الآية لما طعن اليهود في نسخ القبلة- روى- انه ﵇ كان يصلى بمكة مع أصحابه الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة امره الله ان يصلى نحو بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهرا وكان يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم وأقدم القبلتين وادعى للقرب الى الايمان كما قال الله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها وذلك في مسجد بنى سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فتحول في الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة أنكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من الله تعالى كما قال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اللهم اهدنا وسددنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقا ان يعتصم بالله ويدور مع الأمر الإلهي حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفهمه القاصر ويتعلم الأدب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر الى امر الله فاكرمه الله بإعطاء مرامه وفضله على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعلم ان الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق اما الطائفة الاولى فقد عرفت ان التحويلة من الكعبة الى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة اعنى مقام القلب الى مقام المشاهدة اعنى مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس الى الكعبة بعد ابعد القرب ونزولا بعد العروج وظنوا ضياع السعى الى المقام الأشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا انه صورة الرجوع الى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع في عين التفصيل والتفصيل في عين
الجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة واما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الاولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا واما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا الى ما هو الصواب فوصلوا الى التوحيد الذاتي المحمدي اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الأنبياء والمرسلين وقال اهل التأويل وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى عالم النور والظهور الذي هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذي هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره فَأَيْنَما تُوَلُّوا اى أي جهة توجهوا من الظاهر والباطن فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية إذ بعد الاشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره واحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأى جهة توجهوا حينئذ فثم وجهه ليس الا هو وحده: قال الحافظ
ميان كعبه وبتخانه هيچ فرقى نيست ... بهر طرف كه نظر ميكنى برابر اوست
واعلم ان شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل الا بالتجلى العيني بعد العلمي قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وإذا امر بالإرشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى ان موسى عليه السلام
стр. 212
لما وصل الى الطور لاقتباس النار لاهله نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتجلى الربوبية اولا ثم قيل فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وهما الطبيعة والنفس امر بتركهما ثم قيل وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي فتجلى الالوهية ثم بعدهما تجلى الذات وامر بإرشاد فرعون فترك اهله هناك ولم يلتفت وجاء الى فرعون وكان دخوله بمصر في نصف الليل فدق باب فرعون بعصاه امتثالا لامر الله تعالى قيل انه شابت لحية فرعون في ذلك الوقت بمهابة دقه فقال أكنت وليدا مربى عندنا قال موسى نعم ولذلك دعوتك قبل الكل لسبق حقك على رعاية له فأرادوا قتله فألقى عصاه فصارت ثعبانا مبينا فبينا عزم على ابتلاعهم فاستأمنوا فأعطاهم الامان وكان يريد أن يؤمن ولكنه منعه هامان فبعد دعوة فرعون جاء الى اهله فوجدها قد وضعت الحمل فاحاطتها ذئاب من أطرافها لمحافظتها فلم يقدر ان بمر من هنا مار فانظر الى قدرة الله تعالى- روى- ان الامام الأعظم والهمام الأقدم ﵀ لم يشتغل بالدعوة الى مذهبه الا بالاشارة النبوية في المنام بعد ما قصد الا نزواء فهذا اعدل دليل الى وصوله الى الحقيقة وكان يقوم كل الليل وسمع ﵀ هاتفا في الكعبة ان يا أبا حنيفة أخلصت خدمتى وأحسنت معرفتى فقد غفرت لك ولمن تبعك الى قيام الساعة كذا في عين العلم للشيخ محمد البلخي ﵀ وعن بعض العارفين قبلة البشر الكعبة وقبلة اهل السماء البيت المعمور وقبلة الكروبيين الكرسي وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله وَقالُوا نزلت لما قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ومشركوا العرب الملائكة بنات الله فضمير قالوا راجع الى الفرق الثلاث المذكورة سابقا اما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا واما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ اى قال اليهود والنصارى وما شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً الاتخاذ اما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى الا الى واحد واما بمعنى التصيير والمفعول الاول محذوف اى صير بعض مخلوقاته ولدا وادعى انه ولده لا انه ولده حقيقة وكما يستحيل عليه تعالى ان يلد حقيقة كذا يستحيل عليه التبني واتخاذ الولد فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا في حقه فقال سُبْحانَهُ تنزيهه والأصل سبحه سبحانا على انه مصدر بمعنى التسبيح وهو التنزيه اى منزه عن السبب المقتضى للولد وهو الاحتياج الى من يعينه في حياته ويقوم مقامه بعد مماته وعما يقتضيه الولد وهو التشبيه فان الولد لا يكون الا من جنس والده فكيف يكون للحق سبحانه ولد وهو لا يشبهه شىء: قال في المثنوى
لم يلد لم يولد است او از قدم ... نى پدر دارد نه فرزند ونه عم
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رد لما قالوه واستدلال على فساده فان الاضراب عن قول المبطلين معناه الرد والإنكار وفي الوسيط بل اى ليس الأمر كما زعموا والمعنى انه خالق ما في السموات والأرض جميعا الذي يدخل فيه الملائكة وعزير والمسيح دخولا أوليا فكان المستفاد من الدليل امتناع ان يكون شىء ما مما في السموات والأرض ولدا سواء كان ذلك ما زعموا انه ولد له أم لا كُلٌّ اى كل ما فيهما كائنا ما كان من اولى العلم وغيرهم لَهُ
стр. 213
اى لله قانِتُونَ منقادون لا يمتنع شىء منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لانه من حق الولد ان يجانس والده وانما عبر عن جميع الموجودات اولا بما يعبر به عن غير ذوى العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولدا لله سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى هو مبدعهما على ان البديع بمعنى المبدع وهو الذي يبدع الأشياء اى يحدثها او ينشئها على غير مثال سبق والإبداع اختراع الشيء لا عن شىء دفعة اى من غير مادة ومدة وسمى صاحب الهوى مبتدعا لما لم يسبقه أحد من ارباب الشرع في إنشاء مثل ما فعله او المعنى بديع سمواته وارضه فعلى الاول من أبدع والاضافة معنوية وعلى الثاني من بدع إذا كان على شكل فائق وحسن رائق والاضافة لفظية وهو حجة اخرى لابطال مقالتهم الشنعاء تقريرها ان الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدا ومن قدر على خلق السموات والأرض من غير شىء كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير اب وَإِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيأ واصل القضاء الاحكام اطلق على ارادة الالهية المتعلقة بوجود الشيء لايجابها إياه البتة فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اى يحصل في الوجود سريعا من غير توقف ولا اباء كلاهما من كان التامة اى أحدث فيحدث واعلم ان اهل السنة لا يرون تعلق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو كن بل وجودها متعلق بخلقه وإيجاده وتكوينه وهو صفة ازلية وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المخلوق بايجاده وكمال قدرته على ذلك لكن لا يتعلق علم أحد بكيفية تعلق القدرة بالمعدومات فيجب الإمساك عن بحثها وكذا عن بحث كيفية وجود الباري وكيفية العذاب بعد الموت وأمثالها فانها من الغوامض ثم اعلم ان السبب في هذه الضلالة وهي نسبة الولد الى الله والقول بانه اتخذ ولدا ان ارباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على الباري تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله حتى قالوا ان الأب هو الرب الأصغر وان الله تعالى هو الأب الأكبر وكانوا يريدون بذلك انه تعالى هو السبب الاول في وجود الإنسان وان الأب هو السبب الأخير في وجوده فان الأب هو معبود الابن من وجه اى مخدومه ثم ظنت الجهلة منهم ان المراد به معنى الولادة الطبيعية فاعتقدوا ذلك تقليدا ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا اى سواء قصد به معنى السببية او معنى الولادة الطبيعية حسما لمادة الفساد واتخاذ الحبيب او الخليل جائز من الله تعالى لان المحبة تقع على غير جوهر المحب قالوا اوحى الله تعالى الى عيسى ﵇ ولدتك وأنت نبى فخفف النصارى التشديد الذي في ولدتك لانه من التوليد وصحفوا بعض إعجام النبي بتقديم الباء على النون فقالوا ولدتك وأنت بنيى تعالى الله عما يقول الظالمون وقال تعالى يا احبارى ويا أبناء رسلى فغيره اليهود وقالوا يا احبائى ويا ابنائى فكذبهم الله بقوله وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فالله سبحانه منزه عن الحدود والجهات ومتعال عن الأزواج والبنين والبنات ليس كمثله شىء في الأرض ولا في السموات قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى (كذبنى ابن آدم) اى نسبنى الى الكذب
стр. 214
(ولم يكن له ذلك) اى لم يكن التكذيب لائقابه بل كان خطأ (وشتمنى ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه إياي فزعم ان لا اقدر ان اعبده كما كان واما شتمه إياي فقوله لى ولد فسبحانى ان اتخذ صاحبة او ولدا) وانما كان هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون في المركب وكل مركب محتاج فان قلت قولهم اتخذ الله تكذيب ايضا لانه تعالى اخبر انه لا ولد له وقولهم لن يعيدنا شتم ايضا لانه نسبة له الى العجز فلم خص أحدهما بالشتم والآخر بالتكذيب قلت نفى الاعادة نفى صفة كمال واتخاذ الولد اثبات صفة نقصان له والشتم افحش من التكذيب والكذب على الله فوق الكذب على النبي ﵇ وفي الحديث (ان كذبا على ليس ككذب على أحد) يعنى الكذب على النبي أعظم انواع الكذب سوى الكذب على الله لان الكذب على النبي يؤدى الى هدم قواعد الإسلام وإفساد الشريعة والاحكام (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) فعلى المؤمن ان يجتنب عن الزيغ والضلال واشنع الفعال وأسوأ المقال وان يداوم على التوحيد في الاسحار والآصال الى ان لا يبقى للشرك الخفي ايضا مجال وفي الحديث (لو يعلم الأمير ما له في ذكر الله لترك امارته ولو يعلم التاجر ماله في ذكر الله لترك تجارته ولو ان ثواب تسبيحة قسم على اهل الأرض لأصاب كل واحد منهم عشرة أضعاف الدنيا) وفي الحديث (للمؤمن حصون ثلاثة ذكر الله وقراءة القرآن والمسجد) والمراد بالمسجد مصلاه سواء كان في بيته او في الخارج ولا بد من الصدق والإخلاص حتى يظهر اثر التوحيد في الملك والملكوت: قال في المثنوى
هست تسبيحت بخار آب وگل ... مرغ جنت شد ز نفخ صدق دل
اللهم أوصلنا الى اليقين وهيئ لنا مقاما من مقامات التمكين آمين وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اى مشركوا العرب الجاهلون حقيقة او اهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم لعدم انتفاعهم بعلمهم لان المقصود هو العمل لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ لولا هنا للتحضيض وحروف التحضيض إذا دخلت على المضي كان معناها التوبيخ واللوم على ترك الفعل بمعنى لم لم يفعله ومعناها في المضارع تحضيض الفاعل على الفعل والطلب له في المضارع بمعنى الأمر والمعنى هلا يكلمنا الله عيانا بانك رسوله كما يكلم الملائكة بلا واسطة او يرسل إلينا ملكا ويكلمنا بواسطة ذلك الملك انك رسوله كما كلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه وهذا القول من الجهلة استكبار يعنون به نحن عظماء كالملائكة والنبيين فلم اختصوا به دوننا أَوْ للتخيير تَأْتِينا آيَةٌ حجة تدل على صدقك وهذا جحود منهم لان يكون ما أتاهم من القرآن وسائر المعجزات آيات والجحود هو الإنكار مع العلم والعجب انهم عظموا أنفسهم وهي احقر الأشياء واستهانوا بآيات الله وهي أعظمها كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الماضية مِثْلَ قَوْلِهِمْ فقال اليهود لموسى ﵇ أرنا الله جهرة ولن نصبر على طعام واحد ونحوه وقال النصارى لعيسى ﵇ هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ونحوه وقوله كذلك قال مع قوله مثل قولهم على تشبيهين تشبيه المقول بالمقول في المؤدى والمحصول وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رؤية بل بمجرد التشهي واتباع الهوى
стр. 215
والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الإرشاد وقصد الجدوى والكاف في كذلك منصوب المحل على انه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق اى قال كفار الأمم الماضية مثل ذلك القول الذي قالوه قولا مثل قولهم فيما ذكر فظهر ان أحد التشبيهين لا يغنى عن الآخر تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ اى تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فان الالسنة ترجمان القلوب والقلب ان استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجرى على اللسان الا ما ينبئ عن التعلل والتباعد عن الايمان كما قيل
مرد پنهان بود بزير زبان ... چون بگويد سخن بدانندش
خوب گويد لبيب گويندش ... زشت گويد سفيه خوانندش
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ اى نزلناها بينة بان جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا انا بيناها بعد ان لم تكن بينة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اى يطلبون اليقين واليقين ابلغ العلم واوكده بان يكون جازما اى غير محتمل للنقيض وثابتا اى غير زائل بالتشكيك بعد ان يكون مطابقا للواقع فالايقان هنا مجاز عن طلب اليقين على طريق ذكر المسبب وارادة السبب ولا بعد في نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وانما حمل على المجاز لان الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج الى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل إِنَّا أَرْسَلْناكَ حال كونك ملتبسا بِالْحَقِّ مؤيدا به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها الى الحق بَشِيراً حال كونك مبشرا لمن اتبعك بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب أحد وَنَذِيراً اى منذرا ومخوفا لمن كفر بك وعصاك والمعنى ان شأنك بعد اظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس الا الدعوة والا بلاغ بالتبشير والانذار لا أن تجبرهم على القبول والايمان فلا عليك ان أصروا على الكفر والعناد فان الأحوال أوصاف لذى الحال والأوصاف مقيدة للموصوف وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ما لهم لم يؤمنوا بعد ان بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرئ ولا تسأل بفتح التاء وجزم اللام على انه نهى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روى انه ﵇ قال (ليت شعرى ما فعل أبواي) اى ما فعل بهما والى أي حال انتهى أمرهما فنزلت واعلم ان السلف اختلفوا في ان أبوي النبي ﷺ هل ماتا على الكفر او لا ذهب الى الثاني جماعة متمسكين بالادلة على طهارة نسبه ﵊ من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنما وان كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول ابراهيم ﵇ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وقوله تعالى فى حق ابراهيم وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ وذهب الى الاول جمع منهم صاحب التيسير حيث قال ولما امر رسول الله ﷺ بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال يا رسول الله اين والدي فقال في النار فحزن الرجل فقال ﵇ (ان والديك ووالدي ووالدي ابراهيم في النار) فنزل قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
