← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهو استئناف ثالث كانه قيل كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته أيفعلون بأبصارهم ما يفعلون بآذانهم أم لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا مَشَوْا فِيهِ اى في ذلك المسلك اى في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف ان يخطف أبصارهم وإيثار المشي على ما فوقه من السعى والعدو للاشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ اى خفى البرق واستتر فصار الطريق مظلما قامُوا اى وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لحظة اخرى عسى يتسنى لهم الوصول الى المقصد او الالتجاء الى ملجأ يعصمهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعوله محذوف اى لو أراد ان يذهب الاسماع التي في الرأس والابصار التي في العين كما ذهب بسمع قلوبهم وابصارها لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ بصوت الرعد ونور البرق عقوبة لهم لانه لا يعجز عن ذلك إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اى على كل موجود بالإمكان والله تعالى وان كان يطلق عليه الشيء لكنه موجود بالوجوب دون الإمكان فلا يشك العاقل ان المراد من الشيء في أمثال هذا ما سواه تعالى فالله تعالى مستثنى فى الآية مما يتناوله لفظ الشيء بدلالة العقل فالمعنى على كل شىء سواه قدير كما يقال فلان أمين على معنى أمين على من سواه من الناس ولا يدخل فيه نفسه وان كان من جملتهم كما في حواشى ابن التمجيد قَدِيرٌ اى فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا ثم ان هذا التمثيل كشف بعد كشف وإيضاح بعد إيضاح ابلغ من الاول شبه الله حال المنافقين في حيرتهم وما خبطوا فيه من الضلالة وشدة الأمر عليهم وخزيهم وافتضاحهم بحال من أخذته السماء فى ليلة مظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والموت هذا إذا كان التمثيل مركبا وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل فانك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور وكيفياتها المتضامة فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر وصوت الرعد الهائل والبرق الخاطف والصاعقة المحرقة ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذر الموت حصل لك منه امر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحد واحد مشبها به يعنى ان حمل التمثيل على التشبيه المفرق فشبه القرآن وما فيه من العلوم والمعارف التي هي مدار الحياة الابدية بالصيب الذي هو سبب الحياة الارضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصاممهم عما يقرع أسماعهم من الوعيد بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد اذنه ولاخلاص له منها واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه او رفد يحرزونه بمشيهم فى مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم وتحيرهم في أمرهم حين عنّ لهم مصيبة بوقوفهم إذا اظلم عليهم فهذه حال المنافقين قصارى عمرهم الحيرة والدهشة فعلى العاقل ان يتمسك بحبل الشرع القويم والصراط المستقيم كى يتخلص من الغوائل والقيود ومهالك الوجود وغاية الأمر خفية لا يدرى بم يختم قال رجل للحسن البصري كيف أصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالى ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت

стр. 72

سفينتهم فتعلق كل انسان منهم بخشبة على أي حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالى أشد من حالهم فالموت بحرى والحياة سفينتى والذنوب خشبتى فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بنى فلا بد من ترك الذنوب والفرار الى علام الغيوب وفي الحديث (من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه) تأمل كيف كان جزاء كل مؤمل ما امل واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكانه كلا وجود كما قيل بر مرد هشيار دنيا خسست ... كه هر مدتى جاى ديگر كسست وانظر الى قوله ﵇ (فهجرته الى ما هاجر اليه) وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر ذكر الدنيا والمرأة مع انها منها إذ يشعر بان المراد كل شىء في الدنيا من شهوة او مال واليه يرجع الأكوان وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شىء لله تعالى: قال الحافظ غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ... ز هر چهـ رنگ تعلق پذيرد آزادست يعنى عن كل شىء يقبل التعلق من المال والمنال والأولاد والعيال فلا بد من التعلق بمحبة الملك المتعال وفي التأويلات النجمية أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الاشارة في تحقيق الآيتين ان الله تعالى شبه حال متمنى هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجلدهم في الطلب وما يفتح لهم من الغيب الى ان تظهر النفس الملالة وتقع في آفة الفترة والوقفة بحال من يكون فى المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر وشبه الذكر والقرآن بالمطر لانه ينبت الايمان والحكمة فى القلب كما ينبت الماء البقلة فِيهِ ظُلُماتٌ اى مشكلات ومتشابهات تظهر لسالك الذكر في أثناء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها الا لمن كان له عقل منور بنور الايمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فكما ان السير لا يمكن في الظلمات الا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية الا بنور هداية الربوبية ولهذا قال تعالى كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يعنى نور الهداية وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا يعنى ظلمة البشرية وَرَعْدٌ اى خوف وخشية ورهبة تتطرق الى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَبَرْقٌ وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن يهتدى الى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فيظهر فيها حقيقة القرآن والدين فيعرفها القلوب لقوله تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الآية ولما لاح لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الارادة لينالوا درجات الفائزين ولكن يجعلون أصابعهم اى أصابع آمالهم الفاسدة وأمانيهم الباطلة فِي آذانِهِمْ الواعية مِنَ الصَّواعِقِ ودواعى الحق حَذَرَ من الْمَوْتِ موت النفس لان النفس سمكة حياتها بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال وهذا تحقيق قوله ﵇ (موتوا قبل ان تموتوا) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فيه اشارة الى ان الكافر الذي له حياة طبيعية حيوانية لو مات بالارادة من مألوفات الطبيعة لكان احياء الله تعالى بانوار الشريعة كما قال تعالى أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ

стр. 73

فلما لم يمت بالارادة فالله محيط بالكافرين اى مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى يَكادُ الْبَرْقُ اى نور الذكر والقرآن يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ اى أبصار نفوسهم الامارة بالسوء كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ نور الهدى مَشَوْا فِيهِ سلكوا طريق الحق بقدم الصدق وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى ومالوا الى الدنيا قامُوا اى وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الفترات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ اى لو كانت إرادته ان يهديهم لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ اى بسمع نفوسهم التي تصغى الى وساوس الشيطان وغروره وَأَبْصارِهِمْ اى أبصار نفوسهم التي بها تنظر الى زينة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اى قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنيوية والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد انتهى يا أَيُّهَا النَّاسُ الآية مسوقة لاثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد ﵊ اللذين هما اصل الايمان والناس يصلح اسما للمؤمنين والكافرين والمنافقين والنداء تنبيه الغافلين او إحضار الغائبين وتحريك الساكنين وتعريف الجاهلين وتفريغ المشغولين وتوجيه المعرضين وتهييج المحبين وتشويق المريدين قال بعض العارفين اقبل عليهم بالخطاب جبرا لما في العبادة من الكلفة بلذة الخطاب اى يا مؤنس لا تنس انسك بي قبل الولادة او يا ابن النسيان تنبه ولا تنس حيث كنت نسيا منسيا ولم تك شيأ مذكورا فخلقتك وخمرتك طينا ثم نطفة ثم دما ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحوما وعروقا وجلودا واعصابا ثم جنينا ثم طفلا ثم صبيا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وأنت فيما بين ذلك تتمرغ في نعمتى وتسعى في خدمة غيرى تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شىء شيأ مذكورا كريما مشكورا علمك وقواك وأكرمك واعطاك ما اعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن قال في اليسير وإذا كان الإنسان من النسيان ففيه عتاب وتلقين اما العتاب فكانه يقول ايها الناس قابلتم نعمنا بالكفران وأوامرنا بالعصيان واما التلقين للعدر فكانه يقول ايها المخالف لنا ناسيا لا عامدا وساهيا لا قاصدا عذرناك لنسيانك وعفونا عنك لايمانك اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يقول للكفار وحدوا ربكم ويقول للعاصعين أطيعوا ربكم ويقول للمنافقين أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ويقول للمطيعين اثبتوا على طاعة ربكم واللفظ يحتمل لهذه الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم كما في تفسير ابى الليث والعبادة استفراغ الطاقة في استكمال الطاعة واستشعار الخشية في استبعاد المعصية الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه أطيعوا ربكم الذي خلقكم لخلقكم ولم تكونوا شيأ والحلق اختراع الشيء على غير مثال سبق وَخلق الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ اى من زمن قبل زمانكم من الأمم فمن ابتدائية متعلقة بمحذوف وفي الوصف به ايماء الى سبب وجوب عبادته تعالى فان خلق

стр. 74

أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم وفيه دلالة على شمول القدرة وتنبيه من سنة الغفلة اى انهم كانوا فمضوا وجاؤا وانقضوا فلا تنسوا مصيركم ولا تستجيزوا تقصيركم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حال من ضمير اعبدوا اى راجين ان تدخلوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى ولعل للترجى والاطماع وهي من الله تعالى واجب لان الكريم لا يطمع الا فيما يفعل والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى وخص المخاطبين بالذكر تغليبا لهم على الغائبين كما في الكواشي وفيه تنبيه على ان التقوى منتهى درجة السالكين وهو التبري من كل شىء سوى الله تعالى وان العابد ينبغى ان لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء كما قال تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ قال السعدي قدس سره اگر مردى از مردئ خود مكوى ... نه هر شهسوارى بدر برد كوى يعنى ليس كل عابد يخلص إيمانه بسبب عبادته الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ صفة ثانية لربكم قال اهل اللغة الأرض بساط العالم وبسيطها من حيث يحيط بها البحر الذي هو البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ كل فرسخ ثلاثة أميال وهو اثنا عشر الف ذراع بالذراع المرسلة وكل ذراع ست وثلاثون إصبعا كل إصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها الى بعض فللسودان اثنا عشر الف فرسخ وللبيضان ثمانية وللفرس ثلاثة وللعرب الف كذا فى كتاب الملكوت وسمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة واما وسط الأرض كلها عامرها وخرابها فهو الموضع الذي يسمى قبة الأرض وهو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحر والبرد ويستوى الليل والنهار ابدا لا يزيد أحدهما على الآخر كما في الملكوت وروى عن على كرم الله وجهه انه قال انما سميت الأرض أرضا لانها تتأرض ما في بطنها يعنى تأكل ما فيها وقال بعضهم لانها تتأرض بالحوافر والاقدام فِراشاً ومعنى جعلها فراشا جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا وهو الذي له طول وعرض فان كرية شكلها مع عظم جرمها مصححة لافتراشها وَجعل السَّماءَ وهو ما علاك واظلك بِناءً قبة مضروبة عليكم وكل سماء مطبقة على الاخرى مثل القبة والسماء الدنيا ملتزقة أطرافها على الأرض كما في تفسير ابى الليث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً اى مطرا ينحدر منها على السحاب ومنه على الأرض وهو رد لزعم انه يأخذه من البحر فَأَخْرَجَ بِهِ اى أنبت الله بسبب الماء الذي انزل من السماء مِنَ الثَّمَراتِ هى هاهنا المأكولات كلها من الحبوب والفواكه وغيرها مما يخرج من الأرض والشجر كما فى التيسير رِزْقاً لَكُمْ وذلك بان أودع في الماء قوة فاعلية وفي الأرض قوة منفعلة فتولد من تفاعلهما اصناف الثمار فبين المظلة والمقلة شبه عقد النكاح بانزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم ومن للبيان ورزقا اى طعاما وعلفا لكم ولدوابكم والمعنى ان الله تعالى أنعم عليكم بذلك كله لتعرفوه بالخالقية

стр. 75

والرازقية فتوحدوه فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً جمع ند وهو المثل اى أمثالا تعبدونهم كعبادة الله يعنى لا تقولوا له شركاء تعبد معه وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا تقولوا لولا فلان لاصابنى كذا ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا وعن النبي ﷺ انه قال (إياكم ولو فانه من كلام المنافقين قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) : قال السعدي اگر عز وجاهست اگر ذل وقيد ... من از حق شناسم نه از عمرو وزيد وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ان الله هو الذي خلقكم ومن قبلكم وخلق السماء والأرض وخلق الأرزاق دون الأصنام فانها لا تضر ولا تنفع والوعظ الكلى انه قال في الآية جَعَلَ لَكُمُ وقال رِزْقاً لَكُمْ فلو قال لك في القيامة فعلت كذا كله لكم فما فعلتم لى فما تقول وعن الشبلي ﵀ انه وعظ يوما الناس فابكاهم لما ذكر من القيامة وأهوالها فمر بهم ابو الحسين النوري قال لا تفزعهم فان حساب يومئذ ليس بهذا الطول انما هو كلمتان «من ترا بودم تو كرا بودى» وأفادت الآية انه ينبغى الإخلاص في العبادة بترك ملاحظة الأغيار وبشهود خالق الليل والنهار: قال السعدي كرت بيخ اخلاص در بوم نيست ... درين در كسى چون تو محروم نيست وفي توصية رسول الله ﷺ لمعاذ (يا معاذ انى محدثك بحديث ان أنت حفظته نفعك وان أنت ضيعته انقطعت حجتك عند الله تعالى يا معاذ ان الله ﵎ خلق سبعة املاك قبل ان يخلق السموات والأرض فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا فيصعد عليه الحفظة بعمل العبد من حين أصبح الى حين امسى له نور كنور الشمس حتى إذا طلعت به الملائكة الى السماء الدنيا زكته وكثرته فيقول الملك الموكل للحفظة قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب الغيبة أمرني ربى ان لا ادع عمل من اغتاب الناس يتجاوزنى انه كان يغتاب الناس) زبان آمد از بهر شكر وسپاس ... بغيبت نگرداندش حق شناس قال ﵇ (ثم يأتى الحفظة بعمل صالح من اعمال العبد فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به الى السماء الثانية فيقول لهم الملك الموكل بالسماء الثانية قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الفخر انه أراد بعمله هذا عرض الدنيا أمرني ربى ان ادع عمله يتجاوز الى غيرى انه كان يفتخر على الناس في مجالسهم) چهـ زنار مغ در ميانت چهـ دلق ... كه در پوشى از بهر پندار خلق قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد اعجب الحفظة فيتجاوزون به الى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الكبر أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان يتكبر على الناس في مجالسهم) فروتن بود هوشمند كزين ... نهد شاخ پر ميوه سر بر زمين قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد يزهو كما يزهو الكوكب الدري من صلاة وتسبيح وحج وعمرة حتى يجاوزون به الى الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا

стр. 76

واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب العجب أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان إذا عمل عملا ادخل العجب فيه) چورويى بخدمت نهى بر زمين ... خدا را ثنا كوى خود را مبين قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد حتى يجاوزون به الى السماء الخامسة كانه العروس المزفوفة الى أهلها فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الحسد انه كان يحسد من يتعلم العلم ويعمل الله وكل من يأخذ بنصيب من العبادة كان يحسدهم ويعيبهم أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى) عقبه زين صعبتر در راه نيست ... اى خنك آنكس حسد همراه نيست قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد من صيام وصلاة وزكاة وحج وعمرة فيجاوزون به الى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انه كان لا يرحم إنسانا من عباد الله قط وإذا أصابهم بلاء وضر كان يشمت فيهم انا ملك موكل بالرحمة أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى) أشك خواهى رحم كن بر أشك بار ... رحم خواهى بر ضعيفان رحم آر قال ﵇ (ويصعد الحفظة الى السماء السابعة بعمل عبد من صلاة وصوم وفقه واجتهاد وورع لها دويّ كدويّ النحل وضوء كضوء الشمس معها ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون بها الى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واقفلوا على قلبه انا احجب عن ربى كل عمل لم يرد به ربى انه كان يعمل لغير الله انه أراد به رفعة عند الفقهاء وذكرا عند العلماء وصيتا في المدائن أمرني ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى الى غيرى وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا فهو رياء) بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش با خدا در توانى فروخت قال ﵇ (ويصعد الحفظة بعمل عبد من زكاة وصوم وصلاة وحج وعمرة وخلق حسن وذكر لله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها الى الله فيقفون بين يديه ليشهدوا له بالعمل الصالح المخلص لله فيقول الله أنتم الحفظة على عمل عبدى وانا الرقيب على قلبه انه لم يردنى بهذا العمل وأراد به غيرى فعليه لعنتى فتقول الملائكة كلهم عليه لعنتك ولعنتنا فتلعنه السموات السبع ومن فيهن) قال معاذ قلت يا رسول الله كيف لى بالنجاة والخلوص قال (اقتد بي وعليك باليقين وان كان فى عملك تقصير وحافظ على لسانك من الوقيعة) اى الغيبة (فى اخوانك من حملة القرآن ولا تزك نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا بعمل الآخرة ولا تمزق الناس فيمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار ولا تراء بعملك الناس) قال السعدي اى هنرها نهاده بر كف دست ... عيبها بر كرفته زير بغل تا چهـ خواهى خريدن اى مغرور ... روز درماندگى بسيم دغل وعن ابى يزيد البسطامي قدس سره قال كابدت العبادة اى أتعبت نفسى فيها ثلاثين سنة فرأيت

стр. 77

قائلا يقول يا أبا يزيد خزائنه مملوة بالعبادة ان أردت الوصول اليه فعليك بالذلة والاحتقار والإخلاص في العمل: قال ابو يزيد قدس سره چار چيز آورده ام شاها كه در كنج تو نيست ... نيستى وحاجت وجرم وكناه آورده ام قاله لما طلب منه الهدية حين طلع مبشرات الحقيقة فلما عرض تلك الهدية قيل ادخل جئت بهدية عظمى وحصل الاستحقاق للدخول وفي التأويلات النجمية يا أَيُّهَا النَّاسُ الاشارة فى تحقيق الآيتين انه تعالى خاطب ناسى عهود يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ان لا تعبدوا الا إياه فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزل قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب اليه الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم الى التوحيد والعبودية وقال اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعنى ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فاوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات واقامة الطاعات المأمورات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن شرك عبادة غير الله فيوفى الله بعهد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنان والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة كما أكرمكم في الدنيا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً فيه اشارة الى تعريفه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وفضيلتهم عنده على جميع المخلوقات اما تعريف نفسه بالقدرة الكاملة فقوله تعالى الَّذِي جَعَلَ واما منته على عباده فقوله تعالى لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً اى خلق هذه الأشياء لكم خاصة واما فضيلتهم على جميع المخلوقات بان خلق السموات والأرض وما فيهما لاجلهم وسخره لهم لقوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فكان وجود السموات والأرض تبعا لوجودهم وما كان وجوده تبعا لوجود شىء لا يكون مقصودا وجوده لذاته ولهذا السر امر الله تعالى ملائكته بسجود آدم ﵇ وحرم على آدم وأولاده سجود غير الله ليظهر ان الملائكة وان كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم وجعله مسجودا لهم كان هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شىء والكل تابع له وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ تحقيقه ان الماء هو القرآن وثمراته الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق اليقين والنجاة والرفعة والصلاح والفلاح والحكمة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين وجماع كل خير وختام كل سعادة وزهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيئ تجليات حقيقة الصفات الربانية كقوله تعالى قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فاخرج بماء القرآن هذه الثمرات من ارض قلوب عباده فكما ان الله تعالى من على عباده بإخراج الثمرات رزقا لكم وكان للحيوانات فيها رزق ولكن بتبعية الإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال (فلا تجعلوا لله أندادا) فيه ثلاثة

стр. 78

معان او لها ان هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السموات والأرض وما فيها لكم ليس من شأن أحد غيرى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فلا تجعلوا لى أندادا في العبودية وثانيها انى جعلت السموات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وانا الرزاق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لى فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر الآية وثالثها انى خلقت الموجودات وجعلت لكل شىء حظا في شىء آخر وجعلت حظ الإنسان فى محبتى ومعرفتى وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتى ومعرفتى بان تجعلوا لى أندادا تحبونهم كحبى فتهلكوا فى اودية الشرك يدل عليه قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ فالانداد هي الأحباب غير الله ثم وصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالايمان وقال وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ يعنى الذين اتخذوا من دون الله آلهة في المحبة ما آمنوا حقيقة وان زعموا انا آمنا فافهم جدا ولا تغتر بالايمان التقليدى الموروث حتى يصح على هذا المحل وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا اى في شك من القرآن الذي نزلناه على محمد ﷺ في كونه وحيا منزلا من عند الله تعالى والتنزيل النزول على سبيل التدريج وانزل القرآن جملة واحدة الى السماء الدنيا الى بيت العزة ثم منه على النبي ﷺ مفرقا منجما في ثلاث وعشرين سنة ليحفظ فانه ﵊ كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فانه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب ولذا قالوا ان سائر الكتب الإلهية أنزلت جملة فَأْتُوا جواب الشرط وهو امر تعجيز بِسُورَةٍ وحد السورة قطعة من القرآن معلومة الاول والآخر أقلها ثلاث آيات وانما سميت سورة لكونها أقوى من الآية من سورة الأسد والشراب اى قوته هذا ان كانت واوها اصلية وان كانت منقلبة عن همزة فهى مأخوذة من السؤر الذي هي البقية من الشيء فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها مِنْ مِثْلِهِ اى سورة كائنة من مثل القرآن في البيان الغريب وعلو الطبقة فى حسن النظم فالضمير لما نزلنا اى ائتوا أنتم بمثل ما اتى هو ان كان الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر إذ أنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان وليس هو اولى بالاختلاق منكم ثم القرآن وان كان لا مثل له لانه صفة الله وكلام الله ووحي الله ولا مثل لصفاته كما لا مثل لذاته لكن معناه من مثله على زعمكم فقد كانوا يقولون لو شئنا لقلنا مثل هذا كما في التيسير وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ جمع شهيد بمعنى الحاضر او القائم بالشهادة او الناصر مِنْ دُونِ اللَّهِ اما متعلقة بادعوا فالمعنى ادعوا متجاوزين الله من حضركم كائنا من كان للاستظهار في معارضة القرآن او الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم واشرافكم الذين تفزعون إليهم في الملمات وتعولون عليهم فى المهمات او القائمين بشهادتكم الجارية فيما بينكم من امنائكم المتولين لاستخلاص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة او القائمين بنصركم حقيقة او زعما من الانس والجن ليعينوكم واما متعلقة بشهدائكم والمراد بهم الأصنام ودون بمعنى التجاوز على انها ظرف مستقر وقع حالا من ضمير المخاطبين والعامل ما دل عليه شهداءكم اى ادعوا أصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة وزعمتم انهم يشهدون

стр. 79

لكم يوم القيامة انكم على الحق متجاوزين الله في اتخاذها كذلك ودلت الآية على ان الاستعانة بالخلق لا تغنى شيأ وما يغنى رجوع العاجز عن العاجز فلا ترفع حوائجك الا الى من لا يشق عليه قضاؤها ولا تسأل إلا من لا تفنى خزائنه ولا تعتمد الأعلى من لا يعجز عن شىء ينصرك من غير معين ويحفظك من كل جانب ومن غير صاحب ويغنيك من غير مال فيقل اعداد الأعداء الكثيرة إذا حماك ويكثر عدد المال القليل إذا كفاك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى ان محمدا تقوله من تلقاء نفسه وان آلهتكم شهداؤكم وهو شرط جوابه محذوف تقديره فافعلوا اى فائتوا بسورة من مثله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا اى ما أمرتم من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعى غاية المجهود وَلَنْ تَفْعَلُوا فيما يستقبل ابدا وذلك لظهور اعجاز القرآن فانه معجزة النبي ﵇ اعتراض بين الشرط وجوابه وهذه معجزة باهرة حيث اخبر بالغيب الخاص علمه به وقد وقع الأمر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشئ بداية في الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف فَاتَّقُوا النَّارَ اى ولما عجزتم عن معارضة القرآن ومثله لزمتكم الحجة ان محمدا رسولى والقرآن كتابى ولزمكم تصديقه والايمان به ولما لم تؤمنوا صرتم من اهل النار فاتقوها وفي الكشاف لصيق اتقاء النار وضميمه ترك العناد من حيث انه من نتائجه لان من اتقى النار ترك المعاندة فوضع فاتقوا النار موضع فاتركوا العناد الَّتِي وَقُودُهَا اى حطبها وهو ما يوقد به النار النَّاسُ اى العصاة وَالْحِجارَةُ اى حجارة الكبريت وانما جعل حطبها منها لسرعة وقودها اى التهابها وبطئ خمودها وشدة حرها وقبح رائحتها ولصوقها بالبدن او الحجارة هي الأصنام التي عبدوها وانما جعل التعذيب بها ليتحققوا انهم عذبوا بعبادتها وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزها وعظمتها والكافر عبد الصنم واعتمده ورجاه فعدب به إظهارا لجهله وقطعا لامله كأتباع الكبراء خدموهم ورجوهم وفي النار يسحبون معهم ليكون أشق عليهم واقطع لرجائهم فان قلت أنار الجحيم كلها توقد بالناس والحجارة أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة قلت بل هي نار شتى منها نار توقد بالناس والحجارة يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ولعل لكفار الجن ولشياطينهم نارا وقودها الشياطين كما ان لكفرة الانس نارا وقودها هم جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ اى هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عدة لعذابهم وفيه دلالة على ان النار مخلوقة موجودة الآن خلافا للمعتزلة وفي الآية اشارة الى ان ثمرة الاخذ بالقرآن والإقرار به وبمحمد ﷺ هو النجاة من النار التي وقودها الناس والحجارة وفيه زيادة فضل القرآن واهله قال البغوي عند قوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ قيل السورة اسم للمنزلة الرفيعة وسميت سورة لان القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعه حتى يستكمل المنازل باستكمال سور القرآن وعن ابن مسعود رضى الله عنه انه قال يرجع أتباع إبليس كل عشية الى سيدهم فيقول كل واحد منهم بين يديه فعلت كذا وغررت فلانا الزاهد حتى يقول أصغرهم انا منعت صبيا من الكتاب فيقوم إبليس بين يديه ويقعده الى جنبه فرحا بما فعل وقالت الحكماء حق الولد على أبويه ثلاثة ان

стр. 80

يسمياه باسم حسن عند الولادة وان يعلماه القرآن والأدب والعلم وان يختناه ثم ان المقصد الأصلي هو العمل بالقرآن والتخلق بآدابه كما قيل «مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب» وللقرآن ظهر وبطن ولبطنه بطن الى سبعة ابطن قال في المثنوى تو ز قرآن اى پسر ظاهر مبين ... ديو آدم را نبيند جز كه طين ظاهر قرآن چوشخص آدميست ... كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست قال الشيخ نجم دايه فظاهره يدل على ما فسره العلماء وباطنه يدل على ما حققه اهل التحقيق بشرط ان يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدا عليه بالحق فان كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهى الحاد وزندقة لقوله تعالى وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وقال ايضا في تأويل الآية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا جعل الله اعراض المعرضين قباب غيرته لحبيبه المرسل لئلا يشاهدوا من الله حبيبه وجعل اعتراض المعترضين سرادقات عزته لئلا يطلعوا على الله وكتابه وسماه ﵇ بالعبد المطلق ولم يسم غيره الا بالعبد المقيد باسمه كما قال وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وغيرهما وذلك لان كمال العبودية ما تهيأ لاحد من العالمين الا لحبيبه ﵇ وكمال العبودية فى كمال الحرية عما سوى الله وهو مختص بهذه الكرامة كما اثنى عليه بقوله ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى الحاضرين معكم يوم الميثاق لانكم وانهم ومحمدا كنتم جميعا مستمعين خطاب ألست بربكم مجتمعين في جواب بلى فلو كان محمد قادرا على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء فائتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم ايضا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي هى القهر وصورة غضب الحق كما قال الله للنار (انما أنت عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى) وَقُودُهَا النَّاسُ انانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها وَالْحِجارَةُ اى الذهب لانه به يحصل مرادات النفس وشهواتها وما يميل اليه الهوى فعبر عما يعبده انانية الإنسان بالحجارة لان اكثر الأصنام كان من الحجارة وعن انانية الإنسان بالناس لانها انما طلبت غير الله وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق ثم جعلها وقود النار لقوله تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ خاصة ولكن يطهر المذنبون بها بتبعية الكافرين كما ان الجنة خلقت وأعدت للمتقين ولكن يدخلها المذنبون من اهل الايمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين يدل عليه قول النبي ﷺ حكاية عن الله تعالى (خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل اهل الجنة يعملون وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل اهل النار يعملون) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا البشارة الخبر السار الذي يظهر به اثر السرور في البشرة اى فرح يا محمد قلوب الذين آمنوا بان القرآن منزل من عند الله تعالى فالخطاب للنبى عليه وقيل لكل من يتأتى منه التبشير كما في قوله ﵊ (بشر المشائين الى المساجد فى ظلم الليالى بالنور التام يوم القيامة) فانه ﵇ لم يأمر بذلك واحدا بعينه بل كل أحد

