← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المفازة يعنى التيه اثنى عشر فرسخا فاصابهم حر شديد وجوع مفرط فشكوا الى موسى فرحمهم الله فانزل عليهم عمودا من نور يدلى لهم من السماء فيسير معهم بالليل يضيئ لهم مكان القمر إذا لم يكن قمر وأرسل غماما ابيض رقيقا أطيب من غمام المطر يظللهم من حر الشمس فى النهار وسمى السحاب غماما لانه يغم السماء اى يسترها والغم حزن يستر القلب ثم سألوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له وهو قوله تعالى وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اى الترنجبين بفتح الراء وتسكين النون كان ابيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن او المن جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قوله ﵊ (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) اى مما من الله على عباده والظاهر ان مجرد مائه شفاء لانه ﵇ اطلق ولم يذكر الخلط ولما روى عن ابى هريرة انه قال عصرت ثلاثة اكمؤ وجعلت ماءها فى قارورة فكحلت منه جارية لى فبرئت بإذن الله تعالى وقال النووي رأينا في زماننا أعمى كحل عينه بمائها مجردا فشفى وعاده اليه بصره ثم لما ملوا من أكله قالوا يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك ان يطعمنا اللحم فانزل الله عليهم السلوى وذلك قوله وَالسَّلْوى هو السمانى كانت تحشره عليهم الريح الجنوب وكانت الريح تقطع حلوقها وتشق بطونها وتمعط شعورها وكانت الشمس تنضجها فكانوا يأكلونها مع المن واكثر المفسرين على انهم يأخذونها فيذبحونها فكان ينزل عليهم المن نزول الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وتأتيهم السلوى فيأخذ كل انسان منهم كفايته الى الغد الا يوم الجمعة يأخذ ليومين لانه لم يكن ينزل يوم السبت لانه كان يوم عبادة فان أخذ اكثر من ذلك دود وفسد كُلُوا اى قلنا لهم كلوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات ما رَزَقْناكُمْ من المن والسلوى ولا ترفعوا منه شيأ ادخارا ولا تعصوا امرى فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة ان ينفد ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك والطيب ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا وَما ظَلَمُونا اى فظلموا بان كفروا تلك النعمة الجليلة وادخروا بعد ما نهوا عنه وما ظلمونا اى ما بخسوا بحقنا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤونة في الدنيا ولا حساب في العقبى فرفعنا ذلك عنهم لعدم توكلهم علينا: قال في المثنوى سالها خوردى وكم نامد ز خور ... ترك مستقبل كن وماضى نگر قال رسول الله ﷺ (لولا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا خيانة حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر) واستمر النتن من ذلك الوقت لان البادئ للشئ كالحامل للغير على الإتيان به وكذلك استمرت الخيانة من النساء لان أم النساء خانت بان أغواها إبليس قبل آدم حتى أكلت من الشجرة ثم أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على ان أكل منها فاستمرت تلك الخيانة من بناتها لازواجها ... قال السعدي كرا خانه آباد وهمخوا به دوست ... خدا را برحمت نظر سوى اوست قال في الأشباه والنظائر الطعام إذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن إذا أنتن لا يحرم أكله انتهى والاشارة في الآية انه تعالى لما أدبهم بسوط الغربة أدركهم بالرحمة

стр. 142

فى وسط الكربة فاكرمهم بالانعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى فلا شعورهم كانت تطول ولا اظفارهم كانت تنبت ولا ثيابهم كانت تخلق او تنسخ وتدرن بل كانت تنمو صغارها حسب نمو الصغار والصبيان ولا شعاع الشمس كان ينبسط وكذلك سنته بمن حال بينه وبين اختياره يكون ما اختاره خير اله مما يختاره العبد لنفسه فما ازدادوا بشؤم الطبيعة الا الوقوع فى البلوى كما قيل كلوا من طيبات ما رزقناكم بامر الشرع وما ظلمونا إذ تصرفوا فيها بالطبع ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى قال في التنوير وما أدخلك الله فيه تولى أعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك اليه فلا تكفر نعمة الله عليك فيما تولاك به من ذلك كان بعضهم يسير في البادية وقد أصابه العطش فانتهى الى بئر فارتفع الماء الى رأس البئر فرفع رأسه الى السماء وقال أعلم انك قادر ولكن لا أطيق هذا فلو قيضت لى بعض الاعراب يصفعنى صفعات ويسقينى شربة ماء كان خير الى ثم انى أعلم ان ذلك الرفق من جهته فقد عرفت ان مكر الله خفى فلا تغرنك النعم الظاهرة والباطنة وليكن عزمك على الشكر والاقامة في حد أقامك الله فيه والا فتضل وتشقى وقد قال الشيخ ابو عبد الله القرشي من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهى حجاب في حقه وسترها عنه رحمة فالنعمة كما انها سبب للسعادة كذلك هي سبب للشقاوة استدراجا: قال في المثنوى بنده مى نالد بحق از درد ونيش ... صد شكايت ميكند از رنج خويش حق همى گويد كه آخر رنج ودرد ... مر ترا لابه كنان وراست كرد اين گله زان نعمتى كن كت زند ... از در ما دور ومطرودت كند فلا بد للمؤمن السالك من الفناء عن الذات والصفات والافعال والدور مع الأمر الإلهي في كل حال حتى يكون من الصديقين واهل اليقين اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك واجعلنا من الذين معك في تقلباتهم وكل معاملاتهم آمين آمين آمين بجاه النبي الامين وَإِذْ قُلْنَا هذا هو الانعام الثامن لانه تعالى أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه اى اذكروا يا بنى إسرائيل وقت قولنا لآبائكم اثر ما انقذتم من التيه ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ منصوب على الظرفية اى مدينة بيت المقدس والقرية بفتح القاف وكسرها ما يجتمع فيه الناس أخذا من القرى فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً اى أكلا واسعا هنيئا على ان النصب على المصدرية او هو حال من الواو في كلوا اى راغدين متوسعين وفيه دلالة على ان المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى قال في التيسير اى أبحنا لكم ووسعنا عليكم فتعيشوا فيها أنى شئتم بلا تضيق ولا منع وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة وذكر الا كل لانه معظم المقصود وَادْخُلُوا الْبابَ اى بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب والمراد الباب الثاني من بيت المقدس ويعرف اليوم بباب حطة او باب القبة التي كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بنى إسرائيل إليها سُجَّداً اى ركعا منحنين ناكسى رؤسكم بالتواضع على ان يكون المراد به معناه الحقيقي او ساجدين لله تعالى شكرا على إخراجكم من التيه على ان يكون المراد به معناه الشرعي وَقُولُوا حِطَّةٌ رفع بخبرية المبتدأ المحذوف اى مسألتنا من الله ان يحط عنا

стр. 143

ذنوبنا او نصب اى حط عنا ذنوبنا حطة وقيل أريد بها كلمة الشهادة اى قولوا كلمة الشهادة الحاطة للذنوب نَغْفِرْ لَكُمْ مجزوم على انه جواب الأمر من الغفر وهو الستر اى تستر عليكم خَطاياكُمْ جمع خطيئة ضد الصواب اى ذنوبكم فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ثوابا من فضلنا وهم الذين لم يعبدوا العجل والمحسن من احسن في فعله والى نفسه وغيره وقيل المحسن من صحح عقد توحيده واحسن سياسة نفسه واقبل على أداء فرائضه وكف شره وقيل هو الفاعل ما يجمل طبعا ويحمد شرعا واخرج ذلك عن صورة الجواب الى الوعد إيذانا بان المحسن بصدد زيادة الثواب وان لم يقل حطة فكيف إذا قالها واستغفر وانه يقول ويستغفر لا محالة أمرهم بشيئين بعمل يسير وقول صغير فالعمل الانحناء عند الدخول والقول التكلم بالمقول ثم وعد عليهما غفران السيئات والزيادة في الحسنات فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا اى غير الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية ما قيل لهم من التوبة والاستغفار قَوْلًا آخر مما لا خير فيه فاحد مفعولى بدل محذوف غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ غير نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه روى انهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية وهي لغتهم حطا سمقانا يعنون حنطة حمراء استخفافا بامر الله تعالى وقال مجاهد طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فابوا ان يدخلوه سجدا فدخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول واما المحسنون ففعلوا ما أمروا به ولذا لم يقل فبدلوا بل قال فبدل الذين ظلموا وظاهره انهم بدلوا القول وحده دون العمل وبه قال جماعة وقيل بل بدلوا العمل والقول جميعا ومعنى قوله قولا غير الذي قيل لهم اى امرا غير الذي أمروا به فان امر الله قول وهو تغيير جميع ما أمروا به فَأَنْزَلْنا اى عقيب ذلك عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا اى غيروا ما أمروا به ولم يقل عليهم على الاختصار وقد سبق ذكر الذين ظلموا في الآية لانه سبق ذكر المحسنين ايضا فلو اطلق لوقع احتمال دخول الكل فيه ثم هذا ليس بتكرار لان الظلم أعم من الصغائر والكبائر والفسق لا بد وان يكون من الكبائر فالمراد بالظلم هاهنا الكبائر بقرينة الفسق والمراد بالظلم المتقدم هو ما كان من الصغائر رِجْزاً مِنَ السَّماءِ اى عذابا مقدرا والتنوين للتهويل والتفخيم بِما مصدرية كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب خروجهم عن الطاعة والرجز في الأصل ما يعاف ويستكره وكذلك الرجس والمراد به الطاعون روى انه مات فى ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا ودام فيهم حتى بلغ سبعين الفا وفي الحديث (الطاعون رجز أرسل على بنى إسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم ان الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها) وفي الحديث ايضا (أتاني جبريل بالحمى والطاعون فامسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون الى الشام فالطاعون شهادة لا متى ورحمة لهم ورجس على الكافر) واعلم ان من مات من الطاعون مات شهيدا ويأمن فتنة القبر وكذا الصابر فى الطاعون إذا مات بغير الطاعون يوقى فتنة القبر لانه نظير المرابط في سبيل الله تعالى فالمطعون

стр. 144

شهيد وهو من مات من الطاعون والصابر المحتسب في حكمه وكذا المبطون وهو الميت من داء البطن وصاحب الاسهال والاستسقاء داخل في المبطون لان عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا الى حين موته ومثل ذلك صاحب السل وكذا الغرق شهيد وهو بكسر الراء من يموت غريقا في الماء وكذا صاحب المهدم بفتح الدال ما يهدم وصاحبه من يموت تحته وكذا المقتول فى سبيل الله وكذا صاحب ذات الجنب والحرق والمرأة الجمعاء وهي من تموت حاملا جامعا ولدها وليس موت هؤلاء كموت من يموت فجأة او من يموت بالسام او البرسام والحميات المطبقة او القولنج او الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الألم ولورم أدمغتهم وإفساد أمزجتها واعلم ان الطاعون مرض يكثر في الناس ويكون نوعا واحدا والوباء وهو المرض العام قد يكون بطاعون وقد لا يكون وفي الحديث (فناء أمتي بالطعن والطاعون) قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون قال (وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة) قال ابن الأثير الطعن القتل بالرمح والوخز طعن بلا نفاذ وهذا لا ينافى قوله ﵊ في حديث آخر (غدة كغدة البعير تخرج في مراق البطن) وذلك ان الجنى إذا وخز العرق من مراق البطن خرج من وخزه الغدة فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة والغدة هي التي تخرج في اللحم والمراق أسفل البطن وفي الحديث (إذ ابخس المكيال حبس القطر وإذا كثر الزنى كثر القتل وإذا كثر الكذب كثر الهرج) والحكمة ان الزنى إهلاك النفس لان ولد الزنى هالك حكما فلذلك وقع الجزاء بالموت الذريع اى السريع لان الجزاء من جنس العمل ألا يرى ان بخس المكيال يجازى بمنع القطر الذي هو سبب لنقص أرزاقهم وكذا الكذب سبب للتفرق والعداوة بين الناس ولهذا يجازى بالهرج الذي هو الفتنة والاختلاط وانما عمت البلية أينما وقعت لتكون عقوبة على اخوان الشياطين وشهادة ورحمة لعباد الله الصالحين إذ الموت تحفة للمؤمن وحسرة للفاسق ثم يبعثهم الله على قدر أعمالهم ونياتهم فيجازيهم والفرار من الطاعون حرام إذ الفرار نسيان الفاعل المختار كما قال ابن مسعود ﵁ الطاعون فتنة على الفار والمقيم اما الفار فيقول بفراره نجوت واما المقيم فيقول أقمت فمت وفي الحديث (الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف) والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كانه يزحف اى يدب دبيبا والمراد هنا الفرار من الجيش فى الغزو ولكن يجب ان يقيد بالمثل او الضعف فهذا الخبر يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر وليس بعيدا ان يجعل الله الفرار منه سببا لقصر العمر كما جعل الله تعالى الفرار من الجهاد سببا لقصر العمر قال تعالى قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا واما الخروج بغير طريق الفرار فمرخص فيه لكن الرخصة مشروطة بشرائط صعبة لا يقدر عليها الا الافراد منها حفظ امر الاعتقاد والتحرز من الأسباب العادية للمرض كالهواء الفاسد وغيره فهو رخصة لكن مباشرة الحمية لاجل الخلاص من الموت سفه وعبث لا يشك في حرمتها عوام المسلمين فضلا عن خواصهم قالوا فى بعض الأمراض سراية الى ما يجاوره بإذن الله تعالى كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 145

