لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر. وانه لا يحس بالم القتل. وان الطاعم النائم فى الجهاد أفضل من الصائم القائم فى سواه. ومن حرس فى سبيل الله لا تبصر النار عيناه. وان المرابط يجرى له اجر عمله الصالح الى يوم قيامه. وان الف يوم لا تساوى يوما من أيامه. وان رزقه يجرى عليه كالشهيد ابدا لا يقطع. وان رباط يوم خير من الدنيا وما فيها. وانه يأمن من فتنة القبر وعذابه. وان الله يكرمه
فى القيامة بحسن مآبه. الى غير ذلك وإذا كان الأمر كذلك. فيتعين على كل عاقل التعرض لهذه الرتبة وصرف عمره فى طلبها والتشمير للجهاد.
عن ساق الاجتهاد. والنفير الى ذوى العناد. من كل العباد. وتجهيز الجيوش والسرايا.
وبذل الصلات والعطايا. واقراض الأموال لمن يضاعفها ويزكيها. ودفع سلع النفوس من غير مماطلة لمشتريها. وان ينفر فى سبيل الله خفافا وثقالا. ويتوجه الى جهاد اعداء الله ركبانا ورجالا. حتى يخرجوا الى الإسلام من اديانهم. او يعطوا الجزية صغرة بايمانهم.
او تستلب نفوسهم من أبدانهم. وتجتذب رؤسهم من تيجانهم. فجموع ذوى الإلحاد مكسرة. وان كانت بالتعداد مكثرة. وجيوش اولى العناد مدبرة مدمرة. وان كانت بعقولهم مقدمة مدبرة. وعزمات رجال الضلال مؤنثة مصغرة. وان كانت ذواتهم مذكرة مكبرة. ألا ترى ان الله تعالى جعل كل مسلم يغلب منهم اثنين. وللذكر من العقل مثل حظ الأنثيين. فوجب علينا ان نطير إليهم ونغير عليهم رجالا وفرسانا. ونجهد فى خلاص أسير ومكروب. واغتنام كل خطير ومحبوب. ونبيد بايدى الجلاد حماة الشرك وأنصاره. ونصول بالنصول الحداد على دعاة الكفر انهتك استاره. ونتطهر بدماء المشركين والكفار. من أرجاس الذنوب وانحاس الأوزار. هناك فتحت من الجنة ابوابها. وارتفعت فرشها ووضعت أكوابها. وبرزت الحور العين عربها واترابها. وقام للجلاد على قدم الاجتهاد خطابها. فضربوا ببيض المشرفية فوق الأعناق.
واستعذبوا من المنية مر المذاق. وباعوا الحياة الفانية بالعيش الباق. فوردوا من مورد الشهادة موردا لم يظمأوا بعده ابدا. وربحت تجارتهم فكانوا اسعد السعداء. أولئك فى صفقة بيعهم هم الرابحون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون. إليك اللهم نمدّ اكف الضراعة ان تجعلنا منهم. وان لا تحيد بنا عند قيام الساعة عنهم. وان ترزقنا من فضلك شهادة ترضيك عنا. وغفرا للذنب الذي انقض الظهر وعنى. وقبولا لنفوسنا إذ عرضناها رحمة منك وتفضلا ومنا. وحاشى كرمك ان نأوب بالخيبة مما رجوناه وأملنا.
وأنت ارحم الراحمين. وعن الشيخ عبد الواحد بن زيد قدس سره قال بينما نحن ذات يوم فى مجلسنا هذا قد تهيأنا للخروج الى الغزو قد أمرت أصحابي بقراءة آيتين فقرأ رجل فى مجلسنا إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إذ قام غلام فى مقدار خمس عشرة سنة او نحو ذلك وقدمات أبوه وورثه مالا كثيرا فقال يا عبد الواحد بن زيد إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ فقلت نعم حبيبى فقال انى أشهدك انى قد بعت نفسى ومالى بان لى الجنة فقلت له ان حد السيف أشد من ذلك وأنت صبى وانى أخاف
стр. 1437
عليك ان لا تصبر او تعجز عن ذلك فقال يا عبد الواحد أبايع الله بالجنة ثم أعجز اشهد الله انى قد بايعته او كما قال رضى الله عنه قال عبد الواحد فتقاصرت إلينا أنفسنا وقلنا صبى يعقل ونحن لا نعقل فخرج من ماله كله وتصدق به الا فرسه وسلاحه ونفقته فلما كان يوم الخروج كان أول من طلع علينا فقال السلام عليك يا عبد الواحد فقلت وعليك السلام ربح البيع ان شاء الله ثم سرنا وهو معنا يصوم النهار ويقوم الليل ويخدمنا ويخدم دوابنا ويحرسنا إذا نمنا حتى إذا انتهينا الى دار الروم فبينما نحن كذلك إذا به قد اقبل وهو ينادى ووا شوقاه الى العياء المرضية فقال أصحابي لعله وسوس هذا الغلام واختلط عقله فقلت حبيبى وما هذه العيناء المرضية فقال قد غفوت غفوة فرأيت كأنه قد أتاني آت فقال لى اذهب الى العيناء المرضية فهجم بي على روضة فيها بحر من ماء غير آسن وإذا على شاطئ النهر جوار عليهن من الحلل ما لا اقدر ان أصفه فلما رأيننى استبشرن بي وقلن هذا زوج العيناء المرضية فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية فقلن لا نحن خدمها واماؤها امض امامك فمضيت امامى فاذا انا بنهر من لبن لم يتغير طعمه فى روضة فيها من كل زينة فيها جوار لما رأيتهن افتتنت بحسنهن وجمالهن فلما رأيننى استبشرن وقلن والله هذا زوج العيناء المرضية فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية فقلن وعليك السلام يا ولى الله نحن خدمها واماؤها فتقدم امامك فتقدمت فاذا انا بنهر من خمر وعلى شط الوادي جوار انسيننى من خلفت فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية قلن لا نحن خدمها واماؤها امض امامك فمضيت فاذا انا بنهر آخر من عسل مصفى امامى فوصلت الى خيمة من درة بيضاء وعلى باب الخيمة جارية عليها من الحلي والحلل ما لا اقدر ان أصفه فلما رأتنى استبشرت بي ونادت من الخيمة أيتها العناء المرضية هذا بعلك قد قدم قال فد نوت من الخيمة ودخلت فاذا هى قاعدة على سرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت فلما رأيتها افتتنت بها وهى تقول مرحبا بك يا ولى الله قددنا لك القدوم علينا فذهبت لاعانقها فقالت مهلا فانه لم يأن لك ان تعانقنى لان فيك روح الحياة وأنت تفطر الليلة عندنا ان شاء الله تعالى فانتبهت يا عبد الواحد ولا صبر لى عنها قال عبد الواحد فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت لنا سرية من العدو فحمل الغلام فعددت تسعة من العدو قتلهم وكان هو العاشر فمررت به وهو يتشحط فى دمه وهو يضحك ملىء فيه حتى فارق الدنيا ولله در القائل
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها ... يمسى ويصبح مغرورا وغرارا
هلا تركت من الدنيا معانقة ... حتى تعانق فى الفردوس أبكارا
ان كنت تبغى جنان الخلد تسكنها ... فينبغى لك ان لا تأمن النارا
التَّائِبُونَ قال الزجاج هو مبتدأ خبره مضمر. والمعنى التائبون الى آخر الآية من اهل الجنة كالمجاهدين فيما قبل هذه الآية فيكون الوعد بالجنة حاصلا للمجاهدين وغيرهم من المؤمنين وان لم يجاهدوا إذا كانوا غير معاندين ولا قاصدين لترك الجهاد والمراد التائبون عن الشرك والنفاق وكل معصية صغيرة كانت او كبيرة. واصل التوبة الرجوع فاذا وصف بها العبد يراد بها الرجوع من العقوبة الى المغفرة والرحمة وهى واجبة على الفور ويتقدمها معرفة الذنب
стр. 1438
المرجوع عنه انه ذنب وعلامة قبولها اربعة أشياء. ان ينقطع عن الفاسقين. ويتصل بالصالحين بالتردد الى مجالسهم الشريفة أينما كانوا. وان يقبل على جميع الطاعات إذ الرجوع إذا صح من القلب ترى الأعضاء تنقاد لما خلقت له كالشجرة إذا صلح أصلها اثمر فرعها وان يذهب عنه فرح الدنيا إذ المقبل على الله لا يفرح بشىء مما سواه وكان ﵇ متواصل الأحزان دائم الفكر. وان يرى نفسه فارغا عما ضمن الله له يعنى الرزق مشتغلا بما امر الله تعالى قال الله تعالى (يا ابن آدم خلقتك من تراب ثم من نطفة ولم يعينى خلقك من العدم أفيعييني رغيف اسوقه لك فى حين وجودك) فاذا وجدت هذه العلامات وجب على الناس ان يحبوه فان الله قد أحبه ويدعوا له ان يثبته الله على التوبة ولا يعيروه بذنوبه ويجالسوه ويكرموه وليحذر التائب من نقض العهد والرجوع الى المعصية [يحيى بن معاذ گفت يك گناه بعد از توبه قبيحترست از هفتاد گناه پيش از توبه] . قال القشيري قدس سره التائبون اصناف فمن راجع يرجع عن زلته الى طاعته ومن راجع يرجع عن شهود نفسه الى شهود لطفه ومن راجع يرجع عن الإحسان بنفسه وأبناء جنسه الى الاستغراق بحقائق ربه الْعابِدُونَ الذين عبدوا الله تعالى مخلصين له
عبادت بإخلاص نيت نكوست ... وگرنه چهـ آيد ز بي مغز پوست
والعبادة عبارة عن الإتيان بفعل يشعر بتعظيم الله تعالى [گويند امام أعظم ﵀ بيست سال بوضوء شب نماز روز گزارد وهرگز پهلو بر زمين ننهاد وجامه خواب نداشت وسر برهنه نشست و پاى دراز نكرد] وفى الحديث (ان ابغض الخلق الى الله الصحيح الفارغ) وقال القشيري قدس سره الْعابِدُونَ الخاضعون لله بكل وجه الذين لا يسترقهم كرائم الدنيا ولا يستعبدهم عظائم العقبى فلا يكون العبد عبد الله على الحقيقة الا بعد تجرده عن كل حادث الْحامِدُونَ اى المثنون عليه بآلاءه الشاكرون له على نعمائه المادحون له بصفاته وأسمائه وعمم بعضهم الحمد فاوجبه على النعم الدينية والدنيوية وكذا على الشدائد والمصائب فى الدنيا فى اهل او نفس او مال لانها نعم بالحقيقة بدليل انها تعرض العبد لمثوبات جزيلة حتى ما يقاسيه الأطفال عند الموت من الكرب الشديد ترجع فائدته الى الولي الصابر وقد صح ان رسول الله ﷺ قال (الحمد لله على ما ساء وسرّ) كما فى منهاج العابدين. ومما ينبغى ان يعلم ان التوفيق للتوحيد نعمة عظيمة من الله تعالى فليقل المؤمن دائما الحمد لله على دين الإسلام وتوفيق الايمان. قال مجاهد فى تفسير قوله تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعنى بالشاكرين على التوحيد فاذا عرفت هذا فلا يغرنك قول من قال ان نفس الدين وكذا الإسلام والايمان ليس بنعمة فكيف يحمد عليه. وقال القشيري الْحامِدُونَ هم الذين لا اعتراض لهم على ما يحصل بقدرته ولا انقباض لهم عما يجب من طاعته السَّائِحُونَ عن ابن عباس رضى الله عنهما كل ما ذكر فى القرآن من السياحة فهو الصيام وفى الحديث (سياحة أمتي الصوم) قال الشاعر
تراه يصلى ليله ونهاره ... يظل كثير الذكر لله سائحا
стр. 1439
اى صائما وشبه الصوم بالسياحة لانه عائق عن الشهوات كالسائح لا يتوسع فى استيفاء ما يميل اليه طبعه لان الصوم رياضة نفسانية يتوسل بها الى العثور على خفايا الملك والملكوت كما ان السائح يصل الى ما لم يعرفه ولم يره. وقال بعض العرفاء النكتة ان السياح يسيح فى الأرض فأى بلد استطاب المقام فيه اقام وإذا لم يستطب خرج منه الى بلد آخر فكذا الصائم إذا دخل الجنة يقال له ادخل من أي باب شئت وأي غرفة وقصر استطبتها فانزلها فيسيح فى قصور الجنة ومنازلها اين ما شاء كالسياح فى الأرض. وقال
الحسن السَّائِحُونَ الذين صاموا عن الحلال وأمسكوا عن الحرام وهاهنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال ولا يمسكون عن الحرام والله ساخط عليهم. وقال القشيري هم الصائمون عن شهود غير الله المكتفون من الله بالله وقال فى التأويلات النجمية السَّائِحُونَ السائرون الى الله بترك ما شغلهم عنه. وقال عطاء المراد الغزاة فى سبيل الله يقطعون المنازل والمراحل الى ان يصلوا الى ديار الكفرة فيجاهدوهم. وقال عكرمة هم طلاب العلم ينتقلون من بلد الى بلد. ورحل جابر رضى الله عنه من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لا يعد أحد كاملا الا بعد رحلته ولا يصل الى مقصوده الا بعد هجرته وقالوا كل من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الاتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو فى هذا الشأن سبط لا اب له دعىّ لا نسب له الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ فى الصلاة وانما كنى بالركوع والسجود عن الصلاة لكون جهة العيادة اظهر فيهما بالنسبة الى باقى اركان الصلاة فان هيئتى القيام والقعود قد يؤتى بهما على وفق العادة بخلاف الركوع والسجود فانهما ليسا من الهيآت الطبيعية الموافقة للعادة فلا يؤتى بهما الأعلى سبيل العبادة فكان لهما مزيد اختصاص بالصلاة. وقال القشيري الرَّاكِعُونَ الخاضعون لله فى جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلي وفى الخبر (ان الله إذا تجلى لشىء خضع له) والسَّاجِدُونَ بنفوسهم فى الظاهر على بساط العبودية وبقلوبهم فى الباطن عند شهود الربوبية. وقال فى التأويلات النجمية الرَّاكِعُونَ الراجعون عن مقام القيام بوجودهم الى القيام بموجودهم السَّاجِدُونَ الساقطون عن هم على عتبة الوحدة بلاهم
چون تجلى كرد أوصاف قديم ... پس بسوزد وصف حادث را كليم
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ اى بالايمان والطاعة وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ اى عن الشرك والمعاصي. وقال الحدادي المعروف هو السنة والمنكر هو البدعة. قال ابن ملك عند قوله ﵇ (وكل بدعة ضلالة) يعنى كل خصلة جديدة اتى بها ولم يفعلها النبي ﵇ ضلالة لان الضلالة ترك الطريق المستقيم والذهاب الى غيره والطريق المستقيم الشريعة خص من هذا الحكم البدعة الحسنة كما قال عمر رضى الله عنه فى التراويح نعمت البدعة. قال العلماء البدع خمس واجبة كنظم الدلائل لرد شبه الملاحدة وغيرهم. ومندوبة كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحوها. ومباحة كالبسط فى ألوان الاطعمة وغيرها. ومكروهة. وحرام وهما ظاهران انتهى. يقول الفقير البناء اما لدرس العلم الظاهر واما لتعليم علم الباطن فاذا كان بناء المدارس من البدعة الحسنة فليكن بناء الخانقاه منها ايضا بل بناء الخانقاه اشرف لشرف
стр. 1440
معلومه فمن قال انه ليس فى مكة والمدينة خانقاه فما هذه الخوانق فى البلاد الرومية. وغيرها ونهى عن الخانقاه والتردد اليه لجمعية الذكر وإصلاح الحال بالخلوة والرياضة فانما قاله من جهله وحماقته ونهى عن ضلالته وشقاوته فهو ليس بآمر بالمعروف ولاناه عن المنكر بل بالعكس كما لا يخفى ولقد كثر أمثال هذا المنكر الطاعن فى هذا الزمان مع انهم لا حجة لهم ولا برهان والله المستعان وقال القشيري الآمرون والناهون هم الذين يدعون الخلق الى الله تعالى ويحذرونهم عن غير الله يتواصون بالإقبال على الله وترك الاشتغال بغير الله ثم انه انما تخللت الواو الجامعة بين الآمرون والناهون للدلالة على انهما فى حكم خصلة واحدة لا يعتبر أحدهما بدون الآخر وعلى هذا فثامن الأوصاف هو قوله وَالْحافِظُونَ وواوه واو الثمانية وقيل الصفة الثامنة هى قوله وَالنَّاهُونَ وواوه واو الثمانية وذلك ان العرب إذا ذكروا اسماء العدد على سبيل التعداد يقولون واحد اثنان ثلاثة اربعة خمسة ستة سبعة ثم يدخلون الواو على الثمانية ويقولون وثمانية تسعة عشرة للايذان بان الاعداد قد تمت بالسابع من حيث ان السبعة هو العدد التام وان الثامن ابتداء تعداد آخر قال القرطبي هى لغة فصيحة لبعض العرب وعليها قوله ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً وقوله وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وقوله وَفُتِحَتْ أَبْوابُها لان أبواب الجنة ثمانية واليه ذهب الحريري فى درة الغواص وغيره من العلماء وقال النسفي فى تفسيره المسمى بالتيسير لا اصل لهذا القول عند المحققين فليس فى هذا العدد ما يوجب ذلك والاستعمال على الاطراد كذلك قال الله تعالى الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ بغير واو وقال تعالى وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ الآية بغير
واو فى الثامنة وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ اى فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع عملا وحملا للناس عليه وقال القشيري هم الواقفون حيث وقفهم الله الذين يتحركون إذا حركهم ويسكنون إذا سكنهم ويحفظون مع الله أنفاسهم ثم انه لما كانت التكاليف الشرعية غير منحصرة فيما ذكر بل لها اصناف واقسام كثيرة لا يمكن تفصيلها وتبيينها الا فى مجلدات ذكر الله تعالى سائر اقسام التكاليف على سبيل الإجمال بقوله وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ والفقهاء ظنوا ان الذي ذكروه فى بيان التكاليف واف وليس كذلك لان الافعال المكلفين قسمان افعال الجوارح وافعال القلوب وكتب الفقه مشتملة على شرح اقسام التكاليف المتعلقة باعمال الجوارح. واما التكاليف المتعلقة باعمال القلوب فليس فى كتبهم منها الا قليل نادر وبعض مباحثها مدون فى الكتب الكلامية والبعض الآخر منها فصله الامام الغزالي وأمثاله فى علم الأخلاق ومجموعها مندرج فى قوله تعالى وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [شيخ احمد غزالى ببرادرش امام محمد غزالى گفت جمله علم ترا بدو كلمه آورده ام التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله] قال الحدادي وهذه الصفة من أتم ما يكون من المبالغة فى وصف العباد بطاعة الله والقيام باوامره والانتهاء عن زواجره لان الله تعالى بين حدوده فى الأمر والنهى وفيما ندب اليه فرغب اليه او خير فيه وبين ما هو الاولى فى مجرى موافقة الله تعالى فاذا قام العبد بفرائض الله تعالى وانتهى الى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله كما روى عن خلف بن أيوب انه أمر
