وقد اختلف العلماء في أخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا والفتوى في هذا الزمان على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه وغيره لئلا يضيع قال ﷺ (ان أحق ما أخذتم عليه اجرا كتاب الله) والآية في حق من تعين عليه التعليم فابى حتى يأخذ عليه اجرا فاما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الاجرة بدليل السنة في ذلك كما إذا كان الغسال في موضع لا يوجد من يغسل الميت غيره كما في القرى والنواحي فلا اجر له لتعينه لذلك واما إذا كان ثمة ناس غيره كما في الأمصار والمدن فله الاجر حيث لم يتعين عليه فلا يأثم بالترك وقد يتعين عليه الا انه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله ان يقبل على صنعته وحرفته ويجب على الامام ان يعين له شيأ والا فعلى المسلمين لان الصديق ﵁ لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به اهله فاخذ ثيابا وخرج الى السوق فقيل له في ذلك فقال ومن اين أنفق على عيالى فردوه وفرضوا له كفايته وكذا يجوز للامام والمؤذن وأمثالهما أخذ الاجرة وبيع المصحف ليس بيع القرآن بل هو بيع الورق وعمل أيدي الكاتب وقالوا في زماننا تغير الجواب في بعض مسائل لتغير الزمان وخوف اندراس العلم والدين منها ملازمة العلماء أبواب السلاطين ومنها خروجهم الى القرى لطلب المعيشة ومنها أخذ الاجرة لتعليم القرآن والاذان والامامة ومنها العزل عن الحرة بغير اذنها ومنها السلام على شربة الخمور ونحوها فافتى بالجواز فيها خشية الوقوع فيما هو أشد منها وأضر كذا في نصاب الاحساب وغيره: قال في المثنوى
عاشقانرا شادمانى وغم اوست ... دست مزد واجرت خدمت هم اوست
غير معشوق از تماشايى بود ... عشق نبود هرزه سودايى بود
عشق آن شعله است كو چون برفروخت ... هر كه جز معشوق باقى جمله سوخت
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ خطاب لبنى إسرائيل اى اقبلوها واعتقدوا فرضيتها وأدوها بشرائطها وحدوها كصلاة المسلمين فان غيرها كلا صلاة وَآتُوا الزَّكاةَ كزكاة المؤمنين فان غيرها كلا زكاة والزكاة من زكى الزرع إذ انما فان إخراجها يستجلب بركة فى المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم او من الزكاء بمعنى الطهارة فانها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل واعلم ان الكفار لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات كالصلاة والصوم ولا يعاقبون بتركها عند الحنفية فالتكليف عندهم راجع الى الاعتقاد والقبول وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ اى في جماعاتهم فان صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس فان الصلاة كالغزو والمحراب كمحل الحرب ولا بد للقتال من صفوف الجماعة فالجماعة قوة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (ما اجتمع من المسلمين في جماعة أربعون رجلا الا وفيهم رجل مغفور له) فالله تعالى أكرم من ان يغفر له
стр. 121
ويرد الباقي خائبين خاسرين وانما فضلت صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين لان الجماعة مأخوذة من الجمع والجمع اقله ثلاثة وصلاة الإنسان وحده بعشر حسنات وعشر حسات فيها واحدة اصل والتسع تضعيف بفضل الله تعالى فاذا اجتمعت التضعيفات كانت سبعا وعشرين قال القرطبي في تفسيره وتجب على من أدمن التخلف عن الجماعة من غير عذر العقوبة قال ابو سليمان الداراني أقمت عشرين سنة لم احتلم فدخلت مكة فاحدثت بها حدثا فما أصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة وفي الحديث (ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد فرضا أحب اليه من الصلاة ولو كان شىء أحب اليه من الصلاة لتعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد) وينبغى للمصلى ان يبالغ في الحضور فكان السلف لو شغلهم ذكر مال يتصدقون به تكفيرا فالاصل عمل الباطن قال تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى اى من حب الدنيا او كثرة الهموم ولا ينظر الله تعالى الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه فلا بد من دفع الخواطر: قال في المثنوى أول اى جان دفع شر موش كن وانكه اندر جمع كندم كوش كن بشنو از اخبار آن صدر صدور لا صلاة تم الا بالحضور قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى في وصاياه للعارف الهدائى قدس الله سر هما إذا شرعت فى الصلاة لا تتفكر في غير اظهار العبودية وتتميمها فانه إذا تم العبودية يحصل المقصود واما في غير الصلاة فليكن فكرك وملاحظتك نفى نفسك واثبات وحدانيته تعالى فانه المقصود لتوحيد ولا شىء أفضل من التوحيد ولذلك كان أول التكاليف فبعد قبول العبد التوحيد كلف بالصلاة ثم كلف بالصوم لان فيهما إصلاح الطبيعة وبعدهما بالزكاة وفيها إصلاح النفس بازالة شحها ثم بالحج وفيه نفع للطبيعة من جهة وللنفس من جهة بذل المال وقدم الثلاث الاول لعمومها للاغنياء والفقراء واما الأخيران فالفقراء سالمون منهما ثم قال إذا كان بيت الأغنياء من الجواهر يكون بيت الفقراء من النور حتى يتمنوا ان يكونوا فقراء: قال في المثنوى
مكرها در كسب دنيا بار دست ... مكرها در ترك دنيا واردست
چيست دنيا از خدا غافل شدن ... نى قماش ونقره فرزند وزن
كوزه سر بسته اندر آب زفت ... از دل پر باد فوق آب رفت
باد درويشى چودر باطن بود ... بر سر آب جهان ساكن بود
وفي التأويلات النجمية وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع وَآتُوا الزَّكاةَ اى بالغوا في تزكية النفس عن الحرص على الأمور الدنيوية والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية الأعمال السيئة وترك مطالبة ما سوى الله فانه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ اى اقتدوا في الانكسار ونفى الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الموجود أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ الخطاب لليهود والأمر القول لمن دونك افعل والمراد بالناس سفلتهم بِالْبِرِّ اى الاعتراف بالنبي واتباع الادلة وهو التوسع في الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع والهمزة تقرير مع توبيخ
стр. 122
وتعجيب وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وتتركونها من البر كالمنسيات لان اصل السهو والنسيان الترك الا ان السهو يكون لما علمه الإنسان ولما لم يعلمه والنسيان لما عزب بعد حضوره كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسر آمنوا بمحمد فانه حق وكانوا يقولون للاغنياء نرى فيه بعض علامات نبى آخر الزمان دون بعض فانتظروا الاستيفاء لما ينالون منهم ويؤخرون امور أنفسهم فلا يتبعونه في الحال مع عزيمتهم ان يتبعوه يوما وكذا حال من تمادى فى العصيان وهو يقول أتوب عند الكبر والشيب وربما يفجأه الموت فيبقى في حسرة الفوت:
قال الحافظ
ديدى آن قهقهه كبك خرامان حافظ ... كه ز سر پنجه شاهين قضا غافل بود
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ اى والحال انكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى الله تعالى عليه وسلم الآمرة بالايمان به أَفَلا تَعْقِلُونَ اى ليس لكم عقل تعرفون به انه قبيح منكم عدم إصلاح أنفسكم والاشتغال بغيركم والعقل في الأصل المنع والإمساك ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير الى ذراعيه لحبسه عن الحراك سمى به النور الروحاني الذي به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية لانه يحبس عن تعاطى ما يقبح ويعقل على ما يحسن ومحله الدماغ لان الدماغ محل الحس وعند البعض محله القلب لان القلب معدن الحياة ومادة الحواس وعند البعض هو نور في بدن الآدمي ثم هذا التوبيخ ليس على امر الناس بالبر بل لشرك العمل به فمدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة وهي جملة تنسون أنفسكم دون ما عطفت هي عليه وهي أتأمرون الناس بالبر ولا يستقيم قول من لا يجوز الأمر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية بل يجب العمل به ويجب الأمر به وقد قال ﵇ (مروا بالمعروف وان لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وان لم تنتهوا عنه) وهذا لانه إذا امر به مع انه لا يعمل به فقد ترك واجبا وإذا لم يأمر به قد ترك واجبين فالامر بالحسن حسن وان لم يعمل به ولكن قلما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه ومن امر بخير فليكن أشد الناس مسارعة اليه ومن نهى عن شىء فليكن أشد الناس انتهاء عنه وهذه الآية كما ترى ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه سوء صنيعه وعدم تأثره وان فعله فعل الجاهل بالشرع او الأحمق الخالي عن العقل والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحق وتقيم غيرها لا منع الفاسق من الوعظ فان الإخلال بأحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر- يروى- انه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوى التصرف في القلوب وكان كثيرا ما يموت من اهل مجلسه واحدا واثنان من شدة تأثير وعظه وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ فحضره يوما على حين غفلة منها فوقع من امر الله تعالى ما وقع ثم ان العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت أتهدى الأنام ولا تهتدى الا ان ذلك لا ينفع فياحجر الشحذ حتى متى تسن الحديد ولا تقطع
стр. 123
فلما سمعها الواعظ شهق شهقة فخر من فرسه مغشيا عليه فحملوه الى بيته فتوفى الى رحمة الله تعالى: قال الحافظ
واعظان كين جلوه در محراب ومنبر ميكنند ... چون بخلوت ميروند آن كار ديكر ميكنند
مشكلى دارم ز دانشمند مجلس باز پرس ... توبه فرمايان چرا خود توبه كمتر ميكنند
