فان وقت الصفاء يقتضى نسيان الجفاء وايضا إذا تجلى الحق للسالك ورأى كل شىء هالكا الا وجهه فنى الذوات كلها فما ظنك بالأعمال والله تعالى تواب يقبل التوبة الا ان يكون العبد كذوبا- يحكى- ان مالك ابن دينار مر بشابين يلهوان فوعظهما فقال أحدهما انا اسد من الأسود فقال مالك سيأتيك اسد تكون عنده ثعلبا فمرض الشاب وعاده مالك فبكى الشاب وقال قد جاء الأسد الذي صرت عنده ثعلبا فقال مالك تب الى الله تعالى فانه تواب فنودى من زاوية البيت جربناه مرارا فوجدناه كذوبا: وفى المثنوى
توبه آرند وخدا توبه پذير ... امر او كيرند او نعم الأمير
قالُوا استئناف بيانى يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه اى لا نعرف ولا نفهم كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ اى كل ما تقول من التوحيد ومن إيفاء الكيل والوزن وغير ذلك كما فى قوله تعالى وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا اى كلهم على أحد الوجهين وذلك استهانة بكلامه واحتقارا به كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه ما ندرى ما تقول والا فشعيب كان يخاطبهم بلسانهم وهم يفهمون كلامه لكن لما كان دعاؤه الى شىء خلاف ما كانوا عليه وآباؤهم قالوا ما قالوا وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا اى فيما بيننا ضَعِيفاً هو فى المشهور من ليس له قوة جسمانية اى لا قوة لك فتمتنع منا ان أردنا بك سوءا او مهينا لاعز لك وهذا لا يتعلق بالقوة الجسمانية فان ضعيف الجسم قد يكون وافر الحرمة بين الناس وهو الظاهر لان الكفرة كانوا يزدرون بالأنبياء وباتباعهم المؤمنين وفى التأويلات النجمية ضَعِيفاً اى ضعيف الرأى ناقص العقل وذلك لانه كما يرى العاقل السفيه ضعيف الرأى يرى السفيه العاقل ضعيف الرأى وَلَوْلا رَهْطُكَ ولولا حرمة قومك ومراعاة جانبهم وقالوا ذلك كرامة لقومه لانهم كانوا على دينهم لا خوفا منهم لان الرهط من الثلاثة الى السبعة او التسعة او العشرة وهم ألوف فكيف يخافون من رهطه لَرَجَمْناكَ لقتلناك برمى الحجارة وقد يوضع الرجم موضع القتل وان لم يكن بالحجارة من حيث انه سببه ولان أول القتل وهو قتل قابيل هابيل لما كان بالحجارة سمى كل قتل رجما وان لم يكن بها قال عمر رضى الله عنه تعلموا انسابكم تعرفوا بها أصولكم وتصلحوا بها أرحامكم. قالوا ولو لم يكن فى معرفة الأنساب الا الاحتراز بها من صولة الأعداء ومنازعة الأكفاء لكان تعلمها من احزم الرأى وأفضل الصواب ألا ترى الى قول قوم شعيب ولولا رهطك لرجمناك فابقوا عليه لرهطه يقال أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه ورحمته وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ مكرم محترم حتى تمنعنا عزتك من رجمك بل رهطك هم الاعزة علينا لكونهم من اهل ديننا فانما نكف عنك للمحافظة على حرمتهم وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد وتقديم الفاعل المعنوي لافادة الحصر والاختصاص وان كان الخبر صفة لا فعلا وعلينا متعلق بعزيز وجاز لكون المعمول ظرفا والباء مزيدة وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من كان على الله بعزيز فانه ليس على الجاهل بعزيز انتهى أقول وذلك لان العزة والشرف عند الجهلاء بالجاه والمال لا بالدين والكمال وقد قال النبي ﵇ (ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم بل ينظر الى قلوبكم وأعمالكم) يعنى إذا كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونون مقبولين مطلقا سواء كانت لكم صور حسنة واموال فاخرة أم لا والا فلا: وفى المثنوى
стр. 1647
وقت بازي كودكان را ز اختلال ... مى نمايد اين خزفها زر ومال «١»
عارفانش كيميا كر كشته اند ... تا كه شد كانها پريشان ونژند
باغها وقصرها وآب رود ... پيش چشم از عشق كلخن مى نمود «٢»
قالَ شعيب فى جوابهم يا قَوْمِ أَرَهْطِي [أيا عشيره وقوم من] وهمزة الاستفهام للانكار والتوبيخ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ [عزيز ترند بر شما ودوسترند نزد شما] مِنَ اللَّهِ كان الظاهر ان يقال منى الا انه قيل من الله للايذان بان تهاونهم به وهو نبى الله تهاون بالله تعالى وانما أنكر عليهم اعزية رهطه منه تعالى مع ان ما أثبتوه انما هو مطلق عزة رهطه لا اعزيتهم منه تعالى مع الاشتراك فى اصل العزة لتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم اولا بترجيح جنب الله تعالى وثانيا بنفي العزة بالمرة. والمعنى أرهطى أعز عليكم من الله تعالى فانه مما لا يكاد يصح والحال انكم لم تجعلوا له حظا من العزة أصلا وَاتَّخَذْتُمُوهُ اى الله تعالى وَراءَكُمْ [از پس پشت خود] ظِهْرِيًّا [همچومرد فراموش شده] اى شيأ منبوذا وراء الظهر منسيالا يبالى به اى جعلتموه مثله باشراككم به والاهانة برسوله فلا تبقون على الله وتبقون على رهطى اى فلا تحفظوننى ولا ترحموننى لله وتراعون نسبة قرابتى الى الرهط وتضيعون نسبتى الى الله بالنبوة فكأنكم زعمتم ان القوم أعز من الله حيث تزعمون انكم تركتم قتلى إكراما لرهطى والله اولى بان يتبع امره كأنه يقول حفظكم إياي فى الله اولى منه فى رهطى والعرب تقول لكل مالا يعبأ بامره قد جعل فلان هذا الأمر بظهره فالظهرى منسوب الى الظهر والكسر لتغيير النسب كقولهم فى النسبة الى أمس امسىّ بكسر الهمزة والى الدهر دهرى بضم الدال إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال السيئة التي من جملتها عدم مراعاتكم لجانبه مُحِيطٌ لا يخفى عليه منها خافية وان جعلتموه منسيا فيجازيكم عليها والإحاطة ادراك الشيء بكماله واحاطة الله بالأعمال مجاز وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ مصدر من مكن مكانة فهو مكين إذا تمكن ابلغ التمكن والجار والمجرور فى موقع النصب على الحال. والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة كل ما فى وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور الى او بمعنى المكان كمقام ومقامة فاستعيرت من العين للمعنى كما يستعار حيث للزمان وهو للمكان. والمعنى على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من الشرك والعداوة لى إِنِّي ايضا عامِلٌ على مكانتى فحذف للاختصار اى عامل بقدر ما آتاني الله من القدرة وعلى حسب ما يؤتينى الله من النصرة والتأييد فكأنهم قالوا ماذا يكون إذا عملنا على قوتنا فقال سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ استفهام اى أينا او موصولة اى تعرفون الذي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يذله ويهينه وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ عطف على من يأتيه لما اوعدوه وكذبوه أراد ان يدفع ذلك عن نفسه ويلحقه بهم فسلك سبيل إرخاء العنان لهم وقال سَوْفَ تَعْلَمُونَ من المعذب والكاذب منى ومنكم وأينا الحانى على نفسه والمخطئ فى فعله يريد ان المعذب والكاذب أنتم لا انا وَارْتَقِبُوا اى انتظروا مآل ما أقول لكم سيظهر صدقه إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ منتظر فعيل بمعنى الراقب وكان شعيب ﵇ يسمى خطيب الأنبياء لحسن محاورته مع قومه وكمال اقتداره فى مراجعته
стр. 1648
جوابهم وكان كثير البكاء حتى عمى ثم رد الله عليه ﵇ بصره فاوحى اليه يا شعيب ما هذا البكاء أشوقا الى الجنة أم خوفا من النار فقال الهى وسيدى انك تعلم انى ما ابكى شوقا الى الجنة ولا خوفا من النار ولكن اعتقدت حبك بقلبي فاذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي فاوحى الله تعالى يا شعيب ان يكن ذلك حقا فهنيئا لك لقائى يا شعيب لذلك اخدمتك موسى بن عمران كليمى: قال المولى الجامى
زهاد خلد خواهد وأوباش عيش نقد ... ما خود بدولت غمت از هر دو رسته ايم
وهذه حال المقربين فانهم جعلوا الله تعالى بين أعينهم وجعلوا الخلق وراء ظهورهم خلاف ما عليه اهل الغفلة فلم يلتفتوا الى شىء من الكونين حبا لله تعالى وقصرا للنظر عليه وهم العبيد الأحرار والناس فى حقهم على طبقات فاما اهل الشقاء فلم يعرفوهم من هم ولم يروهم أصلا لانطماس بصيرتهم وعدم استعدادهم لهذا الانكشاف ألا ترى الى قوم شعيب كيف حجبهم كونه أعمى فى الصورة عن رؤية جمال نبوته وظنوا ان لهم ابصارا ولا بصر له ولذا عدوه ضعيفا ولم يعرفوا انهم عمى فى الحقيقة وان أبصارهم الظاهرة لا تستجلب لهم شرفا وان الحق مع اهل الحق سواء ساعده الأسباب الصورية والآلات الظاهرة اولا فان الناس مشتركون فيما يجرى على ظواهرهم من انواع الابتلاء مفترقون فيما يرد على بواطنهم من اصناف النعماء والله تعالى أرسل الأنبياء ﵈ الى الناس الغافلين ليفتحوا عيون بواطنهم من نوم الغفلة ويدعوهم الى الله تعالى ووصاله ولقاء جماله فمن كان له منهم استعداد لهذا الانفتاح رضى بالتربية والإرشاد وقام فى طريق الحق بالسعي والاجتهاد ومن لم يكن له منهم ذلك ابى واستكبر عن أخذ التلقين وامتنع عن الوصول الى حد اليقين فبقى فى الظلمات كالاعمى لا يدرى اين يذهب فيا ايها الاخوان ارجعوا الى ربكم مع القوافل الروحانية فعن قريب ينقطع الطريق ولا يوجد الرفيق ونعم ما قال من قال
خيز دلا مست شو از مى قدسى از آنك ... ما نه درين تيره جام بهر نشست آمديم
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا الذي قدرناه فى الأزل من العذاب والهلاك لقوم شعيب فالامر واحد الأمور نَجَّيْنا شُعَيْباً قدم تنجيته إيذانا بسبق الرحمة التي هى مقتضى الربوبية على الغضب الذي يظهر اثره بموجب الجرائم وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى ونجينا الذي اتبعوا شعيبا فى الايمان وآمنوا كما آمن هو بِرَحْمَةٍ ازلية صدرت مِنَّا فى حقهم ومجرد فضل لا بسبب أعمالهم كما هو مذهب اهل السنة. وقال بعضهم هى الايمان الذي وفقناهم له يقول الفقير وجه هذا القول ان العذاب والهلاك الذي هو من باب العدل قد أضيف الى الكفر والظلم فاقتضى ان يضاف الخلاص والنجاة الذي هو من باب الفضل الى الايمان ولما كان الايمان والعمل الصالح امرا موقوفا على التوفيق كان مجرد فضل ورحمة فافهم وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالاباء والاستكبار عن قبول دعوة شعيب الصَّيْحَةُ فاعل أخذت والمراد صيحة جبرائيل ﵇ بقوله موتوا جميعا. وفى سورة الأعراف فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الزلزلة ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضى إليها عن ابن عباس
стр. 1649
رضى الله عنهما لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد الا قوم شعيب وصالح وذلك انه أصابهم حر شديد فخرجوا الى غيضة لهم فدخلوا فيها فظهرت لهم سحابة كهيئة الظلة فاحدقت بالأشجار وأخذت فيها النار وصاح بهم جبريل ورجفت بهم الأرض فماتوا كلهم واحترقوا فذلك قوله تعالى فَأَصْبَحُوا اى صاروا فِي دِيارِهِمْ بلادهم او مساكنهم جاثِمِينَ ميتين لازمين لاماكنهم لابراح لهم منها اى لا زوال كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها اى لم يقيموا فى ديارهم احياء متصرفين مترددين أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ اى هلاكا لاهل مدين واعلم ان بعدا وسحقا ونحوهما مصادر قد وضعت مواضع افعالها التي لا يستعمل إظهارها. ومعنى بعدا بعدوا اى هلكوا. وقوله لمدين بيان لمن نبه عليه بالبعد نحو هيت لك قال الكاشفى [بدانيد كه هلاكيست قوم مدين را ودورى از رحمت من] كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ اى هلكت شبه هلاكهم بهلاكهم لانهما أهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة كما مر آنفا. والجمهور على كسر العين من بعدت على انها من بعد يبعد بكسر العين فى الماضي وفتحها فى المضارع بمعنى هلك يهلك أرادت العرب ان تفرق بين البعد بمعنى الهلاك وبين البعد الذي هو ضد القرب ففرقوا بينهما بتغيير البناء فقالوا بعد بالضم فى ضد القرب وبعد بالكسر فى ضد السلامة والبعد بالضم والسكون مصدر لهما والبعد بفتحتين انما يستعمل فى مصدر مكسور العين وفى الآية اشارة الى ان الكفرة واهل الهوى أفسدوا الاستعداد الروحاني الفطري فى طلب الدنيا واستيفاء شهواتها والاستكبار عن قبول الحق والهدى وادي تمردهم عن الحق وتماديهم فى الباطل الى الهلاك صورة ومعنى. اما صورة فظاهر. واما معنى فلانهم ابعدوا عن جوار الله وطيب العيش معه الى أسفل سافلين القطيعة فبقوا فى نار الفرقة لا يحيون ولا يموتون وما انتفعوا بحياتهم فصاروا كالاموات وكما ان الصيحة من جبرائيل أهلكتهم فكذا النفخة من شعيب احيت المؤمنين لان أنفاس الأنبياء والأولياء كنفخ اسرافيل فى الاحياء إذا كان المحل صالحا لطرح الروح فيه كجسد الإكسير: قال فى المثنوى
سازد اسرافيل روزى ناله را ... جان دهد پوسيده صد ساله را «١»
هين كه اسرافيل وقتند أوليا ... مرده را ز يشان حياتست ونما
جان هر يك مرده از كور تن ... برجهد ز آواز شان اندر كفن
سركشى از بندگان ذو الجلال ... وانكه دارند از وجود تو ملال «٢»
كهربا دارند چون پيدا كنند ... كاه هستىء ترا شيدا كنند
كهرباى خويش چون پنهان كنند ... زود تسليم ترا طغيان كنند
قد سبق ان قوم شعيب عدوه ضعيفا فيما بينهم وما عرفوا ان الله القوى معه
كر تو پيلى خصم تو از تو رميد ... نك جزا طيرا ابابيلت رسيد «٣»
كر ضعيفى در زمين خواهد أمان ... غلغل افتد در سپاه آسمان
كر بدندانش كزى پر خون كنى ... درد دندانت بگيرد چون كنى
هر پيمبر فرد آمد در جهان ... فرد بود وصد جهانش در نهان «٤»
стр. 1650
ابلهان كفتند مردى بيش نيست ... واى آن كو عاقبت انديش نيست
فعلى الصالحين ان يعتبروا بأحوال الطالحين فانهم قد أخذوا الدنيا وآثروها على الآخرة ثم سلبهم الله أموالهم وديارهم كأن لم ينتفعوا بشئ ولم يقيموا فى دار وعن جابر بن عبد الله انه قال شهدت مجلسا من مجالس رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل ابيض الوجه حسن الشعر واللون عليه ثياب بيض فقال السلام عليك يا رسول الله فقال ﵇ (عليك السلام) فقال يا رسول الله ما الدنيا قال (هى حلم المنام وأهلها مجازون ومعاقبون) قال يا رسول الله وما الآخرة قال (عيش الابد فريق فى الجنة وفريق فى السعير) فقال يا رسول الله فما الجنة قال (بذل الدنيا لطالبها نعيمها لاهلها ابدا) قال فما جهنم قال (بذل الآخرة لطالبها لا يفارقها أهلها ابدا) قال فما خير هذه الامة قال (الذي يعمل بطاعة الله) قال فكيف يكون الرجل فيها قال (مشمرا كطالب القافلة) قال فكم القرار بها قال (كقدر المتخلف عن القافلة) قال فكم ما بين الدنيا والآخرة قال (غمضة عين) قال فذهب الرجل فلم ير فقال رسول الله ﷺ (هذا جبريل أتاكم ليزهدكم فى الدنيا ويرغبكم فى الآخرة) كذا فى تنبيه الغافلين: قال السعدي قدس سره
يكى بر سر كور كل ميسرشت ... كه حاصل كند زان كل كور خشت
بانديشه لختى فرو رفت پير ... كه اى نفس كوته نظر پند كير
چهـ بندى درين خشت زرين دلت ... كه يك روز خشتى كند از كلت
تو غافل در انديشه سود ومال ... كه سرمايه عمر شد پايمال
دل اندر دلارام دنيا مبند ... كه ننشست با كس كه دل بر نكند
بر مرد هشيار دنيا خسست ... كه هر مدتى جاى ديگر كسست
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا اى وبالله لقد أرسلنا مُوسى حال كونه ملتبسا بِآياتِنا التسع التي هى العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الأموال والأنفس وَسُلْطانٍ برهان مُبِينٍ واضح هو من قبيل عطف الصفة مع اتحاد الموصوف اى ولقد أرسلنا موسى بالجامع بين كونه آياتنا وبين كونه سلطانا له على صدق نبوته واضحا فى نفسه او موضحا إياها فان ابان جاء لازما ومتعديا كقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ والفرقان اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل ويجوز ان يراد بسلطان مبين الغلبة والاستيلاء كقوله تعالى وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ اى اشراف قومه ورؤسائه. وتخصيص ملئه بالذكر مع عموم رسالته لقومه كافة لاصالتهم فى الرأى وتدابير الأمور واتباع غيرهم لهم فى الورود والصدور فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ اى امره بالكفر بما جاء به موسى من البينات وأطاعوا قوله حين قال لهم ما علمت لكم من اله غيرى وخالفوا امر موسى بالتوحيد وقبول الحق وانما لم يصرح بكفر فرعون بآيات الله للايذان بوضوح حاله فكان كفره وامر ملئه بذلك محقق الوجود غير محتاج الى الذكر صريحا وانما المحتاج الى ذلك شأن ملئه المترددين بين هاد الى الحق وداع الى الضلال وإيراد الفاء للاشعار