стр. 1441
امرأته ان تمسك عن إرضاع ولده فى بعض الليل وقال قد تمت له السنتان فقل له لو تركتها حتى ترضعه هذه الليلة قال فاين قوله تعالى وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على ان ايمانهم دعاهم الى ذلك وان المؤمن الكامل كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كانه قيل وبشرهم بما يجل عن احاطة الافهام وتعبير الكلام وأعلى ذلك رؤية الله تعالى فى دار السلام واعلم ان كل عمل له جزاء مخصوص يناسبه كالصوم مثلا جزاؤه الاكل والشرب كما قال تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ وقس على هذا باقى الأعمال واجتهد فى تحصيل حسن الحال وفقنا الله وإياكم الى اسباب مرضاته ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وحده اى ما صح لهم وما استقام فى حكم الله تعالى وحكمته أَنْ يَسْتَغْفِرُوا اى يطلبوا المغفرة لِلْمُشْرِكِينَ به سبحانه وَلَوْ كانُوا اى المشركون أُولِي قُرْبى اى ذوى قرابة لهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ اى ظهر للنبى ﵇ والمؤمنين أَنَّهُمْ اى المشركين أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى اهل النار بان ماتوا على الكفر او نزل الوحى بانهم يموتون على ذلك- روى- انه لما مرض ابو طالب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد مضى عشر سنين من بعثته ﵇ وبلغ قريشا اشتداد مرضه قال بعضهم لبعض ان حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا امر محمد فى قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا الى ابى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فانا والله ما نأمن ان يسلبوا أمرنا وفى رواية انا نخاف ان يموت هذا الشيخ فيكون منا شىء اى قتل محمد فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه فمشى اليه اشرافهم منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وابو جهل وامية بن خلف وابو سفيان فانه اسلم ليلة الفتح فارسلوا رجلا فاستأذن لهم على ابى طالب فقال هؤلاء اشراف قومك يستأذنون عليك قال أدخلهم فدخلوا عليه فقالوا يا أبا طالب أنت سيدنا وكبيرنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليدعنا وديننا وندعه ودينه فبعث اليه ﵇ ابو طالب فجاء ولما دخل ﵇ على ابى طالب وكان بين ابى طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس فخشى ابو جهل ان يجلس النبي ﵇ فى تلك الفرجة فيكون ارقى منه وثب لعنه الله فجلس فيها فلم يجد ﵇ مجلسا قريبا الى ابى طالب فجلس عند الباب فقال ابو طالب لرسول الله ﵇ يا ابن أخي هؤلاء اشراف قومك أعطهم ما سألوك فقد انصفوك سألوا ان تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك فقال ﵇ (أرأيتكم ان أعطيتكم ما سألتم فهل تعطوننى كلمة واحدة تملكون بها العرب ويدين لكم بها العجم) اى يطيع ويخضع فقال ابو جهل نعطيكها وعشرا معها فما هى قال (تقولون لا اله الا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه) فصفقوا بايديهم ثم قالوا سلنا يا محمد غير هذه الكلمة فقال (لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ما سألتكم غيرها) ثم قال بعضهم لبعض والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيأ مما تريدون فامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا وعند ذلك قال ﵇ (اى عم فانت فقلها اشهد لك
стр. 1442
بها عند الله) فقال والله يا ابن أخي لولا مخافة العار عليك وعلى بنى أبيك من بعدي وان تظن قريش انى انما قلتها خوفا من الموت لقلتها فلما ابى عن كلمة التوحيد قال ﵇ (لا أزال استغفر لك ما لم انه عنه) وذلك لغلبة همته على مغفرته لانه كان يحفظه ﵇ وينصره ولما مات نالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تكن تطمع فيه فى حياة ابى طالب حتى ان بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبي ﵇ التراب فدخل بيته والترات على رأسه فقام اليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكى ورسول الله يقول لها (لا تبكى يا بنية فان الله مانع أباك) فبقى ﵇ يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت الى وقت نزول هذه الآية وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله ﷺ سأل عن أبويه أيهما اقرب به عهدا فقيل له أمك آمنة فقال (هل تعلمون موضع قبرها لعلى آتيه فاستغفر لها فان ابراهيم ﵇ استغفر لابويه) فقال المسلمون ونحن ايضا نستغفر الله لآبائنا وأهلينا فانطلق رسول الله وذلك فى سنة الفتح فانتهى الى قبر امه فى الأبواء منزل بين مكة والمدينة وذلك انه ﵇ ولد بعد ان توفى أبوه عبد الله ودفن بالمدينة لما انه قد خرج إليها لحاجة فادركه الموت هناك وكان ﵇ مع امه آمنة فلما بلغ ست سنين خرجت آمنة الى اخوالها بالمدينة تزورهم ثم رجعت به الى مكة فلما كانت بالأبواء توفيت هناك وقيل دفنت بالحجون ويمكن الجمع بينهما بانها دفنت اولا بالأبواء ثم نقلت من ذلك المحل الى مكة كما فى السيرة الحلبية فلما جلس ﵇ عند قبر امه ناجى طويلا ثم بكى بكاء شديدا فبكينا لبكائه فقلنا يا رسول الله ما الذي أبكاك قال (استأذنت ربى فى زيارة قبر أمي فاذن لى فاستأذنته فى الاستغفار لها فلم يأذن لى وانزل علىّ الآيتين) آية ما كانَ لِلنَّبِيِّ وآية وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ قال بعضهم لا مانع من تكرر سبب النزول فيجوز ان تنزل الآيتان لما استغفر لامه ولما استغفر لعمه يقول الفقير سامحه القدير فيه بعد لانه ان سبق النزول لاستغفار امه فكيف يبقى النبي ﵇ على استغفار عمه وقد ثبت ان هذه السورة الكريمة من آخر القرآن نزولا وكذا العكس ومن ادعى الفرق بين الاستغفارين فعليه البيان وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ بقوله وَاغْفِرْ لِأَبِي اى بان توفقه للايمان وتهديه اليه كما يلوح به تعليله بقوله إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ استثناء مفرغ من أعم العلل اى لم يكن استغفاره لأبيه آزر ناشئا عن شىء من الأشياء الا عن موعدة وَعَدَها ابراهيم إِيَّاهُ اى أباه بقوله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وقوله سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي بناء على رجاء إيمانه لعدم تبين حقيقة امره فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ اى لابراهيم بان اوحى اليه انه مصر على الكفر غير مؤمن ابدا وقيل بان مات على الكفر والاول هو الأنسب بقوله أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فان وصفه بالعداوة مما يأباه حالة الموت تَبَرَّأَ مِنْهُ اى تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ لكثير التأوه وهو ان يقول الرجل عند التضجر والتوجع آه من كذا او يقول آوه بالمد والتشديد وفتح الواو وسكون الهاء لتطويل الصوت بالشكاية والأواه الخاشع المتضرع وقيل انه كلما ذكر تقصيرا او ذكر له شىء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقا واستعظاما كما قال كعب الأواه
стр. 1443
هو الذي إذا ذكرت عنده النار قال آه وقيل معناه الموقر بلغة الحبشة الا ان من قال لا يجوز ان يكون فى القرآن شىء غير عربى قال هذا موافق للعربية بلغة الحبشة والملائم انه كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب لانه ذكر فى معرض التعليل لاستغفاره لابيه المشرك. والمعنى انه مترحم متعطف ولفرط رحمته ورأفته كان يتعطف لابيه الكافر حَلِيمٌ صبور على الاذية ولذلك كان يحلم على أبيه ويتحمل أذاه ويستغفر له مع صعوبة خلقه وغلظ قلبه وقوله لارجمنك ثم ان رسول الله ﷺ لما استغفر لعمه وهو مشرك كما استغفر ابراهيم ﵇ لابيه المشرك ثم نهى عن الاستغفار للكافر نزلت هذه الآية لبيان عذر من استغفر لاسلافه المشركين قبل المنع عنه وهو قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً اى ليس من عادته ان يصفهم بالضلال عن طريق الحق ويجرى عليهم أحكامه بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للاسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ بالوحى صريحا او دلالة ما يَتَّقُونَ اى يجب اتقاؤه من محظورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه واما قبل ذلك فلا يسمى ما صدر عنهم ضلالا ولا يؤاخذون به. وفيه دليل على ان العاقل غير مكلف بما لا يستبد بمعرفته العقل إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اى انه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم الى بيان قبح ما لا يستقل العقل معرفته فبين لهم ذلك كما فعل هاهنا إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من غير شريك له فيه: قال جلال الدين الرومي قدس سره
واحد اندر ملك واو را يار نى ... بندگانش را جز او سالار نى
نيست خلقش را دكر كس مالكى ... شركتش دعوى كند جز هالكى
يُحْيِي وَيُمِيتُ اى يحيى الأموات ويميت الاحياء اى يوجد الحياة والموت فى الأرض والأجساد وقلوب الأمم وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى حال كونكم متجاوزين ولايته ونصرته مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ لما منعهم من الاستغفار للمشركين وان كانوا اولى قربى وضمن ذلك التبري منهم رأسا بين لهم ان الله مالك كل موجود ومتولى امره والغالب عليه ولا يتأنى لهم ولاية ولا نصرة الا منه تعالى ليتوجهوا اليه بشراشرهم ويتبرأوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه بقي هاهنا ان الجم الغفير من العلماء ذهبوا الى ان النبي ﵇ مر على عقبة الحجون فى حجة الوداع فسأل الله ان يحيى امه فاحياها فآمنت به وردها الله تعالى اى روحها قال فى انسان العيون لا يقال على ثبوت هذا الخبر وصحته التي صرح بها غير واحد من الحفاظ ولم يلتفتوا الى من طعن فيه كيف ينقع الايمان بعد الموت ولا يعترض لانا نقول هذا من جملة خصوصياته ﷺ وفى كلام القرطبي قد احيى الله تعالى على يده جماعة من الموتى فاذا ثبت ذلك فما يمنع ايمان أبويه بعد احبائهما ويكون زيادة فى كرامته وفضيلته ولو لم يكن احياء أبويه نافعا لايمانهما وتصديقهما لما احييا كما ان رد الشمس لو لم يكن نافعا فى بقاء الوقت لم ترد والله اعلم انتهى يقول الفقير قد أشبعنا الكلام فى ايمان أبوي النبي ﵇ وكذا ايمان عمه ابى طالب وجده عبد المطلب بعد الاحياء فى سورة البقرة عند قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ فارجع اليه. وجاء ابن عبد المطلب رفض فى آخر عمره عبادة الأصنام ووحد الله وتؤثر عنه سنين جاء القرآن باكثرها وجاءت السنة بها منها الوفاء بالنذر والمنع
стр. 1444
من نكاح المحارم وقطع يد السارق والنهى عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنى وان لا يطوف بالبيت عريان كذا فى كلام سبط ابن الجوزي وقال فى أبكار الافكار فى مشكل الاخبار ان عبد المطلب قد كان يتعبد فى كثير من أحواله بشريعة ابراهيم ﵇ ويتمسك بسنن إسماعيل ﵇ ولم ينكر نبوة محمد ﵇ إذ لم يكن قد بعث فى أيامه ولا يقطع بكفر من مات فى زمن الفترة فلم يكن حكمه حكم الكفار المشركين الذين شهد النبي ﵇ بانهم فحم فى جهنم انتهى قال فى السيرة الحلبية منع الاستغفار لامه ﵇ انما يأتى على القول بان من بدل دينه او غيره او عبد الأصنام من اهل الفترة معذب وهو قول ضعيف مبنى على وجوب الايمان والتوحيد بالعقل. والذي عليه اكثر اهل السنة والجماعة ان لا يجب ذلك الا بإرسال الرسل ومن المقرر ان العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل ﵇ وان إسماعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل لان ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا ﷺ وان اهل الفترة من العرب لا تعذيب عليهم وان غيروا او بدلوا او عبدوا الأصنام والأحاديث الواردة بتعذيب من ذكر او من بدل او غير او عبد الأصنام مؤولة او خرجت مخرج الزجر للحمل على الإسلام. ثم رأيت بعضهم رجح ان التكليف بوجوب الايمان بالله تعالى وتوحيده اى بعدم عبادة الأصنام يكفى فيه وجود رسول دعا الى ذلك وان لم يكن الرسول مرسلا لذلك الشخص بان لم يدرك زمنه حيث بلغه انه دعا الى ذلك او امكنه علم ذلك وان التكليف بغير ذلك من الفروع لا بد فيه من ان يكون ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص وقد بلغته دعوته وعلى هذا فمن بدرك زمن نبينا ﷺ ولا زمن من قبله من الرسل معذب على الإشراك بالله بعبادته الأصنام لانه على فرض ان لا تبلغه دعوة أحد من الرسل السابقين الى الايمان بالله وتوحيده ولكنه كان متمكنا من علم ذلك فهو تعذيب بعد بعث الرسل لا قبله وحينئذ لا يشكل ما أخرجه الطبراني فى الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (ما بعث الله نبيا الى قوم ثم قبضه إلا جعل بعده فترة يملأ من تلك الفترة جهنم) ولعل المراد المبالغة
فى الكثرة وإلا فقد اخرج الشيخان عن انس رضى الله عنه عن النبي ﵇ انه قال (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيرتد بعضها الى بعض وتقول قط قط) اى حسبى بعزتك وكرمك واما بالنسبة لغير الايمان والتوحيد من الفروع فلا تعذيب على تلك الفروع لعدم بعثة رسول إليهم فاهل الفترة وان كانوا مقرين بالله الا انهم أشركوا بعبادة الأصنام فقد حكى الله عنهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ووجه التفرقة بين الايمان والتوحيد وغير ذلك ان الشرائع بالنسبة للايمان بالله والتوحيد كالشريعة الواحدة لاتفاق جميع الشرائع عليه هذا. وقد جاء انهم اى اهل الفترة يمتحنون يوم القيامة فقد اخرج البزاز عن ثوبان ان النبي ﵇ قال (إذا كان يوم القيامة جاء اهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك امر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أرأيتم ان أمرتكم بامر ان تطيعونى فيقولون نعم فيأخذ
стр. 1445
على ذلك مواثيقهم فيرسل إليهم ان ادخلوا النار فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع ان ندخلها فيقول ادخلوها داخرين) فقال النبي ﵇ (لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما) قال الحافظ ابن حجر فالظن بآله ﷺ يعنى الذين ما توا قبل البعثة انهم يطيعون عند الامتحان إكراما للنبى ﵇ لتقر عينه ونرجوا ان يدخل عبد المطلب الجنة فى جماعة من يدخلها طائعا الا أبا طالب فانه أدرك البعثة ولم يؤمن به بعد ان طلب منه الايمان انتهى كلامه ولعله لم يذهب الى مسألة الاحياء ولذا قال ما قال فى حق ابى طالب
نا اميدم مكن از سابقه لطف ازل ... تو چهـ دانى كه پس پرده كه خوبست وكه زشت