(ان من القرف التلف) والقرف بالتحريك مداناة المرضى واما قوله ﵇ (لا عدوى) فانما هو نفى للتعدى طبعا كما هو اعتقاد اهل الجاهلية حيث كانوا يرون التأثير من طبيعة المرض لا نفى للسراية مطلقا والتسبب واجب للعوام والمبتدئين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين واما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان: قال في المثنوى در حذر شوريدن شور وشرست ... رو تو كل كن توكل بهترست با قضا پنجه مزن اى تند وتيز ... تا نكيرد هم قضا با تو ستيز مرده بايد بود پيش حكم حق ... تا نيايد زحم از رب الفلق روى ان جالينوس دفع الى أصحابه قرصين مثل البنادق وقال اجعلوا أحدهما بعد موتى فوق الحديد الذي يعمل عليه الحدادون والآخر في حب مملوء من الماء ثم اكسروا الحب ففعلوا كما اوصى فذاب الحديد في الأرض ولم يجدوا منه شيأ وانجمد الماء وقام بلا وعاء قال الحكماء أراد بذلك انى وان قدرت الى اذابة أصلب الأجساد واقامة الماء الذي من طبعه السيلان ما وجدت للموت دواء ولذا قال بعضهم ألا يا ايها المغرور تب من غير تأخير ... فان الموت قد يأتى ولو صيرت قارونا بسل مات ارسطاليس بقراط بافلاج ... وأفلاطون ببرسام وجالينوس مبطونا قال الشافعي ﵀ انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح ووجهه بان الذكر يرفع العقوبة والعذاب قال تعالى فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ وكذا كثرة الصلاة على النبي المحترم صلى الله تعالى عليه وسلم لكن مثل هذا انما يكون مؤثرا إذا اقترن بالشرائط الظاهرة والباطنة إذ ليس كل ذكر وصلاة شفيعا عند الحضرة الإلهية: قال المثنوى گر ندارى تو دم خوش در دعا ... رو دعا ميخواه از اخوان صفا «١» هر كرا دل پاك شد از اعتدال ... آن دعايش ميرود تا ذو الجلال «٢» آن دعاى بيخودان خود ديكرست ... آن دعا ازو نيست كفت داورست «٣» آن دعا حق ميكند چون او فناست ... آن دعا وآن اجابت از خداست هين بجو اين قوم را اى مبتلا ... هين غنيمت دارشان پيش از بلا وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى نعمة اخرى كفروها اى اذكروا ايضا يا بنى إسرائيل إذ سأل موسى السقيا لِقَوْمِهِ لاجل قومه وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطش الشديد فاستغاثوا بموسى فدعا ربه ان يسقيهم فَقُلْنَا له بالوحى ان اضْرِبْ بِعَصاكَ وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى الْحَجَرَ اللام اما للعهد والاشارة الى معلوم فقد روى انه كان حجرا طوريا حمله معه وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل له اربعة أوجه في كل وجه ثلاث أعين او هو الحجر الذي فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى مما رموه به من الادرة فاشار اليه جبريل ان ارفعه فان لله فيه قدرة ولك

стр. 146

فيه معجزة قال رسول الله ﷺ (كان بنوا إسرائيل ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى يغتسل وحده فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجمع موسى باثره يقول ثوبى يا حجر حتى نظرت بنوا إسرائيل الى سوءة موسى فقالوا والله ما بموسى ادرة) وهي بالضم نفخة بالخصية واما للجنس اى اضرب الشيء الذي يقال له الحجر وهو الأظهر في الحجة اى أبين على القدرة فان إخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر أي حجر كان ادل على ثبوت نبوة موسى ﵇ من إخراجه من حجر معهود معين لاحتمال ان يذهب الوهم الى تلك الخاصية في ذلك الحجر المعين كخاصية جذب الحديد في حجر المغناطيس فَانْفَجَرَتْ اى فضرب فالفاء متعلقة بمحذوف والانفجار الانسكاب والانبجاس الترشح والرش فالرش أول ثم الانسكاب مِنْهُ اى من ذلك الحجر اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ماء عذبا على عدد الأسباط لكل سبط عين وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجر ويضربه إذا ارتحل فييبس قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ اى كل سبط من الأسباط الاثني عشر مَشْرَبَهُمْ اى عينهم الخاصة بهم او موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه والمشرب المصدر والمكان والحكمة في ذلك ان الأسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر وكل سبط أراد تكثير نفسه فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة ليستقوا منها ويسقوا دوابهم لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة وكان ينبع من كل وجه من الحجر ثلاث أعين تسيل كل عين في جدول الى سبط وكانوا ستمائة الف وسعة المعسكر اثنى عشر ميلاثم ان الله تعالى قد كان قادرا على تفجير الماء وفلق البحر من غير ضرب لكن أراد ان يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم الى المراد وليترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم فى المعاد ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه فانه لما أمكن ان يكون من الأحجار ما يحلق الشعر ويمقر الخل ويجذب الحديد لم يمتنع ان يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض او لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك قال القرطبي في تفسيره ما ورد من انفجار الماء ونبعه من يد نبينا ﷺ وبين أصابعه أعظم في المعجزة فانا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وأطراف النهار ومعجزة نبينا ﵇ لم تكن لنبى قبل إذ لم يخرج الماء من لحم ودم كُلُوا على ارادة القول اى قلنا لهم او قيل لهم كلوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ هو ما رزقهم من المن والسلوى والماء فالاكل يتعلق بالأولين والشرب بالثالث وانما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى فقلنا إيذانا بان الأمر بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب بل بواسطة موسى ﵇ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ العثى أشد الفساد فقيل لهم لا تتمادوا في الفساد حال كونهم مُفْسِدِينَ فالمراد بهذه الحال تعريفهم بانهم على الفساد لا تقييد العامل والا لكان مفهومه مفيدا معنى تمادوا في الفساد حال كونهم مصلحين وهذا غير جائز او الأصل في العثى مطلق التعدي وان غلب في الفساد فيكون التقييد بالحال تقييدا للعامل بالخاص ودلت الآية على فضيلة امة محمد ﷺ فان بنى إسرائيل احتاجوا الى الماء فرجعوا الى موسى ليسأل

стр. 147

واحتاجوا الى البقل والقثاء وسائر المأكولات ففعلوا ذلك وهذه الامة اطلق لهم ان يسألوا الله كلما احتاجوه قال تعالى وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وفيها بشارة عظيمة وسأل موسى ربه الماء لقومه بقولهم وسأل عيسى ربه المائدة بقولهم وسأل نبينا ﵊ المغفرة لنا بامر الله تعالى قال وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فلما أجاب الله لهما فيما سألاه بطلب القوم فلأن يجيب نبينا فيما سأله بامره اولى وأفادت الآية ايضا اباحة الخروج الى الاستسقاء وهو انما يكون إذا دام انقطاع المطر مع الحاجة اليه فالحكم حينئذ اظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة وقد استسقى نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فخرج الى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وروى عن جندبة ان أعرابيا دخل عليه ﷺ يوم الجمعة وقال يا رسول الله هلكت الكراع والمواشي وأجدبت الأرض فادع الله ان يسقينا فرفع يديه ودعا قال انس رضى الله عنه والسماء كانها زجاجة ليس بها قزعة فنشأت سحابة ومطرت الى الجمعة القابلة: قال في المثنوى تا فرود آيد بلا بي دافعى چون نباشد از تضرع شافعى «١» تا سقاهم ربهم آيد خطاب تشنه باش الله اعلم بالصواب «٢» وعدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال الشيخ المحقق ابن الفارض قدس سره ويحسن اظهار التجلد للعدى ... ويقبح غير العجز عند الاحبة وفي الحديث (لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن ﵊ فيهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم أحد الا أبدل الله مكانه آخر) كر ندارى تو دم خوش در دعا ... رو دعا ميخواه از اخوان صفا «٣» وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال (ما عام بامطر من عام ولكنه إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافي) قال الشيخ الشهير بافتاده افندى ترقى الطالب برعاية السنن وذكر انه استسقى الناس مرارا في زمن الحجاج فلم ينزل لهم قطرة فقيل لهم لو دعا شخص لم يترك سنة العصر وسنة الاولى من العشاء لحصل المقصود والا لا يحصل وان دعوتم أربعين مرة فتفقدوا فلم يجدوا شخصا على الصفة المذكورة فرجع الحجاج الى نفسه فوجدها على ما ذكر فدعا فنزل مطر عظيم في هذا الحين وحصل المقصود وهذا ببركة رعاية سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع انه مشهور بالظلم ولا بد في الاستسقاء من تقديم التوبة والصدقة والصوم وان يجعل صلحاء الناس وسيلة وشفيعا في ذلك ويستسقى للدواب العطاش والانعام السائمة والأطفال الضعيفة فلعلهم يسيقون ببركتها وليكن الداعي ربه على يقين الاجابة لان رد الدعاء اما لعجز في اجابته او لعدم كرم في المدعو او لعدم علم المدعو بدعاء الداعي وهذه الأشياء منتفية عن الله تعالى فانه كريم عالم قادر لا مانع له من الاجابة وهو اقرب الى المؤمنين منهم يسمع دعاءهم ويقبل تضرعهم والدعاء مهما كان أعم كان الى الاجابة اقرب فانه لا بد ان يكون في المسلمين من يستحق

стр. 148

الاجابة فاذا أجاب الله دعاء البعض فهو أكرم من ان يرد الباقي وفي الحديث (ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها) قالوا يا رسول الله ومن لنا بتلك الالسنة قال (يدعو بعضكم لبعض لانك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك) وفي تفسير الفاتحة للفنارى ان استقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى في الاجابة فمن زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن إلا نفسه إذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك روى ان فرعون قبل دعوى الإلهية امر ان يكتب على باب داره بسم الله فلما لم يؤمن بموسى قال الهى انى ادعوه ولا ارى فيه خيرا قال لعلك تريد إهلاكه أنت تنظر الى كفره وانا الى ما كتبه على بابه فمن كتبه على سويداء قلبه ستين سنة اولى بالرحمة فاذا كان حال من كتبه على باب داره هكذا فكيف حال من نقشه على باب قلبه يستجاب دعاؤه لا محالة وأول شرائط الاجابة إصلاح الباطن باللقمة الطيبة وآخرها الإخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى والاشارة في تحقيق الآية ان الروح الإنساني وصفاته في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقى ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا اله الا الله ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند الاستيلاء ظلمات صفات النفس وقد حملت من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة او أشد قسوة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة لان كلمة لا اله الا الله اثنا عشر حرفا من كل حرف عين قد علم كل سبط من أسباط الصفات الانسانية وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين حرف من حروف الكلمة قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات والقلوب تشرب من مشارب التقى والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والاسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقى وسقاهم ربهم شراب الاضمحلال فى حقيقة الذات كلوا واشربوا كل واحد من رزق الله بامره ورضاه ولا تعثوا في الأرض مفسدين بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الآخرة على الاولى واختيارهما على المولى كذا في التأويلات النجمية وَإِذْ قُلْتُمْ تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى إسرائيل وكفرانهم لنعمة الله خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم لما بينهم من الاتحاد وكان هذا القول منهم في التيه حين سئموا من أكل المن والسلوى لكونهما غير مبدلين والإنسان إذا دوام شيأ واحدا سئمه وتذكروا عيشهم الاول بمصر لانهم كانوا اهل فلاحة فنزعوا الى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم الى ما جرت عليه عادتهم فقالوا يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ الطعام ما يتغذى به وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لانهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا او أريد بالواحد نفى التبدل والاختلاف ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل لا يأكل فلان الا طعاما واحدا وفي تفسير البغوي والعرب تعبر عن الواحد

стр. 149

بلفظ الاثنين كقوله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وانما يخرج من الملح دون العذب وقيل لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا اغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد بنفسه وكان فيهم أول من اتخذ العبيد والخدم فَادْعُ لَنا رَبَّكَ اى سله لاجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء يُخْرِجْ لَنا اى يظهر لنا ويوجد شيأ فالمفعول محذوف والجزم لجواب الأمر فان دعوته سبب الاجابة اى ان تدع لنا ربك يخرج لنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ اسناد مجازى باقامة القابل وهو الأرض مقام الفاعل وهو الله تعالى ومن تبعيضية وما موصولة مِنْ بَقْلِها من بيانية واقعة موقع الحال من الضمير اى مما تنبته كائنا من بقلها والبقل ما تنبت الأرض من الخضر والمراد اصناف البقول التي تأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها وَقِثَّائِها أخو القثد وهي شىء يشبه الخيار وَفُومِها وهو الحنطة لان ذكر العدس يدل على انه المراد لانه من جنسه وقيل هو الثوم لان ذكر البصل يدل على انه هو المراد فانه من جنسه قال ابن التمجيد في حواشيه وحمله على الثوم أوفق من الحنطة لاقتران ذكره بالبصل والعدس فان العدس يطبخ بالثوم والبصل وَعَدَسِها حب معروف يستوى كيله ووزنه وَبَصَلِها بقل معروف تطيب به القدور قالَ استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله لهم او موسى ﵇ فقيل قال إنكارا عليهم أَتَسْتَبْدِلُونَ اى أتأخذون لانفسكم وتختارون الَّذِي هُوَ أَدْنى اى اقرب منزلة وأدون قدرا بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اى بمقابلة ما هو خير فان الباء تصحب الزائل دون الآتي الحاصل وخيرية المن والسلوى في اللذاذة وسقوط المشقة وغير ذلك ولا كذلك الفوم والعدس والبصل وأمثالها قال بعضهم الحنطة وان كانت أعلى من المن والسلوى لكن خساستها هاهنا بالنسبة الى قيمتها وليس في الآية ما يدل قطعها على انهم أرادوا زوال المن والسلوى وحصول ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال في صورة المناوبة لانهم أرادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد ان يكون هذا تارة وذاك اخرى اهْبِطُوا اى انحدروا وانزلوا من التيه ان كنتم تريدون هذه الأشياء مِصْراً من الأمصار لانكم في البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون وانما يوجد ذلك في الأمصار فالمراد ليس مصر فرعون لقوله تعالى يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وإذا وجب عليهم دخول تلك الأرض فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الأظهر والمصر البلد العظيم من مصر الشيء يمصره اى قطعه سمى به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة وقد تسمى القرية مصرا كما تسمى المصر قرية وهو ينصرف ولا ينصرف فصرف هاهنا لان المراد غير معين وقيل أريد به مصر فرعون وانما صرف لسكون وسطه كهند ودعد ونوح او لتأويله بالبلد دون المدينة فلم يوجد فيه غير العلمية فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ تعليل للامر بالهبوط اى فان لكم فيه ما سألتموه من بقول الأرض وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ اى الذل والهوان وَالْمَسْكَنَةُ اى الفقر يسمى الفقير مسكينا لان الفقر اسكنه وأقعده عن الحركة اى جعلتا محيطتين بهم احاطة القبة بمن ضربت عليه او الصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان

стр. 150

عنهم مجازاة لهم على كفرانهم كما يضرب الطين على الحائط فهو استعارة بالكناية فترى اليهود وان كانوا مياسير كأنهم فقراء وَباؤُ اى رجعوا بِغَضَبٍ عظيم كائن مِنَ اللَّهِ اى استحقوه ولزمهم ذلك ومنه قوله ﷺ (أبوء بنعمتك على) اى أقربها والزمها نفسى وغضب الله تعالى ذمه إياهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة ذلِكَ اى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم بِأَنَّهُمْ اى بسبب ان اليهود كانُوا يَكْفُرُونَ على الاستمرار بِآياتِ اللَّهِ الباهرة التي هي المعجزات الساطعة الظاهرة على يدى موسى ﵇ مما عد او لم يعد وكذبوا بالقرآن ومحمد ﵇ وأنكروا صفته في التوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ كشعيب وزكريا ويحيى ﵈ وفائدة التقييد مع ان قتل الأنبياء يستحيل ان يكون بحق الإيذان بان ذلك عندهم ايضا بغير الحق إذ لم يكن أحد معتقدا بحقية قتل أحدهم ﵈ فان قيل كيف جاز ان يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء قيل ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين وليس ذلك بخذلان لهم قال ابن عباس والحسن رضى الله عنهم لم يقتل قط من الأنبياء الا من لم يؤمر بقتال وكل من امر بقتال نصر فظهر ان لا تعارض بين قوله تعالى وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقوله إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وقوله تعالى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ مع انه يجوز ان يراد به النصرة بالحجة وبيان الحق وكل منهم بهذا المعنى منصور روى انهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا: قال في المثنوى چون سفيهانراست اين كار وكيا ... لازم آمد يقتلون الانبيا انبيا را كفته قوم راه كم ... از سفه انا نطيرنا بكم ذلِكَ اى ما ذكر من الكفر بالآيات العظام وقتل الأنبياء ﵈ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يتجاوزون امرى ويرتكبون محارمى اى جربهم العصيان والتمادي فى العدوان الى المشار اليه فان صغار الذنوب إذا دووم عليها أدت الى كبارها كما ان مداومة صغار الطاعات مؤدية الى تحرى كبارها وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن ادراك لذاذة الايمان وحلاوته لان المحموم ربما وجد طعم السكر مرا فالغفلة سم للقلوب مهلك فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم واعلم ان لله مرادا وللعبد مرادا وما أراد الله خير فقوله اهبطوا اى عن سماء التفويض وحسن التدبير منا لكم الى ارض التدبير والاختيار منكم لانفسكم موصوفين بالذلة والمسكنة لاختياركم مع الله وتدبيركم لانفسكم مع تدبير الله ولو ان هذه الامة هي الكائنة في التيه لما قالت مقال بنى إسرائيل لشفوف أنوارهم ونفوذ أسرارهم قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً اى عدلا خيارا وفي التأويلات كما ان بنى إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء وقالوا لموسى من خساسة طبعهم ما قالوا كذلك نفس الإنسان من دناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها ربها الواحد من واردات الغيب كما كان يصبر نفس النبي ﵇ ويقول (لست

стр. 151

كأحدكم فانى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى) بل يقول لموسى القلب فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض البشرية من بقل الشهوات الحيوانية وقثاء اللذات الجسمانية قال أتستبدلون الفاني بالباقي اهبطوا مصر القالب السفلى من مقامات الروح العلوي فان لكم ما سألتم من المطالب الدنيئة وضربت عليهم الذلة والمسكنة كالبهائم والانعام بل هم أضل لانهم باؤوا بغضب من الله ذلك بانهم كانوا يكفرون بالواردات الغيبية والمكاشفات الروحانية بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق اى يبطلون ما يفتح الله لهم من انباء الغيب في مقام الأنبياء وينكرون أسرارهم ذلك يعنى حصول هذه المقامات منهم بما عصوا ربهم في نقض العهود ببذل المجهود في طاعة المعبود وكانوا يعتدون من طلب الحق في مطالبة ما سواه انتهى باختصار ثم ان في الآية الكريمة دليلا على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات وكان النبي ﵇ يحب الحلوى والعسل ويشرب الماء البارد العذب والعدس والزيت طعام الصالحين وفي الحديث (عليكم بالعدس فانه مبارك مقدس وانه يرقق القلب ويكثر الدمعة فانه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم) وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ويوما بعدس ويوما بلحم ولو لم يكن فيه فضيلة الا ان ضيافة ابراهيم ﵇ في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يجفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم والحنطة وأكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة مباح وفي الحديث (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم) والمراد بالملائكة الحاضرون مواضع العبادات لا الملازمون للانسان في جميع الأوقات ومعنى تأذيهم من هذه الروائح وانه مخصوص بها او عام لكل الروائح الخبيثة مما يفوض علمه الى الشارع وهذا التعليل يدل على انه لا يدخل المسجد وان كان خاليا من الإنسان لانه محل الملائكة قال ﵇ (ان كنتم لا بد لكم من أكلها فاميتوها طبخا) وقاس قوم على المساجد سائر مجامع الناس وعلى أكل الثوم ما معه رائحة كريهة كالبخر وغيره وانما كره النبي عليه ﷺ أكل البصل ونحوه لما انه يأتيه الوحى ويناجى الله تعالى ولكن رخص للسائر ويقال كان اخر ما أكله النبي ﷺ البصل إيذانا لامته بإباحته والعزيمة ان يقتدى الرجل في أقواله وأفعاله وأحواله برسول الله ﷺ : قال المولى الجامى يا نبى الله السلام عليك ... انما الفوز والفلاح لديك كر نرفتم طريق سنت تو ... هستم از عاصيان امت تو مانده ام زير بار عصيان بست ... افتم از پاى اگر نگيرى دست إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون بقرينة انتظامهم فى سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بان تلك المرتبة وان عبر عنها بالايمان لا تجديهم نفعا أصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا وَالَّذِينَ هادُوا اى تهودوا من هاد إذا دخل في اليهودية ويهود اما عربى من هاد إذا تاب سموا بذلك

стр. 152

حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة هائلة واما معرب يهودا كأنهم سموا باسم اكبر أولاد يعقوب ﵇ ويقال انما سمى اليهود يهودا لانهم إذا جاءهم رسول او نبى هادوا الى ملكهم فدلوه عليه فيقتلونه وَالنَّصارى جمع نصران كندامى جمع ندمان سمى بذلك لانهم نصروا المسيح ﵇ او لانهم كانوا معه في قرية يقال لها ناصرة فسموا باسمها او لاعتزائهم الى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى ﵇ وَالصَّابِئِينَ من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب والملائكة فكانوا كعبدة الأصنام وان كانوا يقرأون الزبور لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم وجاء أعرابي الى النبي ﷺ فقال لم يسمى الصابئون صابئين فقال ﵇ (لانهم إذا جاءهم رسول او نبى أخذوه وعمدوا الى قدر عظيم فأغلوه حتى إذا كان محمى صبوه على رأسه حتى يتفسخ) كذا في روضة العلماء مَنْ مبتدأ خبره فلهم اجر عظيم والجملة خبران آمَنَ من هؤلاء الكفرة بِاللَّهِ وبما انزل على جميع النبيين وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو يوم البعث اى من أحدث منهم ايمانا خالصا بالمبدأ والمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا وَعَمِلَ عملا صالِحاً مرضيا عند الله فَلَهُمْ بمقابلة تلك والفاء للسببية أَجْرُهُمْ الموعود لهم عِنْدَ رَبِّهِمْ اى مالك أمرهم ومبلغهم الى كمالهم اللائق وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت أخبر أن هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بتقديم فعلهم ولا بفعل آبائهم ولا ينقصون من ثوابهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ عطف على جملة فلهم أجرهم اى لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما وتلخيصه من أخلص إيمانه وأصلح عمله دخل الجنة واعلم ان هذا الدين الحق حسنه موجود في النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد فكل مولود انما يولد في مبدأ الخلقة واصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها كما قال ﵇ (ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) قال ابن الملك في شرح المشارق المراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله تعالى ألست بربكم فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين قوله ﵇ (ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا) والتحقيق ان الله تعالى لما اخرج ذرية آدم من ظهره وقال ألست بربكم آمنوا كلهم لمشاهدتهم الحق بالمعاينة لكن لم ينفع ايمان الأشقياء لكونهم لم يؤمنوا من قبل فاختلط السعيد والشقي ولم يفرق بينهما في هذا العالم ثم انهم إذ انزلوا فى بطون الأمهات تميز السعيد من الشقي لان الكاتب لا ينظر الى عالم الإقرار بل ينظر الى ما في علم الله تعالى من احوال الممكن من السعادة والشقاوة وغيرهما وإذا ولدوا يولدون على فطرة الإسلام وهي فطرة بلى فههنا اربعة مقامات الاول علم الله وهو البطن المعنوي ويقال له في اصطلاح الصوفية بطن الام وأم الكتاب والثاني مقام بلى ويقال له مولود

стр. 153

معنوى والثالث بطن الام الصوري والرابع مولود صورى وهو صورة المولود المعنوي لذلك لا يتميز السعيد من الشقي فيه كما لا يتميز في عالم ألست والبطن الصوري صورة علم الله لذلك يتميز السعيد من الشقي فيها فظهر لك معنى حديث النبي ﵇ (السعيد سعيد في بطن امه والشقي شقى في بطن امه) ومغنى الخبر الآخر (السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد) ومعنى الحديث (كل مولود يولد على فطرة الإسلام) كذا حققه الشيخ بالى الصوفيوى قدس سره يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قال شيخى العلامة أبقاه الله بالسلامة فى كتابه المسمى باللائحات البرقيات لاح ببالي ان المراد ببطن الام على مشرب اهل التحقيق هو باطن الغيب المطلق الذاتي الاحدى يعنى السعيد سعيد في باطن الغيب المطلق ازلا وفي ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل الشقاوة في واحد منهما أصلا والشقي شقى في باطن الغيب المطلق ازلا وفي ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل السعادة في واحد منهما أصلا الا ان السعيد قد تتداخله الشقاوة والشقي قد تتداخله السعادة في البرزخ الجامع بينهما فيكون السعيد الشقي سعيد أبا لسعادة الذاتية وشقيا بالشقاوة العارضية والشقي السعيد شقيا بالشقاوة الذاتية وسعيدا بالسعادة العارضية والسبق في الغاية للذاتى دون العارضى ويغلب حكم الذاتي على حكم العارضى ويختم به كما بدئ به ويختم آخر نفس الشقي بالشقاوة العارضية بالسعادة الذاتية وتزول شقاوته العارضية ويدخل في زمرة السعداء ابدا ويختم آخر نفس السعيد بالسعادة العارضية بالشقاوة الذاتية وتزول سعادته العارضية ويدخل في زمرة الأشقياء ابدا والى هذا التداخل والعروض البرزخى أشار بقوله السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد والتبدل في العارضى لا في الذاتي والاعتبار بالذاتي لا العارضى انتهى فمن انشرح قلبه بنور الله فقد آمن بالله لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء واهل البلد فلا خوف عليهم من حجب الانانية ولا هم يحزنون بالاثنينية لانهم الواصلون الى نون الوحدة والهوية وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى إسرائيل اى اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أخذنا لعهد آبائكم بالعمل على ما في التوراة وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ كانه ظلة حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق والطور الجبل بالسريانية وذلك ان موسى ﵇ جاءهم بالالواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها فامر جبريل فقلع الطور من أصله ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى ان قبلتم والا القى عليكم فلما رأوا ان لا مهرب لهم منها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود لئلا ينزل عليهم فصارت عادة فى اليهود لا يسجدون الأعلى انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الإسلام لان الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز كالمحاربة مع الكفار واما قوله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وأمثاله فمنسوخ بالقتال قال ابن عطية والذي لا يصح سواه ان الله جبرهم وقت سجودهم على الايمان لانهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك خُذُوا على ارادة القول اى فقلنا لهم خذوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة ومواظبة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ اى احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه

стр. 154

ولا تغفلوا عنه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رجاء منكم ان يكونوا متقين ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ اى أعرضتم عن الميثاق والوفاء به والدوام عليه مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الميثاق المؤكد فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ عطفه بالامهال وتأخير العذاب لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ اى من الهالكين ولكن تفضل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم ولولا ذلك لسقط عليكم والخسران في الأصل ذهاب رأس المال وهو هاهنا هلاك النفس لانها الأصل وقد من الله تعالى على امة محمد ﷺ حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة ولم يفرض عليهم جملة فاذا استقرت الواحدة في قلوبهم فرض عليهم الاخرى واما بنوا إسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة فشق عليهم ذلك ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب ثم ان الله تعالى امر بحفظ الأوامر والعمل وبعدم النسيان والتضييع وقال واذكروا ما فيه وهو المقصود من الكتب الإلهية لان العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيبها فان ذلك نبذلها مثاله ان السلطان إذا أرسل منشورا الى واحد من امرائه في ممالكه وامره فيه ان يبنى له قصرا في تلك الديار فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به لكنه يقرأ المنشور كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد القصر حاضرا فالظاهر انه يستحق العتاب بل العقاب فالقرآن انما هو مثل ذلك المنشور قد امر الله فيه عبيده ان يعمروا اركان الدين من الصوم والصلاة وغيرهما فمجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد قال في المثنوى هست قرآن حالهاى انبيا ماهيان بحر پاك كبريا ور بخوانى ونه قرآن پذير انبيا وأوليا را ديده كير روى انه ﵇ شخص ببصره الى السماء يوما ثم قال (هذا او ان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء) فقال زياد بن لبيد الأنصاري كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فو الله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا فقال ﷺ (ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم) وفي الموطأ عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لانسان انك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه يحفظ فيه حدود القرآن ويضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطى يطولون الصلاة ويقصرون الخطبة يبدون فيه أعمالهم قبل اهوائهم وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضييع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطى يطولون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم والاشارة في الآية ان أخذ الميثاق كان عاما كما كان في عهد ألست بربكم ولكن قوما أجابوه شوقا وقوما أجابوه خوفا ليتحقق ان الأمر بيد الله في كلتا الحالتين يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة فانه لا برهان اظهر من رفع الطور فوقهم عيانا فلما أوبقهم الخذلان لم ينفعهم اظهار البرهان وفي قوله خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ اشارة الى ان أخذ ما يؤتى الله من الأوامر والنواهي والطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن للقوة الانسانية الا بقوة ربانية وتأييد الهى وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بالله عما سواه ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى أعرضتم عن طريق