стр. 81

مما يتأتى منه ذلك وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى فعلوا الفعلات الصالحات وهي كل ما كان لله تعالى وفي عطف العمل على الايمان دلالة على تغايرهما واشعار بان مدار استحقاق البشارة مجموع الامرين فان الايمان أساس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأساس لا بناء عليه وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء لان الله تعالى جعل العمل سببا لدخول الجنة والعبد وان كان يدخله الله الجنة بمجرد الايمان لكن العمل يزيد نور الايمان وبه يتنور قلب المؤمن وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد الى ان يصل الى الجنة وأول تلك العقبات عقبة الايمان انه هل يسلم من السلب أم لا فلزم العمل لتسهيل العقبات أَنَّ لَهُمْ اى بان لهم جَنَّاتٍ بساتين فيها أشجار مثمرة والجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم كذا قال الفراء ولفرط التفاف أغصان أشجارها وتسترها بالأشجار سميت جنة كانها سترة واحدة لان الجنة بناء مرة وانما سميت دار الثواب بها مع ان فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور لما انها مناط نعيمها ومعظم ملاذها فان قلت ما معنى جمع الجنة وتنكيرها قلت الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان ثم الجنان ثمان دار الجلال كلها من نور مدائنها وقصورها وبيوتها واوانيها وشرفها وابوابها ودرجها وغرفها وأعاليها وأسافلها وخيامها وحليها وكل ما فيها ودار القرار كلها من المرجان ودار السلام كلها من الياقوت الأحمر وجنة عدن من الزبرجد كلها وهي قصبة الجنة وهي مشرفة على الجنان كلها وباب جنة عدن مصراعان من زمرد وياقوت ما بين المصراعين كما بين المشرق والمغرب وجنة المأوى من الذهب الأحمر كلها وجنة الخلد من الفضة كلها وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلها وحيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد وملاطها وما يجعل بين اللبنتين مكان الطين المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصاريعها الذهب وارضها الفضة وحصباؤها المرجان وترابها المسك ونباتها الزغفران والعنبر وجنة النعيم من الزمرد كلها وفي الخبر (ان المؤمن إذا دخل الجنة رأى سبعين الف حديقة فى كل حديقة سبعون الف شجرة على كل شجرة سبعون الف ورقة وعلى كل ورقة لا اله الا الله محمد رسول الله امة مذنبة ورب غفور كل ورقة عرضها من مشرق الشمس الى مغربها) تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الجملة صفة لجنات والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل نهر مصر والمراد بها ماؤها فان قلت كيف جرى الأنهار من تحتها قلت كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية وعن مسروق ان انهار الجنة تجرى في غير أخدود وهو الشق من الأرض بالاستطالة وأنزه البساتين وأكرمها منظرا ما كانت أشجاره مظللة والأنهار فى خلالها مطردة ولولا ان الماء الجاري من النعمة العظمى وان الرياض وان كانت احسن شىء لا تجلب النشاط حتى يجرى فيها الماء والا كان السرور الأوفر مفقودا وكانت كتماثيل لا أرواح لها وصور لا حياة لها لما جاء الله بذكر الجنات البتة مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها والأنهار هي الخمر واللبن والعسل والماء فاذا شربوا من نهر الماء يجدون حياة ثم انهم لا يموتون وإذا شربوا من اللبن يحصل

стр. 82

فى أبدانهم تربية ثم انهم لا ينقصون وإذا شربوا من نهر العسل يجدون شفاء وصحة ثم انهم لا يسقمون وإذا شربوا من نهر الخمر يجدون طربا وفرحا ثم انهم لا يحزنون: قال في المثنوى آب صبرت جوى آب خلد شد ... جوى شير خلد مهر تست وود ذوق طاعت كشت جوى انكبين ... مستى وشوقى تو جوى خمر بين اين سببها چون بفرمان تو بود ... چار جوهم مر ترا فرمان نمود وروى انه كتب عرضا بسم الله الرّحمن الرّحيم على ساق العرش فعين الماء تنبع من ميم بسم وعين اللبن تنبع من هاء الله وعين الخمر تنبع من ميم الرحمن وعين العسل تنبع من ميم الرحيم هذا منبعها واما مصبها فكلها تنصب في الكوثر وهو حوض النبي ﵇ وهو في الجنة اليوم وينتقل يوم القيامة الى العرصات لسقى المؤمنين ثم ينقل الى الجنة ويسقى اهل الجنة ايضا من عين الكافور وعين الزنجبيل وعين السلسبيل وعين الرحيق ومزاجه من تسنيم بواسطة الملائكة ويسقيهم الله الشراب الطهور بلا واسطة كما قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً كُلَّما متى رُزِقُوا مِنْها اى أطعموا من الجنة مِنْ ثَمَرَةٍ ليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة او الرمانة الفذة وانما المراد نوع من انواع الثمار ومن الاولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لان الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة رِزْقاً مفعول رزقوا وهو ما ينتفع به الحيوان طعاما قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ اى هذا مثل الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته وانما جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا لتميل النفس اليه حين تراه فان الطباع مائلة الى المألوف متنفرة عن غير المعروف وليتبين لها مزية إذ لو كان جنسا غير معهود لظن انه لا يكون الا كذلك وان كان فائقا فحين ابصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها فى الحجم وان الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة ثم يبصرون رمانة الجنة وهي تشبع السكن اى اهل الدار كان ذلك أبين للفضل واجلب للسرور وأزيد في التعجب من ان يفاجئوا ذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه وعموم كلما يدل على ترديدهم هذه المقالة كل مرة رزقوا فيما عدا المرة الاولى يظهرون بذلك التبجح وفرط الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذة مع اتحادهما في الشكل واللون كانهم قالوا هذا عين ما رزقناه فى الدنيا فمن اين له هذه الرتبة من اللذة والطيب ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا الا الاسم فان ذلك لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذة والحسن والهيئة لا لبيان ان لا تشابه بينهما أصلا كيف لا واطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعا وَأُتُوا بِهِ اى جيئوا بذلك الرزق او المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا فالضمير الى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في الدارين ونظيره قوله تعالى إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما اى بجنس الغنى والفقير مُتَشابِهاً فى اللون والجودة فاذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك أجود وألذ يعنى لا يكون فيها رديئ وعن مسروق نخل الجنة نضيد من أصلها الى فرعها اى منضود بعضها على بعض اى متراكب ومجتمع ليس كاشجار الدنيا متفرقة أغصانها وتمرتها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها اخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا ولو اجتمع الخلائق

стр. 83

على عنقود لا شبعهم وجاء رجل من اهل الكتاب الى النبي ﷺ فقال يا أبا القاسم تزعم ان اهل الجنة يأكلون ويشربون فقال (نعم والذي نفس محمد بيده ان أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الاكل والشرب والجماع) قال فان الذي يأكل له حاجة والجنة طيبة ليس فيها أذى قال ﵇ (حاجة أحدهم عرق كريح المسك) وَلَهُمْ فِيها اى في الجنة أَزْواجٌ اى نساء وحور مُطَهَّرَةٌ مهذبة من الأحوال المستقذرة كالحيض والنفاس والبول والغائط والمنى والمخاط والبلغم والورم والدرن والصداع وسائر الأوجاع والولادة ودنس الطبع وسوء الخلق وميل الطبع الى غير الأزواج وغير ذلك ومطهرة ابلغ من طاهرة ومتطهرة للاشعار بان مطهرا طهرهن وما هو الا الله قال الحسن هن عجائزكم العمص العمش طهرن من قاذورات الدنيا وعن ابن عباس رضى الله عنهما خلق الحور العين من أصابع رجليها الى ركبتيها من الزعفران ومن ركبتيها الى ثدييها من المسك الأذفر ومن ثدييها الى عنقها من العنبر الأشهب اى الأبيض ومن عنقها الى رأسها من الكافور إذا أقبلت يتلألأ نور وجهها كما يتلألأ نور الشمس لاهل الدنيا وَهُمْ فِيها خالِدُونَ اى دائمون احياء لا يموتون ولا يخرجون منها قال عكرمة اهل الجنة ولد ثلاث وثلاثين سنة رجالهم ونساؤهم وقامتهم ستون ذراعا على قامة أبيهم آدم شباب جرد مرد مكحلون عليهم سبعون حلة تتلون كل حلة فى كل ساعة سبعين لونا لا يبزقون ولا يمتخطون وما كان فوق ذلك من الأذى فهو ابعد يزدادون كل يوم جمالا وحسنا كما يزداد اهل الدنيا هرما وضعفا لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم واعلم ان معظم اللذات الحسية لما كان مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقضى به الاستقراء وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات إذ كل نعمة وان جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرض الاضمحلال فانها منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنون بها وبدوامها تكميلا للبهجة والسرور وفي التأويلات النجمية وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى يحصل لهم جنات القربة معجلة من بذر الايمان الحقيقي وأعمالهم القلبية الصالحة والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوة والمجاهدة والمكابدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والارادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة والعلم والمعرفة والعزة والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية وغيرها من المقامات والأخلاق تجرى من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطفة والفضل كُلَّما رُزِقُوا مِنْها من هذه الأشجار مِنْ ثَمَرَةٍ من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات رِزْقاً اى عطفا وصحة وعطية قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وذلك لان اصحاب المشاهدات يشاهدون أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم فيظن بعضهم من المتوسطين ان هذا المشاهد هو الذي يشاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى هو حقيقة اخرى مثاله يشاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى ﵇ نور الهداية في صورة نار كما قال انى آنست نارا فتكون تارة تلك

стр. 84

النار صفة غضب كما كان لموسى ﵇ إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا وتارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها وتارة تكون نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فالصورة النارية المشاهدة متشابه بعضها ببعض كما قال تعالى وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوقا وصفة اخرى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ اى لارباب الشهود في جنات القربات ازواج من أبكار الغيب مُطَهَّرَةٌ من ملابسة الأغيار وَهُمْ فِيها فى افتضاضها خالِدُونَ كما قال ﵇ (ان من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها الا العلماء بالله فاذا نطقوا بها لا ينكرها الا اهل الغرة بالله) واعلم ان كل شىء يشاهد في الشهادة كما ان له صورة في الدنيا له معنى حقيقى في الغيب ولهذا كان النبي ﵇ يسأل الله تعالى بقوله (اللهم أرنا الأشياء كما هى) فيكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة ولكن الحقائق والمعاني على الصور غالبة فيرى في الآخرة صورة شىء يعينه فيعرفه فيقول هذا الذي رزقنا من قبل فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما ليس شىء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء وهذا كما قال رسول الله ﷺ (كل كلمة يكلمها المسلم في سبيل الله تكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت انفجرت دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك) فالآن لون ذلك الدم حاصل في الشهادة ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد هاهنا ففى الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً عن الحسن وقتادة لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله فانزل الله هذه الآية والحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم وهو جار على سبيل التمثيل لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى ان يمثل بها لحقارتها فمحل ان يضرب اى يذكر النصب على المفعولية وما اسمية ابهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاما وشياعا كانه قيل مثلا ما من الأمثال اى مثل كان فهى صفة لما قبلها وبعوضة بدل من مثلا والبعوضة صغار البق سميت بعوضة لانها كانها بعض البق فَما فَوْقَها اى فيذكر الذي هو أزيد منها كالذباب والعنكبوت او فما دونها في الصغر قيل انه من الاضداد ويطلق على الأعلى والأدنى وهو دابة يسترها السكون ويظهرها التحرك يعنى لا تلوح للبصر الحاد الا بتحركها فان قلت مثل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب فاين تمثيلها بالبعوضة فما دونها قلت في هذه الآية كأنه قال ان الله لا يستحيى ان يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب قال الربيع بن انس ضرب المثل بالبعوضة عبرة لاهل الدنيا فان البعوضة تحيى ما جاعت وتموت إذا شبعت فكذا صاحب الدنيا إذا استغنى طغى وأحاط به الردى وقال الامام ابو منصور الاعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى فى الخلق الصغير الجثة والجسم اكثر منها في الكبار العظام لان الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج من الفم والانف والعين والرجل واليد والمدخل والمخرج ما قدروا عليه ولعلهم يقدرون على تصوير العظام من الأجسام الكبار

стр. 85

منها فالبعوضة أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القوى وفيه اشارة الى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال ﵇ (ان الله خلق آدم على صورته) اى على صفته فعلى قدر ضعف الإنسان أعطاه الله تعالى من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه كما قال (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وليس لشئ من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان كما قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ: قال في المثنوى: آدم خاكى ز حق آموخت علم تا بهفتم آسمان افروخت علم نام وناموس ملك را در شكست كورئ آنكس كه با حق در شكست قطره دلرا يكى كوهر فتاد كان بگردونها ودرياها نداد چند صورت آخر اى صورت پرست جان بي معنيت از صورت نرست كر بصورت آدمي انسان بدى احمد وبوجهل خود يكسان بدى قال بعضهم ان الله تعالى قوى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الأجناس وعرف الخلق قدرته فى خلق الضعفاء على هيآت الأقوياء فان البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره وفي البعوض زيادة جناحين فلا يستبعد من كرمه ان يعطى على قليل العمل ما يعطى على كثير العمل من الخلق كما اعطى صغير الجثة مع اعطى كبير الجثة من الخلقة ومن العجيب ان هذا الصغير يؤذى هذا الكبير فلا يمتنع منه ومن لطف الله تعالى انه خلق الأسد بغاية القوة والبعوض والذباب بغاية الضعف ثم اعطى البعوض والذباب جراءة أظهرها في طيرانهما في وجوه الناس وتماديهما في ذلك مع مبالغة الناس في ذبهما بالمذبة وركب الجبن في الأسد واظهر ذلك بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم ولو تجاسر الأسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس فمن الله تعالى وجعل في الضعيف التجاسر وفي القوى الجبن ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف وقدرتك على ذلك الكبير- وحكى- انه خطب المأمون فوقع ذباب على عينه فطرده فعاد مرارا حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى احضر أبا هذيل شيخ البصريين في الاعتزال فقال له لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة قال صدقت واجازه بمال كذا في روضة الأخيار ففى خلق مثل الذباب حكم ومصالح قال وكيع لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا ومن الأعاجيب ان هذا الضعيف إذا طار فى وجهك ضاق به قلبك ونغص به عيشك وفسد عليك بستانك وكرمك واعجب منه جراءتك مع ضعفك على ما يورثك العار ويوردك النار فاذا كان جزعك هذا من البعوض فى الدنيا فكيف حالك إذا تسلطت عليك الحيات والعقارب في لظى قال القشيري ﵀ الخلق فى التحقيق بالاضافة الى قدرة الخالق اقل من ذرة من الهباء في الهواء وسيان في قدرته العرش والبعوضة فلا خلق العرش عليه أعسر ولا خلق البعوضة عليه أيسر سبحانه وتقدس عن لحوق العسر واليسر واعلم انه يمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وان كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل في الإنجيل غل الصدر بالنخالة قال لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم ومثل مخاطبة