стр. 216
فلم يسألوه شيأ بعد ذلك وهو كقوله لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وذهب نفر من هذا الجمع بنجاتهما من النار منهم الامام القرطبي حيث قال في التذكرة ان عائشة ﵂ قالت حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله ﷺ ثم انه ظفر فنزل فقال (يا حميراء استمسكي) اى زمام الناقة فاستندت الى جنب البعير فمكث عنى طويلا ثم انه عاد الى وهو فرح متبسم فقلت له بأبى أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندى وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله ثم انك عدت الى وأنت فرح متبسم فعما ذا يا رسول الله فقال (ذهبت لقبر آمنة أمي فسألت الله ربى ان يحييها فاحياها فآمنت) وروى ان الله احيى له أباه وامه وعمه أبا طالب وجده عبد المطلب قال الحافظ شمس الدين الدمشقي حبا الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤفا فاحيى امه وكذا أباه لايمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم به قدير وان كان الحديث به ضعيفا وفي الأشباه والنظائر من مات على الكفر أبيح لعنه الا والدي رسول الله ﷺ لثبوت ان الله تعالى أحيا هماله حتى آمنا كذا في مناقب الكردرى وذكر ان النبي ﵇ بكى يوما بكاء شديدا عند قبر أبويه وغرس شجرة يابسة وقال (ان اخضرت فهو علامة إمكان إيمانهما) فاخضرت ثم خرجا من قبرهما ببركة دعاء النبي ﷺ وأسلما ثم ارتحلا قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ومما يدل على ذلك ان اسم أبيه كان عبد الله والله من
الاعلام المختصة بذاته تعالى لم يسم به صنم في الجاهلية فان اسم بعض أصنامهم اللات وبعضها العزى انتهى كلامه وليس احياهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا وقد ورد في الكتاب احياء قتيل بنى إسرائيل واخباره بقاتله وكان عيسى ﵇ يخيى الموتى وكذلك نبينا ﵇ احيى الله على يديه جماعة من الموتى وإذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد احيائهما زيادة فى كرامته وفضيلته وما روى من انه ﵇ زار قبر امه فبكى وابكى من حوله فقال (استأذنت فى ان استغفر لها فلم يؤذن لى واستأذنت في ان ازور قبرها فاذن لى فزوروا القبور فانها تذكركم الموت) فهو متقدم على احيائهما لانه كان في حجة الوداع ولم يزل ﵇ راقبا في المقامات السنية صاعدا في الدركات العلية صاعدا في الدرجات العلية الى ان قبض الله روحه الطاهرة فمن الجائز ان تكون هذه درجة حصلت له ﵇ بعد ان لم تكن فان قلت الايمان لا يقبل عند المعاينة فكيف بعد الاعادة قلت الايمان عند المعاينة ايمان يأس فلا يقبل بخلاف الايمان بعد الاعادة وقد دل على هذا وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وورد ان اصحاب الكهف يبعثون في آخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الامة تشريفا لهم بذلك وورد مرفوعا (اصحاب الكهف أعوان المهدى فقد اعتد بما يفعله اصحاب الكهف بعد احيائهم من الموت) ولا بدع ان يكون الله تعالى كتب لابوى النبي عمرا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم أعادهما لاستيفائه تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به وتكون تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الايمان من جملة ما أكرم الله تعالى به نبيه صلى الله
стр. 217
عليه وسلم كما ان تأخير اصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ليجوزوا شرف الدخول في هذه الامة وذهب خاتمة الحفاظ والمحدثين الامام السخاوي في هذه المسألة الى التوقف حيث قال في المقاصد الحسنة بعد ما أورد الشعر المذكور للحافظ الدمشقي وقد كتبت فيه جزأ والذي أراه الكف عن التعرض لهذا اثباتا ونفيا انتهى وسئل القاضي ابو بكر ابن العربي أحد الائمة المالكية عن رجل قال ان آباء النبي ﵇ في النار فأجاب بانه ملعون لان الله تعالى يقول إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وفي الحديث (لا تؤذوا الاحياء بسبب الأموات) وسئل الامام الرستغفني عن قول بعض الناس ان آدم ﵇ لما بدت منه تلك الزلة اسود منه جميع جسده فلما اهبط الى الأرض امر بالصيام والصلاة فصام وصلى فابيض جسده أيصح هذا القول قال لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء ﵈ بشئ يؤدى الى العيب والنقصان فيهم وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم لان مرتبتهم ارفع وهم على الله أكرم وقد قال ﵇ (إذا ذكرت أصحابي فأمسكوا) فلما أمرنا ان لا نذكر الصحابة ﵃ بشئ يرجع الى العيب والنقص فلأن نمسك ونكف عن الأنبياء اولى وأحق فحق المسلم ان يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا ﵇ ليست من الاعتقاديات فلاحظ للقلب منها واما اللسان فحقه ان يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصا الى وهم العامة لانهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فهذا هو البيان الشافي في هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفسية وقرنت كل نظير الى مثله والحمد لله تعالى وحده وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ اقناط له ﵇ من طمعه في إسلامهم حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل اليه وما يستحيل وجوده وإذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته اى دينه اى لن ترضى عنك اليهود الا باليهود والصلاة الى قبلتهم وهي المغرب ولا النصارى الا بالتنصر والصلاة الى قبلتهم وهي المشرق ووحد الملة لان الكفر ملة واحدة وهذه حكاية لمقالتهم بان قالوا لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا وادعوا بتلك المقالة ان ملتهم هي الهدى لا ما سواها فامره الله تعالى بقوله قُلْ ان يرد عليهم بطريق قصر القلب ويقول إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى الى الحق لا ما تدعون اليه من الملة الزائغة فانها هوى كما يعرب عنه قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ اى آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هى التي ينتمون إليها واما ما شرعه الله من الشريعة على لسان الأنبياء ﵈ وهو المعنى الحقيقي للملة فقد غيروها تغييرا والأهواء جمع هوى وهو رأى عن شهوة داع الى الضلال وسمى بذلك لانه يهوى بصاحبه في الدنيا الى كل واهية وفي الآخرة الى الهاوية وانما قال أهواءهم بلفظ الجمع ولم يقل هواهم تنبيها على ان لكل واحد هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى فلذلك اخبر انه لا يرضى الكل الا باتباع أهواء الكل واعلم ان الطريقة المشروعة تسمى ملة باعتبار ان الأنبياء الذين أظهروها قد املوها وكتبوها لامتهم كما انها تسمى دينا باعتبار طاعة العباد لمن سنها وانقيادهم لحكمه وتسمى ايضا شريعة باعتبار كونها مورد للمتعطشين الى زلال ثوابه ورحمته والخطاب في قوله ولئن اتبعت متوجه الى النبي
стр. 218
عليه السلام في الحقيقة وما قيل من انه تعالى حكم بعصمة الأنبياء وعلم منهم انهم لا يعصون له ولا يخالفون امره ولا يرتكبون ما نهى عنه فكانت عصمتهم واجبة فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة فوجب ان يكون التحذير متوجها الى الامة لا الى أنفسهم فالجواب عنه ان التكليف والتحذير انما يعتمد على كون المكلف به محتملا ومتصورا في ذاته من حيث تحقق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات والقوى والامتناع الحاصل من حكمه تعالى بعصمتهم وعلمه بها امتناع بالغير وهو لا ينافى الإمكان الذاتي هو شرط التكليف والتحذير بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى القرآن الموحى إليك وهو حال من ضمير جاءك ما لَكَ مِنَ اللَّهِ اى من جهته العزيزة وهو جواب لئن مِنْ وَلِيٍّ اى قريب ينفعك من الولي وهو القرب وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك عقابه والفرق بين الولي والنصير العموم والخصوص من وجه لان الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور كما يكون من أقرباء المنصور وهو مادة اجتماعهما وقوله من ولى مرفوع على الابتداء ولك خبره ومن صلة وقوله من الله منصوب المحل على انه حال لانه لما كان متقدما على قوله من ولى امتنع ان يكون صفة له ونظيره قوله لعزة موحشا طلل قديم ولما ذكر قبائح المتعنتين الطالبين للرياسة من اليهود والنصارى اتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وخب الرياسة منهم وطلب مرضاة الله وحسن ثواب الآخرة وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية فقال تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريد مؤمنى اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه من الذين اسلموا من اليهود وانما خصهم بذكر الإيتاء لانهم هم الذين عملوا به فخصوا به والكتاب التوراة يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في آتيناهم او من الكتاب لانهم لم يكونوا تالين له وقت الإتيان وقوله حق تلاوته نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل المذكور اى يتلونه تلاوة حق تلاوته واختار الكواشي كونه منصوبا على المصدرية على تقدير تلاوة حقا فان نعت المصدر إذا قدم عليه وأضيف اليه نصب نصب المصادر نحو ضربت أشد الضرب بنصب أشد على المصدرية أُولئِكَ الموصوفون بايتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه وهو مبتدأ ثان خبره قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِهِ اى بكتابهم دون المحرفين فان بناء الفعل على المبتدأ وان كان اسما ظاهرا يفيد الحصر مثل الله يستهزئ بهم وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى بالكتاب سواء كان كفره بنفس التحريف او بغيره كالكفر بالكتاب الذي يصدقه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ اى الها لكون المغبونون حيث اشتروا الكفر بالايمان يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ومن جملتها التوراة وذكر النعمة انما يكون بشكرها وشكرها الايمان بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومن ضرورة الايمان بها الايمان به ﷺ وَاذكروا أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ اى عالمى زمانكم وَاتَّقُوا ان لم تؤمنوا يَوْماً أي عذاب يوم وهو يوم القيامة لا تَجْزِي تقول جزى عنى هذا الأمر يجزى كما تقول قضى عنى يقضى وزنا ومعنى اى لا تقضى في ذلك اليوم نَفْسٌ من
стр. 219
النفوس عَنْ نَفْسٍ اخرى شَيْئاً من الحقوق التي لزمتها اى لا تقضى نفس ليس عليها شىء من الحقوق التي وجبت على نفس اخرى اى لا تؤخذ نفس بذنب اخرى ولا تدفع عنها شيأ واما إذا كان عليها شىء فانها تجزى وتقضى بغير اختيارها بمالها من حسناتها ما عليها من الحقوق كما جاء في حديث ابى هريرة ﵁ ان رسول الله ﷺ قال (من كانت له مظلمة لاخيه من عرض او غيره فليستحلل منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات أخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه) وَلا يُقْبَلُ مِنْها اى من النفس الاولى عَدْلٌ اى فداء وهو بفتح العين الفدية وهي ما يماثل الشيء قيمة وان لم يكن من جنسه والعدل بالكسر ما يساوى الشيء في الوزن والجرم من جنسه والمعنى لا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار ولا تجد ذلك لتفتدى به وسميت
الفدية عدلا لانها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه يقال فداه إذا اعطى فداءه فانقذ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ان شفعت للنفس الثانية وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ اى يمنعون من عذاب الله تعالى واعلم ان المستوجب للعذاب يخلص منه في الدنيا بأحد اربعة امور اما بان ينصره ناصر قوى فيخلصه ويدفع العذاب عنه قهرا او بان يفديه اى بان يعطى أحد أشياء غير ما عليه من الحق وذلك الشيء هو الفدية وهو الفداء فانقذه به فالله تعالى بين هول يوم القيامة بان نفى ان يدفع العذاب أحد عن أحد بشئ من هذه الوجوه المحتملة في الدنيا قال السعدي قدس سره
قيامت كه نيكان با على رسند ... ز قعر ثرى بر ثريا رسند
ترا خود بماند سر از ننگ پيش ... كه كردت بر آيد عملهاى خويش
برادر ز كار بدان شرم دار ... كه در روى نيكان شوى شرمسار
در ان روز كز فعل پرسند وقول ... أولوا العزم را تن بلرزد ز هول
بجايى كه دهشت خورد انبيا ... تو عذر گنه را چهـ دارى بيا
ثم اعلم ان الله تعالى بدأ قصة بنى إسرائيل بهاتين الآيتين ففى الآية الاولى تذكير النعمة وفي الاخرى تخويف العقوبة وبهما ختم القصة مبالغة في النصح وإيذانا بان المقصود من القصة ذلك ودل قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ على قبح الصحبة باهل الهوى والبدع والاتباع لهم في أقوالهم وأفعالهم وفي الحديث (من اتبع قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم) اى في جماعتهم (وحوسب يوم القيامة بحسابهم وان لم يعمل بأعمالهم) وربما يكون للانسان شركة اى في اثم القتل والزنى وغيرهما إذا رضى به من عامل واشتد حرصه على فعله وفي الحديث (من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها) وحضور مجلس المعصية إذا كان لحاجة او لاتفاق جريانها بين يديه ولا يمكن دفعها فغير ممنوع واما الحضور قصدا فممنوع ومن سنة السلف الصالحين الانقطاع عن مجالس اهل اللغو واللهو والمجانبة عن اتباع اهل الهوى والبدع وروى ان ابن المبارك رؤى في المنام فقيل له ما فعل ربك بك فقال عاتبنى وأوقفنى ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع
стр. 220
فقال انك لم تعاد عدوى في الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين والمتمسك بسنة سيد المرسلين عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل كان له اجر مائة شهيد وفي الحديث (سيأتى على الناس زمان تخلق فيه سنتى وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقي وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر) وللصحبة تأثير عظيم كما قيل
عدوى البليد الى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
قال الحافظ