стр. 155

الحق واتباع الشريعة باستيلاء قوة الطبيعة بعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاق ابتلاء من الله فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والاولى كما كان حال المصرين منكم والمعتدين وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ خطاب لمعاصرى النبي ﷺ من اليهود اى وبالله قد عرفتم يا بنى إسرائيل الَّذِينَ اعْتَدَوْا اى تجاوزوا الحد ظلما مِنْكُمْ من اسلافكم محله نصب على انه حال فِي يوم السَّبْتِ اى جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد واصل السبت القطع لان اليهود أمروا بان يسبتوا فيه اى يقطعوا الأعمال ويشتغلوا بعبادة الله ويسمى النوم سباتا لانه يقطع الحركات الاختيارية وفيه تحذير وتهديد فكانه يقول انكم تعلمون ما أصابهم من العقوبة فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم والقصة فيه انهم كانوا في زمن داود ﵇ بأرض يقال لها ايلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر الا اجتمع هناك اما ابتلاء لاولئك القوم واما لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس ففى كل سبت يجتمعن لزيارتها ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها وإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شىء منها ثم ان الشيطان وسوس إليهم وقال انما نهيتم عن أخذها يوم السبت فعمد رجال من اهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فاذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فاقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرون على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فاذا كان يوم الأحد يصطادونها فاخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا فكثرت أموالهم ففعلوا ذلك زمانا أربعين سنة او سبعين لم تنزل عليهم عقوبة وكانوا يتخوفون العقوبة فلما لم يعاقبوا استبشروا وتجرأوا على الذنب وقالوا ما نرى السبت الا قد أحل لنا ثم استن الأبناء سنة الآباء فلو انهم فعلوا ذلك مرة او مرتين لم يضرهم فلما فعلوا ذلك صار اهل القرية وكانوا نحوا من سبعين الفا ثلاثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة وكان الناهون اثنى عشر ألفا فنهوهم عن ذلك وقالوا يا قوم انكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم فانتهوا عن هذا العمل قبل ان ينزل بكم البلاء فلم يتعظوا وأبوا قبول نصحهم فعاقبهم الله بالمسخ وذلك قوله تعالى فَقُلْنا لَهُمْ قهرا كُونُوا قِرَدَةً جمع قرد كالديكة جمع ديك بالفارسية «بوزينه» وهذا امر تحويل لانهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة الى صورة وهو اشارة الى قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اى لما أردنا ذلك صاروا كما أردنا من غير امتناع ولا لبث خاسِئِينَ هو وقردة خبران اى كونوا جامعين بين القردية والخسء وهو الصغار والطرد وذلك ان المجرمين لما أبوا قبول النصح قال الناهون والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وصيروها بذلك ثنتين فلعنهم داود وغضب الله عليهم لاصرارهم على المعصية فمسخوا ليلا فلما أصبح الناهون أتوا ابوابها فاذا هي مغلقة لا يسمع منها صوت

стр. 156

ولا يعلو منها دخان فتسوروا الحيطان ودخلوا فرأوهم قد صار الشبان قردة والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون فعرفت القردة أنسابهم من الانس ولم يعرف الانس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكى فيقول ألم ننهكم عن ذلك فكانوا يشيرون برؤسهم اى نعم والدموع تفيض من أعينهم ودل ذلك على انهم لما مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل ثم لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء بل كانت قبلهم قردة وهؤلاء حولوا الى صورتها لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم وماتوا بعد ثلاثة ايام ولم يتوالدوا والقردة التي فى الدنيا هي نسل قردة كانت قبلهم فَجَعَلْناها اى صيرنا مسخة تلك الامة وعقوبتها نَكالًا اى عبرة تنكل من اعتبر بها اى تمنعه من ان يقدم على مثل صنيعهم لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها اى لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون لان مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي وما خلفها للمستقبل وَمَوْعِظَةً اى تذكرة لِلْمُتَّقِينَ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحى قومهم او لكل متق سمعها فاللام للاستغراق العرفي على التقديرين: قال السعدي نرود مرغ سوى دانه فراز چون دكر مرغ بيند اندر پند پند كير از مصائب دكران تا نكيرند ديكران ز تو پند واعلم ان هذا البلاء والخسران جزاء من لم يعرف قدر الإحسان ومن يكافئ المنعم بالكفران يرد من عزة الوصال الى ذل الهجران وكان عقوبة الأمم بالخسف والمسخ على الأجساد وعقوبة هذه الامة على القلوب وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس قال الله تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ الآية هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك وينخرط في أثناء السلوك ومن لم يتخط بساط القرية بقدم الحرمة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان ثم علامة المسخ مثل الخنزير ان يأكل العذرات ومن أكل الحرام فقلبه ممسوخ ويقال علامة مسخ القلب ثلاثة أشياء لا يجد حلاوة الطاعة ولا يخاف من المعصية ولا يعتبر بموت أحد بل يصير ارغب في الدنيا كل يوم كذا في زهرة الرياض وروى عن عوف بن عبد الله انه قال كان اهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته قال محمد بن على الترمذي صلاح اربعة اصناف في اربعة مواطن صلاح الصبيان في الكتاب وصلاح القطاع في السجن وصلاح النساء في البيوت وصلاح الكهول في المساجد وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ توبيخ آخر لا خلاف بنى إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم اى واذكروا قول موسى ﵇ لاجدادكم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً هى الأنثى من نوع الثور او واحد البقر ذكرا كان او أنثى من البقر وهو الشق سميت به لانها تبقر الأرض اى تشقها للحراثة وسببه انه كان في بنى إسرائيل شيخ موسر فقتله بنوا عمه طمعا فى ميراثه فطرحوه على باب المدينة او حملوه الى قرية اخرى والقوه بفنائها ثم جاؤا يطالبون بديته وجاؤا بناس يدعون عليهم القتل فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه امر القتيل على موسى

стр. 157

وكان ذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ان يدعو الله ليبين لهم بدعائه فامرهم الله ان يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيى فيخبرهم بقاتله قالُوا كأنه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا الى الامتثال او لا فقيل قالوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً اى أتجعلنا مكان هزء وسخرية وتستهزئ بنا نسألك عن امر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما قال بعض العلماء كان ذلك هفوة منهم وجهالة فما انقادوا للطاعة وذبحها قالَ موسى وهو استئناف كما سبق أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ لان الهزؤ في أثناء تبليغ امر الله جهل وسفه ودل ان الاستهزاء بامر الدين كبيرة وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وان ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء قال امير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الإنسان من حد العبوس روى انه قدم رجل الى عبيد الله بن الحسين وهو قاضى الكوفة فمازحه عبيد الله فقال جبتك هذه من صوف نعجة او من صوف كبش فقال أتجهل ايها القاضي فقال له عبيد الله واين وجدت المزاح جهلا فتلا هذه الآية فاعرض عنه عبيد الله لانه رأه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء ثم ان القوم علموا ان ذبح البقرة عزم من الله وجد فاستوصفوها كما يأتى ولو أنهم عمدوا الى ادنى بقرة فذبحوها لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة والقصة انه كان فى بنى إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجلة لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا اى نصفا بين المسنة والشابة وكانت تهرب من كل من رأها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثة فقالت له امه يوما ان أباك قد ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع آله ابراهيم وإسماعيل واسحق ان يردها عليك وعلامتها انك إذا نظرت إليها يخيل إليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها لان صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين فاتى الفتى الغيضة فرأها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت ايها الفتى البار لوالدته اركبنى فان ذلك أهون عليك فقال الفتى ان أمي لم تأمرنى بذلك ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة بآله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على ابدا فانطلق فانك ان أمرت الجبل ان ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بامك فسار الفتى بها الى امه فقالت له انك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة قال بكم أبيعها قالت بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بامه وكان الله به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتي فقال الملك لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى

стр. 158

لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه الا برضى أمي فردها الى امه وأخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى فانطلق بها الى السوق فاتى الملك فقال استأمرت أمك فقال الفتى انها أمرتني ان لا أنقصها من ستة على ان استأمرها فقال الملك انى أعطيك اثنى عشر على ان لا تستأمرها فابى الفتى ورجع الى امه وأخبرها بذلك فقالت ان الذي يأتيك ملك فى صورة آدمي ليختبرك فاذا اتى فقل له أتأمر ان نبيع هذه البقرة أم لا ففعل فقال له الملك اذهب الى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فان موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل فى بنى إسرائيل فلا تبيعوها الا بملئ مسكها دنانير فامسكوها وقدر الله تعالى على بنى إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة والوجه في تعيين البقرة دون غيرها من البهائم انهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب إليهم ذلك كما قال تعالى وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ثم تابوا وعادوا الى طاعة الله وعبادته فاراد الله تعالى ان يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليظهر منهم حقيقة التوبة وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم وقيل كان أفضل قرا بينهم حينئذ البقر فامروا بذبح البقرة ليجعل التقرب لهم بما هو أفضل عندهم قالُوا كأنه قيل فماذا قال قوم موسى بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا يا موسى ادْعُ لَنا سل لاجلنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا اى يوضح ويعرف ما هِيَ ما مبتدأ وهي خبره والجملة في حيز النصب بيبين اى يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى فما هاهنا سؤال عن الحال والصفة تقول ما زيد فيقال طبيب او عالم اى ما ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر قالَ اى موسى ﵇ بعد ما دعا ربه بالبيان وأتاه الوحى إِنَّهُ اى الله تعالى يَقُولُ إِنَّها اى البقرة المأمور بذبحها بَقَرَةٌ لا هى فارِضٌ اى مسنة من الفرض وهو القطع كانها قطعت سنها وبلغت آخره وَلا بِكْرٌ اى فتية صغيرة ولم يؤنث البكر والفارض لانهما كالحائض في الاختصاص بالأنثى عَوانٌ اى نصف بَيْنَ ذلِكَ المذكور من الفارض والبكر فَافْعَلُوا امر من جهة موسى ﵇ متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به ما تُؤْمَرُونَ اى ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به من ذبح البقرة وحذف الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لحق بالافعال المتعدية الى مفعولين قالُوا كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان الثاني والأمر المكرر فقيل قالوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها من الألوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر قالَ موسى ﵇ بعد المناجاة الى الله تعالى ومجيئ البيان إِنَّهُ الله تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ والصفرة لون بين البياض والسواد وهي الصفرة المعروفة وليس المراد بهاهنا السواد كما في قوله تعالى كأنه جمالة صفر اى سود والتعبير عن السواد بالصفرة لما انها من مقدماته واما لان سواد الإبل يعلوه صفرة فاقِعٌ لَوْنُها مبتدأ وخبر والجملة صفة البقرة والفقوع تصوع الصفرة وخلوصها يقال في التأكيد اصفر فاقع كما يقال اسود حالك وفي اسناده الى اللون مع كونه

стр. 159

من احوال الملون لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيد كأنه قيل صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما في جد جده قيل كانت صفراء الكل حتى القرن والظلف تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها ويفرح قلوبهم لتمام خلقتها ولطافة قرونها واظلافها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع او توقعه وعن على رضى الله تعالى عنه من لبس نعلا صفراء قل همه لان الله تعالى يقول تسر الناظرين ونهى ابن الزبير ومحمد بن كثير عن لباس النعال السود لانها تهم وذكر ان الخف الأحمر خف فرعون والخف الأبيض خف وزيره هامان والخف الأسود خف العلماء وروى ان خف النبي ﵇ كان اسود قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة هي أم عاملة وفي الكشاف هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها والاستقصاء شؤم وعن عمر بن عبد العزيز إذا امرتك ان تعطى فلانا شاة سألتنى أضائن أم ماعز فان بينت لك قلت أذكر أم أنثى فان أخبرتك قلت اسوداء أم بيضاء فاذا امرتك بشئ فلا تراجعنى وفي الحديث (أعظم الناس جرما من سأل عن شىء لم يحرم فحرم لاجل مسألته) إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اى جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا ايها نذبح فذكر البقر لارادة الجنس او لان كل جمع حروفه اقل من واحده جاز تذكيره وتأنيثه وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ الى البقرة المراد ذبحها وفي الحديث (لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الابد) قالَ موسى إِنَّهُ تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ مذللة ذللها العمل يقال دابة ذلول بينة الذل بالكسر وهو خلاف الصعوبة وهو صفة لبقرة بمعنى غير ذلول ولم يقل ذلولة لان فعولا إذا كان وصفا لم تدخله الهاء كصبور تُثِيرُ الْأَرْضَ اى تقلبها للزراعة وهي صفة ذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ اى ليست بسانية يسقى عليها بالسواقي ولا الاولى للنفى والثانية مزيدة لتوكيد الاولى لان المعنى لا ذلول تثير وتسقى على ان الفعلين صفتان لذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة وساقية كذا في الكشاف قال الامام ابو منصور ﵀ دلت الآية على ان البقرة كانت ذكرا لان اثارة الأرض وسقى الحرث من عمل الثيران واما الكنايات الراجعة إليها على التأنيث فللفظها كما في قوله وقالت طائفة فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لابى يوسف الا ان يكون اهل ذلك الزمان يحرثون بالأنثى كما يحرث اهل هذا الزمان بالذكر مُسَلَّمَةٌ اى سلمها الله من العيوب او معفاة من العمل سلمها أهلها منه او مخلصة اللون من سلم له كذا إذا خلص له لم يشب صفرتها شىء من الألوان ويؤيده قوله تعالى لا شِيَةَ فِيها يخالف لون جلدها فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها والأصل وشية كالعدة والصفة والزنة أصلها وعد ووصف ووزن واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال ألوان الغزل في نسجه قالُوا عند ما سمعوا هذه النعوت الْآنَ اى هذا الوقت بنى لتضمنه معنى الاشارة جِئْتَ بِالْحَقِّ اى بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال فى أمرها فَذَبَحُوها الفاء فصيحة اى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها بان وجدوها مع الفتى فاشتروها بملئ مسكها ذهبا فذبحوها وَما كادُوا اى وما قربوا يَفْعَلُونَ والجملة حال من ضمير ذبحوا اى فذبحوها والحال انهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه تلخيصه