قال رسول الله تعالى عليه وسلم (ليلة اسرى بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجزون نصيبهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا) قال الأوزاعي شكت النواويس الى الله تعالى ما تجده من جيف الكفار فاوحى الله إليها بطون العلماء السوء أنتن مما أنتم فيه وفي الحديث (ما من عبد يخطب خطبة الا والله تعالى سائله عنها يوم القيامة ما أراد بها) قال الشيخ افتاده افندى لو ان واعظا يرى نفسه خيرا من المستمعين يشكل الأمر كذا إذا لم يكن من يصغى الى كلامه مساويا لمن يلطم على قفاه يشكل الأمر فلذلك قال ﵇ (كم من واعظ يلعب به الشيطان) اللهم الا ان يقول ينتفع منى المسلمون وان كنت معذبا في النار فهو نوع فناء لكن يخاف ان يجد حظه في ضمنه وقال ايضا من كان يعظ الناس اما ان يعتقد انهم يعرفون ما يعرفه او يعتقد انهم لا يعرفون ما يعرفه فعلى الاول لا يحتاج الى وعظه وعلى الثاني قد اثبت لهم جهلا ولنفسه فضلا عليهم فهو محض كبر وبالجملة حيل النفس كثيرة لا تتيسر النجاة منها الا بمحض لطف الله تعالى وادنى الحال ان يلاحظ قوله ﵇ (ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاسق) فما دام لم يصل السالك الى الحقيقة لا يتخلص من الورطة قال ﵊ (الناس كلهم سكارى الا العالمون) الحديث والمخلصون على خطر عظيم وانما الا من للمخلص بالفتح وهو الواصل الى التوحيد الحقيقي الفاني عن القهر والكرم الخارج عن حد الوجود والعدم وهو الفناء الكلى وهم الذين اريدوا بقوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ولا بد من رعاية الشريعة في جميع المراتب فان الكمال فيها والا فهو ناقص ولذلك ان المجاذيب لا يخلون عن النقصان ألا يرى ان الأنبياء ﵈ لم يسمع عن واحد منهم عروض السفه والجنون فالكامل في مرتبة الكمال يكون كامل العقل حتى يحس بصرير الباب في حال استغراقه اللهم أوصلنا الى الكمال وَاسْتَعِينُوا يا بنى إسرائيل على قضاء حوائجكم بِالصَّبْرِ اى بانتظار الظفر والفرج توكلا على الله تعالى او بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس وَالصَّلاةِ اى التوسل بالصلاة والالتجاء إليها حتى تجابوا الى تحصيل المآرب وجبر المصائب كانهم اى بنى إسرائيل لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من ترك الكلفة وترك الرياسة والاعراض عن المال عولجوا بذلك روى انه ﵇ كان إذا حزبه امر فرع الى الصلاة وروى ان ابن عباس رضى الله عنهما نعى له بنت وهو في سفر فاسترجع وقال عورة سترها الله ومؤونة كفاها الله واجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف الى
стр. 124
راحلته وهو يقرأ واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّها اى الاستعانة بهما لَكَبِيرَةٌ لثقيلة ساقه كقوله تعالى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ اى المخبتين الخائفين والخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب او الخشوع بالبصر والخضوع بسائر الأعضاء وانما لم يثقل عليهم لانهم يستغرقون في مناجاة ربهم فلا يدركون ما يجرى عليهم من المشاق والمتاعب لذلك قال ﷺ (وقرة عينى في الصلاة) لان اشتغاله ﵇ بالصلاة كان راحة له وكان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبا الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يوقنون لان الظن يكون يقينا ويكون شكا فهو من الاضداد كالرجاء يكون أمنا وخوفا كما في تفسير الكواشي أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ معاينوه وهو كناية عن شهود مشهد العرض والسؤال يوم القيامة وهو الوجه فيما يروى في الاخبار لقى الله وهو عليه غضبان وما يجرى مجراه وقيل اى يعلمون انهم يموتون قال النبي ﵊ (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) وأراد به الموت وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ اى ويعلمون انهم راجعون يوم القيامة الى الله تعالى اى الى جزائه إياهم على أعمالهم واما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب كانت عليهم مشقة خالصة فتثقل عليهم كالمنافقين والمرائين فالصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من اخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان الصبر ان لا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضى بما قضى الله من امر دنياك وآخرتك وهو بمنزلة الرأس من الجسد: قال الحافظ
كويند سنك لعل شود در مقام صبر ... آرى شود وليك بخون جكر شود
ثم ان الله تعالى وصف جزاء الأعمال وجعل لها نهاية واحدا فقال مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ الآية وجعل اجر الصابرين بغير حساب ومدح اهله فقال إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ وقد وصف الله نفسه بالصبر كما في الحديث (ليس شىء اصبر على أذى سمعه من الله تعالى انهم ليدعون له ولدا وانه ليعافيهم ويرزقهم) ووصف الله بالصبر انما هو بمعنى الحلم وهو تأخير العقوبة عن المستحقين لها والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم وقيل في الخشوع أتريد ان تكون اماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن لكن الخشوع ان ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك فمن اظهر خشوعا فوق ما في قلبه فانما اظهر نفاقا على نفاق قال سهل بن عبد الله لا تكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسدك وهذا هو الخشوع المحمود لان الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعة فتراه مطرفا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك واما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان وكان عمر رضى الله عنه إذا تكلم اسمع وإذا مشى اسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا
стр. 125
كما في تفسير القرطبي وقال في التأويلات النجمية وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عن شهوات النفس ومتابعة هواها وَالصَّلاةِ اى دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب وَإِنَّها اى الاستعانة بهما لَكَبِيرَةٌ امر عظيم وشأن صعب إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وهم الذين تجلى الحق لاسرارهم فخشعت له أنفسهم كما قال ﵊ (إذا تجلى الله لشئ خضع له) وقال وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً فالتجلى يورث الالفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يوقنون بنور التجلي أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ انهم يشاهدون جمال الحق وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ بجذبات الحق التي كل جذبة منها توازى عمل الثقلين يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا اشكروا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ بها عَلَيْكُمْ بانزال المن والسلوى وتظليل الغمام وتفجير الماء من الحجر وغيرها وذكر النعم على الآباء الزام الشكر على الأبناء فانهم يشرفون بشرفهم ولذلك خاطبهم فقال تعالى فضلتكم ولم يقل فضلت آبائكم لان في فضل آبائهم فضلهم وَاذكروا أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من عطف الخاص على العام للتشريف اى فضلت آباءكم على عالمى زمانهم بما منحتهم من العلم والايمان والعمل الصالح وجعلتهم أنبياء وملوكا مقسطين وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى ﵇ وبعده قبل ان يغيروا وهذا كما قال في حق مريم وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ اى نساء زمانك فان خديجة وعائشة وفاطمة أفضل منها فلم يكن لهم فضل على امة محمد ﷺ قال تعالى في حقهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ كما في التيسير فالاستغراق في العالمين عرفى لا حقيقى قال بعضهم من آمن من اهل الكتاب بمحمد ﷺ كانت له فضيلة على غيره وكان له أجران اجر إيمانه بنبيه واجر اتباعه لمحمد ﷺ وقد روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (ثلاثة يعطيهم الله الاجر مرتين من اشترى جارية فاحسن تأديبها فاعتقها وتزوجها وعبد أطاع سيده وأطاع الله ورجل من اهل الكتاب أدرك النبي ﷺ فآمن به) قال القشيري اشهد الله بنى إسرائيل فضل أنفسهم فقال فضلتكم على العالمين واشهد محمدا ﷺ فضل ربه فقال قل بفضل الله وبرحمته وشتان بين من مشهوده فضل نفسه وبين من مشهوده فضل ربه وشهوده فضل نفسه قد يورث الاعجاب وشهوده فضل ربه يورث الإيجاب ثم ان اليهود كانوا يقولون نحن من أولاد ابراهيم خليل الرحمن ومن أولاد اسحق ذبيح الله والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا فرد الله عليهم فانزل هذه الآية وقال وَاتَّقُوا اى واخشوا يا بنى إسرائيل يَوْماً يوم القيامة اى حساب يوم او عذاب يوم فهو من ذكر المحل وارادة الحال لا تَجْزِي اى لا تقتضى فيه ولا تؤدى ولا تغنى فالعائد محذوف والجملة صفة يوم نَفْسٌ مؤمنة عَنْ نَفْسٍ كافرة شَيْئاً ما من الحقوق التي لزمت عليها وهو نصب على المفعول به وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والاقناط الكلى قال تعالى لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ وكيف تنفع وقد قال يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية: قال في المثنوى
چون يفر المرء آيد من أخيه ... يهرب المولود يوما من أبيه
زان شود هر دوست آن ساعت عدو ... كه بت تو بود واز ره مانع او
стр. 126
وهذا في حق الكفار فاما المؤمن فقد استثناه فقال يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ اى خال عن الشرك وَلا يُقْبَلُ مِنْها اى من النفس الاولى المؤمنة شَفاعَةٌ ان شفعت للنفس الثانية الكافرة عند الله لتخليصها من عذابه والشفاعة مصدر الشافع والشفيع وهو طالب قضاء حاجة غيره مأخوذ من الشفع لانه يشفع نفسه بمن يشفع له في طلب مراده ولا شفاعة في حق الكافر بخلاف المؤمن قال النبي ﵇ (شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي) فمن كذب بها لم ينلها والآيات الواردة في نفى الشفاعة خاصة بالكفار وَلا يُؤْخَذُ مِنْها اى من المشفوع لها وهي النفس الثانية العاصية عَدْلٌ اى فداء من مال او رجل مكانها او توبة تنجو بها من النار والعدل بالفتح مثل الشيء من خلاف جنسه وبالكسر مثله من جنسه وسمى به الفدية لانها تساويه وتماثله وتجرى مجراه وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ اى يمنعون من عذاب الله تعالى ومن أيدي المعذبين فلا نافع ولا شافع ولا دافع لهم والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة والتذكير لكونها عبارة عن العباد والأناسي والنصرة هاهنا أخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر ثم هذه الآية في غاية البلاغة فانها جمعت ذكر الوجوه التي بها يتخلص المرء من النكبة التي أصابته في الدنيا وهي اربع ينوب عنه غيره في تحمل ما عليه او يفتدى بمال فيخلص منها او يشفع له شافع فيوهب له او ينصره ناصر فيمنعه فقطعها الله عنهم جميعا وعن عكرمة انه قال ان الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول يا بنى انى اب لك في الدنيا وقد احتجت الى مثقال حبة من حسناتك لعلى أنجو بها مما ترى فيقول له ولده انى أتخوف مثل الذي تخوفت أنت فلا أطيق ان أعطيك شيأ ثم يتعلق بزوجته فيقول لها فلانة انى زوج لك في الدنيا فتثنى عليه خيرا فيقول لها انى اطلب منك حسنة واحدة تهبينها لى لعلى أنجو مما ترين فتقول لا أطيق ذلك انى تخوفت مثل الذي تخوفت منه فيقول الله وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى يعنى من أثقلته الذنوب لا يحمل أحد من ذنبه شيأ: قال السعدي
برفتند هر كس درود آنچهـ كشت ... نماند بجز نام نيكو وزشت
بر آن خورد سعدى كه بيخى نشاند ... كسى برد خرمن كه تخمى فشاند