نخست موعظه پير مجلس اين حرفست ... كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ قال القرطبي في تفسيره بالسريانية فيما ذكره الماوردي وبالعربية فيما حكى ابن عطية ابن رحيم قال السهيلي وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي او تقار به في اللفظ ألا ترى ان ابراهيم تفسيره اب رحيم لمرحمته بالأطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لاطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا الى يوم القيامة وقال فى تذكرة الموتى كان اسمه أبرم فزيد في اسمه هاء والهاء في السريانية التفخيم والتعظيم رَبُّهُ الضمير لابراهيم وقدم المفعول لفظا وان كان مؤخرا رتبة ووجه التقديم الاهتمام فان الذهن يتشوق ويطلب معرفة المبتلى اى واذكر وقت اختبارى ابراهيم والمقصود من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من الحوادث لان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا والابتلاء في الأصل الاختبار اى تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لامر يشق عليه غالبا فعله او تركه وذلك انما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الأمور واما من العليم الخبير فلا يكون الا مجازا عن تمكينه للعبد من اختيار أحد الامرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه بما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك كما علم الكفر من إبليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به بِكَلِماتٍ جمع كلمه وهي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فيكون الكلمات عبارة عن الألفاظ المنظومة لكنها قد تطلق على المعاني التي تحتها لما بين الدال والمدلول من التضايف والمتضايفان متكافئان فى الوجود التعقلى كما في قوله تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا اى قضية وحكمة وقوله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي اى للمعانى التي تبرز بالكلمات فَأَتَمَّهُنَّ اى قام بهن حق القيام وأداهن احسن التأدية من غير تفريط وتوان ولذا قيل لم يبتل أحد بهذا الدين فاقامه كله الا ابراهيم فكتب الله له البراءة فقال وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفسرت الكلمات بوجوه ذكرت في التفاسير ومنها العشر التي هي من السنة كما قال ابن عباس ﵄ هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه وهي سنة في شرعنا خمس منها في الرأس وهي المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك وخمس في البدن وهي الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء اى غسل مكان الغائط والبول بالماء ولنذكر منها بعض ما يحتاج الى البيان فنقول فرق شعر الرأس تفريقه وتقسيمه
стр. 221
الى نصفين وكان المشركون يفرقون اشعار رؤسهم واهل الكتاب يسدلون اى يرسلون شعورهم على الجبين ويتخذونها كالقصة وهي شعر الناصية وكان النبي ﵊ يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينزل فيه حكم لاحتمال ان يعملوا بما ذكر في كتابهم ثم نزل جبريل فامره بالفرق واعلم ان اكثر حال النبي ﵊ كان الإرسال وحلق الرأس منه معدود ولكن الامام الغزالي كره الإرسال في زماننا لانه صار شعار العلوية فاذا لم يكن علويا كان تلبيسا وذكر في جنايات الذخيرة إمساك الجعد في الغلام حرام لانهم انما يمسكون الجعد في الغلام للاطماع الفاسدة وذكر ان شخصا احضر ولده بمجلس ابى بكر رضي الله تعالى عنه وقد حلق بعض الشعر من رأسه وأبقى البعض فامر ابو بكر رضي الله تعالى عنه بقتله فتاب واستغفر فعفا عنه قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ليس هذا امرا بقتله في الحقيقة بل بيان ان من فعله يستحق القتل ومثله انه ذكر فى مجلس ابى يوسف ان النبي ﵇ كان يحب القرع فقال رجل انا لا أحبه فافتى ابو يوسف بقتله فتاب ورجع فعفا عنه واما قص الشارب فهو قطعه بالمقص اى المقراض
وكان ﵇ يقص شار به كل جمعة قبل ان يخرج الى صلاة الجمعة قال النووي المختار فيه ان يقص حتى يبدو طرف الشفة ويكون مثل الحاجب وفي الاحياء ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وغيره لان ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام وتوفير الشارب كتوفير الأظافير مندوب للمجاهد في دار الحرب وان كان قطعهما من الفطرة وذلك ليكون اهيب في عين العدو والسنة تقصير الشارب فحلقه بدعة كحلق اللحية وفي الحديث (جزوا الشوارب واعفوا اللحى) الجز القص والقطع والإعفاء التوفير والترك على حالها وحلق اللحية قبيح بل مثلة وحرام وكما ان حلق شعر الرأس في حق المرأة مثلة منهى عنها وتشبه بالرجال وتفويت للزينة كذلك حلق اللحية مثلة في حق الرجال وتشبه بالنساء منهى عنه وتفويت للزينة قال الفقهاء اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال ومن تسبيح الملائكة سبحان من زين الرجال باللحى وزين النساء بالذوائب وفي الكشاف في مقام مدح الرجال عند قوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ وهم اصحاب اللحى والعمائم قال في نصاب الاحتساب ومن الاكساب التي يحتسب على أربابها حلق لحى الرجال ورأس النساء تشبها بالرجال ولا بأس بأخذ الزائد على القبضة من اللحية لانه ﵇ كان يأخذ من لحيته طولا وعرضا إذا زاد على قدر القبضة فان الطول المفرط يشوه الحلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة اليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ويكره نتف الشيب كما يفعله البعض في زماننا كرها للشيب واراءة للشباب: قال الحافظ سواد نامه موى سياه چون طى شد بياض كم نشود گر صد انتخاب رود يسود أعلاها ويبيض أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل واما الختان فهو قطع الجلدة الزائدة من الذكر وجمهور العلماء على ان ذلك من
стр. 222
مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال الا ان يولد الصبى مختونا وقد ولد الأنبياء كلهم مختونين مسرورين اى مقطوعى السرة كرامة لهم الا ابراهيم خليل الله فانه ختن نفسه ببلدة قدوم بالتخفيف والتشديد وهو ابن مائة وعشرين او ثمانين ليستن بسنته بعده واختلفوا في الختان قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل إذا بلغ عشرا وقيل تسعا وقيل فيما بين سبع سنين الى عشر قال الحدادي المستحب في وقت الختان من اليوم السابع من ولادته الى عشر سنين ويكره الترك الى وقت البلوغ وتوقف ابو حنيفة فى وقته واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم ان يختتن وان بلغ ثمانين وعن الحسن انه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ان لا يختتن ولا يرى به بأسا ولا يرد شهادته وذبيحته وحجه وصلاته قال ابن عبد البر وعامة اهل العلم على هذا واما تقليم الأظفار فهو قصها والقلامة بالضم ما يزال منها وندب قص الأظفار لانه ربما يجنب ولا يصل الماء الى البشرة من أجل الوسخ ولا يزال جنبا ومن اجنب فبقى موضع ابرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله وفي الحديث (من قلم أظفاره يوم الجمعة أعاذه الله تعالى من البلايا الى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة ايام) وفي الحديث الآخر (من أراد ان يأمن من الفقر وشكاية العين فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر) قال في المقاصد الحسنة قص الأظفار لم يثبت في كيفيته ولا في تعيين يوم له عن النبي ﵇ شىء وما يعزى من النظم في ذلك لعلى رضي الله تعالى عنه وهو
تقليمك الأظفار فيه سنة وادب ... يمينها خوابس يسارها او خسب
فباطل عنه وقال في محل آخر حديث (من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمذا) هو في كلام غير واحد من الائمة ولم أجده لكن كان الحافظ الشريف الدمياطي يأثر ذلك عن بعض مشايخه ونص الامام احمد على استحبابه انتهى كلامه وذكر الامام النووي ان المستحب منه ان يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبتدئ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم يعود الى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها الى آخرها ثم يعود الى الرجل اليمنى
فيبدأ يخنصرها ويختم بخنصر الرجل اليسرى وهكذا قرره الامام في الاحياء وفي الحديث (نقوا براجمكم) وهي مفاصل الأصابع والعقد التي على ظهرها يجتمع فيها الوسخ واحدها برحمة بضم الباء والجيم وسكون الراء بينهما وهو ظهر عقدة كل مفصل فظهر العقدة يسمى برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة وجمعها رواجب وذلك مما يلى طهرها وهو قصبة الأصابع فلكل إصبع برجمتان وثلاث رواجب الا الإبهام فان له برجمة وراجبتين فامر بالتنقية لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة كذا في تفسير القرطبي وعن مجاهد قال ابطأ جبرائيل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له النبي ﵇ (ما حبسك يا جبريل) قال وكيف آتيكم وأنتم لا تقصرون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ قال كأنه قيل فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات فقيل قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ اى لاجل الناس إِماماً يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدى بك الصالحون فهو نبى في عصره ومقتدى لكافة الناس الى قيام الساعة وقد
стр. 223
أنجز الله وعده فقال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ونحو ذلك فلذلك اجتمعت اهل الأديان كلهم على تعظيمه وجميع امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون في آخر صلاتهم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد قيل في سببه انا لما قلنا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قيل لنا ان ابراهيم هو الذي طلب من الله تعالى ان يرسل إليكم مثل هذا الرسول الذي هو رحمة للعالمين حيث قال رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ فما هديتكم فحينئذ نقول كما صليت على ابراهيم إلخ ثم نلاحظ ان هذه الخيرات كلها من الله تعالى فنقول شكرا لاحسانه ربنا انك حميد مجيد وفي الخبر ان ابراهيم ﵇ رأى في المنام جنة عريضة مكتوب على أشجارها لا اله الا الله محمد رسول الله فسأل جبريل عنها فاخبره بالقصة فقال يا رب اجر على لسان امة محمد ذكرى فاستجاب الله دعاءه وضمه في الصلاة مع محمد ﷺ قال كأنه قيل فماذا قال ابراهيم ﵇ عنده فقيل قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف في جاعلك ومن تبعيضية متعلقة بجاعل اى وجاعل بعض ذريتى اماما يقتدى به اى اجعل لكنه راعى الأدب بالاحتراز عن صورة الأمر وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة امامة الكل وان كانوا على الحق والذرية نسل الرجل وقد تطلق على الآباء والأبناء من الذكور والإناث والصغار والكبار ومنه قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أراد آباءهم الذين حملوا في السفينة وتقع الذرية على الواحد كما في قوله تعالى رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً يعنى ولدا صالحا قالَ الله استئناف ايضا لا يَنالُ لا يصيب عَهْدِي الظَّالِمِينَ يعنى ان أولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الامامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالما من أولادك وغيرهم وانما ينال عهدى من كان بريئا من الظلم لان الامام انما هو لمنع الظلم فكيف يجوز ان يكون ظالما وان جاز فقد جاء المثل السائر «من استرعى الذئب الغنم ظلم» قال المعتزلة وفيه دليل على ان الفاسق لا يصلح للامامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم أريد به الكافر والصبر على طاعة الامام الجائر اولى من الخروج عليه لان في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف واراقة الدماء واطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها قال ابن الشيخ في حواشيه فيه بحث لان مدلول الآية ان الظالم مادام ظالما لا تناله الامامة لا ان من كان ظالما في وقت ما من الأوقات ثم تاب منه لا ينال الامامة والفرق بينهما ان الظلم الحالي يخل بالمقصود من نصب الامام وهو اخلاء وجه الأرض من الظلم والفساد وحماية اموال الناس واعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذي تاب عنه الظالم فانه ليس بمخل للمقصود فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له قال
حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى أول ولد ولدته أمي فانه ابعد من ان يصدر ألفاظ الكفر من أحد أبوي قال المولى الهدائى قدس سره قلت والفقير ايضا كذلك وقال السخاوي في المقاصد الحسنة حديث (لا يدخل الجنة ولد زنية) ان صح فمعناه إذا حمل بمثل عمل أبويه واتفقوا على انه لا يحمل
стр. 224
على ظاهره وقيل في تأويله ايضا ان المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولاولاد المسلمين بنوا الإسلام انتهى كلامه ثم في الآية اشارة الى ان من أراد ان يبلغ درجة الأخيار ليقتدى به فليلازم التعب وجهد النفس في طاعة الله تعالى: قال السعدي
چويوسف كسى در صلاح وتميز ... بسى ساله بايد كه گردد عزيز
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ اى واذكر يا محمد وقت تصييرنا الكعبة المعظمة مَثابَةً كائنة لِلنَّاسِ اى مباءة ومرجعا للحجاج والمعتمرين يتفرقون عنه ثم يثوبون اليه اى يرجع اليه اعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرة بعد اخرى او يرجع أمثالهم وأشباههم في كونهم وفد الله وزوار بيته فانهم لما كانوا اشباها للزائرين اولا كان ما وقع منهم من الزيادة ابتداء بمنزلة عود الأولين فتعريف الناس للعهد الذهني وَأَمْناً موضع أمن فان المشركين كانوا لا يتعرضون لسكان الحرم ويقولون البيت بيت الله وسكانه اهل الله بمعنى اهل بيته وكان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له ويتعرضون لمن حوله وهذا شىء توارثوه من دين إسماعيل ﵇ فبقوا عليه الى ايام النبي ﵇ او يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث ان الحج يجب ما قبله اى يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق الله تعالى الغير المالية مثل كفارة اليمين واما حقوق العباد فلا يجبها الحج كذا في حواشى ابن الشيخ ولكن روى ان الله تعالى استجاب دعاء النبي ﷺ ليلة المزدلفة في الدماء والمظالم كذا في الكافي وتفسير الفاتحة للفنارى وغيرهما وَاتَّخِذُوا اى وقلنا اتخذوا على ارادة القول لئلا يلزم عطف الإنشاء على الاخبار مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى اى موضع الصلاة ومن للتبعيض ومقام ابراهيم الحجر الذي فيه اثر قدميه او الموضع الذي كان فيه حين قام عليه ودعا الناس الى الحج او حين رفع بناء البيت والذي يسمى اليوم مقام ابراهيم هو موضع ذلك الحجر- روى- انه لما اتى ابراهيم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر استأذن ابراهيم سارة في ان يأتى هاجر فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فقدم ابراهيم وقد ماتت هاجر فذهب الى بيت إسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها ابراهيم هل عندك ضيافة قالت ليست عندى وسألها عن عيشهم فقالت نحن في ضيق وشدة فشكت اليه فقال لها إذا جاء زوجك فاقرأيه السلام وقولى له فليغير عتبة بابه والمراد ليطلقك فانك لا تصلحين له امرأة وذهب ابراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءنى شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشانه وقال فما قال لك قالت قال أقرئى زوجك السلام وقولى له فليغير عتبة بابه قال ذلك ابى وقد أمرني ان أفارقك الحقي باهلك فطلقها وتزوج منهم اخرى فلبث ابراهيم ما شاء الله ان يلبث ثم استأذن سارة في ان يزور إسماعيل فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فجاء ابراهيم حتى انتهى الى باب إسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجئ الآن ان شاء الله فانزل رحمك الله قال هل عندك
стр. 225
ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت نحن في خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز برّ او شعير او تمر لكانت اكثر ارض الله برّا او شعيرا او تمرا وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولته الى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقى اثر قدميه عليه وقال لها إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم جاء شيخ احسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذاك ابراهيم وأنت عتبة بابى أمرني ان امسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام اليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال يا إسماعيل