стр. 86

السفهاء بإثارة الزنابير قال لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم وقال فيه ايضا لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والارضة فتفسدها ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص ويحرقها السموم ولكن ادخروا ذخائركم عند الله تعالى وجاء فى الإنجيل ايضا مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان وهو بفتح الزاى وضمها حب مر يخالط البر فقال عبيد الزراع يا سيدنا أليس حنطة جيدة زرعت في قريتك قال بلى قالوا فمن اين هذا الزوان قال لعلكم ان ذهبتم لتلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطة دعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فامر الحصادين ان يلقطوا الزوان من الحنطة وان يربطوه حزما ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة الى الجرين والتفسير الزراع ابو البشر والقرية العالم والحنطة الطاعة وزراع الزوان إبليس والزوان المعاصي والحصادون الملائكة يتوفون بنى آدم وللعرب أمثال مثل قولهم هوا جمع من ذرة يزعمون انها تدخر قوت سبع سنين واجرأ من الذباب لانه يقع على أنف الملك وجفن الأسد فاذا ذب اى منع آب اى رجع واسمع من قراد تزعم العرب ان القراد يسمع الهمس الخفي من مناسم الإبل اى اخفافها على مسيرة سبع ليال او سبعة أميال وفلان اعمر من القراد وذلك انها تعيش سبعمائة سنة وقيل اعمر من حية لانها لا تموت إلا قتلا ويقال اعمر من النسر لانه يعيش ثلاثمائة سنة وفلان أصرد من جرادة اى أبرد لانها لا تظهر في الشتاء ابدا لقلة صبرها على البرد وأطيش من فراشة اى أخف منها وهي بالفارسية «پروانه» وأعز من مخ البعوض يقال لما لا يوجد ويقال كلفتنى مخ البعوض في تكليف ما لا يطاق وأضعف من بعوضة وآكل من السوس وهو القمل الذي يأكل الحنطة والشعير والدويبة التي تقع على الصوف والجوخ وغيرهما فتأكلها وبالجملة ان الله تعالى يضرب الأمثال للناس ولا يستحيى من الحق وله في أمثاله مطلقا حكم ومصالح وما يتذكر الا أولوا الألباب: قال المولى جلال الدين قدس سره بيت من بيت نيست اقليمست ... هزل من هزل نيست تعليمست فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالقرآن محمد ﷺ والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل فيضربه فاما الذين آمنوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى المثل بالبعوضة والذباب الْحَقُّ اى الثابت الذي لا يسوغ إنكاره مِنْ رَبِّهِمْ حال من الضمير المستكن فى الحق او من الضمير العائد الى المثل اى كائنا منه تعالى فيتفكرون في هذا المثل الحق ويوقنون ان الله هو خالق الكبير والصغير وكل ذلك في قدرته سواء فيؤمنون به وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم اليهود والمشركون فَيَقُولُونَ ماذا اى ما الذي او أي شىء أَرادَ اللَّهُ بِهذا اى بالمثل الخسيس وفي كلمة هذا تحقير للمشار اليه واسترذال له مَثَلًا اى بهذا المثل فلما حذف الالف واللام نصب على الحال أي ممثلا او على التمييز فاجابهم الله تعالى بقوله يُضِلُّ بِهِ اى يخذل بهذا المثل والإضلال هو الصرف عن الحق الى الباطل واسناد الإضلال اى خلق الضلال اليه سبحانه مبنى على ان جميع الأشياء مخلوقه له تعالى وان كانت افعال العباد من حيث الكسب مستندة إليهم كَثِيراً من الكفار وذلك انهم يكذبونه فيزدادون ضلالة وَيَهْدِي بِهِ اى يوفق

стр. 87

بهذا المثل كَثِيراً من المؤمنين لتصديقهم به فيزدادون هداية يعنى يضل به من علم منهم انه يختار الضلالة ويهدى به من علم انه يختار الهدى فان قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم قلت اهل الهدى كثير في أنفسهم وحين يوصفون بالقلة انما يوصفون بها بالقياس الى اهل الضلال وايضا فان القليل من المهديين كثير في الحقيقة وان قلوا في الصورة لان هؤلاء على الحق وهم على الباطل وعن ابن مسعود رضى الله عنه السواد الأعظم هو الواحد على الحق وَما يُضِلُّ بِهِ اى لا يخذل بالمثل وتكذيبه إِلَّا الْفاسِقِينَ اى الكافرين بالله الخارجين عن امره والفسق فى اللغة الخروج وفي الشريعة الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة وله طبقات ثلاث الاولى التغابي وهو ارتكابها أحيانا مستقبحا لها والثانية الانهماك فى تعاطيها والثالثة المثابرة عليها مع جحود قبحها وهذه الطبقة من مراتب الكفر فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الايمان الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ اى يخالفون ويتركون امر الله تعالى والنقض الفسخ وفك التركيب فان قلت من اين ساغ استعمال النقض في ابطال العهد قلت من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين قيل عهد الله ثلاثة الاول ما اخذه على ذرية آدم ﵇ بان يقروا بربوبيته تعالى والثاني ما اخذه على الأنبياء ﵈ بان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه والثالث ما اخذه على العلماء بان يبينوا الحق ولا يكتموه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ اى بعد توثيق ذلك العهد وتوكيده بالقبول فالضمير للعهد او بعد توثيق الله ذلك بانزال الكتب وإرسال الرسل فالضمير الى الله فالمراد بالميثاق هنا نفس المصدر لا نفس العهد- يحكى- عن مالك بن دينار ﵀ انه كان له ابن عم عامل سلطان في زمانهم وكان ظالما جائرا فمرض ذلك الرجل ونذر وعهد على نفسه وقال لو عافانى الله تعالى مما انا فيه لا ادخل في عمل السلطان ابدا قال فأبرأه الله من ذلك المرض فدخل في عمل السلطان ثانيا فظلم الناس اكثر مما ظلمهم في المرة الاولى فمرض ثانيا فنذر ثانيا ان لا يرجع الى عمل السلطان فبرئ ونقض العهد ودخل فيه وظلم اكثر مما ظلم في المرتين فظهرت به علة شديدة فاخبر بذلك مالك بن دينار فراره وقال يا بنى أوجب على نفسك شيأ وعاهد مع الله عهدا لعلك تنجو من هذه العلة فقال المريض عاهدت الله ان لو قمت من فراشى ان لا أعود الى عمل السلطان ابدا فهتف هاتف يا مالك انا قد جربناه مرارا فوجدناه كذوبا فلا ينفعه نذره اى جربناه بنفسه فاكذب نفسه فمات الفتى على هذه الحالة كذا في روضة العلماء: قال في المثنوى نقض ميثاق وشكست توبها ... موجب لعنت شود در انتها وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ محل ان يوصل النصب على أنه بدل من ضمير الموصول اى ما امر الله به ان يوصل وهو يحتمل كل قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه كقطع الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء ﵈ والكتب في التصديق وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير او تعاطى شر فانه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل وفي الحديث (إذا اظهر الناس العلم وضيعوا العمل به وتحابوا بالألسن

стр. 88

وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عند ذلك فاصمهم وأعمى أبصارهم) وقال ﷺ (ثلاثة في ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت أقوم على ايتامى حتى يغنيهم الله او يميت) يعنى اليتيم (او هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنعته واحسن نفقته فدعا عليه اليتيم والمسكين ورجل وصل الرحم يوسع له في رزقه ويمد له في اجله ويكون تحت ظل عرش ربه) وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمنع عن الايمان والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي عليها يدور فلك نظام العالم وصلاحه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ اى المغبونون بالعقوبة في الآخرة مكان المثوبة في الجنة لانهم استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها قيل ليس من مؤمن ولا كافر الا وله منزل واهل وخدم في الجنة فان أطاعه تعالى اتى اهله وخدمه ومنزله فى الجنة وان عصاه ورثه الله المؤمن فقد غبن عن اهله وخدمه ومنزله وفي التأويلات النجمية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بنور الايمان يشاهدون الحقائق والمعاني في صورة الامثلة فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ حيث أنكروا الحق فجعل ظلمة انكارهم غشاوة في أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الامثلة كما ان العجم لا يشاهدون المعاني في كسوة اللغة العربية فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في ادراك حقائق الأمثال قالوا ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فبجهلهم زادوا إنكارا على انكار فتاهوا في اودية الضلالة بقدم الجهالة يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ممن اخطأه رشاش النور فى بدء الخلق كما قال ﵇ (ان الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل) فمن اخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد اخطأه نور الايمان هاهنا ومن اخطأه نور الايمان فقد اخطأه نور القرآن فلا يهتدى ومن أصابه ذلك هنالك أصابه هاهنا نور الايمان ومن أصابه نور الايمان فقد أصابه نور القرآن ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وكان القرآن لقوم شفاء ورحمة ولقوم شقاء ونقمة لانه كلامه وصفته شاملة اللطف والقهر فبلطفه هدى الصادقين وبقهره أضل الفاسقين لقوله وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الخارجين من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة ثم اخبر عن نتائج ذكر الخروج ونقض العهود كما قال الله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ اى الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية بالإخلاص من بعد ميثاقه وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من اسباب السلوك الموصل الى الحق واسباب التبتل والانقطاع عن الخلق كما قال تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا اى انقطع اليه انقطاعا كليا عن غيره وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ اى يفسدون بذر التوحيد الفطري في ارض طينتهم بالشرك والاعراض عن قبول دعوة الأنبياء وسقى بذر التوحيد بالايمان والعمل الصالح أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ كيف نصب حالا من الضمير في تكفرون اى معاندين

стр. 89

تكفرون وتجحدون بِاللَّهِ اى بوحدانيته ومعكم ما يصرفكم عن الكفر الى الايمان من الدلائل الانفسية والآفاقية والاستفهام إنكاري لا بمعنى انكار الوقوع بل بمعنى انكار الواقع واستبعاده والتعجيب منه لان التعجب من الله يكون على وجه التعجيب والتعجيب هو ان يدعو الى التعجب وكانه يقول ألا تتعجبون انهم يكفرون بالله كما في تفسير ابى الليث وقال القاضي هو استخبار والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون وَكُنْتُمْ أَمْواتاً جمع ميت كاقوال جمع قيل اى والحال انكم كنتم أمواتا اى أجساما لا حياة لها عناصر واغذية ونطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة قال في الكشاف فان قلت كيف قيل لهم أموات حال كونهم جمادا وانما يقال ميت فيما نصح منه الحياة من البنى قلت بل يقال ذلك لعادم الحياة لقوله تعالى بَلْدَةً مَيْتاً فَأَحْياكُمْ بخلق الأرواح ونفخها فيكم في أرحام أمهاتكم ثم في دنياكم وهذا الزام لهم بالبعث والفاء للدلالة على التعقيب فان الأحياء حاصل اثر كونهم أمواتا وان توارد عليهم في تلك الحالة أطوار مترتبة بعضها متراخ عن بعض كما أشير اليه آنفا ثم لما كان المقام في الدنيا قد يطول جاء بثم حرف التراخي فقال ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم وكون الامانة من دلائل القدرة ظاهر واما كونها من النعم فلكونها وسيلة الى الحياة الثانية التي هي الحيوان الابدى والنعمة العظمى ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للسؤال في القبور فيحيى حتى يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين ويقال من ربك ومن نبيك وما دينك ودل ثم التي للتعقيب على سبيل التراخي على انه لم يرد به حياة البعث فان الحياة يومئذ يقارنها الرجوع الى الله بالحساب والجزاء وتتصل به من غير تراخ فلا يناسب ثم اليه ترجعون ودلت الآية على اثبات عذاب القبر وراحة القبر كما في التيسير ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الحشر لا الى غيره فيجازيكم بأعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر واليه تنشرون من قبوركم للحساب فما اعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه فان قيل ان علموا انهم كانوا أمواتا فاحياهم ثم يميتهم لم يعلموا انه يحييهم ثم اليه يرجعون قلت تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في ازاحة العذر سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل به على صحتهما وهو انه تعالى لما قدر ان أحياهم اولا قدران يحييهم ثانيا فان بدأ الخلق ليس باهون عليه من إعادته هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ هذا بيان نعمة اخرى اى قدر خلقها لاجلكم ولانتفاعكم بها في دنياكم ودينكم لان الأشياء كلها لم تخلق في ذلك الوقت ما فِي الْأَرْضِ اى الذي فيها من الأشياء جَمِيعاً نصب حالا من الموصول الثاني وقد يستدل بهذا على ان الأصل في الأشياء الإباحة كما في الكواشي وقال في التيسير اهل الإباحة من المتصوفة الجهلة حملوا اللام في لكم في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ على الإطلاق والإباحة على الإطلاق وقالوا لا حظر ولا نهى ولا امر فاذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه ولا يمنعه ما يريده ويطلبه وهذا منهم كفر صريح وقد نهى الله تعالى وامر وأباح وحظر ووعد وأوعد وبشر وهدد والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة فمن حمل هذه الآية على الإباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية انتهى كلام التيسير ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد إليها اى الى خلقها بإرادته ومشيئته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من ارادة شىء آخر في تضاعيف خلقها