وفي التأويلات النجمية يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا فاسمعهم خطابه في السر فذكروا نعمته التي أنعم بها عليهم وهي استعداد قبول رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فآمنوا بمحمد ﵇ من خاصية قبول ذلك الرشاش كما قال ﵇ (فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل) وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ اى بهذه النعمة اى فضلتكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور من العالمين وَاتَّقُوا يَوْماً اى عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله كما قال واتقوا النار إلخ ويخوف الخاص بصفاته كقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ وقوله لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ويخوف خاص الخاص بذاته
стр. 127
ويحذركم الله نفسه وقوله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ فى حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الاذن كقوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ اى فداء لانه لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى والسعى المشكور ما يكون هاهنا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لانهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال الله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ خطاب لبنى إسرائيل اى اذكروا وقت تنجيتنا إياكم اى آباءكم فان تنجيتهم تنجية لاعقابهم ومن عادة العرب يقولون قتلنا كم يوم عكاظ اى قتل آباؤنا آباءكم والنجو المكان العالي من الأرض لان من صار اليه يخلص ثم سمى كل فائز ناجيا لخروجه من ضيق الى سعة اى جعلنا آباءكم بمكان حريز ورفعناكم عن الأذى مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ واتباعه واهل دينه وفرعون لقب من ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس وقيصر لملك الروم وخاقان لملك الترك والنجاشي للحبشة وتبع لاهل اليمن والعمالقة الجبابرة وهم أولاد عمليق بن لاود بن ارم بن سام بن نوح ﵇ سكان الشام منهم سموا بالجبابرة وملوك مصر منهم سموا بالفراعنة ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتمرد فليس المراد الاستغراق بل الذين كانوا بمصر وفرعون موسى هو الوليد بن مصعب ابن الريان وكان من القبط وعمر اكثر من اربعمائة سنة وقيل انه كان عطارا اصفهانيا ركبته الديون فافلس فاضطر الى الخروج فلحق بالشام فلم يتيسر له المقام فدخل مصر فرأى فى ظاهرها حملا من البطيخ بدرهم وفي سوقها بطيخة بدرهم فقال في نفسه ان تيسر لى أداء الديون فهذا طريقه فخرج الى السواد فاشترى حملا بدرهم فتوجه به الى السوق فكل من لقيه من المكاسين اى العشارين أخذ بطيخة فدخل البلد وما معه الا بطيخة فباعها بدرهم ومضى بوجهه ورأى اهل البلد متروكين سدى لا يتعاطى أحد سياستهم وكان قد وقع بها وباء عظيم فتوجه نحو المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لاوليائه فقال انا أمين المقابر فلا أدعكم تدفنونه حتى تعطونى خمسة دراهم فدفعوها اليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهر ما لا عظيما ولم يتعرض له أحد قط الى ان تعرض يوما لاولياء ميت فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فابوا ذلك فقالوا من نصبك هذا المنصب فذهبوا به الى فرعون اى الى ملك المدينة فقال من أنت ومن أقامك بهذا المقام قال لم يقمنى أحد وانما فعلت ما فعلت ليحضرنى أحد الى مجلسك فانبهك على اختلال حال قومك وقد جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال فاحضره ودفعه الى فرعون فقال ولنى أمورك ترنى أمينا كافيا فولاه إياها فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر واستقامت احوال الرعية ولبث فيهم دهرا طويلا وترامى امره في العدل والصلاح فلما مات فرعون أقاموه مقامه فكان من امره ما كان وكان فرعون يوسف ﵇ ريان وبينهما اكثر من اربعمائة سنة يَسُومُونَكُمْ اى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ واقبحه بالنسبة الى سائره ويريدونكم عليه ويكلفونكم الأعمال الشاقة ويذيقونكم ويديمون عليكم ذلك من سام السلعة إذا طلبها والسوم بمعنى البغاء وبغى يتعدى الى مفعولين بلا واسطة فلذلك كان سوء العذاب منصوبا على المفعولية ليسومونكم
стр. 128
والجملة حال من ضمير المفعول في نجيناكم والمعنى نجيناكم مسومين منهم أقبح العذاب كقولك رأيت زيدا يضربه عمرو اى رأيته حال كونه مضروبا لعمرو وذلك ان فرعون جعل بنى إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يخدمونه ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليهم الجزية وقال وهب كانوا أصنافا في اعمال فرعون فذووا القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وطائفة ينقلون الحجارة والطين يبنون له القصور وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر وطائفة نجارون وحدادون والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة ويؤدونها كل يوم فمن غربت عليه الشمس قبل ان يؤدى ضريبته غلت يمينه الى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجن وقيل تفسير قوله يسومونكم سوء العذاب ما بعده وهو قوله تعالى يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ كانه قيل ما
حقيقة سوء العذاب الذي يبغونه لنا فاجيب بانهم يذبحون ابناءكم اى يقتلونهم والتشديد للتكثير كما يقال فتحت الأبواب والمراد من الأبناء هم الذكور خاصة وان كان الاسم يقع على الذكور والإناث في غير هذا الموضع كالبنين في قوله تعالى يا بنى إسرائيل فانهم كانوا يذبحون الغلمان لا غير وكذا أريد به الصغار دون الكبار لانهم كانوا يذبحون الصغار وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ اى يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات وذكر النساء وان كانوا يفعلون هذا بالصغار لانه سماهن باسم المآل لانهن إذا استبقوهن صرن نساء بعد البلوغ ولانهم كانوا يستبقون البنات مع أمهاتهن والاسم يقع على الكبيرات والصغيرات عند الاختلاط وذلك ان فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فاحاطت بمصر وأخرجت كل قبطى بها ولم تتعرض لبنى إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه فقالوا يولد في بنى إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فامر فرعون بقتل كل غلام يولد في بنى إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يسقط على أيديكن غلام يولد في بنى إسرائيل الا قتل ولا جارية الا تركت ووكل القوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل انه قتل في طلب موسى ﵇ اثنى عشر الف صبى وتسعين الف وليد وقد اعطى الله نفس موسى ﵇ من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا احياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة ثم اسرع الموت في مشيخة بنى إسرائيل فدخل رؤس القبط على فرعون وقالوا ان الموت وقع في بنى إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك ان يقع العمل علينا فامر فرعون ان يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون ﵇ في السنة التي لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها فلم يرد اجتهادهم من قضاء الله شيأ وشمر فرعون عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد فاراد ان يسبق القضاء ظهوره ويأبى الله الا ان يتم نوره وَفِي ذلِكُمْ اشارة الى ما ذكر من التذبيح والاستحياء بَلاءٌ اى محنة وبلية وكون استحياء نسائهم اى استبقائهن على الحياة محنة مع انه عفو وترك للعذاب لما ان ذلك كان للاسترقاق والاستعمال في الأعمال الشاقة ولان بقاء البنات مما يشق
стр. 129
على الآباء ولا سيما بعد ذبح البنين مِنْ رَبِّكُمْ من جهته تعالى بتسليطهم عليكم عَظِيمٌ صفة للبلاء وتنكيرهما للتفخيم ويجوز ان يشار بذلكم الى الانجاء من فرعون ومعنى البلاء حينئذ النعمة لان اصل البلاء الاختيار والله تعالى يختبر عباده تارة بالمنافع ليشكروا فيكون ذلك الاختبار منحة اى عطاء ونعمة واخرى بالمضار ليصبروا فيكون محنة فلفظ الاختبار يستعمل في الخير والشر قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ ومعنى من ربكم اى يبعث موسى وبتوفيقه لتخليصكم منهم والاشارة ان النجاة من آل فرعون النفس الامارة وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم سوء العذاب للروح الشريف بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في اعمال القدرة الحيوانية لا يمكن الا بتنجية الله كما قال ﵊ (لن ينجى أحدكم عمله) قيل ولا أنت يا رسول الله قال (ولا انا الا ان يتغمدنى الله بفضله) وفي ذلكم اى في استيلاء صفات النفس على القلب والروح بلاء عظيم وامتحان عظيم بالخير والشر فمن يهده الله ويصلح باله يرجع اليه الله في طلب النجاة فينجيه الله ويهلك عدوه ومن يضلله ويخذله اخلد الى الأرض واتبع هواه وكان امره فرطا ثم في الآية الكريمة تنبيه على ان ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار: كما قال الحافظ
اگر بلطف بخوانى مزيد الطافست ... وگر بقهر برانى درون ما صافست
وسنته تعالى استدعاء العباد لعبادته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا اليه بنعمته فان لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون لان مراده تعالى رجوع العباد اليه طوعا وكرها فالاول حال الأحرار والثاني حال الأغيار قال داود بن رشيد من اصحاب محمد بن الحسن قمت ليلة فاخذنى البرد فبكيت من العرى فنمت فرأيت قائلا يقول يا داود أنمناهم وأقمناك فتبكى علينا فما نام داود بعد تلك الليلة كذا في روضة الأخيار: قال في المثنوى
درد پشتم داد حق تا من ز خواب ... برجهم هر نيم شب لا بد شتاب
تا نخسبم جمله شب چون گاوميش ... دردها بخشيد حق از لطف خويش
روى ان الله تعالى اوحى الى بعض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعانى فما طلته بالاجابة فشكانى فقلت عبدى كيف أرحمك من شىء به أرحمك ومن ظن انفكاك لطفه تعالى فذلك لقصور نظرة في العقليات والعاديات والشرعيات اما العقليات فما من بلاء الا والعقل قاض بامكان أعظم منه حتى لو قدرنا اجتماع بلايا الدنيا كلها على كافر وعوقب في الآخرة بأعظم عذاب اهل النار لكان ملطوفا به إذ الله قادر على ان يعذبه بأكثر من ذلك واما العاديات فما وجدت قط بلية إلا وفى طيها خير وحفها لطف باعتبار قصرها على نوعها إذ المبتلى مثلا بالجذام والعياذ بالله ليس كالاعمى وهما مع الغنى ليسا كهما مع الفقر واجتماع كل ذلك مع سلامة الدين امر يسير واما الشرعيات فقد قال رسول الله ﷺ (إذا أحب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه) وليخفف ألم البلاء عنك علمك بان الله هو المبتلى اما عتبارا بان كل أفعاله جميل او لانه عودك بالفعل الجميل والعطاء الجزيل وَاذكروا
