← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وتخلص من الخزي الذي هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه في تيه الباطل في الدنيا والآخرة: قال في المثنوى اصل صد يوسف جمال ذو الجلال ... اى كم از زن شو فداى آن جمال «١» اصل بيند ديده چون أكمل بود ... فرع بيند چونكه مرد أحول بود «٢» سرمه توحيد از كحال حال ... يافته رسته ز علت واعتلال ولا بد من العشق في طريق الحق- وحكى- ان عجوزا أحضرت السوق قطعة غزل وقالت اكتبونى من مشترى يوسف حتى يوجد اسمى في دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك وَلَقَدْ آتَيْنا اى بالله لقد أعطينا يا بنى إسرائيل مُوسَى لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى الآية الْكِتابَ اى التوراة جملة واحدة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ يقال قفاه به إذا اتبعه إياه اى اتبعنا من بعد موسى رسولا بعد رسول مقتفين اثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وشيعا وارميا وعزير وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ﵈ وَآتَيْنا عِيسَى بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والأصح انه لا اشتقاق له ولأمثاله فى العربية ابْنَ بإثبات الالف وان كان واقعا بين العلمين لندرة الاضافة الى الام مَرْيَمَ بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها أمها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى في كتابه الكريم مع الأنبياء ﵈ سبع مرات وخاطبها كما خوطب الأنبياء كما قال تعالى يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ فشاركها مع الرجال الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات من احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والاخبار بالمغيبات والإنجيل وَأَيَّدْناهُ اى قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ من اضافة الموصوف الى الصفة اى بالروح المقدسة المطهرة وهي روح عيسى ﵇ وصفت بالقدس للكرامة لان القدس هو الله تعالى او الروح جبريل ووصف بالطهارة لانه لم يقترف ذنبا وسمى روحا لانه كان يأتى الأنبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به انه عصمه من أول حاله الى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه الى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصفه بايتاء البينات والتأييد بروح القدس لما ان بعثتهم كانت لتنفيذ احكام التوراة وتقريرها واما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من أحكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل فى حقه ببيان حقيقته واظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى اربعة آلاف نبى وقيل سبعون الف نبى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ خاطب اهل عصر النبي ﵇ بهذا وقد فعله أسلافهم يعنى لم يوجد منهم القتل ان وجد الاستكبار لانهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام اى ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى اى لا تريد أَنْفُسُكُمُ ولا يوافق هواكم من الحق الذي لا انحراف عنه اسْتَكْبَرْتُمْ اى تعظمتم عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله فَفَرِيقاً منهم كَذَّبْتُمْ كعيسى ومحمد ﵉ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى وغيرهما ﵈ وقدم فريقا في الموضعين

стр. 177

للاهتمام وتشويق السامع الى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وان أريد الماضي تفظيعا لهذه الحالة فكأنها وان مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم او يراد وفريقا تقتلونهم بعد وانكم على هذه النية لانكم حاولتم قتل محمد ﵊ لولا انى اعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة حتى قال ﵇ عند موته (ما زالت أكلة خيبر تعاودنى) اى يراجعنى اثر سمها في اوقات معدودة (فهذا او ان قطعت أبهري) وهو عرق منبسط في القلب إذا انقطع مات صاحبه وقصته انه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز أهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله (انى سائلكم عن شىء فهل أنتم صادقى فيه) قالوا نعم يا أبا القاسم قال (هل جعلتم في هذه الشاة سما) قالوا نعم قال (فما حملكم على ذلك) قالوا أردنا ان كنت كاذبا ان نستريح منك وان كنت صادقا لم يضرك واعلم ان اليهود انفوا من ان يكونوا اتباعا وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة ان تذهب عنهم الرياسة فمادام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالايمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم ايضا أبواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد اغلق سبعة أبواب جهنم ودخل الجنة واوصى ابراهيم بن أدهم بعض أصحابه فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فان الرأس يهلك والذنب يسلم: قال في المثنوى تا توانى بنده شو سلطان مباش ... زخم كش چون گوى شو چوگان مباش «١» اشتهار خلق بند محكمست ... در ره اين از بند آهن كى كم است «٢» وعن بعض المشايخ النقشبندية انه قال دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشنى للعيادة فوجدته متغير الحال بسبب انه داخله شىء من حب الرياسة لانه كان مشهورا في بلدة تبريز مرجعا للاكابر والا صاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور وفي شرح الحكم ادفن وجودك اى ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم او عمل او حال في ارض الحمول التي هي أحد ثلاثة امور أحدها ان ترى ما جبلت عليه من النقص فلا تعتد بشئ يظهر منك لعلمك بدسائسك وخباثة نفسك الثاني ان تنظر إليك من حيث أنت فلا ترى لائقابك الا النقص وتنظر الى مولاك فتراه أهلا لكل كمال فكل ما يصدر لك من احسان نسبته اليه اعتبارا بما أنت عليه من خمول الوصف الثالث ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه إذ كما لا يصح دفن الزرع في ارض رديئة لا يجوز الخمول في حالة غير مرضية وَقالُوا اى اليهود الموجودون في عصر النبي ﵇ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع اغلف مستعار من الأغلف الذي لم يختن اى هي مغشاة باغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد ولا تفقهه ثم رد الله ان تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لانها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق واضرب وقال بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ اى خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وابطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ما مزيدة للمبالغة اى فايمانا قليلا يؤمنون وهو ايمانهم ببعض

стр. 178

الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ كائن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن ووصفه بقوله من عند الله للتشريف مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ اى موافق للتوراة فى التوحيد وبعض الشرائع قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ أكثرها وَكانُوا مِنْ قَبْلُ اى قبل مجئ محمد ﷺ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث فى آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لاعدائهم قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير ان يتخلل بينهما مدة منسية كَفَرُوا بِهِ حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الاولى والثانية تكرير للاولى فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على ان اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة في حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الإطلاق وفي حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التي وعد بها من لا يكون في ذلك الذنب ومنه قوله ﵇ (من احتكر فهو ملعون) اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار واعلم ان الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله في كل واحدة ثلاث مراتب الاولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة والثانية اللعن باوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة وأكل الربا وكل ذلك جائز والثالثة اللعن على الشخص فان كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه أذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد او عمرو او غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر او يتوب فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى ان وحشيا قتل عم النبي ﵇ اعنى حمزة رضى الله عنه ثم اسلم على يد النبي ﵇ وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لانه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى الله عنه ولما قال في الخمر فان حرمت يوما على دين احمد ... فخذها على دين المسيح ابن مريم واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى الله عنه أو أمر به او اجازه او رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانيّ الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته اهل بيت النبي ﵇ مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى وكان الصاحب بن عباد يقول إذا شرب ماء بثلج

стр. 179

فعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيما لمتبوعه وصاحبه ﵇ لانه كاتب الوحى وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذى النورين لكنه اخطأ في اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قال الخياط المتكلم ما قطعنى الا غلام قال ما تقول في معاوية قلت انا اقف فيه قال فما تقول في ابنه يزيد قلت العنه قال فما تقول فيمن يحبه قلت العنه قال افترى ان معاوية كان لا يحب ابنه كذا فى روضة الاخبار ثم اعلم ان اللعنة ترتد على اللاعن ان لم يكن الملعون أهلا لذلك ولعن المؤمن كقتله في الاسم وربما يلعن شيا من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيأ من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للانسان قال ﵇ (إذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه) فالاولى ان يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح إذ فيه ثواب ولا ثواب فى اللعن وان كان يستحق اللعن قال ﵇ (اريت النار واكثر أهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو أحسنت الى إحداهن الدهر كله ثم إذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط) قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض وسألت بنت على البلخي أباها عن القيء إذا خرج الى الحلق فقال يجب إعادة الوضوء فرأى رسول الله ﵇ يقول لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا كذا في الروضة بِئْسَمَا ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس اى بئس شيأ اشْتَرَوْا صفة واشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الاول بِهِ اى بذلك الشيء أَنْفُسَهُمْ المراد الايمان وانما وضع الأنفس موضع الايمان إيذانا بانها انما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالايمان ولما بدلوا الايمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الأنفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته بَغْياً علة لان يكفروا اى حسدا وطلبا لما ليس لهم كما ان الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه او منزلة او خصلة حميدة والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيأ باعوا به ايمانهم كفرهم المعلل بالبغي الكائن لاجل أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ او حسدا على ان فان الحسد يستعمل بعلى مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحى عَلى مَنْ يَشاءُ اى يشاؤه ويصطفيه مِنْ عِبادِهِ المستأهلين لتحمل أعباء الرسالة والمراد هاهنا محمد ﷺ كانت اليهود يعتقدون نبى آخر الزمان وبتمنون خروجه وهم يظنون انه من ولد اسحق فلما ظهر انه من ولد إسماعيل حسدوه وكرهوا ان يخرج الأمر من بنى إسرائيل فيكون لغيرهم فَباؤُ اى رجعوا ملتبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ اى صاروا مستحقين لغضب مترادف ولعنة اثر لعنة حسبما اقترفوا من كفر على كفر فانهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه وَلِلْكافِرِينَ اى لهم والإظهار فى موضع الإضمار للاشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم عَذابٌ مُهِينٌ يراد به اهانتهم وإذلالهم لما ان كفرهم بما انزل الله كان مبنيا على الحسد المبنى على طمع النزول عليهم وادعاء

стр. 180

الفضل على الناس والاستهانة بمن انزل الله عليه ﷺ ودل ان عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار اهانة وتشديد وان المراتب الدنيوية والاخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لاحد ان يعترض عليه ويحسده على الألطاف الإلهية فان الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الأمور الاكتسابية التي يصل إليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام اما النبوة اى البعثة فاختصاص إلهي حاصل لعينه الثابتة من التجلي الموجب للاعيان في العلم وهو الفيض الأقدس واما الولاية فهو ايضا اختصاص الهى غير كسبى بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الأقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه وأسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك في الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فانه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله ان يشفع اهل الجمال باهل الجلال ليظهر الكمال: قال الحافظ درين چمن كل بيخار كس نچيد آرى ... چراغ مصطفوى با شرار بو لهبيست - وحكى- ان المولى جلال الدين لما فقد الشمس التبريزي طاف البلاد بالحرارة في طلبه فمر يوما امام حانوت ذهبى للشيخ صلاح الدين زركوب فقال له تعالى يا مولانا فدخل في حانوته فقال لاى شىء تجزع وتدور قال الفلك إذا فقد شمسه يدور لاجله ليتخلص من ظلمة الفراق فقال الشيخ انا شمسك قال مولانا من اين اعرف انك شمسى فاخبره عن المراتب التي أوصله إليها الشيخ شمس الدين فقبل يده واعتذر فقال كان شمسى أراني اولا بطانته فالآن أراني وجهه فاشتغل عنده فوصل الى ما وصل ثم لما سمعه بعض اتباع مولانا أرادوا قتله وحسدوا عليه فارسل إليهم مولانا ابنه سلطان ولد فقال الشيخ ان الله تعالى أعطاني قدرة على قلب السماء الى الأرض فلو أردت لاهلكتهم بقدرة الله لكن الاولى ان نتحمل وندعو لاصلاح حالهم فدعا الشيخ فأمن سلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا: قال في المثنوى چون كنى بربي حسد مكر وحسد ... زان حسد دل را سياهيها رسد خاك شو مردان حق را زير پا ... خاك بر سر كن حسد را همچوما وهكذا احوال الأنبياء والأولياء ألا يرى الى قوله ﵊ (اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون) وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ولا يزالون يسألون رسول الله ﷺ عما به يتخلصون من الأوصاف الذميمة ويتطهرون ظاهرا وباطنا طلبا للنجاة من العذاب المهين وأشده الفراق وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى وإذا قال اصحاب رسول الله ﷺ ليهود اهل المدينة ومن حولها ومعنى اللام الإنهاء والتبليغ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتب الإلهية جميعا قالُوا نُؤْمِنُ اى نستمر على الايمان بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون به التوراة وما انزل على أنبياء بنى إسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه ان ما عدا ذلك غير منزل عليهم واسندوا الانزال على أنفسهم لان المنزل على نبى منزل على أمته معنى لانه يلزمهم وَهم يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ اى سوى ما انزل وَهُوَ

стр. 181

اى والحال ان ماوراء التوراة الْحَقُّ اى المعروف بالحقية الحقيق بان يخص به اسم الحق على الإطلاق مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ من التوراة غير مخالف له حال مؤكدة من الحق والعامل فيها ما في الحق من معنى الفعل وصاحب الحال ضمير دل عليه الكلام اى احقه مصدقا اى حال كونه موافقا لما معهم وفيه رد لمقالتهم لانهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الايمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل نبى بقوله تعالى قُلْ يا محمد تبكيتا لهم من جهة الله تعالى ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم فَلِمَ أصله لما لامه للتعليل دخلت على ما التي للاستفهام وسقطت الالف فرقا بين الاستفهامية والخبرية تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف اى قل لهم ان كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلاى شىء تقتلون أنبياء الله من قبل وهو فيها حرام وأسند فعل الآباء وهو القتل الى الأبناء للملابسة بين الآباء والأبناء قال ابو الليث في تفسيره وفي الآية دليل على ان من رضى بالمعصية فكانه فاعل لها لان اليهود كانوا راضين بقتل آبائهم فسماهم الله قاتلين حيث قال قل فلم تقتلون الآية إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه اى ان كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وهو تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهديد وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الأمر واللام للقسم اى بالله قد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة من العصا واليد وفلق البحر ونحو ذلك ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ اى الها مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مجيئه بها وثم للتراخى في الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حال من ضمير اتخذتم أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ اى العهد منكم وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ اى الجبل قائلين لكم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ اى بجد واجتهاد وَاسْمَعُوا ما في التوراة سماع قبول وطاعة قالُوا كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا سَمِعْنا قولك ولكن لا سماع طاعة وَعَصَيْنا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا فى الظاهر فاذا كان حال أسلافهم هكذا فكيف يتصور من اخلافهم الايمان: قال الفردوسى زبد كوهران بد نباشد عجب ... سياهى نباشد بريدن ز شب ز بد اصل چشم بهى داشتن ... بود خاك در ديده انباشتن وَأُشْرِبُوا اى والحال انهم قد اشربوا فِي قُلُوبِهِمُ بيان لمكان الاشراب كقوله انما يأكلون في بطونهم نارا الْعِجْلَ اى حب العجل على حذف المضاف واشرب قلبه كذا اى حل محل الشراب او اختلط كما خلط الصبغ بالثوب وحقيقة اشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يتغلغل فيه قال الراغب من عاداتهم إذا أرادوا محاصرة حب او بغض في القلب ان يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو ابلغ مساغا فى البدن ولذلك قالت الأطباء الماء مطية الاغذية والادوية بِكُفْرِهِمْ اى بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة او حلولية ولم يروا جسما اعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري وجعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم وفي القصص