стр. 90

او غير ذلك ولا تناقض بين هذا وبين قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها لان الدحو البسط وعن الحسن خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر اى الحجر ملئ الكف عليها دخان يلتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السموات وامسك الفهر في موضعه ثم بسط منه الأرض كذا في الكواشي وقال ابن عباس رضى الله عنهما أول ما خلق الله جوهرة طولها وعرضها مسيرة الف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت ثم ثار منها دخان فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد أرضا والدخان سماء قالوا فالسماء من دخان خلقت وبريح ارتفعت وباشارة تفرقت وبلا عماد قامت وبنفخة تكسرت فَسَوَّاهُنَّ اى اتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لانه سواهن بعد ان لم يكن كذلك والضمير فيه مبهم فسر بقوله تعالى سَبْعَ سَماواتٍ فهو نصب على انه تمييز نحو ربه رجلا قال سلمان هي سبع اسم الاولى رقيع وهي من زمردة خضراء واسم الثانية أرفلون وهي من فضة بيضاء والثالثة قيدوم وهي من ياقوتة حمراء والرابعة ما عون وهي من درة بيضاء والخامسة دبقاء وهي من ذهب احمر والسادسة وفناء وهي من ياقوتة صفراء والسابعة عروباء وهي من نور يتلألأ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيه تعليل كانه قال ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الانفع واستدلال بان من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان علميا فان إتقان الافعال وأحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الانفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم وازاحة لما يختلج في صدورهم من ان الأبدان بعد ما تفتتت وتكسرت وتبددت اجزاؤها واتصلت بما يشاكلها كيف يجمع اجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شىء منها ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان وفي هذه الآية اشارة الى مراتب الروحانيات فالاول عالم الملكوت الارضية والقوى النفسانية والثاني عالم النفس والثالث عالم القلب والرابع عالم العقل والخامس عالم السر والسادس عالم الروح والسابع عالم الخفاء الذي هو السر الروحي والى هذا أشار امير المؤمنين على رضى الله عنه بقوله سلونى عن طرق السماء فانى اعلم بها من طرق الأرض وطرقها الأحوال والمقامات كالزهد والتقوى والتوكل والرضى وأمثالها واعلم ان المراتب اثنتا عشرة على عدد السموات والعروش الخمسة وكان الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره يقول للتوحيد اثنا عشر بابا فالجلوتية يقطعونها بالتوحيد لان سرهم في اليقين والخلوتية يقطعونها بالأسماء لان سرهم فى البرزخ وهم يقولون جنة الافعال وجنة الصفات وجنة الذات وذلك لان الجنات على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما سبع فاذا كان اربع منها لاهل اليقين اعنى الجلوتية فالثلاث لاهل البرزخ اعنى الخلوتية وهي الافعال والصفات والذات وفي التأويلات النجمية كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ اما خطاب توحيد للمؤمنين اى أتكفرون بالله وبانبيائه لانكم كُنْتُمْ أَمْواتاً ذرات فى صلب آدم فَأَحْياكُمْ باخراجكم من صلته وأسمعكم لذيذ خطاب ألست بربكم وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم بلى رغبة لا رهبة ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بالرجعة الى أصلاب آبائكم والى عالم الطبيعة الانسانية ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ببعثة الأنبياء وقبول دعوتهم

стр. 91

ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة الى درجات الجنات واما خطاب تشريف للانبياء والأولياء اى أتكفرون وكنتم أمواتا في كتم العدم فاحياكم بالتكوين فى عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية وتخمير يد المحبة باربعى صباح الوصال ثم يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال الى مقبرة الحس والخيال ثم يحييكم اما الأنبياء فبنور نور الوحى واما الأولياء فبروح روح نور الايمان ثم اليه ترجعون اما الأنبياء فبالعروج واما الأولياء فبالرجوع بجذبات الحق كما قال تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ فلما اثبت ان الرجوع اليه امر ضرورى اما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم واما بالاضطرار كقراءة الباقين أشار الى ان الذي ترجعون اليه هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً اى ما خلقكم لشئ وخلق كل شىء لكم بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي معناه لا تكن لشئ غيرى فانى لست لشئ غيرك فبقدر ما تكون لى أكون لك كما قال ﵇ (من كان لله كان الله له) وليس لشئ من الموجودات هذا الاستعداد اى ان يكون هو لله على التحقيق وان يكون الله له وفي هذا سر عظيم وافشاء سر الربوبية كفر فلا تشتغل بمالك عمن أنت له فتبقى بلا هو ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فيه اشارة الى ان وجود السموات والأرض كان تبعا لوجود الإنسان وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اى عالم بخلق كل شىء خلقه ولاى شىء خلقه فكل ذرة من مخلوقاته تسبح بحمد ذاته وصفاته وتشهد على أحديته وصمديته وتقول ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك: قال المولى الجامى قدس سره دو جهان جلوكاه وحدت تو ... شهد الله كواه وحدت تو وَإِذْ مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت قالَ رَبُّكَ وتوجيه الأمر بالذكر الى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما ان إيجاب ذكر الوقت إيجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كانها مشاهدة عيانا لِلْمَلائِكَةِ اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق الى ما اخر والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فانهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله لان اصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة والملائكة عند اكثر المسلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك وروى في شرح كثرتهم ان بنى آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا الى السماء السابعة ثم كل أولئك في مقابلة الكرسي نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد او راكع او قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء في مقابلة

стр. 92

الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع اسرافيل ﵇ والملائكة الذين هم جنود جبريل ﵇ لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفيات عبادتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وروى انه ﷺ حين عرج به الى السماء رأى ملائكة في موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله جبريل ﵉ الى اين يذهبون فقال جبريل ﵇ لا أدرى الا انى أراهم منذ خلقت ولا ارى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذكم خلقت فقال لا أدرى غير ان الله تعالى يخلق في كل اربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقنى اربعمائة الف كوكب فسبحانه من آله ما أعظم قدره وما أوسع ملكوته وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك ان الله خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فاسكن الملائكة السماء واسكن الجن الأرض والجن هم بنوا الجان والجان ابو الجن كآدم ابو البشر وخلق الله الجان من لهب من نار لا دخان لها بين السماء والأرض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا في الأرض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الجسد والبغي فافسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل وكان أكثرهم علما فهبطوا الى الأرض حتى هزموا الجن وأخرجوهم من الأرض الى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الأرض وصار امر العبادة عليهم أخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع في السموات يكون خوفهم أشد وملائكة السماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم واعطى الله إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك الا لانى أكرم الملائكة عليه وايضا كل من اطمأن الى الدنيا امر بالتحول عنها فقال الله تعالى له ولجنوده إِنِّي جاعِلٌ اى مصير فِي الْأَرْضِ دون السماء لان التباغي والتظالم كان في الأرض خَلِيفَةً وهو آدم ﵇ لانه خلف الجن وجاء بعدهم ولانه خليفة الله في ارضه اى أريد ان اخلق في الأرض بدلا منكم ورافعكم الى فكرهوا ذلك لانهم كانوا أهون الملائكة عبادة واعلم ان الله تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذي لا يكون في كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم ﵇ والختام يكون بعيسى ﵇ والحكمة في الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى في غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا في العلائق الدنيئة كالاكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجهة التعلق وهو الخليفة أيا كان ولذا لم يستنبئ الله ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى ان العظم لما عجز عن أخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته إذ هم اقرب الى قبولهم منه وجعل

стр. 93

المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب وفائدة قوله تعالى لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً اربعة امور الاول تعليم المشاورة في أمورهم قبل ان يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وان كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة: قال في المثنوى مشورت ادراك وهشيارى دهد ... عقلها مر عقل را يارى دهد كفت پيغمبر بكن اى رأى زن ... مشورت كه المستشار مؤتمن ويقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الألباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط وأورع النساء لا تستغنى عن الزوج والثاني تعظيم شأن المجعول بان بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه والثالث اظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وهو قوله أَتَجْعَلُ إلخ وجوابه وهو قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إلخ والرابع بيان ان الحكمة تقتضى ما يغلب خيره فان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير كقطع العضو الذي فيه آكلة شر قليل وسلامة جميع البدن خير كثير فلو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآفة الى جميع البدن وأدت الى الهلاك الذي هو شر كثير قالُوا استئناف كانه قيل فماذا قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا أَتَجْعَلُ فِيها اى الأرض مَنْ يُفْسِدُ فِيها كما أفسدت الجن وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستبعاد وَيَسْفِكُ الدِّماءَ اى يصبها ظلما كما يسفك بنوا الجان والتعبير عن القتل بسفك الدماء لما انه أقبح انواع القتل قال بعض العارفين الملائكة الذين نازعوا في آدم ليسوا من اهل الجبروت ولا من اهل الملكوت السماوية فانهم لغلبة النورية عليهم واحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الإنسان الكامل ورتبته عند الله وان لم يعرفوا حقيقته كما هي بل نازعت ملائكة الأرض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفي قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً بتخصيص الأرض بالذكر وان كان خليفة في العالم كله في الحقيقة هو ايماء ايضا بان ملائكة الأرض هم الطاعنون إذا الظن لا يصدر الا ممن هو في معرض ذلك المنصب واهل السموات مدبرات للعالم العلوي فما قالت الملائكة الارضية الا بمقتضى نشأتهم التي هم عليها من غبطة منصب الخلافة في الأرض والغيرة على منصب ملكهم وتعبدهم بما هم عليه من التسبيح والتقديس فكل اناء يترشح بما فيه واما الاعتراض على فعل الحكيم والنزاع في صنعه عند حضرته فمعفو عنه لكمال حكمته وإتقان صنعته: قال في المثنوى زانكه اين دمها اگر نالايقست ... رحمت من بر غضب هم سابقست از پى اظهار اين سبق اى ملك ... در تو بنهم داعيه إشكال وشك تا بگويى ونكيرم بر تو من ... منكر حلمم نيارد دم زدن صد پدر صد مادر اندر حلم ما ... هر نفس زايد در افتد در فنا حلم ايشان كف بحر حلم ماست ... كف رود آيد ولى دريا بجاست وفي الفتوحات ان هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم ولاجل هذا ابتلاهما الله تعالى بإظهار الفساد وسفك الدماء فافهم سر قوله ﵇ (دع الشماتة عن أخيك فيعافيه الله تعالى

стр. 94

ويبتليك) وايضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء الملائكة التي أرسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه كذا في حل الرموز وكشف الكنوز وَنَحْنُ اى والحال انا نُسَبِّحُ اى ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين بِحَمْدِكَ على ما أنعمت علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لاظهار صفات الجلال والحمد لتذكير صفات الانعام وَنُقَدِّسُ تقديسا لَكَ اى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك فاللام للبيان كما في سقيا لك متعلقة بمصدر محذوف ويجوز ان تكون مزيدة اى نقدسك قال في التيسير التسبيح نفى ما لا يليق به والتقديس اثبات ما يليق به وقال الشيخ داود القيصري قدس سره التسبيح أعم من التقديس لانه تنزيه الحق عن نقائص الإمكان والحدوث والتقديس تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للاكوان لانها من حيث اضافتها الى الأكوان تخرج عن إطلاقها وتقع في نقائص التقييد انتهى وكانه قيل أتستخلف من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شانه ذلك أصلا والمقصود عرض احقيتهم منهم بالخلافة والاستفسار عمار جح بنى آدم عليهم مع ما هو متوقع منهم من الفساد وكأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل قالَ الله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من الحكمة والمصلحة باستخلاف آدم ﵇ وان من ذريته الطائع والعاصي فيظهر الفضل والعدل فلا تعترضوا على حكمى وتقديرى ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيرى فليس كل مخلوق يطلع على غيب الخالق ولا كل أحد من الرعية يقف على سر الملك وفي الآية تنبيه للسالك بان يتأدب بين يدى الحق تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء لئلا يظهر بالانانية واظهار العلم عندهم لانه سالك لطريق الفناء والفاني لا يكون كطاووس تعشق بنفسه واعجب بذاته بل لا يرى وجوده أصلا فقد وعظنا الله تعالى بزجره للملائكة بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ: قال السعدي نرود مرغ سوى دانه فراز ... چون دگر مرغ بيند اندر بند پند كير از مصائب ديكران ... تا نكيرند ديكران ز تو پند وفي التأويلات النجمية وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً انما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين أحدهما ان الجاعلية أعم من الخالقية فان الجاعلية هي الخالقية وشىء آخر وهو ان يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل أحد هذا الاختصاص كما قال تعالى يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ اى خلقناك مستعدا للخلافة فاعطينا كها والثاني ان للجعلية اختصاصا بعالم الأمور وهو للملكوت وهو ضد عالم الخلق لانه هو عالم الأجسام والمحسوسات كما قال تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ اى الملك والملكوت فانه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر ذكره بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فالسموات والأرض لما كانتا من الأجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية والظلمات والنور لما كانتا من الملكوتيات غير المحسوسات ذكرهما بالجعلية وانما قلنا الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فيفيد انها من الملكوتيات لا من المحسوسات واما الظلمات والنور التي من المحسوسات فانها داخلة

стр. 95

فى السموات والأرض فافهم جدا فكذلك لما اخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ولما اخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وفي انى جاعل اشارة اخرى وهو اظهار عزة آدم ﵇ على الملائكة لينظروا اليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فانه تعالى يقول ولذلك خلقهم وسماه خليفة وما شرف شيأ من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وانما سمى خليفة لمعنيين أحدهما انه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها وذلك لان الله جمع فيه ما في العوالم كلها من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات والدنيويات والاخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل وأكرمه باختصاص كرامة ونفخت فيه من روحى وما أكرم بها أحدا من العالمين وأشار الى هذا المعنى بقوله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها ان تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى والثاني انه يخلف وينوب عن الله صورة ومعنى اما صورة فوجوده في الظاهر يخلف عن وجود الحق في الحقيقة لان وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني ويخلف وحدانية الإنسان عن وحدانية الحق وذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته فيخلف حياته عن حياته وقدرته عن قدرته وإرادته عن إرادته وسمعه عن سمعه وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ولا جهتيته عن لا جهتيته فافهم ان شاء الله تعالى وليس لنوع من المخلوقات ان يخلف عنه كما يخلف آدم وان كان فيهم بعض هذه لانه لا يجتمع صفات الحق في أحد كما يجتمع في الإنسان ولا يتجلى صفة من صفاته لشئ كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان صفاته واما الحيوانات فانها وان كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجود موجدها واما الملائكة فانهم وان كانوا عالمين بوجود موجدهم ولكن لا يبلغ حد علمهم الى ان يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته ولذا قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا وكان الإنسان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع اسماء الله تعالى واما معنى فليس في العالم مصباح يستضئ بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته في الأرض خلافة عنه الا مصباح الإنسان فانه مستعد لقبول فيض نور الله لانه اعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضئ من صفات العقل ولو لم تمسسه نار النور وفي مصباح السر فتيلة الخفاء فاذا أراد الله ان يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدى لنوره فتيلة خفاء من يشاء فيستنير مصباحه بنار نور الله فهو على نور من ربه فيكون خليفة الله في ارضه فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقيها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقيها كما قال تعالى (يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) وقال لحبيبه ﵇ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال في حقه وحق المؤمنين مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ولم يظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك وناهيك بحال هاروت وماروت لما أنكرا على ذرية آدم من اتباع الهوى والقتل