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ قال ابن عباس رضى الله عنهما هو العفو عن اذنه للمنافقين فى التخلف عنه وهذا الاذن وان صدر عنه ﵇ وحده الا انه أسند الى الكل لان فعل البعض يسند الى الكل لوقوعه فيما بينهم كما يقال بنوا فلان قتلوا زيدا وهذا الذنب من قبيل الزلة لان الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عندنا لان ركوب الذنوب مما يسقط حشمة من يرتكبها وتعظيمه من قلوب المؤمنين والأنبياء يجب ان يكونوا مهابين موقرين ولذا عصموا من الأمراض المنفرة كالجذام وغيره فليس معنى الزلة انهم زلوا عن الحق الى الباطل ولكن معناها انهم زلوا عن الأفضل الى الفاضل وانهم يعاتبون به لجلال قدرهم ومكانتهم من الله تعالى كما قال ابو سعيد الخراز قدس سره حسنات الأبرار سيآت المقربين وقال السلمى ذكر توبة النبي ﵇ لتكون مقدمة لتوبة الامة وتوبة التابع انما تقبل التصحيح بالمقدمة وقال فى التأويلات النجمية التوبة فضل من الله ورحمة مخصوصة به لينعم بذلك على عباده فكل نعمة وفضل يوصله الله الى عباده يكون عبوره على ولاية النبوة فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الامة فلهذا قال لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ يدل عليه قوله ﵇ ما صب الله فى صدرى شيأ الا وصببته فى صدر ابى بكر رضى الله عنه والأنصار جمع نصير كشريف واشراف او جمع ناصر كصاحب واصحاب وهم عبارة عن الصحابة الذين آووا رسول الله ﷺ من اهل المدينة وهو اسم إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج ولم يكونوا يدعون بالأنصار قبل نصرتهم لسيدنا رسول الله ﷺ ولا قبل نزول القرآن بذلك وحبهم واجب وهو علامة الايمان وفى الحديث (آية المؤمن حب الأنصار. وحب الأنصار آية الايمان. وآية النفاق بغض الأنصار) كذا فى فتح القريب والمهاجرون أفضل من الأنصار كما يدل عليه قوله ﵇ (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار) قال ابن الملك المراد منه إكرام الأنصار فانه لارتبة بعد الهجرة أعلى من نصرة الدين انتهى وباقى الكلام سبق عند قوله تعالى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الآية فارجع الى تفسيرها الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ اى النبي ﷺ ولم يتخلفوا عنه ولم يخلوا بأمر من أوامره فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ اى وهو الزمان الذي وقع فيه غزوة
стр. 1446
تبوك فانه قد أصابتهم فيها مشقة عظيمة من شده الحر وقلة المركب حتى كانت العشرة تعتقب على بعير واحد ومن قلة الزاد حتى قيل ان الرجلين كانا يقتسمان تمرة وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء المتغير ومن قلة الماء حتى شربوا الفظ وهو ماء الكرش عن عمر رضى الله عنه خرجنا فى قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد حتى ان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه قال الكاشفى [وبر طوبات أجواف وامعاى آن دهن خويش را تر ميساختند] ولذلك سميت غزوة العسرة وسمى من جاهد فيها بجيش العسرة وهذه صفة مدح لاصحاب النبي ﵇ باتباعهم إياه فى وقت الشدة ومع ذلك فقد كانوا محتاجين الى التوبة فما ظنك بغيرهم ممن لم يقاس ما قاسوه مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ اى يميل قلوب طائفة منهم عن الثبات مع رسول الله ﷺ بان هموا ان ينصرفوا فى غير وقت الانصراف من غير ان يؤذن لهم فى ذلك لشدائد أصابتهم فى تلك الغزوة لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا
على ما ظهر على قلوبهم فتاب الله عليهم وفى كاد ضمير الشأن وجملة يزيغ فى محل النصب على انها خبر كاد وخبر كاد إذا كان جملة لا بد ان يكون فيه ضمير يعود على اسمها الا إذا كان اسمها ضمير الشان فحينئذ لا يجب ان يكون فيه ضمير يعود الى اسمها ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ اى تجاوز عن ذنبهم الذي فرط منهم وهو تكرير للتأكيد وتنبيه على انه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة: قال الحافظ
مكن ز غصه شكايت كه در طريق طلب ... براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد
إِنَّهُ اى الله تعالى بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ استئناف تعليل فان صفة الرأفة والرحمة من دواعى التوبة والعفو ويجوز كون الاول عبارة عن ازالة الضرر والثاني عن إيصال المنفعة وان يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق ومن كمال رحمته إرسال حبيبه واظهار معجزاته- روى- انهم شكوا للنبى ﵇ عسرة الماء فى غزوة تبوك فقال أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ان الله تعالى عودك فى الدعاء خيرا فادع الله لنا قال (أتحب ذلك) قال نعم فرفع ﵇ يديه فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون اليه وتلك السحابة لم تتجاوز العسكر- وروى- انهم نزلوا يوما فى غزوة تبوك على غير ماء بفلاة من الأرض وقد كادت عتاق الخيل والركاب تقع عطشا فدعا ﵇ وقال (اين صاحب الميضاة) قيل هو ذا يا رسول الله قال (جئنى بميضاتك) فجاء بها وفيها شىء من ماء فوضع أصابعه الشريفة عليها فنبع الماء بين أصابعه العشر وأقبل الناس واستقوا وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم وكان فى العسكر من الخيل اثنا عشر الف فرس ومن الإبل خمسة عشر الف بعير والناس ثلاثون الفا وفى رواية سبعون: قال السلطان سليم الاول من الخواقين العثمانية
كوثر نمى ز چشمه احسان رحمتش ... آب حيات قطره از جام مصطفاست
- روى- انهم لما أصابهم فى غزوة تبوك مجاعة قالوا يا رسول الله لو أذنت لنا نحرنا نواضحنا وادّهنا فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله ان فعلت فنى الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم
стр. 1447
وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله ان يجعلها فى ذلك فقال ﵇ (نعم) فدعا بنطع فبسطه ثم دعاهم بفضل أزوادهم فجعل الرجل يأتى بكف من درة ويجيىء الآخر بكف من تمر ويجيىء الآخر بميرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شىء يسير فدعا ﵇ بالبركة ثم قال (خذوا فى اوعيتكم) فاخذوا حتى ما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملأوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال ﷺ (اشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك إلا وقاه الله النار) : قال الشيخ المغربي قدس سره
كل توحيد نرويد ز زمينى كه درو ... خار شرك وحسد وكبر وريا وكين است
والاشارة فى الآية لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ اى نبى الروح بمنزلة النبي يأخذ بالهام الحق حقائق الدين ويبلغها الى أمته من القلب والنفس والجوارح والأعضاء. فالمعنى أفاض الله على نبى الروح ومهاجرى صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية الى المدينة الجسدانية والأنصار من القلب والنفس وصفاتها وهم ساكنوا مدينة الجسد فيوضات الرحمة الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ الروح ساعة رجوعه الى عالم العلو بالعسرة إذ هم نشأوا فى عالم السفل يعسر عليهم السير الى عالم العلو من بعد ما كاد بزيغ قلوب فريق من النفس وصفاتها وهواها فان ميلها طبعا الى عالم السفل ثم تاب عليهم بافاضة الفيض الرباني لتعليهم عن طبعهم انه بهم روف رحيم ليجعلهم باكسير الشريعة قابلين للرجوع الى عالم الحقيقة كذا فى التأويلات النجمية وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا اى وتاب الله على الثلاثة الذين اخر أمرهم ولم يقطع فى شأنهم بشىء الى ان نزل فيهم الوحى وهم كعب بن مالك الشاعر ومرادة بن الربيع العنبري وهلال بن امية الأنصاري يجمعهم حروف كلمة «مكه» وآخر اسماء آبائهم «عكه» حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ غاية للتخفيف اى اخر أمرهم الى ان ضاقت عليهم الأرض بِما رَحُبَتْ اى برحبها وسعتها لاعراض الناس حتى عن المكالمة معهم ولو بالسلام ورده وكانوا يخافون ان يموتوا فلا يصلى النبي ﵇ ولا المؤمنون على جنازتهم وهو مثل لشدة الحيرة كأنه لا يستقر به قرار ولا تطمئن له دار وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ اى امتلأت قلوبهم بفرط الوحشة والغم بحيث لم يبق فيها ما يسع شيأ من الراحة والانس والسرور عبر عن الراحة والسرور بضمير عليهم حيث قيل ضاقت عليهم تنبيها على ان انتفاء الراحة والسرور بمنزلة انتفاء ذواتهم وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ اى علموا وأيقنوا ان لا ملاذ ولا خلاص من سخطه تعالى الا الى استغفاره فظنوا بمعنى علموا لانه تعالى ذكر هذا الوصف فى معرض المدح والثاء وذا لا يكون الا مع علمهم بذلك. وقوله ان مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر ولا مع ما فى حيزها خبران ومن الله خبر لا وان مع ما فى حيزها ساد مسد مفعولى ظنوا والا استثناء من العام المحذوف اى وعلموا ان الشان لا التجاء من سخط الله الى أحد الا اليه قال بعض المتقدمين من تظاهرت عليه النعم فليكثر الحمد لله ومن كثرت همومه فليكثر الاستغفار واعلم ان من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يلتجىء الا الى الله فالفرار ليس الا اليه على كل حال واما المظاهر او المحال فليست الا أسبابا: وفى المثنوى
стр. 1448
گرچهـ سايه عكس شخص است اى پسر هيچ از سايه نتانى خورد بر هين ز سايه شخص را مى كن طلب در مسبب رو گذر كن از سبب ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ اى وفقهم للتوبة لِيَتُوبُوا ليرجعوا عن المعصية واعلم ان هاهنا أمورا ثلاثة. التوفيق للتوبة وهو ما دل عليه قوله ثم تابَ. ونفس التوبة وهو ما دل عليه قوله لِيَتُوبُوا. وقبول الله تعالى إياها وهو ما دل عليه قوله وَعَلَى الثَّلاثَةِ وانما عطف الأمر الاول على الثالث بكلمة ثم لكونه اصل الجميع مقدما على الأمر الثالث بمرتبتين فتكون كلمة ثم للتراخى الرتبى ويجوز ان يكون المعنى ثم تاب عليهم اى انزل قبول توبتهم ليتوبوا اى ليصيروا من جملة التوابين ويعدوا منهم فتكون كلمة ثم على اصل معناها لان إنزال القبول متفرع على نفس القبول المذكور بقوله وعلى الثلاثة إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ اى
المبالغ فى قبول التوبة لمن تاب وان عاد فى اليوم مائة مرة المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لافانين العقاب
كر لطف تو يارى ننمايد ز نخست ... هم توبه شكسته است وهم پيمان سست
چون تو به باميد پذيرفتن تست ... تا تو نپذيرى نشود توبه درست
- روى- ان ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله ﷺ منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به ﵇ عن الحسن انه قال بلغني انه كان لاحدهم حائط كان خيرا من مائة الف درهم فقال يا حائطاه ما خلفنى الا ظلك وانتظار ثمارك اذهب فانت فى سبيل الله ولم يكن لآخر الا اهله فقال يا اهلاه ما بطأنى ولا خلفنى الا الضن بك فلا جرم والله انى لأكابدنّ المفاوز حتى الحق برسول الله ﷺ فركب ولحق ولم يكن لآخر الا نفسه لا اهل ولا مال فقال يا نفسى ما خلفنى الا حب الحياة لك والله لأكابدنّ الشدائد حتى الحق برسول الله ﷺ فتأبط زاده ولحق به ﵇ وعن ابى ذر الغفاري بعيره ابطأه فحمل متاعه على ظهره واتبع اثر رسول الله ﷺ ماشيا
راه نزديك وبما ندم سخت دير ... سير كشتم زين سوارى سير سير
فقال ﷺ لما رأى سواده (كن أبا ذر) فقال الناس هو ذاك فقال ﵇ (رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده) ومنهم من بقي ولم يلحق به ﵇ وهم الثلاثة وكان كعب شهد بيعة العقبة وهلال ومرارة شهدا بدرا قال كعب لما قفل رسول الله ﷺ جئته وسلمت عليه فرد علىّ كالمغضب بعد ما ذكرنى وقال (يا ليت شعرى ما خلف كعبا) فقيل له ما خلفه الأحسن برديه والنظر فى عطفيه قال (ما اعلم الا فضلا وإسلاما) وقال (ما خلفك عنى ألم تكن قد ابتعت ظهرك) فقلت ما خلفنى عنك عذر وانما تخلفت بمجرد الكسل وقلة الاهتمام فقال ﵇ (قم عنى حتى يقضى الله فيك) وكذا قال لصاحبيه ونهى عن كلامهم فاجتنبهم الناس ولم يكلمهم أحد من قريب ولا بعيد فاما الرجلان فمكثا فى بيوتهما يبكيان واما كعب فكان يحضر الصلاة مع المسلمين ويطوف فى الأسواق فلا يكلمه أحد منهم قال كعب وبينما انا امشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط الشام ممن قدم
стр. 1449
بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلنى على كعب بن مالك فطفق اى جعل الناس يشيرون له حتى إذا جاءنى دفع الى كتابا من ملك غسان الىّ وهو الحارث بن ابى شمر وكان الكتاب ملفوفا فى قطعة من الحرير فاذا فيه اما بعد فانه قد بلغني ان صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هو ان ولا بضيعة ذل فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأته وهذا ايضا من البلاء فتيممت اى قصدت به التنور فسجرته به اى ألقيته فيه والأنباط قوم يسكنون البطائح بين العراقين قال حتى إذا مضت أربعون ليلة جاءنى رسول من رسول الله ﷺ فقال ان رسول الله ﷺ يأمرك ان تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا قال لابل اعتزلها ولا تقربها وأرسل الى صاحبى وهما هلال ومرارة بمثل ذلك فقلت لامرأتى الحقي باهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر فجاءت امرأة هلال رسول الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان هلالا شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره ان اخدمه فقال ﵇ (لا ولكن لا يقربك) وقالت والله انه ما به حركة الى شىء والله ما زال يبكى منذ كان من امره ما كان الى يومه هذا فمضى بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين النهى عن الكلام قال كعب فلما كان صلاة الفجر صبح تلك الليلة سمعت صوتا من ذروة جبل سلع يقول با على صوته يا كعب بن مالك ابشر
ابشروا يا قوم إذ جاء الفرج ... افرحوا يا قوم قد زال الحرج
مى دمد در گوش هر غمگين بشير ... خيز اى مدبر ره اقبال گير
اى درين حبس ودرين كند وشپش ... هين كه تا كس نشود رسنى خمش
چون كنى خامش كنون اى يار من ... كزين هرمو بر آمد طبل زن
فخررت ساجدا وعرفت ان رسول الله ﷺ اعلم بتوبة الله علينا فلما جاءنى الرجل الذي سمعت صوته يبشرنى وهو حمزة بن عمرو الأوسي نزعت ثوبى فكسوته إياهما ببشراه والله ما املك غيرهما يومئذ
بعيد نيست كه صد جان بمژده بستانند ... برين بشارت دولت كه عن قريب آمد
واستعرت من ابن عمى ابى قتادة ثوبين فلبستهما. وكان المبشر لهلال بن امية اسعد بن سعد. ولمرارة بن ربيع سلكان بن سلامة قال كعب انزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة رضى الله عنها وكانت أم سلمة محسنة فى شأنى معينة فى امرى فقال ﵇ (يا أم سلمة تيب على كعب) قالت أفلا أرسل اليه فابشره (قال إذا يحطم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة) حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر اعلم بتوبة الله علينا قال فانطلقت الى رسول الله ﷺ فتلقانى الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فاذا رسول الله ﷺ جالس وحوله الناس فقام الى طلحة بن عبد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام الى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة وذلك لانه ﵇ كان آخى بينهما حين قدم المدينة قال فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه
стр. 1450
وسلم وهو يبرق وجهه من السرور وكان ﵇ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر: قال السلطان سليم الاول من السلاطين العثمانية
كر آگهى ز معنى والشمس والضحى ... تعريف ماه روى دلاراى مصطفاست
بنكر بچرخ وكوكبه لشكر نجوم ... كأنها فروغ كوهر والاى مصطفاست
فلما جلست بين يديه ﷺ قال (أبشر يا كعب بخير يوم ما مر عليك منذ ولدتك أمك) ثم تلا علينا الآية وهى لَقَدْ تابَ اللَّهُ الى قوله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فقلت يا رسول الله ان من توبتى ان انخلع من مالى صدقة الى الله والى رسوله قال (امسك عليك بعض مالك فهو خير لك) وعن ابى بكر الوراق انه سئل عن التوبة النصوح فقال ان تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه
توبه كردم حقيقت با خدا ... نشكنم نا جان شدن از تن جدا