стр. 182

ان موسى ﵇ لما خرج الى قومه امر ان يبرد العجل بالمبرد ثم يذرى في النهر فلم يبق نهر يجرى يومئذ الا وقع فيه منه شىء ثم قال لهم اشربوا منه فمن بقي في قلبه شىء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه قُلْ توبيخا لحاضرى اليهود اثر ما بين احوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون في كل ما يأتون ويذرون بِئْسَما بئس شيأ يَأْمُرُكُمْ بِهِ اى بذلك الشيء إِيمانُكُمْ بما انزل عليكم من التوراة حسبما تدعون والمخصوص بالذم محذوف اى ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل وفي اسناد الأمر الى الايمان تهكم بهم واضافة الإيماء إليهم للايذان بانه ليس بايمان حقيقة كما ينبئ عنه قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالتوراة وإذ لا يسوغ الايمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا فقد علم ان من ادعى انه مؤمن ينبغى ان يكون فعله مصدقا لقوله والا لم يكن مؤمنا قال الجنيد قدس سره التوحيد الذي تفرد به الصوفية هو افراد القدم عن الحدوث والخروج عن الأوطان وقطع المحارب وترك ما علم وما جهل وان يكون الحق سبحانه مكان الجميع طالب توحيد را بايد قدم بر لا زدن ... بعد از ان در عالم وحدت دم الا زدن قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل على يعقوب النبي ﵇ مبشر يوسف ﵇ وبشره بحياته قال له يعقوب على أي دين تركته قال على دين الإسلام قال يعقوب ﵇ الآن قد تمت النعمة على يعقوب واعلم ان التوحيد اصل الأصول ومناط القبول ومكفر الخطايا ومستجلب العطايا- حكى- ان رسول الله ﷺ كان يحب اسلام دحية الكلبي لانه كان تحت يده سبعمائة من اهل بيته وكانوا يسلمون بإسلامه وكان يقول (اللهم ارزق دحية الكلبي الإسلام) فلما أراد دحية الإسلام اوحى الله الى النبي ﵇ بعد صلاة الفجر ان يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول ان دحية يدخل عليك الآن وكان فى قلوب الاصحاب شىء من دحية من وقت الجاهلية فلما سمعوا ذلك كرهوا ان يمكنوا دحية فيما بينهم فلما علم ذلك رسول الله ﷺ كره ان يقول لهم مكنوا دحية وكره ان يدخل دحيه فيوحشوه فيبرد قلبه عن الإسلام فلما دخل دحية المسجد رفع النبي ﷺ رداءه عن ظهره وبسطه على الأرض بين يديه فقال دحية هاهنا وأشار الى ردائه فبكى دحية من كرم رسول الله ﷺ ورفع رداء وقبله ووضعه على رأسه وعينيه وقال ما شرائط الإسلام اعرضها على فقال (ان تقول اولا لا اله الا الله محمد رسول الله) فقال دحية ذلك ثم وقع البكاء على دحية فقال ﵇ (ما هذا البكاء وقد رزقت الإسلام) فقال انى ارتكبت خطيئة وفاحشة كبيرة فقل لربك ما كفارته ان أمرني ان اقتل نفسى قتلتها وان امر ان اخرج من جميع مالى خرجت فقال ﵇ (وما ذلك يا دحية) قال كنت رجلا من ملوك العرب واستنكفت ان تكون لى بنات لهن ازواج فقتلت سبعين من بناتي كلهن بيدي فتحير النبي ﵇ في ذلك حتى نزل جبريل فقال (يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول قل لدحية وعزتى وجلالى انك لما قلت لا اله الا الله غفرت لك كفر ستين سنة وسيآتك ستين سنة فكيف لا اغفر لك قتل البنات) فبكى ﵇ وأصحابه

стр. 183

فقال ﵇ (الهى غفرت لدحية قتل بناته بشهادة ان لا اله الا الله مرة واحدة فكيف لا تغفر للمؤمنين بشهادات كثيرة وبقول صادق وبفعل خالص) : وفي المثنوى اذكروا الله كار هر أوباش نيست ... ارجعي بر پاى هر قلاش نيست قال السعدي: كر بمحشر خطاب قهر كند ... انبيا را چهـ جاى معذرتست پرده از روى لطف كو بردار ... كاشقيا را اميد مغفرتست قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ اى الجنة عِنْدَ اللَّهِ ظرف للاستقرار في الخبر اعنى لكم خالِصَةً على الحالية من الدار اى سالمة لكم خاصة بكم مِنْ دُونِ النَّاسِ فى محل النصب بخالصة اى من دون محمد وأصحابه فاللام للعهد وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص يقال هذا لى من دون الناس اى انا مختص به والمعنى ان صح قولكم لن يدخل الجنة الا من كان هودا فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ اى احبوه واسألوه بالقلب واللسان وقولوا اللهم أمتنا فان من أيقن بدخول الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول الى النعيم والتخلص من دار البوار وقرارة الاكدار ولا سبيل الى دخولها الا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى قولكم ان الجنة خاصة لكم فتمنوه واصل التمني تقدير شىء في النفس واكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ اى الموت أَبَداً اى في جميع الزمان المستقبل لان ابدا اسم لجميع مستقبل الزمان كقط لماضيه وفيه دليل على ان لن ليس للتأبيد لانهم يتمنون الموت في الآخرة ولا يتمنونه في الدنيا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبي ﵇ والقرآن وتحريف التوراة وخص الأيدي بالذكر لان الأعمال غالبا تكون بها وهي من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه ومدار اكثر منافعه ولذا عبر بها تارة عن النفس واخرى عن القدرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ بهم وبما صدر عنهم وهو تهديد لهم- روى- ان اليهود لو تمنوا الموت لغص كل واحد منهم بريقه اى لامتلأ فمه بريقه فمات من ساعته ولما بقي على الأرض يهودى الا مات فقوله ولن يتمنوه ابدا من المعجزات لانه اخبار بالغيب وكان كما اخبر به كقوله ولن تفعلوا ولو وقع من أحد منهم تمنى موته لنقل واشتهر فان قلت ان التمني يكون بالقلب فلا يظهر لنا انهم تمنوه اولا قلت ليس التمني من اعمال القلوب انما هو قول الإنسان بلسانه ليت لى كذا وعن نافع جلس إلينا يهودى يخاصمنا فقال ان في كتابكم فتمنوا الموت وانا اتمنى فما لى لا أموت فسمع ابن عمر رضى الله عنهما هذا فدخل بيته وأخذ السيف ثم خرج ففر اليهودي حين رآه فقال ابن عمر اما والله لو أدركته لضربت عنقه توهم هذا الجاهل انه لليهود في كل وقت انما هو لاولئك الذين كانوا يعاندونه ويجحدون نبوته بعد ان عرفوه فان قلت ان المؤمنين اجمعوا على انّ الجنة للمؤمنين دون غيرهم ثم ليس أحد منهم يتمنى الموت فكيف وجه الاحتجاج على اليهود بذلك قلت ان المؤمنين لم يجعلوا لانفسهم من الفضل والشرف والمرتبة عند الله ما جعلت اليهود ذلك لانفسهم لانهم ادعوا انهم أبناء الله واحباؤه وان الجنة خالصة لهم والإنسان

стр. 184

لا يكره القدوم على حبيبه ولا يخاف انتقامه بالمصير اليه بل يرجو وصوله الى محابه فقيل لهم تمنوا ذلك فلما لم يتمنوه ظهر كذبهم في دعاويهم ولان النبي ﵊ نهى عن تمنى الموت قال (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى ما كانت الوفاة خير الى) قال مقاتل لولا بناتي وسيآتى لذبت شوقا الى الممات فلا يلزمهم ما يلزم اليهود قال سهل بن عبد الله التستري قدس سره لا يتمنى الموت الا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت او رجل يفر من أقدار الله عليه او مشتاق يحب لقاء الله: قال في المثنوى شد هواى مرك طوق صادقان ... كه جهودانرا بدان دم امتحان روى عن صاحب المثنوى انه لما دنت وفاته تمثل له ملك الموت وقام عند الباب ولما رآه المولى قدس سره قال پيشتر آ پيشتر آجان من ... پيك در حضرت سلطان من قال بعض الملوك لابى حازم كيف القدوم على الله فقال ابو حازم اما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على اهله المشتاقين اليه واما قدوم العاصي فكقدوم الآبق على سيده الغضبان: قال في المثنوى انبيا را تنك آمد اين جهان ... چون شهان رفتند اندر لا مكان «٢» چون مرا سوى أجل عشق وهواست ... نهى لا تلقوا بايديكم مراست «٣» زانكه نهى از دانه شيرين بود ... تلخ را خود نهى حاجت كى شو واعلم ان الموت هو المصيبة العظمى والبلية الكبرى وأعظم منه الغفلة عنه والاعراض عن ذكره وقلة الفكر فيه وترك العمل له وان فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر كما قيل كفى بالموت واعظا ومن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه عن تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن القلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزيين الألفاظ والا ففى قوله ﵇ (أكثروا ذكر هاذم اللذات) وقوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ما يكفى السامع له ويشغل الناظر فيه فعلى العاقل ان يسعى للموت بالاختيار قبل الموت بالاضطرار ويزكى نفسه عن سفساف الأخلاق: قال السعدي قدس سره اى برادر چوعاقبت خاكست ... خاك شو پيش از انكه خاك شوى اللهم يسر لنا الطريق وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ من الوجدان العقلي وهو جار مجرى العلم خلا انه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوها واللام لام القسم اى والله لتجدن اليهود يا محمد احرص من الناس عَلى حَياةٍ لا يتمنون الموت والتنكير للنوع وهي الحياة المخصوصة المتطاولة وهي حياتهم التي هم فيها لانها نوع من مطلق الحياة وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل احرص من الناس وأفرد المشركون بالذكر وان كانوا من الناس لشدة حرصهم على الحياة وفيه توبيخ عظيم لان الذين

стр. 185

أشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون الا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لانها جنتهم فاذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ فان قلت لم زاد حرصهم على حرص المشركين قلت لانهم علموا لعلمهم بحالهم انهم صائرون الى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك يَوَدُّ أَحَدُهُمْ بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف اى يريد ويتمنى ويحب أحد هؤلاء المشركين لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ حكاية لودادهم ولو فيه معنى التمني كأنه قيل ليتنى اعمر وكان القياس لو اعمر الا انه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى يود أحدهم كقولك حلف بالله ليفعلن ومحله النصب على انه معمول يود اجراء له مجرى القول لانه فعل قلبى والمعنى تمنى أحدهم ان يعطى البقاء والعمر الف سنة وهي للمجوس وخص هذا العدد لانهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العطاس والتحية عش الف سنة والف نوروز والف مهرجان وهي بالعجمية «زى هزار سال» وصح اطلاق المشركين على المجوس لانهم يقولون بالنور والظلمة وَما حجازية هُوَ اى أحدهم اسم ما بِمُزَحْزِحِهِ خبر ما والباء زائدة والزحزحة التبعيد والانجاء مِنَ الْعَذابِ من النار أَنْ يُعَمَّرَ فاعل مزحزحه اى تعميره وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ البصير في كلام العرب العالم بكنه الشيء الخبير به اى عليم بخفيات أعمالهم من الكفر والمعاصي لا يخفى عليه فهو مجازيهم بها لا محالة بالخزي والذل في الدنيا والعقوبة في العقبى وهذه الحياة العاجلة تنقضى سريعة وان عاش المرء الف سنة او أزيد عليها فمن أحب طول العمر للصلاح فقد فاز قال ﵇ (طوبى لمن طال عمره وحسن عمله) ومن أحبه للفساد فقد ضل ولا ينجو مما يخلف فان الموت يجئ البتة واجتمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا أجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك وكان مستعدا لذلك بعض الصالحين ينادى بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفى فقد صوته امير تلك المدينة فسأل عنه فقيل انه مات فقال ما زال يلهج بالرحيل وذكره ... حتى أناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظا متشمرا ... ذا اهبة لم تلهه الآمال بانك طبلت نمى كند بيدار ... تو مكر مرده نه در خوابى تو چراغى نهاده در ره باد ... خانه در ممر سيلابى فاصابة الموت حق وان كان العيش طويلا والعمر مديدا وهو ينزل بكل نفس راضية كانت او كارهة روى شارح الخطب عن وهب بن منبه انه قال مر دانيال ﵇ ببرية فسمع يا دانيال قف تر عجبا فلم ير شيأ ثم نودى الثانية قال فوقفت فاذا بيت يدعونى الى نفسه فدخلت فاذا سرير مرصع بالدر والياقوت فاذا النداء من السرير اصعد يا دانيال تر عجبا فارتقيت السرير فاذا فراش من ذهب مشحون بالمسك والعنبر فاذا عليه شاب ميت كأنه نائم وإذا عليه من الحلي والحلل ما لا يوصف وفي يده اليسرى خاتم من ذهب وفوق رأسه تاج من ذهب وعلى منطقته سيف أشد خضرة من البقل فاذا النداء من السرير ان احمل هذا السيف واقرأ ما عليه قال فاذا مكتوب عليه هذا سيف صمصام بن عوج بن عنق بن عاد بن ارم وانى عشت الف عام وسبعمائة