стр. 160

ذبحوها بعد توقف وبطئ قيل مضى من أول الأمر الى الامتثال أربعون سنة فعلى العاقل ان يسارع الى الامتثال وترك التفحص عن حقيقة الحال فان قضية التوحيد تستدعى ذلك: قال في المثنوى تا خيال دوست در اسرار ماست ... چاكرى وجان سپارى كار ماست وفي الحكم العطائية اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا بالاستسلام لقهره وذلك يقتضى وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وان ألم بها فلا تصدر منه وإذا صدرت منه فلا يصر عليها إذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع فيه فالعصمة للانبياء والحفظ للاولياء فقوله الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الإصرار وهذا ايمان محض وفي التأويلات النجمية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً اشارة الى ذبح بقرة النفس البهيمية فان في ذبحها حياة القلب الروحاني وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي ﵇ يشير اليه بقوله (رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر) وبقوله (المجاهد من جاهد نفسه) وقوله ﵇ (موتوا قبل ان تموتوا) أشار الى هذا المعنى قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً اى أتستهزئ بنا في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذى همة سنية قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الذين يظنون ان ذبح النفس امر هين ويستعد له كل تابع الهوى او عابد الدنيا قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اى يعين أي بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فاشار الى بقرة نفس لا فارِضٌ فى سن الشيخوخة تعجز عن سلوك الطريق لضعف المشيب وخلل القوى النفسانية كما قال بعض المشايخ الصوفي بعد الأربعين فارض وَلا بِكْرٌ فى سن شرح الشباب فانه يستهويه سكره عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ اى عند كمال العقل قال تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ فانكم ان تقربتم الى الله بما أمرتم فان الله يتقرب إليكم بما وعدتم وانه لا يضيع اجر من احسن عملا فى الشيب والشباب قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها يعنى ما لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ اشارة الى صفرة وجوه ارباب الرياضات وسيما اصحاب المجاهدات في طلب المشاهدات فاقِعٌ لَوْنُها يعنى صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين تَسُرُّ النَّاظِرِينَ من نظر إليهم يشاهد في غرتهم بهاء قد ألبس من اثر الطاعات ويطالع من طلعتهم آثار شواهد الغيب من خمود الشهوات حتى أمن من احوال البشرية بوجدان آثار الربوية كقوله تعالى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اشارة الى كثرة تشبه البطالين بزى الطالبين وكسوتهم وهيئتهم وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ الى الصادق منهم فالاهتداء إليهم يتعلق بمشيئة الله وبدلالته كما كان حال موسى والخضر ﵉ فلو لم يدل الله موسى لما وجده وقوله إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ اشارة الى نفس الطالب الصادق وهي التي لا تحمل الذلة تثير بآلة الحرص علو ارض الدنيا لطلب زخارفها وتتبع هوى النفس وشهواتها كما قال ﵊ (عز من قنع ذل من طمع) وقال (ليس للمؤمن ان يذل نفسه) وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ اى حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الحق فيصرف في حرث الدنيا

стр. 161

فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها اى نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لاحكام ربها ليس منها طلب غير الله ولا مقصد لها الا الله كما وصفهم الله تعالى بقوله لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الى قوله إِلْحافاً فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يشير الى ان ذبح النفس ليس من الطبيعة الانسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل الله تعالى وحسن توفيقه فاما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لانه أول القصة اى وإذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه ان يدعو الله تعالى فقال موسى ان الله يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لان الغرض انما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل وأضيف القتل الى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل أولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذي بوجوده تنتفى الحياة والمعنى واذكروا يا بنى إسرائيل وقت قتل اسلافكم نفسا محرمة وهي عاميل بن شراحيل فَادَّارَأْتُمْ فِيها أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع اى تدافعتم وتخاصمتم في شأنها إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر اى يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ اى مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من امر القتل لا يتركه مكتوما مستورا فان قلت كيف اعمل مخرج وهو في معنى المضي قلت قد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارئ كما حكى الحاضر في قوله باسِطٌ ذِراعَيْهِ فَقُلْنا عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض اضْرِبُوهُ اى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان بِبَعْضِها اى ببعض البقرة أي بعض كان او بلسانها لانه آلة الكلام او بعجب الذنب لانه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق او بغير ذلك من الأعضاء والبعض اقل من النصف والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة قوله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى - روى- انه لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان وفلان لا بنى عمه ثم سقط ميتا فاخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم ان موسى ﵇ أمرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب الى السحر او الحيلة كَذلِكَ على ارادة القول اى فضربوه فحيى وقلنا كذلك فالخطاب في كذلك للحاضرين عند حياة القتيل اى مثل ذلك الاحياء العجيب يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى يوم القيامة فان قلت ان بنى إسرائيل كانوا مقرين بالبعث فما معنى إلزامهم بقوله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى قلت كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وإيقانا وهو كقول ابراهيم ﵇ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويجور ان يكون الخطاب لمنكرى البعث في زمان النبي ﵇ والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ الى تقدير القول بل تنتهى الحكاية عند قوله تعالى ببعضها وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائله الدالة على انه تعالى على كل شىء قدير لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقال عقلت نفسى عن كذا اى منعتها منه اى لكى تكمل عقولهم وتعلموا ان من قدر على احياء نفس واحدة قدر على احياء الأنفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به ولعل الحكمة في اشتراط ما اشترط في الاحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته

стр. 162

على احيائه ابتداء بلا واسطة أصلا لاشتماله على التقرب الى الله تعالى وأداء الواجب ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى والشفقة على الأولاد ونفع بر الوالد وان من حق الطالب ان يقدم قربة ومن حق المتقرب ان يتحرى الأحسن ويغالى بثمنه كما يروى عن عمر رضى الله عنه انه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وان المؤثر هو الله تعالى وانما الأسباب امارات لا تأثير لها لان الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل ان يتولد منهما حياة وان من رام ان يعرف أعدى عدوه الساعي في اماتته الموت الحقيقي فطريقه ان يذبح بقرة نفسه التي هي قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبى ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا مسلمة من دنسها لا شية بها من قبائحها بحيث يتصل اثره الى نفسه فيحيى به حياة طيبة ويعرف ما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارئ والجدال قال بعض اهل المعرفة في قوله فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى انما جعل الله احياء المقتول في ذبح البقرة تنبيها لعبيده ان من أراد منهم احياء قلبه لم يتأت له الا باماتة نفسه فمن أماتها بانواع الرياضات احيى الله قلبه بانوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيى بالحقيقة وكما ان لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام بإذن الله وقال قتلنى فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول وما أبرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء: قال السعدي نميتازد اين نفس سركش چنان ... كه عقلش تواند كرفتن عنان تو بر كره توسنى در كمر ... نكر تا نپيچد ز حكم تو سر اگر پالهنك از كفت در كسيخت ... تن خويشتن كشت وخون تو ريخت فيجب علينا غاية الوجوب ان نتقيد بإحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية وإصلاح قلوبنا بالإصلاح الحقيقي واخلاص اعمالنا بالإخلاص الحقيقي فان المنظر الإلهي انما هو القلوب والأعمال لا القصور والأموال كما ورد في الحديث (ان الله لا ينظر الى صوركم وأحوالكم بل الى قلوبكم وأعمالكم) فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسى نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك الا العالمون وما يعلمه الا الكاملون: قال السعدي شخصم بچشم عالميان خوب منظرست ... وز خبث باطنم سر خجلت فتاده پيش طاوس را بنقش ونكارى كه هست خلق ... تحسين كنند او حجل از پاى زشت خويش وقد سئل بعض المشايخ عن الإسلام فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها قال السرى السقطي ان نفسى تطالبنى مدة ثلاثين سنة او أربعين سنة ان اغمس جوزة في دبس فما أطعمتها وريئى رجل جالس في الهواء فقيل له بم نلت هذا قال تركت الهوى فسخر لى الهواء وقيل لبعضهم انى أريد ان أحج على التجريد فقال جرد اولا قلبك من السهو ونفسك عن اللهو ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ خطاب لاهل عصر

стр. 163

النبي ﵇ من الأحبار وثم لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه ثم أنتم تمترون والقسوة والقساوة عبارة عن الغلظ والصلابة كما في الحجر وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وان المواعظ لا تؤثر فيها مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد سماع ما ذكر من احياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وغيرها من الآيات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور فَهِيَ اى القلوب كَالْحِجارَةِ اى مثل الحجارة في شدتها وقسوتها والفاء لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه كقولك احمر خده فهو كالورد أَوْ أَشَدُّ منها قَسْوَةً تمييز وأو بمعنى بل او للتخيير اى ان شئتم فاجعلوها أشد منها كالحديد فانتم مصيبون وانما لم تحمل على أصلها وهو الشك والتردد لما ان ذلك محال على علام الغيوب فان قلت لم قيل أشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب قلت لكونه أبين وادل على فرط القسوة من لفظ أقسى لان دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة في معنى الشدة بخلاف لفظ الاقسى فان دلالته على الشدة والزيادة في القسوة بالهيئة فقط ووجه حكمة ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة وتشبيهها بها دون غيرها من الأشياء الصلبة من الحديد والصفر وغيرهما لان الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين كما لان لداود ﵇ وكذا الصفر حتى يضرب منها الأواني والحجر لا يلينه نار ولا شىء فلذلك شبه قلب الكافر بها وهذا والله اعلم في حق قوم علم الله انهم لا يؤمنون وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ بيان لفضل قلوبهم على الحجارة من شدة القسوة وتقرير لقوله او أشد قسوة ومن الحجارة خبران والاسم قوله لَما واللام للتأكيد اى الحجر يَتَفَجَّرُ اى يتفتح بكثرة وسعة مِنْهُ راجع الى ما الْأَنْهارُ جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجارى الماء والمعنى وان من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير اى يتصبب وَإِنَّ مِنْها اى من الحجارة لَما يَشَّقَّقُ أصله يتشقق اى يتصدع والصدع جعل الشيء ذا نواحى فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ اى ينشق انشقاقا بالطول او بالعرض ينبع منه الماء ايضا يعنى العيون دون الأنهار وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ اى يتردى وينزل من أعلى الجبل الى أسفله مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وهي الخوف عن العلم وهنا مجاز عن انقيادها لامر الله وانها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء اليهود لا تنقاد ولا تلين ولا تخشع ولا تفعل ما أمرت به وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ بساه عَمَّا تَعْمَلُونَ اى الذي تعملونه وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة فقلب الكافر أشد في القساوة من الحجارة وانها مع فقد اسباب الفهم والعقل منها وزوال الخطاب عنها تخضع له وتتصدع قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقلب الكافر مع وجود اسباب الفهم والعقل وسعة هيئة القبول لا يخضع ولا يلين قالت المعتزلة خشية الحجر على وجه المثل يعنى لو كان له عقل لفعل ذلك ومذهب اهل السنة ان الحجر وان كان جمادا لكن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه فان لله تعالى علما فى الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية

стр. 164

كما قال جل ذكره وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ فيجب على المرء الايمان به ويحيل علمه الى الله تعالى روى ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى أخاف ان تؤخذ على فيعاقبنى الله بذلك فقال له جبل حراء الى اليّ يا رسول الله وكان النبي ﷺ إذا خطب استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية من فراق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحنت كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد ونزل رسول الله ﵇ فاعتنقها فسكنت: قال في المثنوى آنكه او را نبود از اسرار داد ... كى كند تصديق او ناله جماد وبينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فاخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه اى استخلصها فالتفت اليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تكلم فقال رسول الله ﷺ إنا أو من به وأبو بكر وعمر وعلى هذا إنطاق الله جلود الكفار يوم القيامة وتسبيح الحصى في كفه ﵇ وكلام الشاة المسمومة ومجيىء الشجرتين اليه ﷺ حتى يستتر بهما في قضاء حاجته ثم رجوعهما الى مكانهما وأمثال ذلك كثيرة ذكر الشيخ قطب وقته الهدائى الاسكدارى في واقعاته انه كان يسمع فى أثناء سلوكه من الماء الجاري ذكر يا دائم يا دائم: وفي المثنوى نطق آب ونطق خاك ونطق كل ... هست محسوس حواس اهل دل فلسفى كو منكر حنانه است ... از حواس أوليا بيكانه است هر كرا در دل شك و پيچانيست ... در جهان او فلسفى پنهانيست قال بعض الحكماء معنى قوله ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ يبست ويبس القلب ان ييبس عن ماءين أحدهما ماء خشية الله تعالى والثاني ماء شفقة الخلق وكل قلب لا يكون فيه خشية الله ولا شفقة الخلق فهو كالحجارة او أشد قسوة قال رسول الله ﷺ (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان ابعد الناس من الله القلب القاسي) وقال ايضا (اربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا) والاشارة فى تحقيق الآية ان اليهود وان شاهدوا عظيم الآيات فحين لم تساعدهم العناية لم يزدهم كثرة الآيات الا قسوة على قسوة فان الله أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحسن ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيحجزهم عن التكذيب والإنكار يدل عليه قوله تعالى وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ وهكذا حال بعض الممكورين حين يشرعون في الرياضات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات فاذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييدات الالهية لم يزدهم الا العجب والغرور واكثر ما يقع هذا للرهابين والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون وانما تشبه قلوبهم بالحجارة لعدم اللين الى الذكر الحقيقي وهو ما يتداركه الحق بذكره كقوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ومراتب القلوب في القسوة متفاوتة فبعضها بمرتبة الحجارة التي يتفجر منها الأنهار