واعلم ان فى قصة هؤلاء الثلاثة اشارة الى ان الهجران بين المسلمين إذا كان فيه صلاح لدين المهجور لا يحرم هجره حتى يزول ذلك وتظهر توبته وكذا إذا كان المهجور مذموم الحال لبدعة او فسق او نحوهما فانه لا يحرم الهجران الى ظهور التوبة لانه لحق الله لما كان فى جانب الدين فيجوز فوق ثلاثة ايام ولا يجوز الزيادة عن الثلاثة فيما كان بينهم من الأمور الدنيوية وحظوظ النفس وانما عفى عنه فى الثلاثة لان الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجر فى الثلاثة ليذهب ذلك العارض فعلى العاقل ان يسارع الى تحصيل الاخوة فى الله ويجتنب عن التحاسد والتباغض والتدابير
هيچ رحمى نه برادر ببرادر دارد ... هيچ شوقى نه پدر را بپسر مى بينم
دخترانرا همه جنكست وجدل با مادر ... پسران را همه بدخواه پدر مى بينم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قولا وتصديقا اتَّقُوا اللَّهَ فيما لا يرضاه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فى كل شأن من الشؤون اى قائلين بالحق العاملين به ومع الصادقين فى معنى من الصادقين او فى الصادقين لان مع للمصاحبة وفى للوعاء ومن للتبعيض فاذا كانوا فى جهتهم فهم على المعاني الثلاثة اى كونوا فى جملة الصادقين ومصاحبين لهم او لبعضهم وفى الآية دليل على فضل الصدق وعلو درجته وحث عليه قال بعض اهل المعرفة من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض الموقت قيل ما الفرض الدائم قال الصدق
از كجا افتى بكم وكاستى ... از همه غم رستى اگر راستى
راستىء خويش نهان كس نكرد ... بر سخن راست زيان كست نكرد
وفى الحديث (التجار يحشرون يوم القيامة فجارا الا من اتقى وبر وصدق) الفجار جمع فاجر وهو المنبعث فى المغانى والمحارم سماهم فجارا لما فى البيع والشراء من الايمان الكاذبة والغبن والتدليس والربا الذي لا يتحاشاه أحدهم ولذا قال فى تمام الحديث الا من اتقى اى الكذب وبرّ فى يمينه اى صدق وصدق فى حديثه. وقيل الا من خاف الله فلا يترك او امره ولا يفعل المناهي وبرّ اى احسن فلا يؤذى أحدا ولا يوصل ضررا الى أحد وصدق فى ثمن المتاع
стр. 1451
فلم ينفق سلعته بالحلف الكاذب مثل ان يقول للمشترى اشتريت هذا بمائة درهم والله ولم يشتره بها بل اقل منها وبالحلف الكاذب يمحق الله البركة من الثمن وفى الحديث (ان أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اشتروا لم يدموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا) فالصدق فى كل الأحوال ممدوح وصاحبه محمود فى الدنيا والآخرة دانى ز چهـ رو سرور وآن سر سبزست پيوسته چرا ببوستان سر سبزست چون مذهب اوست راستى در همه وقت بر طرف چمن هميشه زان سر سبزست ثم المطل العارفين فى الصدق فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية قال احمد بن الحوارى قلت لابى سليمان الداراني قدس سرهما انى قد غبطت بنى إسرائيل قال بأى شىء قلت بثمانمائة سنة من العمر حتى يصيروا كالشنان البالية وكالحنايا وكالاوتار قال ما ظننت الا وقد جئت بشىء والله ما يريد منا ان تيبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا الا صدق النية فيما عنده هذا إذا صدق فى عشرة ايام نال ما ناله ذاك فى عمره الطويل انتهى فرب عمر اتسعت آماده وقلت إمداده كاعمار بنى إسرائيل إذا كان الواحد منهم يعيش الفا ونحوها ولم يتحصل له شىء مما تحصل لهذه الامة مع كثرة أعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده كعمر من فتح عليه من هذه الامة فوصل الى عناية الله بلمحه كما قال الامام الغزالي قدس سره فى منهاج العابدين منهم من يقطع هذه العقبات فى سبعين سنة ومنهم من يقطعها فى عشرين سنة ومنهم من يقطعها فى عشر سنين ومنهم من تحصل له فى سنة ومنهم من يقطعها فى شهر بل فى جمعة بل فى ساعة كسحرة موسى- حكى- ان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة لا يرغب فيها أحد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فاعتقها فاختارت هذا الطريق فاقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها علماء البصرة وقراؤها لعظم منزلتها وفى التأويلات النجمية وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ الذين صدقوا يوم الميثاق فيما أجابوا الله عند خطاب ألست بربكم قالوا بلى وصدقوا الله على ما عاهدوه عليه ان لا يعبدوا الا الله ولا يشركوا به شيأ من مقاصد الدنيا والآخرة ويتجردوا عن كل حادث حتى عن الجسم: وفى المثنوى
جوهر صدقت خفى شد در دروغ ... همچوطعم روغن اندر طعم دوغ
آن دروغت اين تن فانى بود ... راستت آن جان ربانى بود
يقول الفقير أصلحه الله القدير كتب الى حضرة الشيخ قدس سره فى بعض مكاتيبه الشريفة وقال عليكم بالصدق مطلقا نية وعملا وهو يرجع الى الإخلاص جدا بان لا يكون للعبد أصلا باعث فى الحركات والسكنات الا الله تعالى فان مازجه شوب من حظوظ النفس بطل الصدق ويجوز ان يسمى كاذبا ودرجاته لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق فى بعض الأمور دون بعض فان كان صادقا فى الجميع فهو الصديق حقا والصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو التخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من
стр. 1452
واحد وهو التخلص ايضا من شوائب الغيرية والثاني أوسع فلكا واكثر احاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس ثم ذيل كلاما طويلا يتضمن تأويل سورة الانشراح رزقنا الله ذوق كلامه وألحقنا به فى مقامه. ثم الصادقون هم المرشدون الى طريق الوصول فاذا كان السالك فى جملة احبابهم ومن زمرة الخدام فى عتبة بابهم فقد بلغ بمحبتهم وتربيتهم وقوة ولايتهم الى مراتب فى السير الى الله وترك ما سواه قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر ان لم تجر افعالك على مراد غيرك لم يصح لك انتقال عن هواك ولو جاهدت نفسك عمرك فاذا وجدت من يحصل فى نفسك حرمته فاخدمه وكن ميتابين يديه يصرفك كيف يشاء لا تدبير لك فى نفسك معه تعش سعيدا مبادرا لامتثال ما يأمرك به وينهاك عنه فان أمرك بالحرفة فاحترف عن امره لاعن هواك وان أمرك بالقعود قعدت عن امره لا عن هواك فهو اعرف بمصالحك منك فاسع يا بنىّ فى طلب شيخ يرشدك ويعصم خواطرك حتى تكمل ذاتك بالوجود الإلهي وحينئذ تدبر نفسك بالوجود الكشفى الاعتصامى كذا فى مواقع النجوم: وفى المثنوى
چون كزيدى پير نازك دل مباش ... سست ورزيده چوآب وگل مباش «١»
چون گرفتى پيرهن تسليم شو ... همچوموسى زير حكم خضر رو
شيخ را كه پيشوا ورهبرست ... كر مريدى امتحان كرد او خرست «٢»
نسأل الله تعالى ان يحفظنا من زيغ الاعتقاد ويثبتنا فى طريق اهل الرشاد ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ اى ما صح وما استقام لهم والمدينة علم بالغلبة لدار الهجرة كالنجم للثريا إذا أطلقت فهى المرادة وان أريد غيرها قيد والنسبة إليها مدنى ولغيرها من المدن مدينى للفرق بينهما كما فى انسان العيون قال الامام النووي لا يعرف فى البلاد اكثر اسماء منها ومن مكة وفى كلام بعضهم لها نحو مائة اسم منها دار الاخبار ودار الأبرار ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح والبارة وطابة وطيبة لطيب العيش بها ولان لعطر الطيب بها رائحة لا توجد فى غيرها وترابها شفاء من الجذام ومن البرص بل ومن كل داء وعجوتها شفاء من السم وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بانهما لا يخلو ان من اهل العلم والفضل والدين الى ان يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وهى اى المدينة تخرب قبل يوم القيامة بأربعين عاما ويموت أهلها من الجوع وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ [باديه نشينان] كمزينة وجهينه وأشجع وغفار واضرابهم قال الكاشفي [وتخصيص اهالى مدينة وحوالى بجهت قرب بوده ومعرفت ايشان بخروج آن حضرت ﵇ بطرف تبوك] أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عند توجهه الى الغزو وإذا استنفرهم واستنهضهم كما فى حواشى ابن الشيخ وهذا نهى ورد بلفظ النفي للتأكيد وَلا ان يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الباء للتعدية فقولك رغبت عنه معناه أعرضت عنه فعدى بالباء فاذا قلت رغبت بنفسي عنه كأنك قلت جعلت نفسى راغبة عنه. فالمعنى اللغوي فى الآية ولا يجعلوا أنفسهم راغبة ومعرضة عن نفسه ﵇ وحاصل المعنى لا يصرفوا أنفسهم عن نفسه الكريمة اى عما القى فيه نفسه من شدائد الغزو
стр. 1453
وأهوالها ولا يصونها عما لا يصون عنه نفسه بل يكابدوا معه ما يكابده فانه لا ينبغى ان يختاروا لانفسهم الخفض والدعة ورغد العيش ورسول الله فى الحر والمشقة قال الحدادي لا ينبغى ان يكونوا بانفسهم آثر واشفق عن نفس محمد ﷺ بل عليهم ان يجعلوا أنفسهم وقاية للنبى ﵇ لما وجب له من الحقوق عليهم بدعائه لهم الى الايمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار ذلِكَ اى وجوب المتابعة فان النهى عن التخلف امر بضده الذي هو الأمر بالمتابعة والمشايعة بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم إذا كانوا معه ﵇ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ اى عطش يسير وَلا نَصَبٌ ولا تعب ما فى أبدانهم وَلا مَخْمَصَةٌ اى مجاعة ما فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإعلاء كلمته وَلا يَطَؤُنَ ولا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم واخفاف رواحلهم مَوْطِئاً دوسا فهو مصدر كالموعد او مكانا على ان يكون مفعولا يَغِيظُ الْكُفَّارَ [بخشم آرد كافرانرا] اى لا يبلغون موضيعا من أراضي الكفار من سهل او جبل يغيظ قلوبهم مجاوزة ذلك الموضع فان الإنسان يغيظه ان يطأ ارضه غيره والغيظ انقباض الطبع برؤية ما يسوءه والغضب قوة طلب الانتقام وَلا يَنالُونَ [ونيابند] فان النيل بالفارسية [يافتن] مِنْ عَدُوٍّ من قبلهم نَيْلًا بمعنى الميل على ان يكون مفعولا به اى أي آفة محنة كالقتل والاسر والهزيمة والخوف إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ اى بكل واحد من الأمور المعدودة. قوله الا كتب فى محل النصب على انه حال من ظمأ وما عطف عليه اى لا يصيبهم ظمأ ولا كذا ولا كذا فى حال من الأحوال الا فى حال كونه مكتوبا لهم بذلك عَمَلٌ صالِحٌ وحسنة مقبولة اى استوجبوا به الثواب الجزيل وقال الكاشفى يعنى [بهر يك أزينها كه بديها رسد مستحق ثواب شوند اين عباس كويد بهر ترسى كه از دشمن بدل ايشان رسد هفتاد درجه مى نويسند] هذا ما يدل عليه عامة التفاسير وقال ابن الشيخ فى حواشيه يقال نال منه إذا ازراه ونقصه وصرح بنيل شىء مما يتأذى الكفار من نيله وهذا المعنى غير المعنى الاول كما لا يخفى إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم وهو تعليل لكتب وتنبيه على ان الجهاد احسان اما فى حق الكفار فلانه سعى فى تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون
سفيهانرا بود تأديب نافع ... جنونرا شربت چوبست دافع
واما فى حق المؤمنين فلانه صيانة لهم من سطوة الكفار واستيلائهم وَلا يُنْفِقُونَ فى الجهاد نَفَقَةً صَغِيرَةً [نفقه اندك] ولو تمرة او علافة سوط او نعل فرس وَلا كَبِيرَةً [ونه نفقه بزرگ] مثل ما أنفق عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما فى جيش العسرة وقد سبق عند قوله تعالى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ الآية فى هذه السورة وَلا يَقْطَعُونَ اى لا يجتازون فى مسيرهم الى ارض الكفار مقبلين ومدبرين وادِياً من الاودية وهو فى الأصل كل منفرج من الجبال والآكام ينفذ فيه المسيل اسم فاعل من ودى يدى إذا سال ثم شاع فى الأرض على الإطلاق إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ اى اثبت لهم فى صحائفهم ذلك الذي فعلوه من الانفاق والقطع لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بذلك متعلق بكتب أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
стр. 1454
مفعول ثان ليجزيهم وما مصدرية اى ليجزيهم جزاء احسن أعمالهم بحذف المضاف فان نفس العمل لا يكون جزاء [درينا بيع فرموده كه اگر مثلا غازى را هزار طاعت باشد ويكى از همه نيكوتر بود حق آنرا ثوابى عظيم دهد ونهصد ونود ونه ديگر را بطفيل آن قبول كند وهر يك را برابر آن ثوابى ارزانى دارد تا كرم او بنسبت مجاهدان بر همه كس ظاهر گردد] ففى الجهاد فضائل لا توجد فى غيره وهو حرفة النبي ﵇ وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال مر رجل من اصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذب فاعجبته فقال لو اعتزلت الناس فاقمت فى هذا الشعب ولن افعل حتى استأذن رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله فقال (لا تفعل فان مقام أحدكم فى سبيل الله أفضل من صلاته سبعين عاما ألا تحبون ان يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا فى سبيل الله من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) قوله فواق ناقة وهو
ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلبة ووضعها وقيل هو ما بين الحلبتين. وفى الحديث دلالة على ان الجهاد والتصدي له أفضل من العزلة للعبادة وقال فى فتح القريب يا هذا ليت شعرى من يقوم مقام هذا الصحابي فى عزلته وعبادته وطيب مطعمه ومع هذا قال النبي ﵇ (لا تفعل) وأرشده الى الجهاد فكيف لواحد منا ان يتركه مع اعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجى معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه ونفوس جامحة الا عما نهيت عنه ونيات لا يتحقق إخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها: قال الحافظ
كارى كنيم ور نه حجالت بر آورد ... روزيكه رخت جان بجهان دگر كشيم
واعلم ان المتخلف بعذر إذا كانت نيته خالصة يشارك المجاهد فى الاجر والثواب كما روى انه ﵇ لما رجع من غزوة تبوك قال (ان أقواما خلفناهم بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر) يعنى يشاركوننا فى استحقاق الثواب لكونهم معنانية وانما تخلفوا عنا للعذر ولولاه لكانوا معنا ذواتا قال ابن الملك ولا يظن منه التساوي فى الثواب لان الله قال فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً انتهى يقول الفقير أصلحه الله القدير هذه الآية مطلقة ساكتة عن بيان العذر وعدمه وقد قيدها الحديث المذكور ولا بعد فى ان يشترك المجاهد والمتخلف لعذر فى الثواب بل تأثير الهمة أشد ورب نية خير من عمل ولهذا شواهد لا تخفى على اولى الألباب والاشارة ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مدينة القلب وأهلها النفس والهوى وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ اعراب الصفات النفسانية والقلبية أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عن رسول الروح إذ هو راجع الى الله وسائر اليه وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ اى عن بذل وجودهم عند بذل وجوده بالفناء فى الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ من ماء الشهوات وَلا نَصَبٌ من انواع المجاهدات وَلا مَخْمَصَةٌ بتر اللذات وحطام الدنيا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طلب الله وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً مقاما من مقامات الفناء يَغِيظُ الْكُفَّارَ كفار النفس والهوى وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ عدو الشيطان والدنيا والنفس نَيْلًا اى بلاء ومحنة وفقرا وفاقة وجهدا وهما وحزنا وعير ذلك من اسباب الفناء إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ من البقاء بالله بقدر الفناء فى الله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
стр. 1455