стр. 1651
بمسارعتهم الى الاتباع فكأنه لم يتراخ من الإرسال والتبليغ بل وقعا فى وقت واحد وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ قال الكاشفى [نبود كار فرعون بر نهج رشد وصواب] وقال غيره الرشد مستعمل فى كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغى فى كل ما يذم ويتسخط فهو ضد الغى والرشيد بمعنى المرشد والاسناد مجازى. والمعنى وما هو مرشد الى خير وهو عى محض وضلال صريح وانما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم لا من يضلهم ويغويهم وفيه تجهيل لمتبعيه يَقْدُمُ فى الصحاح قدم بالفتح يقدم قدما اى تقدم وهو استئناف لبيان حاله فى الآخرة قَوْمَهُ جميعا من الاشراف وغيرهم يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يتقدمهم يوم الآخرة الى النار وهم خلفه ويقودهم الى النار كما كانوا يتبعونه فى الدنيا ويقودهم الى الضلال فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ اى يوردهم ويدخلهم فيها. وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع لا محالة لان الماضي متيقن الوجود واعلم ان الورود عبارة عن المجيء الى الماء والا يراد إحضار الغير والمورد الماء فشبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردة الى الماء واتباعه بالواردة والنار بالماء الذي يردونه ثم قيل وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ اى بئس المورد الذي يردونه النار لان الورد انما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك وَأُتْبِعُوا اى الملأ الذين اتبعوا امر فرعون فِي هذِهِ اى فى الدنيا لَعْنَةً لعنة عظيمة حيث لعنهم من بعدهم من الأمم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ اى حيث يلعنهم اهل الموقف قاطبة فهى تابعة لهم حيثما ساروا دائرة معهم أينما داروا فكما اتبعوا امر فرعون اتبعتهم اللعنة فى الدارين جزاء وفاقا او يلعنون ويطردون من رحمة الله تعالى فى الدنيا بالغرق والآخرة بما فيها من عذاب فان كل معذب ملعون مطرود من الرحمة كما ان كل مخذول محروم من التوفيق والعناية كذلك واكتفى ببيان حالهم الفظيع عن بيان حال فرعون إذ حين كان حالهم هكذا فما ظنك بحال من أغواهم وألقاهم فى هذا الضلال البعيد وحيث كان شان الاتباع ان تكون أعوانا للمتبوع جعلت اللعنة رفدا لهم على طريقة التهكم فقيل بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ الرفد قد جاء بمعنى العون وبمعنى العطية والملائم هنا هو الاول قال الزجاج كل شىء جعلته عونا لشئ وأسندت به شيأ فقد رفدته. والمعنى بئس العون المعان رفدهم وهى اللعنة فى الدارين وذلك ان اللعنة فى الدنيا رفد للعذاب ومددله وقد رفدت باللعنة فى الآخرة. وفى الآية بيان شقاء فرعون وانه لم ينفعه إيمانه حين الغرق ولو نفعه لما كان قائد قومه الى النار وفى الفتوحات فى الباب الثاني والستين المجرمون اربع طوائف كلها فى النار لا يخرجون منها وهم المتكبرون على الله تعالى كفرعون وأمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن الله تعالى فقال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي وقال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى يريد انه ليس فى السماء اله غيرى وكذلك نمرود وغيره وقال فى الفتوحات فى موضع آخر هو معتقدى وغير هذا قلت على سبيل البحث والاستكشاف انتهى وعلى هذا يحمل ما فى فصوص الحكم من كونه مقبوضا على الطهارة فتدبر وامسك لسانك عن الشيخ فان لكلمات الكبار محامل كثيرة والقرآن لا ينقضى عجائبه وهى بكر بالنسبة الى ارباب الرسوم هدانا الله وإياكم الى حقيقة العلم والعمل
стр. 1652
وأرشدنا وإياكم الى طريقة الكمل وفى الآية ايضا ذم لاتباع اهل الهوى وصحبة اهل الفسق فان العرق دساس والطبع جذاب والمقارنة مؤثرة والأمراض سارية
اى فغان از يار ناجنس اى فغان ... همنشين نيك جوئيد اى مهان
وفى الحديث (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم او جامعهم فهو منهم وليس منا) اى لا تسكنوا مع المشركين فى المسكن الواحد ولا تجتمعوا معهم فى المجلس الواحد حتى لا يسرى إليكم اخلاقهم الخبيثة وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة فقوم فرعون لما اتبعوا فرعون أوردهم النار ولو اتبعوا موسى لاوردهم الجنة: وفى المثنوى
اى خنك آن مرده كز خود رسته شد ... در وجود زنده پيوسته شد
سيل چون آمد بدريا بحر كشت ... دانه چون آمد بمزرع كشت كشت
چون تعلق يافت نان بأبو البشر ... نان مرده زنده كشت وبا خبر
موم وهيزم چون فداى نار شد ... ذات ظلمانئ او أنوار شد
سنگ سرمه چونكه شد در ديدگان ... كشت بينائى شد آنجا ديده بان
واى آن زنده كه با مرده نشست ... مرده كشت وزندگى از وى بجست
ذلِكَ اى الخبر السابق با محمد مِنْ أَنْباءِ الْقُرى بعض انباء القرى المهلكة بما جنت أيدي أهلها نَقُصُّهُ عَلَيْكَ خبر بعد خبر اى مقصوص عليك ليكون فيه دلائل نبوتك مِنْها اى من تلك القرى قائِمٌ باق اثره وجدرانه كالزرع القائم على ساقه مثل ديار عاد وثمود وَحَصِيدٌ مبتدأ حذف خبره اى ومنها عافى الأثر كالزرع المحصود مثل بلاد قوم نوح ولوط وقال الكاشفى [قائم باقيست وآبادان وحصيد مفقود است يا خراب] وفى التأويلات النجمية من الأجساد ما هو قائم قابل لتدارك ما فات عنها وإصلاح ما أفسد النفس منها ومنها و؟؟؟ هو محصود بمحصد الموت مأيوس من التدارك وَما ظَلَمْناهُمْ باهلاكنا إياهم والضمير الى الأهل المحذوف المضاف الى القرى وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بارتكاب ما يوجب الهلاك من الشرك وغيره فانهم أكلوا رزق الله وعبدوا غيره وكذبوا رسله. وفيه اشارة الى انه تعالى أعطاهم استعدادا روحانيا وآلة لتحصيل كمالات لا يدركها الملائكة المقربون فاستعملوا تلك الآلة على وفق الطبيعة لا على حكم الشريعة فعبدوا طاغوت الهوى ووثن الدنيا وأصنام شهواتها فجاءهم الهلاك من أيدي الأسماء الجلالية فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ ما نافية اى فما نفعتهم ولا قدرت ان ترد بأس الله عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ اى يعبدون وهى حكاية حال ماضية وانما أريد بالدعاء العبادة لانه منها ومن وسائطها ومنه قوله ﵇ (الدعاء هو العبادة) مِنْ دُونِ اللَّهِ اى حال كونهم متجاوزين عبادة الله مِنْ شَيْءٍ فى موضع المصدر اى شيأ من الإغناء وهو القليل منه لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ منصوب باغنت اى حين مجيئ عذابه ونقمته وهى المكافاة بالعقوبة وَما زادُوهُمْ الضمير المرفوع للاصنام والمنصوب لعبدتها وعبر عن الأصنام بواو العقلاء لانهم نزلوها منزلة العقلاء فى عبادتهم إياها واعتقادهم انها تنفع غَيْرَ تَتْبِيبٍ من تب إذا هلك وخسر وتبه غيره إذا
стр. 1653
أهلكه اواقعه فى الخسران اى غير إهلاك وتخسير فانهم انما هلكوا وخسروا بسبب عبادتهم لها وكانوا يعتقدون فى الأصنام جلب المنافع ودفع المضار فزال عنهم بسبب ذلك الاعتقاد منافع الدنيا والآخرة وجلب ذلك إليهم مضار الدنيا والآخرة وذلك من أعظم الهلاك وأشد الخسران وَكَذلِكَ الكاف فى محل الرفع على انها خبر مقدم للمصدر المذكور بعده اى مثل ذلك الاخذ الذي مر بيانه أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى اى أهلها وانما أسند إليها للاشعار بسريان اثره إليها وَهِيَ ظالِمَةٌ حال من القرى وهى فى الحقيقة لاهلها لكنها لما أقيمت مقامهم فى الاخذ أجريت الحال عليها وفائدتها الاشعار بانهم أخذوا بظلمهم وكفرهم ليكون ذلك عبرة لكل ظالم إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
اى عقوبة مؤلمة شديدة صعبة على المأخوذ والمعاقب لا يرجى منها الخلاص وعن ابى موسى رضى الله عنه انه قال قال رسول الله ﷺ (ان الله ليملى للظالم حتى إذا اخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك) الآية
كسى كر صرصر ظلمش دمادم ... چراغ عيش مظلومان بميرد
نميترسد از ان كايزد تعالى ... اگر چهـ دير گيرد سخت گيرد
والله تعالى لا يجير الظالم ولكن يمهله ويكله الى نفسه فمن امارية نفسه يظلم على نفسه وعلى نفس غيره فيؤاخذه الله تعالى بظلمه عدلا منه ولكنه إذا نظر بفضله ورحمته الى عبد بنظر العناية يزيل بنور العناية ظلمات امارية نفسه فتصير نفسه مأمورة لامر الشريعة فلا يعمل الا للنجاة من عذاب الآخرة ونيل الدرجات والقربات فعلى كل من أذنب ان يحذر أخذ ربه فيبادر الى التوبة ويترك التسويف فانه ورد (هلك المسوفون)
قبول توبه بر رب كريمست ... فعجل ان فى التأخير آفات
إِنَّ فِي ذلِكَ اى فيما نزل بالأمم الهالكة بذنوبهم او فيما قصه الله من قصصهم لَآيَةً لعبرة بينة وموعظة بالغة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ اى أقربه وآمن لانه يعتبر به حيث يستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسبب ما عملوا من السيئات على احوال عذاب الآخرة واما من أنكر الآخرة وأحال فناء العالم ولم يقل بالفاعل المختار وجعل تلك الوقائع لاسباب فلكية اتفقت فى تلك الأيام لا لذنوب المهلكين فهو بمعزل من هذا الاعتبار تبالهم ولما لهم من الافكار: قال الحافظ
سير سپهر ودور قمر را چهـ اختيار ... در گردشند بر حسب اختيار دوست
ذلِكَ اشارة الى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ اى يجمع له الأولون والآخرون للمحاسبة والجزاء واستعمال اسم المفعول حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل هاهنا فيما لم يتحقق مجازا تنبيها على تحقق وقوعه وَذلِكَ اى يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له يَوْمٌ مَشْهُودٌ اى مشهود فيه حيث يشهد فيه اهل السموات والأرضين للموقف لا يغيب عنه أحد فالمشهود هو الموقف والشاهدون اى الحاضرون الخلائق والمشهود فيه اليوم فاتسع فيه اجراء للظرف مجرى المفعول به واليوم
стр. 1654
كما يصح ان يوصف بانه مشهود فيه بمعنى يشهد فيه الخلائق من كل ناحية لامر له شأن او لخطب يهمهم كيوم الجمعة والعيد وعرفة وايام الحروب وقدوم السلطان كذلك يصح ان يوصف بانه مشهود اى مدرك كما تقول أدركت يوم فلان فاريد فى هذا المقام اليوم المشهود فيه لما فيه من تهويل ذلك اليوم لا اليوم المشهود لان سائر الأيام كذلك وَما نُؤَخِّرُهُ اى وما نؤخر أحدا فى ذلك اليوم الملحوظ بعنوانى الجمع والشهود إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ الا لانقضاء مدة قليلة بحذف المضاف قال الكاشفى [مگر از براى گذشتن مدتى شمرده يعنى تا وقت وى در نرسد قائم نگردد] حسما يقتضيه الحكمة. وفى الآيات تهديد وتخويف من الله وحث على تصحيح الحال وتصفية البال وتزكية الأعمال ومحاسبة النفوس قبل بلوغ الآجال فان العبد لا يحصد الا ما يزرع ولا يشرب الا بالكأس التي يسقى وفى الحديث القدسي (يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظلموا. يا عبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى أهدكم. يا عبادى كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعمونى أطعمكم. يا عبادى كلكم عار الا من كسوته فاستكسونى اكسكم. يا عبادى انكم تخطئون بالليل والنهار وانى اغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى اغفر لكم. يا عبادى انكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى. يا عبادى لو ان او لكم وآخركم وجنكم وانسكم كانوا على قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكى شيأ. يا عبادى لو ان أولكم وآخركم وجنكم وانسكم قاموا فى صعيد واحد فسألنى كل واحد منكم مسألة وأعطيته ما نقص ذلك مما عندى الا كما ينقص المخيط إذا غمس فى البحر غمسة واحدة. يا عبادى انما هى أعمالكم أحصيها لكم واو فيكم إياها يوم القيامة فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) فعلى العاقل ان يتدارك ما فات ولا يضيع الأوقات: قال المولى الجامى قدس سره
هر دم از عمر گرامى هست گنج بي بدل ... ميرود گنج چنين هر لحضه باد آخ آخ
وقد خسر من فات عنه نفس فى طلب غير الله فكيف يكون حال من أضاع أنفاسه فى هواه يَوْمَ يَأْتِ اى حين يأتى ذلك اليوم المؤخر بانقضاء اجله وهو يوم القيامة فلا يلزم ان يكون للزمان زمان وذلك لان الحين مشتمل على ذلك اليوم وغيره من الأوقات ولا محذور فى كون الزمان جزأ من زمان آخر ألا ترى ان الساعة جزء من اليوم واليوم من الأسبوع والأسبوع من الشهر وعلى هذا ويأت بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما قالوا لا أدر ولا أبال وهو كثير فى لغة هذيل- روى- عن عثمان رضى الله عنه انه عرض عليه المصحف فوجد فيه حروفا من اللحن فقال لو كان الكاتب من ثقيف والمملى من هذيل ما وجد فيه هذه الحروف فكأنه مدح هذيلا بالفصاحة والناصب للظرف قوله لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ لا تتكلم بما ينفع وينجى من جواب او شفاعة إِلَّا بِإِذْنِهِ اى بإذن الله تعالى كقوله تعالى لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً وقوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ويوم القيامة يوم مقداره الف سنة من سنى الدنيا ففيه مواقف وازمنة واحوال مختلفة يتكلمون فى بعضها ويتساءلون كما قال يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فى بعضها لشدة
стр. 1655
الهول والفزع وظهور سطوة آثار القهر او لعدم الاذن لهم فى الكلام كما قال هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ويختم فى بعضها على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال النبي ﷺ تمكثون الف عام فى الظلمة لا تتكلمون: قال السعدي قدس سره [اگر تيغ قهر بر كشد ولى وبنى سر در كشد وگر غمزه لطف بجنباند بدانرا بنيكان رساند]
گر بمحشر خطاب قهر بود ... انبيا را چهـ جاى معذرتست
پرده از لطف كو بردار ... كاشقيا را اميد مغفرتست
فَمِنْهُمْ اى من الناس المذكور فى قوله مجموع له الناس او من اهل الموقف المدلول عليهم بقوله لا تكلم نفس شَقِيٌّ وجبت له النار بموجب الوعيد وَسَعِيدٌ اى ومنهم سعيد وجبت له الجنة بمقتضى الوعد. وتقديم الشقي على السعيد لان المقام مقام التحذير والانذار قال فى التبيان علامة الشقاوة خمسة أشياء قساوة القلب وجمود العين والرغبة فى الدنيا وطول الأمل وقلة الحياء. وعلامة السعادة خمسة أشياء لين القلب وكثرة البكاء والزهد فى الدنيا وقصر الأمل وكثرة الحياء وفى التأويلات النجمية شَقِيٌّ محكوم عليه بالشقاوة فى الأزل وَسَعِيدٌ محكوم عليه بالسعادة فى الأزل. وعلامة الشقاء الاعراض عن الحق وطلبه والإصرار على المعاصي من غير ندم عليها والحرص على الدنيا حلالها وحرامها واتباع الهوى والتقليد والبدعة. وعلامة السعادة الإقبال على الله وطلبه والاستغفار من المعاصي والتوبة الى الله والقناعة باليسير من الدنيا وطلب الحلال منها واتباع السنة واجتناب البدعة ومخالفة الهوى انتهى [شيخ ابو سعيد خراز قدس سره فرموده كه حق درين سوره دو كار عظيم بيان فرموده يكى سياست جبارى وسطوت قهارى كه دمار از روزگار كفار بر آورده ديگر حكم ازلى كه بشقاوت وسعادت خلق شرف نفاذ يافته وحضرت رسالت از هيبت آن خبر وسطوت اين حكم فرموده كه (شيبتنى سورة هود)
آن يكى را از ازل لوح سعادت بر كنار ... وين يكى را تا ابد داغ شقاوت بر جبين
عدل او ميراند اين را سوى اصحاب شمال ... فضل او ميخواند آنرا نزد اصحاب يمين
قال ابن الشيخ فى حواشيه قوله تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ظاهره يدل على ان اهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين اللذين. أحدهما مخلد فى النار ابدا الا ما شاء ربك. وثانيهما مخلد فى الجنة ابدا الا ما شاء ربك فيلزم ان يكون أطفال المشركين والمجانين الذين لم يعلموا صالحا غير خارجين عنهما فان قلت انهم من اهل الجنة فبلا ايمان وان قلت انهم من اهل النار فبلا ذنب فاعلم ان أمرهم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية تبع لا شرف الأبوين وفيما يتعلق بامر الآخرة من الثواب والعقاب معلوم مما روى عن ابى هريرة رضى الله عنه انه قال سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين أهم من اهل الجنة أم من اهل النار فقال ﵇ (الله اعلم بما كانوا عاملين من الكفر والايمان ان عاشوا وبلغوا) وتحقيق هذا المقام ان الله تعالى يحشر يوم القيامة اصحاب الفترات والأطفال الصغار والمجانين فى صعيد واحد لا قامة