стр. 130
يا بنى إسرائيل إِذْ فَرَقْنا فصلنا بِكُمُ اى بسبب انجائكم فالباء للسببية وهو اولى لان الكلام مسوق لتعداد النعم والامتنان وفي السببية دلالة على تعظيمهم وهو ايضا من النعم وقيل الباء بمعنى اللام كقوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ اى لان الله الْبَحْرَ وهو بحر القلزم بحر من بحار فارس او بحر من ورائهم يقال له اساف حتى حصل اثنا عشر مسلكا بعدد أسباط بنى إسرائيل والسبط ولد الولد والأسباط من بنى إسرائيل كالقبائل من العرب وهم أولاد يعقوب فَأَنْجَيْناكُمْ اى من الغرق باخراجكم الى الساحل وَأَغْرَقْنا الغرق الرسوب في الشيء المائع ورسب الشيء في الماء رسوبا اى سفل فيه والإغراق الإهلاك في الماء آلِ فِرْعَوْنَ يريد فرعون وقومه للعلم بدخوله فيهم وكونه اولى به منهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ بأبصاركم انفراق البحر حين سلكتم فيه وانطباقه على آل فرعون بعد سلامتكم منه وايضا تنظرون إليهم غرقى موتى حين رماهم البحر الى الساحل قال القرطبي ان الله تعالى لما أنجاهم وأغرق فرعون قالوا يا موسى ان قلوبنا لا تطمئن أن فرعون قد غرق حتى امر الله البحر فلفظه فنظروا اليه روى انه لما دنا هلاك فرعون امر الله موسى ﵇ ان يسرى ببني إسرائيل من مصر ليلا فامرهم ان يخرجوا وان يستعيروا الحلي من القبط وأمران لا ينادى أحد منهم صاحبه وان يسرجوا في بيوتهم الى الصبح ومن خرج لطخ بابه بكف من دم ليعلم انه قد خرج فخرجوا ليلا وهم ستمائة الف وعشرون الف مقاتل لا يعدون فيهم ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره والقبط لا يعلمون ووقع في القبط موت فجعلوا يدفنونهم وشغلوا عن طلبهم فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا اين يذهبون فدعا موسى مشيخة بنى إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا ان يوسف لما حضره الموت أخذ على اخوته عهدا ان لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد عليهم الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلمه أحد غير عجوز قالت لو دللت على قبره أتعطيني كل ما سألتك فابى عليها وقال حتى اسأل ربى فامره الله بايتاء سؤلها فقالت انى عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملنى وأخرجني من مصر هذا في الدنيا واما في الآخرة فاسألك ان لا تنزل فى غرفة الا نزلتها معك قال نعم قالت انه في جوف الماء في النيل فادع الله ان يحسر عنه الماء فدعا الله ان يؤخر طلوع الفجر الى ان يفرغ من امر يوسف فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من صنوبر قالوا ان موسى استخرج تابوت يوسف من قعر النيل بالوفق وهو أول علم أوجده الله بنفسه وعلمه آدم ﵇ فتوارثه الأنبياء آخرا عن أول ثم انه حمله حتى دفنه بالشام ففتح لهم الطريق فساروا فكان هارون امام بنى إسرائيل وموسى على ساقتهم فلما علم بذلك فرعون جمع قومه فخرج في طلب بنى إسرائيل وعلى مقدمته هامان في الف الف وسبعمائة الف جواد ذكر ليس فيها رمكة على رأس كل واحد منهم بيضة وفي يده حربة فسارت بنوا إسرائيل حتى وصلوا الى البحر والماء في غاية الزيادة فادركهم فرعون حين أشرقت الشمس فقال فرعون في
اصحاب موسى ان هؤلاء لشر ذمة قليلون فلما نظر اصحاب موسى إليهم بقوا متحيرين فقالوا لموسى انا لمدركون يا موسى او ذينا من قبل
стр. 131
ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا اليوم نهلك فان البحر امامنا ان دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا ان أدركنا قتلنا يا موسى كيف نصنع واين ما وعدتنا قال موسى كلا ان معى ربى سيهدين فاوحى الله الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فاوحى الله اليه ان كنه فضربه وقال انفلق يا أبا خالد فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقا كل طريق كالجبل العظيم فكان لكل سبط طريق يأخذون فيه وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنوا إسرائيل البحر وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فقالوا ما لنا لا نرى إخواننا وقال كل سبط قد قتل إخواننا قال سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا لا نرضى حتى نراهم فقال موسى اللهم أعنى على اخلاقهم السيئة فاوحى الله اليه ان قل بعصاك هكذا وهكذا يمنة ويسرة فصار فيها كوى ينظر بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض فساروا حتى خرجوا من البحر فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر فرآه منفلقا قال لقومه انظروا الى البحر انفلق من هيبتى حتى أدرك عبيدى الذين ابقوا فهاب قومه ان يدخلوه وقيل له ان كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان أدهم اى ذكر اسود من الخيل ولم يكن في قوم فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على أنثى وديق وهي التي تشتهى الفحل وتقدمه الى البحر فشم أدهم فرعون ريحها فاقتحم خلفها البحر اى هجم على البحر بالدخول وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من امره شيأ وهو لا يرى فرس جبريل وتبعته الخيول وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يعجلهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم حتى خاضوا كلهم البحر ودخل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى وهم أولهم بالخروج فامر الله البحر ان يأخذهم فانطبق على فرعون وقومه فاغرقوا فنادى فرعون لا اله الا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وانا من المسلمين القصة وقالت بنوا إسرائيل الآن يدركنا فيقتلنا فلفظ البحر ستمائة وعشرين الفا عليهم الحديد فذلك قوله تعالى فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ فلفظ فرعون وهو كانه ثور أحمر فلم يقبل البحر بعد ذلك غريقا الا لفظه على وجه الماء واعلم ان هذه الوقعة كما انها لموسى ﵊ معجزة عظيمة لاوائل بنى إسرائيل موجبة عليهم شكرها كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله ﷺ معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الآبية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبة لاعقابهم ان يتلقوها بالإذعان لانه ﵇ أخبرهم بذلك مع انه كان اميا لم يقرأ كتابا وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب فاخباره به دل على انه اوحى اليه ذلك وذلك علامة لنبوته فما تأثرت اوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها حيث اتخذوا العجل الها بعد الانجاء ثم صار أمرهم الى ان قتلوا أنبياءهم ورسلهم فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء اخلاقهم ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها حيث بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بايديهم واشتروا به عرضا وكفروا بنبوة محمد ﷺ الى غير ذلك فيالها من عصابة ما أعصاها وطائفة ما اطغاها وفي الآية تهديد للكافرين ليؤمنوا وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا وينتهوا عن المعاصي في جميع الأوقات خصوصا في الزمان الذي أنجى الله فيه موسى
стр. 132
مع بنى إسرائيل من الغرق وهو اليوم العاشر من المحرم وعن ابن عباس ﵄ ان رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم (ما هذا اليوم الذي تصومونه) فقالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله ﷺ (نحن أحق واولى بموسى منكم) فصامه رسول الله ﷺ وامر بصيامه رواه مسلم وهذا يدل بظاهره على ان النبي ﵇ انما صام عاشوراء وامر بصيامه اقتداء بموسى ﵇ على ما اخبر به اليهود وليس كذلك لما روته عائشة ﵂ قالت كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه- يحكى- انه هرب أسير من الكفار يوم عاشوراء فركبوا في طلبه فلما رآى الفرسان خلفه وعلم انه مأخوذ رفع رأسه الى السماء وقال اللهم بحق هذا اليوم المبارك اسألك ان تنجينى منهم فاعمى الله أبصارهم جميعا فنجا الأسير فصام ذلك اليوم فلم يجد ما يفطر عليه ويتعشى به فنام فاطعم وسقى في المنام فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة الى الطعام والشراب قال النبي ﵇ (التمسوا فضله فانه يوم مبارك اختاره الله من الأيام من صام ذلك اليوم جعل الله له نصيبا من عبادة جميع من عبده من الملائكة والأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين) هذا في الصوم واما الصلاة الواردة في يوم عاشوراء فقد ذكرها الشيخ عبد القادر قدس سره عن ابن عباس ﵄ في حديث طويل فيه (ومن صلى اربع ركعات في يوم عاشوراء يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة قل هو الله أحد غفر الله له ذنوب خمسين عاما مستقبلا وبنى له في الملأ الأعلى الف منبر من نور) ويستحب احياء ليلة عاشوراء ففى الحديث (من احيى ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله بعبادة ملائكته المقربين) والاشارة ان البحر هو الدنيا وماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب وفرعون هو النفس الامارة وقومه صفات النفس وهم اعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلوهم وهم سائرون الى الله تعالى والعدو من خلفهم وبحر الدنيا امامهم ولا بد لهم في السير الى الله من العبور على البحر ولا يخوضون البحر بلا ضرب عصا لا اله الا الله على البحر بيد موسى القلب فان له يدا بيضاء في هذا الشأن والا لغرقوا كما غرق فرعون وقومه ولو كانت هذه العصا فى يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر فاذا ضرب يد موسى القلب بعصا الذكر ينفلق بحر الدنيا وماء شهواتها يمينا وشمالا ويرسل الله ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات فيخوض موسى القلب وصفاته فيجاوزونه وتنجيهم عناية الله الى الساحل وأن الى ربك المنتهى وقيل لفرعون النفس وقومه اغرقوا فادخلوا نارا كذا لصاحب التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزكية وَاذكروا يا بنى إسرائيل إِذْ واعَدْنا وقت وعدنا وصيغة المفاعلة بمعنى الثاني او على أصلها فان الوعد وان كان من الله فقبوله كان من موسى وقبول الوعد شبه الوعد او ان الله تعالى وعده الوحى وهو وعده
стр. 133