الفانين فى الله فيبقيهم بالله ليعبدوه على المشاهدة لان الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً من بذل الوجود صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً الصغيرة بذل وجود الصفات والكبيرة بذل وجود الذات فى صفات الله تعالى وذاته وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً من اودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بقطع كل واحد من هذه الاودية قربة ومنزلة ودرجة كما قال (من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بالبقاء والفناء عن أنفسهم أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى احسن مقام كانوا يعملون العبودية فى طلبه لان طلبهم على قدر معرفتهم ومطمح نظرهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق عقولهم وفهو مهم كما قال اعدت لعبادى الصالحين الحديث كما فى التأويلات النجمية وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً اللام لتأكيد النفي اى ما صح وما استقام لهم ان ينفروا اى يخرجوا جميعا لنحو غزو او طلب علم كما لا يستقيم لهم ان يتثبطوا جميعا فان ذلك مخل بامر المعاش فَلَوْلا نَفَرَ [پس چرا بيرون نرود] فلولا تحضيضية مثل هلا وحرف التحضيض إذا دخل على الماضي يفيد التوبيخ على ترك الفعل والتوبيخ انما يكون على ترك الواجب فعلم منه ان الفعل واجب وان قوله فلولا نفر معناه الأمر بالنفير وإيجابه مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ اى من كل جماعة كثيرة كقبيلة واهل بلدة جماعة قليلة ودلت الآية على الفرق بين الفرقة والطائفة بان الفرقة اكثر من الطائفة لان القياس ان ينتزع القليل من الكثير والطائفة تتناول الواحد فما فوقه لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ليتكلفوا الفقاهة فى الدين ويتجشموا مشاق تحصيلها والفقه معرفة أحكام الدين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة ارشاد القوم وإنذارهم وذكر الانذار دون التبشير لانه أهم والتخلية بالمعجمة اقدم من التحلية بالمهملة لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ارادة ان يحذر قومهم عما ينذرون منه وفى الآية دليل على ان التفقه والتذكير من فروض الكفاية وانه ينبغى ان يكون غرض المتعلم الاستقامة والاقامة لا الترفع على الناس بالتصدر والترؤس والتبسط فى البلاد بالملابس والمراكب والعبيد والإماء كما هو ديدن أبناء الزمان والله المستعان. فينبغى ان يطلب المتعلم رضى الله والدار الآخرة وازالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال واحياء الدين وابقاء الإسلام فان بقاء الإسلام بالعلم ولا يصح الزهد والتقوى بالجهل
علم آمد دليل آگاهى ... جهل برهان نقص وگمراهى
پيش ارباب دانش وعرفان ... كى بود اين تمام وآن نقصان
وينبغى لطالب العلم ان ينوى به الشكر على نعمة العقل وصحة البدن وسلامة الحواس عملا بقوله تعالى وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وينبغى لطالب العلم ان يختار الأستاذ الأعلم والأورع والأسن بعد التأمل التام كما اختار ابو حنيفة رضى الله عنه حماد قال دخلت البصرة فظننت ان لا اسأل عن شىء الا أجبت عنه فسألونى عن أشياء لم يكن عندى جوابها فحلفت على نفسى ان لا أفارق حمادا فصحبته عشرين سنة وما صليت قط الا ودعوت لشيخى حماد مع والدي ففى
стр. 1456
أنفاس الاساتذة الصالحين ودعوات الرجال الكاملين تأثيرات عجيبة- كما حكى- ان أبا ابى حنيفة ثابتا اهدى الفالوذج لعلى بن ابى طالب يوم النيروز ويوم المهرجان فدعا له ولا ولاده بالبركة وكان ثابت يقول انا فى بركة دعوة صدرت من على رضى الله عنه حتى كان يفتخر أولاده العلماء بذلك فاذا وجد الطالب الأستاذ العالم العامل فعليه ان يختار من كل علم أحسنه وأنفعه فى الآخرة فيبدأ بفرض العين وهو علم ما يجب من اعتقاد وفعل وترك ظاهرا وباطنا ويقال له علم الحال اى العلم المحتاج اليه فى الحال قال العز بن عبد السلام العلم الذي هو فرض لازم ثلاثة انواع. الاول علم التوحيد فالذى يتعين عليك منه مقدار ما تعرف به اصول الدين فيجب عليك اولا ان تعرف المعبود ثم تعبده وكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل فى نعته فربما تعتقد شيأ فى صفاته يحالف الحق فتكون عبادتك هباء منثورا. والنوع الثاني علم السر وهو ما يتعلق بالقلب ومساعيه فيفترض على المؤمن علم احوال القلب من التوكل والانابة والخشية والرضى فانه واقع فى جميع الأحوال واجتناب الحرص والغضب والكبر والحسد والعجب والرياء وغير ذلك وهو المراد بقوله ﵇ (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) إذ لو أريد بالعلم فيه التوحيد فهو حاصل ولو أريد به الصلاة فيجوزان يتأهلها شخص وقت الضحى ويموت قبل الظهر فلا يستقيم العموم المستفاد من لفظ كل واما غيرهما فلا يظهر فلم يبق الا المعاملة القلبية إذ فرضية علمها متحققة فى كل زمان ومكان فى كل شخص. والنوع الثالث علم الشريعة وهو ما يجب عليك فعله من الواجبات الشرعية فيجب عليك علمه لتؤديه على جهة الشرع كما أمرت به وكذا علم كل ما يلزمك تركه من المناهي الشرعية لتتركه وذلك شامل للعبادات والمعاملات فكل من اشتغل بالبيع والشراء وايضا بالحرفة فيجب عليه علم التحرز عن الحرام فى معاملاته وفيما يكسبه فى حرفته واما حفظ ما يقع فى بعض الأحايين ففرض على سبيل الكفاية. والعلوم الشرعية خمسه الكلام والتفسير والحديث والفقه واصول الفقه قال فى عين المعاني المراد بقوله لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ علم الآخرة لاختصاصه بالإنذار والحذر به وعلم الآخرة يشمل علم المعاملة وعلم المكاشفة اما علم المعاملة فهو العلم المقرب اليه تعالى والمبعد عنه ويدخل فيه اعمال الجوارح واعمال القلوب واما علم المكاشفة فهو المراد فيما ورد (فضل العالم على العابد كفضلى على أمتي) إذ غيره تبع للعمل لثبوته شرطا له فاذا فرغ علما وعملا ساغ ان يشرع فى فروض الكفاية كالتفسير والاخبار والفتاوى غير متجاوز الى نوادر المسائل ولا مستغرق مشتغل عن المقصود وهو العمل ويجوز ان يتعلم من علم النجوم قدر ما يعرف به القبلة واوقات الصلاة ويتعلم من علم الطب قدر ما يمكن بمعرفته تداوى الأمراض قال فى الأشباه تعلم العلم يكون فرض عين وهو بقدر ما يحتاج اليه لدينه وفرض كفاية وهو ما زاد عليه لنفع غيره ومندوبا وهو التبحر فى الفقه وعلم القلب وحراما وهو علم الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين والسحر ودخل فى الفلسفة المنطق ومن هذا القسم علم الحروف والموسيقى ومكروها وهو اشعار المولدين من الغزل والبطالة ومباحا كاشعارهم التي لا سخف فيها قال على الخناوى لم أر في
стр. 1457
كتب أصحابنا القول بتحريم المنطق ولا يبعد ان يكون وجهه ان يضيع
العمر وايضا ان من اشتغل به يميل الى الفلسفة غالبا فكان المنع منه من قبيل سد الذرائع والا فليس فى المنطق ما ينافى الشرع انتهى قال القهستاني ذكر فى المهمات للاسنوى لا يستنجى بما كتب عليه علم محترم كالنحو واحترز بالمحترم من غيره من الحكميات مثل المنطق انتهى قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فى مواقع النجوم ولا يكثر مما لا يحتاج اليه فان التكثير مما لا حاجة فيه سبب فى تضييع الوقت على ما هو أهم وذلك ان من لم يعول على ان يلقى نفسه فى درجة الفتيا فى الدين لان فى البلد من ينوب عنه فى ذلك لا يتعين عليه طلب الاحكام كلها إذ هو فى حق الغير طلب فضول العلم انتهى فعلى العاقل ان يتعلم قدر الحاجة ويشتغل بالعمل وفى الحديث (من أحب ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فو الذي نفسى بيده ما من متعلم يختلف الى باب العالم الا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة فى الجنة ويمشى على الأرض والأرض تستغفر له ويمشى ويصبح مغفورا له وشهدت له الملائكة بانه من عتقاء الله من النار) وفى نشر العلم والإرشاد به فضائل ايضا قال ﵇ لمعاذ بن جبل رضى الله عنه حين بعثه الى اليمن (لان يهدى الله بك رجلا خير لك مما تطلع عليه الشمس) والعلماء ورثة الأنبياء فكما انهم اشتغلوا بالابلاغ والإرشاد كذلك ورثتهم فكل مرشد من الورثة ينبغى ان يكون غرضه اقامة جاه رسول الله ﷺ وتعظيمه بتكثير اتباعه وقد قال (انى مكاثر بكم الأمم) قال فى العوارف الصوفية أخذوا حظا من علم الدراسة فافادهم علم الدراسة العمل بالعلم فلما عملوا بما علموا أفادهم العمل علم الوراثة فهم مع سائر العلماء فى علومهم وتميزوا عنهم بعلوم زائدة هى علوم الوراثة وعلم الوراثة هو الفقه فى الدين قال الله تعالى فَلَوْلا نَفَرَ الآية فصار الانذار مستفادا من الفقه والانذار احياء المنذر بماء العلم والاحياء رتبة الفقيه فى الدين فصار الفقه فى الدين من أكمل الرتب وأعلاها وهو علم العالم الزاهد فى الدنيا المتقى الذي يبلغ رتبة الانذار بعلمه فمورد الهدى والعلم رسول الله ﷺ اولا ورد عليه الهدى والعلم من الله تعالى فارتوى بذلك ظاهرا وباطنا وانتقل من قلبه الى القلوب ومن نفسه الى النفوس ولا يدرك المرء هذا العلم بالتمني بل بالجد والطلب ألا ترى الى الجنيد قيل له بم نلت ما نلت فقال بجلوسى تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة وأشار الى درجة فى داره
هر كنج سعادت كه خدا داد بحافظ ... از يمن دعاى شب وورد سحرى بود
وفى الآية تحريض للمؤمنين على الخروج من الأوطان لطلب العلم النافع ورحل جابر من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لم يعد أحد كاملا الا بعد رحلته ولا وصل مقصده الا بعد هجرته وقيل
سافر تجد عوضا عمن تفارقه ... وانصب فان اكتساب المجد فى النصب
فالاسد لولا فراق الخيس ما فرست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
: قال سعدى قدس سره
جفا نبرده چهـ دانى تو قدر يار ... تحصيل كام دل بتكاپوى خوشترست
قال فى التأويلات النجمية الاشارة فى الآية ان الله تعالى يندب خواص عباده الى رحلة
стр. 1458
الصورة والمعنى فاما رحلة الصورة ففى طلب اهل الكمال الكاملين المتكملين الواصلين الموصلين كما ندب موسى الرحلة فى طلب الخضر ﵉ واما رحلة المعنى فكما كان حال ابراهيم ﵇ قال انى ذاهب الى ربى فهو السير من القالب وصفاته الى القلب وصفاته ومن القلب الى الروح وصفاته ومن الروح الى التخلق بأخلاق الله بقدم فناء أوصافه وهو السير الى الله ومن اخلاق الله الى ذات الله بقدم فناء ذاته بتجلى صفات الله وهو السير بالله ومن انانيته الى هويته ومن هويته الى ألوهيته الى ابد الآباد وهو السير بالله من الله الى الله تعالى وتقدس انتهى باختصار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أقروا بالله وبوحدانيته وصدقوا بحضرة صاحب الرسالة وحقانيته قاتِلُوا الَّذِينَ [كار زار كنيد آنانكه] يَلُونَكُمْ الولي القرب والدنو مِنَ الْكُفَّارِ اى قاتلوا من نحوكم وبقربكم من العدو وجاهدوا الأقرب فالاقرب ولا تدعوا الأقرب وتقصدوا الا بعد فيقصد الأقرب بلادكم وأهاليكم وأولادكم وفيه انهم إذا أمنوا الأقرب كان لهم محاربة الأبعد واعلم ان القتال واجب مع كافة الكفرة قريبهم وبعيدهم ولكن الأقرب فالاقرب أوجب ولذا حارب ﵇ قومه اولا ثم انتقل الى غزو سائر العرب ثم انتقل عنهم الى غزو الشام وكذا الصحابة رضى الله عنهم لما فرغوا من امر الشام دخلوا العراق وهكذا المفروض على اهل كل ناحية ان يقاتلوا من وليهم ما لم يضر بهم اهل ناحية اخرى وقد وقع امر الدعوة ايضا على هذا الترتيب فانه ﵇ امر اولا بانذار عشيرته فان الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح لتأكد حقه واختلفوا فى أفضل الأعمال بعد الفرائض. فقال الشافعي رضى الله عنه الصلاة أفضل اعمال البدن وتطوعها أفضل التطوع. وقال احمد لا اعلم شيأ بعد الفرائض أفضل من الجهاد لانه كان حرفة النبي ﵇. وقال ابو حنيفة ومالك لا شىء بعد فروض الأعيان من اعمال البر أفضل من العلم لان الأعمال ثبتنى عليه ثم الجهاد وبلغ من علم ابى حنيفة ﵀ الى ان سمع فى المنام انا عند علم ابى حنيفة بعد ما قيل اين أطلبك يا رسول الله وفى الحديث (اقرب الناس من درجة النبوة اهل العلم واهل الجهاد) اما اهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل واما اهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل والجهاد سبب البقاء إذ لو تركه الناس لغلبهم العدو وقتلهم وفيه الحياة الدائمة فى الآخرة لانه سبب الشهادة التي تورث تلك الحياة والشهداء احياء غير أموات: وفى المثنوى پس زيادتها درون نقصهاست مر شهيدانرا حيات اندر فناست «١» وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً اى شدة وصبرا على القتال قال فى القاموس الغلظة مثلثة ضد الرقة وهذا الكلام من باب لا ارينك هاهنا فانه وان كان على صورة ان ينهى المتكلم نفسه عن رؤية المخاطب هاهنا الا ان المراد نهى المخاطب عن ان يحضر هاهنا فكذا الآية فانها على صورة امر الكفار بان يجدوا من المؤمنين غلظة لكن المعنى على امر المؤمنين بان يعاملوا الكفار بالغلظة والخشونة على طريق الكناية حيث ذكر اللازم وأريد الملزوم: وفى المثنوى
هر پيمبر سخت روبد در جهان ... يكسواره گفت بر جيش شهان «٢»
رو نكردانيد از ترس وغمى ... يك تن تنها بزد بر عالمى
стр. 1459
گوسفندان گر برونند از حساب ... زانبهشان كى بترسد آن قصاب
قيل للاسكندر فى عسكر دارا الف الف مقاتل فقال ان القصاب لا تهوله كثرة الأغنام والعرب تقول الشجاعة وقاية والجبن مقتلة فاعتبروا بان من يقتل مدبرا اكثر ممن يقتل مقبلا: قال السعدي قدس سره
آنكه چنك آرد بخون خويش بازي ميكند ... روز ميدان وانكه بگريزد بخون لشكرى
: ونعم ما قيل
زهره مردان ندارى چون زنان در خانه باش ... ور بميدان ميروى از تير باران بر مگرد
واعلم ان السلاطين والوزراء والوكلاء بالنسبة الى العسكر كالقلب بالنسبة الى الأعضاء فكما ان القلب إذا صلح الجسد كله فكذا الرئيس إذا ثبت واظهر الشجاعة ثبت الجيش كله [بهرام گفت هر آنكه سر تاج دارد بايد كه دل از سر بر دارد هر آنكه پاى نهد در نگار خانه ملك يقين كه مال وسر وهر چهـ هست دربازد] وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالحراسة والاعانة والمراد بالمعية الولاية الدائمة وادخل مع على المتقين مع اختصاصه بالمتبوع لكونهم المباشرين للقتال ووضع المظهر موضع المضمر اى معكم اشارة الى علة النصرة وهى التقوى كأنه قيل واعلموا ان نصرة الله معكم بسبب تقواكم بالتوحيد والإسلام والايمان والطاعة عن الإشراك والكفر والنفاق والعصيان فى مرتبة الشريعة وبالله عن جميع ما سوى الله فى مرتبة الحقيقة لا مع الكفار المشركين المنافقين العاصين وان أعطاهم لوازم القتال مكرا واستدراجا كما أعطاكموه كموها كرما وإحسانا وبقدر تقواكم بالحق عن الخلق يسخر الله لكم الخلق وبقدر تسخيركم لله قواكم النفسانية يسخر الله لكم الكفار وبقدر تسخيركم لله قواكم الروحانية يسخر الله لكم المؤمنين قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فى مواقع النجوم اعلم يا بنى ان الله جل ثناؤه لما أراد ان يرقى عبده الخصوصى الى المقامات العلية قرب منه أعداءه حتى يعظم جهاده لهم ويشتغل بمحاربتهم اولا قبل محاربة غيرهم من الأعداء الذين هم منه ابعد قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ الآية وحظ الصوفي وكل موفق من هذه الآية ان ينظر فيها الى نفسه الامارة بالسوء التي تحمله على كل محظور ومكروه وتعدل به عن كل واجب ومندوب للمخالفة التي جبلها الله عليها وهى اقرب الكفار والأعداء اليه فاذا جاهدها وقتلها او أسرها فحينئذ يصح له ان ينظر فى الاعيار على حسب ما يقتضيه مقامه وتعطيه منزلته فالنفس أشد الأعداء شكيمة وأقواهم عزيمة فجهادها هو الجهاد الأكبر ومعنى الجهاد مخالفة هواها وتبديل صفاتها وحملها على طاعة الله: وفى المثنوى
اى شهان كشتيم ما خصم برون ... ماند خصم زو بتر در اندرون
قد رجعنا من جهاد الاصغريم ... با عدو اندر جهاد الاكبريم
سهل شيرى دانكه صفها بشكند ... شير آن ست آنكه خود را بشكند
وللنفس سيفان ما ضيان تقطع بهما رقاب صناديد الرحال وعظمائهم وهما شهوتا البطن والفرج وشهوة البطن أقوى وأشد من شهوة الفرج لانه ليس لها تأييد إلا من سلطان شهوة البطن
стр. 1460
زان ندارى ميوه مانند بيد ... كآب روبردى پى نان سپيد