ان الله أمرني بامر أتعينني عليه قال أعينك عليه قال أمرني ان ابني هاهنا بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وابراهيم يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام ابراهيم على حجر المقام وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له اذن في الناس بالحج فقال كيف أنادي وانا بين الجبال ولم يحضرنى أحد فقال الله عليك النداء وعليّ البلاغ فصعد أبا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبئ في ابى قبيس ايام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر في الدنيا وجمع الله له الأرض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين ان ربكم بنى لكم بيتا وأمركم ان تحجوه فأجابه الناس من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات فمن اجابه مرة حج مرة ومن اجابه عشرا حج عشرا وفي الحديث (ان الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب) والمراد منهما الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه ابراهيم عند بناء البيت وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ اى امرناهما امرا مؤكدا ووصينا إليهما فان العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصية يقال عهد اليه اى امره ووصاه ومنه قوله تعالى أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ وانما سمى إسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الى الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق سماه به أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ اى بان طهراه من الأوثان والأنجاس وما يليق به والمراد احفظاه من ان ينصب حوله شىء منها واقراه على طهارته كما في قوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ فانهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فانك لا تريد ان تقول ازل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم لِلطَّائِفِينَ الزائرين حوله وَالْعاكِفِينَ المجاورين الذين عكفوا عنده اى أقاموا لا يرجعون وهذا في اهل الحرم والاول في الغرباء القادمين الى مكة للزيارة والطواف وان كان لا يختص بهم الا ان له مزيد اختصاص بهم من حيث ان مجاوزة الميقات لا تصح لهم الا بالإحرام وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ اى المصلين جمع راكع وساجد لان القيام والركوع والسجود من هيآت المصلى ولتقارب الركوع والسجود ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس في المسجد الحرام ناظرا الى الكعبة من جملة العبادات
стр. 226
الشريفة المرضية كما قال ﵇ (ان لله تعالى في كل يوم عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين) واعلم انه تعالى لما قال أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وانما خص الكعبة بالذكر لانه لم يكن هناك غيرها وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انه سمع صوت رجل في المسجد فقال ما هذا أما تدرى اين أنت وفي الحديث (ان الله اوحى الى يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين انذر قومك ان لا يدخلوا بيتا من بيوتى الا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيدي نقية وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتا من بيوتى مادام لاحد عندهم مظلمة فانى ألعنه مادام قائما بين يدى حتى يرد تلك الظلامة الى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي واصفيائى ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) انتهى ثم اعلم ان البيت الذي شرفه الله بإضافته الى نفسه وهو بيت القلب في الحقيقة يأمر الله تعالى بتطهيره من دنس الالتفات الى ما سواه فانه منظر لله كما قيل
دل بدست آور كه حج اكبرست ... از هزاران كعبه يك دل بهترست
كعبه بنياد خليل آزرست ... دل نظرگاه جليل اكبرست
فلا بد من تصفيته حتى تعكف عنده الأنوار الإلهية والاسرار الرحمانية وتنزل السكينة والوقار فعند وصول العبد الى هذه الرتبة فقد سجد لربه حقيقة وركع وناجى مع الله بسره وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ اى واذكر يا محمد إذ دعا ابراهيم فقال يا رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان وهو الحرم بَلَداً آمِناً ذا أمن يأمن فيه اهله من القحط والجدب والخسف والمسخ والزلازل والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من المثلات التي تحل بالبلاد فهو من باب النسب اى بلدا منسوبا الى الامن كلابن وتامر فانهما لنسبة موصوفهما الى مأخوذهما كأنه قيل لبنيّ وتمريّ فالاسناد حقيقى او المعنى بلدا آمنا اهله فيكون من قبيل الاسناد المجازى لان الامن الذي هو صفة لاهل البلد حقيقة قد أسند الى مكانهم للملابسة بينهما وكان هذا الدعاء في أول ما قدم ابراهيم ﵇ مكة لانه لما اسكن إسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها الى الشام تبعته هاجر فجعلت تقول الى من تكلنا في هذا البلقع اى المكان الخالي من الماء والنبات وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال نعم قالت إذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء اقبل على الوادي فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ الى آخر الآية وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ جمع ثمرة وهي المأكولات مما يخرج من الأرض والشجر فهو سؤال الطعام والفواكه وقيل هي الفواكه وانما خص هذا بالسؤال لان الطعام المعهود مما يكون في كل موضع واما الفواكه فقد تندر فسأل لاهله الامن والسعة مما يطيب العيش ويدوم فاستجاب له في ذلك لما روى انه لما دعا هذا الدعاء امر الله جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار إليها فاتى فقلعها وجاء بها وطاف بها حول البيت سبعا ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهي الطائف ولذلك سميت به ومنها اكثر ثمرات مكة ويجئ اليه
стр. 227
ايضا من الأقطار الشاسعة حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من اهله والمعنى وارزق المؤمنين خاصة قالَ الله تعالى وَمَنْ كَفَرَ معطوف على محذوف اى ارزق من آمن ومن كفر قاس ابراهيم ﵊ الرزق على الامامة حيث سأل الرزق لاجل المؤمنين خاصة كما خص الله تعالى الامامة بهم في قوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فلما رد سؤاله الامامة في حق ذريته على الإطلاق حسب ان يرد سؤاله الرزق في حق اهل مكة على الإطلاق فلذلك قيد بالايمان تأدبا بالسؤال الاول فنبه سبحانه على ان الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الامامة والتقدم فَأُمَتِّعُهُ اى أمد له ليتناول من لذات الدنيا اثباتا للحجة عليه قَلِيلًا اى تمتيعا قليلا فان الدنيا بكليتها قليلة وما يتمتع الكافر به منها قليل من القليل فان نعمته تعالى فى الدنيا وان كانت كثيرة باضافة بعضها الى بعض فانها قليلة بإضافتها الى نعمة الآخرة وكيف لا يقل ما يتناهى بالاضافة الى ما لا يتناهى فقليلا صفة مصدر محذوف ويجوز ان يكون صفة ظرف محذوف اى أمتعة زمانا قليلا وهو مدة حياته ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ الاضطرار فى اللغة حمل الإنسان على ما يضره وهو في المتعارف حمل الإنسان بكفره على ان يفعل ما اكره عليه باختياره ترجيحا لكونه أهون الضررين فلا شىء أشد من عذاب النار حتى يكره الكفار به ليختاروا عذاب النار لكونه أهون منه فلا يكون اضطرارهم الى عذاب النار مستعملا في معناه العرفي فهو مستعار للزهم والصاقهم به بحيث يتعذر عليهم التخلص منه كما قال تعالى يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ فانه صريح في ان لا مدخل لهم في لحوق عذاب الآخرة بهم ولا اختيار الا انهم سموا مضطرين اليه مختارين إياه على كره تشبيها لهم بالمضطر الذي لا يملك الامتناع عما اضطر اليه فالمعنى الزه اليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم بحيث لا يمكنه الامتناع منه وَبِئْسَ الْمَصِيرُ المخصوص بالذم محذوف اى بئس المرجع الذي يرجع اليه للاقامة فيه النار او عذابها فللعبد في هذه الدنيا الفانية الامهال أياما دون الإهمال إذ كل نفس تجزى بما كسبت ولا تغرنك الزخارف الدنيوية فان للمطيع والعاصي نصيبا منها
وليس ذلك من موجبات الرفعة في الآخرة: قال الحافظ
بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو ... ترا كه گفت كه آن زال ترك دستان گفت
قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال سهل في معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا وقال ابو العباس بن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة فعلى العاقل ان لا يغتر بالزخارف الدنيوية بل لا يفرح بشئ سوى الله تعالى فان ما خلا الله باطل وزائل والاغترار بالزائل الفاني ليس من قضية كمال العقل والفهم والعرفان فان قلت ما الحكمة فى امهال الله العصاة في الدنيا قيل ان الله تعالى أمهل عباده ولم يأخذهم بغتة في الدنيا ليرى العباد ان العفو والإحسان أحب اليه من الاخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه ولهذا خلق النار كرجل يضيف الناس ويقول من جاء الى ضيافتى أكرمته
стр. 228
ومن لم يجئ فليس عليه شىء ويقول مضيف آخر من جاء الى أكرمته ومن لم يجئ ضربته وحبسته ليتبين غاية كرمه وهو أكمل وأتم من الكرم الاول والله تعالى دعا الخلق الى دعوته بقوله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ثم دفع السيف الى رسوله فقال من لم يجب ضيافتى فاقتله فعلى العاقل ان يجيب دعوة الله ويرجع الى الله بحسن اختياره فانه هو المقصود والكعبة الحقيقية وكل القوافل سائرة اليه واعلم ان البلد هو الصورة الجسمانية والكعبة القلب والطواف الحقيقي هو طواف القلب بحضرة الربوبية وان البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهو في عالم الملكوت كما ان الهيكل الإنساني مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب والذي يقدر من العارفين على الطواف الحقيقي القلبي هو الذي يقال في حقه ان الكعبة تزوره وفي الخبر (ان لله عبادا تطوف بهم الكعبة) وفرق بين من يقصد صورة البيت وبين من يقصد رب البيت- وروى- ان عارفا من اولياء الله تعالى قصد الحج وكان له ابن فقال ابنه الى اين تقصد فقال الى بيت الله فظن الغلام ان من يرى البيت يرى رب البيت قال يا ابى لم لا تحملني معك فقال أنت لا تصلح لذلك فبكى الغلام فحمله معه فلما بلغا الميقات احرما ولبيا ودخلا الحرم فلما شوهد البيت تحرم الغلام عند رؤيته فخر ميتا فدهش والده وقال اين ولدي وقطعة كبدى فنودى من زاوية البيت أنت طلبت البيت فوجدته وهو طلب رب البيت فوجد رب البيت فرفع الغلام من بينهم فهتف هاتف انه ليس في حيز ولا في الأرض ولا في الجنة بل هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر فمن اعرض سره عن الجهة في توجهه الى الله صار الحق قبلة له فيكون هو قبلة الجميع كآدم ﵇ كان قبلة الملائكة لانه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه من كسوة جماله وجلاله قال الشيخ العطار قدس سره في منطق الطير
حق تعالى گفت آدم غير نيست ... كور چشمى وترا اين سير نيست
شد نفخت فيه من روح آشكار ... سر جانان گشت بر خاك استوار
وقال في محل آخر
از دم حق آمدى آدم تويى ... اصل كرمنا بنى آدم تويى
قبله كل آفرينش آمدى ... پاى تا سر عين بينش آمدى
اللهم أوصلنا الى العين وخلصنا من البين وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ حكاية حال ماضية حيث عبر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع في الزمان المتقدم على زمان نزول الوحى بان يقدر ذلك الرفع السابق واقعا في الحال كأنك تصوره للمخاطب وتريه على وجه المشاهدة والعيان والقواعد جمع قاعدة وهي في الأصل صفة بمعنى الثابتة ثم صارت بالغلبة من قبيل الأسماء بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر ولعل لفظ القعود حقيقة في الهيئة المقابلة للقيام ومستعار للثبات والاستقرار تشبيها له بها في ان كلا منهما حالة مباينة للانتقال والنزول وقوله من البيت حال من القواعد وكلمة من ابتدائية لا بيانية لعدم صحة ان يقال التي هي البيت فان قلت رفع الشيء ان يفصل عن الأرض ويجعل عاليا مرتفعا والأساس ابدا ثابت على
стр. 229
الأرض فما معنى رفعه قلت المراد برفع الأساس البناء عليه وعبر عن البناء على الأساس برفعه لان البناء ينقله من هيئة الانخفاض الى هيئة الارتفاع فيوجد الرفع حقيقة الا ان أساس البيت واحد وعبر عنه بلفظ القواعد باعتبار اجزائه كأن كل جزء من الأساس أساس لما فوقه والمعنى واذكر يا محمد وقت رفع ابراهيم أساس البيت اى الكعبة وَإِسْماعِيلُ ولده وكان له اربعة بنين إسماعيل واسحق ومدين ومداين وهو عطف على ابراهيم وتأخيره عن المفعول مع ان حق ما عطف على الفاعل ان يقدم على المفعول للايذان بان الأصل في الرفع هو ابراهيم وإسماعيل تبع له قيل انه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها واعلم ان رفع الأساس الذي هو البناء عليه يدل على ان البيت كان مؤسسا قبل ابراهيم وانه انما بنى على الأساس واختلف الناس فيمن بنى البيت اولا وأسسه فقيل هو الملائكة وذلك ان الله تعالى لما قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالت الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم حتى رضى عنهم وقال لهم ابنوا لى بيتا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشى فأرضى عنهم فبنوا هذا البيت وقيل ان الله بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى ضراحا وامر الملائكة ان يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله وقيل أول من بنى الكعبة آدم واندرست زمن الطوفان ثم أظهرها الله لابراهيم ﵇ روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما انه قال لما اهبط الله تعالى آدم من الجنة الى الأرض قال له يا آدم اذهب فابن لى بيتا وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى فاقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض وقبضت له المفاوز فلا يقع قدمه على شىء من الأرض الا صار عامرا حتى انتهى الى موضع البيت الحرام وان جبرائيل ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن الاس الثابت على الأرض السابعة السفلى وقدمت اليه الملائكة بالصخر فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا وانه بناه من خمسة اجبل طور سيناء وطور زيتاء ولبنان وهو جبل بالشام والجودي وهو جبل بالجزيرة وحراء وهو جبل بمكة وكان ربضه من حراء اى الأساس المستدير بالبيت من الصخر فهذا بناء آدم وروى ان الله خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته فلما اهبط الله تعالى آدم الى الأرض استوحش فشكا الى الله فانزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد اخضر باب شرقى وباب غربى فوضعه على موضع البيت وقال يا آدم انى أهبطت لك بيتا فطف به كما يطاف حول عرشى وصل عنده كما يصلى عند عرشى وانزل الحجر وكان ابيض فاسود من لمس الحيض فى الجاهلية فتوجه آدم من ارض الهند الى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يد له على البيت قيل لمجاهد لم لم يركب قال وأي شىء كان يحمله ان خطوته مسيرة ثلاثة ايام فاتى مكة وحج البيت واقام المناسك فلما فرغ تلقته الملائكة فقالوا برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام قال ابن عباس رضى
الله تعالى عنهما حج آدم أربعين حجة من الهند الى مكة على رجليه فبقى البيت يطوف به هو والمؤمنون من ولده الى ايام الطوفان فرفعه الله في تلك الأيام الى السماء الرابعة
стр. 230