المجيء للميقات الى الطور مُوسى مفعول أول لواعدنا «مو» بالعبرانية الماء و «شى» بمعنى الشجر فقلبت الشين المعجمة سينا في العربية وانما سمى به لان امه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته في البحر فدفعته امواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون فخرجت جوارى آسية امرأة فرعون يغسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمى ﵇ باسم المكان الذي أصيب به وهو الماء والشجر ونسبه ﵊ موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب إسرائيل الله بن اسحق بن ابراهيم ﵇ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً اى تمام أربعين ليلة على حذف المضاف مفعول ثان امره الله تعالى بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة ثم زاد عليه عشرا من ذى الحجة وعبر عنها بالليالي لانها غرر الشهور وشهور العرب وضعت على سير القمر ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالى اولى الشهور والأيام تبع لها او لان الظلمة اقدم من الضوء ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ وهو ولد البقرة بتسويل السامري آلها ومعبودا مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مضيه الى الميقات وانما ذكر لفظه ثم لانه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لانزال التوراة عليه وفضيلة بنى إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقب ذلك بأقبح انواع الكفر والجهل كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول اننى أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم انك تقصدنى بالسوء والأذى وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ باشراككم ووضعكم للشئ في غير موضعه اى وضع عبادة الله تعالى في غير موضعها بعبادة العجل وهو حال من ضمير اتخذتم ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ اى محونا جريمتكم حين تبتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد الاتخاذ الذي هو متناه في القبح فلم نعاجلكم بالإهلاك بل أمهلناكم الى مجيئ موسى فنبهكم وأخبركم بكفارة ذنوبكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكى تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة فان الانعام يوجب الشكر واصل الشكر تصور النعمة وإظهارها وحقيقته العجز عن الشكر: قال السعدي
خردمند طبعان منت شناس ... بدوزند نعمت بميخ سپاس
وَإِذْ آتَيْنا أعطينا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل كقولك لقيت الغيث والليث تريد الجامع بين الجود والجراءة فالمراد بالفرقان والكتاب واحد لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لكى تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه وهذا بيان الحكمة دون العلة اى الحكمة في انزاله ان يتدبروا فيه فيعلموا ان الله تعالى لم يفعل ذلك به الا للدلالة على صحة نبوته فيجتهدوا بذلك في اتباع الرشد وإذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد لانه قد اتى من المعجزات بما يدلكم إذا تدبرتم على صحة دعواه النبوة روى ان بنى إسرائيل لما آمنوا من عدوهم بإغراق الله آل فرعون ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها فوعد الله موسى ان ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه انى ذاهب لميقات ربى آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وتذرون ووعدهم أربعين ليلة واستخلف عليهم أخاه هارون فلما اتى الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيأ الا حيى
стр. 134
ليذهب بموسى الى ربه فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من اهل باجرمى واسمه ميحا ورأى مواضع الفرس تخضر من ذلك وكان منافقا اظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك الفرس قال ان لهذا شأنا وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل وقيل انه عرف جبريل لانه امه حين خافت عليه ان يذبح سنة ذبح فرعون أبناء بنى إسرائيل خلفته في غابة وكان جبريل يأتيه فيعذيه بأصابعه فكان السامري يمص من إبهام يمينه عسلا ومن إبهام شماله سمنا فلما رآه حين عبر البحر عرفه فقبض قبضة من اثر فرسه فلم تزل القبضة في يده حتى انطلق موسى الى الطور وكان السامري سمعهم حين خرجوا من البحر وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة ووقع في نفسه ان يفتنهم من هذا الوجه وكان بنوا إسرائيل استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فاهلك الله تعالى فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بنى إسرائيل فلما ذهب موسى الى المناجاة عد بنوا إسرائيل اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون
يوما قالوا قد تم أربعون ولم يرجع موسى إلينا فخالفنا فقال السامري هاتوا الحلي التي استعرتموها أو أن موسى أمرهم ان يلقوها في حفرة حتى يرجع ويفعل ما يرى فيها فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة ايام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب سنبك فرس جبريل فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون فصار جسدا له حوار اى صوت كصوت العجل وله لحم ودم وشعر وقيل دخل الريح فى جوفه من خلفه وخرج من فيه كهيئة الخوار فقال للقوم هذا إلهكم وآله موسى فنسى اى اخطأ موسى الطريق وربه هنا وهو ذهب يطلبه فاقبلوا كلهم على عبادة العجل الا هارون مع اثنى عشر الفا اتبعوا هارون ولم يتبعه غيرهم وهارون قد نصحهم ونهاهم وقال يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعونى وأطيعوا امرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى وقيل كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشر وكانت فتنتهم فى تلك العشر فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى وظنوا انه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكفوا على العجل يعبدونه قال ابو الليث في تفسيره وهذا الطريق أصح فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك القى الألواح فرفع من جملتها ستة اجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون واحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة ورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون ان يقتلوا أنفسهم هذه حالهم واما هذه الامة فلا يحتاجون الى قتل النفس في الصورة وتوبتهم الحقيقية انما هي الرجوع الى الله بقتل النفس الامارة التي تعبد عجل الهوى: قال في المثنوى
اى شهان كشتيم ما خصم برون ... ماند خصمى زو بتر در اندرون [١]
كشتن اين كار عقل وهوش نيست ... شير باطن سخره خرگوش نيست
نفس اژدرهاست او كى مرده است ... از غم بي آلتى افسرده است [٢]
گر بيابد آلت فرعون او ... كه بامر او همى رفت آب جو
стр. 135
آنكه او بنياد فرعونى كند ... راه صد موسى وصد هارون زند
واعلم ان تعيين عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية وذلك لان مراتب الاعداد اربع الآحاد والعشرات والمآت والألوف والعشرة عدد في نفسها كاملة كقوله تعالى تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ وإذا ضعفت العشرة اربع مرات وهو كمال مراتب الاعداد تكون أربعين وهو كمال الكمال وهو اعداد ايام تخمير طينة آدم ﵇ كقوله تعالى (خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) فللاربعين خاصية وتأثير لم توجد في غيره من الاعداد كما قال ﷺ (ان خلق أحدكم يجمع في بطن امه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك) الحديث كما ان انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصا بالأربعين كذلك انحلاله يكون باختصاص الأربعين سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا واما اختصاص الليل بالذكر في قوله أربعين ليلة فلمعنيين أحدهما ان لليل خصوصية في التعبد والتقرب كقوله ﵇ (ان اقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل) وهكذا قوله ﵇ (ينزل الله كل ليلة الى السماء الدنيا) الحديث ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه ﷺ (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) الآية وقال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والآخر انه لو ذكر اليوم دون الليل يظن انه موعود بالتعبد فى النهار دون الليل وانما الليل جعل للاستراحة والسكون كقوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً فلما خص الليل بالذكر علم موسى ﵇ ان التعبد فى الليل واليوم جميعا كذا في التأويلات النجمية قال الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان النبي ﵇ لم يعين الأربعين بل اعتكف في العشر الأخير نعم فعل موسى ﵊ قال الله تعالى واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ والخلوتية أخذوا من ذلك كذا في واقعات الشيخ الهدائى قدس الله نفسه الزاكية قال في التأويلات النجمية ايضا الشكر على ثلاثة أوجه شكر بالأقوال وشكر بالأعمال وشكر بالأحوال فشكر الأقوال ان يتحدث بالنعم مع نفسه اسرارا ومع غيره إظهارا ومع ربه افتقارا كما قال تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ وقوله ﷺ (التحدث بالنعم شكر) وشكر الأعمال ان يصرف نعمة الله في طاعته ولا يعصيه بها ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادره من المعاصي كقوله تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وشكر الأحوال ان يتجلى المنعم بصفة الشكورية على سر العبد فلا يرى الا المنعم في النعمة والشكور في الشكر ويرى المنعم في النعم والنعمة من المنعم والشكور في الشكر والشكر من الشكور ويرى وجوده وشكره نعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة فيكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم ويكون شكره مرآة جمال الشكور ورؤية المنعم والنعمة نعمة اخرى الى غير نهاية فيعلم ان لا يقوم بأداء شكره ولا يشكره الا الشكور ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور شكور وَاذكروا يا بنى إسرائيل هذا هو الانعام الخامس إِذْ قالَ مُوسى وقت قوله لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ اى يا قومى والاضافة للشفقة إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ اى ضررتم أنفسكم
стр. 136
بايجاب العقوبة عليها ونقصتم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ اى معبودا قالوا أي شىء نصنع قال فَتُوبُوا اى فاعزموا على التوبة والفاء للسببية لان الظلم سبب للتوبة إِلى بارِئِكُمْ اى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيآت مختلفة والتعرض لعنوان البارئية للارشاد بانهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغباوة منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمته بريئا من التفاوت والتنافر الى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة وان من لم يعرف حقوق منعمه حقيق بان تسترد هي منه ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب وقالوا كيف نتوب قال فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اى ليقتل البريء منكم المجرم وانما قال أنفسكم لان المؤمنين اخوة وأخو الرجل كانه نفسه قال تعالى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى ذكر قتل الأنفس وأراد به قتل الاخوان وهذا كما قال ولا تلمزوا أنفسكم اى ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين كذا في التيسير