فما ملىء وعاء شر من بطن ملىء بالحلال هذا إذا كان القوت حلالا فكيف إذا كان حراما فالطعام والإكثار منه قاطع عن الطريق وعن عيسى ﵇ يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم لعل قلوبكم ترى الله تعالى وكذا الكلام وكذا التأذى بأذى الأنام فعليه بالصبر وان لا يجدهم مؤذين لانه موحد فيستوى عنده المسيء والمحسن فى حقه بل ينبغى ان يرى المسيء محسنا وكذا المنام قال بعض العلماء من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السموات أيقظنا الله وإياكم من رقدة الغفلة انه مجيب الدعوة وَإِذا ما كلمه ما صلة مؤكدة لارتباط الجزاء بالشرط أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من سور القرآن وعددها مائة واربع عشرة بالإجماع والسورة طائفة من كلامه تعالى فَمِنْهُمْ اى المنافقين مَنْ يَقُولُ لاخوانه إنكارا واستهزاء أَيُّكُمْ مبتدأ وما بعده خبره زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً مفعول زادته وإيراد الزيادة مع انه لا ايمان فيهم أصلا باعتبار اعتقاد المؤمنين. وفيه اشارة الى ان الاستهزاء من علامات النفاق وامارات الإنكار ثم أجاب الله تعالى عن انكارهم واستهزائهم من يعتقد زيادة الايمان بزيادة العلم الحاصل بالوحى والعمل به فقال فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله تعالى وبما جاء من عنده فَزادَتْهُمْ إِيماناً هذا بحسب المتعلق وهو مخصوص بزمان النبي ﵇ واما الآن فالمذهب على الايمان لا يزيد ولا ينقص وانما تتفاوت درجاته قوة وضعفا فانه ليس من يعرف الشيء اجمالا كمن يعرفه تفصيلا كما ان من رأى الشيء من بعيد ليس كمن يراه من قريب فصورة الايمان هو التصديق القلبي اجمالا وتفصيلا وحقيقته الإحسان الذي هو ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك وحقيقة الإحسان مرتبة كنت سمعه وبصره التي هى قرب النوافل وفوقها مرتبة قرب الفرائض المشار اليه بقوله سمع الله لمن حمده. والحاصل ان من اعتقد الكعبة إذا رآها من بعيد فوى يقينه ثم إذا قرب منها كمل ثم إذا دخل ازداد الكمال ولا تفاوت فى اصل الاعتقاد وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بنزولها وبما فيه من المنافع الدينية والدنيوية وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى كفرو سوء عقيدة قال الحدادي سمى الله النفاق مرضا لان الحيرة فى القلب مرض القلب كما ان الوجع فى البدن مرض البدن يقول الفقير كل منهما مؤد الى الهلاك. اما المرض الظاهر فالى هلاك الجسم. واما المرض الباطن فالى هلاك الروح فلا بد من معالجة كل منهما بحسب ما يليق به فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ اى كفرا بها مضموما الى الكفر وعقائد باطلة وأخلاقا ذميمة كذلك والفرق بين الرجس والنجس ان الرجس اكثر ما يستعمل فيما يستقذر عقلا والنجس اكثر ما يستعمل فيما يستقذر طبعا وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ اى واستحكم ذلك الى ان يموتوا عليه بين الله تعالى ان بنزول سورة من السماء حصل للمؤمنين أمران زيادة الايمان والاستبشار وحصل للمنافقين أمران مقابلان لهما زيادة الرجس والموت على الكفر وفى الحديث (ان الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) يعنى ان من آمن بالقرآن وعظم شأنه وعمل به يرفع الله درجته فى الآخرة ويرزقه عزة وشرفا ومن لم يؤمن به او لم
стр. 1461
يعمل به او لم يعظم شأنه خذله الله فى الدنيا والآخرة أَوَلا يَرَوْنَ الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر اى لا ينظر المنافقون ولا يرون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ من الأعوام بالفارسية [در هر سالى] مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ والمراد مجرد التكثير لا بيان الوقوع حسب العدد المزبور اى يبتلون بأصناف البليات من المرض والشدة وغير ذلك مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدى رب العزة فيؤدى الى الايمان به تعالى ثُمَّ لا يَتُوبُونَ عطف على لا يرون داخل تحت الإنكار والتوبيخ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ والمعنى أولا يرون افتتانهم الموجب لايمانهم ثم لا يتوبون عماهم عليه من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفتن الموجبة للتذكر والتوبة قال فى التأويلات النجمية هذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحي وقلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع الى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وقال لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا: وفى المثنوى
ور نكوئى عيب خود بارى خمش ... از نمايش واز دغل خود را مكش «١»
كر تو نقدى يافتى مكشا دهان ... هست در ره سنگهاى امتحان
گفت يزدان از ولادت تا بحين ... يفتنون كل عام مرتين
امتحان بر امتحانست اى پسر ... هين بكمتر امتحان خود را محر
ماهيانرا بحر نگذارد برون ... خاكيانرا بحر نگذارد درون «٢»
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ بيان لاحوالهم عند نزولها فى محفل تبليغ الوحى كما ان الاول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ المراد بالنظر النظر المخصوص الدال على الطعن فى تلك السورة والاستهزاء بها اى تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ اى قائلين هل يراكم من أحد من المسلمين لينصرفوا من المسجد والمجلس مظهرين انهم لا يضطربون عند استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون ثُمَّ انْصَرَفُوا عطف على نظر بعضهم والتراخي باعتبار وجدان الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين اى انصرفوا جميعا عن محفل الوحى خوفا من الافتضاح. والمعنى يقول بعضهم لبعض هل يراكم من أحد من المؤمنين ان قمتم من مجلسكم فان لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وان علموا ان أحد يراهم أقاموا فيه وثبتوا حتى يفرغ ﵇ من خطبته ثم انصرفوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ اى عن الايمان حسب انصرافهم عن المجلس والجملة اخبارية او دعائية بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ لسوء الفهم او لعدم التدبر وفى التأويلات النجمية ليس فقه القلب فان فقه القلب من امارات حياة القلب وهو نور يهتدى به الى الحق كما ان الجهل ظلمة يقيم عندها ولا يدرى ماذا يفعل اللهم اجعلنا من المتدبرين والمتذكرين والمعتبرين قال بعض العلماء اصحاب القلوب من الانس ثلاثة اصناف. صنف كالبهائم قال الله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها. وصنف أجسادهم أجساد بنى آدم وأرواحهم أرواح الشياطين. وصنف فى ظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله وعن ابى بكر الوراق ﵀ انه قال للقلب ستة أشياء حياة وموت وصحة وسقم ويقظة
стр. 1462
ونوم فحياته الهدى ونومه الضلالة وصحته الصفاء وعلته العلاقة ويقظته الذكر ونومه الغفلة وفى المثنوى
هر صباحى چون سليمان آمدى ... خاضع اندر مسجد أقصى شدى «١»
نو گياهى رسته ديدى اندرو ... پس بگفتى نام ونفع خود بگو
تو چهـ داروئى و چهـ تامت چهـ است ... تو زيان كه ونفعت بر كيست
پس بگفتى هر كيوهى فعل ونام ... كه من آنرا جانم واين را حمام
پس سليمان ديد اندر كوشه ... نو گياهى رسته همچون خوشه «٢»
گفت نامت چيست بر كوبى دهان ... گفت خروبست اى شاه جهان
گفت اندر تو چهـ خاصيت بود ... گفت من رستم مكان ويران شود
من كه حروبم خراب منزلم ... هادم بنياد اين آب وكلم
پس سليمان آن زمان دانست زود ... كه أجل آمد سفر خواهد نمود
گفت تا من هستم اين مسجد يقين ... در خلل نايد ز آفات زمين
پس خراب مسجد ما بيكمان ... نبود الا بعد مرك ما بدان
مسجدست اين دل كه چشمش ساجدست ... يار بد خروب هر جا مسجدست
يار بد چون رست در تو مهر او ... هين ازو بگريز وكم كن گفت وكو
بر كن از بيخش كه گر سر بر زند ... مر ترا ومسجدت را بر كند
لَقَدْ جاءَكُمْ يحتمل ان يكون الخطاب للعرب والعجم جميعا. فالمعنى بالله قد جاءكم ايها الناس رَسُولٌ اى رسول عظيم الشان والرسول انسان بعثه الله تعالى الى الخلق لتبليغ الاحكام مِنْ أَنْفُسِكُمْ اى من جنسكم آدمي مثلكم لامن الملائكة ولا من غيرهم وذلك لئلا يتنفروا عنه ويمتنعوا من متابعته ويقولوا لا طاقة لنا بمتابعته لانه ليس من جنسنا يؤيده قوله تعالى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وقوله تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ إذ لفظ المؤمنين عام لكل مؤمن من كل صنف فيكون معنى من أنفسهم اى من جنسهم لان الملك وكذا الجن لعدم جنسيته ولكونه غير مدرك بالحواس الخمس لا ينتفع به فاحتاج الى واسطة جنسية ذى جهتين جهة التجرد لتمكن الاستفاضة من جانب القدس وجهة التعلق لتمكن الافاضة الى جانب الخلق وهو الرسول ﷺ ومنه يظهر انه لكمال لطافته يمكن ان يستفيض منه الجن ايضا لكونهم أجساما لطفية ولذا دعاهم دعوة البشر
مشعله افروز شب خاكيان ... سمع سرا پرده افلاكيان
ويحتمل ان يكون الخطاب للعرب خاصة. فالمعنى بالله قد جاءكم أيتها العرب رسول عربى مثلكم وعلى لغتكم وذلك اقرب الى الالفة وابعد من اللجاجة واسرع الى فهم الحجة فان الإرشاد لا يحصل الا بمعرفة اللسان- حكى- ان اربعة نفر عجمى وعربى وتركى ورومى وجدوا فى طريق درهما فاختلفوا فيه ولم يعرف ولم يفهم واحد منهم مراد الآخر فسأل منهم رجل
стр. 1463
آخر يعرف الالسنة فقال للعربى ايش تريد وللعجمى [چهـ ميخواهى] مثلا وعلم ان مراد الكل ان يأخذوا بذلك الدرهم عنبا فاخذ العارف الدرهم منهم واشترى لهم عنبا فارتفع الخلاف من بينهم. وقرىء من أنفسكم بفتح الفاء اى من أشرفكم وأفضلكم من النفاسة وبالفارسية [عزيز شدن] وشىء نفيس اى خطير وذلك لان محمدا ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وفى كلاب يجتمع نسب أبيه وامه لان امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وبنوا هاشم أفضل القبائل الى إسماعيل ﵇ من جهة الخصال الحميدة وكلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر واجمع النسابون على ان قريشا انما تفرقت عن فهر فهو جماع قريش وانما سمى فهر قريشا لانه كان يقرش اى يفتش عن حاجة المحتاج فيسدها بماله وكان بنوه يقرشون اهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم فسموا بذلك قريشا والرفادة طعام الحاج ايام الموسم حتى يتفرقوا فان قريشا كانت على زمن قصى تخرج من أموالها فى كل موسم شيأ فتدفعه الى قصى فيصنع به طعاما للحاج يأكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد حتى قام بها ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم ولده عبد المطلب ثم ولده ابو طالب وقيل ولده العباس ثم استمر ذلك الى زمنه ﷺ وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك فى الخلفاء الى ان انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر وعن انس بن مالك رضى الله عنه (حب قريش ايمان وبغضهم كفر) وفى الحديث (عالم قريش يملأ طباق الأرض علما) وعن الامام احمد ﵀ هذا العالم هو الشافعي لانه لم ينتشر فى طباق الأرض من علم علماء قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الامام الشافعي ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ فى عبد مناف وهو الجد التاسع للشافعى ﵀ وفى الحديث (انه أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا ليس فى آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح) وذلك لانه لا يجيىء من الزنى ولى فكيف نبى والاشارة فيه الى نفاسة جوهره فى اصل الخلقة لانه أول جوهر خلقه الله تعالى وعن ابى هريرة انه ﵇ سأل جبريل ﵇ فقال (يا جبريل كم عمرك من السنين) فقال يا رسول الله لست اعلم غير ان فى الحجاب الرابع نجما يطلع فى كل سبعين الف سنة مرة رأيته اثنين وسبعين الف مرة فقال ﵇ (يا جبريل وعزة ربى انا ذلك الكوكب) ولما خلق الله آدم جعل نور حبيبه فى ظهره فكان يلمع فى جبينه ثم انتقل الى ولده شيث الذي هو وصيه والثالث من ولده وكانت حواء تلد ذكرا وأنثى معا ولم تلد ولدا منفردا الا شيث كرامة لهذا النور ثم انتقل الى واحد بعد واحد من أولاده الى ان وصل الى عبد المطلب ثم الى ابنه عبد الله ثم الى آمنة وكان ﵇ علة غائية لوجود كل كون فوجوده الشريف وعنصره اللطيف أفضل الموجودات الكونية وروحه المطهر أمثل الأرواح القدسية وقبيلته أفضل القبائل ولسانه خير الالسنة وكتابه خير الكتب الإلهية وآله وأصحابه خير الآل وخير الاصحاب وزمان ولادته خير الأزمان وروضته المنورة أعلى الأماكن مطلقا والماء الذي نبع من أصابعه الشريفة أفضل المياه مطلقا
стр. 1464
ثم بعده الأفضل ماء زمزم لانه غسل منه صدره ﵇ ليلة المعراج ولو كان ماء أفضل منه يغسل به صدره ﵇. ثم ان فى قوله لَقَدْ جاءَكُمْ اشارة الى انه ﷺ هدية عظيمة من الله تعالى وتحفة جسيمة ولا يعرض عن هدية الله تعالى الا الكافرون والمنافقون: قال حضرة الشيخ العطار قدس سره
خويشتن را خواجه عرصات گفت ... انما انا رحمة مهداة گفت
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ العزيز الغالب الشديد وكلمة ما مصدرية والعنت الوقوع فى امر شاق وأشق الأمور دخول النار والجملة من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة رسول. والمعنى شاق شديد عليه عنتكم اى ما يلحقكم من المشقة والألم بترك الايمان فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع فى العذاب وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة قال
الكاشفى [وبعضى بر لفظ عزيز وقف كرده اند وآنرا صفة رسول دانند ومعنى عليه ما عنتم برين فرود آرند كه بر اوست آنچهـ بكنيد از گناه يعنى اعتذار آن برويست در روز قيامت بشفاعت تدارك آن خواهد نمود ودرين معنى گفته اند]
نماند بعصيان كسى در گرو ... كه دارد چنين سيدى پيش رو
اگر دفترت از كنه پاك نيست ... چواو عذر خواهت بود باك نيست
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ اى على ايمانكم وصلاح أحوالكم إذ من البين انه ﵇ ليس حريصا على ذواتهم والحرص شدة الطلب للشىء مع اجتهاد فيه كما فى تفسير الحدادي بِالْمُؤْمِنِينَ متعلق بقوله رَؤُفٌ رَحِيمٌ قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لان الرأفة شدة الرحمة مع ان مقام المدح يقتضى الترقي من الفاضل الى الأفضل محافظة على الفواصل وقدم بالمؤمنين على متعلقه وهو رؤف ليفيد الاختصاص اى لا رأفة ولا رحمة الا بالمؤمنين واما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة قال فى التأويلات النجمية بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ لتربيتهم فى الدين المتين بالرفق كما قال ﵇ (ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عنهم سيآتهم) كما امره الله تعالى بقوله فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ وفى قوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فى حق نبيه ﵇ وفى قوله لنفسه تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ دقيقة لطيفة شريفة وهى ان النبي ﷺ لما كان مخلوقا كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف الخلقة وان الله تعالى لما كان خالقا كانت رأفته ورحمته قديمة فكانت عامة للناس لقوة خالقيته كما قال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فمن تداركته الرأفة والرحمة الخالقية من الناس كان قابلا للرأفة والرحمة النبوية لانها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية كما قال فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ انتهى كلام التأويلات قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا اى روحه وجعل له صورة روحانية كهيئته فى الدنيا فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الإخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة ألا ترى انه تفل فى بئر رومة فى المدينة وكان ماؤها زعاقا