стр. 1656
العدل والمؤاخذة بالجريمة والثواب للعمل فى اصحاب الجنة فاذا حشروا فى صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبى من أفضلهم وتمثل لهم نار يأتى بها هذا النبي المبعوث فى ذلك اليوم فيقول لهم انا رسول الله إليكم فيقع عند بعضهم التصديق به ويقع التكذيب عند بعضهم ويقول لهم اقتحموا هذه النار لانفسكم فمن إطاعتي نجا ومن عصانى وخالف امرى هلك وكان من اهل النار فمن امتثل امره منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال ثواب العمل ووجد تلك النار بردا وسلاما ومن عصاه استحق العقوبة ودخل النار ونزل فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من الله تعالى فى عباده هكذا ورد فى صحيح الاخبار فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا اى سبقت لهم الشقاوة وقضى لهم بالنار فَفِي النَّارِ اى مستقرون فى جهنم كأن سائلا قال ما شأنهم فيها فقيل لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ الزفير إخراج النفس بقوة وشدة والشهيق رده واستعمالهما فى أول ما ينهق الحمار وآخر ما يفرغ من نهيقه وفيه استعارة تصريحية فان المراد تشبيه صراخهم بأصوات الحمير فكما ان الحمير لها أصوات منكرة كذلك لهم أصوات منكرة فى جهنم كما يشاهد ذلك فى اهل الابتلاء فى الدنيا لا سيما عند الصلب او الخنق او ضرب العنق او قطع اليد او نحوها فان لبعض المجرمين حينئذ خوارا كخوار البقر يتغير صوته كما يتغير لونه وحال الآخرة أشد من حال الدنيا الف مرة خالِدِينَ فِيها مقيمين دائمين فيها حال مقدرة من ضمير الاستقرار فى الظرف وهو قوله فى النار هذا ان أريد حدوث كونهم فى النار وقال بعضهم لا حاجة هنا الى جعل الحال مقدرة كما فى قوله تعالى فَادْخُلُوها خالِدِينَ لان الخلود بعد الدخول وهى هاهنا حال من استقر فيها فلا حاجة الى التقدير ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ما مصدرية والمصدر المؤول قائم مقام الظرف. والمعنى مدة دوامهما وهو عبارة عن التأبيد ونفى الانقطاع على عادة العرب وذلك انهم إذا وصفوا شيأ بالابد والخلود قالوا ما دامت السموات والأرض لانهما باقيتان ابد الآباد على زعمهم فمثلوا ما قصد تأبيده بهما فى عدم الزوال فورد القرآن على هذا المنهاج وان أريد تعليق قرارهم فيها بدوام السموات والأرض فالمراد سموات الآخرة وارضها وهى دائمة مخلدة ويدل عليه قوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وقوله وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ وان اهل الآخرة لا بدلهم من مظل ومقل اما سماء يخلقها الله فتظلهم او يظلهم العرش وكل ما علاك فاظلك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو ارض ولا فساد فى التشبيه بما لا يعرف اكثر الخلق وجوده ولا مانع ونظيره تشبيه الشيء بالكيمياء او بمدينة ارم وغير ذلك [حضرت شيخ قدس سره در فتوحات آورده كه دوام آسمان وزمين از حيثيت جوهر ايشان مرا دست نه از حيثيت صورت ايشان] وقال اهل التأويل سموات الأرواح والقلوب وارض النفوس والبشرية إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ استثناء من الخلود فى النار لان بعض اهل النار وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كاف فى صحة الاستثناء لان زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض ويجوز اجتماع الشقاوة والسعادة فى شخص واحد باعتبارين كما قال فى التأويلات النجمية إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الأشقياء وذلك لان اهل الشقاوة على ضربين شقى وأشقى
стр. 1657
فيكون من اهل التوحيد شقى بالمعاصي سعيد بالتوحيد فالمعاصى تدخله النار والتوحيد يخرجه منها ويكون من اهل الكفر والبدعة أشقى يصليه كفره وتكذيبه النار فيبقى خالدا مخلدا انتهى وعن ابن مسعود رضى الله عنه ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا وعن ابى هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص مثله ومعناه عند اهل السنة ان لا يبقى فيها أحد من اهل الايمان فتبقى طبقتهم خالية واما مواضع الكفار فممتلئة ابدا: قال الحافظ
دلا طمع مبر از لطف بى عنايت دوست ... كه ميرسد همه را لطف بى نهايت او
وفى هذا البيت اشارة الى سر خفى لا يدركه الا اهل الإلهام قال بعض الكبار الترقي والتدلي انما يجرى فى هذا العالم واما فى الآخرة فلا ترقى فيها فان قلت فقد ترقى العاصي الى مرتبة الجنة بعد الخروج من النار قلت ذلك الترقي كان فى الدنيا بسبب الايمان غير ان ظهوره كان فى الآخرة فعذب اوّلا ثم دخل الجنة إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ من تخليد البعض كالكفار وإخراج البعض كالفساق من غير اعتراض عليه. وانما قيل فعال لان ما يريد ويفعل فى غاية الكثرة وقال المولى ابو السعود إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وقوله ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وقوله حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ غير ان استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعنى انهم مستقرون فى النار فى جميع الازمنة الا فى زمان مشيئة الله تعالى لعدم قرارهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى يتوهم من كون استحالة تعلق المشيئة بطريق الوجوب على الله تعالى قال إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يعنى انه فى تخليد الأشقياء فى النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية الى ترتب الاجزئة على افعال العباد ولك ان تقول انهم ليسوا بمخلدين فى العذاب الجسماني بل لهم من العقوبات والآلام الروحانية ما لا يعلمه الا الله تعالى وهذه العقوبات وان كانت تعتريهم وهم فى النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون بها ألا ترى ان من دهمه الغم المفرط وأدهشه خطب جليل فانه لا يحس بقرص النملة والبرغوث ونحوهما وقس عليه الحال فى جانب السرور كما سيأتى وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا من سعد بمعنى اسعد لغتان حكاهما الكسائي اى قدر لهم السعادة وخلقوا لها فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال قتادة الله اعلم بثنياه وقال الضحاك الا ما مكثوا فى النار حتى ادخلوا الجنة فان التأبيد من مبدأ معين كما ينقص باعتبار الانتهاء فكذلك باعتبار الابتداء وقال المولى ابو السعود فى تفسيره ان حمل على طريقة التعليق بالمحال فقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ نصب على المصدرية من معنى الجملة لان قوله فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها يقتضى إعطاء وانعاما فكأنه قيل يعطيهم إعطاء غير مقطوع بل ممتدا لا الى نهاية وهو اما اسم مصدر هو الإعطاء او مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً وان حمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبر عنه (بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فهو
стр. 1658
نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة قال بعض الكبار اهل الجنة يبقى فى مرتبة الجنة واهل الترقي يتجاوز ويترقى الى ما فوقها وتحقيقه على ما فى التأويلات النجمية ان اهل السعادة على ضربين سعيد واسعد فالسعيد من يبقى فى الجنة ودرجاتها وغرفاتها الى العليين بحسب العبادة والعبودية والأسعد من يدخل الجنة ويعبر عن درجاتها وغرفاتها الى مقامات القربة بحسب المعرفة والتقوى والمحبة كقوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ وقال ﷺ (ان اهل الجنة ليرون اهل العليين كما يرى أحدكم الكوكب الدري فى أفق السماء وان أبا بكر وعمر منهم فى أنعم مكان فمن كان من اهل الجنة واهل العليين فلهم خلود فى الجنة ومن كان فى مقام مقعد الصدق فهو فى
أنعم مقام من الجنة فلهم الخروج من الجنة من بجذبات العناية الى عالم الوحدة) والسر فى هذا ان السالك يسلك بقدم المعاملات الى أعلى مقام الروحانية من حضيض البشرية وهو بعد فى مقام الاثنينية وهو سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فلا عبور عن هذا المقام للملك المقرب ولا للنبى المرسل الا برفرف جذبة العناية فانها توازى عمل الثقلين وبها يصل العبد الى عالم الوحدة فافهم جدا فما بقي هناك الدخول والخروج والاستثناء بقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ راجع الى هذا المقام ولهذا قال عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ لانه لا انقطاع له ولا تغيير فيه انتهى يقول الفقير على ما تلقف من فم حضرة الشيخ العلامة أبقاه الله بالسلامة ان اهل الجنة يصلون بمقتضى الاستثناء الذي هو قوله تعالى إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ الى مقام لا يشابه ما قبله أصلا وذلك بعد تطاول الزمان وتباعد التنعم فى الجنان وعند ذلك يظهر سر الأزل فى مرآة الابد فكما ان مبدأ التعينات وهو شئونات الغيبية ازل الازال كذلك مقام هذا التجلي المخصوص ابد الآباد فالأبد المضاف هو ما بعد هذا التجلي لا الى نهاية والمضاف اليه ما كان قبله مذ دخولهم الجنة وكذا الأزل فان ما فوق المبدأ المذكور هو الأزل المضاف وما تحته هو الأزل المضاف اليه ونظير هذا هو ما يصل اليه اهل الفناء الكلى فى الدنيا وذلك انهم استوفوا حظهم من الأرزاق المعنوية بحيث لم يبق لهم بحسب مرتبتهم وتعينهم الخاص شىء لم يصلوا اليه من اسرار الافعال والصفات والذات فى جميع المراتب والتعينات فعند ذلك يتجلى الله لهم بصورة اخرى لا تشابه ما قبلها أصلا فيحيون حياة ابدا باقية. ثم السر المذكور المنسوب الى اهل الجنة والعليين جار على اهل النار لكنهم اهل الجلال ومقامهم مقام الفردية ولذا لا تزوج لهم ولا تنعم بما يتنعم به اهل الجنان واهل الجنة اهل الجمال ومقامهم مقام الصفة ومقتضاه التنعم والتلذذ. فالفرق بين اهل الجنة واهل النار ان لاهل الجنة ظهورا بالصفات وفى الظهور بطون وهو سر الذات وان لاهل النار بطونا وليس فى البطون ظهور ولاهل الكمال احاطة وسعة بحيث لا توصف وذلك فى الدارين فالمقربون واقفون على احوال الأبرار ومكاشفون عن مقاماتهم ومواطنهم وهم محجوبون عن المقربين فى ذلك وكذا الأبرار واقفون على احوال اصحاب المشأمة وهم محجوبون عن الأبرار فقس على حال الدنيا حال البرازخ والآخرة ولذا قال بعض الكبار ان الروح بعد خلاصه من حبس البدن ان كان علويا بعضه يقطع برزخا وبعضه اكثر الى ان يسموا
стр. 1659
البرازخ فكلما قطع برزخا ازداد احاطة حتى يصل الى المحيط الحقيقي فهناك يضمحل الكل فهو محيط الكل واما إذا كان سفليا فانه فى البلاء والعياذ بالله تعالى ثم ان العلم الإلهي انما يستكمل بعد أربعين سنة من أول المكاشفة والظهور كما ان العقل انما يستكمل فى سن الأربعين يعنى ان الوصول الى منتهى المراتب انما يحصل فى تلك المدة وقد اجرى الله عادته على ذلك فلا يطمع أحد فيه قبلها فان العلم يزداد الى ذلك الحد ثم يحصل التحقق وتصير الأوصاف الطبيعية والنفسانية كلها تحت تسخيره وفى يده غالبا عليها بإذن الله تعالى وعونه فانظر الى طول الطريق وعزة المطلب فاختر لك دليلا الى ان تصل الى الله الرب: وفى المثنوى
پير را بگزين بي پير اين سفر ... هست ره پر آفت وخوف وخطر
آن رهى كه بارها تو رفته ... بي قلاوز اندر آن آشفته
پس رهى را كه نديدستى تو هيچ ... هين مرو تنها ز رهبر سر مپيچ
گر نباشد سايه پير اى فضول ... پس ترا سرگشته دارد بانگ غول
اللهم خذ بايدينا وجد علينا كل حين فَلا تَكُ أصله لا تكن حذفت النون لكثرة الاستعمال اى إذا تبين عندك ما قصصت عليك من قصص المتقدمين وسوء عاقبتهم فلا تكن فِي مِرْيَةٍ اى فى شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما مصدرية اى من جهة عبادة هؤلاء الحاضرين من المشركين وكن على يقين فى انها ضلال سيئ العاقبة كأنه قيل لم لا أكون فى شك فاجيب لانهم ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما كان يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ اى حالهم كحال آبائهم من غير تفاوت فهم على الباطل والتقليد لا على الحق والتحقيق وفيه اشارة الى ان اهل الفترة الذين عبدوا الأصنام من اهل النار فان الذم ينادى على ذلك وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ توفية الشيء تأديته وإعطاؤه على وجه التمام والضمير لهؤلاء الكفرة نَصِيبَهُمْ اى حظهم المتعين لهم من العذاب الدنيوي والأخروي كما وفينا آباءهم أنصباءهم المقدرة حسب جرائمهم فسيلحقهم مثل ما لحق بآبائهم فان التماثل فى الأسباب يقتضى التماثل فى المسببات فان قيل لا سبب عندنا الا الله قلنا يكفينا السببية العادية وهو ما يفضى الى الشيء بحسب جريان العادة غَيْرَ مَنْقُوصٍ حال مؤكدة من النصيب كقوله هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً وفائدته مع دفع توهم التجوز تقرير ذى الحال اى جعله مقررا ثابتا لا يظن انه غيره وفى الآية ذم للتقليد وهو قبول قول الغير بلا دليل وهو جائز فى الفروع والعمليات ولا يجوز فى اصول الدين والاعتقاديات بل لا بد من النظر والاستدلال لكن ايمان المقلد صحيح عند الحنفية والظاهرية وهو الذي اعتقد جميع ما وجب عليه من حدوث العالم ووجود الصانع وصفاته وإرسال الرسل وما جاؤا به حقا من غير دليل لان النبي ﷺ قبل ايمان الاعراب والصبيان والنسوان والعبيد والإماء من غير تعليم الدليل ولكنه يأثم بترك النظر والاستدلال لوجوبه عليه ولا يحصل اليقين الا بترك التقليد وبالوصول الى عين التوحيد: قال المولى الجامى قدس سره
سيراب كن ز بحر يقين جان تشنه را ... زين بيش خشك لب منشين بر سر آب ريب
ثم ان اهل التقليد وارباب الطبيعة انما يعبدون الدنيا والهوى فى الحقيقة فلا بد من ترك الهوى
стр. 1660
واتباع الهدى يقال لما وقع الازدواج بين آدم وحواء وقع الازدواج بين إبليس والدنيا فتولد من الازدواج الاول نوع البشر ومن الثاني الهوى فجميع الأديان الباطلة والأخلاق المذمومة من تأثير ذلك الهوى قال بعض المحققين لما جعل الله سلطان الروح ملكا فى ملك البدن وجعل العقل وريره جعل النفس خليلة الروح فمالت النفس الى الهوى فسئل الوزير عن حالها فقال وزير العقل ايها الملك ان هاهنا مسمى بالهوى قد أضل النفس فتوجه الروح الى الله تعالى بالتضرع والابتهال فانقادت النفس للروح بالصلاح وحسن الحال فمن أراد إصلاح نفسه فليرجع الى القادر المتعال يقال ان ضرر البدعة والهوى اكثر من ضرر المعصية فان صاحب المعصية يعلم قبحها فيستغفر ويتوب بخلاف صاحب البدعة والهوى ثم ان البدعة والهوى عندنا معاشر الصوفية خلاف العمل بسنة النبي ﵇ وسنة الاصحاب العظام وسنة المشايخ الكرام والاتباع بالعقل الجزئى والطبع فى كل فعل وترك. فعلى السالك ان لا يخالف السنن مطلقا ولا يخرج عن آثار الأخيار ولا يلتفت الى طعن الأغيار فان الحق أحق ان يتبع
دين ما عشقست اى زاهد مگو بيهوده پند ... ما بترك دين خود گفتن نخواهيم از گذاف
وَلَقَدْ اى وبالله لقد آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ اى التوراة وهو أول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع واما ما قبله من الكتب فانما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز فَاخْتُلِفَ فِيهِ اى فى شأنه وكونه من عند الله وآمن به قوم وكفر به آخرون فلا تبال يا محمد باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن واصبر على تكذيبهم كما صبر موسى على تكذيب قومه. ففيه تسلية له ﷺ ولما قسم ﷺ غنائم الطائف وأطال بعض المنافقين الكلام فى انه لم يعدل فى القسمة قال ﵇ (من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ﵀ على أخي موسى لقد او ذى بأكثر من هذا فصبر) يعنى ان موسى أصابه الأذى الكثير من جهة قومه فصبر على اذاهم فلم يجزع فانا أحق بالصبر منه لان الجمعية الكمالية فى ذاته ﵇ أتم فحظه من الصفات الالهية والأخلاق الحميدة الربانية اكثر وأوفر: قال المولى الجامى قدس سره فى نعته
بر دفتر جلال تو تورات يك رقم ... وز مصحف جمال تو إنجيل يك ورق