وتفسير ابى الليث والفاء للتعقيب وتوبتهم هي قتلهم اى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم كذا في الكشاف وقال في التفسير الكبير وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان ان توبتهم لا تتم ولا تحصل الا بقتل النفس وانما كان كذلك لان الله تعالى اوحى الى موسى ﵇ ان توبة المرتد لا تتم الا بالقتل ذلِكُمْ اى التوبة والقتل خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ انفع لكم عند الله من الامتناع الذي هو اصرار وفيه عذاب لما ان القتل طهرة من الشرك ووصلة الى الحياة الابدية والبهجة السرمدية فَتابَ عَلَيْكُمْ خطاب منه تعالى اى ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم وانما لم يقل فتاب عليهم على ان الضمير للقوم لما ان ذلك نعمة أريد التذكير بها للمخاطبين لا لاسلافهم فان قلت انه تعالى امر بالقتل والقتل لا يكون نعمة قلت ان الله نبههم على عظيم ذنبهم ثم نبههم على ما به يتخلصون من ذلك العظيم وذلك من النعم في الدين إِنَّهُ الله تعالى هُوَ التَّوَّابُ اى الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ في قبولها منهم الرَّحِيمُ كثير الرحمة للمطيعين امره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم: قال السعدي
فرو ماند كانرا برحمت قريب ... تضرع كنانرا بدعوت مجيب
روى انهم لما أمرهم موسى بالقتل قالوا نصبر لامر الله فجلسوا بالافنية محتبين مذعنين وقيل لهم من حل حبوته او مد طرفه الى قاتله او اتقاه بيد او رجل فهو ملعون مردود توبته واصلت القوم عليهم الحناجر اى حملوا عليهم الخناجر ورفعوا وضربوهم بها وكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لامر الله قالوا يا موسى كيف نفعل فارسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم الى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا إسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة ونزلت التوبة وأمرهم ان يكفوا عن القتل فقتل منهم سبعون الفا فكان من قتل شهيدا ومن بقي مغفورة ذنوبه واوحى الى موسى ﵇ انى ادخل القاتل والمقتول الجنة هذا على رواية ان القاتل من المجرمين على ان معنى قوله فاقتلوا أنفسكم
стр. 137
ليقتل بعض المجرمين بعضا فالقاتل هو الذي بقي من المجرمين بعد نزول امر الكف عن القتل والا فالقاتل على الرواية الاخرى هو البريء كما سبق في تفسير الآية روى ان الأمر بالقتل من الاغلال التي كانت عليهم وهي المواثيق اللازمة لزوم الغل ومن الإصر وهو الأعمال الشاقة كقطع الأعضاء الخاطئة وعدم جواز صلاتهم في غير المسجد وعدم التطهير بغير الماء وحرمة أكل الصائم بعد النوم ومنع الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع ما لهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وكما روى ان بنى إسرائيل إذا قاموا يصلون لبسوا المسوح وغلوا أيديهم الى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها الى السارية وحبس نفسه على العبادة فهذه الأمور رفعت عن هذه الامة تكريما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فالتوبه نعمة من الله أنعم بها على هذه الامة دون غيرها ولها اربع مراتب فالاولى مختصة باسم التوبة وهي أول منزل من منازل السالكين وهي للنفس الامارة وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهي ترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما جرى والعزم على ان لا يعود والمرتبة الثانية الانابة وهي للنفس اللوامة وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الأولياء والانابة الى الله بترك الدنيا والزهد في ملاذها وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها فالنفس إذا تحلت بالانابة دخلت في مقام القلب واتصفت بصفته لان الانابة من صفات القلب قال تعالى وَجاءَ ربه بِقَلْبٍ مُنِيبٍ والمرتبة الثالثة الاوبة وهي للنفس الملهمة وهذه مرتبة خواص الأولياء والاوبة الى الله من آثار الشوق الى لقائه فالنفس إذا تحلت بالاوبة دخلت في مقام الروح ومن امارات الأواب المشتاق ان يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الأخدان بالخلوة ويستوحش عن الخلق ويستأنس بالحق ويجاهد نفسه في الله حق جهاده ساعيا في قطع تعلقاتها عن الكونين والمرتبة الرابعة وهي للنفس المطمئنة وهذه مرتبة الأنبياء وأخص
الأولياء قال تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ وهي صورة جذبة العناية الربوبية نفوس الأنبياء والأولياء تجذبها من انانيتها الى هوية ربوبيته راضية اى طائعة تلك النفوس شوقا الى لقاء ربها مرضية اى على طريقة مرضية في السير لربها باذلة نفسها في مشاهدة اللقاء طامعة لرفع الاثنينية ودوام الالتقاء قيل لما قدم الحلاج لتقطع يده قطعت اليد اليمنى اولا فضحك ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكا بليغا فخاف ان يصفر وجهه من نزف الدم فكب وجهه على الدم السائل ولطخ وجهه بدمه وانشأ يقول الله يعلم ان الروح قد تلفت شوقا إليك ولكنى امنيها ونظرة منك يا سؤلى ويا املى أشهى الى من الدنيا وما فيها يا قوم انى غريب في دياركمو سلمت روحى إليكم فاحكموا فيها ما اسلم النفس للاسقام تتلفها الا لعلمى بان الوصل يحيينها نفس المحب على الآلام صابرة لعل مسقمها يوما يداويها ثم رفع رأسه الى السماء وقال يا مولاى انى غريب في عبادك وذكرك اغرب منى والغريب يألف الغريب ثم ناداه رجل وقال يا شيخ ما العشق قال ظاهره ما ترى وباطنه دق
стр. 138
عن الورى وفي التأويلات النجمية ان لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله قوم يعبدون عجل الدراهم والدنانير وقوم يعبدون عجل الشهوات وقوم يعبدون عجل الجاه وقوم يعبدون عجل الهوى وهذا أبغضها على الله فالله تعالى يلهم موسى قلب كل سعيد ليقول يا قوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ اى ارجعوا الى الله بالخروج عما سواه ولا يمكنكم الا بقتل النفس فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بقمع الهوى لان الهوى هو حياة النفس وبالهوى ادعى فرعون الربوبية وعبد بنوا إسرائيل العجل وبالهوى أبى واستكبر إبليس او ارجعوا بالاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه فان قتل النفس في الظاهر ييسر للمؤمن والكافر فاما قتل النفس في الباطن وقهرها فامر صعب لا يتيسر الا لخواص الحق بسيف الصدق وبنصر الحق ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء وكان النبي ﷺ إذا رجع من غزو يقول (رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر) وذلك لان المجاهد إذا قتل بسيف الكفار يستريح من التعب بمرة واحدة وإذا قتل بسيف الصدق في يوم الف مرة تحيى كل مرة نفس على بصيرة اخرى وتزداد في مكرها فلا يستريح المجاهد طرفة عين من جهادها ولا يأمن مكرها وبالحقيقة النفس هى صورة مكر الحق ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ يعنى قتل النفس بسيف الصدق خير لكم لان بكل قتلة رفعة ودرجة لكم عند بارئكم فانتم تتقربون الى الله بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم كما قال (من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا) وذلك قوله فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: قال في المثنوى
عمر اگر بگذشت ببخش اين دم است ... آب توبش ده اگر او بي نم است
بيخ عمرت را بده آب حيات ... تا درخت عمر گردد بإثبات
وَإِذْ قُلْتُمْ هذا هو الانعام السادس اى واذكروا يا بنى إسرائيل وقت قول السبعين من اسلافكم الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه الى الطور للاعتذار عن عبادة العجل وهم غير السبعين الذين اختارهم موسى أول مرة حين أراد الانطلاق الى الطور بعد غرق فرعون لاتيان التوراة يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ لن نصدقك لاجل قولك ودعوتك على ان هذا كتاب الله وانك سمعت كلامه وان الله تعالى أمرنا بقبوله والعمل به حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً اى عيانا لا ساتر بيننا وبينه كالجهر في الوضوح والانكشاف لان الجهر في المسموعات والمعاينة في المبصرات ونصبها على المصدرية لانها نوع من الرؤية فكأنها مصدر الفعل الناصب او حال من الفاعل والمعنى حتى نرى الله مجاهرين او من المفعول والمعنى حتى نرى الله مجاهرا بفتح الهاء فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ هى نار محرقة فيها صوت نازلة من السماء وهي كل امر مهول مميت او مزيل للعقل والفهم وتكون صوتا وتكون نارا وتكون غير ذلك وانما أحرقتهم الصاعقة لسؤالهم ما هو مستحيل على الله في الدنيا ولفرط العناد والتعنت وانما الممكن ان يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللافراد من الأنبياء فى بعض الأحوال في الدنيا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ الى الصاعقة النازلة فان كانت نارا فقد عاينوها
стр. 139