стр. 1465
فصار عذبا ولما أكمله بهذه الصفات أرسله الى هذه الامة- روى- انه لما مات ابو طالب ونالت قريش من النبي ﵇ ما لم تكن نالته منه فى حياته خرج الى الطائف وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقى من قريش من قرابته وعترته خصوصا من عمه ابى لهب وزوجته أم جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب يقولون له أنت الذي جعلت الآلهة الها واحدا فجعل أبو بكر يضرب هذا ويدفع هذا ويقول أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وكان خروجه فى شوال سنة عشر من النبوة وحده وقيل معه مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه يلتمس من ثقيف الإسلام رجاء ان يسلموا وان يناصروه على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه وكان ثقيف أخواله ﵇ فلما انتهى الى الطائف عمد الى اشراف ثقيف وكانوا اخوة ثلاثة فجلس إليهم وكلمهم فيما جاءهم به فقال أحدهم هو يقطع ثياب الكعبة ولا يسرقها وقال آخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال له الثالث والله لا أكلمك ابدا لئن كنت رسولا من عند الله كما تقول لانت أعظم خطرا اى قدرا من ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى ان أكلمك فقام ﵇ من عندهم مأيوسا وقال لهم اكتموا على وكره ان يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه وقالوا له ﵇ اخرج من بلدنا وسلطوا عليه سفهاءهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه فلما مر ﵇ بين الصفين دقوا رجليه بالحجارة حتى ادموهما وشجوا رأس زيد فلما خلص ورجلاه يسيلان دما عمد الى بستان فاستظل فى شجرة كرم ودعا بقوله (اللهم انى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا ارحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى الى من تكلنى ان لم يكن لك غضب على فلا أبالي) ثم انطلق ﵇ وهو مهموم حتى اتى بقرن الثعالب وهو ميقات اهل نجد او اليمن وبينه وبين مكة يوم وليلة فارسل الله تعالى جبريل ومعه ملك الجبال فقال ان شئت أطبقت على ثقيف هذين الجبلين فقال ﵇ (بل ارجوا ان يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيأ) وعند ذلك قال له ﵇ ملك الجبالة أنت كما سماك ربك رؤف رحيم: وفى المثنوى
بندگان حق رحيم وبردبار ... خوى حق دارند در إصلاح كار «١»
مهربان بي رشوتان يارى گران ... در مقام سخت ودر روز كران
اى سليمان در ميان زاغ وباز ... حلم حق شو با همه مرغان بساز «٢»
اى دو صد بلقيس حلمت را زبون ... كه اهد قومى انهم لا يعلمون
صد هزاران كيميا حق آفريد ... كيميائى همچوصبر آدم نديد «٣»
نسأل الله سبحانه ان يلحقنا باهل الحلم والكرم ويزكينا من سوء الأخلاق والشيم فَإِنْ تَوَلَّوْا تسلية لرسول الله ﷺ اى ان اعرضوا عن الايمان بك وقبول نصحك ولم يتبعوك فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ كافينى فانه يكفيك معرتهم اى المساءة التي تلحقك من قبلهم ويعينك عليهم. وفيه اشارة الى ان تبليغ الرسالة من النبي ﵇ كان موجبا لقربه الى الله وقبوله إياه فلما بلغ رسالته فقد حصل على القبول من الله وقربته ان قبلوا
стр. 1466
وان اعرضوا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كالدليل على ما قبله يقول الفقير أصلحه الله القدير هذه الكلمة الطيبة فى حكم لا اله الا الله لان الضمير عائد الى المذكور من لفظ الجلالة وكون هو ضميرا لا ينافى كونه اسما لان المضمرات من قبيل الأسماء فما اشتهر بين الصوفية السالكين من الذكر به بناء على كونه اسما ولما كان وجود الكون موهوما ووجود الحق محققا معلوما صح ان يشار به الى الله تعالى سيما اطلق لعدم المزاحم فى الحقيقة والذكر به مناسب للمبتدىء لكونه فى حال الغيبة فاذا ترقى الترقي الكلى فلا يشار به اى بهو الا الى الهوية المطلقة نسأل الله التوفيق للوصول الى مراتب التحقيق عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ اى وثقت فلا أرجو ولا أخاف إلا منه والتوكل اعتماد القلب على الله وسكونه وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [پروردگار عرش بزرگ مراد ملك عظيم است يا عرش كه قبله دعا ومطاف ملائكه باشد اشارت بكمال قدرت وحفظ حق تعالى راست: يعنى آن خدايى كه عرش را بدان همه عظمت كه هشت هزار ركن دارد وبروايتى سيصد هزار قاعده واز قاعده تا قاعده سيصد هزار سال راه وهمه آن مملو از خافات وصافات بقدرت كامله نكاه ميدارد قادرست كه مرا نيز از شر منافقان در پناه آرد كه حافظ بندگان وناصر سرافكندگان اوست]
ازو خواه يارى كه يارى ده اوست ... بدو التجا كن كه اينها ازوست
كسى را كه او آورد در پناه ... چهـ غم دارد از فتنه كينه خواه
قال الحدادي رب العرش العظيم اى خالق السرير العظيم الذي هو أعظم من السموات والأرض وانما خص العرش بذلك لانه إذا كان رب العرش العظيم مع عظمته كان رب ما دونه فى العظم. وقيل انما خص العرش تشريفا للعرش وتعظيما لشأنه واعلم ان العناصر والافلاك مرتبة فالارض ثم الماء ثم الهواء ثم النار ثم فلك القمر ثم فلك عطارة ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك الثوابت ثم فلك الافلاك ويسمى الفلك الأعظم وهو محيط بجميع الأجسام من الفلكيات والعناصر ليس وراءه شىء لاخلاء ولا ملاء وكل محيط من الافلاك والعناصر يماس المحاط الذي يليه فى الترتيب المذكور لاستحالة الخلاء وجملة هذه الاجرام من الافلاك والعناصر وما فيها يطلق عليها اسم العالم قال بعض اهل التحقيق خلق الله العرش لاظهار شرف محمد ﷺ وهو قوله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وهو مقام تحت العرش ولان العرش معدن كتاب الأبرار لقوله تعالى إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وايضا العرش مرآة الملائكة يرون الآدميين وأحوالهم منه كى يشهدوا عليهم يوم القيامة فان عالم المثال والتمثال فى العرش كالاطلس فى الكرسي قال حضرة شيخنا قدس سره فى الرسالة العرفانية التي صنفها فى سنة تسع وثمانين بعد الالف العرش العظيم هو الإنسان الكبير والعرش الكريم هو الإنسان الصغير فظاهر العرش العظيم والإنسان الكبير على التبدل والتغير وباطنهما على الدوام والثبات وباطن العرش الكريم والإنسان الصغير على التبدل والتغير وظاهرهما على الدوام والثبات انتهى اجمالا يقول الفقير المباهي بالانتساب الى ذلك السيد الخطير لعل مراده رضى الله عنه ان باطن
стр. 1467
العرش العظيم هو العرش المحيط الذي يقال له الملكوت وظاهره ما تحته من الاجرام ويقال له عالم الكون والفساد فظاهر العرش لكونه عالم الكون والفساد على التبدل والتغير وباطنه وهو العرش نفسه على حاله بخلاف العرش الكريم الذي هو الإنسان فان ظاهره من أول عمره الى آخره على الثبات وباطنه على التغير لان قلبه لا يخلو عن الافكار والتقلبات والله تعالى رب العرش العظيم ورب العرش الكريم فى الظاهر والباطن والاول والآخر هذا وقد ذكر فى فضائل هاتين الآيتين اللتين إحداهما لَقَدْ جاءَكُمْ الآية والاخرى فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية- روى- ان أبا بكر بن مجاهد المقري ﵀ اتى اليه أبو بكر الشبلي قدس سره فدخل عليه فى مسجده فقام اليه فتحدث اصحاب ابن مجاهد بحديثهما وقالوا أنت لم تقم لعلى بن عيسى الوزير وتقوم للشبلى فقال الا أقوم لمن يعظمه رسول الله ﷺ رأيت رسول الله ﷺ فى النوم فقال لى يا أبا بكر إذا كان فى غد فسيدخل عليك رجل من اهل الجنة فاذا دخل فاكرمه قال ابن مجاهد قلما كان بعد ذلك بليلتين رأيت النبي ﵇ فقال لى يا أبا بكر أكرمك الله كما أكرمت رجلا من اهل الجنة قلت يا رسول الله بم استحق الشبلي هذا منك فقال هذا رجل يصلى خمس صلوات يذكرنى اثر كل صلاة ويقرأ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الى آخر السورة وذلك منذ ثمانين سنة أفلا أكرم من فعل هذا كذا فى عقد الدرر واللآلى وفيه ايضا حكى عن بعض الصالحين انه حصل له ضيق شديد فرأى النبي ﷺ فى المنام فقال له يا فلان لا تغتم ولا تحزن إذا كان الغد ادخل على على بن عيسى الوزير فاقرئه منى السلام وقل له بعلامة انك صليت على عند قبرى اربعة آلاف مرة يدفع لك مائة دينار عينا فلما أصبح ذهب اليه وقص عليه الرؤيا فاغر ورقت عينا علىّ بن عيسى بالدموع وقال صدق الله ورسوله وصدقت أنت يا رحل هذا شىء ما كان علم به الا الله ورسوله يا غلام هات الكيس فاحضره بين يديه فاخرج منه ثلاثمائة دينار وقال هذه المائة التي قال رسول الله ﷺ وهذه المائة الاخرى بشارة وهذه المائة الاخرى هدية لك فخرج الرجل من عنده ومعه ثلاثمائة دينار وقد زال همه وغمه ومن الله على الوزير المذكور
فترك الوزارة وعلو الرياسة وظلم السلطنة وعظمة الجبابرة وذهب الى مكة وجاور فيها ببركة ذكر النبي ﷺ وتخصيصه بإرسال ذلك الرجل لما سبق له فى علم الله تعالى بما يؤول امره اليه من الخير وحسن الخاتمة خدايا بحق نبى فاطمه كه بر قول ايمان كنم خاتمه وعن أبيّ رضى الله عنه (ان آخر ما نزل هاتان الآيتان) وعن النبي ﷺ (ما نزل القرآن علىّ الا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وسورة قل هو الله أحد فانهما أنزلتا علىّ ومعهما سبعون الف صف من الملائكة) واعلم ان الأحاديث التي ذكرها صاحب الكشاف فى اواخر السورة وتبعه القاضي البيضاوي والمولى ابو السعود ﵏ من اجلة المفسرين قد اكثر العلماء القول فيها فمن مثبت ومن ناف بناء على زعم وضعها كالامام الصغاني وغيره واللائح لهذا العبد الفقير سامحه الله القدير ان تلك الأحاديث لا تخلوا اما ان تكون صحيحة قوية او سقيمة ضعيفة او مكذوبة موضوعة فان كانت صحيحة قوية فلا كلام
стр. 1468
فيها وان كانت ضعيفة الأسانيد فقد اتفق المحدثون على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط كما فى الاذكار للنووى وانسان العيون لعلى بن برهان الدين الحلبي والاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومي وغيرها وان كانت موضوعة فقد ذكر الحاكم وغيره ان رجلا من الزهاد انتدب فى وضع الأحاديث فى فضل القرآن وسوره فقيل له فلم فعلت هذا فقال رأيت الناس زهدوا فى القرآن فاحببت ان ارغبهم فيه فقيل له ان النبي ﷺ قال (من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) اى فليتخذ يقال تبوأ الدار اتخذها مباءة اى مسكنا ومنزلا ولفظه امر ومعناه خبر يعنى فان الله بوأه مقعده اى موضع قعوده منها فقال انا ما كذبت عليه انما كذبت له كما فى شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب أراد ان الكذب عليه يؤدى الى هدم قواعد الإسلام وإفساد الشريعة والاحكام وليس كذلك الكذب له فانه للحث على اتباع شريعته واقتفاء اثره فى طريقته قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الكلام وسيلة الى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب حرام فان أمكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب ان كان ذلك المقصود واجبا فهذا ضابطه انتهى: قال الشيخ سعدى
خردمندان گفته اند دروغ ... مصلحت آميز به از راست فتنه انگيز
: وقال اللطيفى
دروغى كه جان ودلت خوش كند ... به از راستى كان مشوش كند
وبالجملة المرء مخير فى هذا الباب فان شاء عمل بتلك الأحاديث بناء على حسن الظن بالاكابر حيث أثبتوها فى كتبهم خصوصا فى صحف التفاسير الجليلة وظاهر انهم لا يضعون حرفا الا بعد التصفح الكثير وان شاء ترك العمل بها وحرم من منافع جمة ولا محاجة معه وربما يتفق المحدثون على صحة بعض الأحاديث ولا صحة له فى نفس الأمر فان الإنسان مركب من السهو والنسيان وحقيقة العلم عند الله الملك المنان ولذا قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر قد يظهر من الخليفة الآخذ الحكم من الله ما يخالف حديثا ما فى الحكم فيتخيل انه من الاجتهاد وليس كذلك وانما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبي ﷺ ولو ثبت الحكم به وان كان طريق الاسناد العدل عن العدل فالعدل ليس بمعصوم من الوهم الذي هو مبدأ السهو والنسيان ولا من النقل على المعنى الذي هو مبدأ التأويلات والتحريفات فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم انتهى فهذا كلام حق بلا مرية وليس وراء عبادان قريه بقي هاهنا شىء وهو ان بعض المتقدمين جعل القرآن أثلاثا فالثلث الاول ينتهى عند قوله فى سورة التوبة وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ والثلث الثاني عند قوله فى سورة العنكبوت إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
وعند العامة الثلث الاول ينتهى عند قوله تعالى وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وهو منتهى الجزء العاشر ولعل الاول قول تحقيقي والثاني تقريبى والله اعلم بالصواب
стр. 1469
يقول الفقير سمى الذبيح إسماعيل حقى شرفه الله سبحانه باعالى التجليات والترقي وغفر ذنب وجوده وجاوز به
عن انانياته واحسن الى آبائه وأمهاته وأعقابه وذرياته قد كنت اصمم حين ما باشرت هذا الأمر الخطير النبيه وهو هذا الجمع المسمى بالإلهام الذي لا شك فيه ب (روح البيان فى تفسير القرآن) ان أطويه فى مجلد او مجلدين ان ساعدنى الحين الى الحين فلما جاء بحمد الله بعض منه بما حواه من فنون المعرفة كبيرا الحجم والمقدار رأيت ان اجعله أثلاثا فختمت الدفتر الاول عند تمام سورة التوبة الجليلة الآثار وذلك فى احدى البلاد الثلاث المسماة ببروسة المحروسة فى الدار المشروطة لى المشهورة بدار السيد محمد سبزى المدرسى المأنوسه يوم الأحد وهو العشر العاشر من الثلث الاول من السدس الثاني من النصف الاول من العشر الثاني من العشر الاول من العقد الثاني من الالف الثاني من الهجرة النبوية فلله الحمد على نعمة الإتمام ولرسوله أفضل الصلاة والسلام ولآله وأصحابه أكمل التحيات والإكرام
حمد لله روز يكشنبه وهم ماه صفر ... چون نخستين دفتر از روح البيان فارغ شدم
حقيا تاريخ وى كردم بحرف جوهرى ... حاليا از جلد أول فارغ البال آمدم
تم الجلد الثالث بتوفيق الله تعالى من تفسير القرآن المسمى ب «روح البيان» ويليه الجلد الرابع ان شاء الله اوله تفسير سورة يونس
стр. 1470
الجزء الرابع
من تفسير روح البيان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي انزل القرآن موعظة وشفاء لما فى الصدور وجعله منهلا عذبا للورود والصدور أظهره من مقام الجمع والتنزيه والنون فالزمه حجة لاهل الظواهر والبطون جمع فيه علوم الأولين والآخرين فلا رطب ولا يابس الا فى كتاب مبين والصلاة والسلام على من اوحى اليه ذلك القرآن من لوح الوجوب والأمر والشان سيدنا محمد الذي اجرى من مسجله ما يحاكى السلسبيل والرحيق وأفحم بلاغته كل متكلم منطيق وفسر الآيات فى الأنفس والآفاق على مراد الله الملك الخلاق وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره المغترفين من بحار أسراره المتفردين فى رياض البيان بالخطب العرفانية المترنمين فى مروج العيان بالكلمات الحقانية ومن تبعهم ممن تخلق بالقرآن فى كل زمان ما طلع المر زمان (وبعد) فيقول العبد المعترف بذنبه وخطاه المنادى لربه فى عفوه وعطاه الراجي فى اسبال سجاف الندى عليه المناجى فى إرسال رسول الهدى اليه الشيخ سمى الذبيح إسماعيل حقى الجلوتى بالجيم حفظه الله سبحانه واخلاءه وأعاذه وإياهم من الشيطان الرجيم وجعل يومه خيرا من امسه الى الإياس من حياة نفسه وخلع عليه خلعة الترقي وأسعده بالمقام الحقي ان علم التفسير لا يقحم فى معاركه كل ذمير وان كان أسدا ولا يحمل لواءه كل امير وان مات حسدا وذلك اظهر من ان يورد عليه دليل كالنيرين لغير كليل ومع خطر هذا الأمر فالامد قصير وفى العبد تقصير وكم ترى من تحرير كامل فى التحرير والتقرير قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل وذلك بحلول ريب المنون والاجل او بتطاول يد الزمان فان الدنيا لا تصفو لشارب وان كانت ماء الحيوان وأي وجود