стр. 186

سنة وافتضضت اثنى عشر الف جارية وبنيت أربعين الف مدينة وخرجت بالجور والعنف والحمق عن حد الانصاف وكان يحمل مفاتح الخزائن اربعمائة بغل وكان يحمل الى خراج الدنيا فلم ينازعنى أحد من اهل الدنيا فادعيت الربوبية فاصابنى الجوع حتى طلبت كفا من ذرة بألف قفيز من در فلم اقدر عليه فمت جوعا يا اهل الدنيا اذكروا امواتكم ذكرا كثيرا واعتبروا بي ولا تغرنكم الدنيا كما غرتنى فان أهلي لم يحملوا من وزري شيأ انتهى: قال السعدي چون همه نيك وبد ببايد مرد خنك آنكس كه كوى نيكى برد برك عيشى بكور خويش فرست كس نيارد ز پس ز پيش فرست عمر برفست آفتاب تموز اندكى ماند وخواجه غره هنوز فعلى اهل القلوب القاسية ان يعالجوا قلوبهم بامور أحدها الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم والوعظ والتذكير والتخفيف والترغيب واخبار الصالحين فان ذلك مما يلين القلوب وينجح فيها والثاني ذكر الموت فيكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات والثالث مشاهدة المحتضرين فان في النظر الى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الأجفان من النوم والراحة من الأبدان ويبعث على العمل فيزيد في الاجتهاد والتعب ويستعد للموت قبل النزول فانه أشد الشدائد قيل لكعب الأحبار يا كعب حدثنا عن الموت قال هو كشجرة الشوك ادخلت في جوف ابن آدم فاخذت كل شوكة بعرق ثم اجتذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى وفي الحديث (لو ان شعرة من وجع الميت وضعت على اهل السموات والأرضين لماتوا أجمعين وان في يوم القيامة لسبعين هو لا وان ادنى هول ليضعف على الموت سبعين ضعفا) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ لما قدم النبي ﷺ المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من اليهود بسكن فدك فقال يا محمد كيف نومك فانا أخبرنا عن نوم النبي الذي يجئ في آخر الزمان فقال النبي ﷺ (تنام عيناى وقلبى يقظان) قال صدقت فاخبرنى عن الولد أمن الرجل يكون أو من المرأة قال (اما العظم والعصب والعروق فمن الرجل واما الدم واللحم والظفر والشعر فمن المرأة) قال صدقت يا محمد قال فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شىء او يشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شىء قال (أيهما علاماؤه ماء صاحبه كان الشبه له) قال صدقت يا محمد وسأله عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه قال (ان يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر ان شفاه الله حرم على نفسه أحب الطعام اليه وهو لحم الإبل وأحب الشراب اليه وهو ألبانها) قال صدقت يا محمد وسأله عن أول نزل الجنة قال (الحوت) قال صدقت يا محمد ثم قال بقيت خصلة ان قلتها آمنت بك واتبعتك أي ملك يأتيك بما تقول من الله تعالى فقال (جبريل) قال ذاك عدونا لانه ملك العذاب ينزل بالقتال والعذاب وكسر السفن والشدائد ورسولنا ميكائيل لانه ملك الرحمة ينزل بالغيث والبشر والرخاء فقال له عمر ما بدء عداوتكم له فقال عادانا مرارا كثيرة وكان من أشد عداوته لنا ان الله تعالى انزل على نبينا موسى ﵇ ان البيت المقدس سيخرب

стр. 187

فى زمان رجل يقال له بخت نصر وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه فلما كان الحين الذي يخرب فيه بعثنا رجلا من أقوياء بنى إسرائيل في طلبه فانطلق حتى لقيه غلاما مسكينا ببابل ليست له قوة فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال لصاحبنا ان هو امره بهلاككم لا يسلطكم عليه وان لم يكن هذا فعلى أي حق تقتلونه فصدقه صاحبنا فتركه وكبر بخت نصر وقوى فملك ثم غزانا فخرب بيت المقدس وقتلنا وامر جبريل بوضع النبوة فينا فوضعها في غيرنا فلهذا اتخذناه عدوا وميكائيل عدو جبريل فقال عمر رضى الله عنه لئن كانا كما تقولون فماهما بعدوين ولأنتم اكفر من الخمير ومن كان عدوا لاحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله تعالى وجواب من محذوف اى من عادى جبريل من اهل الكتاب فلا وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته فَإِنَّهُ يعنى جبريل نَزَّلَهُ اى القرآن أضمره لكمال شهرته عَلى قَلْبِكَ زيادة تقرير للتنزيل ببيان محل الوحى فانه القابل الاول له ومدار الفهم والحفظ اى حفظه إياك ففهمكه وحق الكلام ان يقال على قلبى لكنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به لما في النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون المقالة يعنى قل كما تكلمت به من قولى انه نزله على قلبك بِإِذْنِ اللَّهِ بامره وتيسيره مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى موافقا لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع حال من مفعول نزله وَهُدىً اى هاديا الى دين الحق وَبُشْرى اى مبشرا بالجنة لِلْمُؤْمِنِينَ فلا وجه لمعاداته فلو أنصفوا لاحبوه وشكروا له صنيعه في انزاله ما ينفعهم ويصح المنزل عليهم ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ اى مخالفا لامره عنادا وخارجا عن طاعته مكابرة وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ أفردهما بالذكر لاظهار فضلهما كأنهما من جنس آخر اشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس قال عكرمة جبر وميك وإسراف هي العبد بالسريانية وايل وآئيل هو الله ومعناها عبد الله او عبد الرحمن فَإِنَّ اللَّهَ جواب الشرط ولم يقل فانه لاحتمال ان يعود الى جبريل وميكائيل عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ اى لهم جاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشد العقاب فقال ابن صوريا لرسول الله ﷺ ما جئتنا بشئ نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها فانزل الله وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند الله وَما يَكْفُرُ بِها اى بالآيات التي توضح الحلال والحرام وتفصل الحدود والاحكام إِلَّا الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فان من ليس على تلك الصفة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات والأحسن ان يكون اللام اشارة الى اهل الكتاب قال الحسن إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على عظم ذلك النوع من كفر او غيره واعلم ان القرآن هو النور الإلهي الذي كشف الله به الظلمات واليهود أرادوا ان يطفئوا نور الله والله متم نوره وليس لهم فى ذلك الا الفضاحة والخزي كما إذا دخل الحمام ناس في ليل مظلم وفيهم الأصحاء واهل العيوب فجاء واحد بسراج مضئ لا يسارع الى إطفائه الا اهل العيوب مخافة ان يظهر عيوبهم للاصحاء ويلحق بهم مذمة

стр. 188

شمع رخشنده در ان جمع نخواهند كه تا ... عيب شان در شب تاريك بماند مستور واى آن وقت روشن شود اين راز چوروز ... پرده برخيزد واين حال بيايد بظهور أَوَالهمزة للانكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أكفروا بآيات البينات وهي فى غاية الوضوح كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً مصدر مؤكد لعاهدوا من غير لفظه نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى رموا بالذمام اى العهد ورفضوه والفريق الطائفة ويكون للقليل والكثير واسناد النبذ الى فريق منهم لان منهم من لم ينبذه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالتوراة وليسوا من الدين فى شىء فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون به وهذا رد لما يتوهم من ان النابذين هم الأقلون وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ هو النبي ﷺ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ متعلق بجاء مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى التوراة كِتابَ اللَّهِ مفعول نبذ اى الذي أوتوه وهو التوراة لانهم لما كفروا بالرسول المصدق لما معهم فقد نبذوا التوراة التي فيها ان محمدا رسول الله وقد علموا انها من الله وَراءَ ظُهُورِهِمْ يعنى رموا بالعناد كتاب الله وراء ظهورهم ولم يعملوا به مثل لتركهم واعراضهم عنه بالكلية بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات اليه كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ جملة حالية اى نبذوه وراء ظهورهم متشبهين بمن لا يعلمه انه كتاب الله قيل اصل اليهود اربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى اهل الكتاب وهم الأقلون المشار إليهم بقوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وفرقة جاهروا بنبذ العهود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله سبحانه نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الأكثرون وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية وهم المتجاهلون وفيه اشارة الى ان من فعل فعل الجاهل وتعمد الخلاف مع علمه يلتحق بالجهال وهو والجاهل سواء فكمال ان الجاهل لا يجئ منه خير فكذا العالم الذي لا يعمل ولذا قال النبي ﵊ (واعظ اللسان ضائع كلامه وواعظ القلب نافذ سهامه) فالاول هو العالم الغير العامل والثاني هو العالم العامل الذي يؤثر كلامه في القلوب وتنتج كلمته ثمرات الحكمة والعبرة والفكرة فعلى العاقل ان يسارع الى الامتثال خوفا من بطش يد ذى الجلال ويقال الندامة اربع ندامة يوم وهي ان يخرج الرجل من منزله قبل ان يتغدى وندامة سنة وهي ترك الزراعة في وقتها وندامة عمر وهو ان يتزوج امرأة غير موافقة وندامة الابد وهو ان يترك امر الله ومجرد قراءة الكتاب بترياق الظاهر لا يدفع سم الباطن فلا بد من العمل كما ان من كان ينظر الى كتب الطب وكان مريضا فمادام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالادوية وكان خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن يعنى يعمل باوامره وينتهى عن نواهيه واعلم ان العمل بالعلوم الظاهرة لا يمكن الا بعد معرفة المراتب الأربع مثلا يعرف بالعلم الظاهر ان حكم الزنى الرجم والجلد ولكن في الوجود الإنساني محل يقتضى الوقاع والسفاح فاهل الإرشاد يقمعون المقتضى المذكور عن ذلك المحل وكذا الحال فى الاكل والشرب وغيرهما والمرء وان كان متبحرا في العلوم ومتفننا في القوانين والرسوم فان كان لم يصلح حاله بالعمل في تزكية النفس وتصفية القلب فانه لا يعتبر بل جهله اغلب

стр. 189

ونعم ما قيل حفظت شيأ وغابت عنك أشياء- حكى- ان نصير الدين الطوسي دخل على ولى من اولياء الله تعالى لاجل الزيارة فقيل له هذا عالم الدنيا نصير الدين الطوسي قال الولي ما كماله قيل ليس له عديل في علم النجوم قال الولي الحمار الأبيض اعلم منه فانحرف الطوسي وقام من مجلسه فاتفق انه نزل تلك الليلة على باب بيت طاحونة فقال الطحان ادخل البيت فانه سيكون الليلة مطر عظيم حتى لو لم يغلق الباب لاخذه السيل فسأل الطحان عن وجهه فقال لى حمار ابيض إذا حرك ذنبه الى جانب السماء ثلاثا لم تمطر السماء وإذا حركه الى جانب الأرض يقع المطر فلما سمعه اعترف بعجزه وصدق الولي وزال غيظه- وحكى- ان وليا قال لابن سينا أفنيت عمرك في العلوم العقلية فالى أي مرتبة وصلت قال وجدت ساعة من ساعات الأيام بكون الحديد فيها كالخمير فقال الولي أخبرني عن تلك الساعة فلما جاءت الساعة أخبره وأخذ بيده حديدا فنفذ فيه إصبعه فبعد مضى الساعة قال الولي هل تقدر على تنفيذ إصبعك ايضا قال لا فانه من خصائص تلك الساعة ولا يمكن فاخذه الولي ونفذ إصبعه فيه وقال ينبغى للعاقل ان لا يصرف عمره الى الزائل الفاني فكما ان ابن سينا ادعى استقلال العقل في طريق الوصول فالقى في جهنم كذلك اليهود خذلهم الله انفوا من اتباع محمد ﷺ والعمل بما جاء به من عند الله وادعوا الاستقلال فخابوا وخسروا وبقوا في ظلمة الجهل والكفر: قال في المثنوى اى كه اندر چشمه شور است جات ... توجه دانى شط وجيحون وفرات «١» واى آن زنده كه با مرده نشست ... مرده كشت وزنده كى از وى بجست «٢» وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ اى نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كتب السحرة التي تقرأها وتعمل بها الشياطين وهم المتمردون من الجن وتتلو حكاية حال ماضية والمراد بالاتباع التوغل والتمحض فيه والإقبال عليه بالكلية عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ اى على عهد ملكه وفي زمانه فحذف المضاف وعلى بمعنى في قال السدى كانت الشياطين تصعد الى السماء فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره ويأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا في بنى إسرائيل ان الجن تعلم الغيب وبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال لا اسمع أحدا يقول ان الشيطان يعلم الغيب الا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون امر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل الشيطان على صورة انسان فاتى نفرا من بنى إسرائيل فقال هل أدلكم على كنز لا تأكلونه ابدا قالوا نعم قال فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فاراهم المكان وقام ناحية فقالوا ادن قال لا ولكنى هاهنا فان لم تجدوه فاقتلونى وذلك انه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي الا احترق فحفروا واخرجوا تلك الكتب قال الشيطان ان سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذه ثم طار الشيطان وفشا في الناس ان سليمان كان ساحرا وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب فلذلك اكثر ما يوجد السحر في اليهود فلما جاء محمد صلى الله

стр. 190

تعالى عليه وسلم برأ الله سليمان ﵇ من ذلك وانزل في عذر سليمان واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ بالسحر وعلمه يعنى لم يكن ساحرا لان الساحر كافر والتعرض لكونه كفرا للمبالغة في اظهار نزاهته ﵇ وكذبه باهتيه بذلك وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعمال السحر وتعليمه وتدوينه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ اى كفروا والحال انهم يعلمونه إغواء واضلالا روى ان السحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة افهامهم وَما اى ويعلمون الناس الذي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ اى ما الهما وعلما وهو علم السحر انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ومن تجنبه او تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما قيل عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه وهذا كما إذا اتى عرافا فسأله عن شىء ليمتحن حاله ويختبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز قال الامام فخر الدين كان الحكمة في انزالهما ان السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما سمعوا بين الخلق وكان بسبب ذلك يشتبه الوحى النازل على الأنبياء فانزلهما الله الى الأرض ليعلما الناس كيفية السحر ليظهر بذلك الفرق بين كلام الله وكلام السحرة بِبابِلَ الباء بمعنى في وهي متعلقة بانزل او بمحذوف وقع حالا من الملكين وهي بابل العراق او بابل ارض الكوفة ومنع الصرف للمجمة والعلمية واحسن ما قيل في تسميتها ببابل ان نوحا ﵇ لما هبط الى أسفل الجودي بنى قرية وسماها ثمانين فاصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي وكان لا يفهم بعضهم من بعض كذا في تفسير القرطبي هارُوتَ وَمارُوتَ عطف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفها للعجمة والعلمية وما روى في قصتهما من انهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لان مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لادلة العقل والنقل ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها ارشاد اللبيب الأريب وبالترغيب وذلك لان المراد بالملكين العقل النظري والعقل العملي والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة الطاهرة في اصل نشأتها وتعرضهما لها تعليمهما لها ما تستعد به في النشأة الآخرة وحملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية الى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودها الى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها الى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصافها ونصحها كذا ذكره وجوه القوم من المفسرين يقول الفقير جامع هذه المجالس الشريفة قد تصفحت كتب ارباب الخبر والبيان واصحاب الشهود والعيان فوجدت عامتها مشحونة بذكر ما جرى من قصتهما وكيف يجوز الاتفاق من الجم الغفير على ما مداره رواية اليهود خصوصا في مثل هذا الأمر الهائل فاقول وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون دليل تصور العصيان منهم ولولا ذلك لما مدحوا به إذ لا يمدح أحد على الممتنع لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف على عكس حال البشر كما في التيسير فهذا يقتضى جواز الوقوع مع ان فيما روى في سبب نزولهما