يدخله كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل ابى قبيس صيانة له من الغرق وكان موضع البيت خاليا الى زمن ابراهيم ﵇ ثم ان الله امر ابراهيم ببناء بيت يذكر فيه فسأل الله تعالى ان يبين له موضعه فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح حجوج لها رأسان شبه الحية وامر ابراهيم ان يبنى حيث استقر السكينة فتبعها ابراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت اى تحوت وتجمعت واستدارت كتطوى الحجفة ودورانها فقالت لابراهيم ابن على موضعى الأساس فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى الى موضع الحجر الأسود فقال لابنه يا بنى ائتنى بحجر ابيض حسن يكون للناس علما فاتاه بحجر فقال ائتنى بأحسن من هذا فمضى إسماعيل يطلبه فصاح ابو قبيس يا ابراهيم ان لك عندى وديعة فخذها فاذا هو بحجر ابيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة كما وجد في بعض الروايات او أنزله الله تعالى حين انزل البيت المعمور كما مر فاخذ ابراهيم ذلك الحجر فوضعه مكانه فلما رفع ابراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت ان ارفعا على تربيعى فهذا بناء ابراهيم ﵇ وروى ان ابراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجّلا على رفع قواعد البيت وكانت الخيل وحشية كسائر الوحوش فلما اذن الله لابراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله انى معطيكما كنزا ادخرته لكما ثم اوحى الى إسماعيل ان اخرج الى أجياد فادع يأتك الكنز فخرج الى أجياد ولا يدرى ما الدعاء ولا الكنز فالهمه الله فدعا فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب الا جاءته فامكنه من ناصيتها وذللها له فاركبوها واعلفوها فانها ميامين وهي ميراث أبيكم إسماعيل وانما سمى الفرس عربيا لان إسماعيل هو الذي امر بدعائه وهو اتى اليه والعربي نسبة الى عربة بفتحتين وهي باحة العرب لان أباهم إسماعيل نشأ بها قيل كان ابراهيم يتكلم بالسريانية وإسماعيل بالعربية وكل واحد منهما يفهم ما يقوله صاحبه ولا يمكنه التفوه به واما بنيان قريش إياه فمشهور وخبر الحية في ذلك مذكور وكانت تمنعهم من هدمه الى ان اجتمعت قريش فعجوا الى الله تعالى اى رفعوا أصواتهم وقالوا لم نراع وقد أردنا تشريف بيتك وتزيينه فان كنت ترضى بذلك والا فما بدا لك فافعل فاسمعوا خواتا في السماء والخوات دوى جناح الطير الضخم اى صوته فاذا هم بطائر أعظم من النسر اسود الظهر ابيض البطن والرجلين فغمز مخالبه في قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها الى أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعا وذكر عن الزهري انهم بنوها حتى إذا بلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلى رفعه حتى شجر بينهم فقالوا حتى نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فاطلع عليهم رسول الله ﷺ فحكموه فامر بالركن فوضع في ثوب ثم امر سيد كل قبيلة فاعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو على البناء فرفعوا اليه الركن فاخذه من الثوب فوضعه في مكانه قيل ان قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فاذا فيه انا الله ذو مكة
стр. 231
خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة املاك احتفاء لا تزول حتى يزول اخشباها مبارك لاهلها في الماء واللبن وعن ابى جعفر كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وابراهيم بالأرض حتى بنته قريش وعن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو قال نعم قلت فلم لم يدخلوه قال ان قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ولولا حدثانهم بالجاهلية لهدمت الكعبة فألزق بابها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة اذرع من الحجر فان قريشا اقتصرتها
حيث بنت الكعبة فهذا بناء قريش ثم لما غزا اهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم هدمها ابن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة فجعل لها بابين بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه وزاد فيه مما يلى الحجر ست اذرع وكان طولها قبل ذلك ثمانى عشرة ذراعا ولما زاد في البناء مما يلى الحجر استقصر ما كان من طولها تسع اذرع فلما قتل ابن الزبير امر الحجاج ان يقرر ما زاده ابن الزبير في طولها وان ينقص ما زاده من الحجر ويردها الى ما بناها قريش وان يسد الباب الذي فتحه الى جانب الغرب وروى ان هارون الرشيد ذكر لمالك بن انس انه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وان يردها الى بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي وامتثله ابن الزبير فقال له مالك ناشدتك الله يا امير المؤمنين ان لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم الا نقض البيت وبناءه فتذهب الهيبة من صدور الناس قالوا بنيت الكعبة عشر مرات بناء الملائكة وكان قبل خلق آدم ﵇ وبناء آدم وبناء بنى آدم وبناء الخليل وبناء العمالقة وبناء جرهم وبناء قصى بن كلاب وبناء قريش وبناء عبد الله بن الزبير وبناء الحجاج بن يوسف وما كان ذلك بناء لكلها بل لجدار من جدرانها وقال الحافظ السهيلي ان بناءها لم يكن في الدهر الا خمس مرات الاولى حين بناها شيث ﵊ وروى في الخبر النبوي هذا البيت خامس خمسة عشر سبعة منها في السماء الى العرش وسبعة منها الى تخوم الأرض السفلى وأعلى الذي يلى العرش البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت سقط بعضها على بعض الى تخوم الأرض السابعة ولكل بيت من اهل السماء ومن اهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت ذكره المحدث الكازروني في مناسكه وعن ابن عباس ﵄ لما كان العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض بعث الله ريحا فصفقت الماء فابرزت خشبة في موضع البيت كأنها قبة على قدر البيت اليوم فدحا الله سبحانه من تحتها الأرض فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال فكان أول جبل وضع فيها ابو قبيس ولذلك سميت مكة بام القرى قال كعب بنى سليمان ﵇ بيت المقدس على أساس قديم كما بنى ابراهيم الكعبة على أساس قديم وهو أساس الملائكة في وجه الماء الى ان علا رَبَّنا اى يرفعانها قائلين ربنا تَقَبَّلْ مِنَّا الدعاء وغيره من القرب والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء وفرق بين القبول والتقبل بان التقبل لكونه على بناء التكلف انما يطلق حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق ان يقبل الا على طريق التفضل والكرم ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى فاختيار لفظ التقبل اعتراف منهما بالعجز والانكسار والقصور في العمل إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤنا
стр. 232
وتضرعنا الْعَلِيمُ بكل المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع اعمالنا ودل هذا القول على انه لم يقع منهما تقصير بوجه ما في إتيان المأمور به بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما فان المقصر المتساهل كيف يتجاسر على ان يقول بأطلق لسان وارق جنان انك أنت السميع العليم ودلت الآية ايضا على ان الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة إذا فرغ منها وأداها كما امر بها وبذل فى ذلك ما في وسعه ان يتضرع الى الله ويبتهل ليتقبل منه وان لا يرد عليه فيضيع سعيه وان لا يقطع القول بأن من ادى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنى فالقبول والرد اليه تعالى ولا يجب عليه شىء رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ اى مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصا لله تعالى بان يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه للسان والأركان والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وأفعاله خالصة له تعالى خلقا وملكا لا مدخل في شىء منها لاحد سواه او المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة في أحكامك فان الإسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء فان قلت لا شك انهما كانا مخلصين ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما قلت المراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان او الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الايمان فانهما لما سألا ذلك مع امنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا ايضا الثبات على الانقياد فاجيبا الى ذلك حتى اسلم ابراهيم للالقاء في النار وإسماعيل للامر بالذبح وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ اى واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة وانما خص الذرية بالدعاء مع ان الأنسب بحال اصحاب الهمم لا سيما الأنبياء ان لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الاول كونهم أحق بالشفقة كما في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً فدعوا لاولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفي الحديث (ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون الله تعالى الا جعل الله له مثل أجورهم ما عبد الله منهم عابد حتى تقوم الساعة) والثاني انه وان كان تخصيصا صورة الا انه تعميم معنى لان صلاح أولاد الأنبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما ان من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك امر ان تنصيص الله تعالى بذلك بقوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ والاستدلال بان حكمة الله تعالى تقتضى ان لا يخلوا لعالم عن أفاضل واوساط وارذال فالافاضل هم اهل الله الذين هم أخلصوا أنفسهم لله بالإقبال الكلى عليه والاوساط هم اهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة في نيل المثوبات والأرذال هم اهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون جل همتهم عمارة الدنيا وتهيئة أسبابها وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة أشياء أحدها الزراعة والغرس والثاني الحماية والحرب والثالث جلب الأشياء من مصر الى مصر ومن أكب على هذه الأشياء ونسى الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق في اعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو منوغل في الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا: وفي المثنوى
стр. 233
اين جهان ويران شدى اندر زمان حرصها بيرون شدى از مردمان استن اين عالم اى جان غفلتست هوشيارى اين جهان را آفتست هوشيارى زان جهانست و چوآن غالب آيد پست گردد اين جهان هوشيارى آفتاب وحرص يخ هوشيارى آب واين عالم وسخ وَأَرِنا مَناسِكَنا جمع منسك بفتح السين وكسرها اى بصرنا مواضع نسكنا او عرفنا مقتدر اتنا اى المواضع التي يتعلق بها النسك اى افعال الحج نحو المواقيت التي يحرم منها والموضع الذي يوقف فيه بعرفة وموضع الطواف والصفا والمروة وما بينهما من المسعى وموضع رمى الجمار ويحتمل ان يراد بالمناسك هاهنا افعال الحج نفسها لا مواضعها على ان يكون المنسك مصدرا لا اسم مكان ويكون جمعه لاختلاف أنواعه ويكون أرنا بمعنى عرفنا لان نفس الافعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب والنسك كل ما يتعبد به الى الله وشاع في اعمال الحج لكونها أشق الأعمال بحيث لا تتأتى الا بمزيد سعى واجتهاد وَتُبْ عَلَيْنا عما فرط منا سهوا من الصغائر ومن ترك الاولى وتجاوز عن ذنوب ذريتنا من الكبائر ولعلهما قالاه هضما لانفسهما وإرشادا لذريتهما فانهما لما بنيا البيت أرادا ان يسنا للناس ويعرفاهم ان ذلك البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف امكنة التفصى من الذنوب وطلب التوبة من علام الغيوب إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ لمن تاب اصل التوبة الرجوع وتوبة الله على العبد قبوله توبته وان يخلق الانابة والرجوع في قلب المسيء ويزين جوارحه الظاهرة بالطاعات بعد ما لوثها بالمعاصي والخطيئات وتواب من صيغ المبالغة اطلق عليه تعالى للمبالغة في صدور الفعل منه وكثرة قبوله توبة المذنبين لكثرة من يتوب اليه رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ اى في جماعة الامة المسلمة من أولادنا رَسُولًا مِنْهُمْ اى من أنفسهم فان البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم ولم يبعث من ذريتهما غير النبي ﷺ فهو الذي أجيب به دعوتهما- روى- انه قيل له قد استجيب لك وهو في آخر الزمان وفي الحديث (انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمجدل في طينته وسأخبركم بأول امرى انى دعوة ابى ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام) وأراد بدعوة ابراهيم هذا فانه دعا الله ان يبعث في بنى إسرائيل رسولا منهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى اليه من دلائل التوحيد والنبوة وَيُعَلِّمُهُمُ بحسب قوتهم النظرية الْكِتابَ اى القرآن وَالْحِكْمَةَ وما يكمل به نفوسهم من المعارف الحقة والاحكام الشرعية قال ابن دريد كل كلمة وعظتك او دعتك الى مكرمة او نهتك عن قبيح فهى حكمة وَيُزَكِّيهِمْ بحسب قوتهم العملية اى يطهرهم من دنس الشرك وفنون المعاصي سواء كانت بترك الواجبات او بفعل المنكرات ثم ان ابراهيم ﵇ لما ذكر هذه الدعوات الثلاث ختمها بالثناء على الله تعالى فقال إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي يقهر ويغلب على ما يريد الْحَكِيمُ الذي لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة فهو عزيز حكيم بذاته وكل ما سواه ذليل جاهل في نفسه قال الامام الغزالي قدس سره في شرح الأسماء الحسنى العزيز هو الخطير الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة اليه ويصعب الوصول اليه فما لم تجتمع هذه المعاني
стр. 234
الثلاثة لم يطلق العزيز فكم من شىء يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شىء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول اليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فانها لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم في كل واحدة منهما والحاجة شديدة إليهما ولكن لا توصفان بالعزة لانه لا يصعب الوصول الى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة ثم في كل من المعاني الثلاثة كمال ونقصان فالكمال في قلة الوجود ان يرجع الى واحد إذ لا اقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا الا الله تعالى فان الشمس وان كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الإمكان فيمكن وجود مثلها والكمال في النفاسة وشدة الحاجة ان يحتاج اليه كل شىء في كل شىء حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال الا لله تعالى فهو العزيز المطلق الحق
الذي لا يوازيه فيه غيره والعزيز من العباد من يحتاج اليه عباد الله في أهم أمورهم وهي الحياة الاخروية والسعادة الابدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه رتبة الأنبياء ﵈ ويشاركهم فى العز من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه في النيل والمشاركة وبقدر عنائه في ارشاد الخلق والحق ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأجل العلوم وأجل الأشياء هو الله تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لانه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك الا علم الله تعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيما وكمال ذلك ايضا ليس الا لله تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله تعالى لم يستحق ان يسمى حكيما لانه لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها والحكمة أجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا أجل من الله ومن عرف الله فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها الا ان نسبة حكمة العبد الى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته الى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو انفس المعارف وأكثرها خيرا ومن اوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يتذكر الا أولوا الألباب نعم من عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فانه فلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع في العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية اظهر عند الناس من احوال الحكيم من معرفته بالله ربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الأنبياء ﵇. رأس الحكمة مخافة الله. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله.
ما قل وكفى خير مما كثر والهى. السعيد من وعظ بغيره. القناعة مال ينفد. الصبر نصف الايمان.