стр. 1471
لا ينسج عليه عنا كب العاهات وأي نعيم لا يكدره الدهر هيهات وانى لما أتممت الدفتر الاول من هذا الجمع المعول المسمى ب (روح البيان فى تفسير القرآن) على ما القى فى روعى من نفث روح القدس وألهم لى من مقام الملكوت وحضرة الانس وأوقفت القلم عند منتهاه من السير على وجه لم يسبقنى اليه الغير رأيت رؤيا هالتنى واذعرتنى وعن خطب جليل أخبرتني فلما تفكرت فى تعبيرها والمراد منها واستفتيت قلبى فى كشف القناع عنها استبان لى ان الله تعالى فسح فى مدتى وانسأ حمامى الى حصول منيتى لكن لم يعرّف الحد بل أبهم لكونه بالنسبة الىّ مرو ما غير أهم الا انى وجدت السن قد ناهزت الأربعين وقد اشمط الرأس ولهزم الشيب الخدّ على اليقين ورأيت ان اركان الوجود تضعضعت من ضعف الكبر وقوة الفتور وان شمس القوى قد توجهت الى الأفول بعد الظهور وان الفكرة قد فهدت كعبود وان القلب كانما غرز بابر بل بسفود ومن ثم دمست وجوه المحابر وانشقت جيوب الأقلام وتطايرت الصحف كايادى سبا كأنهن فى مأتم الآلام فوضعت الديباجة على عتبة الباب واتربت الجبهة لمسبب الأسباب ووجهت ركاب التوجه الى جنابه الرفيع وادمعت العين رجاء ان يكون لى خير شفيع فى ان يشد عضدى فى إتمام الدفتر الثاني والثالث ويعوق عنى صروف الدهر والحوادث ويحرك من عطفى الى قضاء هذا الوطر وان كان جسيما وكان فضل الله عظيما ومن ديدنى فى هذا الجمع ان لا اكثر من وجوه التفسير بل اقتصر على ما ينحل به عقد الآي على وجه يسير مع توشيحات خلت عنها التفاسير الاول من المجلدات الصغر والكبر والطول وتذييلات ينسرّ بذكرها صدور اهل التذكير والعظة مع نبذ مزجت فى كل مجلس من الأبيات الفارسية الدرية لتكون عبرة موقظة ومن دأبى ايضا ان لا أغير عبارات المآخذ الا لان يتجاوب الكلم او يكون المقام مما يقال فيه لا أو لم وأشرت الى بعض اللوائح بقولي يقول الفقير وأدرجت بعضها فى خلال التقرير ووقع الشروع فى هذا الجلد فى العشر الثاني من الثلث الثالث من السدس الثاني من النصف الثاني من العشر الثاني من العشر الاول من العقد الثاني من الالف الثاني من الهجرة النبوية على صاحبها الف الف سلام وتحية وكان البدء كالاول فى مهاجرى ومراغمى بلدة بروسة المحروسة لا زالت أقطارها بالأرواح القدسية مأنوسة اللهم كما عودتنى فى الاول خيرا كثيرا يسر لى الأمر فى الآخر تيسيرا واجعل
رقيمى هذا سببا لبياض الوجه كما تبيض وجوه أوليائك وامح مسودات صحائف أعمالي بجاه حبيبك محمد أحب أنبيائك ولم أكن بدعائك رب شقيا بكرة وعشيا مادمت حيا فلك الحمد فى الاولى والاخرى على عناياتك الكبرى وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين
تفسير سورة يونس
مكية وهى مائة وتسع آيات بينات بسم الله الرحمن الرحيم
الر الظاهر ان الر اسم للسورة وانه فى محل الرفع على انه مبتدأ حذف خبره او خبر مبتدأ محذوف اى الر هذه السورة او هذه السورة الر اى مسماة بهذا الاسم ولله ان يسمى السور بما أراد ورجحه المولى ابو السعود ﵀ حيث قال وهو اظهر من الرفع على
стр. 1472
الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الاخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب والاشارة إليها قبل جريان ذكرها لما انها باعتبار كونها على جناح الذكر وبصدده صارت فى حكم الحاضر كما يقال هذا من اشترى فلان انتهى يقول الفقير اعلم ان الحروف اجزاء الكلمات وهى اجزاء الجمل وهى اجزاء الآيات وهى اجزاء السور وهى اجزاء القرآن فالقرآن ينحل الى السور وهى الى الآيات وهى الى الجمل وهى الى الكلمات وهى الى الحروف وهى الى النقاط كما ان البحر يأول الى الأنهار والجداول وهى الى القطرات فاصل الكل نقطة واحدة وانما جاء الكثرة من انبساط تلك النقطة وتفصلها وقول اهل الظاهر فى الر وأمثاله تعديد على طريق التحدي لا يخلو عن ضعف إذ هذه الحروف المقطعة لها مدلولات صحيحة وهى زبدة علوم الصوفية المحققين وقد ثبت ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اوتى علوم الأولين والآخرين. فمن علوم آدم وإدريس ﵉ علم الحروف وانما ذمت الطائفة الحروفية لاخذهم بالاشارة ورفضهم العبارة وهتكهم حرمة الشريعة التي هى لباس الحقيقة كما ان اللفظ لباس المعنى والعبارة ظرف الاشارة والوجود مرآة الشهود وكل منهما منوط بالآخر والمنفرد بأحدهما خارج عن دائرة المعرفة الالهية فعلم هذه الحروف بلوازمها وحقائقها مفوض فى الحقيقة الى الله والرسول وكمل الورثة ومنهم من ذهب الى جانب التأويل وقال كل حرف من الحروف المقطعة مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود فى العربية كما قال الشاعر قلت لها قفى فقالت ق اى وقفت ولذا قال ابن عباس رضى الله عنهما معنى الر انا الله ارى. وعنه انه من حروف الرحمن وذلك انه إذا جمعت الر وحم ون انتظم حروف الرحمن وقال فى التأويلات النجمية ان فى قوله الر إشارتين. اشارة من الحق للحق والى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى. واشارة من الحق لنبيه واليه ﵇ فالاولى قسم منه تعالى يقول بآلائى عليك فى الأزل وأنت فى العدم وبلطفي معك فى الوجود ورحمتى ورأفتى لك من الأزل الى الابد والثانية قسم منه يقول بانسك معى حين خلقت روحك أول شىء خلقته فلم يكن معنا ثالث وبلبيك الذي أجبتني به فى العدم حين دعوتك للخروج منه فخاطبتك وقلت ياسين اى يا سيد قلت لبيك وسعديك. والخير كله بيديك. وبرجوعك منك الى حين قلت لنفسك ارجعي الى ربك تِلْكَ محله الرفع على انه مبتدأ خبره ما بعده وعلى تقدير كون الر مبتدأ فهو مبتدأ ثان وهى اشارة الى ما تضمنته هذه السورة من الآيات آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ اى آيات القرآن المشتمل على الحكم على ان يكون الحكيم بناء النسبة بمعنى ذى الحكم وذلك لان الله تعالى أودع فيه الحكم كلها فلا رطب ولا يابس الا فى كتاب مبين- حكى- ان الامام محمدا ﵀ غلب عليه الفقر مرة فجاء الى فقاعى يوما فقال ان أعطيتني شربة أعلمك مسألتين من الفقه فقال الفقاعى لا حاجة الى المسألة
قيمت در گرانمايه چهـ دانند عوام ... حافظا گوهر يكدانه مده جز بخواص
فاتفق انه حلف ان لم يعط بنته جميع ما فى الدنيا من الجهاز فامرأته طالق ثلاثا فرجع الى العلماء فافتوا بحنثه لما انه لا يمكن ذلك فجاء الى الامام محمد فقال الامام لما طلبت منك شربة كان فى عزيمتى ان أعلمك هذه المسألة ومسألة اخرى فالآن لا أعلمها الا بعد أخذ الف دينار
стр. 1473
تعظما لشان المسألة فدفعه اليه فقال لو دفعت الى البنت مصحفا كنت بارا فى يمينك فسأله علماء عصره عن وجهه فاجاب بان الله تعالى قال وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ فوقع هذا الجواب عندهم فى حيز القبول
علم دريست نيك با قيمت ... جهل درديست سخت بى درمان
وفى التأويلات هذه الآيات المنزلة عليك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك فى الأزل وأورثته لك ولا متك وقلت ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فاختص هذا الكتاب بان يكون حكيما من سائر الكتب اى حاكما يحكم على الكتب كلها بتبديل الشرائع والنسخ ولا يحكم عليه كتاب ابدا واختص هذه الامة بالاصطفاء من سائر الأمم وأورثهم هذا الكتاب ومعنى الوراثة انه يكون باقيا فى هذه الامة يرثه بعضهم من بعض ولا ينسخه كتاب كما نسخ هو جميع الكتب أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً الهمزة لانكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لكونه فى غير محله والمراد بالناس كفار مكة قال ابو البقاء للناس حال من عجبا لان التقدير أكان عجبا للناس وعجبا خبر كان واسمه قوله أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ اى بشر من جنسهم فأنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ولم يتعجبوا من ان يكون الا له صنما من حجر او ذهب او خشب او نحاس او ممن لا يعرف بكونه ذا جاه ومال ورياسة ونحو ذلك مما يعدونه من اسباب العز والعظمة فانهم كانوا يقولون العجب ان الله تعالى لم يجد رسولا يرسله الى الناس الا يتيم ابى طالب وهو من فرط حماقتهم وقصر نظرهم على الأمور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة فانه ﵇ لم يكن يقصر عن عظمائهم فى النسب والحسب والشرف وكل ما يعتبر فى الرياسة من كرم الخصال الا فى المال ولا مدخل له فى شرف النفس ونجابة جوهرها الا انهم لعظم الغنى فى أعينهم تعجبوا من اصطفائه للرسالة وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ: قال الحافظ قدس سره
تاج شاهى طلبى گوهر ذاتى بنماى ... در خود از گوهر جمشيد فريدون باشى
: وقال السعدي قدس سره
هنر بايد وفضل ودين ... كه گاه آيد وگه رود جاه ومال
قال فى التأويلات النجمية يشير الى انهم يتعجبون من ايحائنا الى محمد ﵇ لانه كان رجلا منهم وفيه رأينا رجوليته قبل الوحى وتبليغ الرسالة من بينهم ولهذا السر ما اوحى الى امرأة بالنبوة قط انتهى. والرجولية هى صدق اللسان ودفع الأذى عن الجيران والمواساة مع الاخوان هذا فى الظاهر واما فى الحقيقة فالتنزه عن جميع ما سوى الله تعالى. وفى حديث المعراج (ان الله تعالى نظر الى قلوب الخلق فلم يجد اعشق من قلب محمد ﵇ فلذا أكرمه بالرؤية) فالعبرة لحال الباطن لا لحال الظاهر واعلم ان حال الولاية كحال النبوة ولو رأيت اكثر اهل الولاية فى كل قرن وعصر لوجدتهم ممن لا يعرف بجاه ومن عجب من ذلك القى فى ورطة الإنكار وحجت بذلك الستر عن رؤية الأخيار أَنْ مفسرة للمفعول المقدر اى أوحينا اليه شيأ هو أَنْذِرِ النَّاسَ اى جميع الناس كافة لا ما أريد بالأول عمم الانذار لانه ينفع جميع
стр. 1474
المكلفين من الكفار وعوام المؤمنين وخواصهم فالبعض ينذر بنار الجحيم والبعض الآخر بانحطاط الدرجات فى دار النعيم والبعض الثالث بنار الحجاب عن مطالعة جمال الرب الكريم وقدم الانذار على التبشير لان ازالة ما لا ينبغى متقدمة فى الرتبة على فعل ما ينبغى وهو لا يفيد مادامت النفس ملوثة بالكفر والمعاصي فان تطييب البيت بالبخور انما يكون بعد الكنس وازالة القاذورات ألا ترى ان الطبيب الذي يباشر معالجة الأمراض البدنية يبدأ اولا بتنقية البدن من الاخلاط الرديئة ثم يباشر المعالجة بالمقويات فكذلك الطبيب الذي يباشر معالجة مرض القلب لا بد له ان يبدأ اولا بتنقيته من العقائد الزائغة والأخلاق الرديئة والأعمال القبيحة المكدرة للقلب بان يسقيه شربة الانذار بسوء عاقبة تلك الأمور وبعد تنقيته من المهلكات يعالجه بما يقويه على الطاعات بان يسقيه شربة التبشير بحسن عاقبة الأعمال الصالحات ولهذا اقتصر على ذكر الانذار فى مبدأ امر النبوة حيث قال يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا دون الذين كفروا إذ ليس لهم ما يبشرون به من الجنة والرحمة ماداموا على كفرهم أَنَّ لَهُمْ اى بان لهم
قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ اى أعمالا صالحة سابقة قدموها ذخرا لآخرتهم ومنزلة رفيعة يقدمون عليها سميت قدما على طريق تسمية الشيء باسم آلته لان السبق والقدوم يكون بالقدم كما سميت النعمة يدا لانها تعطى باليد واضافة قدم الى الصدق من قبيل اضافة الموصوف الى صفته للمبالغة فى صدقها وتحققها كأنها فى صدقها وتحققها مطبوعة منه وإذا قصد تبيينها لا تبين إلا به وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال قَدَمَ صِدْقٍ شفاعة نبيهم لهم هو امامهم الى الجنة وهم بالأثر
گفتى كنم شفاعت عاصى عذر خواه ... دل بر اميد آن كرم افتاد در گناه
قالَ الْكافِرُونَ هم المتعجبون اى كفار مكة مشيرين الى رسول الله ﵇ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ [جادويست آشكارا] وفيه اعتراف بانهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة واعلم ان الكفار سحرهم سحرة صفات فرعون النفس ولذا صاروا صما بكما عميا عن الحق فهم لا يعقلون الحق ولا يتبعون داعى الحق والنفس جبلت على حب الرياسة وطلب التقدم فلا ترضى ان تكون مرؤوسة تحت غيرها فاصلاحها انما هو بالعبودية التي هى ضد الرياسة والانقياد للمرشد: وفى المثنوى
همچواستورى كه بگريزد زبار ... او سر خود گيرد اندر كوهسار
صاحبش از پى دوان كاى خيره سر ... هر طرف گرگيست اندر قصد خر
استخوانت را بخايد چون شكر ... كه نبينى زندگانى را دگر
هين بمگريز از تصرف كردنم ... وز گرانى بار چون جانت منم
تو ستورى هم كه نفست غالبست ... حكم غالب را بود اى خود پرست
مير آخر بود حق را مصطفا ... بهر استوران نفس پر جفا
لا جرم اغلب بلا بر انبياست ... كه رياضت دادن خامان بلاست
قال عيسى ﵇ للحواريين اين تنبت الحبة قالوا فى الأرض فقال كذلك الحكمة
стр. 1475
لا تنبت الا فى القلب مثل الأرض يشير الى التواضع والى هذه الاشارة بقول سيد البشر من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه والينابيع لا تكون الا فى الأرض وهو موضع نبع الماء فظهر ان الكفار لما لم ينزلوا أنفسهم الى مرتبة التواضع والعبودية. ولم يقبلوا الانذار بحسن النية. حرموا من الورود الى المنهل العذب الذي هو القرآن.
فبقوا عطشى الأكباد فى زوايا الهجران. واين المتكبرون المتصعدون الى جوّ هواهم. من الشرب من ينبوع الهدى الذي أجراه من لسان حبيبه مولاهم. وكما ان الكفار بالكفر الجلى ادعوا كون القرآن سحرا وأنكروا مثل ذلك الخارق لعاداتهم. فكذا المشركون بالشرك الخفي أنكروا الكرامات المخالفة لمعاملاتهم قال الام اليافعي ﵀ ثم ان كثيرا من المنكرين لو رأوا الأولياء والصالحين يطيرون فى الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين ولا شك ان من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فواعجبا كيف نسب السحر وفعل الشياطين الى الأنبياء العظام والأولياء الكرام نسأل الله العفو والعافية سرا وجهارا. وان يحفظنا من العقائد الزائغة والأعمال الموجبة بوارا إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خطاب لكفار مكة اى مربيكم ومدبر أموركم خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ التي هى اصول الممكنات وجسام الأجسام فان قيل الموصولات موضوعة لان يشاربها الى ما يعرفه المخاطب باتصافه بمضمون الصلة والعرب لا يعلمون كونه تعالى خالق السموات والأرض أجيب بان ذلك امر معلوم مشهور عند اهل الكتاب والعرب كانوا يتخالطون معهم فالظاهر انهم سمعوه منهم فحسن هذا التعريف لذلك قال فى ربيع الأبرار تفكروا ان الله خلق السموات سبعا والأرضين وثخانة كل ارض خمسمائة عام وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين كل سماء خمسمائة عام وفى السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كله فيه ملك لم يتجاوز الماء كعبه فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى فى ستة اوقات فان اصل الأيام هو يوم الآن المشار اليه بقوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وهو الزمن الفرد الغير المنقسم وسمى يوما لان الشان يحدث فيه فبالآن تتقدر الدقائق وبالدقائق تتقدر الدرج وبالدرج تتقدر الساعات وبالساعات يتقدر اليوم فاذا انبسط الآن سمى اليوم وإذا انبسط اليوم سمى أسابيع وشهورا وسنين ادوارا فيوم كالآن وهو ادنى ما يطلق عليه الزمان ومنه يمتد الكل ويوم كالف سنة وهو يوم الآخرة ويوم كخمسين الف سنة وهو يوم القيامة اى ادنى مقدار ستة ايام لان اليوم عبارة عن زمان مقدر مبدأه طلوع الشمس ومنتهاه غروبها فكيف تكون حين لا شمس ولا نهار ولو شاء لخلقها فى اقل من لحظة لكنه أشار الى التأنى فى الأمور فلا يحسن التعجيل الا فى التوبة وقضاء الدين وقرى الضيف وتزويج البكر ودفن الميت والغسل من الجنابة: وفى المثنوى
مگر شيطانست تعجيل وشتاب ... خوى رحمانست صبر واحتساب «١»
با تأنى كشت موجود از خدا ... تابشش روز اين زمين و چرخها «٢»
ور نه قادر بود كز كن فيكون ... صد زمين و چرخ آوردى برون
اين تأنى از پى تعليم تست ... طلب آهسته بايد بى شكست