وان كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم اولا ورأى الباقون انهم مانوا ويسمى هذا رؤية الموت مجازا ثُمَّ بَعَثْناكُمْ اى أحييناكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ بتلك الصاعقة وقيد البعث بقوله من بعد موتكم مع انه يكون بعد الموت لما انه قد يكون من الإغماء او من النوم قال قتادة أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم وكان ذلك الموت بلا أجل وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا الى يوم القيامة فان قلت كيف يجوز ان يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز ان يكلف اهل الآخرة إذا بعثوا بعد الموت قلنا الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة هو الاماتة ثم الاحياء وانما يمنع من ذلك لانه قد اضطرهم يوم القيامة الى معرفته والى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فاذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصعقة ان لا يكون قد اضطرهم وإذا كان كذلك صح ان يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الاحياء بمنزلة النوم او بمنزلة الإغماء لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة الحياة بالتوحيد والطاعة او لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس الله بالصاعقة نعمة الايمان التي كفرتموها بقولكم لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فان ترك النعمة لاجل طلب الزيادة كفران لها اى لعلكم تشكرون نعمة الايمان فلا تعودون الى اقتراح شىء بعد ظهور المعجزة واصل القصة ان موسى ﵇ لما رجع من الطور الى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لاخيه والسامري ما قال وأحرق العجل وألقاه في البحر وندم القوم على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين امر الله موسى ان يأتيه في ناس من بنى إسرائيل يعتذرون اليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين من قومه من خيارهم فلما خرجوا الى الطور قالوا لموسى سل ربنا حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى ﵇ ذلك فاجابه الله ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه وقال للقوم ادخلوا فكلم الله موسى يأمره وينهاه وكلما كلمه تعالى أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع أحد من السبعين النظر اليه وسمعوا كلامه تعالى مع موسى افعل لا تفعل فعند ذلك طمعوا فى الرؤية وقالوا ما قالوا فاخذتهم الصاعقة فخروا صعقين ميتين يوما وليلة فلما ماتوا جميعا جعل موسى يبكى ويتضرع رافعا يديه الى السماء يدعو ويقول يا إلهي اخترت من بنى إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودى بقبول توبتهم وماذا أقول لهم إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم قبل هذا اليوم مع اصحاب العجل أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله ورد إليهم أرواحهم وطلب توبة بنى إسرائيل من عبادة العجل فقال لا الا ان يقتلوا أنفسهم قالوا ان موسى ﵇ سأل الرؤية في المرة الاولى في الطور ولم يمت لان صعقته لم تكن موتا ولكن غشية بدليل قوله تعالى فَلَمَّا أَفاقَ وسأل قومه في المرة الثانية حين خرجوا للاعتذار وماتوا وذلك لان سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء ولم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت فانهم ظنوا انه تعالى يشبه الأجسام وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والاحياز المقابلة للرائى وهي محال وليس
стр. 140
فى الآية دليل على نفى الرؤية بل فيها إثباتها وذلك ان موسى ﵇ لما سأله السبعون لم ينههم عن ذلك وكذلك سأل هو ربه الرؤية فلم ينهه عن ذلك بل قال فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وهذا تعليق بما يتصور قال بعض العلماء الحكماء الحكمة في ان الله تعالى لا يرى فى الدنيا وجوه الاول ان الدنيا دار أعدائه لان الدنيا جنة الكافر الثاني لو رآه المؤمن لقال الكافر لو رأيته لعبدته ولو رأوه جميعا لم يكن لاحدهما مزية على الآخر الثالث ان المحبة على غيب ليست كالمحبة على عين الرابع ان الدنيا محل المعيشة ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معائشهم فتعطلت الخامس انه جعلها بالبصيرة دون البصر ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين السادس ليقدر قدرها إذ كل ممنوع عزيز السابع انما منعها رحمة بالعباد لما جبلوا عليه في هذه الدار من الغيرة إذ لو رآه أحد تصدع قلبه من رؤية غيره إياه كما تصدع الجبل غيرة من ان يرآه موسى والاشارة في الآية ان مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالبة الذات غفلة فيوجب سوء الأدب وترك الحرمة وذلك من امارات البعد والشقاوة فمن سطوات العظمة والعزة اخذتهم الرجفة والصعقة إظهارا للعدل ثم أفاض عليهم سجال النعم اسبالا للسر على هيآت العبيد والخدم وقال ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إظهارا للفضل ومن علامات الوصلة ودلالات السعادة التولي بمكاشفات العزة مقرونا بملاطفات القربة فمن أصلح حاله لم يطلق لسان الجهل بل اتى البيت من بابه ويتأدب في سؤاله وجوابه: قال في المثنوى پيش بينايان كنى ترك ادب نار شهوت را از ان كشتى حطب چون ندارى فطنت ونور هدا بهر كوران روى را ميزن جلا ولا بد من قتل النفس الامارة حتى تحكم في عالم الحقيقة بما شئت قال القشيري التوبة بقتل النفوس غير منسوخة في هذه الامة الا ان بنى إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهرا وهذه الامة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سرا وأول قدم هو القصد الى الله والخروج من النفس لله قال ولقد توهم الناس ان توبة بنى إسرائيل كانت أشق وليس كما توهموا فان ذلك كان مرة واحدة واهل الخصوص من هذه الامة قتلهم أنفسهم في كل لحظة كما قيل
ليس من مات فاستراح بميت ... انما الميت ميت الاحياء
وفي المثنوى
قوت از حق خواهم وتوفيق ولاف ... تا بسوزن بر كنم اين كوه قاف
سهل شيرى دانكه صفها بشكند ... شير آنست آنكه خود را بشكند
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ هذا هو الانعام السابع اى جعلنا الغمام ظلة عليكم يا بنى إسرائيل وهذا جرى في التيه بين مصر والشام فانهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر وقعوا فى صحراء لا ابنية فيها أمرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبارين وقتالهم فقبلوا فلما قربوا منها سمعوا بان أهلها جبارون أشداء قامة أحدهم سبعمائة ذراع ونحوها فامتنعوا وقالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون فعاقبهم الله بان يتيهوا في الأرض أربعين سنة وكانت
стр. 141
المفازة يعنى التيه اثنى عشر فرسخا فاصابهم حر شديد وجوع مفرط فشكوا الى موسى فرحمهم الله فانزل عليهم عمودا من نور يدلى لهم من السماء فيسير معهم بالليل يضيئ لهم مكان القمر إذا لم يكن قمر وأرسل غماما ابيض رقيقا أطيب من غمام المطر يظللهم من حر الشمس فى النهار وسمى السحاب غماما لانه يغم السماء اى يسترها والغم حزن يستر القلب ثم سألوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له وهو قوله تعالى وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اى الترنجبين بفتح الراء وتسكين النون كان ابيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن او المن جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قوله ﵊ (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) اى مما من الله على عباده والظاهر ان مجرد مائه شفاء لانه ﵇ اطلق ولم يذكر الخلط ولما روى عن ابى هريرة انه قال عصرت ثلاثة اكمؤ وجعلت ماءها فى قارورة فكحلت منه جارية لى فبرئت بإذن الله تعالى وقال النووي رأينا في زماننا أعمى كحل عينه بمائها مجردا فشفى وعاده اليه بصره ثم لما ملوا من أكله قالوا يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك ان يطعمنا اللحم فانزل الله عليهم السلوى وذلك قوله وَالسَّلْوى هو السمانى كانت تحشره عليهم الريح الجنوب وكانت الريح تقطع حلوقها وتشق بطونها وتمعط شعورها وكانت الشمس تنضجها فكانوا يأكلونها مع المن واكثر المفسرين على انهم يأخذونها فيذبحونها فكان ينزل عليهم المن نزول الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وتأتيهم السلوى فيأخذ كل انسان منهم كفايته الى الغد الا يوم الجمعة يأخذ ليومين لانه لم يكن ينزل يوم السبت لانه كان يوم عبادة فان أخذ اكثر من ذلك دود وفسد كُلُوا اى قلنا لهم كلوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات ما رَزَقْناكُمْ من المن والسلوى ولا ترفعوا منه شيأ ادخارا ولا تعصوا امرى فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة ان ينفد ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك والطيب ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا وَما ظَلَمُونا اى فظلموا بان كفروا تلك النعمة الجليلة وادخروا بعد ما نهوا عنه وما ظلمونا اى ما بخسوا بحقنا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤونة في الدنيا ولا حساب في العقبى فرفعنا ذلك عنهم لعدم توكلهم علينا: قال في المثنوى
سالها خوردى وكم نامد ز خور ... ترك مستقبل كن وماضى نگر
قال رسول الله ﷺ (لولا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا خيانة حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر) واستمر النتن من ذلك الوقت لان البادئ للشئ كالحامل للغير على الإتيان به وكذلك استمرت الخيانة من النساء لان أم النساء خانت بان أغواها إبليس قبل آدم حتى أكلت من الشجرة ثم أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على ان أكل منها
فاستمرت تلك الخيانة من بناتها لازواجها ... قال السعدي
كرا خانه آباد وهمخوا به دوست ... خدا را برحمت نظر سوى اوست
قال في الأشباه والنظائر الطعام إذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن إذا أنتن لا يحرم أكله انتهى والاشارة في الآية انه تعالى لما أدبهم بسوط الغربة أدركهم بالرحمة
стр. 142
فى وسط الكربة فاكرمهم بالانعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى فلا شعورهم كانت تطول ولا اظفارهم كانت تنبت ولا ثيابهم كانت تخلق او تنسخ وتدرن بل كانت تنمو صغارها حسب نمو الصغار والصبيان ولا شعاع الشمس كان ينبسط وكذلك سنته بمن حال بينه وبين اختياره يكون ما اختاره خير اله مما يختاره العبد لنفسه فما ازدادوا بشؤم الطبيعة الا الوقوع فى البلوى كما قيل كلوا من طيبات ما رزقناكم بامر الشرع وما ظلمونا إذ تصرفوا فيها بالطبع ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى قال في التنوير وما أدخلك الله فيه تولى أعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك اليه فلا تكفر نعمة الله عليك فيما تولاك به من ذلك كان بعضهم يسير في البادية وقد أصابه العطش فانتهى الى بئر فارتفع الماء الى رأس البئر فرفع رأسه الى السماء وقال أعلم انك قادر ولكن لا أطيق هذا فلو قيضت لى بعض الاعراب يصفعنى صفعات ويسقينى شربة ماء كان خير الى ثم انى أعلم ان ذلك الرفق من جهته فقد عرفت ان مكر الله خفى فلا تغرنك النعم الظاهرة والباطنة وليكن عزمك على الشكر والاقامة في حد أقامك الله فيه والا فتضل وتشقى وقد قال الشيخ ابو عبد الله القرشي من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهى حجاب في حقه وسترها عنه رحمة فالنعمة كما انها سبب للسعادة كذلك هي سبب للشقاوة استدراجا: قال في المثنوى
بنده مى نالد بحق از درد ونيش ... صد شكايت ميكند از رنج خويش
حق همى گويد كه آخر رنج ودرد ... مر ترا لابه كنان وراست كرد
اين گله زان نعمتى كن كت زند ... از در ما دور ومطرودت كند