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ هى كلمة القضاء بانظارهم الى يوم القيامة قال سعدى المفتى الأظهر ان لا تقيد بيوم القيامة فان اكثر طغاتهم نزل بهم العذاب يوم بدر وغيره لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ اى لا وقع القضاء بين المختلفين من قومك بانزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين وَإِنَّهُمْ اى وان كفار مكة أريد به بعض من رجع إليهم ضمير بينهم للامن من الإلباس لَفِي شَكٍّ عظيم مِنْهُ اى من القرآن وان لم يجر له ذكر فان مقام التسلية ينادى على ذلك نداء غير خفى مُرِيبٍ وصف لشك يقال ارابه أوقعه فى الريبة. يعنى [نفس را مضطرب ودل را شوريده كننده] وَإِنَّ كُلًّا التنوين عوض عن المضاف اليه اى وان كل المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ
стр. 1661
أَعْمالَهُمْ
اللام الاولى موطئة للقسم والثانية جواب للقسم المحذوف ولما بتشديد الميم أصله لمن ما بكسر الميم على انها من الجارة دخلت على ما الموصولة او الموصوفة فلما اجتمعت النون ساكنة مع ميم ما وجب ادغامها فقلبت ميما فاجتمع فى اللفظ ثلاث ميمات فحذفت إحداهن اولاهن كانت المحذوفة أم وسطاهن على اختلاف الأقوال. والمعنى ان جميعهم لمن الذي او لمن خلق او لمن فريق والله ليوفينهم ربك أعمالهم من الايمان وسائر الحسنات والكفر وسائر السيئات اى ليعطينهم ويؤدينهم جزاء أعمالهم خيرا او شرا تاما وافيا كاملا إِنَّهُ اى الله تعالى بِما يَعْمَلُونَ اى بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر خَبِيرٌ بحيث لا يخفى عليه شىء من جلائله ودقائقه فيجازى كلا بحسب عمله وتوفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم فعلى العاقل ان ينتبه من الغفلة ويجانب ما يخالف امر الله تعالى فان الله تعالى لا يفوته منه شىء
بهمه كار بنده دانا اوست ... بمكافات او توانا اوست
واعلم ان الكلمة الالهية الازلية سبقت بسعادة اهل الايمان وشقاوة
اهل الكفر فهم فى قبضتى الكفر والقهر وإمهالهم وتأخيرهم انما هو لاستكمال السعادة والشقاوة لنفوسهم ولغيرهم فكتاب الله تعالى هو محك النفوس فمن آمن به وعمل باحكامه فقد كملت سعادته ومن كفر به وترك العمل باحكامه فقد كملت شقاوته وكل واحد من الفريق الاول اهل يقين ونجاة وكل واحد من الفريق الثاني اهل شك وهلاك وعادة الله تعالى جارية على تسليط اهل الإنكار على اهل الإقرار لاستخراج ما فى معادن نفوسهم من جواهر أوصافه الشريفة كالصبر على الأذى والتحمل على البلاء والحلم على السفهاء والعفو عن الجهلاء والصفح عمن ليس له حياء لكى يتخلقوا بأخلاق الله تعالى ويظهر بها صدق عبوديتهم وتفاوت درجاتهم فان المراتب ليست بالدعاوى والأماني بل بالحقائق والمعاني: قال المولى الجامى
بي رنج كسى چون نبرد ره بسر گنج ... آن به كه بكوشم بتمنا ننشينم
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس سره مبانى طريق الصوفية على اربعة أشياء وهى اجتهاد وسلوك وسير وطير فالاجتهاد التحقق بحقائق الايمان والسير التحقق بحقائق الإحسان والطير الجذبة بطريق الجود والإحسان الى معرفة الملك المنان فمنزلة الاجتهاد من السلوك منزلة الاستنجاء من الوضوء فمن لا استنجاء له لا وضوء له فكذا من لا اجتهاد له لا سلوك له ومنزلة السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة فمن لا وضوء له لا صلاة له فكذا من لا سلوك له لا سير له وبعده الطير وهو الوصول وادنى الانتساب فى هذا الباب محبة اهل الاجتهاد وتصديق الواصلين الى سر المبدأ والمعاد ورعاية جانب المتحققين بحقائق القرآن دون العداوة والبغض والشنآن وفى الحديث القدسي (من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب) اى أعلمته انى محارب له حيث كان محاربا لى بمعاداة أوليائي فاذا كان معادى الولىّ ورافض علومه محاربا لله تعالى فما ظنك بمعادى النبي وتارك كتابه ولا يفلح أحد ممن حارب الله تعالى ورسوله ووارث رسوله فان الله تعالى ذو البطش الشديد فاذا أخذه لم يفلته نسأل الله العافية والوفاء والصفاء ونعوذ به
стр. 1662
من الخذلان واهل الجفاء فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يقول الفقير اى إذا تبين عندك يا محمد احوال القرون الاولى وان اخوانك الأنبياء ومؤمنيهم تحملوا من قومهم الأذى وصبروا واستقاموا على طريقتهم المثلى الى ان يأتى امر الله تعالى فدم أنت ايضا على الاستقامة على التوحيد والدعوة اليه كما أمرك الله تعالى وَمَنْ تابَ مَعَكَ معطوف على المستكن فى فاستقم من غير تأكيد بالمنفصل لوجود الفاصل القائم مقامه اى ومن تاب من الشرك والكفر وشاركك فى الايمان هو المعنى بالمعية والا فليس لهم مصاحبة له فى التوبة عما ذكر إذا الأنبياء معصومون عن الكفر وكذا عن تعمد الكبائر قبل الوحى وبعده بالإجماع لكن الظاهر ان الاشتراك فى نفس التوبة يكفى فى الاصطحاب ولا يلزم الاشتراك فى المتوب عنه وقد كان ﵇ يستغفر الله كل يوم اكثر من سبعين مرة على ما ورد فى الحديث كذا فى حواشى سعدى المفتى يقول الفقير لعل التوبة فى مثل هذا المقام هى الرجوع عن الحالة الاولى ومفارقتها سواء صدر فيها الكفر كسجود الصنم وغيره وهو حال اكثر المؤمنين او لم يصدر وهو حال الأقلين ومنهم رسول الله ﷺ وقد صح انه ﵇ شهد بان عليا رضى الله عنه لم يكفر بالله قط طرفة عين مع قوله له فى دعوة الإسلام (وأدعوك الى الكفر باللات والعزى) فان هذا القول لا يقتضى كفره رضى الله عنه إذ قد يدعى الرجل الى كفر ما لم يتصف به إذا كان من شأنه الكفر به والإنكار عليه وَلا تَطْغَوْا اى ولا تنحرفوا عما حد لكم بافراط وتفريط فان كلا طرفى قصد الأمور ذميم. وانما سمى ذلك طغيانا وهو تجاوز الحد تغليظا او تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله. وفى سورة شورى وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ والنهيان متقاربان إذ المراد عدم الاتباع لاهواء اهل الكفر لان فى الاتباع الطغيان وفى عدمه الاستقامة المحضة إِنَّهُ اى الله تعالى بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ عالم لا يخفى عليه شىء فيجازيكم على ذلك فاتقوه فى المحافظة على حدوده وهو فى معنى التعليل للامر والنهى وعن بعض الصلحاء وهو ابو على السنوسى رضى الله عنه قال رأيت رسول الله ﷺ فى النوم فقلت له روى عنك انك قلت (شيبتنى سورة هود) فقال نعم فقلت فما الذي شيبك منها أقصص الأنبياء وهلاك الأمم قال لا ولكن قوله فاستقم كما أمرت وذلك لان حقيقة الاستقامة هى الوفاء بالعهود كلها وملازمة الصراط المستقيم برعاية حد التوسط فى كل الأمور من الطعام والشراب واللباس فى كل امر دينى ودنيوى ترغيب او ترهيب او حال او حكم او صفة او معاملة وذلك هو الصراط المستقيم كالصراط المستقيم فى الآخرة والتمشى على هذا الصراط الذي يقال لها الاستقامة الاعتدالية عسير جدا كما قال فى بحر العلوم الاستقامة على جميع حدود الله على الوجه الذي امر الله بالاستقامة عليه مما يكاد يخرج عن طوق البشر ولذلك قال ﵇ (شيبتنى سورة هود) ولن يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة الا من أيد بالمشاهدات القوية والآثار الصادقة ثم بالتثبت كما قال لَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ ثم حفظ وقت المشاهدة ومشافهة الخطاب ولولا هذه المقدمات لتفسخ دون هذا الخطاب ألا تراه كيف قال للامة (استقيموا ولن تحصوا) اى لن تطيقوا الاستقامة التي أمرت بها قيل لمحمد بن فضل حاجة
стр. 1663
العارفين الى ماذا قال حاجتهم الى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا وهى الاستقامة فكل من كان أتم معرفة كان أتم استقامة قال ابن عطاء فاستقم اى افتقر الى الله مع تبريك من الحول والقوة وفى التفسير الفارسي للامام القشيري [فرمود كه مستقيم آنكس است كه از راه حق باز نگردد تا بسر منزل وصال برسد. وشيخ ابو على دقاق گفته استقامت آنست كه سر خود را از ما سوى محفوظ دارى. وخواجه عصمت بخارى در صفت اهل استقامت فرموده]
كسى را دانم اهل استقامت ... كه باشد بر سر كوى ملامت
ز أوصاف طبيعت پاك برده ... بإطلاق هويت جان سپرده
تمام از كرد تن دامن فشانده ... برفته سايه وخوشيد مانده
وقال ابو على الجرجاني كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة فان نفسك متحركة فى طلب الكرامة ويطلب منك الاستقامة فالكرامة الكبرى الاستقامة فى خدمة الخالق لا بإظهار الخوارق قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره فى نفائس المجالس لا تتيسر الاستقامة الا بايفاء حق كل مرتبة من الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة فمن رعاية حق الشريعة العدالة فى الاحكام فالاستقامة فى مرتبة الطبيعة برعاية الشريعة وفى مرتبة النفس برعاية الطريقة وفى مرتبة الروح برعاية المعرفة وفى مرتبة السر برعاية المعرفة والحقيقة فمراعاة تلك الأمور فى غاية الصعوبة ولذلك قال ﵇ (شيبتنى سورة هود) فالكمال الإنساني بتكميل تلك المراتب لا بإظهار الخوارق كما حكى انه قيل للشيخ ابى سعيد ان فلانا يمشى على الماء قال ان السمك والضفدع كذلك وقيل ان فلانا يطير فى الهواء فقال ان الطيور كذلك وقيل ان فلانا يصل الى الشرق والغرب فى آن واحد قال ان إبليس كذلك فقيل فما الكمال عندك قال ان تكون فى الظاهر مع الخلق وفى الباطن مع الحق واعلم ان النفوس جبلت على الاعوجاج عن طريق الاستقامة الا ما اختص منها بالعناية الازلية والجذبة الالهية: قال المولى الجامى قدس سره
سالكان بي كشش دوست بجايى نرسند ... سالها گر چهـ درين راه تك و پوى كنند
وَلا تَرْكَنُوا الركون هو الميل اليسير والخطاب لرسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين اى ولا تميلوا ادنى ميل إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا اى الى الذين وجد منهم الظلم فى الجملة فَتَمَسَّكُمُ بسبب ذلك وهو منصوب بإضمار ان فى جواب النهى يعنى [بشما برسد] النَّارُ [آتش دوزخ] وإذا كان الركون الى من صدر منهم ظلم مرة فى الإفضاء الى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون الى من صدر منهم الظلم مرارا ورسخوا فيه ثم بالميل إليهم كل الميل وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ اى من أنصار ينقذونكم من النار على ان يكون مقابلة الجمع بالجمع بطريق انقسام الآحاد على الآحاد. والجملة نصب على الحالية من مفعول فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة وهى انتفاء ناصركم ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ جملة فعلية معطوفة على الاسمية قبلها. وكلمة ثم لاستبعاد نصرة الله تعالى إياهم مع استحقاقهم العذاب بسبب ركونهم ثم لا ينصركم الله إذ سبق فى حكمه ان يعذبكم ولا يبقى عليكم. والآية
стр. 1664
ابلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم والتهديد عليه والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا يرتدعون عن الظلم والميل الى اهله ولا يتدبرون انهم مؤاخذون غير منصورين:
قال السعدي قدس سره
كرازى بچاه اندر افتاده بود ... كه از هول او شير نر مانده بود
بد انديش مردم بجز بد نديد ... بيفتاد وعاجز تر از خود نديد
همه شب ز فرياد وزارى نخفت ... يكى بر سرش كوفت سنگى وگفت
تو هرگز رسيدى بفرياد كس ... كه ميخواهى امروز فريادرس
كه بر ريش جانت نهد مرهمى ... كه دلها ز دردت بنالدهمى
تو ما را همى چاه كندى براه ... بسر لا جرم در فتادى بچاه
اگر بد كنى چشم نيكى مدار ... كه هرگز نيارد كژ انگور بار
وفى الحديث (إياكم والظلم فانه يخرب قلوبكم) وفى تخريب القلب تخريب سائر الجسد فالظالم يظلم على نفسه حيث يخرب أعضاءه الظاهرة والباطنة وعلى الله حيث يخرب بنيان الله ويغيره ويفسده ولانه إذا ظلم غيره وآذاه فقد ظلم على الله ورسوله وآذاه. والدليل عليه قوله ﵇ (انا من الله والمؤمنون منى فمن آذى مؤمنا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى) ودخل فى الركون الى الظالمين المداهنة والرضى بأقوالهم وأعمالهم ومحبة مصاحبتهم ومعاشرتهم ومد العين الى زهرتهم الفانية وغبطتهم فيما أوتوا من القطوف الدانية والدعاء لهم بالبقاء وتعظيم ذكرهم وإصلاح دواتهم وقلمهم ودفع القلم او الكاغذ الى أيديهم والمشي خلفهم والتزيي بزيهم والتشبه بهم وخياطة ثيابهم وحلق رؤسهم. وقد امتنع بعض السلف عن رد جواب الظلمة فى السلام وقد سئل سفيان عن ظالم اشرف على الهلاك فى برية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه فانه اعانة للظالم وقال غيره يسقى الى ان يثوب الى نفسه ثم يعرض عنه وفى الحديث (العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فاذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم) فاذا علمت هذا فاعلم ان الواجب عليك ان تعتزل عنهم بحيث لا تراهم ولا يرونك إذ لا سلامة الا فيه وان لا تفتش عن أمورهم ولا تتقرب الى من هو من حاشيتهم ومتصل بهم من امامهم ومؤذنهم فضلا عن غيرهم من عمالهم وخدمهم ولا تتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وترك مصاحبتهم واذكر كثيرا قول رسول الله ﷺ (إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه فى الدين ثم اتى باب السلطان تملقا اليه وطمعا لما فى يديه خاض بقدر خطاه فى نار جهنم) والحديث كأنه مأخوذ من الآية فهما متطابقان معنى كما لا يخفى- وروى- ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون انى مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم فقال ما بال الأخيار فقال انهم لم يغضبوا لغضبى فكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وبهذا تبين ان بغض الظلمة والغضب عليهم لله واجب وانما ظهر الفساد فى الرعايا وجميع أقطار الأرض برا وبحرا بفساد الملوك وذلك بفساد العلماء اولا إذ لولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك بل لو اتفق العلماء فى كل عصر على الحق ومنع الظلم مجتهدين فى ذلك
стр. 1665
مستفرغين مجهودهم لما اجترأ الملوك على الفساد ولا ضمحل الظلم من بينهم رأسا وبالكلية ومن ثم قال النبي ﵇ (لا تزال هذه الامة تحت يد الله وكنفه ما لم يمالئ قرّاؤها أمراءها) وانما ذكر القراء لانهم كانوا هم العلماء وما كان علمهم الا بالقرآن ومعانيهم الا بالسنة وماوراء ذلك من العلوم انما أحدثت بعدهم كذا فى بحر العلوم للشيخ على السمرقندي قدس سره يقول الفقير أصلحه الله القدير ذكر فى الاحياء ان من دخل على السلطان بلا دعوة كان جاهلا ومن دعى فلم يجب كان اهل بدعة وتحقيق المقام ان الركون فى الآية أسند الى المخاطبين والمخالطة وإتيان الباب والممالأة الى العلماء والقراء فكل منها انما يكون مذموما إذا كان من قبل العلماء واما إذا كان من جانب السلاطين والأمراء بان يكونوا مجبورين فى ذلك مطالبين بالاختلاط لاجل الانتفاع الديني فلا بأس حينئذ بالمخالطة لان المجبور المطالب مؤيد من عند الله تعالى خال عن الأغراض النفسانية بخلاف ما إذا كان مقارنا بالأغراض النفسانية فيكون موكولا الى نفسه فتختطفه الشياطين نعوذ بالله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ فى الأمر بافعال الخير جاء موحدا موجها الى رسول الله ﷺ فى الظاهر وان كان المأمور به من حيث المغني عاما وفى النهى عن المحظورات موجها الى غير الرسول مخاطبا به أمته فهذا من جليل البلاغة القرآنية والمراد باقامة الصلاة أداؤها وانما عبر عنه بها اشارة الى ان الصلاة عماد الدين طَرَفَيِ النَّهارِ اى غدوة وعشية وانتصابه على الظرفية لكونه مضافا الى الوقت فيعطى حكم المضاف اليه وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ منصوب على الظرفية لعطفه على طرفى النهار اى ساعات من الليل وهى الساعات القريبة من النهار فانه من ازلفه إذا قربه جمع زلفة كغرف جمع غرفة. والمراد بصلاة الغدوة صلاة الفجر. وبصلاة العشية الظهر والعصر لان ما بعد الزوال عشى. وبصلاة الزلف المغرب والعشاء وفيه دلالة بينة على اطلاق لفظ الجمع وهو الزلف على الاثنين فالآية مشتملة على الصلوات الخمس ونظيرها قوله تعالى فى سورة ق وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ اى بصلاة الصبح وَقَبْلَ الْغُرُوبِ اى بصلاة العصر والظهر فالعصر اصل فى ذلك الوقت والظهر تبع لها كما فى تفسير المناسبات وَمِنَ اللَّيْلِ فى بعض أوقاته فَسَبِّحْهُ بصلاتى المغرب والعشاء وفسر بعضهم طرفى النهار بالصبح والمغرب وزلف الليل بالعشاء والتهجد فانه كان واجبا عليه فيوافق قوله وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ او الوتر على ما ذهب اليه ابو حنيفة او مجموع العشاء والوتر والتهجد على ما يقتضيه ظاهر صيغة الجمع فى زلفا إِنَّ الْحَسَناتِ على الإطلاق لا سيما الصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ اى يكفرن الصغائر يعنى لا انها تذهب السيئات نفسها إذ هى قد وجدت بل ما كان يترتب عليها وفى الحديث الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن اذا اجتنب الكبائر ويمنعن من اقترافها كقوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ- روى- فى سبب النزول ان أبا اليسر الأنصاري كان يبيع التمر فاتته امرأة فاعجبته فقال لها ان فى البيت أجود من هذا التمر فذهب بها الى نحو بيته فضمها الى نفسه وقبلها وفعل بها كل شىء الا الجماع فقالت له اتق الله فتركها وندم فاتى أبا بكر رضى الله عنه فاخبره فقال استر على نفسك وتب الى الله تعالى