стр. 165

وهو قلب يظهر عليه بغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة لخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة وبعضها بمرتبة وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وهو قلب يظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء وبعضها بمرتبة وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض اهل الأديان والملل وهذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم والفرق بينهم ان احوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الايمان فيزيدهم في قربهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلى أنوار الحق كما قال أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وبعض القلوب بمرتبة الحجر القاسي الذي لا يؤثر فيه القرآن والاخبار والحكمة والموعظة وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق فانه قلب مختوم عليه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيجازيكم عاجلا وآجلا فاما عاجلا بان يجعل انكاركم سبب مزيد قسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع انكاركم قال ﵇ (ما من قلب الا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن فان شاء اقامه وان شاء ازاغه) واما آجلا فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيآت أعمالكم كذا في التأويلات النجمية أَفَتَطْمَعُونَ كان ﵇ شديد الحرص على الدعاء الى الحق وقبولهم الايمان منه وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم فقص الله عليه اخبار بنى إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من اهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة والخطاب للنبى ﵊ وأصحابه والهمزة لانكار الواقع واستبعاده كما في قولك أتضرب أباك لا لانكار الوقوع كما في قولهء اضرب ابى والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أتسمعون اخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون ومآل المعنى أبعد ان علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة منهم فتطمعون فى أَنْ يُؤْمِنُوا جميع اليهود او علماؤهم فانهم متماثلون في شدة الشكيمة والأخلاق الذميمة لا يتأتى من اخلاقهم الأمثل ما أتى من أسلافهم فلا تحزنوا على تكذيبهم واللام في لَكُمْ لتضمين معنى الاستجابة اى في ايمانهم مستحيبين لكم او للتعليل اى في ان يحدثوا الايمان لأجل دعوتكم وَالحال قَدْ كانَ فَرِيقٌ كائن مِنْهُمْ اى طائفة ممن سلف منهم والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وهو ما يتلونه من التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ اى يغيرون ما فيها من الاحكام كتغييرهم صفة محمد ﷺ وآية الرجم وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما امر به ونهى ثم قالوا سمعنا الله يقول في آخره ان استطعتم ان تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وان شئتم ان لا تفعلوا فلا بأس قال في التيسير الصحيح انهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطة فان ذلك كان لموسى على الخصوص لم يشركه فيه غيره في الدنيا ومعنى يسمعون كلام الله اى التوراة من موسى بقراءته مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ اى من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم يبق لهم شبهة في صحته يقول كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلدون أولئك الآباء فهم من اهل السوء الذين مضوا بالعناد فلا تطعموا في الايمان

стр. 166

منهم وَهُمْ يَعْلَمُونَ اى يحرفونه والحال انهم يعلمون انهم كاذبون مفترون وَإِذا لَقُوا اى اليهود الَّذِينَ آمَنُوا من اصحاب النبي ﵇ قالُوا اى منافقوهم آمَنَّا كايمانكم وان محمدا هو الرسول المبشر به وَإِذا خَلا مضى ورجع بَعْضُهُمْ الذين لم ينافقوا اى إذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين إِلى بَعْضٍ اى الى الذين نافقوا بحيث لم يبق معهم غيرهم قالُوا اى الساكتون عاتبين لمنافقيهم على ما صنعوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ تخبرونهم والاستفهام بمعنى النهى اى لا تحدثوهم يعنون المؤمنين بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اى بينه الله لكم خاصة في التوراة من نعت النبي ﵇ والتعبير عنه بالفتح للايذان بانه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه أحد لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ اللام متعلقة بالتحديث دون الفتح والضمير في به لما فتح الله اى ليحتجوا عليكم به فيقطعوكم بالحجة ويبكتوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ اى في حكمه وكتابه كما يقال هو عند الله كذا اى في كتابه وشرعه والمحدثون به وان لم يحوموا حول ذلك الغرض وهو المحاجة لكن فعلهم ذلك لما كان مستتبعا له البتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور إظهارا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم أَفَلا تَعْقِلُونَ متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب اى ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش وهو ان ذلك حجة لهم عليكم فالمنكر عدم التعقل ابتداء او أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل أَوَلا يَعْلَمُونَ الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر ينساق اليه الذهن والضمير للموبخين اى أيلومونهم على التحديث مخافة المحاجة ولا يعلمون أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ اى جميع ما يسرونه وما يعلنونه ومن ذلك أسرارهم الكفر واعلانهم الايمان فحينئذ يظهر الله للمؤمنين ما أرادوا إخفاءه بواسطة الوحى الى النبي ﵇ فتحصل المحاجة والتبكيت كما وقع في آية الرجم وتحريم بعض المحرمات عليهم فأى فائدة في اللوم والعتاب وَمِنْهُمْ اى من اليهود أُمِّيُّونَ لا يحسنون الكتب ولا يقدرون على القراءة والأمي منسوب الى امة العرب وهي الامة الخالية عن العلم والقراءة فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ اى لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة فيؤمنوا إِلَّا أَمانِيَّ جمع امنية من التمني والاستثناء منقطع لانها ليست من جنس الكتب اى لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهي المفتريات من تغيير صفة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وانهم لا يعذبون في النار الا أياما معدودة وان آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وان الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة لهم في صحة ذلك وَإِنْ هُمْ اى ما هم إِلَّا يَظُنُّونَ ظنا من غير تيقن بها اى ما هم الا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من غيران يصلوا الى مرتبة العلم فانى يرجى منهم الايمان المؤسس على قواعد اليقين فَوَيْلٌ كلمة يقولها كل واقع فيه لكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب اى عقوبة عظيمة وهو مبتدأ خبره ما بعده قال رسول الله ﷺ (الويل واد في جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره) وقال سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه انه واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره اى ذابت لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ المحرف

стр. 167

بِأَيْدِيهِمْ تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول انسان كتبت الى فلان إذا امر غيره ان يكتب عنه اليه ثُمَّ يَقُولُونَ لعوامهم هذا اى المحرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فى التوراة روى ان أحبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي ﵇ المدينة فاحناوا في تعويق أسافل اليهود عن الايمان فعمدوا الى صفة النبي ﵇ في التوراة وكانت هى فيها حسن الوجه جعد الشعر اكحل العين ربعة اى متوسط القامة فغيروها وكتبوا مكانه طوال ازرق سبط الشعر وهو خلاف الجعد فاذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته ﵇ فيكذبونه لِيَشْتَرُوا بِهِ اى يأخذوا لانفسهم بمقابلة المحرف ثَمَناً هو ما أخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ وانما عبر عن المشترى الذي هو المقصود بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلة فيه إيذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات قَلِيلًا لا يعبأ به انما وصفه بالقلة اما لفنائه وعدم ثوابه واما لكونه حراما لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله كذا في تفسير القرطبي فَوَيْلٌ لَهُمْ اى العقوبة العظيمة ثابتة لهم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من أجل كتابتهم إياه وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من أخذهم الرشوة وعملهم المعاصي واصل الكسب الفعل لجر نفع او دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه وفي الآيات إشارات الاولى ان علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله لا يفيده الايمان الحقيقي الا ان يتداركه الله بفضله ورحمته قال الله تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وان الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وما أفاده الايمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته ولم يبق على الايمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان: قال في المثنوى جز عنايت كه كشايد چشم را ... جز محبت كه نشاند خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد ... در جهان والله اعلم بالسداد جهد فرعونى چوبي توفيق بود ... هر چهـ او مى دوخت آن تفتيق بود والثانية ان العالم المعاند والعامي المقلد سواء في الضلال لان العالم عليه ان يعمل بعلمه وعلى العامي ان لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وان الدين ليس بالتمني فالذين ركنوا الى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم الا قراءتها دون معرفة معانيها وادراك اسرارها وحقائقها وهذا حال اكثر اهل زماننا من مدعى الإسلام فالمدعى والمتمنى عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال: وفي المثنوى تشنه را گر ذوق آيد از سراب ... چون رسد در وى گريزد جويد آب مفلسان گر خوش شوند از زر قلب ... ليك ان رسوا شود در دار ضرب والثالثة ان من بدل أو غير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخل في الوعيد المذكور وقد حذر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمته لما علم ما يكون في آخر الزمان فقال (ألا ان من قبلكم

стр. 168

من اهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وان هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين كلها فى النار الا وحدة) فحذرهم ان يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله او سنته او سنة أصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حذره وشاع وكثر وذاع فانا لله وانا اليه راجعون: قال السعدي نخواهى كه نفرين كنند از پست ... نكو باش تا بد نگويد كست نه هر آدمي زاده از دد بهست ... كه دد ز آدمي زاده بد بهست والرابعة ان بعض المتسمين بالصوفية ينضم الى الأولياء وارباب القلوب ظاهرا ثم لا يصدق الارادة ويميل الى اهل الغفلة ويصغى الى أقوالهم ويشتهى ارتكاب أفعالهم وكلما دعته هواتف الحظوظ سارع الى الاجابة طوعا وإذا قادته دواعى الحق تكلف كرها ليس له اخلاص في الصحبة في طريق الحق فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون من الإلحاد عن الحق واعتقاد السوء وإغراء الخلق واضلالهم فهم الذين ضلوا وأضلوا كثيرا: وفي المثنوى صد هزاران دام ودانه است اى خدا ... ما چومرغان حريص بي نوا دمبدم ما بسته دام تويم ... هر يكى كر باز وسميرغى شويم فعلى السالك ان يجتهد في الوصول الى الموجود الحق ويتخلص من الموهوم المطلق ولا يغتر بظواهر الحالات غافلا عن بطون الاعتبارات فان طريق الحق أدق من كل دقيق وماء عميق وفج سحيق وأجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شك فيها الظن ما عند الناس من صلاحية حاله قال حارث بن اسد المحاسبى رضى الله عنه الراضي بالمدح بالباطل كمن يهزؤ به ويقال ان العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك وهو يفرح ويرضى بالسخرية به فالعاقل لا يغتر بمثله بل يجتهد الى ان يصل الى الحقيقة فويل لواعظ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده ورأى نفسه خيرا من السامعين ويتقيد بالمدح والذم اللهم الا ان يخرج ذلك من قلبه والمعيار مساواة المقبل واللاطم عنده بل رجحان اللاطم والضارب قال في مجلس وعظه جنيد البغدادي لو لم اسمع قوله ﷺ (ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) لما اجترأت على الوعظ فانا ذلك الرجل الفاجر وَقالُوا اى اليهود زعما منهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ اى لا تصل إلينا النار في الآخرة إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قليلة محصورة سبعة ايام فانهم يقولون ان ايام الدنيا سبعة آلاف سنة فنعذب مكان كل الف سنة يوما او يراد أربعين يوما مقدار عبادة آبائهم العجل قال ابو منصور ﵀ تصرف الأيام المعدودة الى العمر الذي عصوا فيه وهم لم يروا التعذيب الأعلى قدر وقت العصيان او كانوا لا يرون التخليد في النار كالجهمى او لانهم كانوا يقولون نحن أبناء الله واحباؤه فلا نعذب ابدا بل نعذب تعذيب الأب ابنه والحبيب حبيبه في وقت قليل ثم يرضى وهذا منهم باطل وعقوبة الكفر ابدا وثواب الايمان كذلك لان من اعتقد دينا انما يعتقده للابد فعلى ذلك جزاؤه للابد قُلْ يا محمد تبكيتا لهم وتوبيخا أَتَّخَذْتُمْ بقطع الهمزة لانه الف استفهام بمعنى التوبيخ والالف المجتلبة ذهبت بالادراج اىء اتخذتم عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً خبرا او وعدا بما تزعمون فان ما تدعون لا يكون الأبناء على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد فَلَنْ الفاء فصيحة معربة عن شرط محذوف اى ان اتخذتم عند الله عهدا وأمانا فلن

стр. 169

يُخْلِفَ اللَّهُ الأخلاف نقض العهد عَهْدَهُ الذي عهده إليكم يعنى ينجز وعده البتة قال الامام ابو منصور لهذان وجهان أحدهما هل عندكم خبر عن الله تعالى انكم لا تعذبون ابدا لكن أياما معدودة فان كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثاني ألكم عند الله اعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده أَمْ تَقُولُونَ مفترين عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وقوعه وأم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي الامرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لان العلم واقع بكون أحدهما تلخيصه ان كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى انهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار يقول لهم خزنة جهنم يا اعداء الله ذهب الاجل وبقي الابد فايقنوا بالخلود بَلى اثبات لما بعد النفي فهو جواب النفي ونعم جواب الإيجاب اى قلتم لن تمسنا النار سوى الأيام المعدودة بلى تمسكم ابدا بدليل قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما مَنْ فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في خبره وان كان جوابا للشرط كَسَبَ الكسب استجلاب النفع واستعماله في استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم سَيِّئَةً من السيئات يعنى كبيرة من الكبائر وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا انما يتحقق في الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر فَأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات واحاطة خطاياهم بهم أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة أَصْحابُ النَّارِ اى ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر أولئك والجملة خبر للمبتدأ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون فأنى لهم التفضى منها بعد سبعة ايام او أربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر وَالَّذِينَ آمَنُوا اى صدقوا بالله تعالى ومحمد ﵇ بقلوبهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يموتون ولا يخرجون منها ابدا جرت السنة الإلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة في ارشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب اخرى والتبشير مرة والانذار اخرى فان باللطف والقهر يترقى الإنسان الى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال- حكى- انه كان لشيخ مريد فقال له يوما لو رأيت أبا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخه الى ابى يزيد البسطامي فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا في طريقه فاذا هو حمل الحطب على اسد عظيم وبيده حية يضرب الأسد بها في بعض الأوقات فلما رآه المريد مات وقال ابو يزيد لشيخه قدر بيت مريدك باللطف ولم ترشده الى طريق القهر فلم يتحمل لما رآنى فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر ايضا قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان أبا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلى الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل: قال في المثنوى