стр. 191

ما يزيل الاشكال قطعا وهو انهم لما عيروا بنى آدم بقلة الأعمال وكثرة الذنوب في زمن إدريس ﵇ قال الله تعالى لو انزلتكم الى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا فقالوا سبحانك ربنا ما كان ينبغى لنا ان نعصيك قال الله تعالى فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما الى الأرض فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم فاهبطا بالتركيب البشرى ففعلا ما فعلا وهذا ليس ببعيد إذ ليس مجرد هبوط الملك مما يقتضى العصيان وذلك ظاهر والا لظهر من جبريل وغيره ألا ترى ان إبليس له الشهوة والذرية مع انه كان من الملائكة على أحد القولين لانها مما حدثت بعد ان محى من ديوانهم فيجوز ان تحدث الشهوة في هاروت وماروت بعد ان اهبطا الأرض لاستلزام التركيب البشرى ذلك وقد قال في آكام المرجان ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فان قلب الله الملك الى صورة الإنسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وكذلك لو قلب الشيطان الى بنية الإنسان خرج بذلك عن كونه شيطانا- روى- انه لما استشفع لهما إدريس ﵇ خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لكونه أيسر من عذاب الآخرة فهما في بئر بابل معلقان فيه بشعورهما الى يوم القيامة قال مجاهد ملئ الجب نارا فجعلا فيه وقيل معلقان بارجلهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء الا اربع أصابع فهما يعذبان بالعطش قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره رائحة الشمع الذي يعمل من الشحم كريهة تتألم منها الملائكة حتى يقال ان هاروت وماروت يعذبان برائحته واما الشمع العسلي فرائحته طيبة كذا في واقعات الهدائى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (اتقوا الدنيا فوالذى نفسى بيده انها لا سحر من هاروت وماروت) قال العلماء انما كانت الدنيا اسحر منهما لانها تدعوك الى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بامانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله ﷺ (حبك الشيء يعمى ويصم) أراد النبي ﵊ ان من الحب ما يعمى عن طريق الحق والرشد ويصمك عن استماع الحق وان الرجل إذ اغلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل او دين أصمه حبه عن العذل وأعماه عن الرشد او يعمى العين عن النظر الى مساويه ويصم الاذن عن استماع العذل فيه او يعمى ويصم عن الآخرة وفائدته النهى عن حب ما لا ينبغى الإغراق في حبه: قال خسرو الدهلوي بهر اين مردار چندت كاه زارى كاه زور چون غليواجى كه شش مه ماده وشش مه نر است ثم في هذه القصة اشارة الى انه لا يجوز الاعتماد الأعلى فضل الله ورحمته فان العصمة من آثار حفظ الله تعالى كمال: قال في المثنوى همچوهاروت و چوماروت شهير ... از بطر خوردند زهر آلوده تير اعتمادي بودشان بر قدس خويش ... چيست بر شير اعتماد كاو ميش كر چهـ او با شاخ صد چاره كند ... شاخ شاخش شير نر پاره كند

стр. 192

كر شود پر شاخ همچون خار پشت ... شير خواهد كاو را ناچار كشت وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ من مزيدة في المفعول به لافادة تأكيد الاستغراق الذي يفيده أحد والمعنى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ما انزل على الملكين ويحملونهم على العمل به إغواء واضلالا والحال ان الملكين ما يعلمان ما انزل عليهما من السحر أحدا من طالبيه حَتَّى ينصحاه اولا وينهياه عن العمل به والكفر بسببه ويَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ وابتلاء من الله تعالى فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ومن توقى عن العمل به او اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الايمان والفتنة الاختبار والامتحان يقال فتنت الذهب بالنار إذا جربته بها لتعلم انه خالص او مشوب وهي من الافعال التي تكون من الله ومن العبد كالبلية والمعصية والقتل والعذاب وغير ذلك من الافعال الكريهة وقد تكون الفتنة في الدين مثل الارتداد والمعاصي واكراه الغير على المعاصي وأفردت الفتنة مع تعدد الملكين لكونها مصدرا وحملها عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة والقصر لبيان انه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه فَلا تَكْفُرْ باعتقاد حقيته بمعنى انه ليس بباطل شرعا وجواز العمل به ويقولان ذلك سبع مرات فان ابى الا التعليم علماه فَيَتَعَلَّمُونَ عطف على الجملة المنفية فانها في قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولهما انما نحن إلخ والضمير لاحد حملا على المعنى اى فالناس يتعلمون مِنْهُما اى من الملكين ما يُفَرِّقُونَ بِهِ اى بسببه واستعماله بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بان يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك والنشوز عند ما فعلوا من السحر على حسب جرى العادة الإلهية من خلق المسببات عقيب حصول الأسباب العادية ابتلاء لا ان السحر هو المؤثر في ذلك قال السدى كانا يقولان لمن جاءهما انما نحن فتنة فلا تكفر فان ابى ان يرجع قالا له ائت هذا الرماد فبل فيه فاذا بال فيه خرج نور يسطع الى السماء وهو الايمان والمعرفة وينزل شىء اسود شبه الدخان فيدخل في اذنيه ومسامعه وهو الكفر وغضب الله فاذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرق به بين المرء وزوجه ويقدر الساحر على اكثر مما اخبر الله عنه من التفريق لان ذلك خرج على الأغلب قيل يؤخذ الرجل على المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع قال في نصاب الاحتساب ان الرجل إذا لم يقدر على مجامعة اهله وأطاق ما سواها فان المبتلى بذلك يأخذ حزمة قصبات ويطلب فأسا ذا فقارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة حتى إذا احمى الفأس استخرجه من النار وبال على حده يبرأ بإذن الله تعالى وَما هُمْ اى ليس الساحرون بِضارِّينَ بِهِ اى بما تعلموه واستعملوه من السحر مِنْ أَحَدٍ اى أحدا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الاستثناء مفرغ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين او من مفعوله وان كان نكرة لاعتمادها على النفي او الضمير المجرور في به اى ما يضرون به أحدا الا مقرونا بعلم الله وإرادته وقضائه لا بامره لانه لا يأمر بالكفر والإضرار والفحشاء ويقضى على الخلق بها فالساحر يسحر والله يكون فقد يحدث عند استعمالهم السحر فعلا من أفعاله ابتلاء وقد لا يحدثه وكل ذلك بإرادته ولا ينكر ان السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يحول بين المرء وقلبه

стр. 193

وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وإنكاره معاندة وان أردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو ان السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة واختلف العلماء في حقيقة السحر بمعنى ثبوته في الخارج فذهب الجمهور الى ثبوته فيه وقالت المعتزلة لا ثبوت له ولا وجود له في الخارج بل هو تمويه وتخييل ومجرد اراءة مالا حقيقة له يرى الحبال حيات بمنزلة الشعوذة التي سببها خفة حركات اليد او إخفاء وجه الحيلة وتمسكوا بقوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ولنا وجهان الاول يدل على الجواز والثاني يدل على الوقوع اما الاول فهو إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله فانه الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب واما الثاني فهو قوله تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وفيه اشعار بانه ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده واما الشعوذة وما يجرى مجراها من اظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب آلات الهندسة وخفة اليد والاستعانة بخواص الادوية والأحجار فاطلاق السحر عليها مجاز او لما فيها من الدقة لانه في الأصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفى سببه ولذا يقال سحر حلال واكثر من يتعاطى السحر من الانس النساء وخاصة فى حال حيضهم والأرواح الخبيثة ترى غالبا للطبائع المغلوبة والنفوس الرذيلة وان لم يكن لهم رياضة كالنساء والصبيان والمخنثين والإنسان إذا فسد نفسه او مزاجه يشتهى ما يضره ويتلذذ به بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان خبيث فاذا تقرب صاحب العزائم والاقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضهم كمن يعطى رجلا مالا ليقتل من يريد قتله او يعينه على فاحشة او ينال منه فاحشة ولذلك يكتب السحرة والمعزمون في كثير من الأمور كلام الله تعالى بالنجاسة والدماء ويتقربون بالقرابين من حيوان ناطق وغير ناطق والبخور وترك الصلاة والصوم واباحات الدماء ونكاح ذوات المحارم وإلقاء المصحف فى القاذورات وغير ذلك مما ليس لله فيه رضى فاذا قالوا كفرا او كتبوه او فعلوه اعانتهم الشياطين لاغراضهم او بعضها اما بتغوير ماء واما بان يحمل في الهواء الى بعض الامكنة واما ان يأتيه بمال من اموال الناس كما يسرقه الشياطين من اموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه ويأتى به واما غير ذلك من قتل أعدائهم او امراضهم او جلب من يهوونه وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الساحر ويقف بعرفات ليظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات وقد زين لهم الشيطان ان هذا كرامات الصالحين وهو من تلبيس الشيطان فان الله تعالى لا يعبد الا بما هو واجب او مستحب وما فعلوه ليس بواجب ولا مستحب شرعا بل هو منهى حرام ونعوذ بالله من اعتقاد ما هو حرام عبادة ولاهل الضلال الذين لهم عبادة على غير الوجه الشرعي مكاشفات أحيانا وتأثيرات يأوون كثيرا الى مواضع الشياطين التي نهى عن الصلاة فيها كالحمام والمزبلة واعطان الإبل وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات لان الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض

стр. 194

الأمور كما يخاطبون الكفار وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابدى الأصنام قال العلماء ان كان في السحر ما يخل شرطا من شرائط الايمان من قول وفعل كان كفرا والا لم يكن كفرا وعامة ما بايدى الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفهم بالعربية فيها ما هو شرك وتعظيم للجن ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفهم بالعربية معناها لانها مظنة الشرك وان لم يعرف الراقي انها شرك وفي الصحيح عن النبي ﵇ انه رخص في الرقى ما لم تكن شركا وقال (من استطاع ان ينفع أخاه فليفعل) ولذا نقول انه يجوز ان يكتب للمصاب وغيره من المرضى شىء من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى او يعلق عليه وفي اسماء الله تعالى وذكره خاصية قمع الشياطين وإذلالهم ولأنفاس اهل الحق تأثيرات عجيبة لانهم تركوا الشهوات ولزموا العبادات على الوجه الشرعي وظهر لهم حكم قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ولذا يطيعهم الجن والشياطين ويستعبدونهم كما استعبدها سليمان ﵇ بتسخير الله تعالى وأقداره- حكى- حضرة الهدائى قدس سره في واقعاته عن شيخه حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى انه أرسل ورقة الى سلطان الجن لاجل مصروع فامتثل امره وعظمه وضرب عنق الصارع فخلص المصروع: قال في المثنوى هر پيمبر فرد آمد در جهان ... فرد بود وصد جهانش در نهان عالم كبرى بقدرت سحره كرد ... كرد خود را در كهين نقشى نورد ابلهانش فرد ديدند وضعيف ... كى ضعيفست آنكه باشد شد حريف واعلم ان حكم الساحر القتل ذكرا كان او أنثى إذا كان سعيه بالإفساد والإهلاك في الأرض وإذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر دون الأنثى فتضرب وتحبس لان الساحرة كافرة والكافرة ليست من اهل الحرب فاذا كان الكفر الأصلي يدفع عنها القتل فكيف الكفر العارضى والساحر ان تاب قبل ان يؤخذ تقبل توبته وان أخذ ثم تاب لا تقبل كما قال في الأشباه كل كافر تاب فتوبته مقبولة في الدنيا والآخرة الا الكافر بسب نبى وبسب الشيخين او أحدهما وبالسحر ولو امرأة وبالزندقة إذا أخذ قبل توبته والزنديق هو الذي قال بقدم الدهر واسناد الحوادث اليه مع اعتراف النبوة واظهار الشرع هذا واكثر المنقول الى هنا من كتاب آكام المرجان وهو الذي ينبغى ان يكتب على الاحداق لا على القراطيس والأوراق وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ لانهم يقصدون به العمل او لان العلم يجر الى العمل غالبا وَلا يَنْفَعُهُمْ صرح بذلك إيذانا بانه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لانهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار باكاذيب من يدعى النبوة مثلا من السحرة او تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع في الجملة وفيه ان الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن ان تجر الى الغواية وان قال من قال عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وذكر في التجنيس ان تعلم النجوم حرام الا ما يحتاج اليه للقبلة وفيئ الزوال ومن أحاديث المصابيح (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر) وإذا لم يكن في تعلم مثل هذه العلوم خير فكذا إمساك الكتب التي اشتملت عليها من كتب الفلاسفة

стр. 195

وغيرها بل لا يجوز النظر إليها كما في نصاب الاحتساب وَلَقَدْ عَلِمُوا اى هؤلاء اليهود في التوراة لَمَنِ اشْتَراهُ اى من اختار السحر واستبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللام الاولى جواب قسم محذوف والثانية لام ابتداء ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ اى نصيب وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ اى باعوها لان الشراء من الاضداد واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف اى والله لبئس ما باعوا به أنفسهم السحر او الكفر وعبر عن ايمانهم بانفسهم لان النفس خلقت للعلم والعمل والايمان لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ جواب لو محذوف اى لما فعلوا ما فعلوا من تعلم السحر وعمله اثبت لهم العلم او لا بقوله ولقد علموا ثم نفى عنهم لانهم لما لم يعملوا بعلمهم فكأنهم لم يعلموا فهذا في الحقيقة نفى الانتفاع بالعلم لا نفى العلم وَلَوْ أَنَّهُمْ اى اليهود آمَنُوا بالقرآن والنبي وَاتَّقَوْا السحر والشرك لَمَثُوبَةٌ مفعلة من الثواب وثاب يثوب اى رجع وسمى الجزاء ثوابا لانه عوض عمل المحسن يرجع اليه وهو مبتدأ جواب لو والتنكير للتقليل اى شىء قليل من الثواب كائن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ خبر المبتدأ وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم فحذف الفعل وغير السبك الى ما عليه النظم الكريم دلالة على اثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من ان ينسب اليه لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ان ثواب الله خير ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون ان يصل التأثير الى القلب ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة الى الأعمال الصالحة والاتباع للكتاب والسنة فمن امر السنة على نفسه أخذا وتركا حبا وبغضا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة قال الشيخ ابو الحسن كل علم يسبق لك فيه الخواطر وتتبعها الصور وتميل اليه النفوس وتلذ به الطبيعة فارم به وان كان حقا وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله واقتد به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده والائمة المبرئين من الهوى ومتابعته تسلم من الظنون والشكوك والأوهام والدعاوى الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه وماذا عليك ان تكون عبد الله ولا علم ولا عمل بلا اقتداء وحسبك من العلم العلم بالوحدانية ومن العمل محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصحابة واعتقاد الحق للجماعة قال بعض العلماء زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في اصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت فما اشرف الوسيلة وما اخس المتوسل اليه والذي يحمل العبد على تعليم ما لا يليق به وذكر ما يجب صونه انما هو إيثار الدنيا على الآخرة لكن الله تعالى يقول وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى فان أردت ان تعرف قدرك عند الله فانظر فيما ذا يقيمك وذلك لان الأعمال علامات والأحوال كرامات والكرامات دليل والعلوم وسائل وقد جاء (من سره ان يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه فان الله ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد من نفسه) والإنسان نسخة آلهية قابلة للواردات الإلهية فالنصف الأسفل منه بمنزلة الملك والنصف الا على بمنزلة الملكوت وبعبارة اخرى الطبيعة والنفس بمنزلة الملك والروح والسر بمنزلة الملكوت فاذا قطع العلائق بالعبادة الحقانية يتصرف في عالم الملك والملكوت اللذين في ملك وجوده وهو باب الملك والملكوت اللذين في الخارج واعلم

стр. 196

ان وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لا على وجه مشاهدة سائر الأشياء فانه تعالى منزه عن الكيف والأين بل هي عبارة عن ظهور الوجود الحقيقي عند اضمحلال وجود الرائي وفنائه وأول ما يتجلى للسالك الافعال ثم الصفات واما تجلى الذات فلا يتيسر الا للآحاد فهو لا يكون الا بمحو الوجود وافنائه لكن ذلك الفناء عين البقاء وعن ابى يزيد البسطامي قدس سره كنت اعلم الإخلاص لبعض الفقراء وهو يعلمنا الفناء: قال السعدي ترا كى بود چون چراغ التهاب ... كه از خود پرى همچوقنديل از آب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا لرسول الله ﷺ وهو ارشاد للمؤمنين الى الخير راعِنا المراعاة المبالغة في الرعي وهو حفظ الغير وتدبير أموره وتدارك مصالحه كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا القى عليهم شيأ من العلم راعنا يا رسول الله اى راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك وكانت لليهود كلمة عبرانية او سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهي راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها قطعا لألسنة اليهود عن التلبيس وأمروا بما هو في معناها ولا يقبل التلبيس فقيل وَقُولُوا انْظُرْنا اى انتظرنا من نظره إذا انتظره وَاسْمَعُوا وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقى عليكم من المسائل باذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا الى الاستعادة وطلب المراعاة وَلِلْكافِرِينَ اى ولليهود الذين تهاونوا برسول الله ﷺ وسبوه عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع لما اجترءوا عليه من المسبة العظيمة وفي هذه الآية دليلان أحدهما على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض واما قولهم لا بأس بالمعاريض وهو ان يتكلم لرجل بكلمة يظهر من نفسه شيأ ومراده شىء آخر فانما أرادوا ذلك إذا اضطر الإنسان الى الكذب فاما إذا لم يكن حاجة ولا ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بان لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم واعراضهم) وقدم اللسان في الذكر لان التعرض به اسرع وقوعا واكثر وخص اليد بالذكر لان معظم الافعال يكون بها: قال في المثنوى اين زبان چون سنك وهم آهن وشيست ... وآنچهـ بجهد از زبان چون آتشيست سنك وآهن رامزن بر هم كزاف ... كه ز روى نقل وكه از روى لاف زانكه تاريكست وهر سو پنبه زار ... در ميان پنبه چون باشد شرار عالمى را يك سخن ويران كند ... روبهان مرده را شيران كند والثاني التمسك بسد الذرائع وحمايتها والذريعة عبارة عن امر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع ووجه التمسك بها ان اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم فلما علم الله تعالى ذلك منهم منع من اطلاق ذلك اللفظ لانه ذريعة للسب قال تعالى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل

стр. 197

ذلك وقال تعالى وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية فحرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت فكان الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا اى ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد وكان السد ذريعة للاصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير وعن عائشة رضى الله عنها ان أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﵇ (ان أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) قال العلماء ففعل ذلك اوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم فمضت لهم بذلك ازمان ثم انهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان ان آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فحذر النبي ﵊ عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية الى ذلك فقال ﵇ (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) وقال (اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد) وقال ﷺ (لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس) وقال ﵇ (ان من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب امه فيسب امه) فجعل التعرض لسب الآباء والأمهات كسب الآباء والأمهات وقال ﷺ (الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع في الحرام كالراعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه) فمنع ﵇ من الاقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وفي الحديث (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلالا ينزعه منكم حتى ترجعوا الى دينكم) والعينة هو ان يبيع رجل من رجل سلعة بثمن معلوم الى أجل مسمى ثم يشتريها منه باقل من الثمن الذي باعها به وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة وذلك ان العينة هو الحال الحاضر والمشترى انما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل اليه من فوره وفي هذا الحديث ذم للزراع إذا كان زراعتهم ذريعة لترك الجهاد قال ﵊ حين رأى آلة الحراثة في دار قوم (ما دخل هذا بيت قوم الا ذلوا) وذلك لان الزراعة عمارة الدنيا واعراض عن الجهاد فيستحق به الذل وعمارة الدنيا اصل في حق الكفار عارض فى حق المسلمين فان المسلمين يجعلونها وسيلة الى الآخرة واما الكفار فيعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن آخرتهم غافلون وقد قال ﵇ (الدنيا سجن المؤمن) اى بالنسبة الى ما أعد له من ثواب النعيم (وجنة الكافر) اى بالاضافة الى ما هيئ له من عذاب الآخرة والقطعية والهجران ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا كان فريق من اليهود يظهرون للمؤمنين محبة ويزعمون انهم يودون لهم الخير فتزل تكذيبا لهم والود حب الشيء مع تمنيه ونفى الود كناية عن الكراهة اى ما يحب الذين كفروا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ من للتبيين لان الذين كفروا جنس تحته نوعان اهل الكتاب والمشركون فكأنه قيل ما يود الذين كفروا

стр. 198

وهم اهل الكتاب والمشركون فبين ان الذين كفروا باق على عمومه وان المراد كلا نوعيه جميعا والمعنى ان الكفار جميعا لم يحبوا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ اى على نبيكم لان المنزل عليه منزل على أمته مِنْ خَيْرٍ هو قائم مقام فاعله ومن مزيدة لاستغراق الخير والخير الوحى والقرآن والنصرة مِنْ رَبِّكُمْ من لابتداء الغاية والمعنى انهم يرون أنفسهم أحق بان يوحى إليهم فيحسدونكم ويكرهون ان ينزل عليكم شىء من الوحى اما اليهود فبناء على انهم اهل الكتاب وأبناء الأنبياء الناشئون في مهابط الوحى وأنتم أميون واما المشركون فادلا لا بما كان لهم من الجاه والمال زعما منهم ان رياسة الرسالة كسائر الرياسات الدنيوية منوطة بالأسباب الظاهرة ولذا قالوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وهم كانوا يتمنون ان تكون النبوة في أحد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفي بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة ثم أجاب عن قول من يقول لم لم ينزل عليهم بقوله وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يقال خصه بالشيء واختصه به إذا أفرده به دون غيره ومفعول من يشاء محذوف والرحمة النبوة والوحى والحكمة والنصرة والمعنى يفرد برحمته من يشاء افراده بها ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه الذاتي الفائض عليه بحسب إرادته لا تتعداه الى غيره لا يجب عليه شىء وليس لاحد عليه حق وما وقع في عبارة مشايخنا في حق بعض الأشياء انه واجب في الحكمة يعنون به انه ثابت متحقق لا محالة في الوجود لا يتصور ان لا يكون لا انه يجب ذلك بايجاب موجب وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ اى على من يختاره بالنبوة والوحى لابتدائه بالإحسان بلا علة وهو حجة لنا على المعتزلة فان المفضل عند الخلق هو الذي يعطى ويبذل ما ليس عليه لان الذي يعطى ما عليه يكون قاضيا لا مفضلا ولو كان يجب عليه فعل الأصلح لكان المناسب ان يكون ذو العدل بدل قوله ذو الفضل ثم فيه اشعار بان إيتاء النبوة من الفضل وان حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته فمن تعرض لرد ما من الله به على عباده المؤمنين فقد جهل بحقيقة الأمر وعباد الله المخلصون قسمان قوم أقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد واهل الأعمال والأوراد وقوم اختصهم بمحبته وهم اهل المحبة والوداد وكل في خدمته وتحت طاعته إذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه والعبودية صفة العبد لا تفارقه مادام حيا ومن حقائق العبودية إخراج الحسد من القلب قال بعض الحكماء بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه أولها انه ابغض كل نعمة ظهرت على غيره والثاني انه يتسخط قسمته تعالى ويقول لربه لو قسمت هكذا والثالث ان فضل الله يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضله والرابع انه خذل ولى الله لانه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه والخامس انه أعان عدوه يعنى إبليس واعلم ان حسدك لا ينفذ على عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك في يقظة او منام لرأيت نفسك ايها الحاسد في صورة من يرمى حجرا الى عدوه ليصيب به مقلته فلا يصيبه بل يرجع الى حدقته اليمنى فيقلعها فيزيد غضبه ثانيا فيعود ويرميه أشد من الاولى فيرجع على عينه اليسرى فيعميها فيزداد غضبه ثالثا فيعود ويرميه فيرجع الحجر على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل حال وهو اليه راجع كرة بعد اخرى واعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون وهذا حال الحسود وسخرية الشياطين وقال

стр. 199

بكر بن عبد الله كان رجل يأتى بعض الملوك فيقوم بحذائه ويقول احسن الى المحسن بإحسانه فان المسيئ سيكفيه إساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به الى الملك وقال ان هذا الرجل يزعم ان الملك ابخر فقال الملك وكيف يصح ذلك عندى قال ندعو به إليك فانظر فانه إذا دنا منك وضع يده على انفه ان لا يشم ريح البخر فخرج من عند الملك فدعا الرجل الى منزله فاطعمه طعاما فيه ثؤم فخرج الرجل من عنده فقام بحذاء الملك فقال على عادته مثل ما قال فقال له الملك ادن منى فدنا منه واضعا يده على فيه مخافة ان يشم الملك منه ريح الثوم فصدق الملك في نفسه قول الساعي قال وكان الملك لا يكتب بخطه الا لجائزة فكتب له كتابا بخطه الى عامل له إذا أتاك الرجل فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به الى فاخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فاستوهب منه ذلك الكتاب فاخذه منه بانواع التضرع والامتنان ومضى الى العامل فقال له العامل ان في كتابك ان أذبحك واسلخك قال ان الكتاب ليس هو لى الله الله في امرى حتى أراجع الملك قال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل كعادته فتعجب منه الملك فقال ما فعلت بالكتاب قال لقينى فلان فاستوهبه منى فوهبته قال الملك انه ذكر لى انك تزعم انى ابخر فقال كلا قال فلم وضعت يدك على انفك قال كان أطعمني طعاما فيه تؤم فكرهت ان تشمه قال ارجع الى مكانك فقد كفى المسيئ إساءته ونعم ما قيل هر كه او نيك ميكند يابد ... نيك وبد هر چهـ ميكند يابد اللهم احفظنا من مساوى الأخلاق ما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية اى أي شىء نَنْسَخْ ومحل قوله مِنْ آيَةٍ نصب تمييز لما والنسخ في اللغة الازالة والنقل يقال نسخت الريح الأثر اى إزالته ونسخت الكتاب اى نقلته من نسخة الى نسخة ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها او بالحكم المستفاد منها او بهما جميعا اما الاول فكآية الرجم كما روى ان مما يتلى عليكم في كتاب الله [الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة] فهو منسوخ التلاوة دون الحكم ومعنى النسخ في مثلها انتهاء التكليف بقراءتها عند نسخ تلاوتها واما الثاني فكآية عدة الوفاة بالحول قال تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ نسخت باربعة أشهر وعشرا لقوله تعالى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وكمصابرة الواحد لعشرة في القتال نسخت بمصابرة الواحد للاثنين فهو منسوخ الحكم دون التلاوة وهو المعروف من النسخ في القرآن فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتين في التلاوة الا ان المنسوخة لا يعمل بها ومعنى النسخ في مثلها بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخرة عنها وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه ليبقى حصول الثواب بقراءتها فان القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به يتلى ايضا لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه واما الثالث فكما روى عن عائشة ﵂ انها قالت كان مما يتلى في كتاب الله [عشر رضعات يحرمن] ثم نسخ [بخمس رضعات يحرمن] فهو منسوخ الحكم والتلاوة جميعا ومعنى النسخ في مثلها بيان انتهاء التكليف بقراءتها وبالحكم

стр. 200

المستفاد منها عند نسخها قال القرطبي الجمهور على ان النسخ انما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى أَوْ نُنْسِها إنساء الآية إذهابها من القلوب كما روى ان قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤا سورة فلم يذكروا منها الا البسملة فغدوا الى النبي ﵇ واخبروه فقال ﷺ (تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها) روى ان المشركين او اليهود قالوا ألا ترون الى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقول الا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما امر في حد الزنى بايذائهما باللسان حيث قال (فآذوهما) ثم جعله منسوخا وامر بامساكهن في البيوت) حتى يتوفاهن الموت) ثم جعله منسوخا بقوله فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يريدون بذلك الطعن في الإسلام ليضعفوا عزيمة من أراد الدخول فيه فبين الله الحكمة في النسخ بهذه الآية والمعنى ان كل آية تذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من ازالة لفظها او حكمها او كليهما معا الى بدل او الى غير بدل نَأْتِ بِخَيْرٍ اى بآية هى خير مِنْها للعباد بحسب الحال فى النفع والثواب من الذاهبة وليس المقصود ان آية خير من آية لان كلام الله واحد وكله خير فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض في أنفسها من حيث انه كلام الله ووحيه وكتابه بل التفاضل فيها انما هو بحسب ما يحصل منها للعباد أَوْ مِثْلِها فى المنفعة والثواب فكل ما نسخ الى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ الى الأشق فهو في الثواب اكثر اما الاول فكنسخ الاعتداد بحول ونقله الى الاعتداد باربعة أشهر وعشرا واما الثاني فكنسخ ترك القتال بايجابه وقد يكون النسخ بمثل الاول لا أخف ولا أشق كنسخ التوجه الى بيت المقدس بالتوجه الى الكعبة وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها ايضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب واعلم ان الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا في الاسناد بناء على ان النسخ يقع به والمنسوخ هو الحكم المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف والحكمة في النسخ ان الطبيب المباشر لاصلاح البدن يغير الاغذية والادوية بحسب اختلاف الامزجة والازمنة كذلك الأنبياء المباشرون لاصلاح النفوس يغيرون الأعمال الشرعية والاحكام الخلقية التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير والاغذية للابدان فان اغذية النفوس وادويتها هي الأعمال الشرعية والأخلاق المرضية فيغيرها الشارع على حسب تغير مصالحها فكما ان الشيء يكون دواء للبدن في وقت ثم قد يكون داء في وقت آخر كذلك الأعمال قد تكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت وقس عليه حال المرشد والمسترشد فان التربية على القاعدة التسليكية بحسب احوال المشارب ولا يلقاها من المرشدين الا ذو حظ عظيم: قال في المثنوى رمز ننسخ آية او ننسها ... نأت خيرا در عقب مى دان مها [٢] هر شريعت را كه حق منسوخ كرد ... او كيا برد وعوض آورده ورد اندرين شهر حوادث مير اوست ... در ممالك مالك تدبير اوست آنكه داند دوخت او داند دريد ... هر چهـ را بفروخت نيكوتر خريد

стр. 201

أَلَمْ تَعْلَمْ الخطاب للنبى ﵇ ومعنى الاستفهام تقرير اى انك تعلم أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير أَلَمْ تَعْلَمْ وخصه ﵇ بالخطاب مع ان غيره داخل في الخطاب ايضا حقيقة بناء على ان المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب بما ذكر ولا أحد من البشر اعلم بذلك منه ﵇ إذ قد وقف من اسرار ملكوت السموات والأرض على ما لا يطلع عليه غيره وعلم غيره بالنسبة الى علمه ﵇ ملحق بالعدم لان علم الأولياء من علم الأنبياء بمنزلة قطرة من سبعة أبحر وعلم الأنبياء من علم نبينا محمد ﵇ بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو كالدليل على قوله أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والملك تمام القدرة واستحكامها وتخصيص السموات والأرض بالذكر وان كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعا لكونهما أعظم المصنوعة وأعجبها شأنا وَما لَكُمْ ايها المؤمنون مِنْ دُونِ اللَّهِ اى سوى الله وهو في حيز النصب على الحالية من الولي لانه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا مِنْ زائدة للاستغراق وَلِيٍّ قريب وصديق وقيل وال وهو القيم بالأمور وَلا نَصِيرٍ اى معين ومانع والفرق بين الولي والنصير ان الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور والمقصود التسكين لقلوب المؤمنين بان الله وليهم وناصرهم دون غيره فلا يجوز الاعتماد الا عليه ولا يصح الالتجاء الا اليه والمعنى ان قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة وهو العلم ب أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والعلم ب أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والعلم بان ليس لهم مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ هو الجزم والإيقان بانه تعالى لا يفعل بهم في امر من امور دينهم او دنياهم الا ما هو خير لهم والعمل بموجبه شىء من الثقة والتوكل عليه وتفويض الأمر اليه من غير إصغاء الى أقاويل الكفرة وتشكيكاتهم التي هي من جملتها ما قالوا في امر النسخ أَمْ تُرِيدُونَ أم معادلة للهمزة في ألم تعلم اى ألم تعلموا انه مالك الأمور وقادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد أم تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى ﵇ والمراد توصية المسلمين بالثقة به وترك الاقتراح عليه وهو المفاجأة بالسؤال من غير روية وفكر أَنْ تَسْئَلُوا وأنتم مؤمنون رَسُولَكُمْ وهو في تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غير واثقين باموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم بشؤونه تعالى قيل لعلهم كانوا يطلبون منه ﵇ بيان تفاصيل الحكم الداعية الى النسخ كَما سُئِلَ مُوسى مصدر تشبيهى اى نعت لمصدر مؤكد محذوف وما مصدرية اى سؤالا مشبها بسؤال موسى ﵇ حيث قيل له اجعل لنا الها وأرنا الله جهرة وغير ذلك مِنْ قَبْلُ اى من قبل محمد ﷺ متعلق بسئل جيئ به للتأكيد وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ اى يختره ويأخذه لنفسه بِالْإِيمانِ بمقابلته بدلا منه وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض وحق بحت واقترح غيرها فَقَدْ ضَلَّ اى عدل وحار من حيث لا يدرى سَواءَ السَّبِيلِ عن الطريق المستقيم الموصل

стр. 202

الى معالم الحق والهدى وتاه في تيه الهوى وتردى في مهاوى الردى وسواء السبيل وسط الطريق السوي الذي هو بين الغلو والتقصير وهو الحق واكثر المفسرين على ان سبب نزول الآية ان اليهود قالوا يا محمد ائتنا بكتاب الله جملة كما جاء موسى بالتوراة جملة فنزلت كما قال يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ الى قوله جَهْرَةً فالمخاطبون بقوله أم تريدون هم اليهود واضافة الرسول إليهم في قوله رسولكم باعتبار انهم من امة الدعوة ومعنى تبدل الكفر بالايمان ترك صرف قدرتهم اليه مع تمكنهم من ذلك وإيثارهم للكفر عليه قال الامام وهذا أصح لان الآية مدنية ولان هذه السورة من أول قوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ حكاية عنهم ومحاجة معهم وفي الآية اشارة الى حفظ الآداب فمن لم يتأدب بين يدى مولاه ورسوله وخلفائه فقد تعرض للكفر وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير وعن النبي ﵇ قال (حق الولد على والده ان يحسن اسمه ويحسن مرضعه ويحسن أدبه فانه مسؤل عنه يوم القيامة ومؤاخذ بالتقصير فيه) قال في بستان العارفين مثل الايمان مثل بلدة لها خمسة من الحصون الاول من ذهب والثاني من فضة والثالث من حديد والرابع من حبوكل والخامس من لبن فمادام اهل الحصن يتعاهدون الحصن الذي من اللبن فالعدو لا يبلغ فيهم فاذا تركوا التعاهد حتى خرب الحصن الاول طمع في الثاني ثم في الثالث حتى خرب الحصون كلها فكذلك الايمان في خمسة من الحصون أولها اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم إتمام السنن ثم حفظ الأدب فمادام يحفظ الأدب ويتعاهده فان الشيطان لا يطمع فيه فاذا ترك الأدب طمع في السنن ثم في الفرائض ثم في الإخلاص ثم في اليقين وينبغى ان يحفظ الأدب في جميع أموره من امر الوضوء والصلاة والبيع والشراء والصحبة وغير ذلك واعلم ان الشريعة هي الاحكام والطريقة هي الأدب وانما رد من رد لعدم رعاية الأدب كابليس وغيره من المردودين كما قيل بى ادب مرد كى شود مهتر ... گر چهـ او را جلالت نسبست با ادب باش تا بزرگ شوى ... كه بزرگى نتيجه ادبست وسئل ابن سيرين أي الأدب اقرب الى الله فقال معرفة ربوبيته والعمل بطاعته والحمد على السراء والصبر على الضراء انتهى كلامه وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم رهط من أحبار اليهود وروى ان فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ﵄ بعد وقعة أحد ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا الى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن اهدى منكم سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال فانى قد عاهدت ان لا اكفر بمحمد ما عشت فقالت اليهود اما عمار فقد صبا اى خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع اليه ابدا فكيف أنت يا حذيفة ألا تبايعنا قال حذيفة رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن اماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا فقالوا واله موسى لقد اشرب في قلوبكما حب محمد ثم أتيا رسول الله ﵇ وأخبراه فقال (أصبتما خيرا وأفلحتما) والمعنى أحب وأراد كثير من اليهود لَوْ يَرُدُّونَكُمْ اى ان يردوكم فان لو من الحروف المصدرية إذا جاءت بعد فعل يفهم منه معنى التمني نحو قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ

стр. 203

اى ان يصرفوكم عن التوحيد مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ يا معشر المؤمنين كُفَّاراً اى مرتدين حال من ضمير المخاطبين في يردونكم ويحتمل ان يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم حَسَداً علة لقوله ود كانه قبل ود كثير ذلك من أجل الحسد مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز ان يتعلق بود على معنى انهم تمنوا ارتدادكم من عند أنفسهم وقبل شهوتهم واهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لانهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز ان يتعلق بحسدا اى حسدا منبعثا من اصل نفوسهم بالغا أقصى مراتبه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ اى من بعد ما ظهر لهم ان محمدا رسول الله وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة فَاعْفُوا العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث انه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى وَاصْفَحُوا فانه قد يعفو الإنسان ولا يصفح والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء في اللوم يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لان ذلك كفر والله تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والاعراض عن الجواب عن مساوى كلامهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ اى يحكم الله بحكمه الذي هو الاذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير- روى- ان الصحابة ﵃ استأذنوا رسول الله ﷺ في ان يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بانفسهم ودعوا المسلمين الى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والاعراض عن المكافاة الى ان يجيئ الاذن من الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم وينتقم إذا جاء أوانه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ الى الله تعالى بالعبادة والبر فالمراد الأمر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ فان الخير يتناول اعمال البر كلها الا انه تعالى خص من بينها اقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند الله تعالى فان الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكرا لما أنعم الله عليه فى ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكرا للاغنياء الذين فضلهم الله في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم في صنوف الأعمال وما تقدموا شرطية اى أي شىء من الخيرات صلاة او صدقة او غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة أنفسكم تَجِدُوهُ اى ثوابه وجزاءه لاعينه لان عين تلك الأعمال لا تبقى ولان وجدان عينها لا يرغب فيه عِنْدَ اللَّهِ اى محفوظا عنده فى الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل أحد ولفظ التقديم اشارة الى ان المقصود الأصلي والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا ان يقدموه الى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء في الحديث (ان العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم) إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ اى عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال والعمل غير مقيد بالخير او الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث انه يدل

стр. 204

على انه تعالى يجازى على القليل من الخير كما يجازى على الكثير والترهيب من حيث انه يجارى على القليل والكثير من الشر ايضا فلا يضيع عنده عمل عامل وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انه مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم اهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد احسن القائل قدم لنفسك قبل موتك صالحا ... واعمل فليس الى الخلود سبيل قال السعدي تو غافل در انديشه سود ومال ... كه سرمايه عمر شد پايمال غبار هوا چشم عقلت بدوخت ... سموم هوا كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از چشم پاك ... كه فردا شوى سرمه در چشم خاك اعلم ان الإنسان إذا مات انقطع عمله الا ان يبقى بعده واحد من الأولاد الاربعة التي لا ينقطع أجرها الاول ما يتولد من مال الإنسان كبناء المساجد والجسور والرباط والأوقاف وغير ذلك من الخيرات: كما قال السعدي في البستان از ان كس كه خيرى بماند روان ... دمادم رسد رحمتش بر روان نمرد آنكه ماند پس از وى بجاى ... پل ومسجد وخان ومهمان سراى هر آن كو نماند از پسش يادگار ... درخت وجودش نياورد بار وگر رفت وآثار خيرش نماند ... نشايد پس مرگ الحمد خواند والى هذا أشار ﵇ بقوله (من صدقة جارية) فى حديث (إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث) والثاني ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به واليه الاشارة بقوله ﵇ (او علم ينتفع به) قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر انه عام متناول ما خلفه من تصنيف او تعليم في العلوم الشرعية وما يحتاج اليه في تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان ما لا ينتفع به لا يثمر اجرا كما ان كتم ما ينتفع به لا يثمر اجرا بل اثما وعذابا كما ورد في الحديث (من كتم علما بعلمه الجم يوم القيامة بلجام من النار) قال الامام السخاوي يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها والثالث ما يتولد من النفس كالبنين والبنات واليه الاشارة بقوله ﵇ (او ولد صالح يدعو له) قيد ﵊ بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره واما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيله الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لابيه لا لانه قيد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لابيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الام فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله ﵇ (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة) وقوله ﵇ (من مات يختم على عمله الا المرابط في سبيل الله فانه ينمو له عمله الى يوم القيامة) قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذي قدمه في حياته

стр. 205

ينمو له الى يوم القيامة اما الثلاث المذكورة في الحديث فانها اعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لانه سبب لها فيلحقه منها ثواب والرابع ما يتولد من الروح وهي الأولاد المعنوية التي تولدت من التربية كاولاد المشايخ الكاملين من الصوفية المتشرعين المحققين وهذا القسم يمكن ان يندرج فيما قبله فافهم وَقالُوا نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله ﵇ مع اليهود فكذب بعضهم بعضا فقالت اليهود لبنى نجران لن يدخل الجنة الا اليهود وقال بنوا نجران لليهود لن يدخلها الا النصارى فقال الله قال اهل الكتاب من اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لم يقل كانوا حملا للاسم على لفظ من وجمع الخبر حملا على معناه والهود جمع هائد اى تائب نحوانا هدنا إليك وكأنه كان في الأصل اسم مدح لمن تاب منهم من عبادة العجل ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لجماعتهم كالعلم لهم والنصارى جمع نصران كسكران تِلْكَ اى ما قالوا بان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى أَمانِيُّهُمْ اى شهواتهم الفاسدة التي تمنوها على الله بغير الحق لا حقيقة لها جمع امنية وهي ما يتمنى افعولة كالاعجوبة والتمني التشهي والعرب تسمى الكلام العاري عن الحجة تمنيا وغرورا وضلالا وأحلاما مجازا وجمع الأماني باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى ثم اومأ الله الى بطلان أقوالهم بقوله لنبيه ﵇ قُلْ هاتُوا أصله أتوا قلبت الهمزة هاء وهو أمر تعجبى اى احضروا بُرْهانَكُمْ حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ولم يقل براهينكم لان الدعوى كانت واحدة وهي نفى دخول غيرهم الجنة والحجة على تلك الدعوى واحدة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى دعواكم فان كل قول لا دليل عليه غير ثابت بَلى اعلم ان قولهم لن يدخل الجنة إلخ مشتمل على إيجاب ونفى اما الإيجاب فهو ان يدخل الجنة اليهود والنصارى واما النفي فهو ان لا يدخل الجنة غيرهم فقوله بلى اثبات لما نفوه في كلامهم فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فاجيبوا بقوله بلى يدخل الجنة غيركم وليس الأمر كما تزعمون مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ اى أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيأ فان اسلام شىء لشئ جعله سالما له بان لا يكون لاحد حق فيه لا من حيث التخليق والمالكية ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم عبر عنها بالوجه لكونه اشرف الأعضاء من حيث انه معدن الحواس والفكر والتخيل فهو مجاز من باب ذكر الجزء وارادة الكل ومنه قولهم كرم الله وجهك ويحتمل ان يكون اخلاص الوجه كناية عن اخلاص الذات لان من جاد بوجهه لا يبخل بشئ من جوارحه ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص وَهُوَ مُحْسِنٌ حال من ضمير اسلم اى وهو مع إخلاصه وتسليم النفس الى الله بالكلية بالخضوع والانقياد محسن في جميع اعماله بان يعملها على وجهة يستصوبها فان إخلاصها لله لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع وحقيقة الإحسان والإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي وقد فسره ﷺ بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه وان لم تكن تراه فانه يراك) وهذا المعنى حقيقة الايمان وظاهره الإحسان واما باطنه فمرتبة كنت سمعه وبصره التي هي نتيجة قرب النوافل وهو كون ذات الحق ووجوده مرآة لصفات