стр. 1666
فلم يصبر فاتى عمر رضى الله عنه فقال له مثل ذلك فلم يصبر ثم اتى رسول الله ﷺ فاخبره بما فعل فقال (انتظر امر ربى فاستر على نفسك) فلما صلى صلاة العصر نزلت هذه الآية فقال ﵇ (صليت العصر معنا) قال نعم فقال (اذهب فانها كفارة لما فعلت) فقال الحاضرون من الصحابة (هذا له خاصة أم للناس عامة) قال (بل للناس كافة) وفى الحديث (أرأيتم لو ان نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دونه شىء) قالوا لا قال (فذلك مثل صلاة الخمس يمحو الله بها الخطايا) واعلم ان الذنوب كلها نجاسات والطاعات مطهرات وبماء أعضاء الوضوء تتساقط الأوزار ولذا كانت الغسالة فى حكم النجاسة. ومن هنا أخذ بعض الفقهاء كراهة الصلاة بالخرقة التي يتمسح بها أعضاء الوضوء وقال الله تعالى لموسى ﵇ (يا موسى يتوضأ احمد وأمته كما
امرتهم وأعطيهم بكل قطرة تقطر من الماء جنة عرضها كعرض السماء) فانظر الى ما سلبه الوضوء وجلبه: قال الحافظ
خوشا نماز ونياز كسى كه از سر درد ... بآب ديده وخون جگر طهارت كرد
واحسن الحسنات وأفضل الطاعات العلم بالله وطريقه التوحيد وخلاف هوى النفس فبذكر الله يتخلص العبد من الذنوب وبه يحصل تزكية النفوس وتصفية القلوب وبه يتقوى العبد على طاعة الرحمن ويتخلص من كيد الشيطان قالوا يا رسول الله لا اله الا الله من الحسنات قال (هى احسن الحسنات) وفى الآية اشارة الى ادامة الذكر والطاعة والعبادة فى الليل والنهار الا ان يكون له ضرورة من الحاجات الانسانية فيصرف بعض الأوقات إليها كطلب المعاش فى النهار والاستراحة فى الليل فانه يحصل للقوى البشرية والحواس كلال فيلزم دفعه بالمنام ليقوم فى أثناء الليل نشيطا للذكر والطاعة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ اى ان أنوار الحسنات وهى الأعمال الصالحة والذكر والمراقبة طرفى النهار وزلفا من الليل يذهبن ظلمات سيآت الأوقات التي تصرف فى قضاء الحوائج النفسانية الانسانية وما يتولد من الاشتغال بها واعلم ان تعلق الروح النورانى العلوي بالجسد الظلماني السفلى موجب لخسران الروح الا ان تتداركه أنوار الأعمال الصالحة الشرعية فتربى الروح وترقيه من حضيض البشرية الى ذروة الروحانية بل الى الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما ان إلقاء الحبة فى الأرض موجب لخسران الحبة الا ان يتداركها الماء فيربيها الى ان تصير الحبة الواحدة الى سبعمائة حبة والله يضاعف لمن يشاء فعلى العاقل ان يصبر على مشاق الطاعات والعبادات فان له فيها أنوار او حياة باقية
مده براحت فانى حيات باقى را ... بمحنت دو سه روز از غم ابد بگريز
ذلِكَ اى المذكور من الاستقامة والاقامة وغيرهما ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ اى موعظة للمتعظين فمن امتثل الى امر الله تعالى فاستقام واقام فقد تحقق بحقيقة الحال والمقام قال بعض الحكماء علامة الذي استقام ان يكون مثله كمثل الجبل لان الجبل له اربع علامات. احداها ان لا يذيبه الحر. والثانية ان لا يجمده البرد. والثالثة ان لا تحركه الريح. والرابعة ان لا يذهب به السيل فكذا المستقيم إذا احسن اليه انسان لا يحمله إحسانه على ان يميل اليه بغير الحق كما يفعله ارباب الجاه والمناصب فى هذا الزمان فانهم بالشيء اليسير من الدنيا الواصل إليهم من يد رجل
стр. 1667
او امرأة يتخطون الحد ويتركون الاستقامة وليس الاتعاظ وقبول النصيحة من شأنهم. والثاني إذا أساء اليه انسان لا يحمله ذلك على ان يقول بغير الحق. والثالث ان هوى نفسه لا يحوله عن امر الله تعالى. والرابع ان حطام الدنيا لا يشغله عن طاعة الله: فقال الحافظ
ببال و پر مروازره كه تير پرتابى ... هوا گرفت زمانى ولى بخاك نشست
يعنى لا تخرج بالقدرة الدنيوية والمكنة المالية عن حد الطريق المستقيم فان لكل ترق تنزلا ألا ترى الى حال السهم كيف صعد الى جو السماء زمانا ثم سقط على الأرض فالانسان لا بد وان يسقط على الأرض فى آخر امره ونهاية عمره وَاصْبِرْ يا محمد على مشاق الأوامر ويدخل فيه الامة بالتبعية وقد كانت العادة القرآنية على اجراء اكثر خطابات الأوامر على النبي ﵇ واكثر خطابات النهى على الامة اعتبارا للاصالة فى الاتصاف والتنزه والاجتناب فافهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فى أعمالهم صلاة كانت او صبرا او غيرهما من فرائض الإسلام ومندوبات الأعمال ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم اى يوفيهم أجور أعمالهم من غير بخس أصلا وانما عبر عن ذلك بنفي الاضاعة مع ان عدم إعطاء الاجر ليس باضاعة حقيقة كيف لا والأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره عنه سبحانه من القبائح وإبراز الاثابة فى معرض الأمور الواجبة وهو تعليل للامر بالصبر. وفيه ايماء الى ان الصبر من باب الإحسان وهو ان تعبد الله كأنك تراه لانه إذا قدر المرء على هذه المشاهدة هان عليه الصبر وغيره من مر الاحكام ولا يكون هذا الإحسان الا بالإخلاص واخلاص السريرة گر نباشد نيت خالص چهـ حاصل از عمل وكان اهل الخير يكتب بعضهم الى بعض بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس واعلم ان الله تعالى امر ونهى ومراده إطاعة عباده له فى كل ما يأتون وما يدرون فان فلاحهم فى ذلك ولا يرضى الله منهم الا بالطاعة والتسليم والقبول: قال الحافظ
مزن ز چون و چرا دمكه بنده مقبول ... قبول كرد بجان هر سخن كه جانان گفت
وعن ابى بكر الوراق قال طلبنا اربعة أشياء سنين فوجدناها فى اربعة. طلبنا رضى الله تعالى فوجدناه فى طاعته. وطلبنا السعة فى المعيشة فوجدناها فى صلاة الضحى. وطلبنا سلامة الدين فوجدناها فى حفظ اللسان. وطلبنا نور القبر فوجدناه فى صلاة الليل فعلى العاقل السعى فى طريق الطاعات وتنوير القلب بنور العبادات وفى التأويلات النجمية وَاصْبِرْ ايها الطالب الصادق والعاشق الوامق على صرف الأوقات فى طلب المحبوب بدوام الذكر ومراقبة القلب وترك الشهوات ومخالفة الهوى والطبيعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ اى سعى الطالبين كما قال (ألا من طلبنى وجدنى) لان من سنة كرمه قوله (من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا) والمقصود من الحديث القدسي بيان سعة فيضه وجوده على عباده والتقرب الى الله تعالى انما يكون بقطع التعينات ورفع حجب الكثرة عن وجه الوحدة الذاتية الا ان ذلك مشروط
стр. 1668
بشرائط ومربوط بالأسباب فى الصورة الظاهرة ولا تقيد تلك الشرائط والأسباب الا بالجذبة الالهية والدعوة الربانية فمن دعاه وأزال الموانع عن طريقه فقد وصل وإلا فقد انقطع دونه الطريق وبقي متحيرا مبهوتا
داد حق را قابليت شرط نيست ... بلكه شرط قابليت داد اوست
اللهم ارحمنا فان ذنوبنا قد جلت وحجبنا قد كثفت وحيلنا قد انقطعت وما بقي الا التوفيق منك والعفو والغفران واللطف والكرم والإحسان انك أنت المحسن فى كل زمان ومكان فَلَوْلا كانَ لولا بمعنى هلا وكان بمعنى وجد. والمعنى بالفارسية [پس چرا نبود] مِنَ الْقُرُونِ الهالكة الكائنة مِنْ قَبْلِكُمْ على رأى من جوز حذف الموصول مع بعض صلته او كائنة من قبلكم على ان يكون حالا وكل اهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم قال فى القاموس القرن مائة سنة وهو الأصح لقوله ﵇ لغلام (عش قرنا) فعاش مائة سنة وكل امة هلكت فلم يبق منها أحد أُولُوا بَقِيَّةٍ اصحاب فضل وخير وسمى الفضل والجودة بقية على ان يكون الهاء للنقل كالذبيحة لان الرجل انما يستبقى مما يكسبه عادة أجوده وأفضله فصار مثلا فى الجودة والفضل يقال فلان من بقية القوم اى من خيارهم ومنه ما قيل فى الزوايا خبايا وفى الرجال بقايا يَنْهَوْنَ المفسدين نعت لا ولوا عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ الواقع منهم حسبما حكى عنهم ومعناه جحد اى لم يكن فيهم أولوا بقية ينهون حتى لا ينزل العذاب بهم إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ استثناء منقطع اى لكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وهم اتباع الأنبياء وسائرهم تاركوا النهى. ومن فى ممن للبيان لا للتبعيض لان جميع الناجين ناهون وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عطف على مضمر دل عليه الكلام اى لم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا بمباشرة الفساد وترك النهى عنه فيكون العدول الى المظهر لادراج المباشرين معهم فى الحكم والتسجيل عليهم بالظلم وللاشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب ما أُتْرِفُوا فِيهِ الإتراف الانعام من الترف وهو النعمة اى انعموا فيه من الشهوات واللذات وآثروها على امر الآخرة. ويقال أترفته النعمة اى أطغته. فالمعنى ما اطغوا فيه على ان يكون فيه للسببية والمراد هو الأموال والاملاك قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى يعنى اهتموا بكسبها وبذلوا وسعهم فى تحصيلها وجمعها واعرضوا عما وراءها. اما المباشرون فظاهر. واما المتساهلون فلما لهم فى ذلك من نيل حظوظهم الفاسدة وَكانُوا مُجْرِمِينَ عطف على اتبع وهذا بيان لسبب استئصال الأمم المهلكة وهو ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واتباع الشهوات وفى الحديث (ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروا فلا ينكرون فاذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة فكل قوم لم يكن فيهم آمر بالمعروف وناه عن المنكر من ارباب الصدق وهم مجتمعون على الفساد او لا يأتمرون بالأمر بالمعروف ولا ينتهون بالنهى عن المنكر فانهم هالكون) : قال السعدي
گرت نهى منكر برآيد ز دست ... نشايد چوبى دست و پايان نشست
بگو آنچهـ دانى سخن سودمند ... وگر هيچ كس را نيايد پسند
стр. 1669
چودست وزبانرا نماند مجال ... بهمت نمايند مردى رجال
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى اللام لام الجحود عند البصريين وينتصب الفعل بعدها بإضمار ان وهى متعلقة بخبر كان المحذوف اى مريدا لاهلاك اهل القرى وقال الكوفيون يهلك خبر كان زيدت اللام دلالة على التأكيد بِظُلْمٍ حال من الفاعل اى ظالما لها بغير ذنب واستحقاق للهلاك بل استحال ذلك فى الحكمة وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ غير ظالمين حال من المفعول. والمراد تنزيه الله تعالى عن الظلم بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى والا فلا ظلم فيما فعل الله بعباده كائنا ما كان. وقيل قوله بِظُلْمٍ متعلق بالفعل المتقدم والمراد به الشرك. والمعنى ليهلك القرى بسبب شرك أهلها وبمجرده وهم مصلحون فيما بينهم لا يضمون الى شركهم فسادا آخر وذلك لفرط رحمته ومسامحته فى حقوقه ولهذا قال الفقهاء حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة وحقوق العباد مبنية على المضايقة وقدموا عند تزاحم الحقوق حقوق العباد والحاصل ان عذاب الاستئصال لا ينزل لاجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر بل انما ينزل ذلك العذاب إذا خانوا فى المعاملات وسعوا فى أذى الخلق وظلمهم وانما لم يهلكهم بمجرد شركهم لان مكافاة الشرك النار لا ما دونها وانما يهلكهم بمعاصيهم زيادة على شركهم مثل قوم صالح بعقر الناقة وقوم لوط بالافعال الخبيثة وقوم شعيب بنقصان الكيل والوزن وقوم فرعون بايذائهم موسى وبنى إسرائيل قال بعضهم الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم واشتهر انوشروان بالعدل اشتهار حاتم بالجود حتى صار العادل لقباله فلفظ العادل انما يطلق عليه لعدم جوره وظهور عدله لا لمجرد المدح له والثناء عليه واما سلاطين الزمان فلظهور جورهم وعدم اتصافهم بالعدل منعوا عن اطلاق العادل عليهم إذ إطلاقه عليهم حينئذ يكون بمجرد المدح لهم والثناء عليهم فيكون كذبا وكفرا- حكى- ان انوشروان لما مات كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى مناد من له علينا حق فليأت فلم يوجد أحد فى ولايته له عليه حق من درهم
شه كسرى از ظلم از ان ساده است ... كه در عهد او مصطفى زاده است
وذكر عن ابى ميسرة قال اتى الى رجل فى قبره بعد ما دفن منكر ونكير فقالا له انا ضارباك مائة سوط فقال الميت انى كنت كذا وكذا فتشفع حتى حطا عنه عشرة ثم لم يزل بهما حتى حطا عنه عشرة اخرى الى ان صار الى ضربة واحدة فقالا انا ضارباك ضربة فضرباه واحدة فالتهب القبر نارا فقال لم ضربتمانى فقالا مررت برجل مظلوم فاستغاث بك فلم تغثه فهذه حال الذي لم يغث المظلوم فكيف يكون حال الظالم. فعلى السلاطين والحكام العدل على كافة الأنام وتفتيش احوال اهل الإسلام
نيايد بنزديك دانا پسند ... شبان خفته وگرگ در گوسفند
مكن تا توانى دل خلق ريش ... وگر ميكنى ميكنى بيخ خويش
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مشيئة قسر كما فى الكواشي لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحد كما كانوا قبل الاختلاف قال الله تعالى
стр. 1670
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وكما يكونون بعد الاختلاف فى آخر الزمان فى عهد عيسى ﵇ على ما فى بعض الروايات ولكن لم يشأ ذلك لما علم انهم ليسوا باهل لذلك فلم يكونوا امة متفقة على الحق يقول الفقير وقع الاتفاق فى أول النشأة الانسانية ثم آل الأمر الى الاختلاف بمقتضى الحكمة الالهية الى عهد عيسى ﵇ ويعود فى زمانه على ما كان عليه قبل. ففيه اشارة الى اتحاد سر الأزل والابد فافهم جدا. واما الاختلاف الواقع قبل آدم فغير معتبر لكونه من غير جنس الناس وكذا بعد عيسى ﵇ لكونه بعد انقطاع الولاية المطلقة وانتقالها الى نشأة اخرى وَلا يَزالُونَ اى الناس مُخْتَلِفِينَ فى الحق ودين الإسلام اى مخالفين له كقوله تعالى وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ او على أنبيائهم كما قال ﵇ (ان الله بعثني رحمة للعالمين كافة فادوا عنى رحمكم الله ولا تختلفوا كما اختلف الحواريون على عيسى فانه دعاهم الى الله مثل ما أدعوكم اليه) وفى الاية اثبات الاختيار للعبد لما فيها من النداء على انهم صرفوا قدرتهم وإرادتهم الى كسب الاختلاف فى الحق فان وجود الفعل بلا فاعل محال سواء كان موجبا او لا وهو جبر متوسط وقول بين القولين وذلك لان الجبرية اثنتان متوسطة تثبت كسبا فى الفعل كالاشعرية من اهل السنة والجماعة وخالصة لا تثبته كالجهمية وان القدرية يزعمون ان كل عبد خالق لفعله لا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى فنحن معاشر اهل السنة نقول العبد كاسب والله خالق اى فعل العبد حاصل بخلق الله إياه عقيب ارادة العبد وقصده الجازم بطريق جرى العادة بان الله يخلقه عقيب قصد العبد ولا يخلقه بدونه فالمقدور الواحد داخل تحت القدرتين المختلفتين لان الفعل مقدور الله من جهة الإيجاد ومقدور العبد من جهة الكسب يقول الفقير قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ونحوه لا ينافى الاختيار لان ذلك بالنسبة الى فناء العبد فى الحق ولا كلام فى ان المؤثر على كل حال هو الله تعالى: كما قال المولى الجامى قدس سره
حق فاعل وهر چهـ جز حق آلات بود ... تأثير ز آلت از محالات بود
هستى مؤثر حقيقى است يكيست ... باقى همه أوهام وخيالات بود
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ استثناء متصل من الضمير فى مختلفين وان شئت من فاعل لا يزالون اى الا قوما هداهم الله بفضله الى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه اى لم يخالفوه وَلِذلِكَ اى وللرحمة بتأويل ان مع الفعل خَلَقَهُمْ الضمير لمن قاله ابن عباس اى خلق اهل الرحمة للرحمة كما خلق اهل الاختلاف للاختلاف: وفى المثنوى
چون خلقت الخلق كى يربح على ... لطف تو فرمود اى قيوم وحي
لا لان تربح عليهم جودتست ... كه شود زو جمله ناقصها درست
عفو كن زين بندگان تن پرست ... عفو از درياى عفو اوليترست
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ اى وجب قول ربك للملائكة او حكمه وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ اى من عصاتهما أجمعين او منهما أجمعين لا من أحدهما فهو لتأكيد العموم للنوعين والثلان هما النوعان المخلوقان للاختلاف فى دين الله الموصوفان بكفران نعم الله
стр. 1671
ونسيان حقه وهما سيان فى الحكم فلا شقياء الجن ما لا شقياء الانس من العقاب واعلم ان الناس فى الأديان على اربعة اقسام سعيد. بالنفس والروح فى لباس السعادة وهم الأنبياء واهل الطاعة. والثاني شقى بالنفس فى لباس الشقاوة وهم الكفرة المصرون. والثالث شقى بالنفس فى لباس السعادة مثل بلعم بن باعورا وبرصيصا وإبليس. والرابع سعيد بالنفس فى لباس الشقاوة كبلال وصهيب وسلمان فى أوائل أمرهم ثم بدل الله لباسهم بلباس التقوى والهداية فاصل الأصول هو العناية الازلية والهداية الالهية والسعادة الاصلية قال فى الاحياء المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الارادة والمانع من الارادة عدم الايمان وسبب عدم الايمان عدم الهداية انتهى
قرب تو بأسباب وعلل نتوان يافت ... بى سابقه فضل ازل نتوان يافت
قال فى التأويلات النجمية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً فى طلب الحق وَلا يَزالُونَ الخلق مُخْتَلِفِينَ فى الطلب فمنهم من طلب الدنيا ومنهم من طلب الآخرة ومنهم من طلب الحق إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فاخرجهم بنور رحمته من ظلمة طبيعتهم الجسمانية والروحانية الى نور طلب الربوبية فلا يكونون طلابا للدنيا والعقبى بل يكونون طلاب جمال الله وجلاله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ اى ولطلب الله تعالى خلقهم وأكرمهم بحسن استعداد الطلب ورحمهم على توفيق الطلب وفضلهم على العالمين بفضيلة الوجدان وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ فى الأزل إذ قال (هؤلاء فى الجنة ولا أبالي وهؤلاء فى النار ولا أبالي) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ اى من الأرواح المستهلكة المتمردة وهم إبليس واتباعه وَالنَّاسِ وهم النفوس الأمارات بالسوء أَجْمَعِينَ كلهم من الفريقين المعرضين عن الله تعالى وطلبه انتهى: قال المولى الجامى قدس سره
يا من ملكوت كل شىء بيده ... طوبى لمن ارتضاك ذخرا لغده
اين بس كه دلم جز تو ندارد كامى ... تو خواه بده كام دلم خواه مده
: وقال المغربي قدس سره
نيست در باطن ارباب حقيقت جز حق ... جنت اهل حقيقت بحقيقت اينست
فاذا عرفت حقيقة الحال وسر هذا الكلام فجرد همتك من لباس علاقة كل حال ومقام وصر وأصلا الى الله حاصلا عنده وهو غاية المرام وَكُلًّا مفعول به لنقص وتنوينه عوض عن المضاف اليه المحذوف اى كل نبأ وخبر نَقُصُّ عَلَيْكَ نخبرك به مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ بيان لكل او صفة لما أضيف اليه كل لا لكلا لان الفصيح وصف المضاف اليه ومن للتبعيض ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ بدل من كلا او صفة لما أضيف اليه والأظهر ان يكون المضاف اليه المحذوف فى كلا المفعول المطلق لنقص اى كل اقتصاص اى كل اسلوب من اساليبه نقص عليك من انباء الرسل. وقوله ما نثبت به فؤادك مفعول نقص اى ما نشد به قلبك حتى يزيد يقينك ويطيب به نفسك وتعلم ان الذي فعل بك قد فعل بالأنبياء قبلك والإنسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فرأى جماعة يشاركونه فيها خف على قلبه بليته كما يقال البلية إذا عمت خفت وطابت قال القاشاني ﵀ فى شرح التائية للقلب وجه الى الروح يسمى فؤادا وهو محل الشهود كما قال سبحانه ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ووجه الى النفس يسمى صدرا وهو محل صور العلوم والقلب عرش
стр. 1672
الروح فى عالم الغيب كما ان العرش قلب الكائنات فى عالم الشهادة انتهى وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة على ما فسره ابن عباس رضى الله عنهما فى منبر البصرة وعليه الأكثر الْحَقُّ ما هو حق وبيان صدق وتخصيصها بالحكم بمجىء الحق فيها مع ان ما جاءه فى جميع السور حق يحق تدبره وإذعانه والعمل بمقتضاه تشريفا لها ورفعا لمنزلتها وَمَوْعِظَةٌ ونصيحة عظيمة وَذِكْرى وتذكرة لِلْمُؤْمِنِينَ لانهم هم المنتفعون بالموعظة والتذكير بايام الله وعقوبته قال فى الإرشاد اى الجامع بين كونه حقا فى نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين ولكون الوصف الاول حالا له فى نفسه حلى باللام دون ما هو وصف له بالقياس الى غيره وتقديم الظرف اعنى فى هذه على الفاعل لان المقصود بيان منافع السورة لا بيان ذلك فيها لا فى غيرها وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بهذا الحق ولا يتعظون به ولا يتذكرون من اهل مكة وغيرهم اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
اى حالكم وجهتكم التي هى عدم الايمان إِنَّا عامِلُونَ على حالنا وهو الايمان به والاتعاظ والتذكير به وَانْتَظِرُوا بنا الدوائر والنوائب على ما يعدكم الشيطان إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ان ينزل بكم ما نزل بامثالكم من الكفرة على ما وعد الرحمن فهذا تهديد لهم لا ان الآية منسوخة بآية السيف واعلم ان تثبيت القلوب على الدين والطاعة الى الله تعالى لا الى غيره لانه تعالى أسنده الى ذاته الكريمة وان التثبت يكون منه بالواسطة وبغير الواسطة فاما بالواسطة فههنا كما قال ما نُثَبِّتُ بِهِ اى بالانباء عن أقاصيص الرسل كقوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ واما بغير الواسطة فكقوله تعالى وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا وهذا التثبيت من إنزال السكينة فى قلبه بغير واسطة كقوله فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وكقوله هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ واعلم انه كما يزداد الايمان بالسكينة فكذلك يزداد اليقين على اليقين باستماع قصص الانبيا والأمم السالفة كما قيل حكايات الصالحين جند من جنود الله تعالى وهذا لمن يثبت الله به قلبه لا لمن يزداد شكه على الشك وكفره على الكفر كأبى جهل ونحوه لان الله تعالى أودع فى كل شىء لطفه وقهره فمن فتح عليه باب لطفه اغلق عليه باب قهره ومن فتح عليه باب قهره اغلق عليه باب لطفه: قال فى المثنوى
ماهيانرا بحر نگذارد برون ... خاكيانرا بحر نگذارد درون «١»
اصل ماهى ز اب وحيوان از كاست ... حيله وتدبير اينجا باطلست
قفل رفتست وگشاينده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا
ومن فتح الله عليه باب لطفه جاءه الحق من هذا الباب كما قال الله تعالى وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ اى انك لست بقادر ان تجيئ فى هذه بالحق لان أبواب اللطف والقهر مغلوقة والمفتاح بيد الفتاح لا يقدر غير المفتاح ان يفتحه فاذا هو الذي يفتح باب لطفه فى كل شىء على العبد ويجيئ بكرمه فيه اليه بلا كيف ولا اين وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ليطلبوا الحق من باب لطفه فى كل شىء ولا يطلبوا من باب قهره
اطلبوا الأرزاق من أسبابها ... ادخلوا الأبيات من ابوابها «٢»
стр. 1673
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بطلب الحق ووجدانه اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ فى طلب المقاصد من باب قهر الحق تعالى إِنَّا عامِلُونَ فى طلب الحق من باب لطفه وَانْتَظِرُوا قهر الحق من باب قهره إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وجدان الحق من باب لطفه وقد ثبت عند اهل التحقيق ان الوجود العيني تابع لعلم الله تعالى وهو تابع للمعلوم الذي هو عين ثابتة لكل فرد من افراد الإنسان وهم قد سألوا بلسان الاستعداد فى تلك المرتبة اى حين كونهم أعيانا ثابتة كل ما لهم وعليهم فسلوكهم فى هذه النشأة الى طريق الأعمال القهرية ودقهم باب الجلال الإلهي انما هو من نتائج استعداداتهم ومقتضيات اسئلتهم السابقة وقس عليه اهل اللطف والجمال وكما ان الله تعالى نصر أنبياءه كذلك ينصر أولياءه وصالح المؤمنين ويفتح عليهم أبواب لطفه وكرمه ويؤيدهم ويثبتهم ويحفظهم من تزلزل الاقدام بحسب مراتبهم ويدفع عن قلوبهم الألم وانما الألم من فقدان العيان- يحكى- ان شابا ضرب تسعة وتسعين سوطا فما صاح ولا استغاث الا فى واحدة بعدها فتبعه الشبلي ﵀ فسأله عن امره فقال ان العين التي ضربت من أجلها كانت تنظر الىّ فى التسعة والتسعين وفى الواحدة حجبت عنى: وفى المثنوى
هر كجا باشد شه ما را بساط ... هست صحرا گر بود سم الخياط
هر كجا يوسف رخى باشد چوماه ... جنتست آن گرچهـ باشد قعر چاه
فالكلام انما هو فى كون المرء مع الحق وشهوده فى كل وقت وَلِلَّهِ اللام للاختصاص غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الغيب فى الأصل مصدر واضافة المصدر من صيغ العموم والاضافة بمعنى فى اى يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفى عليهم علمه فكيف يخفى عليه أعمالكم وَإِلَيْهِ تعالى وحده يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ بضم الياء وفتح الجيم بمعنى يرد وبفتح الياء وكسر الجيم بمعنى يعود عواقب الأمور كلها يوم القيامة فيرجع أمرك يا محمد وامر الكفار اليه فينتقم لك منهم فَاعْبُدْهُ اى أطعه واستقم على التوحيد وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فوض اليه جميع أمورك فانه كافيك وعاصمك من شرهم فعليك تبليغ ما أوحينا إليك بقلب فسيح غير مبال بعداوتهم وعتوهم وسفههم وفى تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة اشعار بانه لا ينفع بدونها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وكل عمل تعمله أنت وهم اى الكفار فالله تعالى عالم به غير فاعل عنه لان الغفلة والسهو لا يجوزان على من لا يخفى عليه شىء فى السماوات والأرض فيجازى كلا منك ومنهم بموجب الاستحقاق وعن كعب الأحبار ان فاتحة التوراة سورة الانعام وخاتمتها هذه الآية وهى وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلخ اعلم ان علم الغيوب بالذات مختص بالله تعالى واما اخبار الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين فبواسطة الوحى والإلهام وتعليم الله تعالى. ومن هذا القبيل اخباره ﵇ عن حال العشرة المبشرة. وكذا عن حال بعض الناس وعن محمد بن كعب انه قال قال رسول الله ﷺ (ان أول من يدخل من هذا الباب رجل من اهل الجنة) فدخل عبد الله ابن سلام فقام اليه الناس من اصحاب رسول الله فاخبروه بذلك قالوا لو اخبرتنا باوثق عمل ترجوبه فقال انى ضعيف وان أوثق ما أرجو به سلامة الصدر وترك ما لا يعنى. وكذا اخباره عليه السلام
стр. 1674
عن اشراط الساعة وما يظهر فى آخر الزمان من غلبة البدع والهوى واماتة الصلاة واتباع الشهوات وعن سيد الطائفة جنيد البغدادي ﵀ قال لى خالى سرى السقطي تكلم على الناس وكنت اتهم نفسى فى استحقاق ذلك ورأيت النبي ﵇ وكان ليلة الجمعة فقال تكلم على الناس فانتبهت وأتيت بابه العامي فقال لم تصدقنا حتى قيل لك فقعدت من غد للناس اى بطريق العظة والتذكير فقعد على غلام نصرانى متنكرا وقال ايها الشيخ ما معنى قوله ﵇ (اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله) قال فاطرقت رأسى ورفعت فقلت اسلم فقد حان وقت إسلامك فاسلم الغلام فمثل هذا العلم والوقوف على احوال الناس لا يحصل الا بأخبار الله تعالى والا فكل ولى متحير فى امره وامر غيره كما قال المولى الجامى
اى دل تو كه آن فضولى وبو العجبى ... از من چهـ نشان عافيت مى طلبى
سرگشته بود خواه ولى خواه نبى ... در وادي ما أدرى ما يفعل بي
ثم ان التوكل عبارة عن الاعتصام به تعالى فى جميع الأمور ومحله القلب وحركة الظاهر لا تنافى توكل القلب بعد ما تحقق عند العبد ان التقدير من قبل الله تعالى فان تعسر شىء فبتقديره فالواجب على كافة العباد ان يعبدوا الله تعالى ويعتمدوا عليه كل الاعتماد لا على الجاه والعقل والأموال والأولاد فان الله تعالى خالق كل مخلوق ورازق كل مرزوق وفى الحديث (ما من زرع على الأرض ولا ثمر على الأشجار الا وعليه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان ابن فلان) وفى الحديث (خلق الله الأرزاق قبل الأجساد بألف عام فبسطها بين السماء والأرض فضربتها الرياح فوقعت فى مشارق الأرض ومغاربها فمنهم من وقع رزقه فى الف موضع ومنهم من وقع فى مائة ومنهم من وقع على باب داره يغدو ويروح حتى يأتيه) : قال المولى الجامى قدس سره
حرص چهـ ورزى كه نبودت او سود ... هيچ دو شش كرد دو هشت تونه
رنج طلب را همه بر خود مگير ... يطلبك الرزق كما تطلبه
وأفضل العبادات فى مقام التوكل هو التوكل وفى مقام الرضى هو الرضى وفى مقام الفناء هو الفناء وعلى هذا ثم ان العبادة وان كثرت أنواعها ولكن العبادة فى الحقيقة ترك العادات ومخالفة النفس بالمجاهدات والانقطاع عما سوى الله تعالى حتى يترقى العبد من مقام العبادة الى مقام العبودية ولا يحصل ذلك الا بكمال التوحيد وكمال التوحيد لا يحصل الا بالمداومة للعبادات والملازمة الى ذكر الله تعالى فى جميع الحالات
يا رب ز دو كون بي نيازم گردان ... واز أفسر فقر سر فرازم گردان
در راه طلب محرم رازم گردان ... زان ره كه نه سوى تست بازم گردان
والله ولى التوفيق واليه تعود العواقب على التحقيق تمت سورة هود بفضل الله الودود فى سحر ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الاول من سنة ثلاث ومائة والف
стр. 1675
تفسير سورة يوسف
وهى مكية وآيها مائة واحدي عشرة على ما هو المضبوط
بسم الله الرحمن الرحيم- روى- عن ابى بن كعب رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ انه قال (علموا ارقاءكم سورة يوسف فانه أيما مسلم املاها وعلمها اهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة وان لا يحسد مسلما) كذا فى تفسير التبيان وذلك ان يوسف ﵇ ابتلى بحسد الاخوان وشدائد البئر والسجن فارسل الله تعالى جبرائيل فسلاه وهون عليه تلك الشدائد بايصاله الى مقام الانس والحضور ثم أعطاه القوة والعزة والسلطنة فآل امره الى الصفاء بعد انواع الجفاء فمن حافظ على تلاوة سورة يوسف وتدبر فى معانيها وصل الى ما وصل يوسف من انواع السرور كما قال ابن عطاء رحمه الله تعالى لا يسمع سورة يوسف محزون الا استراح كما فى تفسير الكواشي نسأل الله الراحة من جميع الحواشي- روى- ان أحبار اليهود قالوا لرؤساء المشركين سلوا محمدا لماذا انتقل آل يعقوب من الشام الى مصر وعن قصة يوسف ففعلوا ذلك فنزلت هذه السورة الر اى انا الله ارى واسمع سؤالهم إياك عن هذه القصة ويقال انا الله ارى صنيع اخوة يوسف ومعاملتهم معه. ويقال انا الله ارى ما يرى الخلق وما لا يرى الخلق. ويقال الر تعديد للحروف على سبيل التحدي فلا محل له من الاعراب او خبر مبتدأ محذوف اى هذه السورة الر اى مسماة بهذا الاسم يقول الفقير أصلحه الله القدير الحروف المقطعة من الاسرار المكتومة التي يحرم افشاؤها لغير أهلها. وقول بعضهم هذه الحروف من المتشابهات القرآنية لا يعلم معانيها الا الله سلوك الى الطريق الا سلم وتسليم للامر الى اهله وليس ببعيد من كرم الله تعالى ان يفيض معانيها على قلوب الكمل لكنهم انما يرمزون بها ويشيرون بغير تصريح بحقائقها صونا للعقول الضعيفة وحفظا للعهد المأخوذ منهم
قدر گوهر چوگوهرى داند ... چهـ نهى در دكان خرده فروش
قال الحافظ
قيمت در گرانمايه چهـ دانند عوام ... حافظا گوهر يكدانه مده جز بخواص
وعن على رضى الله عنه لو حدثتكم ما سمعتة من فم ابى القاسم لخرجتم من عندى وتقولون ان عليا أكذب الكذابين وافسق الفاسقين كما فى شرح المثنوى: قال حضرت الشيخ العطار قدس سره
دلى پر گوهر اسرار دائم ... ولى اندر زبان مسمار دارم
وقال حضرة مولانا قدس سره
هر كه را اسرار كار آموختند ... مهر كردند ودهانش دوختند
وكون هذه الحروف المبسوطة مما ليس لها وضع لغوى او عرفى معلوم لا ينافى ان يكون لها معان حقيقية فى الحقيقة فان الواضع هو الله تعالى فيحتمل انه وضع لها معانى معلومة لخلص عباده بل الاحتمال مرفوع حيث ان نزول حرف التهجي على أبينا آدم عليه السلام
стр. 1676