стр. 170

عاشقم بر قهر وبر لطفش بجد ... بو العجب من عاشق اين هر دو ضد والله ار زين خار در بستان شوم ... همچوبلبل زين سبب نالان شوم اين عجب بلبل كه بگشايد دهان ... تا خورد او خار را با كلستان اين چهـ بلبل اين نهنك آتشيست ... جمله ناخوشها ز عشق او را خوشيست والاشارة في الآيات الى ان بعض المغرورين بالعقل من الفلاسفة والطبائعية وغيرهم لفرط غفلتهم ظنوا ان قبائح أعمالهم وأفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم فاذا فارقت الأرواح الأجساد يرجع كل شىء الى أصله فالاجساد ترجع الى العناصر والأرواح الى حظائر القدس ولا يزاحمها شىء من نتائج الأعمال الا أياما معدودة وهذا فاسد لان العاقل يشاهد حسا وعقلا ان تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية يورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحقد والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك وهذه من صفات النفس الامارة بالسوء فتصير بالمجاورة والتعود أخلاق الروح فيتكدر صفاؤه ويتبدل أخلاقه الروحانية من الحلم والكرم والمروءة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية الشيطانية والذي يجتهد في قمع الهوى والشهوات يورث هذه المعاملات من مكارم الأخلاق وصفاء القلب وتحننه الى وطنه الأصلي وغير ذلك فلا يساوى الروح المتبع للنفس الامارة كما للعوام بعد المفارقة مع الروح المتبع لالهامات الحق كما يكون للخواص وبعضهم قالوا وان تدنست الأرواح بقدر تعلقها بمحبوبات طباعها فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عنها وزوال الكدورات ثم تخلص وهذا ايضا خيال فاسد وكذبهم الله بقوله بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته تظهر على مرآة قلبه بقدرها رينا فان تاب محى عنه وان أصر على السيئات حتى إذا أحاط بمرآة قلبه رين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري وخرج منه نور الايمان وضوء الطاعات فاحاطت به الخطيئات فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفيه اشارة ايضا الى بعض ارباب الطلب ممن يركن الى شهوات الدنيا في أثناء الطلب فيتظفر عليه الشيطان ويغره بزهده فيوقعه في ورطة العجب فينظر الى نفسه بنظر التعظيم والى الخلق بنظر التحقير فيهلك او يغتر بما ظهر في أثناء السلوك من بعض الوقائع الصادقة والرؤيا الصالحة وشىء من المشاهدات والمكاشفات الروحانية لا الرحمانية فيظن المغرور ان ليس وراء عبادته قربة وانه بلغ مبلغ الرجال فيسكت عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فرجع القهقرى الى أسفل الطبيعة واما الذين آمنوا من اهل الطلب وَعَمِلُوا على قانون الشريعة باشارة شيخ الطريقة الصالحات المبلغات الى الحقيقة أولئك اصحاب الوصول الى جنات الأصول خالدين فيها بالسير الى ابد الآباد فان المنازل والمقاصد وان كانت متناهية لكن السير في المقصد غير متناه بخلاف الذين أحاطت بهم خطيئتهم فانهم خالدون في نار القطيعة ولن تنفعهم المجاهدات والنظر في المعقولات والاستدلال بالشبهات وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فى التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة وإذ نصب بإضمار فعل خوطب به النبي ﵇ والمؤمنون ليؤديهم التأمل في أحوالهم الى قطع الطمع عن ايمان اخلافهم

стр. 171

لان قبائح أسلافهم مما تؤدى الى عدم ايمانهم ولا يلد الحية الا الحية ومن هاهنا قيل إذا طاب اصل المرء طابت فروعه او اليهود الموجودون في عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم اى اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم بان لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ اى ان لا تعبدوا فلما أسقط ان رفع تعبدون لزوال الناصب او على ان يكون اخبارا في معنى النهى كما تقول تذهب الى فلان تقول له كذا تريد به الأمر اى اذهب وهو ابلغ من صريح الأمر والنهى لما فيه من إيهام ان المنهي حقه ان يسارع الى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهي اى لا توحدوا الا الله ولا تجعلوا الالوهية الا لله وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل واحلفناهم وقلنا بالله لا تعبدون الا الله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اى وتحسنون إحسانا على لفظ تعبدون لانه اخبار او وأحسنوا على معناه لانه إنشاء اى برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف امر الله وَذِي الْقُرْبى اى وتحسنون الى ذى القرابة ايضا مصدر كالحسنى وَالْيَتامى جمع يتيم وهو الصغير الذي مات أبوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذي ماتت امه والإحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع وَالْمَساكِينِ بحسن القول وإيصال الصدقة إليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر اسكنه عن الحراك اى الحركة وأثقله عن التقلب وَقلنا قُولُوا لِلنَّاسِ قولا حُسْناً سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه امر بالإحسان بالمال في حق أقوام مخصوصين وهم الوالدان والأقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل امر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذي لا يعجز عنه العاقل يعنى وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وأمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر اى وقولوا للناس صدقا وحقا في شأن محمد ﵇ فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا امره وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ كما فرضا عليهم في شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما في العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه أخذنا عهدكم يا بنى إسرائيل بجميع المذكور فقبلتم وأقبلتم عليه ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ على طريقة الالتفات اى أعرضتم عن المضي على مقتضى الميثاق ورفضتموه إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وهم من الاسلاف من اقام اليهودية على وجهها ومن الأخلاف من اسلم كعبد الله بن سلام واضرابه وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ جملة تذييلية اى وأنتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولي والاعراض فالجملة اعتراض للتأكيد فى التوبيخ واصل الاعراض الذهاب عن المواجهة والإقبال الى جانب العرض واعلم ان في الآية عدة أشياء منها العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لا حظ خلقا او استحلى ثناء او استجلب بطاعته الى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة او داخله بوجه من الوجوه مزج او شوب فهو ساقط عن مرتبة الإخلاص برؤية نفسه حجاب راه تويى حافظ از ميان برخيز ... خوشا كسى كه ازين راه بى حجاب رود ومنها الإحسان الى الوالدين وقد عظم الله حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما في آيات من القرآن لان النشأة الاولى من عند الله والنشأة الثانية وهي التربية من جهة الوالدين ويقال ثلاث

стр. 172

آيات أنزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل إحداها بغير قرينتها إحداها قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ والثانية أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ والثالثة أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ والإحسان الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال الى أمرهما وصلة اهل ودّهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما: قال السعدي سالها بر تو بگذرد كه كذر ... نكنى سوى تربت پدرت تو بجاى پدر چهـ كردى خير ... تا همان چشم دارى از پسرت وفي التأويلات النجمية ان في قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اشارة الى ان أعز الخلق على الولد والداه لاجل انهما سببا وجوده في الظاهر ولكن ينبغى ان يحسن إليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه إذ هو موجد وجوده ووجود والديه في الحقيقة ولا يختار على أداء عبوديته احسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما ومنها البر الى اليتامى برحمت بكن آبش از ديده پاك ... بشفقت بيفشانش از چهره خاك وفي الحديث (ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فلا يقرب قصعتهم الشيطان) وفي الحديث ايضا (من ضم يتيما من بين مسلمين الى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ومن اذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه) قالوا وما كريمتاه قال (عيناه ومن كان له ثلاث بنات او ثلاث أخوات فانفق عليهن واحسن إليهن حتى يكبرن او يمتن غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر) فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال يا رسول الله او اثنتان فقال ﷺ (او اثنتان) وقال ﷺ (كافل اليتيم انا وهو كهاتين في الجنة) وأشار بالسبابة والوسطى والسبابة من الأصابع هى التي تلى الإبهام وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة لانهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها بالمشيرة لانهم كانوا يشيرون بها الى الله بالتوحيد والمشيرة من أصابع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كانت أطول من الوسطى ثم الوسطى اقصر منها ثم البنصر اقصر من الوسطى فقوله ﵇ (انا وهو كهاتين في الجنة) وقوله في الحديث الآخر (احشر انا وابو بكر وعمر يوم القيامة هكذا) وأشار بأصابعه الثلاث فانما أراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلة رفيعة فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله ﷺ حمل تأويل الحديث على الانضمام واقتراب بعضهم من بعض في محل القربة وهذا معنى بعيد لان منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة كذا في تفسير القرطبي ومنها البر الى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وذللتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد احوال المساكين والضعفاء وفي الحديث (الساعي على الارملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) وكان طاووس يرى السعى على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله نخواهى كه باشى پراكنده دل ... پراكندگان را ز خاطر مهل پريشان كن امروز كنجينه چست ... كه فردا كليدش نه در دست تست

стр. 173

ومنها القول الحسن ولما خرج الطالب من عهدة حق العبودية وعمت رحمته وشفقته الوالدين وغيرهما لزم له ان يقول للناس حسنا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى الله ويهديهم الى طريق الحق ويخالقهم بحسن الخلق وان يكون قوله لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع من غير مداهنة ومن غير ان يتكلم معه بكلام يظن انه يرضى مذهبه لان الله تعالى قال لموسى وهارون ﵉ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس باخس من فرعون وقد أمرهما الله باللين معه فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفى: قال الحافظ آسايش دو كيتى تفسير اين دو حرفست ... با دوستان تلطف با دشمنان مدارا وقال السعدي درشتى نكيرد خردمند پيش ... نه سستى كه ناقص كند قدر خويش وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ اى واذكروا ايها اليهود وقت أخذنا إقراركم وعهدكم في التوراة وقلنا لكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ لا يريق بعضكم دم بعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا او دينا فلما بينهم من الاتصال القوى نسبا ودينا اجرى كل واحد منهم مجرى أنفسهم وقيل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لانه يقتص منه وهو اخبار في معنى النهى كانه سورع الى الانتهاء فهو يخبر عنه وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره او لا تسبوا جيرانكم فتلجئوهم الى الخروج وفي اقتران الإخراج من الديار بالقتل إيذان بانه بمنزلة القتل ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ اى بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وبوجوب المحافظة عليه وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عليها توكيد للاقرار كقولك فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها او أنتم اليوم ايها اليهود تشهدون على اقرار اسلافكم بهذا الميثاق ثُمَّ أَنْتُمْ مبتدأ هؤُلاءِ خبر ومناط الافادة اختلاف الصفات المنزل منزلة اختلاف الذات كما تقول رجعت بغير الوجه الذي خرجت به والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون والناقضون المتناقضون يعنى انكم قوم آخرون غير أولئك المقرين كأنهم قالوا كيف نحن فقيل تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ اى الجارين مجرى أنفسكم فهو بيان لقوله ثم أنتم هؤلاء وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ الضمير للفريق وهو الطائفة تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بحذف احدى التاءين حال من فاعل تخرجون او من مفعوله مبينة لكيفية الإخراج رافعة لتوهم اختصاص الحرمة بالإخراج بطريق الاصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعنى تقوون ظهوركم للغلبة عليهم بِالْإِثْمِ حال من فاعل تظاهرون اى ملتبسين بالإثم وهو الفعل الذي يستحق فاعله الدم واللوم وَالْعُدْوانِ اى التجاوز في الظلم ودلت الآية على ان الظلم كما هو محرم فكذا اعانة الظالم على ظلمه كذا في التفسير الكبير وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى اى جاؤكم حال كونهم مأسورين اى ظهروا لكم على هذه الحالة ولم يرد به الإتيان الاختياري والأسارى والأسرى جمع أسير وهو من يؤخذ قهرا فعيل بمعنى المفعول من الاسر بمعنى الشد والايثاق والفرق انهم إذا قيدوا فهم أسارى وإذا حصلوا في اليد من غير

стр. 174

قيد فهم اسرى تُفادُوهُمْ اى تخرجوهم من الاسر بإعطاء الفداء والمفاداة تجرى بين الفادي وبين قابل الفداء وَهُوَ مبتدأ اى الشان مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرا عن إخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك ان الله تعالى أخذ على بنى إسرائيل في التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد او امة وجدتموه من بنى إسرائيل فاشتروه وأعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود أخوين وكذا الأوس والخزرج وهم اهل شرك يعبدون الأصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا في حرب شمر ووقعت بينهم عداوة فكانت بنو قريظة معينة للاوس وحلفاءهم اى ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الأوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على إخوانهم حتى يتسافكوا الدماء وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها وبايديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم ومالهم فاذا وضعت الحرب أوزارها افتدى قريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان في أيدي الأوس منهم من الأسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا أمرنا ان نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه أعرضتم عن الكل الا الفداء لان الله تعالى أخذ عليهم اربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة عليهم مع أعداهم وفداء أساراهم فاعرضوا عن الكل الا الفداء أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو الفداء والهمزة للانكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هو حرمة القتال والإخراج مع ان قضية الايمان ببعضه الايمان بالباقي لكون الكل من عند الله داخلا في الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ايمانهم بالبعض فَما جَزاءُ نفى اى ليس جزاء مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ اى الكفر ببعض الكتاب مع الايمان بالبعض مِنْكُمْ يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل إِلَّا خِزْيٌ استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ اى ذل وهو ان مع الفضيحة وهو قتل بنى قريضة واسرهم واجلاء بنى النضير الى أذرعات وأريحا من الشام وقيل هو أخذ الجزية فِي الْحَياةِ الدُّنْيا صفة خزى ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع اطماعهم الفارغة من ثمرات ايمانهم ببعض الكتاب واظهار انه لا اثر له أصلا مع الكفر بالبعض وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يوم تقام فيه الاجزية يُرَدُّونَ اى يرجعون والرد الرجع بعد الاخذ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ هو التعذيب في جهنم وهو أشد من خزيهم في الدنيا وأشد من كل عذاب كان قبله فانه ينقطع وهذا لا ينقطع وفي الحديث (فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة) وانما كان أشد لما ان معصيتهم كانت أشد المعاصي: وفي المثنوى هر كه ظالم تر چهش باهول تر ... عدل فرموده است بدتر را بتر وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ بساه عَمَّا تَعْمَلُونَ من القبائح التي من جملتها هذا المنكر اى لا يخفى عليه شىء من أعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة

стр. 175

عظيمة على الطاعة لان الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع انه اقدر القادرين وصلت الحقوق الى مستحقيها أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا واستبدلوها بِالْآخِرَةِ واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فان ما ذكر من الكفر ببعض احكام الكتاب انما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ دنيويا كان او أخرويا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة او جبر اعلم ان الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيتهما شاء وأراد فاذا اشتغل بتحصيل إحداهما فقد فوت الاخرى على نفسه فجعل الله ما اعرض اليهود عنه من الايمان بما في كتابهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من الله نهاية الذم لهم لان المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم فان يدم مشترى الدنيا بالآخرة اولى فعلى العاقل ان يرغب في تجارة الآخرة ولا يركن الى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التي كان عليها في اصل الفطرة فانه إذا يضل ويشقى وفي قوله لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ اشارة اخرى الى ان العبد ولا يجوز له ان يقتل نفسه من جهد او بلاء يصيبه او يهيم في الصحراء ولا يأتى البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه فهو عام في جميع ذلك وقد روى ان بعض الصحابة رضى الله عنهم عزموا ان يلبسوا المسوح وان يهيموا في الصحراء ولا يأووا الى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال ﵇ (انى أصلي وأنام وأصوم وأفطر واغشى النساء وآوى الى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى) فرجعوا عما عزموا قال تعالى وآت كل ذى حق حقه فالكمال في التجاوز عن القيود والوصول الى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير الله في المرايا والمظاهر فمن أي شىء يهرب والى ابن يهرب فاينما تولوا فثم وجه الله ولذا قيل الذي يطلب العلم لله إذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفي الحقوق مشتغلا به لله مخلصا له النية فلم ير أفضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك واعلم ايضا ان الأسارى اصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فانقاذه بالدلالة على الهدى ومن أسير في قيد حب الدنيا فخلاصة بإخلاص ذكر الموت: وفي المثنوى ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز ... چشم نركس را ازين كركس بدوز ومن أسير بقي في قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده الى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن أسير تجده في اسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك اسره في إرشاده الى اقلاعها ومن أسير تجده في اسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في الدلالة على الحق فيما يحل عنه وثاق الكون ومن أسير نجده في قبضة الحق فليس لاسيرهم فداء ولا لقتيلهم قود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا إليهم لغيرهم سبيل ولالديهم الا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الأولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل الى مقام فؤاده

стр. 176

وتخلص من الخزي الذي هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه في تيه الباطل في الدنيا والآخرة: قال في المثنوى اصل صد يوسف جمال ذو الجلال ... اى كم از زن شو فداى آن جمال «١» اصل بيند ديده چون أكمل بود ... فرع بيند چونكه مرد أحول بود «٢» سرمه توحيد از كحال حال ... يافته رسته ز علت واعتلال ولا بد من العشق في طريق الحق- وحكى- ان عجوزا أحضرت السوق قطعة غزل وقالت اكتبونى من مشترى يوسف حتى يوجد اسمى في دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك وَلَقَدْ آتَيْنا اى بالله لقد أعطينا يا بنى إسرائيل مُوسَى لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى الآية الْكِتابَ اى التوراة جملة واحدة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ يقال قفاه به إذا اتبعه إياه اى اتبعنا من بعد موسى رسولا بعد رسول مقتفين اثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وشيعا وارميا وعزير وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ﵈ وَآتَيْنا عِيسَى بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والأصح انه لا اشتقاق له ولأمثاله فى العربية ابْنَ بإثبات الالف وان كان واقعا بين العلمين لندرة الاضافة الى الام مَرْيَمَ بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها أمها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى في كتابه الكريم مع الأنبياء ﵈ سبع مرات وخاطبها كما خوطب الأنبياء كما قال تعالى يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ فشاركها مع الرجال الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات من احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والاخبار بالمغيبات والإنجيل وَأَيَّدْناهُ اى قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ من اضافة الموصوف الى الصفة اى بالروح المقدسة المطهرة وهي روح عيسى ﵇ وصفت بالقدس للكرامة لان القدس هو الله تعالى او الروح جبريل ووصف بالطهارة لانه لم يقترف ذنبا وسمى روحا لانه كان يأتى الأنبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به انه عصمه من أول حاله الى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه الى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصفه بايتاء البينات والتأييد بروح القدس لما ان بعثتهم كانت لتنفيذ احكام التوراة وتقريرها واما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من أحكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل فى حقه ببيان حقيقته واظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى اربعة آلاف نبى وقيل سبعون الف نبى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ خاطب اهل عصر النبي ﵇ بهذا وقد فعله أسلافهم يعنى لم يوجد منهم القتل ان وجد الاستكبار لانهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام اى ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى اى لا تريد أَنْفُسُكُمُ ولا يوافق هواكم من الحق الذي لا انحراف عنه اسْتَكْبَرْتُمْ اى تعظمتم عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله فَفَرِيقاً منهم كَذَّبْتُمْ كعيسى ومحمد ﵉ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى وغيرهما ﵈ وقدم فريقا في الموضعين

стр. 177

للاهتمام وتشويق السامع الى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وان أريد الماضي تفظيعا لهذه الحالة فكأنها وان مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم او يراد وفريقا تقتلونهم بعد وانكم على هذه النية لانكم حاولتم قتل محمد ﵊ لولا انى اعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة حتى قال ﵇ عند موته (ما زالت أكلة خيبر تعاودنى) اى يراجعنى اثر سمها في اوقات معدودة (فهذا او ان قطعت أبهري) وهو عرق منبسط في القلب إذا انقطع مات صاحبه وقصته انه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز أهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله (انى سائلكم عن شىء فهل أنتم صادقى فيه) قالوا نعم يا أبا القاسم قال (هل جعلتم في هذه الشاة سما) قالوا نعم قال (فما حملكم على ذلك) قالوا أردنا ان كنت كاذبا ان نستريح منك وان كنت صادقا لم يضرك واعلم ان اليهود انفوا من ان يكونوا اتباعا وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة ان تذهب عنهم الرياسة فمادام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالايمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم ايضا أبواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد اغلق سبعة أبواب جهنم ودخل الجنة واوصى ابراهيم بن أدهم بعض أصحابه فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فان الرأس يهلك والذنب يسلم: قال في المثنوى تا توانى بنده شو سلطان مباش ... زخم كش چون گوى شو چوگان مباش «١» اشتهار خلق بند محكمست ... در ره اين از بند آهن كى كم است «٢» وعن بعض المشايخ النقشبندية انه قال دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشنى للعيادة فوجدته متغير الحال بسبب انه داخله شىء من حب الرياسة لانه كان مشهورا في بلدة تبريز مرجعا للاكابر والا صاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور وفي شرح الحكم ادفن وجودك اى ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم او عمل او حال في ارض الحمول التي هي أحد ثلاثة امور أحدها ان ترى ما جبلت عليه من النقص فلا تعتد بشئ يظهر منك لعلمك بدسائسك وخباثة نفسك الثاني ان تنظر إليك من حيث أنت فلا ترى لائقابك الا النقص وتنظر الى مولاك فتراه أهلا لكل كمال فكل ما يصدر لك من احسان نسبته اليه اعتبارا بما أنت عليه من خمول الوصف الثالث ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه إذ كما لا يصح دفن الزرع في ارض رديئة لا يجوز الخمول في حالة غير مرضية وَقالُوا اى اليهود الموجودون في عصر النبي ﵇ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع اغلف مستعار من الأغلف الذي لم يختن اى هي مغشاة باغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد ولا تفقهه ثم رد الله ان تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لانها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق واضرب وقال بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وابطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ما مزيدة للمبالغة اى فايمانا قليلا يؤمنون وهو ايمانهم ببعض

стр. 178

الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ كائن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن ووصفه بقوله من عند الله للتشريف مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ اى موافق للتوراة فى التوحيد وبعض الشرائع قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ أكثرها وَكانُوا مِنْ قَبْلُ اى قبل مجئ محمد ﷺ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث فى آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لاعدائهم قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير ان يتخلل بينهما مدة منسية كَفَرُوا بِهِ حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الاولى والثانية تكرير للاولى فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على ان اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة في حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الإطلاق وفي حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التي وعد بها من لا يكون في ذلك الذنب ومنه قوله ﵇ (من احتكر فهو ملعون) اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار واعلم ان الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله في كل واحدة ثلاث مراتب الاولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة والثانية اللعن باوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة وأكل الربا وكل ذلك جائز والثالثة اللعن على الشخص فان كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه أذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد او عمرو او غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر او يتوب فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى ان وحشيا قتل عم النبي ﵇ اعنى حمزة رضى الله عنه ثم اسلم على يد النبي ﵇ وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لانه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى الله عنه ولما قال في الخمر فان حرمت يوما على دين احمد ... فخذها على دين المسيح ابن مريم واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى الله عنه أو أمر به او اجازه او رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانيّ الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته اهل بيت النبي ﵇ مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى وكان الصاحب بن عباد يقول إذا شرب ماء بثلج

стр. 179

فعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيما لمتبوعه وصاحبه ﵇ لانه كاتب الوحى وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذى النورين لكنه اخطأ في اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قال الخياط المتكلم ما قطعنى الا غلام قال ما تقول في معاوية قلت انا اقف فيه قال فما تقول في ابنه يزيد قلت العنه قال فما تقول فيمن يحبه قلت العنه قال افترى ان معاوية كان لا يحب ابنه كذا فى روضة الاخبار ثم اعلم ان اللعنة ترتد على اللاعن ان لم يكن الملعون أهلا لذلك ولعن المؤمن كقتله في الاسم وربما يلعن شيا من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيأ من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للانسان قال ﵇ (إذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه) فالاولى ان يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح إذ فيه ثواب ولا ثواب فى اللعن وان كان يستحق اللعن قال ﵇ (اريت النار واكثر أهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو أحسنت الى إحداهن الدهر كله ثم إذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط) قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض وسألت بنت على البلخي أباها عن القيء إذا خرج الى الحلق فقال يجب إعادة الوضوء فرأى رسول الله ﵇ يقول لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا كذا في الروضة بِئْسَمَا ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس اى بئس شيأ اشْتَرَوْا صفة واشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الاول بِهِ اى بذلك الشيء أَنْفُسَهُمْ المراد الايمان وانما وضع الأنفس موضع الايمان إيذانا بانها انما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالايمان ولما بدلوا الايمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الأنفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته بَغْياً علة لان يكفروا اى حسدا وطلبا لما ليس لهم كما ان الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه او منزلة او خصلة حميدة والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيأ باعوا به ايمانهم كفرهم المعلل بالبغي الكائن لاجل أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ او حسدا على ان فان الحسد يستعمل بعلى مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحى عَلى مَنْ يَشاءُ اى يشاؤه ويصطفيه مِنْ عِبادِهِ المستأهلين لتحمل أعباء الرسالة والمراد هاهنا محمد ﷺ كانت اليهود يعتقدون نبى آخر الزمان وبتمنون خروجه وهم يظنون انه من ولد اسحق فلما ظهر انه من ولد إسماعيل حسدوه وكرهوا ان يخرج الأمر من بنى إسرائيل فيكون لغيرهم فَباؤُ اى رجعوا ملتبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ اى صاروا مستحقين لغضب مترادف ولعنة اثر لعنة حسبما اقترفوا من كفر على كفر فانهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه وَلِلْكافِرِينَ اى لهم والإظهار فى موضع الإضمار للاشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم عَذابٌ مُهِينٌ يراد به اهانتهم وإذلالهم لما ان كفرهم بما انزل الله كان مبنيا على الحسد المبنى على طمع النزول عليهم وادعاء

стр. 180

الفضل على الناس والاستهانة بمن انزل الله عليه ﷺ ودل ان عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار اهانة وتشديد وان المراتب الدنيوية والاخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لاحد ان يعترض عليه ويحسده على الألطاف الإلهية فان الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الأمور الاكتسابية التي يصل إليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام اما النبوة اى البعثة فاختصاص إلهي حاصل لعينه الثابتة من التجلي الموجب للاعيان في العلم وهو الفيض الأقدس واما الولاية فهو ايضا اختصاص الهى غير كسبى بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الأقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه وأسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك في الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فانه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله ان يشفع اهل الجمال باهل الجلال ليظهر الكمال: قال الحافظ درين چمن كل بيخار كس نچيد آرى ... چراغ مصطفوى با شرار بو لهبيست - وحكى- ان المولى جلال الدين لما فقد الشمس التبريزي طاف البلاد بالحرارة في طلبه فمر يوما امام حانوت ذهبى للشيخ صلاح الدين زركوب فقال له تعالى يا مولانا فدخل في حانوته فقال لاى شىء تجزع وتدور قال الفلك إذا فقد شمسه يدور لاجله ليتخلص من ظلمة الفراق فقال الشيخ انا شمسك قال مولانا من اين اعرف انك شمسى فاخبره عن المراتب التي أوصله إليها الشيخ شمس الدين فقبل يده واعتذر فقال كان شمسى أراني اولا بطانته فالآن أراني وجهه فاشتغل عنده فوصل الى ما وصل ثم لما سمعه بعض اتباع مولانا أرادوا قتله وحسدوا عليه فارسل إليهم مولانا ابنه سلطان ولد فقال الشيخ ان الله تعالى أعطاني قدرة على قلب السماء الى الأرض فلو أردت لاهلكتهم بقدرة الله لكن الاولى ان نتحمل وندعو لاصلاح حالهم فدعا الشيخ فأمن سلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا: قال في المثنوى چون كنى بربي حسد مكر وحسد ... زان حسد دل را سياهيها رسد خاك شو مردان حق را زير پا ... خاك بر سر كن حسد را همچوما وهكذا احوال الأنبياء والأولياء ألا يرى الى قوله ﵊ (اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون) وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ولا يزالون يسألون رسول الله ﷺ عما به يتخلصون من الأوصاف الذميمة ويتطهرون ظاهرا وباطنا طلبا للنجاة من العذاب المهين وأشده الفراق وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى وإذا قال اصحاب رسول الله ﷺ ليهود اهل المدينة ومن حولها ومعنى اللام الإنهاء والتبليغ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتب الإلهية جميعا قالُوا نُؤْمِنُ اى نستمر على الايمان بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون به التوراة وما انزل على أنبياء بنى إسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه ان ما عدا ذلك غير منزل عليهم واسندوا الانزال على أنفسهم لان المنزل على نبى منزل على أمته معنى لانه يلزمهم وَهم يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ اى سوى ما انزل وَهُوَ
следующие страницы →