стр. 96

والظلم والفساد وقالا لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون فالله تعالى انزلهما الى الأرض والبسهما لباس البشرية وأمرهما ان يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنى وشرب الخمر قال قتادة فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فثبت ان الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيضان نور الله فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لما افتتنا بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية كما كان الأنبياء ﵈ معصومين من مثل هذه الآفات والأخلاق وان كانت لازمة لصفاتهم البشرية ولكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنار بنور قلوبهم جميع مشكاة جسدهم ظاهرا وباطنا وأشرقت الأرض بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور فالملائكة من بدو الأمر لما نظروا الى جسد آدم شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فقولهم هذا يدل على معان مختلفة منها ان الله أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا ان هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلانأمن من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ومنها لنعلم ان كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وكل فساد وظلم لا يجرى علينا ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ومنها لنعلم ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا للملائكة المقربين إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته ومنها لنعلم ان فساد الاستعداد امر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى في طلبها حق السعاية ومنها ان الملائكة انما قالوا أَتَجْعَلُ فِيها إلخ لانهم نظروا الى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الاربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فانها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها أحواله بعد ان شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا في حقهم وانما يكون غيبا لنا لانا ننظر بالحس والملكوت يكون لاهل الحس غيبا ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فحينئذ لا يكون غيبا فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب وليس لهم الترقي الى تلك الحضرة وان في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتي غير المحسوس وسرا مستعدا لقبول فيض الأنوار الإلهية فبالتربية يترقى من عالم الشهادة الى عالم الغيب وهو

стр. 97

الملكوت وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت الى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب ويشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال فيكون في خلافة الحق عالما للغيب والشهادة كما ان الله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ اى الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب أَحَداً يعنى من الملائكة إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعنى من الإنسان فهذا هو السر المكنون المركوز في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلم منه والملائكة لا يعلمونه كما قال تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ومنها ان الملائكة لما نظروا الى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم ونظروا الى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته فقالوا أَتَجْعَلُ فِيها يعنى في الأرض خَلِيفَةً مع انه يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ يعنى نحن لهذه الأوصاف أحق بالخلافة منه كما قال بنوا إسرائيل حين بعث الله لهم طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ فاجابهم الله تعالى بان استحقاق الملك ليس بالمال انما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم فقال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ فكذلك هنا أجابهم الله تعالى بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ اجمالا ثم فصله بقوله إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وبقوله وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وبقوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ولكنه مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفي قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ اشارة اخرى الى انه كما يدل على ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائل وأوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذمومة هي من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة في ملكوته غير أوصاف مذمومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما في التأويلات وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال وهب بن منبه لما أراد الله ان يخلق آدم اوحى الى الأرض اى افهمها وألهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فادخله الجنة ومنهم من يعصينى فادخله النار فقالت الأرض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وبعث إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة من زواياها الأربع من اسودها وأبيضها وأحمرها وأطيبها واخبثها وسهلها وصعبها وجبلها فلما أتاها جبريل ليقبض منها قالت الأرض بالله الذي أرسلك لا تأخذ منى شيأ فان منافع التقرب الى السلطان كثيرة ولكن فيه خطر عظيم كما قيل بدريا در منافع بيشمارست ... اگر خواهى سلامت در كنارست

стр. 98

فرجع جبريل ﵇ الى مكانه ولم يأخذ منها شيأ فقال يا رب حلفتنى الأرض باسمك العظيم فكرهت ان اقدم عليها فارسل الله ميكائيل ﵇ فلما انتهى إليها قالت الأرض له كما قالت لجبريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فارسل الله اسرافيل ﵇ وجاء ولم يأخذ منها شيأ وقال مثل ما قال جبريل وميكائيل فارسل الله ملك الموت فلما انتهى قالت الأرض أعوذ بعزة الله الذي أرسلك ان تقبض منى اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وانا أعوذ بعزته ان اعصى له امرا فقبض قبضة من وجه الأرض مقدار أربعين ذراعا من زواياها الأربع فلذلك يأتى بنوه اخيافا اى مختلفين على حسب اختلاف ألوان الأرض وأوصافها فمنهم الأبيض والأسود والأحمر واللين والغليظ فصار كل ذرة من تلك القبضة اصل بدن للانسان فاذا مات يدفن في الموضع الذي أخذت منه ثم صعد الى السماء فقال الله له أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك فقال رأيت أمرك أوجب من قولها فقال أنت تصلح لقبض أرواح ولده قال فى روضة العلماء فشكت الأرض الى الله تعالى وقالت يا رب نقص منى قال الله على ان أرد إليك احسن وأطيب مما كان فمن ثمه يحنط الميت بالمسك والغالية انتهى فامر الله تعالى عزرائيل فوضع ما أخذ من الأرض في وادي نعمان بين مكة والطائف بعد ما جعل نصف تلك القبضة في النار ونصفها فى الجنة فتركها الى ما شاء الله ثم أخرجها ثم أمطر عليها من سحاب الكرم فجعلها طينا لازبا وصور منه جسد آدم واختلفوا في خلقة آدم ﵇ فقيل خلق في سماء الدنيا وقيل في جنة من جنات الأرض بغربيتها كالجنة التي يخرج منها النيل وغيره من الأنهار واكثر المفسرين انه خلق في جنة عدن ومنها اخرج كما في كشف الكنوز وفي الحديث القدسي (خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) يعنى أربعين يوما كل يوم منه الف عام من أعوام الدنيا فتركه أربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا وهو الطين المصوت من غاية يبسه كالفخار فامطر عليه مطر الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم أمطر عليه مطر السرور سنة واحدة فلذلك كثرت الهموم في بنى آدم ولكن يصير عاقبتها الى الفرح كما قيل ان لكل بداية نهاية وان مع العسر يسرا ان مع العسر چويسرش قفاست ... شاد برانم كه كلام خداست وكانت الملائكة يمرون عليه ويتعجبون من حسن صورته وطول قامته لان طوله كان خمسمائة ذراع الله اعلم بأى ذراع وكان رأسه يمس السماء ولم يكونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها فمر به إبليس فرآه ثم قال لامر ما خلقت ثم ضربه بيده فاذا هو أجوف فدخل فيه وخرج من دبره وقال لاصحابه الذين معه من الملائكة هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك ثم قال لهم أرأيتم ان فضل هذا عليكم ما أنتم فاعلون قالوا نطيع ربنا فقال إبليس في نفسه والله لا أطيعه ان فضل على ولئن فضلت عليه لأهلكنه عاقبت كرك زاده كرك شود وجمع بزاقه في فمه وألقاه عليه فوقع بزاق اللعين على موضع سرة آدم ﵇ فامر الله جبريل فقور بزاق اللعين من بطن آدم فحفرة السرة من تقوير جبريل وخلق الله من تلك القوارة كلبا وللكلب ثلاث خصال فانسه بآدم لكونه من طينه وطول سهره في الليالى من أثر مس جبريل ﵇ وعضه الإنسان وغيره وأذاه من غير خيانة من اثر بزاق اللعين وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة

стр. 99

وسمى بآدم لكونه من أديم الأرض لانه مؤلف من انواع ترابها ولما أراد الله ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال ادخل كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار في رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار في جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى الى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب فقال تعالى وخلق الإنسان عجولا فصار بشرا لحما ودما وعظاما وعصبا وأحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم وهو في ذلك منتطق متوج وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة فى رأسه أذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شىء وبابين في جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله في دماغه وشرهه في كليتيه وغضبه في كبده وشجاعته في قلبه ورغبته في رئته وضحكه فى طحاله وفرحه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه اسماء الأشياء كلها اى ألهمه فوقع فى قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه بتسمية الأشياء من عنده فعلمه جميع اسماء المسميات بكل اللغات بان أراه الأجناس التي خلقها وعلمه ان هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه اسماء الملائكة واسماء ذريته كلهم واسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شىء واسماء المدن والقرى واسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها الى يوم القيامة واسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة واسماء كل شىء حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب قال في كشف الكنوز اتفق جم غفير من اهل العلم على ان الأسماء كلها توقيفية من الله تعالى بمعنى ان الله تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الألفاظ والمعاني وان هذه الألفاظ موضوعة لتلك المعاني وفي الخبر لما خلق الله آدم بث فيه اسرار الاحرف ولم يبث في أحد من الملائكة فخرجت الاحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها الله صورا له ومثلت له بانواع الاشكال وفي الخبر علمه سبعمائة الف لغة فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها أولاده الى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها قال بعض المفسرين علم الله آدم ألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لاولادك ان أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حراثا اى زراعا ونوح نجارا وإدريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان اكثر عمله صلى الله تعالى عليه وسلم في البيت الخياطة وفي الحديث (عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل) كذا في روضة الأخيار وقال العلماء الأسماء في قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ

стр. 100

تقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول فكما علمه اسماء المخلوقات علمه اسماء الحق تعالى فاذا كان تخصيصه بمعرفة اسماء المخلوقات يقتضى ان يصح سجود الملائكة له فما الظن بتخصيصه بمعرفة اسماء الحق وما الذي يوجب له ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ اى عرضها اى المسميات وانما ذكر الضمير لان في المسميات العقلاء فغلبهم والعرض اظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله وفي الحديث (انه عرضهم أمثال الذر) ولعله عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون أنموذجا يتعرف منه احوال البقية وأحكامها والحكمة في التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه وإظهاره الاسرار والعلوم المكنونة فى غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده وهو المعلم المكرم آدم الصفي كيلا يحتج الملك وغيره بعلمه ومعرفته وذلك رحمة الله التي وسعت كل شىء فَقالَ الله تبكيتا وتعجيزا للملائكة وخطاب التعجيز جائز وهو الأمر بإتيان الشيء ولم يكن إتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب وان كان ذلك محالا كالامر بإحياء الصورة التي يفعلها المصورون يوم القيامة ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم ولا ينفعهم الندم أَنْبِئُونِي اى أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ الموجودات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى زعمكم انكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم ويقال هذه الآية دليل على ان اولى الأشياء بعد علم التوحيد تعلم علم اللغة لانه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغة ودلت ايضا ان المدعى يطالب بالحجة فان الملائكة ادعوا الفضل فطولبوا بالبرهان وبحثوا عن الغيب فقرعوا بالعيان اى لا تعلمون اسماء ما تعاينون فكيف تتكلمون في فساد من لا تعاينون فيا ارباب الدعاوى اين المعاني ويا ارباب المعرفة اين المحبة ويا ارباب المحبة اين الطاعة قال ابو بكر الواسطي من المحال ان يعرفه العبد ثم لا يحبه ومن المحال ان يحبه ثم لا يذكره ومن المحال ان يذكره ثم لا يجد حلاوة ذكره ومن المحال ان يجد حلاوة ذكره ثم يشتغل بغيره قالُوا استئناف واقع موقع الجواب كانه قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه او لا فقيل قالوا سُبْحانَكَ اى نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدس من الأمور التي من جملتها خلو افعالك من الحكم والمصالح وهي كلمة تقدم على التوبة قال موسى ﵇ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وقال يونس سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وسبحان اسم واقع موقع المصدر لا يكاد يستعمل الا مضافا فاذا أفرد عن الاضافة كان اسما علما للتسبيح لا ينصرف للتعريف والالف والنون فى آخره لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه واشعار بان سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا إذ معناه لا علم لنا الا ما علمتنا بحسب قابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قدرة لنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته علينا وما مصدرية اى الا علما علمتناه ومحله رفع بدل من موضع لا علم كقولك لا اله الا الله إِنَّكَ أَنْتَ ضمير فضل لا محل له من الاعراب الْعَلِيمُ الذي لا يخفى عليه خافية وهذه اشارة الى تحقيقهم لقوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ الْحَكِيمُ المحكم لمبتدعاته والذي لا يفعل الا ما فيه حكمة بالغة وأفادت الآية ان العبد ينبغى له ان لا يغفل عن نقصانه وعن فضل الله وإحسانه ولا يأنف ان يقول لا اعلم فيما لا يعلم ولا يكتم فيما يعلم وقالوا لا أدرى

стр. 101

نصف العلم وسئل ابو يوسف القاضي عن مسئلة فقال لا أدرى فقالوا له ترتزق من بيت المال كل يوم كذا كذا ثم تقول لا أدرى فقال انما ارتزق بقدر علمى ولو أعطيت بقدر جهلى لم يسعنى مال الدنيا- وحكى- ان عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال لا أدرى فقيل له ليس المنبر موضع الجهال فقال انما علوت بقدر علمى ولو علوت بقدر جهلى لبلغت السماء قالَ استئناف ايضا يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ اى أعلمهم بِأَسْمائِهِمْ التي عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصير هممهم عن بلوغ مرتبتها فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ روى انه رفع على منبر وامر ان ينبئ الملائكة بالأسماء فلما انبأهم بها وهم جلوس بين يديه وذكر منفعة كل شىء قالَ الله تعالى أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والاستفهام للتقرير اى قد قلت لكم انى اعلم ما غاب فيهما ولا دليل عليه ولا طريق اليه وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من قولكم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ تسرون من قولكم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا وهو استحضار لقوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه فانه تعالى كما علم ما خفى عليهم من امور السموات والأرض وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الاولى من السؤال وهو ان يتوقفوا مترصدين لان يبين لهم وهذه الآيات تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة لان الملائكة اكثر عبادة من آدم ومع ذلك لم يستحقوا الخلافة وتدل على ان العلم شرط في الخلافة بل العمدة فيها وان آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لانه اعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فالعلم اشرف جوهرا ولكن لا بد للعبادة مع العلم فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة فالشرف للشجرة وهو الأصل لكن الانتفاع بثمرتها وفي حديث ابى ذر رضى الله عنه (حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ألف مريض وشهود ألف جنازة) فقيل يا رسول الله أو من قراة القرآن قال (وهل ينفع القرآن الا بالعلم) : قال في المثنوى خاتم ملك سليمانست علم ... جمله عالم صورت وجانست علم وفي الحديث (النظر الى وجه الوالد عبادة والنظر الى الكعبة المكرمة عبادة والنظر في المصحف عبادة والنظر في وجه العالم عبادة من زار عالما فكانما زارنى ومن صافح عالما فكانما صافحنى ومن جالس عالما فكانما جالسنى ومن جالسنى في الدنيا أجلسه الله معى يوم القيامة) وفي الحديث (من أراد ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فوالذى نفس محمد بيده ما من متعلم يختلف اى يذهب ويجئ الى باب العالم الا يكتب الله له بكل قدم عبادة سنة ويبنى بكل قدم مدينة في الجنة ويمشى على الأرض والأرض تستغفر له ويمسى ويصبح مغفور اله) وفي التأويلات النجمية وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها الأسماء على ثلاثة اقسام قسم منها اسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم فلهم علم ببعضها واستعداد ايضا لان ينبأوا بما لا علم لهم به فان الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا والقسم