يحقق موضعيتها فقول العلماء انها تعديد على نمط التحديد ليس له كثير معنى فافهم جدا وفى الحديث (سألنى ربى) اى ليلة المعراج (فلم أستطع ان أجيبه فوضع يده بين كتفى بلا تكييف ولا تحديد) اى يد قدرته لانه سبحانه منزه عن الجارحة (فوجدت بردها فاورثنى علوم الأولين والآخرين وعلمنى علوما شتى فعلم أخذ علىّ كتمانه إذ علم انه لا يقدر على حمله غيرى وعلم خيرنى فيه وعلم أمرني بتبليغه الى العام والخاص من أمتي) وهى الانس والجن والملك كما فى انسان العيون تِلْكَ السورة وأشير إليها بما يشير الى البعيد لانه وصل من المرسل الى المرسل فصار كالمتباعد او لان الاشارة لما كانت الى الموجود فى الذهن أشير به ايماء الى بعده عن حيز الاشارة لما انها تكون بمحسوس مشاهد وهو مبتدأ خبره قوله آياتُ الْكِتابِ اى القرآن الْمُبِينِ من ابان بمعنى بان اى وضح وظهر اى الظاهر امره فى كونه من عند الله تعالى وفى اعجازه او بمعنى بين وأوضح اى المبين لما فيه من الاحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت واسرار النشأتين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص وفى بحر العلوم الكتاب المبين هو اللوح وإبانته انه قد كتب وبين فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه ابانة ولما وصف الكتاب بما يدل على الشرف الذاتي عقب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل إِنَّا أَنْزَلْناهُ اى الكتاب المتضمن قصة يوسف وغيرها فى حال كونه قُرْآناً عَرَبِيًّا بلغتكم فعربيا نعت لقرآنا نعت نسبة لا نعت لزوم لانه كان قرآنا قبل نزوله فلما نزل بلغة العرب نسب إليها كما فى الكواشي. وقرآنا حال موطئة اى توطئة للحال التي هى عربيا لانه فى نفسه لا يبين الهيئة وانما بينها للغير وهى ما يتبعها من الصفة فان الحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هى الحال فى الحقيقة فكان الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال فى الحقيقة بمجيئه قبلها موصوفا بها كما فى شرح الكافية للعلامة لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اى لكى تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه وتطلعوا على انه خارج عن طوق البشر منزل من عند خلاق القوى والقدر والعقل ادراك معنى الكلام والعلة على التشبيه والاستعارة فان افعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض عند اهل السنة وقال فى بحر العلوم لعل مستعار لمعنى الارادة لتلاحظ العرب معناه او معنى الترجي اى أنزلنا قرآنا عربيا ارادة ان تعقله العرب ويفهموا منه ما يدعوهم اليه فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا لنبيهم ما خوطبنا به كما قال وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ وفى التأويلات النجمية الر يشير بألف الى الله وباللام الى جبريل وبالراء الى الرسول اى ما انزل الله تعالى على لسان جبريل على قلب الرسول دلالات الكتاب من المحبوب الى المحب ليهتدى المحب بالبيان طريق الوصول الى المحبوب انا كسوناه للقراءة كسوة العربية لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ حقائق معانيه وأسراره ومبانيه وإشاراته بها إذ هى لغتكم كما أنزلنا التوراة على أهلها بلغة العبرى والإنجيل بلغة السرياني يشير به الى ان حقيقة كلام الله تعالى منزهة فى كلاميته عن كسوة الحروف والأصوات واللغات ولكن الخلق يحتاجون فى تعقل معانيه الى كسوة الحروف واللغات وفى الآيات دليل على شرف اللسان العربي وفى كلام الفقهاء العرب اولى الأمم لانهم المخاطبون اولا والدين عربى وفى
стр. 1677
الحديث (أحب العرب لثلاث لانى عربى والقرآن عربى وكلام اهل الجنة عربى) وفى الحديث (ان لواء الحمد يوم القيامة بيدي وان اقرب الخلق من لوائى يومئذ العرب) وفى الحديث (إذا ذلت العربي ذل الإسلام) وفى الحديث (ان الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين قسم العرب قسما وقسم العجم قسما وكانت خيرة الله فى العرب ثم قسم العرب قسمين قسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة الله فى مضر وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة الله فى قريش ثم أخرجني من خير من انا منه)
تازى يثربى لقب مكئ هاشمى نسب ... معتكف سراى وحي امئ أمتي سراى
يقول الفقير ولكون رسول الله ﷺ عربيا جاء وارثه الأكمل من العرب وهو حضرة الشيخ الأكبر والمسك الأذفر والكبريت الأحمر محيى الدين بن عربى قدس الله نفسه الزاكية وانما قلت بكونه الوارث الأكمل لكونه خاتمة الولاية الخاصة المحمدية فهو من أكمل مظاهر هذه المرتبة وفيه ظهر التفضيل الذي لم يظهر فى غيره ومن عداه طفيلى مائدته فى هذا الباب وبهذا المعنى نصرح به ولا نكنى وليمت المنكر بغيظه وغضبه ونعوذ بالله من سوء الاعتقاد نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نخبرك ونحدثك. وبالفارسية [ما ميخوانيم بر تو] من قصى اثره إذا اتبعه لان من يقص الحديث ويرويه يتبع ما حفظ منه شيأ فشيأ كما يقال تلا القرآن إذا قرأه لان من يتلو يتبع ما حفظ منه آية بعد آية أَحْسَنَ الْقَصَصِ مفعول به لنقص على ان يكون القصص مصدرا بمعنى المقصوص اى نبين لك احسن ما يقص من الانباء والأحاديث وهو قصة آل يعقوب والظاهر أنه احسن ما يقص فى بابه كقولك فلان اعلم الناس وأفضلهم تريد فى فنه كما فى بحر العلوم اى فلا يلزم ان يكون احسن من قصة سيد الكونين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ويمكن ان يقال قد يراد بافعل الزيادة من وجه كما فى قوله تعالى أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها كما فى حواشى سعدى المفتى قال محيى السنة سمى الله قصة يوسف احسن القصص لما فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء والتجاوز عنهم بعد الاقتدار وغير ذلك من الفوائد وقال بعضهم لان يوسف ﵇ كان احسن أبناء بنى إسرائيل ونسبه احسن الأنساب كما قال ﷺ (ان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم) والكرم اسم جامع لكل ما يحمد به واجتمع فى يوسف مع كونه ابن ثلاثة أنبياء متراسلين شرف النبوة وحسن الصورة وعلم الرؤيا ورياسة الدنيا وحياطة الرعايا فى القحط والبلايا فأى رجل أكرم من هذا وقال بعضهم لان دعاءه كان احسن الادعية توفنى مسلما والحقنى بالصالحين وهو أول من تمنى لقاء الله تعالى بالموت
غافلان از موت مهلت خواستند ... عاشقان گفتند نى نى زود باش
وتزويجه احسن التزويج وفى قصة تزويجه صفة فرقة ووصلة وصلة وغربة وتلطيف وتعنيف وعشق وعاشق ومعشوق وحبس وخلاص وقيد وعبودية وعتق وتعارف وتناكر واقبال
стр. 1678
وفرار ونفحة وجذبة واشارة وبشارة وتعبير وتفسير وتعسير وتيسير وأودع فى قصته ما لم يودع فى غيرها من اللطائف وانواع المعاملات مما يروح الأرواح ويهيج الأشباح يقول الفقير لا يبعد ان يقال ان قصة يوسف احسن الأقاصيص السالفة فى سورة هود فى باب تسلية النبي ﷺ وفى نفسها ايضا إذ ما يتعلق بالمحبوب محبوب وما ينبئ عن الأحسن احسن كما قال المولى الجامى
بس دلكش است قصه خوبان وزان ميان ... تو يوسفى وقصه تو احسن القصص
وسيجيئ ذكر الملاحة المتعلقة بجناب يوسف وحضرة الرسالة ﵉ وقال بعضهم هى أول قصة نزلت على رسول الله ﷺ وهى او جز لفظا واجمع معنى مترجمة فى الحقيقة عن اسرار الوراثة والخلافة والروح والقلب والقوى وتصفية النفس الامارة التي ظهرت. اولا فى صورة زليخا ثم أسلمت وتزكت وصفت الى ان وصلت
الى مقام الرضى والامتنان بعد همها باماريتها ثم اجتمعت بالروح اليوسفى بعد انقياد قواها فى صورة الاخوة وقال فى التأويلات النجمية انما كانت احسن القصص لان لها مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ورجوعه الى الله ووصوله اليه وذلك لانها تشير الى معرقة تركيب الإنسان من الروح والقلب والسر والنفس وحواسه الخمس الظاهرة وقواء الست الباطنة والبدن وابتلائه بالدنيا وغير ذلك الى ان يبلغ الإنسان أعلى مراتبه فاشارة يوسف الى القلب ويعقوب الى الروح وراحيل الى النفس واخوة يوسف الى القوى والحواس ثم ان القرآن مع اشتماله على مثل هذه القصة البديعة وغيرها من عجائب البيان طعن فيه الكفار لكونهم عن غير اولى الابصار: وفى المثنوى
چون كتاب الله بيامد هم بران ... اينچنين طعنه زدند آن كافران
كه أساطير است وافسانه نژند ... نيست تعميقى وتحقيقي بلند
ذكر يوسف ذكر زلف و پرچمش ... ذكر يعقوب وزليخاى غمش
ونعم ما قال حضرة الشيخ السعدي قدس سره
كسى بديده انكار اگر نگاه كند ... نشان صورت يوسف دهد بنا خوبى
وگر بچشم أرادت نگه كند در ديو ... فرشته اش بنمايد بچشم كروبى
بِما أَوْحَيْنا متعلقة بنقص وما مصدرية اى بايحائنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ مخففة من الثقيلة اى وان الشان كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ايحائنا إليك هذا القرآن لَمِنَ الْغافِلِينَ الغفلة عن الشيء هى ان لا يخطر ذلك بباله اى لمن الغافلين عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط وهو تعليل لكونه موحى والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لاجلال شأنه ﵇ كما فى الإرشاد فليست هى الغفلة المتعارفة بين الناس ولله ان يخاطب حبيبه بما شاء ألا ترى الى قوله ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وقوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا ونحو هما فان مثل هذا التعبير انما هو بالنسبة الى الله تعالى وقد تعارفه العرب من غير ان يخطر ببالهم نقص ويجب علينا حسن الأداء فى مثل هذا المقام رعاية للادب فى التعبير وتقرير
стр. 1679
الكلام مع ان الزمان واهله قد مضى وانقضت الأيام والأنام اللهم اجعلنا فيمن هديتهم الى لطائف البيان ووفقتهم لما هو الأدب فى كل أمر وشان انك أنت المنان إِذْ قالَ يُوسُفُ اى اذكر يا محمد وقت قول يوسف وهو اسم عبرى ولذا لم ينصرف للعجمة والتعريف ولو كان عربيا لا نصرف والعبرى والعبراني لغة ابراهيم ﵇ كما ان السرياني هى اللغة التي تكلم بها آدم ﵇ قال السيوطي السرياني منسوب الى سريانة وهى ارض الجزيرة التي كان نوح وقومه قبل الغرق فيها وكان لسانهم سريانيا الا رجلا واحدا يقال له جرهم وكان لسانه عربيا قال فى أنوار المشارق من اللطائف الاتفاقية ان الأسف فى اللغة الحزن والاسيف العبد وقد اتفق اجتماعهما فى يوسف لِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم قال بعض من مال الى الاشتقاق فى هذه الأسماء انما سمى يعقوب لان يعقوب وعيصا كانا توأمين فاقتتلا فى بطن أمهما حيث أراد يعقوب ان يخرج فمنعه عيص وقال لئن خرجت قبلى لاعترضن فى بطن أمي فلا قتلنها فتأخر يعقوب فخرج عيص فاخذ يعقوب بعقب عيص فخرج بعده فلهذا سمى به وسمى الآخر عيصا لما عصى وخرج قبل يعقوب وكان عيص رجلا أشعر وكان يعقوب أجرد وكان عيص أحبهما الى أبيه وكان يعقوب أحبهما الى امه وكان عيص صاحب صيد وكان يعقوب صاحب غنم فلما كبر إسحاق وعمى قال لعيص يوما يا بنى أطعمني لحم صيد واقترب منى ادع لك بدعاء دعالى به ابى هو دعاء النبوة وكان لكل نبى دعوة مستجابة واخر رسولنا ﷺ دعاءه للشفاعة العظمى يوم القيامة فخرج عيص لطلب صيد فقالت امه ليعقوب يا بنى اذهب الى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوها والبس جلدها وقدمها الى أبيك قبل أخيك وقل له انا ابنك عيص لعله يدعو لك ما وعده لاخيك فلما جاء يعقوب بالشواء قال يا أبت كل قال من أنت قال انا ابنك عيص فمسه فقال المس مس عيص والريح ريح يعقوب يقول الفقير والأسلم ان يقال ان امه أحضرت الشواء بين يدى إسحاق وقالت ان ابنك جاءك بشواء فادع له فظن إسحاق انه عيص فاكل منه ثم دعا لمن جاء به ان يجعل الله فى ذريته الأنبياء والملوك فذهب يعقوب ولما جاءه عيص قال يا أبت قد جئتك بالصيد الذي أردت فعلم إسحاق الحال وقال يا بنى قد سبقك أخوك ولكن بقيت لك دعوة فهلم ادعو لك بها فدعا ان يكون ذريته عدد التراب فاعطى الله له نسلا كثيرا وجملة الروم من ولده روم وكان إسحاق متوطنا فى كنعان وإسماعيل مقيما فى مكة فلما بلغ إسحاق الى مائة وثمانين من العمر وحضرته الوفاة وصى سرا بان يخرج يعقوب الى خاله فى جانب الشام حذرا من ان يقتله اخوه عيص حسدا لانه اقسم بالله فى قصة الشواء ان يقتل يعقوب فانطلق الى خاله ليابن ناهز واقام عنده وكان لخاله بنتان إحداهما لايا وهى كبراهما والاخرى راحيل وهى صغراهما فخطب يعقوب الى خاله بان يزوجه إحداهما فقال له خاله هل لك مال قال لا ولكن اعمل لك فقال نعم صداقها ان تخدمنى سبع سنين فقال يعقوب أخدمك سبع سنين على ان تزوجنى راحيل قال ذلك بينى وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فزوجه الكبرى وهى لا يا قال له يعقوب انك خدعتنى انما أردت راحيل فقال له خاله انا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة فهلم فاعمل سبع سنين
стр. 1680
اخرى فازوجك أختها وكان الناس يجمعون بين الأختين الى ان بعث الله موسى ﵇ فرعى له سبع سنين اخرى فزوجه راحيل فجمع بينهما وكان خاله حين جهزها دفع الى كل واحدة منهما امة تخدمها اسم إحداهما زلفة والاخرى بلهة فوهبتا الامتين ليعقوب فولدت لايا ستة بنين وبنتا واحدة روبيل. شمعون. يهودا. لاوى. يسجر. زيالون. دنية وولدت زلفة ابنين دان. يغثالى وولدت بلهة ايضا ابنين جاد. آشر وبقيت راحيل عاقرا سنين ثم حملت وولدت يوسف وليعقوب من العمر احدى وتسعون سنة وأراد يعقوب ان يهاجر الى موطن أبيه إسحاق بكل الحواشي وكان ليوسف خال له أصنام من ذهب فقالت لايا ليوسف اذهب واسترق منه صنما لعلنا نستنفق منه فذهب يوسف فأخذ صنما يقول الفقير
والأسلم ان خاله وهو ابو امرأته جهزه كما فى بعض الكتب فخرج وقد رفع الله ما فى قلب عيص من العداوة
كفر ايمان كشت وديو اسلام يافت ... آن طرف كان نور بى اندازه يافت
فلما التقيا تعانقا وكانا على المصافاة وفى سنة الهجرة حملت راحيل ببنيامين وماتت فى نفاسها ويوسف ابن سنتين وكان أحب الأولاد الى يعقوب وحين صار ابن سبع سنين رأى فى المنام ان احدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة فى الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لابيه فقال إياك ان تذكر هذا لاخوتك ثم رأى ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر وهو ابن ثنتى عشرة سنة او سبع عشرة ما حكى الله تعالى عنه بقوله يا أَبَتِ [كويند يوسف در كنار پدر در خواب بود ناكاه سراسيمه از خواب در آمد پس يعقوب كفت اى پسر ترا چهـ رسيد كفت] يا أبت واصله يا ابى فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما فى ان كل واحدة زيادة مضمومة الى آخر الاسم أو لأن التاء تدل فى بعض المواضع على التفخيم كما فى علامة ونسابة والأب والام مظنتا التفخيم كما اختاره الرضى. والمعنى بالفارسية [اى پدر خواب عجب ديدم] إِنِّي رَأَيْتُ فى المنام فهو من الرؤيا لا من الرؤية لقوله لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ قال فى الكواشي الرؤيا فى المنام والرؤية فى العين والرأى فى القلب أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [ومن بر سر كوهى بلند بودم كه حوالىء او انهار جارى وأشجار سبز بود] وعطف الشمس والقمر على كوكبا تخصيصا اى لاظهار شرفهما على سائر الطوالع كعطف الروح على الملائكة ثم استأنف على تقدير كيف رأيت فقال رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [اين ستاركان ونيرين فرود آمدند ومن در ايشان نكرستم ديدم مرا سجود كنندكان] اى سجدة تحية لا سجدة عبادة قال ابن الشيخ لفظ السجود يطلق على وضع الجبهة على الأرض سواء كان على وجه التعظيم والإكرام او على وجه العبادة ويطلق ايضا على التواضع والخضوع وانما أجريت مجرى العقلاء فى الضمير لوصفها بوصف العقلاء اعنى السجود- روى- عن جابر ان يهوديا جاء رسول الله ﷺ فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت النبي ﵊ فنزل جبريل فاخبره بذلك فقال ﵇ (إذا أخبرتك بذلك هل تسلم) قال نعم قال ﵇ (جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس
стр. 1681