اليقين الايمان كله. فهذه الكلمات وأمثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما انتهى كلام الغزالي ثم ان في الآية اشارة الى ان في إرسال الرسل حكمة اى مصلحة وعاقبة حميدة لان عمارة الظاهر وانارة الباطن ونظام العالم بهم لا بغيرهم ولورثتهم من الأولياء الكاملين حظ اوفى
стр. 235
فى باب التزكية فلا بد للعبد من دليل ومرشد يهتدى به الى مقصوده ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان: قال الحافظ
بكوى عشق منه بي دليل راه قدم ... كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد
والمرشد الكامل يزكى نفس السالك بإذن الله ويطهرها من دنس الالتفات الى ما سوى الله ويتلو عليه الآيات الانفسية والآفاقية ليكون من الموقنين ويغتنم النعيم الروحاني ويدخل في زمرة الصديقين فقوله تعالى وَيُزَكِّيهِمْ يشير الى السلوك والتسليك فاحفظ هذا وليكن على ذكر منك اللهم احفظنا من الموانع في طريق الوصول إليك فان كل رجاء في حيز القبول لديك وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ من استفهامية قصد بها الإنكار والتقريع ورغب في الشيء إذا اراده ورغب عنه إذا تركه اى لا يترك دين ابراهيم أحد ولا يعرض عن شريعته وطريقته إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ اى أذلها وجعلها مهينا حقيرا فانتصاب نفسه على انه مفعول به- روى- ان عبد الله ابن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا الى الإسلام فقال لهما قد علمتما ان الله تعالى قال في التوراة انى باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه احمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون فاسلم سلمة وابى مهاجر فانزل الله هذه الآية وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا اى وبالله لقد اخترنا ابراهيم في الدنيا من بين سائر الخلق بالنبوة والحكمة وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ متعلق بقوله لَمِنَ الصَّالِحِينَ اى من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح فمن كان صفوة العباد في الدنيا مشهودا له في الآخرة بالصلاح كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن عن ملته الا سفيه اى في اصل خلقته او متسفه يتكلف السفاهة بمباشرة افعال السفهاء باختياره فيذل نفسه بالجهل والاعراض عن النظر والتأمل فقوله وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ بشارة له فى الدنيا بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك وكم من صالح في أول حاله ذهب صلاحه في مآله وكان فى الآخرة لعذابه ونكاله كبلعم وبرصيصا وقارون وثعلبة إِذْ قالَ لَهُ ظرف لاصطفيناه وتعليل له اى اخترناه في وقت قال له رَبُّهُ أَسْلِمْ اى أخلص دينك لربك واستقم على الإسلام واثبت عليه وذلك حين خرج من الغار ونظر الى الكوكب والقمر والشمس فألهمه الله الإخلاص قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ اى أخلصت دينى له كقوله إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية وقد امتثل ما امر به من الإخلاص والاستسلام واقام على ما قال فسلم القلب والنفس والولد والمال ولما قال له جبريل حين القى في النار هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا فقال ألا تسأل ربك فقال حسبى بسؤالى علمه بحالي قال اهل التفسير ان ابراهيم ولد في زمن النمرود بن كنعان وكان النمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس الى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه يولد في بلدك في هذه السنة غلام يغير دين اهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه قالوا فامر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته في تلك السنة فلما دنت ولادة أم ابراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة ان يطلع عليها فيقتل ولدها فولدته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء وهو نبت في الماء يقال له بالتركى «حصير قمشى» ثم رجعت فأخبرت زوجها بانها ولدت وان الولد في موضع
стр. 236
كذا فانطلق أبوه فاخذه من ذلك المكان وحفر له سربا اى بيتا في الأرض كالمغارة فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت امه تختلف اليه فترضعه وكان اليوم على ابراهيم في الشباب والقوة كالشهر في حق سائر الصبيان والشهر كالسنة فلم يمكث ابراهيم في المغارة الا خمسة عشر شهرا او سبع سنين او اكثر من ذلك فلما شب ابراهيم في السرب قال لامه من ربى قالت انا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب ابى قالت اسكت ثم رجعت الى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث انه يغير دين اهل الأرض فانه ابنك ثم أخبرته بما قال فاتى أبوه آزر وقال له ابراهيم يا أبتاه من ربى قال أمك قال فمن رب أمي قال انا قال فمن ربك قال النمرود قال فمن رب النمرود فلطمه لطمة وقال له اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فرأى السماء وما فيها من الكواكب فتفكر في خلق السموات والأرض فقال ان الذين خلقنى ورزقنى وأطعمني وسقانى ربى الذي مالى اله غيره ثم نظر في السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم رأى القمر ثم الشمس فقال فيهما كما قال في حق الكواكب ثم انهم اختلفوا في قوله ذلك فاجراه بعضهم على الظاهر وقالوا كان ابراهيم في ذلك الوقت مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله اليه وأرشده فلم يضره ذلك في الاستدلال وايضا كان ذلك في حال طفوليته قبل ان يجرى عليه القلم فلم يكن كفرا وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا كيف يتصور من مثله ان يرى كوكبا ويقول هذا ربى معتقدا فهذا لا يكون ابدا ثم أولوا قوله ذلك بوجوه مذكورة في سورة الانعام للامام محيى السنة والحاصل ان ابراهيم مستسلم للرب الكريم وانه على الصراط المستقيم لا يرغب عن طريقته الا من سفه نفسه اى لم يتفكر فيها كما تفكر ابراهيم في الأنفس والآفاق قال تعالى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ والسفاهة الجهل وضعف الرأى وكل سفيه جاهل وذلك ان من عبد غير الله فقد جهل نفسه لانه لم يعرف الله خالقها وقد جاء في الحديث (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وفي الاخبار (ان الله تعالى اوحى الى داود اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء وأعرفني بالقوة والقدرة والبقاء) : وفي المثنوى
چيست تعظيم خدا افراشتن ... خويشتن را خاك وخوارى داشتن [٢]
چيست توحيد خدا آموختن ... خويشتن را پيش واحد سوختن
هستيت در هست آن هستى نواز ... همچومس در كيميا اندر گداز
جمله معشوقست وعاشق پرده ... زنده معشوقست وعاشق مرده [٣]
وَوَصَّى لما كمل ابراهيم ﵇ في نفسه كمل غيره بالتوصية وهو تقديم ما فيه خير وصلاح من قول او فعل الى الغير على وجه التفضل والإحسان سواء كان امرا دينيا او دنيويا بِها اى بالملة المذكورة في قوله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِبْراهِيمُ بَنِيهِ اى أولاده الذكور الثمانية عند البعض إسماعيل وامه هاجر القبطية واسحق وامه سارة وستة أمهم قنطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها ابراهيم بعد وفاة سارة وهم مدين ومداين وزمران ويقشان ويشبق ونوخ وَيَعْقُوبُ رفع عطف على ابراهيم اى وصى يعقوب
стр. 237
ايضا وهو ابن اسحق بن ابراهيم بنيه الاثني عشر روميل وشمعون ولاوى ويهودا ويستسوخور وزبولون وزوانا ونفتونا وكوزا واوشير وبنيامين ويوسف وسمى يعقوب لانه مع أخيه عيصو كانا توأمين فتقدم عيصو في الخروج من بطن امه وخرج يعقوب على اثره آخذا بعقبه وذلك ان أم يعقوب حملت في بطن واحد بولدين توأمين فلما تكامل عدة أشهر الحمل وجاء وقت الوضع تكلما في بطنها وهي تسمع فقال أحدهما للآخر طرق لى حتى اخرج قبلك وقال الآخر لئن خرجت قبلى لاشقن بطنها حتى اخرج من خصرها فقال الآخر اخرج قبلى ولا تقتل أمي قال فخرج الاول فسمته عيصو لانه عصاها في بطنها وخرج الثاني وقد امسك بعقبه فسمته يعقوب فنشأ عيصو بالغلظة والفظاظة صاحب صيد وقنص ويعقوب بالرحمة واللين صاحب زرع وماشية وروى انهما ماتا في يوم واحد ودفنا في قبر واحد قيل عاش يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر واوصى ان يحمل الى الأرض المقدسة ويدفن عند أبيه اسحق فحمله يوسف فدفنه عنده يا بَنِيَّ على إضمار القول عند البصريين تقديره وصى وقال يا بنى وذلك لان يا بنى جملة والجملة لا تقع مفعولا الا لافعال القلوب او فعل القول عندهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ اى دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان ولا دين عنده غيره فَلا تَمُوتُنَّ اى لا يصادفكم الموت إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اى مخلصون بالتوحيد محسنون بربكم الظن وهذا نهى عن الموت في الظاهر وفي الحقيقة عن ترك الإسلام لان الموت ليس في أيديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى أهلها يعبدون الأصنام فاوصى بنيه بان يثبتوا على الإسلام فان موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه وانه ليس بموت السعداء وان من حق هذا الموت ان لا يحل فيهم وتخصيص الأبناء بهذه الوصية مع انه معلوم من حال ابراهيم انه كان يدعو الكل ابدا الى الإسلام والدين وللدلالة على ان امر الإسلام اولى الأمور بالاهتمام حيث وصى به اقرب الناس اليه واحراهم بالشفقة والمحبة وارادة الخير مع ان صلاح ابنائه سبب لصلاح العامة لان المتبوع إذ أصلح في جميع أحواله صلح التابع روى انه لما نزل قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع رسول الله ﷺ أقاربه وانذرهم فقال (يا بنى كعب بن لوى أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة انقذى نفسك من النار فانى لا املك لكم من الله شيأ) يعنى لا اقدر على دفع مكروه عنكم في الآخرة ان أراد الله ان يعذبكم وانما اشفع لمن اذن الله لى فيه وانما يأذن لى إذا لم يرد تعذيبه انما قال ﵇ في حقهم هكذا لترغيبهم في الايمان والعمل لئلا يعتمدوا على قرابته ويتهاونوا ولا بد من الوصية والتحذير فى باب الدين لان الإنسان إذا انس باهل الشر يخاف ان يتخلق بأخلاقهم ويعمل عملهم فيجره ذلك الهوى الى الهاوية كما قيل
نفس از همنفس بگيرد خوى ... بر حذر باش از لقاى خبيث
باد چون بر فضاى بد كذرد ... بوى بد كيرد از هواى خبيث
стр. 238
وكتب ابو عبيد الصوري الى بعض إخوانه اما بعد فانك قد أصبحت تأمل الدنيا بطول عمرك وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك وانما تضرب حديدا باردا والسلام وحسن الظن بالله تعالى انما يعتبر بعد إصلاح الحال بالأخلاق والأعمال قال الحسن ان قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ومالهم حسنة يقول أحدهم انى احسن الظن بربي وكذب لو احسن الظن لاحسن العمل وتلا قوله تعالى وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الآية اللهم وفقنا للعلم والعمل قبل الاجل أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ لاهل الكتاب الراغبين عن ملة ابراهيم ﵇ وأم منقطعة مقدرة ببل والهمزة قال في التيسير أم إذا لم يتقدمها الف الاستفهام كانت بمنزلة مجرد الاستفهام ومعنى الهمزة فيها الإنكار يعنى أكنتم شهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر يريد ما كنتم حاضرين إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ اى اماراته وأسبابه وقرب خروجه من الدنيا نزلت حين قالت اليهود للنبى ﵇ ألست تعلم ان يعقوب اوصى بنيه باليهودية يوم مات فقال تعالى ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقال لبنيه ما قال والا لما ادعيتم عليه اليهودية ولكان حرضكم على ملة الإسلام إِذْ قالَ لِبَنِيهِ بدل من إذ حضر والعامل فيها شهداء ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي اى أي شىء تعبدونه بعد موتى أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما قال الراغب لم يعن بقوله ما تعبدون من بعدي العبادة المشروعة فقط وانما عنى ان يكون مقصودهم في جميع الأعمال وجه الله تعالى ومرضاته وان يتباعدوا عما لا يتوسل به إليها وكأنه دعاهم الى ان لا يتحروا في أعمالهم غير وجه الله تعالى ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام وانما خاف ان تشغلهم دنياهم ولهذا قيل ما قطعك عن الله فهو طاغوت ولهذا قال واجنبنى وبنى ان نعبد الأصنام اى ان نخدم ما دون الله قال في المثنوى
چيست دنيا از خدا غافل شدن ... نى قماش ونقره وفرزند ووزن
قال التحرير التفتازانيّ وما عام اى يصح إطلاقه على ذى العقل وغيره عند الإبهام سواء كان للاستفهام أم غيره وإذا علم ان الشيء من ذى العقل والعلم فرق بمن وما فيخص من بذي العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال ان ما لغير العقلاء انتهى كلامه وتم الإنكار عليهم عند قوله ما تعبدون من بعدي ثم استأنف وبين ان الأمر قد جرى على خلاف ما زعموا فقال قالُوا كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ اى نعبد الآله المتفق على وجوده وآلهيته ووجوب عبادته وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة الآباء تغليبا للاب والجد لان العم أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الاخوة لا تفاوت بينهما ومنه قوله ﵇ (عم الرجل صنو أبيه) اى لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوى النخلة إِلهاً واحِداً بدل من اله آبائك وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشئ من تكرر المضاف او نصب على الاختصاص كأنه قيل نريد ونعنى بآله آبائك آلها واحدا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ حال من فاعل نعبد تِلْكَ اشارة الى الامة المذكورة التي هي ابراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون أُمَّةٌ هى في الأصل المقصود كالعهدة بمعنى
стр. 239
المعهود وسمى بها الجماعة لان فرق الناس تؤمها اى يقصدونها ويقتدون بها وهي خبر تلك قَدْ خَلَتْ اى مضت بالموت وانفردت عمن عداها وأصله صارت الى الخلاء وهي الأرض التي لا أنيس بها والجملة نعت لامة لَها ما كَسَبَتْ تقديم المسند لقصره على المسند اليه اى لها كسبها لا كسب غيرها وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ لا كسب غيركم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ اى لا تؤاخذون بسيآت الامة الماضية كما في قوله ولا تسألون عما أجرمنا كما لا تثابون بحسناتهم فلكل اجر عمله وذلك لما ادعى اليهود ان يعقوب ﵇ مات على اليهودية وانه ﵇ وصى بها بنيه يوم مات وردوا بقوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ الآية قالوا هب ان الأمر كذلك أليسوا آباءنا وإليهم ينتمى نسبنا فلا جرم ننتفع بصلاحهم ومنزلتهم عند الله تعالى قالوا ذلك مفتخرين باوائلهم فردوا بانهم لا ينفعهم انتسابهم إليهم وانما ينفعهم اتباعهم في الأعمال فان أحدا لا ينفعه كسب غيره كما قال
﵇ (يا بنى هاشم لا يأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بانسابكم) وقال ﵇ (من ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه) يعنى من آخره فى الآخرة عمله السيئ او تفريطه في العمل الصالح لم ينفعه شرف نسبه ولم تنجبر نقيصته به قال الشاعر أتفخر باتصالك من على واصل البؤسة الماء القراح وليس بنافع نسب زكى يدنسه صنائعك القباح والأبناء وان كانوا يتشرفون في الدنيا بشرف آبائهم الا انه إذا نفخ في الصور فلا أنساب والافتخار بمثل هذا كالافتخار بمتاع غيره وانه من الجنون فلا بد من كسب العمل والإخلاص فيه فانه المنجى بفضل الله تعالى وجاء في حديث طويل وهو ان رسول الله ﷺ قال (انى رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا لحلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فاخذ بيده وأقعده الى جنبى ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فهو متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجتاه من الظلمة وادخلتاه في النور ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت يا معشر المؤمنين كلموه كلموه ورأيت رجلا من أمتي يتقى وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه امره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فاخذ بيده فادخله على الله ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فاخذ صحيفته فجعلها
стр. 240
فى يمينه ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءته افراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتي أهوى فى النار فجاءته دموعه التي بكى بها من خشية الله فاستخرجته من النار ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته على فاخذت بيده وإقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلا من أمتي انتهى الى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة ان لا اله الا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة) قال رسول الله ﷺ (من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة) قيل يا رسول الله وما إخلاصها قال (ان تحجزه عن محارم الله) فعلم من هذا التفصيل ان الخلاص وان كان بفضل الله تعالى لكنه منوط بالأعمال الصالحة فالقرابة لا تغنى شيأ إذا فسد العمل واما قول من قال إذا طاب اصل المرء طابت فروعه فباعتبار الغالب فان من عادته تعالى ان يخرج الحي من الميت والميت من الحي ونعم ما قيل
اصل را اعتبار چندان نيست ... روى تر كل ز خار خندان نيست
مى ز غوره شود شكر از نى ... عسل از نحل حاصلست بقي