стр. 206

العبد ومظهرا لاحواله واما قرب الفرائض فهو المصرح في قوله قال الله تعالى على لسان عبده (سمع الله لمن حمده) وهو كون صفات العبد وأحواله مرآة لذات الحق ومظهرا لوجوده وباعتبار قرب النوافل كان الظاهر والمرئي والمشهود هو العبد وباعتبار قرب الفرائض هو الحق فَلَهُ أَجْرُهُ ثوابه الذي وعدله على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة وتصويره بصورة الاجر للايذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه عِنْدَ رَبِّهِ اى حال كون ذلك الاجر ثابتا عند مالكه ومدبر أموره ومبلغه الى كماله لا يضيع ولا ينقص والعندية للتشريف والجملة جواب من ان كانت شرطية وخبرها ان كانت موصولة والفاء لتضمنها معنى الشرط وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فى الآخرة عند دخول الجنة كما قال تعالى حبرا عن اهل الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ واما في الدنيا فانهم يخافون من ان يصيبوا الشدائد والأهوال العظام قدامهم ويحزنون على ما فاتهم من الأعمال الصالحة والطاعات المؤدية الى الفوز بانواع السعادات فان المؤمن كما لا يقنط من رحمة الله لا يأمن من غضبه وعقابه كما قيل لا يجتمع خوفان ولا أمنان فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب فان الخوف انما يكون مما يتوقع فى المستقبل كما ان الحزن انما يكون على ما وقع سابقا ومن أمن في الدنيا خاف في الآخرة قال في المثنوى لا تخافوا هست نزل خائفان ... هست در خور از براى خائف آن هر كه ترسد مرو را ايمن كنند ... مر دل ترسنده را ساكن كنند آنكه خوفش نيست چون گويى مترس ... درس چهـ دهى نيست او محتاج درس وَقالَتِ الْيَهُودُ بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه اثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ اى على امر يصح ويعتد به وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ اى قالوا ما قالوا والحال ان كل فريق منهم يَتْلُونَ الْكِتابَ اللام للجنس اى انهم من اهل العلم والكتاب والتلاوة للكتب وحق من تلا كتابا من كتب الله تعالى وآمن به ان لا يكفر بالباقي لان كل واحد من كتب الله يصدق ما عداه كَذلِكَ اى مثل ذلك القول الذي سمعت به من هؤلاء العلماء الضالة على ان الكاف في موضع النصب على انه مفعول قال قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ من عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلة اى قالوا لاهل كل دين ليسوا على شىء مِثْلَ قَوْلِهِمْ بدل من محل الكاف وفيه توبيخ عظيم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم فى سلك من لا يعلم أصلا فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بين الفريقين يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ متعلق بيختلفون قدم للمحافظة على رؤس الآي يَخْتَلِفُونَ من امر الدين فان قلت بم يحكم قلت بما يقسم لكل فريق مما يليق به من العقاب وفعل الحكم يتعدى بجارين الباء وفي كما يقال حكم الحاكم في هذه القضية بكذا وفي الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به واعلم ان كل حزب بما لديهم فرحون وليس ذلك في الفرق الضالة خاصة بل ذلك يجرى بين صوفى وصوفى وشيخ

стр. 207

وشيخ وعالم وعالم فتخطئة كل فريق صاحبه مستمرة والاولى ان يتبع الهدى قال بعض المشايخ من ادعى انه صاحب قلب وارشاد بدون تزكية النفس ومعرفة المبدأ والمعاد لاجل الدنيا الدنيئة كان عذابه أضعاف عذاب النساء اللاتي رآهن النبي ﵇ ليلة المعراج يقطعن صدورهن بمقاريض فسال جبريل فقال انهن الزواني من النساء اللاتي جئن بأولاد من الزنى فالدعوى باطلة بدون الدليل وصاحبها ضال مضل والمدعى كالزانية والتابع له على هواه كولد الزنى فان ولد الزنى هالك حكما لعدم المربى والاتباع لمبتدع لا ينتج الا البدعة والإلحاد- وحكى- عن الشيخ صدر الدين التبريزي انه قال كان رجل مشهور في تبريز يقال له عارف قدم يوما الى مجلس بعض العارفين فقال له ما اسمك قال محمود لكن يقال لى عارف قال له هل عرفت ذاتك حتى قيل لك عارف فقال قرأت كتبا كثيرة من مقالات المشايخ والصوفية قال له ذلك كلامهم فما لك بپر خويش بايد كرد پرواز ... ببال ديگران نتوان پريدن فمجرد النسخة لا يفيد بدون العمل بما فيها والتحقق بحقائقها وهذا كما ان تاجرا إذا وصل له كتاب من عبده المأذون في التجارة انى اشتريت كذا وكذا واخبر سيده بما وقع تفصيلا فبمجرد هذا الكتاب لا يقدر السيد ان يتجر بدون ان يصل اليه ما اشتراه العبد من السلعة فلو ادخل جماعة من المشترين في داره ليبيع متاعه لا يجد الا خجالة لان المحل الذي يعرض السلعة فيه على المشترين لا يفيده مجرد النسخة وقراءتها: قال في المثنوى مرغ بر بالا پران وسايه اش ... مى دود بر خاك پران مرغ وش ابلهى صياد آن سايه شود ... مى دود چندانكه بى مايه شود بي خبر كان عكس آن مرغ هواست ... بى خبر كه اصل آن سايه كجاست تير اندازد بسوى سايه او ... تركشش خالى شود از جست وجو تركش عمرش تهى شد عمر رفت ... از دويدن در شكار سايه تفت سايه يزدان چوباشد دايه اش ... وارهاند از خيال وسايه اش وَمَنْ أَظْلَمُ سبب النزول ان ططيوس الرومي ملك النصارى وأصحابه غزوا بنى إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم واحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل خرابا حتى بناه اهل الإسلام في ايام عمر بن الخطاب ﵁ وذلك لما استولى عمر ﵁ على ولاية كسرى وغنم أموالهم عمر بها بيت المقدس ثم صار في أيدي النصارى من الافرنج اكثر من مائة سنة حتى فتحه واستخلصه الملك الناصر صلاح الدين من آل أيوب سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة ومن في الأصل كلمة استفهام وهي هاهنا بمعنى النفي اى لا أحد اظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ المراد بيت المقدس وصيغة الجمع لكون حكم الآية عاما لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان كما تقول لمن آذى صالحا واحدا ومن اظلم ممن آذى الصالحين لانه لا عبرة لخصوص السبب أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ثانى مفعولى منع فانه يقتضى ممنوعا وممنوعا عنه فتارة يتعدى إليهما بنفسه كما في قولك منعته الأمر وتارة يتعدى الى الاول بنفسه والى الثاني بحرف الجر وهو كلمة عن او من مذكورة كانت كما في قولك منعته من الأمر او محذوفة كما في الآية اى

стр. 208

من ان يسبح ويقدس ويصلى له فيها وَسَعى اى عمل فِي خَرابِها بالهدم والخراب اسم للتخريب كالسلام اسم للتسليم وأصله الثلم والتفريق أُولئِكَ المانعون ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ اى ما كان ينبغى لهم ان يدخلوها الا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ اى خزى فظيع لا يوصف كالقتل والسبي في حق اهل الحرب والاذلال بضرب الجزية في حق اهل الذمة او هو فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو عذاب النار الذي لا ينقطع لما ان سببه ايضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك في العظم وقيل نزلت الآية فى مشركى العرب الذين منعوا رسول الله ﷺ عن الدعاء الى الله تعالى بمكة والجأوه الى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له ﵇ ولاصحابه ان يذكروا الله في المسجد الحرام وايضا انهم صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب اليه من المدينة عام الحديبية وهي السنة السادسة من الهجرة والحديبية موضع على طريق مكة فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه المسجد الحرام فالمراد بالخراب في قوله وسعى فى خرابها تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة دون تخريبه وهدمه حقيقة وجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبا له لان المقصود من بنائه انما هو الذكر والعبادة فيه فمادام لم يترتب عليه هذا المقصود من بنائه صار كأنه هدم وخرب او لم يبن من أصله فان عمارة المسجد كما تكون ببنائه وإصلاحه تكون ايضا بحضوره ولزومه يقال فلان يعمر مسجد فلان إذا كان يحضره ويلزمه ويقال لسكان السموات من الملائكة عمارها قال النبي ﷺ (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان) وذلك لقوله تعالى إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فجعل حضور المساجد عمارة لها قال على ﵁ ست من المروءة ثلاث في الحضر وثلاث فى السفر فاما اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مسجد الله واتخاذ الاخوان فى الله واما اللاتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصى الله وعد من علامات الساعة تطويل المنارات وتنقيش المساجد وتزيينها وتخريبها عن ذكر الله تعالى فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة واظهار شعائر الإسلام أقبح سيئة لا سيما إذا اقترن بفتح أبواب بيوت الخمر وإغلاق أبواب المكاتب وغير ذلك ولقد شوهد هذا في اكثر البلاد الرومية فى هذا الزمان فلنبك على غربة الدين ايها الاخوان قال القشيري ﵀ ومن اظلم ممن حرب بالشهوات أوطان العبادات وهي نفوس العابدين وخرب بالمنى والعلاقات أوطان المعرفة وهي قلوب العارفين وخرب بالحظوظ والمساكنات أوطان المحبة وهي أرواح الواجدين وخرب بالتفات الى القربات أوطان المشاهدات وهي أوطان الموحدين ثم في الآية اشارة الى شرف بيت المقدس والمسجد الحرام وفي الحديث (من زار بيت المقدس محتسبا أعطاه الله ثواب الف شهيد وحرم الله جسده على النار ومن زار عالما فكأنما زار بيت المقدس) كذا في مشكاة الأنوار وذكر في القنية ان أعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فانها أخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها

стр. 209

إذا لم يكن لها امام معلوم ومؤذن ثم مساجد البيوت فانه لا يجوز الاعتكاف فيها الا للنساء انتهى قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا مقام اشرف من الجامع الكبير ببروسة بعد الكعبة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وقال كان هو موضع بيت عجوز آمنت بنوح النبي ﵇ فحفظها الله من الطوفان في ذلك البيت حين لم تدرك السفينة هكذا ظهر لبعض اهل الله بطريق الكشف ومن اشتغل فيه صانه الله من طوفان الغفلة وقال ايضا الاشغال في مكة يوما يقوم مقام الاشتغال في سائر البلاد سنة بشرط رعاية آدابها قال وفي بلادنا للشغل موضعان أحدهما جامع السيد البخاري ببلدة بروسة والآخر مقام ابى أيوب الأنصاري بقسطنطينية عابدان اندر نماز وعارفان اندر نياز ... عاشقان از شوق وصل يار در سوز وگداز اللهم جعلنا من المشغولين بك وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يريد بهما ناحيتى الأرض إذ لا وجه لارادة موضعى الشروق والغروب بخصوصهما اى له الأرض كلها لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان فان منعتم ان تصلوا في المسجد الحرام او الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فَأَيْنَما تُوَلُّوا اى ففى أي مكان فعلتم تولية وجوهكم القبلة قال الامام ولى إذا اقبل وولى إذا أدبر وهو من الاضداد والمراد هاهنا الإقبال فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى هناك جهته التي امر بها ورضيها قبلة فان إمكان التولية غير مختص بمسجد دون مسجد او مكان دون آخر او فثمة ذاته بمعنى الحضور العلمي فيكون الوجه مجازا من قبيل اطلاق اسم الجزء على الكل والمعنى ففى أي مكان فعلتم التولية فهو موجود فيه يمكنكم الوصول اليه إذ ليس هو جوهرا او عرضا حتى يكون بكونه في جانب مفرغا جانبا ولما امتنع عليه ان يكون فى مكان أريد ان علمه محيط بما يكون في جميع الأماكن والنواحي اى فهو عالم بما يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك وفي الحديث (لو انكم دليتم بحبل الى الأرض السفلى لهبط على الله) معناه ان علم الله شمل جميع الأقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول فى الأماكن لانه كان قبل ان يحدث الأماكن كذا في المقاصد الحسنة واعلم ان اين شرط فى الامكنة وهو هاهنا منصوب بتولوا وما مزيدة للتأكيد وثم ظرف مكان بمنزلة هناك تقول لما قرب من المكان هنا ولما بعد ثم وهناك وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على انها جواب الشرط إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ بإحاطته بالأشياء ملكا وخلقا فيكون تذييلا لقوله ولله المشرق والمغرب وكذا ان فسرت السعة بسعة الرحمة فان قوله ولله المشرق والمغرب لما اشتمل على معنى قولنا لا تختص العبادة والصلاة ببعض المساجد بل الأرض كلها مسجد لكم فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها فهم منه انه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده في دينهم لا يضطرهم الى ما يعجزون عن ادائه والمقصود التوسعة على عباده والتيسير عليهم في كل ما يحتاجون اليه فيدخل فيه التوسعة في امر القبلة دخولا اولويا وهذا التعميم مستفاد من اطلاق واسع حيث لم يقيد بشئ دون شىء قال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى الواسع مشتق من السعة والسعة تضاف مرة الى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة وتضاف اخرى الى الإحسان وبسط

стр. 210

النعم وكيفما قدر وعلى أي شىء نزل فالواسع المطلق هو الله تعالى لانه ان نظر الى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته وان نظر الى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وان عظمت فتنتهى الى طرف والذي لا يتناهى الى طرف فهو أحق باسم السعة والله تعالى هو الواسع المطلق لان كل واسع بالاضافة الى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهى الى طرف فالزيادة عليها متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة وسعة العبد فى معارفه وأخلاقه فان كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وان اتسعت أخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسود وغلبة الحرص وسائر الصفات المذمومة فهو واسع وكل ذلك فهو الى نهاية وانما الواسع المطلق هو الله تعالى: قال في المثنوى اى سگ گرگين زشت از حرص وجوش ... پوستين شير را بر خود مپوش غره شيرت بخواهد امتحان ... نقش شير وانكه اخلاق سگان عَلِيمٌ بمصالحهم وأعمالهم كلها وهذا لا يخلو عن إفادة التهديد ليكون المصلى على حذر من التفريط والتساهل كما انه يتضمن الوعد بتوفية ثواب المصلين في جميع الأماكن فقد ظهر ان هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ الآية وان المعنى ان بلاد الله ايها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله ان تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من ارضه وقال مجاهد والحسن لما نزل وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا اين ندعوه فأنزل الله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ بلا جهة وتحيز ان قيل ما معنى رفع الأيدي الى السماء عند الدعاء مع انه تعالى منزه عن الجهة والمكان قلنا ان الأنبياء والأولياء قاطبة فعلوا كذلك لا بمعنى ان الله في مكان بل بمعنى ان خزائنه تعالى في السماء كما قال تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ وقال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فالعرش مظهر لاستواء الصفة الرحمانية فرفع الأيدي إذا الى السماء والنظر إليها وقت الدعاء بمنزلة ان يشير سائل الى الخزينة السلطانية ثم يطلب من السلطان ان يعطى له عطاء من تلك الخزينة- يروى- ان امام الحرمين رفع الله درجته في الدارين نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والأكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه تعالى عن المكان وهو قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال الدليل عليه قول يونس ﵇ فى بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام هاهنا فقير مديون بألف درهم أد عنه دينه حتى أبينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله ﷺ لما ذهب في المعراج الى ما شاء الله من العلى قال (لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ولما ابتلى يونس ﵇ بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال (لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين) فكل منهما خاطبه بقوله أنت وهو خطاب الحضور فلو كان هو في مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان وفي الحديث (لا تفضلونى على يونس بن متى فانه رأى في بطن الحوت ما رأيته في أعلى العرش) يشير ﵇ بذلك الى ما وقع له وليونس ﵇ من تجلى الذات وقيل نزلت

стр. 211

الآية لما طعن اليهود في نسخ القبلة- روى- انه ﵇ كان يصلى بمكة مع أصحابه الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة امره الله ان يصلى نحو بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهرا وكان يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم وأقدم القبلتين وادعى للقرب الى الايمان كما قال الله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها وذلك في مسجد بنى سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فتحول في الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة أنكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من الله تعالى كما قال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اللهم اهدنا وسددنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقا ان يعتصم بالله ويدور مع الأمر الإلهي حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفهمه القاصر ويتعلم الأدب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر الى امر الله فاكرمه الله بإعطاء مرامه وفضله على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعلم ان الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق اما الطائفة الاولى فقد عرفت ان التحويلة من الكعبة الى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة اعنى مقام القلب الى مقام المشاهدة اعنى مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس الى الكعبة بعد ابعد القرب ونزولا بعد العروج وظنوا ضياع السعى الى المقام الأشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا انه صورة الرجوع الى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع في عين التفصيل والتفصيل في عين الجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة واما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الاولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا واما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا الى ما هو الصواب فوصلوا الى التوحيد الذاتي المحمدي اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الأنبياء والمرسلين وقال اهل التأويل وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى عالم النور والظهور الذي هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذي هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره فَأَيْنَما تُوَلُّوا اى أي جهة توجهوا من الظاهر والباطن فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية إذ بعد الاشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره واحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأى جهة توجهوا حينئذ فثم وجهه ليس الا هو وحده: قال الحافظ ميان كعبه وبتخانه هيچ فرقى نيست ... بهر طرف كه نظر ميكنى برابر اوست واعلم ان شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل الا بالتجلى العيني بعد العلمي قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وإذا امر بالإرشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى ان موسى عليه السلام

стр. 212

لما وصل الى الطور لاقتباس النار لاهله نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتجلى الربوبية اولا ثم قيل فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وهما الطبيعة والنفس امر بتركهما ثم قيل وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي فتجلى الالوهية ثم بعدهما تجلى الذات وامر بإرشاد فرعون فترك اهله هناك ولم يلتفت وجاء الى فرعون وكان دخوله بمصر في نصف الليل فدق باب فرعون بعصاه امتثالا لامر الله تعالى قيل انه شابت لحية فرعون في ذلك الوقت بمهابة دقه فقال أكنت وليدا مربى عندنا قال موسى نعم ولذلك دعوتك قبل الكل لسبق حقك على رعاية له فأرادوا قتله فألقى عصاه فصارت ثعبانا مبينا فبينا عزم على ابتلاعهم فاستأمنوا فأعطاهم الامان وكان يريد أن يؤمن ولكنه منعه هامان فبعد دعوة فرعون جاء الى اهله فوجدها قد وضعت الحمل فاحاطتها ذئاب من أطرافها لمحافظتها فلم يقدر ان بمر من هنا مار فانظر الى قدرة الله تعالى- روى- ان الامام الأعظم والهمام الأقدم ﵀ لم يشتغل بالدعوة الى مذهبه الا بالاشارة النبوية في المنام بعد ما قصد الا نزواء فهذا اعدل دليل الى وصوله الى الحقيقة وكان يقوم كل الليل وسمع ﵀ هاتفا في الكعبة ان يا أبا حنيفة أخلصت خدمتى وأحسنت معرفتى فقد غفرت لك ولمن تبعك الى قيام الساعة كذا في عين العلم للشيخ محمد البلخي ﵀ وعن بعض العارفين قبلة البشر الكعبة وقبلة اهل السماء البيت المعمور وقبلة الكروبيين الكرسي وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله وَقالُوا نزلت لما قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ومشركوا العرب الملائكة بنات الله فضمير قالوا راجع الى الفرق الثلاث المذكورة سابقا اما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا واما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ اى قال اليهود والنصارى وما شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً الاتخاذ اما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى الا الى واحد واما بمعنى التصيير والمفعول الاول محذوف اى صير بعض مخلوقاته ولدا وادعى انه ولده لا انه ولده حقيقة وكما يستحيل عليه تعالى ان يلد حقيقة كذا يستحيل عليه التبني واتخاذ الولد فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا في حقه فقال سُبْحانَهُ تنزيهه والأصل سبحه سبحانا على انه مصدر بمعنى التسبيح وهو التنزيه اى منزه عن السبب المقتضى للولد وهو الاحتياج الى من يعينه في حياته ويقوم مقامه بعد مماته وعما يقتضيه الولد وهو التشبيه فان الولد لا يكون الا من جنس والده فكيف يكون للحق سبحانه ولد وهو لا يشبهه شىء: قال في المثنوى لم يلد لم يولد است او از قدم ... نى پدر دارد نه فرزند ونه عم بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رد لما قالوه واستدلال على فساده فان الاضراب عن قول المبطلين معناه الرد والإنكار وفي الوسيط بل اى ليس الأمر كما زعموا والمعنى انه خالق ما في السموات والأرض جميعا الذي يدخل فيه الملائكة وعزير والمسيح دخولا أوليا فكان المستفاد من الدليل امتناع ان يكون شىء ما مما في السموات والأرض ولدا سواء كان ذلك ما زعموا انه ولد له أم لا كُلٌّ اى كل ما فيهما كائنا ما كان من اولى العلم وغيرهم لَهُ

стр. 213

اى لله قانِتُونَ منقادون لا يمتنع شىء منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لانه من حق الولد ان يجانس والده وانما عبر عن جميع الموجودات اولا بما يعبر به عن غير ذوى العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولدا لله سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى هو مبدعهما على ان البديع بمعنى المبدع وهو الذي يبدع الأشياء اى يحدثها او ينشئها على غير مثال سبق والإبداع اختراع الشيء لا عن شىء دفعة اى من غير مادة ومدة وسمى صاحب الهوى مبتدعا لما لم يسبقه أحد من ارباب الشرع في إنشاء مثل ما فعله او المعنى بديع سمواته وارضه فعلى الاول من أبدع والاضافة معنوية وعلى الثاني من بدع إذا كان على شكل فائق وحسن رائق والاضافة لفظية وهو حجة اخرى لابطال مقالتهم الشنعاء تقريرها ان الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدا ومن قدر على خلق السموات والأرض من غير شىء كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير اب وَإِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيأ واصل القضاء الاحكام اطلق على ارادة الالهية المتعلقة بوجود الشيء لايجابها إياه البتة فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اى يحصل في الوجود سريعا من غير توقف ولا اباء كلاهما من كان التامة اى أحدث فيحدث واعلم ان اهل السنة لا يرون تعلق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو كن بل وجودها متعلق بخلقه وإيجاده وتكوينه وهو صفة ازلية وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المخلوق بايجاده وكمال قدرته على ذلك لكن لا يتعلق علم أحد بكيفية تعلق القدرة بالمعدومات فيجب الإمساك عن بحثها وكذا عن بحث كيفية وجود الباري وكيفية العذاب بعد الموت وأمثالها فانها من الغوامض ثم اعلم ان السبب في هذه الضلالة وهي نسبة الولد الى الله والقول بانه اتخذ ولدا ان ارباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على الباري تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله حتى قالوا ان الأب هو الرب الأصغر وان الله تعالى هو الأب الأكبر وكانوا يريدون بذلك انه تعالى هو السبب الاول في وجود الإنسان وان الأب هو السبب الأخير في وجوده فان الأب هو معبود الابن من وجه اى مخدومه ثم ظنت الجهلة منهم ان المراد به معنى الولادة الطبيعية فاعتقدوا ذلك تقليدا ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا اى سواء قصد به معنى السببية او معنى الولادة الطبيعية حسما لمادة الفساد واتخاذ الحبيب او الخليل جائز من الله تعالى لان المحبة تقع على غير جوهر المحب قالوا اوحى الله تعالى الى عيسى ﵇ ولدتك وأنت نبى فخفف النصارى التشديد الذي في ولدتك لانه من التوليد وصحفوا بعض إعجام النبي بتقديم الباء على النون فقالوا ولدتك وأنت بنيى تعالى الله عما يقول الظالمون وقال تعالى يا احبارى ويا أبناء رسلى فغيره اليهود وقالوا يا احبائى ويا ابنائى فكذبهم الله بقوله وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فالله سبحانه منزه عن الحدود والجهات ومتعال عن الأزواج والبنين والبنات ليس كمثله شىء في الأرض ولا في السموات قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى (كذبنى ابن آدم) اى نسبنى الى الكذب

стр. 214

(ولم يكن له ذلك) اى لم يكن التكذيب لائقابه بل كان خطأ (وشتمنى ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه إياي فزعم ان لا اقدر ان اعبده كما كان واما شتمه إياي فقوله لى ولد فسبحانى ان اتخذ صاحبة او ولدا) وانما كان هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون في المركب وكل مركب محتاج فان قلت قولهم اتخذ الله تكذيب ايضا لانه تعالى اخبر انه لا ولد له وقولهم لن يعيدنا شتم ايضا لانه نسبة له الى العجز فلم خص أحدهما بالشتم والآخر بالتكذيب قلت نفى الاعادة نفى صفة كمال واتخاذ الولد اثبات صفة نقصان له والشتم افحش من التكذيب والكذب على الله فوق الكذب على النبي ﵇ وفي الحديث (ان كذبا على ليس ككذب على أحد) يعنى الكذب على النبي أعظم انواع الكذب سوى الكذب على الله لان الكذب على النبي يؤدى الى هدم قواعد الإسلام وإفساد الشريعة والاحكام (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) فعلى المؤمن ان يجتنب عن الزيغ والضلال واشنع الفعال وأسوأ المقال وان يداوم على التوحيد في الاسحار والآصال الى ان لا يبقى للشرك الخفي ايضا مجال وفي الحديث (لو يعلم الأمير ما له في ذكر الله لترك امارته ولو يعلم التاجر ماله في ذكر الله لترك تجارته ولو ان ثواب تسبيحة قسم على اهل الأرض لأصاب كل واحد منهم عشرة أضعاف الدنيا) وفي الحديث (للمؤمن حصون ثلاثة ذكر الله وقراءة القرآن والمسجد) والمراد بالمسجد مصلاه سواء كان في بيته او في الخارج ولا بد من الصدق والإخلاص حتى يظهر اثر التوحيد في الملك والملكوت: قال في المثنوى هست تسبيحت بخار آب وگل ... مرغ جنت شد ز نفخ صدق دل اللهم أوصلنا الى اليقين وهيئ لنا مقاما من مقامات التمكين آمين وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اى مشركوا العرب الجاهلون حقيقة او اهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم لعدم انتفاعهم بعلمهم لان المقصود هو العمل لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ لولا هنا للتحضيض وحروف التحضيض إذا دخلت على المضي كان معناها التوبيخ واللوم على ترك الفعل بمعنى لم لم يفعله ومعناها في المضارع تحضيض الفاعل على الفعل والطلب له في المضارع بمعنى الأمر والمعنى هلا يكلمنا الله عيانا بانك رسوله كما يكلم الملائكة بلا واسطة او يرسل إلينا ملكا ويكلمنا بواسطة ذلك الملك انك رسوله كما كلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه وهذا القول من الجهلة استكبار يعنون به نحن عظماء كالملائكة والنبيين فلم اختصوا به دوننا أَوْ للتخيير تَأْتِينا آيَةٌ حجة تدل على صدقك وهذا جحود منهم لان يكون ما أتاهم من القرآن وسائر المعجزات آيات والجحود هو الإنكار مع العلم والعجب انهم عظموا أنفسهم وهي احقر الأشياء واستهانوا بآيات الله وهي أعظمها كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الماضية مِثْلَ قَوْلِهِمْ فقال اليهود لموسى ﵇ أرنا الله جهرة ولن نصبر على طعام واحد ونحوه وقال النصارى لعيسى ﵇ هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ونحوه وقوله كذلك قال مع قوله مثل قولهم على تشبيهين تشبيه المقول بالمقول في المؤدى والمحصول وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رؤية بل بمجرد التشهي واتباع الهوى

стр. 215

والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الإرشاد وقصد الجدوى والكاف في كذلك منصوب المحل على انه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق اى قال كفار الأمم الماضية مثل ذلك القول الذي قالوه قولا مثل قولهم فيما ذكر فظهر ان أحد التشبيهين لا يغنى عن الآخر تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ اى تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فان الالسنة ترجمان القلوب والقلب ان استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجرى على اللسان الا ما ينبئ عن التعلل والتباعد عن الايمان كما قيل مرد پنهان بود بزير زبان ... چون بگويد سخن بدانندش خوب گويد لبيب گويندش ... زشت گويد سفيه خوانندش قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ اى نزلناها بينة بان جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا انا بيناها بعد ان لم تكن بينة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اى يطلبون اليقين واليقين ابلغ العلم واوكده بان يكون جازما اى غير محتمل للنقيض وثابتا اى غير زائل بالتشكيك بعد ان يكون مطابقا للواقع فالايقان هنا مجاز عن طلب اليقين على طريق ذكر المسبب وارادة السبب ولا بعد في نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وانما حمل على المجاز لان الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج الى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل إِنَّا أَرْسَلْناكَ حال كونك ملتبسا بِالْحَقِّ مؤيدا به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها الى الحق بَشِيراً حال كونك مبشرا لمن اتبعك بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب أحد وَنَذِيراً اى منذرا ومخوفا لمن كفر بك وعصاك والمعنى ان شأنك بعد اظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس الا الدعوة والا بلاغ بالتبشير والانذار لا أن تجبرهم على القبول والايمان فلا عليك ان أصروا على الكفر والعناد فان الأحوال أوصاف لذى الحال والأوصاف مقيدة للموصوف وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ما لهم لم يؤمنوا بعد ان بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرئ ولا تسأل بفتح التاء وجزم اللام على انه نهى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روى انه ﵇ قال (ليت شعرى ما فعل أبواي) اى ما فعل بهما والى أي حال انتهى أمرهما فنزلت واعلم ان السلف اختلفوا في ان أبوي النبي ﷺ هل ماتا على الكفر او لا ذهب الى الثاني جماعة متمسكين بالادلة على طهارة نسبه ﵊ من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنما وان كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول ابراهيم ﵇ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وقوله تعالى فى حق ابراهيم وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ وذهب الى الاول جمع منهم صاحب التيسير حيث قال ولما امر رسول الله ﷺ بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال يا رسول الله اين والدي فقال في النار فحزن الرجل فقال ﵇ (ان والديك ووالدي ووالدي ابراهيم في النار) فنزل قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
следующие страницы →