فلا بد للمؤمن السالك من الفناء عن الذات والصفات والافعال والدور مع الأمر الإلهي في كل حال حتى يكون من الصديقين واهل اليقين اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك واجعلنا من الذين معك في تقلباتهم وكل معاملاتهم آمين آمين آمين بجاه النبي الامين وَإِذْ قُلْنَا هذا هو الانعام الثامن لانه تعالى أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه اى اذكروا يا بنى إسرائيل وقت قولنا لآبائكم اثر ما انقذتم من التيه ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ منصوب على الظرفية اى مدينة بيت المقدس والقرية بفتح القاف وكسرها ما يجتمع فيه الناس أخذا من القرى فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً اى أكلا واسعا هنيئا على ان النصب على المصدرية او هو حال من الواو في كلوا اى راغدين متوسعين وفيه دلالة على ان المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى قال في التيسير اى أبحنا لكم ووسعنا عليكم فتعيشوا فيها أنى شئتم بلا تضيق ولا منع وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة وذكر الا كل لانه معظم المقصود وَادْخُلُوا الْبابَ اى بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب والمراد الباب الثاني من بيت المقدس ويعرف اليوم بباب حطة او باب القبة التي كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بنى إسرائيل إليها سُجَّداً اى ركعا منحنين ناكسى رؤسكم بالتواضع على ان يكون المراد به معناه الحقيقي او ساجدين لله تعالى شكرا على إخراجكم من التيه على ان يكون المراد به معناه الشرعي وَقُولُوا حِطَّةٌ رفع بخبرية المبتدأ المحذوف اى مسألتنا من الله ان يحط عنا
стр. 143
ذنوبنا او نصب اى حط عنا ذنوبنا حطة وقيل أريد بها كلمة الشهادة اى قولوا كلمة الشهادة الحاطة للذنوب نَغْفِرْ لَكُمْ مجزوم على انه جواب الأمر من الغفر وهو الستر اى تستر عليكم خَطاياكُمْ جمع خطيئة ضد الصواب اى ذنوبكم فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ثوابا من فضلنا وهم الذين لم يعبدوا العجل والمحسن من احسن في فعله والى نفسه وغيره وقيل المحسن من صحح عقد توحيده واحسن سياسة نفسه واقبل على أداء فرائضه وكف شره وقيل هو الفاعل ما يجمل طبعا ويحمد شرعا واخرج ذلك عن صورة الجواب الى الوعد إيذانا بان المحسن بصدد زيادة الثواب وان لم يقل حطة فكيف إذا قالها واستغفر وانه يقول ويستغفر لا محالة أمرهم بشيئين بعمل يسير وقول صغير فالعمل الانحناء عند الدخول والقول التكلم بالمقول ثم وعد عليهما غفران السيئات والزيادة في الحسنات فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا اى غير الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية ما قيل لهم من التوبة والاستغفار قَوْلًا آخر مما لا خير فيه فاحد مفعولى بدل محذوف غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ غير نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه روى انهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية وهي لغتهم حطا سمقانا يعنون حنطة حمراء استخفافا بامر الله تعالى وقال مجاهد طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فابوا ان يدخلوه سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول واما المحسنون ففعلوا ما أمروا به ولذا لم يقل فبدلوا بل قال فبدل الذين ظلموا وظاهره انهم بدلوا القول وحده دون العمل وبه قال جماعة وقيل بل بدلوا العمل والقول جميعا ومعنى قوله قولا غير الذي قيل لهم اى امرا غير الذي أمروا به فان امر الله قول وهو تغيير جميع ما أمروا به فَأَنْزَلْنا اى عقيب ذلك عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا اى غيروا ما أمروا به ولم يقل عليهم على الاختصار وقد سبق ذكر الذين ظلموا في الآية لانه سبق ذكر المحسنين ايضا فلو اطلق لوقع احتمال دخول الكل فيه ثم هذا ليس بتكرار لان الظلم أعم من الصغائر والكبائر والفسق لا بد وان يكون من الكبائر فالمراد بالظلم هاهنا الكبائر بقرينة الفسق والمراد بالظلم المتقدم هو ما كان من الصغائر رِجْزاً مِنَ السَّماءِ اى عذابا مقدرا والتنوين للتهويل والتفخيم بِما مصدرية كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب خروجهم عن الطاعة والرجز في الأصل ما يعاف ويستكره وكذلك الرجس والمراد به الطاعون روى انه مات فى ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا ودام فيهم حتى بلغ سبعين الفا وفي الحديث (الطاعون رجز أرسل على بنى إسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم ان الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها) وفي الحديث ايضا (أتاني جبريل بالحمى والطاعون فامسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون الى الشام فالطاعون شهادة لا متى ورحمة لهم ورجس على الكافر) واعلم ان من مات من الطاعون مات شهيدا ويأمن فتنة القبر وكذا الصابر فى الطاعون إذا مات بغير الطاعون يوقى فتنة القبر لانه نظير المرابط في سبيل الله تعالى فالمطعون
стр. 144
شهيد وهو من مات من الطاعون والصابر المحتسب في حكمه وكذا المبطون وهو الميت من داء البطن وصاحب الاسهال والاستسقاء داخل في المبطون لان عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا الى حين موته ومثل ذلك صاحب السل وكذا الغرق شهيد وهو بكسر الراء من يموت غريقا في الماء وكذا صاحب المهدم بفتح الدال ما يهدم وصاحبه من يموت تحته وكذا المقتول فى سبيل الله وكذا صاحب ذات الجنب والحرق والمرأة الجمعاء وهي من تموت حاملا جامعا ولدها وليس موت هؤلاء كموت من يموت فجأة او من يموت بالسام او البرسام والحميات المطبقة او القولنج او الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الألم ولورم أدمغتهم وإفساد أمزجتها واعلم ان الطاعون مرض يكثر في الناس ويكون نوعا واحدا والوباء وهو المرض العام قد يكون بطاعون وقد لا يكون وفي الحديث (فناء أمتي بالطعن والطاعون) قيل يا رسول
الله هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون قال (وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة) قال ابن الأثير الطعن القتل بالرمح والوخز طعن بلا نفاذ وهذا لا ينافى قوله ﵊ في حديث آخر (غدة كغدة البعير تخرج في مراق البطن) وذلك ان الجنى إذا وخز العرق من مراق البطن خرج من وخزه الغدة فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة والغدة هي التي تخرج في اللحم والمراق أسفل البطن وفي الحديث (إذ ابخس المكيال حبس القطر وإذا كثر الزنى كثر القتل وإذا كثر الكذب كثر الهرج) والحكمة ان الزنى إهلاك النفس لان ولد الزنى هالك حكما فلذلك وقع الجزاء بالموت الذريع اى السريع لان الجزاء من جنس العمل ألا يرى ان بخس المكيال يجازى بمنع القطر الذي هو سبب لنقص أرزاقهم وكذا الكذب سبب للتفرق والعداوة بين الناس ولهذا يجازى بالهرج الذي هو الفتنة والاختلاط وانما عمت البلية أينما وقعت لتكون عقوبة على اخوان الشياطين وشهادة ورحمة لعباد الله الصالحين إذ الموت تحفة للمؤمن وحسرة للفاسق ثم يبعثهم الله على قدر أعمالهم ونياتهم فيجازيهم والفرار من الطاعون حرام إذ الفرار نسيان الفاعل المختار كما قال ابن مسعود ﵁ الطاعون فتنة على الفار والمقيم اما الفار فيقول بفراره نجوت واما المقيم فيقول أقمت فمت وفي الحديث (الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف) والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كانه يزحف اى يدب دبيبا والمراد هنا الفرار من الجيش فى الغزو ولكن يجب ان يقيد بالمثل او الضعف فهذا الخبر يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر وليس بعيدا ان يجعل الله الفرار منه سببا لقصر العمر كما جعل الله تعالى الفرار من الجهاد سببا لقصر العمر قال تعالى قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا واما الخروج بغير طريق الفرار فمرخص فيه لكن الرخصة مشروطة بشرائط صعبة لا يقدر عليها الا الافراد منها حفظ امر الاعتقاد والتحرز من الأسباب العادية للمرض كالهواء الفاسد وغيره فهو رخصة لكن مباشرة الحمية لاجل الخلاص من الموت سفه وعبث لا يشك في حرمتها عوام المسلمين فضلا عن خواصهم قالوا فى بعض الأمراض سراية الى ما يجاوره بإذن الله تعالى كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 145
(ان من القرف التلف) والقرف بالتحريك مداناة المرضى واما قوله ﵇ (لا عدوى) فانما هو نفى للتعدى طبعا كما هو اعتقاد اهل الجاهلية حيث كانوا يرون التأثير من طبيعة المرض لا نفى للسراية مطلقا والتسبب واجب للعوام والمبتدئين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين واما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان: قال في المثنوى
در حذر شوريدن شور وشرست ... رو تو كل كن توكل بهترست
با قضا پنجه مزن اى تند وتيز ... تا نكيرد هم قضا با تو ستيز
مرده بايد بود پيش حكم حق ... تا نيايد زحم از رب الفلق
روى ان جالينوس دفع الى أصحابه قرصين مثل البنادق وقال اجعلوا أحدهما بعد موتى فوق الحديد الذي يعمل عليه الحدادون والآخر في حب مملوء من الماء ثم اكسروا الحب ففعلوا كما اوصى فذاب الحديد في الأرض ولم يجدوا منه شيأ وانجمد الماء وقام بلا وعاء قال الحكماء أراد بذلك انى وان قدرت الى اذابة أصلب الأجساد واقامة الماء الذي من طبعه السيلان ما وجدت للموت دواء ولذا قال بعضهم
ألا يا ايها المغرور تب من غير تأخير ... فان الموت قد يأتى ولو صيرت قارونا
بسل مات ارسطاليس بقراط بافلاج ... وأفلاطون ببرسام وجالينوس مبطونا
قال الشافعي ﵀ انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح ووجهه بان الذكر يرفع العقوبة والعذاب قال تعالى فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ وكذا كثرة الصلاة على النبي المحترم صلى الله تعالى عليه وسلم لكن مثل هذا انما يكون مؤثرا إذا اقترن بالشرائط الظاهرة والباطنة إذ ليس كل ذكر وصلاة شفيعا عند الحضرة الإلهية: قال المثنوى
گر ندارى تو دم خوش در دعا ... رو دعا ميخواه از اخوان صفا «١»
هر كرا دل پاك شد از اعتدال ... آن دعايش ميرود تا ذو الجلال «٢»
آن دعاى بيخودان خود ديكرست ... آن دعا ازو نيست كفت داورست «٣»
آن دعا حق ميكند چون او فناست ... آن دعا وآن اجابت از خداست
هين بجو اين قوم را اى مبتلا ... هين غنيمت دارشان پيش از بلا
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى نعمة اخرى كفروها اى اذكروا ايضا يا بنى إسرائيل إذ سأل موسى السقيا لِقَوْمِهِ لاجل قومه وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطش الشديد فاستغاثوا بموسى فدعا ربه ان يسقيهم فَقُلْنَا له بالوحى ان اضْرِبْ بِعَصاكَ وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى الْحَجَرَ اللام اما للعهد والاشارة الى معلوم فقد روى انه كان حجرا طوريا حمله معه وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل له اربعة أوجه في كل وجه ثلاث أعين او هو الحجر الذي فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى مما رموه به من الادرة فاشار اليه جبريل ان ارفعه فان لله فيه قدرة ولك