والعود الذي تفوح رائحته وان كان في الأصل شجرة كسائر الأشجار الا انه لما كان له استعداد لتلك المرتبة وحصل ذلك بالتربية فاق على الاقران وخرج من جنس الأصل وكذا المسك فان أصله دم وكم من نسيب يعود على أصله بالعكس فيظهر فيه اثر الصلاح الباطن في أبيه ان كان اى أبوه فاسقا او الفساد الباطن فيه ان كان صالحا وكم من فرع يميل الى أصله على وجه فانظر حال آدم ﵇ وولديه هابيل وقابيل ومن بعدهم الى قيام الساعة وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى نزلت في رؤس يهود المدينة وفي نصارى نجران اى قالت اليهود كونوا هودا فان نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن وقالت النصارى كونوا نصارى فان نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن تَهْتَدُوا جواب للامر اى ان تكونوا كذلك تجدوا الهداية من الضلالة قُلْ يا محمد لهم على سبيل الرد وبيان ما هو الحق لا نكون ما تقولون بَلْ نكون مِلَّةَ إِبْراهِيمَ اى اهل ملته ودينه على حذف المضاف اى بل نتبع ملته لان كونوا معناه اتبعوا اليهودية والنصرانية حَنِيفاً اى مائلا عن كل دين باطل الى دين الحق ومنحرفا عن اليهودية والنصرانية وهو حال من المضاف اليه وهو ابراهيم كما في رأيت وجه هند قائمة لان رؤية وجه هند يستلزم رؤيتها فالحال هنا تبين هيئة المفعول او من المضاف وهو الملة وتذكير حنيفا حينئذ بتأويل الملة بالدين لانهما متحدان ذاتا والتغاير بالاعتبار وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بهم وإيذان ببطلان دعواهم اتباع ابراهيم مع اشراكهم بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله وفي الآية ارشاد الى اتباع دين ابراهيم وهو الدين الذي عليه نبينا ﵇ وأصحابه واتباعه
стр. 241
قُولُوا ايها المؤمنون آمَنَّا بِاللَّهِ وحده وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا اى بالقرآن الذي انزل على نبينا والانزال اليه إنزال الى أمته لان حكم المنزل يلزم الكل وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من صحفه العشر وَما انزل الى إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالى الْأَسْباطِ جمع سبط وهو في اصل شجرة واحدة لها أغصان كثيرة والمراد هنا أولاد يعقوب وهم اثنا عشر سموا بذلك لانه ولد لكل منهم جماعة وسبط الرجل حافده اى ولد ولده والأسباط من بنى إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم وهم جماعة من اب وأم وكان فى الأسباط أنبياء والصحف وان كانت نازلة الى ابراهيم لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها جعلت منزلة إليهم كما جعل القرآن منزلا إلينا وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ جملة المذكورين منهم وغير المذكورين مِنْ رَبِّهِمْ فى موضع الحال من العائد المحذوف والتقدير وبما أوتيه النبيون منزلا عليهم من ربهم لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض وكيف نفعل ذلك والدليل الذي أوجب علينا ان نؤمن ببعض الأنبياء وهو تصديق الله إياه بخلق المعجزات على يديه يوجب الايمان بالباقين فلو آمنا ببعضهم وكفرنا بالبعض لناقضنا أنفسنا والجملة حال من الضمير في آمنا وانما اعتبر عدم التفريق بينهم مع ان الكلام فيما أوتوه لا يستلزم عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما أوتوه واحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ اى والحال انا مخلصون لله تعالى ومذعنون فَإِنْ آمَنُوا اى اليهود والنصارى بِمِثْلِ ما اى بمثل الدين الذي آمَنْتُمْ بِهِ هذا من باب التعجيز والتبكيت اى الزام الخصم والجائه الى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فان آمنوا بما آمنتم به وهو الله تعالى فانه ليس لله تعالى مثل وكذا لدين الإسلام فَقَدِ اهْتَدَوْا الى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق وَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان اغضوا عن الايمان على الوجه المذكور بان أخلوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب ايمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله في شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة في الاخبار باستيلائه عليهم فانه ابلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وان ذلك مما يؤدى الى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله ﷺ وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والإعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ الضميران منصوبا المحل على انهما مفعولان ليكفى يقال كفاه مؤنته كفاية وان كثر استعماله معدى الى واحد نحو كفاك الشيء والظاهران المفعول الثاني حقيقة في الآية هو المضاف المقدر اى فسيكفى الله إياك امر اليهود والنصارى
стр. 242
ويدفع شرهم عنك وينصرك عليهم فان الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالافعال وقد أنجز الله وعده الكريم بالقتل والسبي في بنى قريظة والجلاء والنفي الى الشام وغيره في بنى النضير والجزية والذلة في نصارى نجران وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى انه تعالى يسمع ما تدعو به ويعلم ما في نيتك من اظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك الى مرادك صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغ ما يلون به الثياب والصبغ المصدر والصبغة الفعلة التي تبنى للنوع والحالة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع الصبغ عليها وهي اى الصبغة في الآية مستعارة لفطرة الله التي فطر الناس عليها شبهت الخلقة السليمة التي يستعد بها العبد للايمان وسائر انواع الطاعات بصبغ الثوب من حيث ان كل واحدة منهما حلية لما قامت هي به وزينة له والتقدير صبغنا الله صبغة اى فطرنا وخلقنا على استعداد قبول الحق والايمان فطرته فهذا المصدر مفعول مطلق مؤكد لنفسه لانه مع عامله المقدر بعينه وقع مؤكدا لمضمون الجملة المقدمة وهو قوله آمنا بالله لا محتمل لها من المصادر الا ذلك المصدر لان ايمانهم بالله يحصل بخلق الله إياهم على استعداد اتباع الحق والتحلي بحلية الايمان ويحتمل ان يكون التقدير طهرنا الله تطهيره لان الايمان يطهر النفوس من اوضار الكفر وسماه صبغة للمشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة الغير اما بحسب المقال المحقق او المقدر بان لا يكون ذلك الغير مذكورا حقيقة ويكون في حكم المذكور لكونه مدلو لا عليه بقرينة الحال فهى كما تجرى بين فعلين كما هنا تجرى بين قولين كما في تعلم ما في نفسى ولا اعلم ما في نفسك فانه عبر عن ذات الله تعالى بلفظ النفس لوقوعه في صحبة لفظ النفس وعبر عن لفظ الفطرة بلفظ الصبغة لوقوعه في صحبة صبغة النصارى إذ كانوا يشتغلون بصبغ أولادهم في سابع الولادة مكان الختان للمسلمين بغمسهم في الماء الأصفر الذي يسمونه المعمودية على زعم ان ذلك الغمس وان لم يكن مذكورا حقيقة لكنه واقع فعلا من حيث انهم يشتغلون به فكان في حكم المذكور بدلالة قرينة الحال عليه من حيث اشتغالهم به ومن حيث ان الآية نزلت ردا لزعمهم ببيان ان التطهير المعتبر هو تطهير الله عباده لا تطهير أولادكم بغمسهم في المعمودية وهي اسم ماء غسل به عيسى ﵇ فمزجوه بماء آخر وكلما استعملوا منه جعلوا مكانه ماء آخر وَمَنْ أَحْسَنُ مبتدأ وخبر والاستفهام في معنى الجحد مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن صبغته احسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما والمعنى أي شخص تكون صبغته احسن من صبغة الله فانه يصبغ عباده بالايمان ويطهرهم به من اوضار الكفر وانجاس الشرك فلا صبغة احسن من صبغته وَنَحْنُ لَهُ اى لله الذي أولانا تلك النعمة الجليلة عابِدُونَ شكرا له ولسائر نعمه وتقدم الظرف للاهتمام ورعاية الفواصل وهو عطف على آمنا داخل تحت الأمر وهو قولوا فاذا كان حزفة العبد العبادة فقد زين نفسه بصبغ حسن يزينه ولا يشينه: وفي المثنوى
كاو را رنك از برون مرد را ... از درون دان رنك سرخ ورد را
رنكهاى نيك از خم صفاست ... رنك زشتان از سياه آب جفاست
стр. 243
صبغة الله نام آن رنك لطيف ... لعنة الله بوى اين رنك كثيف
وفي قوله تعالى وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ اشارة الى ان العارفين يعبدون ربهم لا لشوق الجنة ولا لخوف النار قال الله تعالى في الزبور ومن اظلم ممن عبدنى لجنة او نار فلو لم اخلق جنة ولا نارا لم أكن مستحقا لان اعبد واعلم ان العابد هو العامل بحق العبودية في مرضاة الله تعالى والعبادة دون العبودية وهي دون العبودة لان من لم يبخل بروحه فهو صاحب عبودة فالعبادة ببذل الروح فوق العبادة ببذل النفس قال سهل بن عبد الله لا يصح التعبد لاحد حتى لا يجزع من اربعة أشياء من الجوع والعرى والفقر والذل قال الشيخ ابو العباس ﵀ اوقات العبد اربعة لا خامس لها الطاعة والمعصية والنعمة والبلية ولكل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية فمن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله تعالى ومن كان وقته البلية فسبيله الرضى والصبر فعليك ان تراقب الأوقات الى ان تصل أعلى الدرجات وغاية الغايات: وفي المثنوى
كافرم من كر زيان كردست كس ... در ره ايمان وطاعت يكنفس «١»
سر شكسته نيست اين سر را مبند ... يك دو روزه جهد كن باقى بخند
تازه كن ايمان نه از كفت زبان ... اى هوا را تازه كرده در نهان «٢»
تا هوا تازه است ايمان تازه نيست ... كين هوا جز قفل آن دروازه نيست
- روى- ان السرى قدس سره قال مكثت عشرين سنة اخرس خلق الله تعالى فلم يقع في شبكتى الا واحد كنت أتكلم في المسجد الجامع ببغداد يوم الجمعة وقلت عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان يوم السبت وصليت الغداة إذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابته فنزل وقال أيكم السرى السقطي فأومأ جلسائى الى فسلم على وجلس وقال سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما أردت به فقلت ما ضعيف أضعف من ابن آدم ولا قوى أقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه الى معصية الله تعالى قال فبكى ثم قال يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلى قلت ومن ينقذ الغرقى الا الله تعالى قال يا سرى ان على مظالم كثيرة كيف اصنع قال إذا صححت الانقطاع الى الله تعالى ارضى عنك الخصوم بلغنا عن النبي ﵇ انه قال (إذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولى الله وكل لكل منهم ملكا يقول لا تروعوا ولى الله فان حقكم اليوم على الله تعالى) فبكى ثم قال صف لى الطريق الى الله فقلت ان كنت تريد المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وان كنت تريد طريق الأولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق فبكى حتى بل منديلا له ثم انصرف وكان من امره كيت وكيت من ترك الأهل والعيال والسكون عند المقابر وتغيير الحال حتى توفى ذلك الشاب على الاحالة التي اقبل عليها قال السرى فحلمت يوما عيناى فاذا به يرفل في السندس والإستبرق ويقول لى جزاك الله خيرا فقلت ما فعل الله بك قال أدخلني الجنة ولم يسألنى عن ذنب انتهى قُلْ أَتُحَاجُّونَنا المحاجة المجادلة ودعوى الحق واقامة الحجة على ذلك من كل واحد والهمزة للانكار والتوبيخ وسبب نزول هذه الآية ان اليهود والنصارى قالوا ان الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا وديننا اقدم فقال الله تعالى قل يا محمد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصموننا
стр. 244
فِي اللَّهِ اى في دينه وتدعون ان دينه الحق هو اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة لن يدخل الجنة إلا من كان هودا او نصارى وتارة كونوا هودا او نصارى تهتدوا وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ اى والحال انه لا وجه للمجادلة أصلا لانه تعالى مالك أمرنا وأمركم وَلَنا أَعْمالُنا الحسنة الموافقة لامره وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ السيئة المخالفة لحكمه فكيف تدعون انكم اولى بالله وَنَحْنُ لَهُ اى لله تعالى مُخْلِصُونَ فى تلك الأعمال لا نبتغى بها الا وجهه فأنى لكم المحاجة وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمع في دخول الجنة بسببه ودعوة الناس اليه وأنتم به مشركون والإخلاص تصفية العمل عن الشرك والرياء وحقيقته تصفية الفعل عن ملاحظه المخلوقين أَمْ تَقُولُونَ أم معادلة للهمزة في قوله تعالى أتحاجوننا داخلة في حيز الأمر على معنى أي الامرين تأتون اقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر أم التشبث بذيل التقليد والافتراء على الأنبياء وتقولون إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ وهي حفدة يعقوب وهم أولاد أولاده الاثني عشر وعن الزجاج انه قال الأسباط في ولد اسحق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل فولد كل واحد من ولد اسحق سبط ومن ولد إسماعيل قبيلة كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى فنحن مقتدون بهم والمراد انكار كلا الامرين والتوبيخ عليهما اى كيف تحاجون وكيف تقولون في حق الأنبياء الذين بعثوا قبل نزول التوراة والإنجيل انهم كانوا هودا او نصارى ومن المحال ان يقتدى المتقدم بالمتأخر ويستن بسنته قُلْ يا محمد أَأَنْتُمْ الاستفهام للتقرير والتوبيخ أَعْلَمُ بدينهم أَمِ اللَّهُ اعلم وَمَنْ أَظْلَمُ انكار لان يكون أحد اظلم فالاستفهام بمعنى النفي مِمَّنْ كَتَمَ اى ستر وأخفى عن الناس شَهادَةً ثابتة عِنْدَهُ اى عند من كائنة مِنَ اللَّهِ قوله عنده ومن الله صفتان لشهادة اى شهادة حاصلة عنده صادرة من الله تعالى يعنى يا اهل الكتاب قد علمتم بشهادة حصلت عندكم صادرة من الله تعالى بان ابراهيم وبنيه كانوا حنفاء مسلمين بان أخبركم الله بذلك في كتابكم ثم انكم تكتمونها وتدعون خلاف ما شهد الله به في حقهم فلا أحد اظلم منكم حيث اجزأتم على تكذيب الله تعالى فيما اخبر به وتعليق الاظلمية بمطلق الكتمان للايماء الى ان مرتبة من يدريها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن دائرة البيان وعن ابن عباس اكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة قال تعالى وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ والمراد مسخ القلب ونعوذ بالله من ذلك وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ما موصولة عامة لجميع ما يكتسب بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة ويدخل فيه كتمان شهادة الله دخولا أوليا اى هو محيط بجميع ما تأتون وما تدرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب تِلْكَ أُمَّةٌ اى الأنبياء جماعة قَدْ خَلَتْ اى مضت بالموت لَها ما كَسَبَتْ من الأعمال وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ منها وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ اى لا يسأل أحد عن عمل غيره بل يسأل عن عمله ويجزى به وهذا تكرير للآية السابقة بعينها للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم قال الله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ- قيل- لما انصرف هارون الرشيد من الحج اقام بالكوفة أياما فلما خرج وقف بهلول المجنون على طريقه
стр. 245
وناداه بأعلى صوته يا هارون ثلاثا فقال هارون من الذي ينادينى تعجبا فقيل له بهلول المجنون فوقف هارون وامر برفع الستر وكان يكلم الناس وراء الستر فقال له ألم تعرفنى قال بلى أعرفك فقال من انا قال أنت الذي لو ظلم أحد في المشرق وأنت في المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون وقال كيف ترى حالى قال اعرضه على كتاب الله وهي الجزء الثاني ان الأبرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم وقال اين اعمالنا قال انما يتقبل الله من المتقين قال واين قرابتنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال فاذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم قال واين شفاعة رسول الله لنا قال يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضى له قولا فلابد من الأعمال الصالحة والإخلاص فيها فان الله يتقبلها لا غيرها قال الجنيد الإخلاص سر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله قال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص ان يعافيك عنهما وفي التتار خانية لو افتتح للصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل في قلبه الرياء فهو على ما افتتح والرياء على انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الإحسان قال بعض الحكماء مثل من يعمل الطاعة للرياء والسمعة كمثل رجل يخرج الى السوق وقد ملأ كيسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس فلان ولا منفعة له سوى مقالة الناس وفي الحديث (أخلصوا أعمالكم لله تعالى فان الله لا يقبل الا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم وليس لله تعالى منه شىء) ومن أحاديث المشارق (لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله) قال النووي المراد الذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم او لموسى او غيرهما ذكر الشيخ ابراهيم المراودى ان ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا اليه افتى اهل بخارى بتحريمه لانه مما اهل به لغير الله وقال الرافعي هذا غير محرم لانهم انما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم انتهى كلامه وعليه تحمل افعال المسلمين صيانة لهم عن الكفر وضياع الأعمال فان الموحد مطمح نظره رضى مولاه والتعبد اليه بما تيسر له من القربات اللهم اعصمنا من الزلات- تمت الجزء الاول- الجزء الثاني من الاجزاء الثلاثين سَيَقُولُ السُّفَهاءُ اى الذين ضعفت عقولهم حال كونهم مِنَ النَّاسِ اى الكفرة يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين وانما كانوا سفهاء لانهم راغبون عن ملة ابراهيم وقد قال تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ اى أذلها بالجهل والاعراض عن النظر وفائدة تقديم الاخبار به قبل وقوعه ليوطئوا عليه أنفسهم فلا يضطربوا عند وقوعه لان مفاجأة المكروه أشد على النفوس وأشق وليعلمهم الجواب