стр. 102

الثاني منها اسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن انباؤهم لان الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة إلينا فانها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للانسان الانباء باحوالها والقسم الثالث منها الآلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة كما قال تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فلا يمكن للانسان ان ينبئهم بها ولا يمكن لهم الانباء فوق ما علمهم الله منها لانها غيب وليس لهم الترقي الى عالم الغيب وهو عالم الجبروت وهم اهل الملكوت ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه كما قال جبريل عند سدرة المنتهى (لو دنوت انملة لاحترقت) وانما كان آدم مخصوصا بعلم الأسماء لانه خلاصة العالم وكان روحه بذر شجرة العالم وشخصه ثمرة شجرة العالم ولهذا خلق شخصه بعد تمام ما فيه كخلق الثمرة بعدم تمام الشجرة كما ان الثمرة تعبر على اجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة كذلك آدم عبر على اجزاء شجرة الموجودات علوها وسفلها وكان في كل جزء من اجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة فسمى كل شىء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة بعلم علمه الله تعالى وهذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم والملائكة لا يعلمون وكان من كمال حال آدم أن اسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته فضلا عن اسماء غيره وذلك انه لما كان مخلوقا كان الله خالقا ولما كان مرزوقا كان الله رازقا ولما كان عبدا كان الله معبودا ولما كان معيوبا كان الله ستارا ولما كان مذنبا كان الله غفارا ولما كان تائبا كان الله توابا ولما كان منتفعا كان الله نافعا ولما كان متضررا كان الله ضارا ولما كان ظالما كان الله عدلا ولما كان مظلوما كان الله منتقما فعلى هذا قس الباقي وَإِذْ قُلْنا اى اذكر يا محمد وقت قولنا لِلْمَلائِكَةِ اى لجميعهم لقوله تعالى فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ اسْجُدُوا لِآدَمَ اى خرواله والسجود فى الأصل تذلل مع تطامن وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة والمأمور به اما المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه واما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له كسجود اخوة يوسف له وكان سجود التحية جائزا فيما مضى ثم نسخ بقوله ﵇ لسلمان حين أراد ان يسجد له (لا ينبغى لمخلوق ان يسجد لاحد الا الله تعالى ولو أمرت أحدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها) فتحية هذه الامة هي السلام لكن يكره الانحناء لانه يشبه فعل اليهود كما في الدرر وكان هذا القول الكريم بعد انبائهم بالأسماء قيل لما خلق آدم أشكل عليهم ان آدم اعلم أم هم فلما سألهم عن الأسماء فلم يعرفوا وسأل آدم فاخبر بها ظهر لهم ان آدم اعلم منهم ثم أشكل عليهم انه أفضل أم هم فلما أمرهم بالسجود ظهر لهم فضله ومن لطف الله تعالى بنا ان امر الملائكة بالسجود لا بينا ونهانا عن السجود لغيره فقال لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ نقل الملائكة المقربين الى آدم وسجدته ونقلنا الى سجدته وخدمته وفي التأويلات النجمية في قوله اسْجُدُوا ثلاثة معان أحدها انكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية فاسجدوا لآدم خلافا للطبيعة بل اعبدوا وارقوا انقيادا للامر وامتثالا للحكم والثاني اسجدوا لآدم تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به وذلك لان الله تعالى يتجلى فيه فمن سجد له فقد سجد لله كما قال تعالى في حق حبيبه عليه السلام

стр. 103

إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ والثالث اسجدوا لآدم اى لاجل آدم وذلك لان طاعتهم وعبادتهم ليست بموجبة لثوابهم وترقى درجاتهم وفائدتها راجعة الى الإنسان لمعنيين أحدهما ان الإنسان يقتدى بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر لقوله تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ والثاني ان الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للانسان كما قال تعالى وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ فلذلك أمرهم بالسجود لاجلهم وليستغفروا لهم فَسَجَدُوا اى سجد الملائكة لانهم خلقوا من نور كما قال ﵇ (خلقت الملائكة من نور) والنور من شانه الانقياد والطاعة وأول من سجد جبرائيل فاكرم بانزال الوحى على النبيين وخصوصا على سيد المرسلين ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم سائر الملائكة وقيل أول من سجد اسرافيل فرفع رأسه وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه الى الائتمار والفاء في قوله فسجدوا لافادة مسارعتهم الى الامتثال وعدم تلعثمهم في ذلك إِلَّا إِبْلِيسَ اى ما سجد لانه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا وللعلماء في هذا الاستثناء قولان الاول انه استثناء متصل لان إبليس كان جنيا واحدا بين اظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في قوله فسجدوا ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم واكثر المفسرين على ان إبليس من الملائكة لان خطاب السجود كان مع الملائكة قال البغوي وهو الأصح قال في التيسير اما وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون فذلك دليل تصور العصيان منهم ولولا التصور لما مدحوا به لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة تصور العصيان فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر: قال في المثنوى امتحان مى كردشان زير وزبر ... كى بود سر مست را ز اينها خبر والقول الثاني انه منقطع لانه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص قال تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وعن الحافظ ان الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن أَبى اى امتنع عما امر به من السجود والإباء امتناع باختيار وَاسْتَكْبَرَ اى تعظم واظهر كبره ولم يتخذه وصلة فى عبادة ربه او تعظيمه وتلقيه بالتحية والتكبر ان يرى الرجل نفسه اكبر من غيره والاستكبار طلب ذلك بالتشبع اى بالتزين بالباطل وبما ليس له وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسببا عنه لظهوره ووضوح اثره: قال في المثنوى اين تكبر چيست غفلت از لباب ... منجمد چون غفلت يخ ز آفتاب چون خبر شد ز آفتابش يخ نماند ... نرم گشت وگرم گشت وتيز راند قالوا لما سجد الملائكة امتنع إبليس ولم يتوجه الى آدم بل ولاه ظهره وانتصب هكذا الى

стр. 104

ان سجدوا وبقوا في السجود مائة سنة وقيل خمسمائة سنة ورفعوا رؤسهم وهو قائم معرض لم يندم من الامتناع ولم يعزم على الاتباع فلما رأوه عدل ولم يسجدوهم وفقوا للسجود سجدوا لله تعالى ثانيا فصار لهم سجدتان سجدة لآدم وسجدة لله تعالى وإبليس يرى ما فعلوه وهذا اباؤه فغير الله تعالى صفته وحالته وصورته وهيئته ونعمته فصار أقبح من كل قبيح قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ قال بعضهم جعل ممسوخا على مثال جسد الخنازير ووجهه كالقردة وللشيطان نسل وذرية والممسوخ وان كان لا يكون له نسل لكن لما سأل النظرة وانظر صار له نسل وفي الخبر قيل له من قبل الحق اسجد لقبر آدم أقبل توبتك واغفر معصيتك فقال ما سجدت لقالبه وجثته فكيف اسجد لقبره وميتته وفي الخبر ان الله تعالى يخرجه على رأس مائة الف سنة من النار ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود لآدم فيأبى ثم يرد الى النار وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ اى في علم الله تعالى او صار منهم باستقباحه امر الله إياه بالسجود لآدم اعتقادا بانه أفضل منه والأفضل لا يحسن ان يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به كما أشعر به قوله (انا خير منه) جوابا لقوله تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ لا بترك الواجب وحده ومذهب اهل السنة ان الشقي قد يسعد والسعيد قد يشقى فالكافر إذا اسلم كان كافرا الى وقت إسلامه وانما صار مسلما بإسلامه الا انه غفر له ما سلف والمسلم إذا كفر والعياذ بالله كان مسلما الى ذلك الوقت الا انه حبط عمله ثم انما قال من الكافرين ولم يكن حينئذ كافر غيره لانه كان فى علم الله ان يكون بعده كفار فذكر انه كان من الكافرين اى من الذين يكفرون بعده وهذا كما في قوله فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وانه قد يفضى بصاحبه الى الكفر والحث على الائتمار لامره وترك الخوض في سره وان الأمر للوجوب وان الذي علم الله من حاله انه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتم وان كان بحكم الحال مؤمنا وهي مسئلة الموافاة اى اعتبار تمام العمر الذي هو وقت الوفاة فاذا كان العبرة بالخاتمة فليسارع العبد الى الطاعات فكل ميسر لما خلق له خصوصا في آخر السنة وخاتمتها كى يختم له الدفتر بالعمل الصالح قالت رابعة العدوية لسفيان الثوري رحمهما الله انما أنت ايام معدودة فاذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك إذا ذهب البعض ان يذهب الكل وأنت تعلم فاعمل واعتبر ولا تقل ذهب لى درهم ودينار وسقط لى مال وجاه بل قل ذهب يومى ماذا عملت فيه فان باليوم ينقضى العمر واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الأحزان وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى وعن العلاء بن ذياد قال ليس يوم يأتى من ايام الدنيا الا يتكلم ويقول يا ايها الناس انى يوم جديد وانا على ما يعمل في شهيد وانى لو غربت شمسى لم ارجع إليكم الى يوم القيامة قيل يا رسول الله من خير الناس قال (من طال عمره وحسن عمله) قيل فاى الناس شر قال (من طال عمره وساء عمله وخيف شره ولم يرج خيره) قال الحسن لجلسائه يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع إذا بلغ قالوا الحصاد قال يا معشر الشباب فان الزرع قد تدركه الآفة قبل ان يبلغ وانشد بعضهم

стр. 105

ألا مهد لنفسك قبل موت فان الشيب تمهيد الحمام وقد جد الرحيل فكن مجدا لحط الرحل في دار المقام وعن الحسن قال ابن آدم لا تحمل هم سنة على يوم كفى يومك بما فيه فان تكن السنة من عمرك يأتك الله فيها برزقك والا تكن من عمرك فاراك تطلب ما ليس لك وعن ابى الدرداء رضى الله عنه قال ما طلعت شمس الا وبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الأرض غير الثقلين يا ايها الناس هلموا الى ربكم ان ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وما غربت شمس قط الا وبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الأرض غير الثقلين اللهم عجل لمنفق خلفا وعجل لممسك تلفا: قال في المثنوى نان دهى از بهر حق نانت دهند ... جان دهى از بهر حق جانت دهند وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ قال القرطبي في تفسيره لا خلاف ان الله تعالى اخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال يا آدم اسكن اى لازم الاقامة واتخذها مسكنا وهو محل السكون وليس المراد به ضد الحركة بل اللبث والاستقرار وَزَوْجُكَ حواء يقال للمرأة الزوج والزوجة والزوج افصح كما في تفسير ابى الليث وانما لم يخاطبهما او لا تنبيها على انه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له الْجَنَّةَ هى دار الثواب بإجماع المفسرين خلافا لبعض المعتزلة والقدرية حيث قالوا المراد بالجنة بستان كان في ارض فلسطين او بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانا لآدم وأولوا الهبوط بالانتقال منه الى ارض الهند كما في قوله تعالى اهْبِطُوا مِصْراً وفيه نظر لان الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها وهناك ليس كذلك واختلفوا في خلقة حواء هل كانت قبل دخول الجنه او بعده ويدل على الاول ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من الذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ والزمرد وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلوهما الجنة ويدل على الثاني ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه انه لما خلق الله الجنة واسكن فيها آدم بقي فيها وحده فألقى الله عليه النوم ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من الجانب الأيسر ووضع مكانه لحما فخلق منه حواء ومن الناس من قال لا يجوز ان يقال خلقت حواء من ضلع آدم لانه يكون نقصانا منه ولا يجوز القول بنقص الأنبياء قلنا هذا نقص منه صورة تكميل له معنى لانه جعلها سكنه وأزال بها وحشته وحزنه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة فسألها من أنت فقالت انى امرأة فقال ولم خلقت قالت لتسكن الى واسكن إليك فقالت الملائكة يا آدم ما اسمها قال حواء قالوا ولم قال لانها خلقت من حى او لانها اصل كل حى او لانها كانت في ذقنها حوة اى حمرة مائلة الى السواد وقيل في شفتها وسميت مرأة لانها خلقت من المرء كما ان آدم سمى بآدم لانه خلق من أديم الأرض وعاشت بعد آدم سبع سنين وسبعة أشهر وعمرها تسعمائة سنة وسبع وتسعون سنة واعلم ان الله تعالى خلق واحدا من اب دون أم وهو حواء وآخر من أم دون أب وهو عيسى وآخر من اب وأم اى أولاد آدم وآخر من غير اب وأم اى آدم فسبحان من اظهر من عجائب

стр. 106

صنعه ما يتحير فيه العقول ثم اعلم ان الله تعالى خلق حواء لامر تقتضيه الحكمة ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه وليبقى الذرية على ممر الأزمان والأيام الى ساعة القيام فان بقاءها سبب لبعثة الأنبياء وتشريع الشرائع والاحكام ونتيجة لامر معرفة الله فان الله تعالى خلق الخلق لاجلها وفي الزوجية منافع كثيرة دينية ودنيوية واخروية ولم يذكر الله تعالى في كتابه من الأنبياء الا المتزوجين وقالوا ان يحيى ﵇ قد تزوج لنيل الفضل واقامة السنة ولكن لم يجامع لكون ذلك عزيمة في تلك الشريعة ولذلك مدحه الله بكونه حصورا وفي الأشباه ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم الى الآن ثم تلك العبادة لا تستمر في الجنة الا الايمان والنكاح قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من المتأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل وحفظا من الزنى والترغيب في النكاح يجرى الى ما يجاوز المائة الاولى من الالف الثاني كما قال ﵇ (إذا اتى على أمتي مائة وثمانون سنة بعد الالف فقد حلت العزوبة والعزلة والترهب على رؤس الجبال) وذلك لان الخلق في المائتين اهل الحرب والقتل فتربية جر وحينئذ خير من تربية ولد وان تلد المرأة حية خير من ان تلد الولد: كما قال السعدي زنان باردار اى مرد هشيار ... اگر وقت ولادت مار زايند از ان بهتر بنزد يك خردمند ... كه فرزندان نا هموار زايند وَكُلا مِنْها اى من ثمار الجنة وجه الخطاب إليهما إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به فان حواء أسوة له في الاكل بخلاف السكنى فانها تابعة له فيها ثم معنى الأمر بهذا والشغل به مع انه اختصه واصطفاه وللخلافة أبداه انه مخلوق والذي يليق بالخلق هو السكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظ رَغَداً اى أكلا واسعا رافها بلا تقدير وتقتير حَيْثُ شِئْتُما أي مكان من الجنة شئتما وسع الأمر عليهما ازاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر وَلا تَقْرَبا بالأكل ولو كان النهى عن الدنو لضمت الراء هذِهِ الشَّجَرَةَ الشجرة نصب على انه بدل من اسم الاشارة او نعت له بتأويلها بمشتق اى هذه الحاضرة من الشجر اى لا تأكلا منها وانما علق النهى بالقربان منها مبالغة فى تحريم الاكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها البر والسنبلة وهو الأشهر والأجمع والأنسب عند الصوفية لان النوع الإنساني ظهر في دور السنبلة وعليها من كل لون وثمرها احلى من العسل وألين من الزبد وأشد بياضا من الثلج كل حبة من حنطتها مثل كلية البقرة وقد جعلها الله رزق أولاده في الدنيا ولذلك قيل تناول سنبلة فابتلى بحرث السنبلة او المراد الكرم ولذلك حرمت علينا او التين ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها كما ابتلاه بثمرها وهو البلاء الحسن وقيل غير ذلك والاولى عدم تعيينها لعدم النص القاطع فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ مجزوم على انه معطوف على تقربا او منصوب على انه جواب للنهى والمعنى على الاول لا يكن منكما قربان الشجرة وكونكما من الظالمين وعلى الثاني ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين وأياما كان فالقرب اى الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين اى الذين ظلموا

стр. 107

أنفسهم بارتكاب المعصية او نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم او تعدوا حدود الله قال القرطبي قال بعض ارباب المعاني في قوله ولا تقربا اشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وان سكناهما فيها لا يدوم لان المخلد لا يحظر عليه شىء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فدل على خروجه منها قال الشيخ نجم الدين قدس سره ان آدم خاطبه مولاه خطاب الابتلاء والامتحان والنهى نهى تعزز ودلال كأنه قال يا آدم ابحت لك الجنة وما فيها الا هذه الشجرة فانها شجرة المحبة والمعرفة والمحبة مطية المحنة وأن منعه منها كان تحريضا على تناولها فان الإنسان حريص على ما منع فسكنت نفس آدم الى حواء والى الجنة وما فيها الا الى الشجرة المنهي عنها لانها كانت مشتهى القلب وكان للنفس فيها حظ ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها حتى تناول منها فظهر سر الخلافة والمحبة والمحنة والتحقق بمظاهر الجمال والجلال كالتواب والغفور والعفو والقهار والستار والحاصل انه لما علم الله تعالى انه يأكل من الشجرة نهاه ليكون أكله عصيانا يوجب توبة ومحبة وطهارة من تلوث الذنب كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فاورثه ذلك النهى عن أكل الشجرة عصيانا بسبب النسيان ثم توبة بسبب العصيان ثم محبة بسبب التوبة ثم طهارة بسبب المحبة كما ورد في الخبر (إذا أحب الله عبدا لم يضره الذنب) اى حفظه من الذنب وإذا وقع فيه وفقه للتوبة والندامة وكل زلة عاقبتها التوبة والتشريف والاجتباء فقيل هي زلة تنزيه واستحقاق آدم اللوم بالنهى التنزيهي من قبيل حسنات الأبرار سيآت المقربين قال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره المراد بالدعوة الى الجنة الدعوة الى مقام الروح في وجود بنى آدم كأنه قال لقلب الإنسان يا آدم القلب اسكن أنت وزوجك وهي النفس الانسانية في الروح بالطاعات والعبادات وَكُلا مِنْها رَغَداً اى كلا من المعارف الالهية لان الروح مقام المعرفة التي تحصل بسبب الطاعات والعبادات حَيْثُ شِئْتُما أي عمل احببتما من الخيرات والصالحات وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ اى شجرة المخالفة فان هذا الخطاب لما كان يشمل عامة العباد الى يوم القيامة لم ينحصر فى آدم وحواء ﵉ فينبغى للمؤمن ان يترقى الى الله تعالى بسبب الطاعات والعبادات ويجتنب عن المخالفات حتى لا يقع في المهالك والدركات: قال في المثنوى داروى مردى بخور اندر عمل ... تا شوى خورشيد كرم اندر حمل «١» جهد كن تا نور تو رخشان شود ... تا سلوك وخدمتت آسان شود «٢» تا جلا باشد مران آيينه را ... كه صفا زايد ز طاعت سينه را «٣» فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها اى اذهب آدم وحواء وأبعدهما عن الجنة يقال زل عنى كذا إذا ذهب والازلال الازلاق والزلة بالفتح الخطأ وهو الزوال عن الصواب من غير قصد والمقصود حملهما على الزلة بطريق التسبب وهو بالوسوسة وبالغرور والدعاء فان قلت إبليس كافر والكافر لا يدخل الجنة فكيف دخل هو قلت منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة ولم يمنع من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحوا فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ

стр. 108

من النعيم والكرامة ولم يقصد إبليس إخراج آدم من الجنة وانما قصد إسقاطه من مرتبته وابعاده كما ابعد فلم يبلغ مقصده قال الله تعالى فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قال الشيخ صدر الدين قدس سره في الفكوك لما سمع آدم قول إبليس ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ صدقه هو وزوجته وهذه القضية تشتمل على أمرين مشكلين لم ار أحدا تنبه لهما ولا أجابني أحد من اهل العلم الظاهر والباطن عنهما وهو انه ﵇ بعد سجود الملائكة له بأجمعهم ومشاهدة رجحانه عليهم بذلك وبعلم الأسماء والخلافة ووصية الحق له كيف اقدم على المخالفة وتسوف بقول إبليس الا ان تكونا ملكين وكيف لم يعلم ايضا ان من دخل الجنة المعرفة بلسان الشريعة لم يخرج منها وان النشأة الجنانية لا تقبل الكون والفساد فهى لذاتها تقتضى الخلود وكان هذه الحال تدل دلالة واضحة على ان الجنة التي كان فيها ليست الجنة التي عرضها السموات والأرض والتي ارضها الكرسي الذي هو الفلك الثامن وسقفها عرش الرحمن فان تلك الجنة لا يخفى على من دخلها انها ليست محل الكون والفساد ولا ان يكون نعيمها موقتا ممكن الانقطاع فان ذلك المقام يعطى بذاته معرفة ما تقتضيه حقيقته وهو عدم انقطاع نعيمها بموت او غيره كما قال الله تعالى عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ اى غير منقطع ولا متناه فافهم فحال آدم وحواء في هذه القضية كحال بنى إسرائيل الذين قال الله في حقهم أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ الآية ولهذه المناسبة والمشاركة اردف الحق قصة آدم في سورة البقرة بقصة موسى وبنى إسرائيل مع ما بينهما من طول المدة فراعى سبحانه في ذلك المضاهاة فى الفعل والحال دون الزمان فهذا من اسرار القرآن انتهى كلام الشيخ فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى لم يخلق الإنسان في الجنة ابتداء ولم ابتلاء بالخروج الى الدنيا قلت تعظيم النعم على العباد واجب فلو لم يخلقوا في الدنيا ابتداء ما عرفوا قدر الجنة وقيل ليكونوا في الجنة على الجزاء لا على الابتداء وليأمنوا الزوال وقيل خلقنا في الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب والمطيع من المخالف لاقتضاء الصفات الجلالية لان الجنان ليست من مظاهر الجلال ولو خلقنا وبقينا فى الجنة لما ظهر فينا صفات الجلال كما لم تظهر في الملك فالحكمة الإلهية اقتضت خلق الإنسان فى الدنيا وظهور المخالفة منه ليظهر فيه الرحمة والغفران فلو بقي آدم في الجنة لفاته نصف الكمال الذي هو التجليات القهرية فخرج ليتحقق بمظاهر اسماء الجمال والجلال ثم يرد الى عالم الجنان كاملا مكملا بانواع الفضائل والكمالات والمقصود ايضا كما سبق تميز الخبيث من الطيب وقد قدر الله تعالى ان يخرج من صلبه سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وخمر طينته بتراب كل مؤمن وعدو فاخرجه الى الدنيا ليخرج من ظهره الذين لا نصيب لهم في الجنة قال الشيخ الكامل المكمل على رده في هامش كشف الكنوز وحل الرموز وهو كتاب فريد في فنه وجدت تذكرة السؤال من بعض الملاحدة على كرسى سيدى ابن نور الدين في مجلس وعظ بجامع اياصوفيه من كلام خواجه حافظ شيرازى من ملك بودم وفردوس برين جايم بود ... آدم آورد درين دير خراب آبادم

стр. 109

فاجاب الشيخ بديهة وفهم مراد الملحد عن السؤال فقال أنت أخرجت آدم من الجنة حيث هجت في صلبه باستعداد الفساد والإلحاد ولو لم يخرج أبونا آدم لبقيت الملاحدة والفجرة فى الجنة فاقتضت غيرة الحق خروجه وسئل ابو مدين قدس سره عن خروج آدم من الجنة على وجه الأرض ولم تعدى في أكل الشجرة بعد النهى فقال لو كان أبونا يعلم انه يخرج من صلبه مثل محمد ﷺ لصار يأكل عرق الشجرة فكيف ثمرها ليسارع فى الخروج على وجه الأرض ليظهر الكمال المحمدي والجمال الأحمدي وسأل خليل الرحمن صلوات الله على نبينا وعليه فقال يا رب لم أخرجت آدم فقال اما علمت ان جفاء الحبيب شديد وقال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بافتاده افندى سر خروج آدم من الجنة انه رأى مرتبة من مراتب التوحيد أعلى من مرتبته التي هو فيها فسألها من الله تعالى فقيل له لاتصل إليها الا بالبكاء فاحب آدم ان يبكى فقيل ان الجنة ليست موضع البكاء بل هي موضع السرور فطلب ان ينزل الى الدنيا فكون ما صدر عنه ذنبا بالنسبة اليه باعتبار قصور مرتبته عن المرتبة المطلوبة على نهج حسنات الأبرار سيآت المقربين كذا في واقعات الهدائى قال الشيخ نجم الدين قدس سره والاشارة ان آدم ﵇ أصبح محمود العناية مسجود الملائكة متوجا بتاج الكرامة ملبسا بلباس السعادة في وسطه نطاق القربة وفي جيده طوق الزلفة لاحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرتبة يتوالى عليه النداء كل لحظة يا آدم فلما جاء القضاء ضاق الفضاء: قال في المثنوى چون قضا آيد شود دانش بخواب ... مه سيه كردد بگيرد آفتاب فلم يمس حتى نزع لباسه وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف ان اخرج بغير مكث ولا بحث فَأَزَلَّهُمَا يد التقدير بحسن التدبير الشَّيْطانُ عَنْها اى عن تلك العزة والقرابة وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما أخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب واخوته قد ألقوه في غيابة الجب فاخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من السلامة الى الملامة ومن الفرح الى الترح ومن النعمة الى النقمة ومن المحبة الى المحنة ومن القربة الى الغربة ومن الالفة الى الكلفة ومن الوصلة الى الفرقة وكان قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شىء ومؤانسا مع كل أحد ولذلك سمى إنسانا فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شىء واتخذ كل أحد عدوا وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب فكما أن ذات المحبوب لا يقبل الشركة في التعبد كذا لا يقبل الشركة فى المحبة ولهذا قال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وكذا كان حال الخليل في البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس ويقول هذا رَبِّي فلما ذاق شجرة الخلة قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ وَقُلْنَا اهْبِطُوا خطاب لآدم وحواء وجمع الضمير لانهما أصلا الجنس فكانهما الجنس كله وقيل هو لخمسة وخامسهم الطاووس وهذا الأمر وان انتظمهم في كلمة فما كان هبوطهم جملة بل هبط إبليس حين لعن وهبوط آدم وحواء كان بعده بكثير الا ان يحمل على ان إبليس اخرج منها ثانيا

стр. 110

بعد ما كان يدخلها للوسوسة ودلت كلمة اهبطوا على انهما كانا في جنة الخلد حيث امرا بالانحدار وهو النزول من علو الى سفل وقد سبق في الآيات السابقة ما سبق قال القرطبي فى تفسيره ان الصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الازلية في ذلك وهي نثر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الاكلة سبب اهباطهما من الجنة فاخرجهما لانهما خلقا منها وليكون آدم خليفة الله في الأرض ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة انتهى كلام القرطبي فهبوطه من الجنة هبوط التشريف والامتحان والتمييز بين قبضتى السعادة والشقاوة لان ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية على ما في كشف الكنوز واكثر المفسرين على ان المعنى انزلوا استخفافا بكم لكن القول ما قالت حذام قال المولى الشهير بابن الكمال في رسالة القضاء والقدر عتاب آدم ﵇ في قوله تعالى أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ عتاب تلطيف لا عتاب تعنيف وتعذيب وتنزيله من السماء الى الأرض بقوله اهبطوا مِنْها جَمِيعاً تكميل وتبعيد تقريب كما في قول الشاعر سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال استغنى فيها عن الواو بالضمير اى متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله والعدو يصلح للواحد والجمع ولهذا لم يقل اعداء فابليس عدو لهما وهما عدو لابليس والحية عدو لبنى آدم وهم عدوها هى تلسعهم وهم يدمغونها وإبليس يفتنهم وهم يلعنونه وكذا العداوة بين ذرية آدم وحواء بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين والعداوة مع إبليس دينية فلا ترتفع ما بقي الدين والعداوة مع الحية طبيعية فلا ترتفع ما بقي الطبع ثم هذه عداوة تأكدت بيننا وبينهم لكن حزبا يكون الله معهم كان الظفر لهم ثم قوله بعضكم لبعض عدو اخبار عن كونه اى التعادي لا امر بتحصيله ولما قال بعضكم لبعض عدو قال آدم الحمد لله حيث لم يقل أنا لكم عدو والعدو هو المجاوز حده في مكروه صاحبه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ اى موضع قرار على وجهها او في القبور ثم المستقر ثلاثة رحم الام قال تعالى فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ أودع في صلب الأب واستقر في رحم الام والثاني الدنيا قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ والثالث العقبى اما في الجنة قال تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا واما في النار قال تعالى إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً الآية وَمَتاعٌ اى تمتع بالعيش وانتفاع به إِلى حِينٍ الى آخر اعماركم وهو حين الموت او الى القيامة قال بعض العلماء في قوله تعالى إِلى حِينٍ فائدة لآدم ﵇ ليعلم انه غير باق فيها ومنتقل الى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب ولما هبطوا وقع آدم بأرض الهند على جبل سرنديب ولذلك طابت رائحة أشجار تلك الاودية لما معه من ريح الجنة وكان السحاب يمسح رأسه فاصلع فاورث أولاده الصلع ووقعت حواء بجدة وبينهما سبعمائة فرسخ والطاووس بمرج الهند والحية بسجستان او باصفهان وإبليس بسد يأجوج ومأجوج وسجستان اكثر بلاد الله حيات ولولا العربد
следующие страницы →