والقمر نزلن من السماء وسجدن له) فقال اليهودي اى والله انها لا سماؤها واعلم ان يوسف رأى اخوته فى صورة الكواكب لانه يستضاء بالاخوة ويهدى كما يهدى بالكواكب ورأى أباه وخالته ليا فى صورة الشمس والقمر وانما قلنا خالته لان امه ماتت فى نفاس بنيامين كما مر وسجودهم له دخولهم تحت سلطنته وانقيادهم كما سيأتى فى آخر القصة قال فى الإرشاد ولا يبعد ان يكون تأخير الشمس والقمر اشارة الى تأخر ملاقاته لهما عن ملاقاته لاخوته والاشارة بالأحد عشر كوكبا الى الحواس الخمس الظاهرة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والقوى الست الباطنة من المفكرة والمذكرة والحافظة والمخيلة والواهمة والحس المشترك فان كل واحدة من هذه الحواس والقوى كوكب مضيئ يدرك به معنى مناسب له وهو اخوة يوسف القلب لانهم تولدوا بازدواج يعقوب الروح وراحيل النفس كلهم بنوا اب واحد والاشارة بالشمس والقمر الى الروح والنفس ومقام كمالية الإنسان ان يكون للقلب سلطان يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى كما سجد الملائكة لآدم اى تنقاد وتصير مسخرة مقهورة تحت يده وهذا هو الفتح المطلق الذي اشارت اليه سورة النصر وليس لوارث هذا المقام بقاء فى الدنيا غالبا اى بعد ان تحقق بحقيقته فافهم جدا وكان شيخنا الاجل الأكمل من هذا القسم روح الله روحه وأفاض علينا فتوحه وهم يختارون المقام عند ربهم إذا وصلوا الى نهاية مطالبهم كما قال المولى الجامى
اگر كنند بمن عرض دينى وعقبى ... من آستان تو بر هر دو جاى بگزينم
والموت انسب لكونهم فى مقام العندية لكون التفصيل البرزخى اكثر من التفصيل الدنيوي والافهم ليسوا فى الدنيا
ولا فى العقبى فى حياتهم ومماتهم ثم اعلم ان الرؤيا عبارة عن ارتسام صورة المرئي وانتقاشها فى مرآة القلب فى النوم دون اليقظة فالرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم ولكل معلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة الى القلب وانطباعها فيه سواء كان فى النوم او فى اليقظة فلا محل له غير القلب ولما كان عالم الأرواح متقدما بالوجود والمرتبة على عالم الأجسام وكان الامداد الرباني الواصل الى الأجسام موقوفا على توسط الأرواح بينها وبين الحق وتدبير الأجسام مفوض الى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط فان الأجسام كلها مركبة والأرواح بسيطة فلا مناسبة بينهما فلا ارتباط وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر ولا امداد ولا استمداد فلذلك خلق الله عالم المثال برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصح ارتباط أحد العالمين بالآخر فيتأتى حصول التأثر والتأثير ووصول الامداد والتدبير وهكذا شان روح الإنسان مع جسمه الطبيعي العنصري الذي يدبره ويشتمل عليه علما وعملا فانه لما كانت المباينة ثابتة بين روحه وبدنه وتعذر الارتباط الذي يتوقف عليه التدبير ووصول المدد اليه خلق الله نفسه الحيوانية برزخا بين البدن والروح المفارق فنفسه الحيوانية من حيث انها قوة معقولة هى بسيطة تناسب الروح المفارق ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبثة فى أقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة ايضا فى البخار الضبابي الذي
стр. 1682
فى التجويف الأيسر من القلب الصنوبري تناسب المزاج المركب من العناصر فحصل الارتباط والتأثر والتأثير وتأتى وصول المدد وإذا وضح هذا فاعلم ان القوة الخالية التي فى نشأة الإنسان من كونه نسخة من العالم بالنسبة الى العالم المثالي المطلق كالجزء بالنسبة الى الكل وكالجدول بالنسبة الى النهر الذي هو مشرعه وكما ان طرف الجدول الذي يلى النهر متصل به كذلك عالم الخيال الإنساني من حيث طرفه الأعلى متصل بعالم المثال والمثال نوعان مطلق ومقيد. فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع الآثار الدنيوية والاخروية. والمقيد نوعان نوع هو مقيد بالنوم ونوع غير مقيد بالنوم مشروط بحصول غيبة وفتور ما فى الحس كما فى الواقعات المشهورة للصوفية وأول ما يراه الأنبياء ﵈ انما هو الصور المثالية المرئية فى النوم والخيال ثم يترقون الى ان يروا الملك فى المثال المطلق او المقيد فى غير حال النوم لكن مع نوع فتور فى الحس وكونهم مأخوذين عن الدنيا عند نزول الوحى انما هو مع بقاء العقل والتمييز ولذا لا ينتقض حينئذ وضوؤهم ولانهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم لكون بواطنهم محلاة بصفات الله متخلقة بأخلاقه مطهرة عن أوصاف البشرية من الحرص والعجز والأمل والضعف وغير ذلك مما فيه نقص ظاهر بالاضافة الى ذروة الكمال فضلا عن النوم لان النوم عجز وضعف وآفة ولو حلت الآفة قلب النبي لجاز ان يحله سائر الآفات من توهم فى الوحى وغفلة عنه وسآمة منه وفزع يمنعه عن واجب عليه قال بعضهم ان الله قد وكل بالرؤيا ملكا يضرب من الحكمة الأمثال وقد اطلعه الله سبحانه على قصص ولد آدم من اللوح المحفوظ فهو ينسخ منها ويضرب لكل قصة مثلا فاذا نام يمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون بشارة له او نذارة او معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمرهم وفى شرح الشرعة ان اللوح المحفوظ فى المثال كمرآة ظهر فيها الصور ولو وضع مرآة فى مقابلة اخرى ورفع الحجاب بينهما كانت صورة تلك المرآة تتراءى فى تلك والقلب مرآة تقبل رسوم العلوم واشتغاله بشهواته ومقتضى حواسه كأنه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح الذي هو من عالم الملكوت فان هبت ريح الرحمة حرك هذا الحجاب ورفع فيتلألأ فى مرآة القلب شىء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم ومادام متيقظا فهو مشغول بما يورده الحس عليه من عالم الشهادة الا من شاء الله تعالى من المؤيدين من عند الله تعالى فاذا ركدت الحواس عند النوم وتخلص القلب من شغلها ومن الخيال وكان صافيا فى جوهره وارتفع الحجاب وقع فى القلب شىء مما فى اللوح بحسب صفاته الا ان النوم لا يمنع الخيال عن عمله وحركته
فما وقع فى القلب من اللوح يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون التخيلات اثبت فى الحفظ من غيرها فاذا انتبه من النوم لا يتذكر الا الخيال فيحتاج الرائي الى معبر لينظر بفراسته ان هذا الخيال حكاية أي معنى من المعاني ولهذا السرّ كان من السنة لمن يرى فى منامه شيأ ان يقصه على عالم ناصح والرؤيا ثلاثة. أحدها حديث النفس كمن يكون فى امر او حرفة يرى نفسه فى ذلك الأمر وكالعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك. وثانيها تخويف الشيطان بان يلعب بالإنسان فيريه ما يحزنه ومن لعبه به الاحتلام الموجب للغسل وهذان لا تأويل لهما. وثالثها بشرى من الله تعالى بان يأتيك ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب
стр. 1683
يعنى من اللوح المحفوظ وهو الصحيح وما سوى ذلك أضغاث أحلام قالَ استئناف مبنى على سؤال من قال فماذا قال يعقوب بعد سماع هذه الرؤيا العجيبة فقيل قال يا بُنَيَّ تصغير ابن صغره للشفقة والمحبة وصغر السن فانه كان ابن ثنتى عشرة سنة كما مر وأصله يا بنيا الذي أصله يا بنيى فابدلت ياء الاضافة ألفا كما قيل فى يا غلامى يا غلاما بناء على ان الالف والفتحة أخف من الياء والكسرة قال فى الإرشاد ولما عرف يعقوب من هذه الرؤيا ان يوسف يبلغه تعالى مبلغا جلبلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرام خاف عليه حسد الاخوة وبغيهم فقال صيانة لهم من ذلك وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وان كان واثقا من الله تعالى بان سيتحقق ذلك لا محالة وطمعا فى حصوله بلا مشقة لا تَقْصُصْ [مخوان و پيدا مكن] رُؤْياكَ كلا او بعضا عَلى إِخْوَتِكَ وهم بنوا علاته العشرة كما هو المشهور إذ عدّ دنية من الرجال سهو فان الأصح انها بنت ليا كما سبق فقوله فى تفسير الإرشاد المراد بإخوته هاهنا الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم من بنى علاته الأحد عشر. واما بنيامين الذي هو شقيق يوسف وأمهما راحيل فليس بداخل تحت هذا النهى لانه لا يتوهم مضرته ولا يخشى معرته ولم يكن معهم معدودا فى الرؤيا إذ لم يكن معهم فى السجود ليوسف انتهى ليس بوجيه بل ليس بسديد إذ ليس فى الاخوة من يسمى دنية كما فى حواشى سعدى المفتى ولا يلزم من عدم كون بنيامين داخلا معهم فى الرؤيا ان لا يكون منهم باعتبار التغليب فهو حادى الأحد عشر فَيَكِيدُوا نصب بإضمار ان اى فيفعلوا لَكَ اى لاجلك ولا هلاكك كَيْداً خفيا عن فهمك لا تقدر على مدافعته وهذا أوفق بمقام التحذير وان كان يعقوب يعلم انهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه والكيد الاحتيال للاغتيال او طلب إيصال الشر بالغير وهو غير عالم به إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ استئناف كأن يوسف قال كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين فى بيت النبوة فقيل ان الشيطان ظاهر العداوة للانسان او مظهرها قد بانت عداوته لك ولا بناء جنسك إذا خرج أبويكم آدم وحواء من الجنة ونزع عنهما لباس النور وحلف انه ليعلمن فى نوع الإنسان كل حيلة وليأتينهم من كل جهة وجانب فلا يزال مجتهدا فى إغواء إخوتك واضلالهم وحملهم على الاضرّ فبه علم انهم يعلمون تأويلها فقال ما قال قال بعض العارفين برأ أبناءه من ذلك الكيد فالحقه بالشيطان لعلمه ان الافعال كلها من الله تعالى. ولما كان الشيطان مظهرا لاسم المضل أضاف الفعل السببى اليه وهذه الاضافة ايضا كيد ومكر فان الله تعالى هو الفاعل فى الحقيقة لا المظهر الشيطاني
حق فاعل وهر چهـ جز حق آلات بود ... تأثير ز آلت از محالات بود
وَكَذلِكَ اى مثل اجتبائك واختيارك من بين إخوتك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأنك فالكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يختارك ويصطفيك لما هو أعظم منها كالنبوة ويبرز مصداق تلك الرؤيا فى عالم الشهادة إذ لا بد لكل صورة مرئية فى عالم المثال حقيقة واقعة فى عالم الشهادة وان كانت الدنيا كلها خيالا كما سيأتى تحقيقه
стр. 1684
خيال جمله جهانرا بنور چشم يقين ... بجنب بحر حقيقت سراب مى بينم
وَيُعَلِّمُكَ كلام مبتدأ غير داخل فى حكم التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك لان الظاهر ان يشبه الاجتباء بالاجتباء والتعليم غير الاجتباء فلو كان داخلا فى حكم التشبيه كان المعنى وبعلمك تعليما مثل الاجتباء بمثل هذا الرؤيا وظاهر سماجته فان الاجتباء وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ولم يلاحظ فى التعليم ذلك كذا قالوا يقول الفقير هذا هو منهما نعمة جسيمة من الله تعالى كما يدل عليه مقام الامتنان فلا سماجة مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى ذلك الجنس من العلوم فتطلع على حقيقة ما أقول فان من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها فان علم التعبير من لوازم الاجتباء غالبا والمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤى جمع الرؤيا إذ هي اما أحاديث الملك ان كانت صادقة او أحاديث النفس والشيطان ان لم تكن كذلك وتسميتها تأويلا لانه يؤول أمرها اليه اى يرجع الى ما يذكره المعبر
من حقيقتها. والأحاديث اسم جمع للحديث ومنه أحاديث الرسول والحديث فى اللغة الجديد وفى عرف العامة الكلام وفى عرف المحدثين ما يحدث عن النبي ﵇ فكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن إذ ذاك قديم وهذا حادث. وفى الصحاح الحديث ضد القديم ويستعمل فى قليل الكلام وكثيره لانه يحدث شيأ فشيأ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يا يوسف يجوز ان يتعلق بقوله يتم وان يتعلق بنعمته اى بان يضم الى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها وتوسيط التعليم لرعاية الوجود الخارجي وَعَلى كرر على ليمكن العطف على الضمير المجرور آلِ يَعْقُوبَ الآل وان كان أصله الأهل الا انه لا يستعمل الا فى الاشراف بخلاف الأهل وهم اهله من بيته وغيرهم فان رؤية يوسف اخوته كواكب يهتدى بانوارها من نعم الله عليهم لدلالتها على مصير أمرهم الى النبوة فيقع كل ما يخرج من القوة الى الفعل إتماما لتلك النعمة وقال سعدى المفتى غاية ما تدل رؤيتهم على صور الكواكب مجرد كونهم هادين للناس ولا يلزم ان يكون ذلك بالنبوة والظاهر انه ﵇ علم ذلك بالوحى انتهى يقول الفقير لعل يعقوب انتقل من كونهم على صور الكواكب الى نبوتهم لان الفرد الكامل للهداية ان يكون ذلك بالنبوة ولذلك قد قال الله تعالى فى حق الأنبياء وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا فاعرف ذلك كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ نصب على المصدرية اى ويتم نعمته عليك إتماما كائنا كاتمام نعمته على أبويك وهى نعمة الرسالة والنبوة مِنْ قَبْلُ اى من قبل هذا الوقت او من قبلك إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لابويك والتعبير عنهما بالأب مع كونهما أبا جده وأبا أبيه للاشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء الكرام قال فى الكواشي الجد اب فى الاصالة يقال فلان ابن فلان وبينهما عدة آباء انتهى اما إتمامها على ابراهيم فباتخاذه خليلا وبانجائه من النار ومن ذبح الولد. واما على إسحاق فباخراج يعقوب والأسباط من صلبه وكل ذلك نعم جليلة وقعت تتمة لنعمة النبوة ولا يجب فى تحقيق التشبيه كون ذلك فى جانب المشبه به مثل ما وقع فى جانب المشبه من كل وجه والاشارة ان إتمام النعمة على يوسف القلب بان يتجلى له ويستوى عليه إذ هو عرش حقيقى للرب تعالى دون ما سواه كما قال تعالى (لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن)
стр. 1685
در دل مؤمن بكنجم اى عجب ... گر مرا جوئى دران دلها طلب
ولهذا الاستحقاق كان يوسف القلب مختصا بكمال الحسن وإذا تجلى الله تعالى للقلب تنعكس أنوار التجلي من مرآة القلب على جميع المتولدات من الروح كالحواس والقوى وغيرهما من آل يعقوب الروح إِنَّ رَبَّكَ اى يفعل ما ذكر لان ربك عَلِيمٌ أي عليم حَكِيمٌ أي حكيم وهو معنى مجيئهما نكرتين اى واسع العلم باهر الحكمة يعلم من يحق له الاجتباء ولا يتم نعمته الا على من يستحقها او يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب اعلم ان الله تعالى قدم فى بعض المواضع الاسم الحكيم على الاسم العليم وعكس فى بعضها كما فى هذا المقام. اما الاول فباعتبار حضرة العلم لان العلم فى تعلقه فى الأعيان والحقائق العلمية تابع للحكمة وذلك عبارة عن كونه تابعا للمعلوم حيث تعلق به فى تلك الحضرة على وجه ما أعطاه إياه من نفسه. واما الثاني فهو باعتبار حضرة العين لان الحكمة فى تعلقها بالتعينات والصور المعينة تابعة للعلم وهذا عبارة عن كون المعلوم تابعا للعلم حيث انما تعلقت بها فى هذه الحضرة على وجه ما أعطاه العلم إياها من نفسه على الوجه الاول فلا جرم ان المتبوع فى أية مرتبة كان له التقدم والتابع كذلك له التأخر جدا ولا شك ان المعتبر انما هو تقدم المعلومات على تعلق العلم بها بالذات فى الحضرة الاولى وتأخرها عنه فى الثانية والحكمة انما هى ترتب تلك المعلومات فى مراتبها ووضعها فى مواضعها فى أية حضرة كانت وهذا الترتيب والوضع فى أي مرتبة كان إذا وقع من الحكيم العليم والعليم الحكيم بحسب اقتضاءات استعداداتها الكلية الازلية وبقدر استدعاآت قابليتها الجزئية الابدية فى النشئات الدنيوية والبرزخية والنشرية والحشرية والنيرانية والجنانية والجسمانية والروحانية وغير ذلك من سائر النشئات فافهم هداك الله الى الفهم عن الله كذا فى بعض تحريرات شيخنا الاجل ومرشدنا الأكمل قدس الله نفسه الزاكية وروح روحه فى جميع المواطن كلها آمين لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ اى بالله قد كان فى قصة يوسف وحكاية اخوته الأحد عشر آياتٌ علامات عظيمة الشأن دالة على قدرة الله القاهرة وحكمته الباهرة لِلسَّائِلِينَ لكل من سأل عن قصتهم وعرفها فان كبار أولاد يعقوب بعد ما اتفقوا على إذلال أصغر أولاده يوسف وفعلوا به ما فعلوا قد اصطفاه الله للنبوة والملك وجعلهم خاضعين له منقادين لحكمه وان وبال حسدهم له قد انقلب عليهم وهذا من أجل الدلائل على قدرة الله القاهرة وحكمته الباهرة وفى التفسير الفارسي [آورده اند كه چون يوسف خواب مذكور را با پدر تقرير كرد ويعقوب بكتمان آن وصيت فرمود وباجتباء وإتمام نعمت او مژده داد بعض از زنان برادران او شنودند ونماز شام كه ايشان بخانه باز آمدند صورت حال را باز نمودند ايشانرا عرق حسد در حركت آمد بتدبير مهم مشغول شدند وقال يهودا وروبيل وشمعون ما رضى ان يسجد له اخوته حتى يسجد له أبواه فدبروا لاخراجه من البين كما حكى الله عنهم بقوله إِذْ قالُوا [ياد كن آنرا كه كفتند برادران يوسف با يكديكر] لَيُوسُفُ [هر آينه يوسف] فلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيده اى ان زيادة محبته لهما امر محقق ثابت لا شبهة فيه وَأَخُوهُ اى شقيقه بنيامين والشقيق الأخ من الأب والام وقد يقال للاخ