стр. 246
فان العنيد قبل الحاجة اليه أرد لشغب الخصم الألد وقبل الرمي يراش السهم وهو مثل يضرب فى تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ما استفهامية انكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة في موضع النصب بالقول يقال تولى عن ذلك اى انصرف وولى غيره اى صرفه والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال فنقلت في عرف الشرع الى الجهة التي يستقبلها الإنسان للصلاة وهي من المقابلة وسميت قبلة لان المصلى يقابلها والمعنى أي شىء صرفهم وحولهم عن قبلتهم التي كانوا على التوجه إليها وهي بيت المقدس ولم انصرفوا منها الى الكعبة- روى- ان النبي ﵇ صلى الى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا تأليفا لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين الى نفخ الصور قُلْ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى الامكنة كلها والنواحي بأسرها لله تعالى ملكا وتصرفا فلا يستحق شىء منها لذاته ان يكون قبلة حتى يمتنع اقامة غيره مقامه والشيء من الجهات انما يصير قبلة بمجرد ان الله تعالى امر بالتوجه إليها فله ان يأمر في كل وقت بالتوجه الى جهة من تلك الجهات على حسب ألوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فانه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق ان يطيع خالقه ويأتمر بامره من غير ان يتحرى خصوصية في المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به فان الطاعة له ليس الا بارتسام امره اى امتثاله لا بتحرى العلل والأغراض الداعية له تعالى الى الأمر لان احكام الله تعالى وأفعاله ليست معللة بالدواعي والأغراض واليهود انما استقبلوا جهة المغرب واتخذوها قبلة اتباعا لهوى أنفسهم حيث زعموا ان موسى ﵇ كان في جانب المغرب فاكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه كما قال الله تعالى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ والنصارى ايضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهواهم حيث زعموا ان مريم ﵍ حين خرجت من بلدها مالت الى جانب الشرق كما قال الله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة لله تعالى وامتثالا لامره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع انها قبلة خليل الله تعالى ومولد حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو التوجه الى بيت المقدس تارة والكعبة اخرى ووجه استقامته كونه مشتملا على الحكمة والمصلحة موافقا لهما قال بعض ارباب الحقيقة سمى الطاعنين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الإسلام ولو أدركوا الحق مطلقا لاخلصوه كما أخلص المؤمنون فلم تبق محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وأنكروا التحويل لانهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافي بالجهات كلها: قال المولى الجامى
جهان مرآت حسن شاهد ماست ... فشاهد وجهه في كل ذرات
وَكَذلِكَ اشارة الى مفهوم الآية المتقدمة اى كما جعلناكم مهتدين الى الصراط المستقيم جَعَلْناكُمْ توحيد الخطاب في كذلك مع القصد الى المؤمنين لما ان المراد مجرد الفرق بين
стр. 247
الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين أُمَّةً وَسَطاً اى خيارا لان الاوساط محمية محوطة والأطراف يتسارع إليها الخلل لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة ان الرسل قد بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ اى محمد ﷺ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ان قلت ان الشاهد إذا أضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة على وإذا نفع بها تعدى باللام فيقال شهد له والرسول ﵇ لما زكى أمته وعدلهم بشهادته انتفعوا بها فالظاهر ان يقال ويكون الرسول لكم شهيدا بخلاف شهادة الامة على الناس فانها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على فيها واقعة في موضعها قلت هذا مبنى على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته والوجه في اعتبار تضمين الشهيد الاشارة الى ان التعديل والتزكية انما يكون عن خبرة ومراقبة بحال الشاهد فاذا شاهد منه الرشد والصلاح عدله وزكاه واثنى عليه والا يسكت عنه وقدمت صلة الشهادة اى عليكم لاختصاصهم بشهادته ﷺ على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافى شهادته ﷺ للانبياء بالتبليغ وعلى منكرى التبليغ بالتكذيب- روى- ان الله تعالى يجمع
الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم ألم يأتكم نذير فينكرون فيقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو اعلم بهم اقامة للحجة فيؤتى بامة محمد ﷺ فيشهدون لهم انهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية من اين علموا وانهم أتوا بعدنا فيسأل هذه الامة فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا اخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد ﵊ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم فيؤمر بالكفار الى النار قال بعض ارباب الحقيقة معنى شهادتهم على الناس اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الأديان ومعرفتهم لحق كل دين وحق كل ذى دين من دينه وباطلهم الذي ليس حقهم الذي هو مخترعات نفوسهم وطريق الحق واحد فمن تحقق بحق دين تحقق بحق سائر الأديان وخاصة دين الإسلام الذي هو الحق الأعظم ومعنى شهادة الرسول عليهم اطلاعه على رتبة كل متدين بدينه وحقيقته التي هو عليها من دينه وحجابه الذي هو به محجوب عن كمال دينه فهو يعرف ذنوبهم وحقيقة ايمانهم وأعمالهم وحسناتهم وسيآتهم وإخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق وأمته يعرفون ذلك من سائر الأمم بنوره ﵊ قال بعضهم جعلنا آخر الأمم تشريفا لحبيبه وأمته لانه لو قدمنا لاحتجنا ان ننتظر في قبورنا قدوم الأمم الماضية فجعلهم في انتظارنا تشريفا لنا وايضا جعلنا آخر الأمم لنكون يوم القيامة شهداء على جميع الأمم الماضية ويكفى شرفا لهذه الامة المرحومة ما قال ﷺ في حق علمائهم (علماء أمتي كانبياء بنى إسرائيل) وذكر الراغب الاصفهانى في المحاضرات انه قال الامام الشاذلى صاحب حزب البحر اضطجعت فى المسجد الأقصى فرأيت في المنام قد نصب تخت خارج الأقصى في وسط الحرم فدخل خلق كثير أفواجا أفواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الأنبياء والرسل قد حضروا ليشفعوا في حسين الحلاج عند محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لاساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا
стр. 248
نبينا محمد ﵇ جالس عليه بانفراده وجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الأرض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت انظروا سمع كلامهم فخاطب موسى نبينا ﵊ وقال له انك قد قلت علماء أمتي كانبياء بنى إسرائيل فأرنا منهم واحدا فقال هذا وأشار الى الامام الغزالي فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان السؤال ينبغى ان يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضا حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاى فعددت صفات كثيرة قال فبينما انا متفكر في جلالة قدر محمد ﵇ وكونه جالسا على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الأرض إذ رفسني شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فاذا يقيم ثم غاب عنى فلم أجده الى يومى هذا ومن هذا قال
فانسب الى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب الى قدره ما شئت من عظم
اللهم يسر لنا شفاعته وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ مفعول أول لجعلنا الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مفعول ثان له بتقدير موصوف اى الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة لانه ﵇ كان مأمورا بان يصلى الى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر امر بالصلاة الى صخرة بيت المقدس التي منها يصعد الملائكة الى السماء ثم أعيد الى ما كان عليه اولا والمعنى ما رددناك الى ما كنت عليه اى على استقباله والتوجه اليه وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فى التوجه الى ما امر به مِمَّنْ يَنْقَلِبُ اى ينصرف ويرجع عَلى عَقِبَيْهِ العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق الى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الإسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بأدنى سبب لقلته وضعف إيمانه لا انه لم يعلم حالهم فعلم لانه تعالى كان عالما في الأزل بهم وبكل حال من أحوالهم التي تقع في كل زمان من ازمنة وجودهم مقارنة للزمان الذي تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيأ فانما يعلم بان يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل
المعنى ليعلم رسول الله والمؤمنون وانما أسند علمهم الى ذاته لانهم خواصه واهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذي اختاره القاشاني في تأويلاته وزيف ما عداه والعلم في قوله لنعلم بمعنى المعرفة اى لنعرف الذي يتبع الرسول فلا يحتاج الى مفعول ثان فان قيل ان الله لا يوصف بالمعرفة فلا يقال الله عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة هنا قلت انما لا يوصف بها إذا كانت بمعناها المشهور وهو الإدراك المسبوق بالعدم واما إذا كانت بمعنى الإدراك الذي لا يتعدى الى مفعولين فيجوز ان يوصف الله بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع اى متميزا منه وَإِنْ كانَتْ اى القبلة المحولة لَكَبِيرَةً اى شاقة ثقيلة على من يألف التوجه الى القبلة المنسوخة فان الإنسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وان هي المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله تعالى إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اى هداهم الى حكمة الاحكام وارشدهم وعرفهم ان ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وان لم يهتدوا الى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك ان السعيد الفائز من أطاع ربه
стр. 249
الحكيم وان الشقي الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين انهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وان ذلك غير ضائع منهم فقال وَما كانَ اللَّهُ مريدا لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبي ﵇ من غير ان ترتابوا في شىء من ذلك إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ متعلق برؤف لَرَؤُفٌ اى ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك الى هذا وهو أصح لهم رَحِيمٌ يغفر ذنوبهم بالايمان وإيصال الرزق: قال السعدي
فرو ماند كانرا برحمت قريب ... تضرع كنانرا بدعوت مجيب
- روى- انه أخذ بعض أمراء الكفار وكان جائرا قاتلا في زمن داود ﵇ فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس الى منازلهم وبقي هذا على الخشبة وحده وتضرع الى آلهته فلم يغنوا عنه شيأ ثم رجع الى الله وقال أنت الله الحق أتيت إليك لتغيثنى برحمتك قال الله تعالى يا جبريل ان هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع الى ودعانى فاستجبت له فاهبط الى الأرض وضعه على الأرض في سلامة وعافية ففعل فلما أصبحوا رأوه وهو حى يصلى لله تعالى فاخبروا داود بذلك فدعا الله فيه مستكشفا سره فاوحى الله اليه يا داود انى ارحم من آمن بي ودعانى فان لم افعل فأى فرق بينى وبين آلهته واعلم ان جماعة قد ارتدوا عن الإسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى الله تعالى وعدم فنائهم في الله ورضاهم بما يجئ عليهم من القضاء فاخذتهم الكدرة كالسيل واما الذين سعدوا سعادة ازلية فلم يتعلقوا في الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن إرادتهم فجاءت ارادة الله لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا: قال الصائب مهياى فنارا از علايق نيست پروايى نينديشد ز خار آنكس كه دامان بر كمر دارد ذكر ان أبا القاسم الجنيد البغدادي لما رأوه في وادي الوله ظنوا انه مرض او جن فجعلوه في دار الشفاء فزاره بعض من يدعى حبه فقال لهم من أنتم فقالوا نحن احباؤك فرماهم بالأحجار ففروا من عنده وقالوا قد غلب عليه الجنون فقال تدعون الحب بأقوالكم وقد يكذبها أفعالكم فالمحب من اسره ما أصابه من الحبيب فلذلك قد عد أشد البلاء عند الأنبياء والأولياء ألذ من الحلوى فاكتسوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا في لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات الى غيره ولو بأكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا في الفناء والبقاء الى غاية المبتغى ولما قال موسى ﵇ رب أرني انظر إليك قال يا موسى لن ترانى في البساط الفاني اصبر حتى اجعله باقيا حتى ترانى يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين اتريد ان ترانى بعبادة أربعين يوما ثم اصطفاه وأعطاه ما أعطاه فلما رجع الى قومه رأى في الطريق الجبل الأعلى فسأل عنه متعجبا فقال الجبل يا موسى كنت ترعى الغنم في وعلى رأسك قلنسوة وفي يدك عصا فالله الذي اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلنى الأعلى بفضله وانعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه الى كعبة ذاتك والانجذاب إليك والوصول الى مشاهدتك قَدْ لفظ قد فى المضارع للتقليل وقد استعمل هاهنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين في الضدية نَرى مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لانها رأس القصة والمعنى
стр. 250
شاهدنا وعلمنا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ اى تردد وجهك في تصرف نظرك فِي السَّماءِ اى فى جهتها تطلعا للوحى وكان ﵇ يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للعرب الى الايمان من حيث انها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فانهم كانوا يقولون انه يخالفنا في ديننا ثم انه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره ان يتوجه الى قبلتهم حتى روى انه ﷺ قال لجبريل (وددت ان الله صرفنى عن قبلة اليهود الى غيرها) فقال له جبريل انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر الى السماء رجاء ان يأتيه جبريل بالذي سأل ربه فانزل الله هذه الآية وأول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت الى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة الى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد ان كان للمصلى ان يتوجه حيث شاء لقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم تحويلها من بيت المقدس الى الكعبة بالمدينة امتحانا لليهود كذا في تفسير الفاتحة للمولى الفنارى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً اى فو الله لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا اى صيرته واليا له وولى الرجل ولاية اى تمكن منه او فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه وليا اى قربه ودنا منه وأوليته إياه ووليته اى أدنيته منه تَرْضاها مجاز عن المحبة والاشتياق لانه ﵇ لم يكن ساخطا للتوجه الى بيت المقدس كارها له غير راض اى تحبها وتتشوق إليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى اصرف وجهك اى اجعل وجهك بحيث يلى شطره ونحوه والمراد بالوجه هاهنا جملة البدن لان الواجب على المكلف ان يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على انه الأصل المتبوع في التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الأكبر الذي فيه الكعبة والحرام المحرم اى المحرم فيه القتال او الممنوع من الظلمة ان يتعرضوا له وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لان استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ اى في أي موضع كنتم من الأرض من بحر او بر شرق او غرب وأردتم الصلاة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فانه القبلة الى نفخ الصور امر لجميع المؤمنين بذلك بعد ما امر به النبي ﵇ تصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثا للامة على المتابعة وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من فريقى اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى التحويل الى الكعبة الْحَقُّ اى الثابت كائنا مِنْ رَبِّهِمْ لما ان المسطور في كتبهم انه ﵇ يصلى الى القبلتين بتحويل القبلة الى الكعبة بعد ما كان يصلى الى بيت المقدس ومعنى من ربهم اى من قبله تعالى لا شىء ابتدعه الرسول ﷺ من قبل نفسه فانهم كانوا يزعمون انه من تلقاء نفسه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خطاب للمسلمين واليهود جميعا على التغليب فيكون وعدا للمسلمين بالاثابة وجزيل الجزاء ووعيدا وتهديدا لليهود على عنادهم وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان