فان العنيد قبل الحاجة اليه أرد لشغب الخصم الألد وقبل الرمي يراش السهم وهو مثل يضرب فى تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ما استفهامية انكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة في موضع النصب بالقول يقال تولى عن ذلك اى انصرف وولى غيره اى صرفه والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال فنقلت في عرف الشرع الى الجهة التي يستقبلها الإنسان للصلاة وهي من المقابلة وسميت قبلة لان المصلى يقابلها والمعنى أي شىء صرفهم وحولهم عن قبلتهم التي كانوا على التوجه إليها وهي بيت المقدس ولم انصرفوا منها الى الكعبة- روى- ان النبي ﵇ صلى الى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا تأليفا لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين الى نفخ الصور قُلْ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى الامكنة كلها والنواحي بأسرها لله تعالى ملكا وتصرفا فلا يستحق شىء منها لذاته ان يكون قبلة حتى يمتنع اقامة غيره مقامه والشيء من الجهات انما يصير قبلة بمجرد ان الله تعالى امر بالتوجه إليها فله ان يأمر في كل وقت بالتوجه الى جهة من تلك الجهات على حسب ألوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فانه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق ان يطيع خالقه ويأتمر بامره من غير ان يتحرى خصوصية في المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به فان الطاعة له ليس الا بارتسام امره اى امتثاله لا بتحرى العلل والأغراض الداعية له تعالى الى الأمر لان احكام الله تعالى وأفعاله ليست معللة بالدواعي والأغراض واليهود انما استقبلوا جهة المغرب واتخذوها قبلة اتباعا لهوى أنفسهم حيث زعموا ان موسى ﵇ كان في جانب المغرب فاكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه كما قال الله تعالى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ والنصارى ايضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهواهم حيث زعموا ان مريم ﵍ حين خرجت من بلدها مالت الى جانب الشرق كما قال الله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة لله تعالى وامتثالا لامره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع انها قبلة خليل الله تعالى ومولد حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو التوجه الى بيت المقدس تارة والكعبة اخرى ووجه استقامته كونه مشتملا على الحكمة والمصلحة موافقا لهما قال بعض ارباب الحقيقة سمى الطاعنين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الإسلام ولو أدركوا الحق مطلقا لاخلصوه كما أخلص المؤمنون فلم تبق محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وأنكروا التحويل لانهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافي بالجهات كلها: قال المولى الجامى
جهان مرآت حسن شاهد ماست ... فشاهد وجهه في كل ذرات
وَكَذلِكَ اشارة الى مفهوم الآية المتقدمة اى كما جعلناكم مهتدين الى الصراط المستقيم جَعَلْناكُمْ توحيد الخطاب في كذلك مع القصد الى المؤمنين لما ان المراد مجرد الفرق بين
стр. 247
الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين أُمَّةً وَسَطاً اى خيارا لان الاوساط محمية محوطة والأطراف يتسارع إليها الخلل لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة ان الرسل قد بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ اى محمد ﷺ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ان قلت ان الشاهد إذا أضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة على وإذا نفع بها تعدى باللام فيقال شهد له والرسول ﵇ لما زكى أمته وعدلهم بشهادته انتفعوا بها فالظاهر ان يقال ويكون الرسول لكم شهيدا بخلاف شهادة الامة على الناس فانها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على فيها واقعة في موضعها قلت هذا مبنى على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته والوجه في اعتبار تضمين الشهيد الاشارة الى ان التعديل والتزكية انما يكون عن خبرة ومراقبة بحال الشاهد فاذا شاهد منه الرشد والصلاح عدله وزكاه واثنى عليه والا يسكت عنه وقدمت صلة الشهادة اى عليكم لاختصاصهم بشهادته ﷺ على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافى شهادته ﷺ للانبياء بالتبليغ وعلى منكرى التبليغ بالتكذيب- روى- ان الله تعالى يجمع
الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم ألم يأتكم نذير فينكرون فيقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو اعلم بهم اقامة للحجة فيؤتى بامة محمد ﷺ فيشهدون لهم انهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية من اين علموا وانهم أتوا بعدنا فيسأل هذه الامة فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا اخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد ﵊ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم فيؤمر بالكفار الى النار قال بعض ارباب الحقيقة معنى شهادتهم على الناس اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الأديان ومعرفتهم لحق كل دين وحق كل ذى دين من دينه وباطلهم الذي ليس حقهم الذي هو مخترعات نفوسهم وطريق الحق واحد فمن تحقق بحق دين تحقق بحق سائر الأديان وخاصة دين الإسلام الذي هو الحق الأعظم ومعنى شهادة الرسول عليهم اطلاعه على رتبة كل متدين بدينه وحقيقته التي هو عليها من دينه وحجابه الذي هو به محجوب عن كمال دينه فهو يعرف ذنوبهم وحقيقة ايمانهم وأعمالهم وحسناتهم وسيآتهم وإخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق وأمته يعرفون ذلك من سائر الأمم بنوره ﵊ قال بعضهم جعلنا آخر الأمم تشريفا لحبيبه وأمته لانه لو قدمنا لاحتجنا ان ننتظر في قبورنا قدوم الأمم الماضية فجعلهم في انتظارنا تشريفا لنا وايضا جعلنا آخر الأمم لنكون يوم القيامة شهداء على جميع الأمم الماضية ويكفى شرفا لهذه الامة المرحومة ما قال ﷺ في حق علمائهم (علماء أمتي كانبياء بنى إسرائيل) وذكر الراغب الاصفهانى في المحاضرات انه قال الامام الشاذلى صاحب حزب البحر اضطجعت فى المسجد الأقصى فرأيت في المنام قد نصب تخت خارج الأقصى في وسط الحرم فدخل خلق كثير أفواجا أفواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الأنبياء والرسل قد حضروا ليشفعوا في حسين الحلاج عند محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لاساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا
стр. 248
نبينا محمد ﵇ جالس عليه بانفراده وجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الأرض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت انظروا سمع كلامهم فخاطب موسى نبينا ﵊ وقال له انك قد قلت علماء أمتي كانبياء بنى إسرائيل فأرنا منهم واحدا فقال هذا وأشار الى الامام الغزالي فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان السؤال ينبغى ان يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضا حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاى فعددت صفات كثيرة قال فبينما انا متفكر في جلالة قدر محمد ﵇ وكونه جالسا على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الأرض إذ رفسني شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فاذا يقيم ثم غاب عنى فلم أجده الى يومى هذا ومن هذا قال
فانسب الى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب الى قدره ما شئت من عظم
اللهم يسر لنا شفاعته وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ مفعول أول لجعلنا الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مفعول ثان له بتقدير موصوف اى الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة لانه ﵇ كان مأمورا بان يصلى الى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر امر بالصلاة الى صخرة بيت المقدس التي منها يصعد الملائكة الى السماء ثم أعيد الى ما كان عليه اولا والمعنى ما رددناك الى ما كنت عليه اى على استقباله والتوجه اليه وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فى التوجه الى ما امر به مِمَّنْ يَنْقَلِبُ اى ينصرف ويرجع عَلى عَقِبَيْهِ العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق الى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الإسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بأدنى سبب لقلته وضعف إيمانه لا انه لم يعلم حالهم فعلم لانه تعالى كان عالما في الأزل بهم وبكل حال من أحوالهم التي تقع في كل زمان من ازمنة وجودهم مقارنة للزمان الذي تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيأ فانما يعلم بان يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل
المعنى ليعلم رسول الله والمؤمنون وانما أسند علمهم الى ذاته لانهم خواصه واهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذي اختاره القاشاني في تأويلاته وزيف ما عداه والعلم في قوله لنعلم بمعنى المعرفة اى لنعرف الذي يتبع الرسول فلا يحتاج الى مفعول ثان فان قيل ان الله لا يوصف بالمعرفة فلا يقال الله عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة هنا قلت انما لا يوصف بها إذا كانت بمعناها المشهور وهو الإدراك المسبوق بالعدم واما إذا كانت بمعنى الإدراك الذي لا يتعدى الى مفعولين فيجوز ان يوصف الله بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع اى متميزا منه وَإِنْ كانَتْ اى القبلة المحولة لَكَبِيرَةً اى شاقة ثقيلة على من يألف التوجه الى القبلة المنسوخة فان الإنسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وان هي المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله تعالى إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اى هداهم الى حكمة الاحكام وارشدهم وعرفهم ان ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وان لم يهتدوا الى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك ان السعيد الفائز من أطاع ربه
стр. 249
الحكيم وان الشقي الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين انهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وان ذلك غير ضائع منهم فقال وَما كانَ اللَّهُ مريدا لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبي ﵇ من غير ان ترتابوا في شىء من ذلك إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ متعلق برؤف لَرَؤُفٌ اى ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك الى هذا وهو أصح لهم رَحِيمٌ يغفر ذنوبهم بالايمان وإيصال الرزق: قال السعدي
فرو ماند كانرا برحمت قريب ... تضرع كنانرا بدعوت مجيب
- روى- انه أخذ بعض أمراء الكفار وكان جائرا قاتلا في زمن داود ﵇ فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس الى منازلهم وبقي هذا على الخشبة وحده وتضرع الى آلهته فلم يغنوا عنه شيأ ثم رجع الى الله وقال أنت الله الحق أتيت إليك لتغيثنى برحمتك قال الله تعالى يا جبريل ان هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع الى ودعانى فاستجبت له فاهبط الى الأرض وضعه على الأرض في سلامة وعافية ففعل فلما أصبحوا رأوه وهو حى يصلى لله تعالى فاخبروا داود بذلك فدعا الله فيه مستكشفا سره فاوحى الله اليه يا داود انى ارحم من آمن بي ودعانى فان لم افعل فأى فرق بينى وبين آلهته واعلم ان جماعة قد ارتدوا عن الإسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى الله تعالى وعدم فنائهم في الله ورضاهم بما يجئ عليهم من القضاء فاخذتهم الكدرة كالسيل واما الذين سعدوا سعادة ازلية فلم يتعلقوا في الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن إرادتهم فجاءت ارادة الله لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا: قال الصائب مهياى فنارا از علايق نيست پروايى نينديشد ز خار آنكس كه دامان بر كمر دارد ذكر ان أبا القاسم الجنيد البغدادي لما رأوه في وادي الوله ظنوا انه مرض او جن فجعلوه في دار الشفاء فزاره بعض من يدعى حبه فقال لهم من أنتم فقالوا نحن احباؤك فرماهم بالأحجار ففروا من عنده وقالوا قد غلب عليه الجنون فقال تدعون الحب بأقوالكم وقد يكذبها أفعالكم فالمحب من اسره ما أصابه من الحبيب فلذلك قد عد أشد البلاء عند الأنبياء والأولياء ألذ من الحلوى فاكتسوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا في لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات الى غيره ولو بأكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا في الفناء والبقاء الى غاية المبتغى ولما قال موسى ﵇ رب أرني انظر إليك قال يا موسى لن ترانى في البساط الفاني اصبر حتى اجعله باقيا حتى ترانى يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين اتريد ان ترانى بعبادة أربعين يوما ثم اصطفاه وأعطاه ما أعطاه فلما رجع الى قومه رأى في الطريق الجبل الأعلى فسأل عنه متعجبا فقال الجبل يا موسى كنت ترعى الغنم في وعلى رأسك قلنسوة وفي يدك عصا فالله الذي اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلنى الأعلى بفضله وانعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه الى كعبة ذاتك والانجذاب إليك والوصول الى مشاهدتك قَدْ لفظ قد فى المضارع للتقليل وقد استعمل هاهنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين في الضدية نَرى مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لانها رأس القصة والمعنى
стр. 250
شاهدنا وعلمنا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ اى تردد وجهك في تصرف نظرك فِي السَّماءِ اى فى جهتها تطلعا للوحى وكان ﵇ يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للعرب الى الايمان من حيث انها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فانهم كانوا يقولون انه يخالفنا في ديننا ثم انه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره ان يتوجه الى قبلتهم حتى روى انه ﷺ قال لجبريل (وددت ان الله صرفنى عن قبلة اليهود الى غيرها) فقال له جبريل انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر الى السماء رجاء ان يأتيه جبريل بالذي سأل ربه فانزل الله هذه الآية وأول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت الى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة الى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد ان كان للمصلى ان يتوجه حيث شاء لقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم تحويلها من بيت المقدس الى الكعبة بالمدينة امتحانا لليهود كذا في تفسير الفاتحة للمولى الفنارى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً اى فو الله لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا اى صيرته واليا له وولى الرجل ولاية اى تمكن منه او فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه وليا اى قربه ودنا منه وأوليته إياه ووليته اى أدنيته منه تَرْضاها مجاز عن المحبة والاشتياق لانه ﵇ لم يكن ساخطا للتوجه الى بيت المقدس كارها له غير راض اى تحبها وتتشوق إليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى اصرف وجهك اى اجعل وجهك بحيث يلى شطره ونحوه والمراد بالوجه هاهنا جملة البدن لان الواجب على المكلف ان يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على انه الأصل المتبوع في التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الأكبر الذي فيه الكعبة والحرام المحرم اى المحرم فيه القتال او الممنوع من الظلمة ان يتعرضوا له وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لان استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ اى في أي موضع كنتم من الأرض من بحر او بر شرق او غرب وأردتم الصلاة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فانه القبلة الى نفخ الصور امر لجميع المؤمنين بذلك بعد ما امر به النبي ﵇ تصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثا للامة على المتابعة وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من فريقى اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى التحويل الى الكعبة الْحَقُّ اى الثابت كائنا مِنْ رَبِّهِمْ لما ان المسطور في كتبهم انه ﵇ يصلى الى القبلتين بتحويل القبلة الى الكعبة بعد ما كان يصلى الى بيت المقدس ومعنى من ربهم اى من قبله تعالى لا شىء ابتدعه الرسول ﷺ من قبل نفسه فانهم كانوا يزعمون انه من تلقاء نفسه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خطاب للمسلمين واليهود جميعا على التغليب فيكون وعدا للمسلمين بالاثابة وجزيل الجزاء ووعيدا وتهديدا لليهود على عنادهم وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان
стр. 251
قاطع على ان التوجه الى الكعبة هو الحق ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ عنادا ومكابرة وهذا في حق قوم معينين علم الله انهم لا يؤمنون فان منهم من آمن وتبع القبلة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ حسم لاطماعهم إذ كانوا تناجوا في ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ان يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه الى قبلتهم وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فان اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته فى عناده وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ جمع هوى وهو الارادة والمحبة اى ولئن وافقتهم في مراداتهم بان صليت الى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على ايمانهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى من بعد ما علمت بالوحى القاطع ان قبلة الله هي الكعبة إِنَّكَ إِذاً حرف جواب وجزاء توسطت بين اسم ان وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة لَمِنَ الظَّالِمِينَ اى المرتكبين الظلم الفاحش وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والالهاب للثبات على الحق وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فان من ليس من شانه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك: قال في المثنوى
تازه كن ايمان نه از كفت زبان ... اى هوا را تازه كرده در نهان
تا هوا تازه است ايمان تازه نيست ... كين هوا جز قفل آن دروازه نيست
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إيتاء فهم ودراسة وهم الأحبار يَعْرِفُونَهُ اى الرسول ﷺ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ اى يعرفونه ﷺ باوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم لا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم البنات لكون الذكور أشهر واعرف عندهم منهن وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق فان قيل لم لم يقل كما يعرفون أنفسهم مع ان معرفة الشخص نفسه اقرب اليه من معرفة سائر الأشياء فالجواب ما قال الراغب لان الإنسان لا يعرف نفسه الا بعد انقضاء برهة من دهره ويعرف ولده من حين وجوده وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ هم الذين كابروا وعاندوا الحق لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ان محمدا رسول الله ﷺ وان الكعبة قبلة الله والباقون هم الذين آمنوا منهم فانهم يظهرون الحق ولا يكتمونه واما الجهلة منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما في تضاعيفه فما هم بصدد الإظهار ولا بصدد الكتم وانما كفرهم على وجه التقليد الْحَقُّ الذي أنت عليه يا محمد مِنْ رَبِّكَ خبر لقوله الحق فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ اى الشاكين في كون الحق من ربك هذا خطاب له ﷺ والمقصود خطاب أمته ونهيهم عن الامتراء ومعنى نهى الامة عن الامتراء أمرهم بضده الذي هو اليقين وطمانينة القلب قال القشيري حملهم مستكنات الحسد وسوء الاختيار على مكابرة ما علموا بالاضطرار وكذلك المغمور في ظلمات نفسه يلقى جلباب الحياء فلا ينجع فيه ملام ولا يرده عن انهماكه كلام قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى عندنا ثلاث مراتب. إحداها مرتبة التقليد
стр. 252
وهي لعامة الناس. والثانية مرتبة التحقيق والإيقان وهي للمجتهدين كالائمة الاربعة ومن يحذو حذوهم. والثالثة مرتبة المشاهدة والعيان فهى للكمل من اهل السلوك قال وإذا لم تتطهر النفس من الأخلاق الرديئة لا تحصل المعارف الإلهية وان كان كاملا في العقل والعلوم ألا يرى ان الشيطان مع عقله وعلمه كيف استكبر وعصى امر الله تعالى لما في نفسه من الكبر والحسد وكذلك حال اهل الكتاب في امر القبلة وشأن النبي ﷺ حيث لم ينفع العلم والمعرفة لخبث باطنهم فلا بد من تزكية النفوس وتصفية القلوب والاستقامة في باب الحق الى ان يأتى اليقين- حكى- ان يونس خدم شيخه طبق امره ثلاثين سنة بالصدق حتى تورم ظهره من نقل الحطب فلم يظهر وكان شيخه نظر له فثقل ذلك على سائر الطالبين وقالوا انه يخدم الشيخ على محبة بنته حتى تكلموا في ذلك الشيخ فلما اتى بالحطب قال شيخه نعم الحطب المستقيم يا يونس فقال ان غير المستقيم لا يليق بهذا الباب وما تكلموا في حقه ليس على وجه النفاق بل لما رأوا انهم لا يتحملون ما يتحمل يونس أشكل عليهم الأمر فحملوه على حب البنت وسؤال الشيخ ايضا وجواب يونس بهذا الوجه انما كان لارشادهم وازالة شبههم والا فالشيخ كان يعرف احوال يونس ولم يحصل له سوء ظن من كلامهم لان من كان مرشدا لا يعرف حال المريد بكلام الغير في المدح والذم ثم زوج الشيخ بنته له وقال حتى لا يكون الاخوان كاذبين ولا يحصل لهم الخجالة وكانت البنت متى قرأت القرآن يقف الماء فلم يمسها يونس الى آخر عمره وقال انا لا أليق بها فللسالك في مرتبة الطبيعة ان يترك مقتضاها ويقتصر على قدر الكفاية من الاكل والشرب ولا يتقيد بتدارك ما تشتهيه طبيعته فان الخير في مخالفتها ومن تربية النفس ان يجتنب عن حب الأموال والأولاد فانهما فتنة ومعينان لها على كبرها بكثرتهما واكثر الأنفس لا تحب صرفها بل تدخرها ليزداد استكبارها وقد قال تعالى يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فمادام لم تصلح الطبيعة والنفس لا يصل الطالب الى مطلوبه ففى الحج اشارة الى ذلك فان قاصد البيت المكرم يترك استراحة بدنه ويبذل ماله الى ان يصل الى مشاهدته فكذلك قاصد رب البيت يفنى عن جميع ما سواه ويكون فى توجهه وحدانيا هيولانيا حتى يشاهد ببصيرته ما يشاهد فالصلاة مستقبلا الى شطر المسجد الحرام عين التوجه الى الذات الاحدية لان الكعبة مثال صورى لحضرته تعالى
وان المراد من الاستقبال إليها الإقبال اليه تعالى مع انه لا يتقيد التوجه حقيقة لكن الاستقبال صورة رعاية للادب ودور مع الأمر الإلهي فان لله تعالى في كل شىء حكمة ومصلحة ومن تخلص من القيود وانجذب الى الرب المعبود فقد تجلى له قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وظهر له سر الظاهر والمظهر
عاشقى ديد از دل پرتاب ... حضرت حق تعالى اندر خواب
دامنش را كرفت آن غمخور ... كه ندارم من از تو دست دكر
چون بر آمد ز خواب خوش درويش ... ديد محكم كرفته دامن خويش
فطوبى لمن دار مع الأمر الإلهي وسلم من الاعتراض وتخلص من الانقباض وفنى عن اضافة
стр. 253
الوجود الى نفسه وبقي بربه وبكمالاته اللهم اجعلنا من المهديين الى هذه الرتبة العظمى والكعبة العليا واصرفنا في مسالكنا عن الانحراف الى شىء من الآخرة والدنيا لِكُلٍ
اى لكل امة من الأمم اعنى المسلمين واليهود والنصارى جْهَةٌ
اى قبلة وجهةوَ
راجع الى كل وَلِّيها
اى محول وموجه الى تلك الجهة وجهه فقبلة كل امة من اهل الأديان المختلفة مغايرة لقبلة الامة الاخرى اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
اى الى الخيرات بنزع الجار والمراد جميع انواع الخيرات من امر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين والمعنى لكل امة قبلة يتصلبون في التوجه إليها بحيث لا ينصرفون عنها الى القبلة الحق وان أتيتهم بكل آية دالة على ان القبلة هي الكعبة وإذا كان الأمر كذلك فاستبقوا أنتم وبادروا الى الفعلات الخيرات وهي ما ثبت انه من الله تعالى ولا تقتفوا اثر المكابرين المستكبرين الذين يتبعون أهواءهم ويلقون الحق وراء ظهورهم فانهم انما يستبقون الى الشر والفساد إذ ليس بعد الحق الا الضلال قال بعض اهل الحقيقة معناه كل قوم اشتغلوا بغيرنا عنا واقبلوا على غيرنا فكونوا معاشر العارفين لنا واشتغلوا بنا عن غيرنا فان مرجعكم إلينا كما قال تعالى يْنَ ما
اى في أي موضع كُونُوا
أنتم وأعداؤكم أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يحشركم الله الى المحشر للجزاء ويفصل بين المحق والمبطل فهو وعد لاهل الطاعة ووعيد لاهل المعصيةنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيقدر على الامانة والاحياء والجمع وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ اى من أي مكان وبلد خرجت اليه للسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ عند صلاتك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ تلقاءه فان وجوب التوجه الى الكعبة لا يتغير بالسفر والحضر حالة الاختيار بل الحكم بالاسفار مثله حالة الاقامة بالمدينة وَإِنَّهُ اى هذا المأمور به وهو تحويل القبلة الى الكعبة لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ اى الثابت الموافق للحكمة وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيجازيكم بذلك احسن جزاء فهو وعد للمؤمنين وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ اليه في اسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ ايها المؤمنون من أقطار الأرض مقيمين او مسافرين وصليتم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ من محالكم شَطْرَهُ كرر هذا الحكم وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد لما ان القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة وتسويل الشيطان فبالحرى ان يؤكد أمرها مرة غب اخرى مع انه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ متعلق بقوله فولوا والمعنى ان التولية عن الصخرة الى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بان المنعوت في التوراة قبلته الكعبة واحتجاج العرب بانه يدعى ملة ابراهيم ويخالف قبلته وقوله عليكم في الأصل صفة حجة فلما تقدم عليها امتنع الوصفية لامتناع تقدم الصفة على الموصوف فانتصب على الحالية إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الناس اى لئلا يكون حجة لاخد من اليهود الا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا الى الكعبة الا ميلا الى دين قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء ولا لأحد من العرب من اهل مكة الا للمعاندين منهم الذين قالوا بدا له فرجع الى قبلة آبائه ويوشك ان يرجع الى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع انها افحش الأباطيل لانهم كانوا يسوقونها مساقها ويوردونها موقعها
стр. 254
فسميت حجة مجازا تهكم بهم فَلا تَخْشَوْهُمْ فلا تخافوهم في توجهكم الى الكعبة ومظاهرهم عليكم لسببه فان مطاعنهم لا تضركم شيأ وَاخْشَوْنِي بامتثال امرى فلا تخالفوا امرى وما رأيته مصلحة لكم فانى ناصركم وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ علة لمحذوف اى أمرتكم بتولية الوجوه شطره لا تمامى النعمة عليكم لما انه نعمة جليلة وما وقع من أوامر الله تعالى وتكاليفه وائتمار المكلف بالتوجه الى حيث وجهه الله تعالى وان كان نعمة يتوصل به الى الثواب الجزيل الا ان امره تعالى بالتوجه الى قبلة ابراهيم تمام النعمة في امر القبلة فان القوم كانوا يفتخرون باتباع ابراهيم في جميع ما كانوا يفعلونه فلما وجهوا الى قبلته بعد ما صرفوا عنها لمصلحة حادثة فقد أصابوا تمام النعمة في امر القبلة فان نعمة الله تعالى على عباده ضربان موهوب ومكتسب فالموهوب نحو صحة البدن وسلامة الأعضاء وغيرهما والمكتسب نحو الايمان والعمل الصالح بامتثال الأوامر والاجتناب عن المناهي فان ذلك كله يؤدى الى سعادة الدارين وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ اى ولا رادتى اهتداءكم الى شعائر الملة الحنيفية وشرائع الدين القويم كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ متصل بما قبله اى ولاتم نعمتى عليكم في امر القبلة إتماما كائنا كاتمامى لها بإرسال رسول كائن منكم وهو محمد ﷺ فان إرسال الرسول لا سيما المجانس لهم نعمة لم تكافئها نعمة قط يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وهو القرآن العظيم وَيُزَكِّيكُمْ اى يحملكم على ما تصيرون به أزكياء طاهرين من دنس الذنوب المكدرة لجوهر النفس لان شأن الرسل الدعوة والحث على اعمال يحصل بها طهارة نفوس الامة من الشرك والمعاصي لا تطهيرهم إياهم بمباشرتهم من أول الأمر وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ اى ما في القرآن من المعاني والاسرار والشرائع والاحكام التي باعتبارها وصف القرآن بكونه هدى ونورا فانه ﵇ كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه فيبقى على ألسنة اهل التواتر مصونا من التحريف والتصحيف ويكون معجزة باقية الى يوم القيامة وتكون تلاوته في الصلاة وخارجها نوعا من العبادة والقربة ومع ذلك كان يعلم ما فيه من الحقائق والاسرار ليهتدوا بهداه وأنواره وَالْحِكْمَةَ هى الاصابة في القول والعمل ولا يسمى حكيما الا من اجتمع له الأمران كذا قال الامام من أحكمت الشيء اى رددته غما لا يعنيه وكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ واعلم ان العمل بالقرآن متفرع على معرفة معناه وهو متفرع على معرفة ألفاظه والتزكية غاية اخيرة لانها متفرعة على العمل لكنها قدمت في الذكر نظرا الى تقدمها في التصور وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ قال الراغب ان قيل ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وهل ذلك الا الكتاب والحكمة قيل عنى بذلك العلوم التي لا طريق الى تحصيلها الا من جهة الوحى على ألسنة الأنبياء ولا سبيل الى ادراك جزئياتها وكلياتها الا به وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل فيه مجال في معرفة شىء منه وأعاد ذكر ويعلمكم مع قوله ما لم تكونوا تعلمون تنبيها على انه مفرد عن العلم المتقدم ذكره فَاذْكُرُونِي بالطاعة لقوله ﵇ (من أطاع الله فقد ذكر الله وان قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ومن عصى الله فقد نسى الله وان كثرت صلاته وقراءته القرآن) أَذْكُرْكُمْ بالثواب واللطف والإحسان وافاضة الخير
стр. 255
وفتح أبواب السعادات واطلق على هذا المعنى الذكر الذي هو ادراك مسبوق بالنسيان والله تعالى منزه عن النسيان بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه في صحبة ذكر العبد وَاشْكُرُوا لِي على ما أنعمت عليكم من النعم والذكر بالطاعة هو الشكر فقوله واشكروا لى امر بتخصيص شكرهم به تعالى لاجل افضاله وانعامه عليهم وان لا يشكروا غيره وجعل صاحب التيسير قوله تعالى فاذكرونى امرا بالقول وقوله واشكروا لى امرا بالعمل قال الراغب ان قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا قيل شكرت له هو ان تعتبر إحسانه الصادر عنه فتثنى عليه بذلك وشكرته إذا لم تلتفت الى فعله بل تجاوزت الى ذكر ذاته دون اعتبار أحواله وأفعاله فهو ابلغ من شكرت له وانما قال واشكروا لى ولم يقل واشكروني علما بقصورهم عن إدراكه بل عن ادراك آلائه كما قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فأمرهم ان يعتبروا
بعض أفعاله فى الشكر لله وَلا تَكْفُرُونِ بجحد النعم وعصيان الأمر فان قيل لم قال بعد واشكروا لى ولا تكفرون ولم يقتصر على قوله واشكروا لى قلنا لو اقتصر على قوله واشكروا لى لكان يجوز ان يتوهم ان من شكره مرة او على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله ولا تكفرون لكان يجوز ان يتوهم ان ذلك نهى عن تعاطى فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لازالة هذا التوهم ولان في قوله ولا تكفرون تنبيها على ان ترك الشكر كفران فان قيل لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لى قيل خص الكفر به تعالى بالنهى عنه للتنبيه على انه أعظم قباحة بالنسبة الى كفر نعمه فان كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا في تفسير الراغب الاصفهانى قال بعض العلماء لما خص الله هذه الامة بفضل قوة وكمال بصيرة بالنسبة الى بنى إسرائيل قال لهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ فامرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها الى المنعم وقال لهذه الامة فَاذْكُرُونِي فامرهم ان يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم: قال الصائب
در سر هر خام طينت نشئه منصور نيست ... هر سفالى را صداى كاسه فغفور نيست
قال الامام الغزالي الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح فذكرهم إياه باللسان ان يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرأوا كتابه وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة انواع. أحدها ان يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا في الجواب عن الشبه العارضة في ملك الله. وثانيها ان يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده فاذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل. وثالثها ان يتفكروا في اسرار مخلوقات الله تعالى حتى يصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فاذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها الى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له واما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم فهو ان تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فصار الأمر بقوله فَاذْكُرُونِي متضمنا لجميع الطاعات ولهذا ذكر عن سعيد بن جبير انه قال اذكروني بطاعتي فاجمله حتى يدخل
стр. 256
فيه جميع انواع الذكر واقسامه انتهى كلام الامام قال لقمان لابنه يا بنى إذا رأيت قوما يذكرون الله تعالى فاجلس معهم فانك ان تك عالما ينفعك علمك وان تك جاهلا علموك ولعل الله يطلع عليهم برحمته فيصيبك معهم وإذا رأيت قوما لا يذكرون فلا تجلس معهم فانك ان تك عالما لا ينفعك علمك وان تك جاهلا يزيدوك جهلا أو غيا ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم اللهم اجعلنا من الذاكرين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا فى كل ما تأتون وما تذرون بِالصَّبْرِ على الأمور الشاقة على النفس كالصبر عن المعاصي وحظوظ النفس وَالصَّلاةِ التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ومثاب رب العالمين- روى- انه صلّى الله تعالى عليه وسلم كان إذا حزبه امر فزع الى الصلاة وتلاهده الآية وانما خص الصبر والصلاة بالذكر لان الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليه لانها مجمع انواع الطاعات من الأركان والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما لا يتيسر حفظه الا بتوفيق الله تعالى قال عصام الدين قدم الترك على الفعل لان التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفي في كلمة التوحيد واكتفى بذكر الصلاة لان الخطاب لكل من المؤمنين والمشترك بين الجميع بعد الايمان الصبر عن المعاصي والصلاة واما الزكاة فمختصة باصحاب النصاب واما الحج فباصحاب الاستطاعة والصوم صبر عن معصية الاكل والشرب وغيرهما إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة واجابة الدعوة فمعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة لهما ودخول مع على الصابرين لما انهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية قال عصام الدين في التفسير الاجل ان الله مع الصابرين لان الصابرين لا يذهلون عن ذكره بخلاف المجتنبين عن الصبر فان قلوبهم لاهية عن ذكر الله والقلب اللاهي عنه ممتلئ من هموم الدنيا وان كانت الدنيا بأسر هاله انتهى كلامه ان قيل لم قال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يقل مع المصلين وقال في الآية الاخرى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ فاعتبر الصلاة دون الصبر قيل لما كان فعل الصلاة اشرف وأعلى من الصبر إذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر هاهنا الصابرين فمعلوم انه تعالى إذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الاولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على انها اشرف منزلة من الصبر واعلم ان الصبر الذي هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة الى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فان أول التوبة الصبر عن المعاصي وأول الزهد الصبر عن المباحات وأول الارادة الصبر وطلب ترك ما سوى الله تعالى ولهذا قال ﷺ (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد) وقال (الصبر خير كله) فمن تحلى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعات والاجتناب عن المنكرات وكذا الصلاة قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
صبر كن حافظ بسختى روز وشب ... عاقبت روزى بيابى كام را
وفي الحديث (إذا جمع الله الخلائق نادى مناد اين اهل الفضل قال فيقوم ناس وهم يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن أنتم قالوا نحن اهل الفضل فيقولون ما كان فصلكم قالوا كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيئ
стр. 257
إلينا عفونا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين ثم ينادى مناد اين اهل الصبر فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن أنتم فيقولون نحن اهل الصبر فيقولون ما كان صبركم قالوا كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصى الله فيقال لهم ادخلوا الجنة ثم ينادى مناد اين المتحابون في الله فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون من أنتم فيقولون نحن المتحابون في الله فيقولون وما كان تحابكم في الله قالوا كنا نتحاب في الله والجنة كذا في نزهة القلوب وَلا تَقُولُوا نزلت في شهداء بدر وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون لِمَنْ يُقْتَلُ فى سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فانزل الله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل القتل نقض البنية الحيوانية فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو الجهاد لانه طريق الى ثواب الله ورحمته أَمْواتٌ اى هم أموات بَلْ أَحْياءٌ اى كالاحياء في الحكم لا ينقطع ثواب أعمالهم لانهم قتلوا لنصرة دين الله فمادام الدين ظاهرا في الدنيا وأحد يقاتل في سبيل الله فلهم ثواب ذلك لانهم سنوا هذه السنة وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ كيف حالهم في حياتهم وفيه رمز الى انها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وانما هي امر روحانى لا يدرك بالعقل بل بالوحى وفي الآية دلالة على ان الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه الجمهور فان قلت الحياة الروحانية المستتبعة لادراك اللذة والا لم مشتركة في الجميع فما وجه تخصيص الشهداء بها قلت لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة ومن لم يبلغ منزلتهم لا تكون حياته معتدا بها فكأنه ليس بحي قال تعالى في حق اهل النار لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى واعلم ان نفس الإنسان وذاته الذي هو مخاطب مكلف مأمور منهى بأوامر الله ونواهيه جسمانى لطيف سار في هذا البدن المحسوس سريان النار في الفحم وماء الورد في الورد وهو الذي يشير اليه كل أحد بقوله انا وهو الإنسان حقيقة وهو الولي والنبي والمثاب والمعاقب على اعماله وهو كان فى صلب آدم حين سجد له الملائكة وهو الذي سأله الله بقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى وهو الذي يتوفى فى المنام ويخرج ويسرح ويرى الرؤيا فيسر بما يرى او يحزن فان امسكه الله ولم يرجع الى جسده تبعه الروح والجسد الكثيف المعبر عنه بالبدن والروح السلطاني محل تعينه هو القلب الصنوبري والروح الحيواني محل تعينه هو الدماغ ويقال له القلب والعقل والنفس ايضا سرى في جميع أعضاء البدن الا ان سلطانه قوى في الدماغ فهو أقوى مظاهره وهو اى الروح الحيواني انما حدث بعد تعلق الروح السلطاني بهذا الهيكل فهو من انعكاس أنوار الروح السلطاني ليكون مبدأ الافعال لان الحياة امر مغيب مستور في الحي لا يعلم الا بآثارها كالحس والحركة والعلم والارادة وغيرها وهذا يدور على الروح الحيواني فمادام هذا البخار باقيا على الوجه الذي يصلح ان بكون علاقة بينهما فالحياة قائمة وعند انتفائه وخروجه عن الصلاحية له تزول الحياة ويخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا وهو الموت الحقيقي وكما يخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا كذلك قد يخرج منه خروجا اختياريا ويعود اليه متى شاء وهو الذي سماه الصوفية بالانسلاخ فقد عرفت من هذا ان مذهب اهل السنة والجماعة ان الروح جسم لطيف مغاير لهذا الهيكل المحسوس وانكشف لك حال
стр. 258
الروح ووقف على اسرار البرزخ واحوال القبر وما فيه من الألم واللذة الجسمانيين وانحل عندك وجه كونه روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران فالشهداء احياء بالحياة البرزخية متنعمون لانهم أجسام لطيفة كالملائكة فانهم موجودون احياء قال المولى الفنارى في تفسير الفاتحة كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون في البرزخ خيالى وكذا كل عذاب يتألم به الجهنميون ومصداق ذلك انه إذا نفخ في الصور وبعث الخلق ينسى كل واحد منهم حاله في البرزخ ويتخيل ان ذلك الذي كان فيه منام كما تخيله المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل الى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفي
الآخرة يعتقد في امر الدنيا والبرزخ انه منام في منام وان اليقظة الصحيحة هي التي هو عليها في الدار الآخرة حيث لا نوم فيها ولا نوم بعدها انتهى كلامه قال في اسئلة الحكم ان امور البرزخ والآخرة على النمط الغير المألوف في الدنيا والأرواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسمانى لكن ذلك نعيم او عذاب معنوى حتى تبعث أجسادها فترد إليها فتتنعم عند ذلك حسا ومعنى ألا ترى الى بشر الحافى قدس سره لما رؤى في المنام قيل له ما فعل الله بك قال غفر لى وأباح لى نصف الجنة يعنى روحه متنعمة بالجنة بما يليق بها في مقامه والنصف الآخر هو الجنة التي يدخلها ببدنه إذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر والاكل الذي راه الميت بعد موته في البرزخ هو كالاكل الذي يراه النائم في النوم والنعيم به مثل النعيم به سواء كما قال ﵇ (انى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى) وكذلك كل شخص غير ان الفرق بين الرسول وغيره في هذه الصورة ان جسم النبي يبيت جائعا ويستيقظ وهو شبعان وغير النبي يأكل في منامه وهو جيعان ويستيقظ وهو كذلك وإذا رأى الولي الوارث ذلك وقد وجد أثر الشبع او الري فذلك من اجزاء النبوة التي وردت في الميراث إذ الرؤيا جزؤ من ستة وأربعين جزأ من النبوة وقد رأى ذلك كثير من الأولياء وأصبحوا وعليهم رائحة الطعام الذي أكلوه وشبعوا فهذه وراثة نبوبة فقوله ﵇ (انى لست كهيئتكم) باعتبار الغالب لا باعتبار الكل فتنعم الشهداء فى البرزخ بمرتبة تنعم الولي الوارث في المنام فافهم هذا المقام فان الجسم المبحوث عنه هاهنا هو الجسم اللطيف وتنعم بما يليق بمرتبته في البرزخ سواء عبرت عنه بالخيالى او بالمعنوي او بالجسماني اى المنسوب الى الجسم اللطيف لا الكثيف فان اللذة الجسمانية المتعلقة بالجسد الكثيف حال الدنيا لا غير قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد قال (نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين) مرة وفي التأويلات النجمية الاشارة لا تحسبوا من قتل من اهل الجهاد الأكبر بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أمواتا وان فنيت أوصاف وجودهم فانهم احياء بشهود موجدهم ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله فتارة يفنيهم بسطوات تجلى صفات الجلال وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال فانهم يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون بأحوالهم ولا تطلعون عليها قال القشيري لئن فنيت في الله أشباحهم لقد بقيت بالله أرواحهم وقال الجنيد من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فانه ينتقل من حياة الطبع الى حياة الأصل وهو الحياة الحقيقية: وفي المثنوى
مى كند دندان بد را آن طبيب ... تا رهد از درد وبيمارى حبيب
стр. 259
پس زيادتها درون نقصهاست ... مر شهيدانرا حيات اندر فناست
گر يكى سر را ببرد از بدن ... صد هزاران سر بر آرد در زمن
حلق ببريده خورد شربت ولى ... خلق از لا رسته مرده در بلى
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ اللام جواب قسم محذوف اى والله لنعاملنكم معاملة المبتلى هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء اولا إذا البلاء معيار كالمحك يظهر به جوهر النفس وذلك لنظهر لكم منكم المطيع من المعاصي لا لنعلم شيأ لم نكن عالمين به بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ اى بقليل من خوف الأعداء وانما قلله لان ما وقاهم منه اكثر بالنسبة الى ما أصابهم بألف مرة وَشىء من الْجُوعِ اى القحط والسنة وانما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطئوا عليه نفوسهم ويسهل لهم الصبر عليه فان مفاجأة المكره أشد على النفس من أصابته مع ترقبه وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ عطف على شىء اى وبنقض شىء قليل من ذلك بالسرقة والاغارة وأخذ السلطان والهلاك والخسران وَالْأَنْفُسِ اى بالقتل والموت او بالمرض والشيب وَالثَّمَراتِ اى وذهاب ثمرات الكروم والأشجار بالبرد والسموم والريح والجراد وغيرها من الآفات وقد يكون نقص الثمرات بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد وعن الشافعي ﵀ الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان والنقص من الأموال الزكاة والصدقات ومن الأنفس الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد وفي الحديث (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدى فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول الله ماذا قال عبدى فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدى بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد) قال بعض اهل المعرفة مطالبات الغيب اما ان تكون بالمال او بالنفس او بالأقارب او بالقلب او بالروح فمن أجاب بالمال فله النجاة ومن أجاب بالنفس فله الدرجات ومن صبر على فقد الأقارب فله الخلف والقربات ومن لم يؤخر عنه الروح فله دوام المواصلات وَبَشِّرِ الخطاب للرسول او لمن يتأتى منه البشارة لتعظيم الصبر وتفخيمه لانه فضيلة عظيمة الثواب وخصلة من خصال الأنبياء والأولياء فيستحق صاحبه ان يبشره كل أحد الصَّابِرِينَ على البلايا الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ الاصابة ضد الخطأ مُصِيبَةٌ هى ما يصيب الإنسان من مكروه لقوله ﵇ (كل شىء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة) وأصلها الوصول من صاب السهم المرمى وأصابه وصل اليه قالُوا إِنَّا لِلَّهِ اى نحن عبيد الله والعبد وما في يده لمولاه فان شاء أبقاه في أيدينا وان شاء استرده منا فلا نجزع بما هو ملكه بل نصبر فان عشنا فعليه رزقنا وان متنا فانا اليه راجعون واليه مردنا وعنده ثوابنا ونحن راضون بحكمه فما أعطانا ربنا كان فضلا منه ولا يليق بكرمه الارتجاع في عطاياه وانما اخذه ليكون ذخيرة لنا عنده فقولنا انا لله اقرار منا له تعالى بالملك وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ اقرار على أنفسنا بالهلك وقيل الرجوع اليه تعالى ليس عبارة عن الانتقال الى مكان وجهة فان ذلك على الله محال بل المراد منه ان يصير الى حيث لا يملك الحكم فيه سواه وذلك هو الدار الآخرة إذ لا حاكم فيها حقيقة وبحسب الظاهر الا الله تعالى بخلاف دار الدنيا فان غير الله قد يملك الحكم فيها بحسب الظاهر وقول المصاب عند مصيبته انا لله وانا اليه راجعون له فوائد. منها الاشتغال بهذه الكلمة
стр. 260
عن كلام لا يليق. ومنها انها تسلى قلب المصاب وتقلل حزنه. ومنها انها تقطع طمع الشيطان فى ان يوافقه في كلام لا يليق. ومنها انه إذا سمعه غيره اقتدى به. ومنها انه إذا قال ذلك بلسانه يتذكر بقلبه الاعتقاد الحسن والتسليم لقضاء الله وقدره فان المصاب يدهش عند المصيبة فيحتاج الى ما يذكر له التسليم المذكور وفي الحديث (ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى من مصيبتى وأخلف لى خيرا منها الا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها) قال سعيد بن جبير ما اعطى أحد في المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو أعطيه أحد لاعطى يعقوب ألا تسمع الى قوله في قصة فقد يوسف يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بان يتصور ما خلق لاجله وهو الانقياد لله تعالى فى جميع ما كلفه به من التكاليف والتسليم لقضاء الله وقدره في جميع ما اخذه وأعطاه فان من اختص لله تعالى ملكا وملكا كيف ينازعه في ملكه ولا يرضى بقضائه وملاحظة ان ما في عالم الملك كله لله تعالى يذكر نعم الله وتذكرها يستلزم العلم بان ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه والمبشر به محذوف دل عليه قوله تعالى أُولئِكَ اى الصابرون الموصوفون بما ذكر عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ كائنة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ اى رحمة ووجه الجمع في الصلوات الدلالة على الكثرة والتكرير واستغنى بتنكير التعظيم في رحمة عن إيرادها بلفظ الجمع ويندرج في رحمته تعالى إيصال المسار ودفع المضار في الدنيا والآخرة وجمع بين الصلاة والرحمة للايذان بان رحمته غير منقطعة فالمعنى عليهم فنون الرحمة المتوالية الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم الى كمالاتهم اللائقة بهم قال بعضهم الصلاة من الله المدح والثناء والتعظيم والرحمة اللطف والإحسان فلا تكرار وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى وعن ابن مسعود رضى الله عنه لان أخر من السماء أحب الى من ان أقول في شىء قضاه الله ليته لم يكن وقال على رضى الله عنه من ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط اجره اى بطل ثوابه قيل المكاره التي تصيب الإنسان إذا أصابته من قبل الله تعالى يجب الصبر عليها لان ما جاء من جهة العدل الحكيم ليس الا مقتضى عدله وحكمته فيجب عليه ان يرضى لعلمه بانه تعالى لا يقضى الا بالحق وان أصابته من جهة الظلمة فلا يجب عليه ان يصبر عليها بل جاز له ان يمانعه بل يحاربه وان قتل بمحاربته يكون شهيدا واعلم ان البلاء سبب للتصفية كما قال ﵇ (ما أوذي نبى مثل ما أوذيت) اى ما صفى نبى مثل ما صفيت والوفاء والجفاء سيان عند العشاق كما قال
صائب شكايت از ستم يار چون كند ... هر جا كه عشوه هست وفا وجفا يكيست
قال الحسن رضى الله عنه سمعت جدى رسول الله ﷺ يقول (يا بنى عليك بالقنوع تكن من اغنى الناس وأداء الفرائض تكن من اعبد الناس يا بنى ان في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى باهل البلاء يوم القيامة فلا ينشر لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الاجر صبا ثم قرأ انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ولو لم يكن في الصبر الا حكاية الطير الذي في عهد سليمان ﵇ لكفى وذلك ان طيرا في عهد سليمان عليه السلام
стр. 261
كان له صوت حسن وصورة حسنة اشتراه رجل بألف درهم وجاءه طير آخر فصاح صيحة فوق قفصه وطار فسكت الطير وشكا الرجل الى سليمان ﵇ فقال احضروه فلما احضروه قال سليمان ﵇ لصاحبك عليك حق حتى اشتراك بثمن غال فلم سكت فقال يا نبى الله قل له حتى يرفع قلبه عنى انى لا اصيح ابدا ما دمت في القفص قال لم قال لان صياحى كان من الجزع الى الوطن والأولاد وقال لى ذلك الطير انما حبسك لاجل صوتك فاسكت حتى تنجو فقال سليمان ﵇ للرجل ما قال الطير فقال الرجل أرسله با نبى الله فانى كنت احبسه لصوته فأعطاه سليمان ﵇ الف درهم ثم أرسل الطير ثم طار وصاح سبحان من صورنى وفي الهواء طيرنى ثم في القفص صبرنى ثم قال سليمان ﵇ ان الطير مادام فى الجزع لم يفرج عنه فلما صبر فرج عنه ومثل هذا في الحقيقة اشارة الى الفناء عن أوصاف النفس فان المرء ما لم يمت باختياره قبل اضطراره لا يصل الى الحياة الحقيقية: قال في المثنوى
دانه باشى مرغكانت بر چنند ... غنچهـ باشى كودكانت بر كنند «١»
هر كه كرد او حسن خود را در مزاد ... صد قضاى بد سوى او رو نهاد
تن قفس شكلست وتن شد خار جان ... در فريب داخلان وخارجان «٢»
قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لا بد من نفى الانية واضمحلال الوجود فى بحر الوجود الحقيقي حتى يتم المقصود ويحصل: قال الصائب
ترك هستى كن كه اسودست از تاراج سيل ... هر كه پيش از سيل رخت خود برون از خانه ريخت
قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره العبور عن المراتب محله مرتبة يقال لها وادي الحيرة يعرف السالك فيها مطلوبه ولكن لا يقدر على الوصول فيدور في ذلك الوادي بالحيرة والحرارة ويحرق الانية بتلك الحرارة ويقال له وادي الحيرة لان السالك يتحير ولا يقدر على الذهاب والرجوع وقوله ﵇ (اللهم زدنى حيرة) اشارة الى ذلك وتلك المرتبة لا تتيسر لكثير والعبور عنها لا يمكن الا بإرشاد مرشد كامل اللهم هيئنا لتجليات أسمائك وصفاتك وأفض علينا من كاسات مشاهدات كمال ذاتك إِنَّ الصَّفا علم لجبل بمكة وسمى الصفا لانه جلس عليه آدم صفى الله وَالْمَرْوَةَ علم لجبل في مكة ايضا وسمى المروة لانها جلست عليها امرأة آدم حواء ﵉ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ جمع شعيرة بمعنى العلامة اى من اعلام طاعة الله فان كل واحد من المواقف والمساعى والمنحر جعله الله تعالى علامة لنا نعرف به العبادة المختصة به- روى- انه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له اساف وصنم على المروة على صورة امرأة يقال لها نائلة يروى انهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان اهل الجاهلية إذا سعوا بين الصفا والمروة مسحوهما تعظيما لهما فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لانه فعل الجاهلية فاذن الله تعالى في الطواف بينهما واخبر انهما من شعائر الله والحكمة في شرعية السعى بين الصفا والمروة ما حكى ان هاجر لما ضاق عليها الأمر في عطشها وعطش إسماعيل سعت في هذا المكان الى ان صعدت الجبل ودعت فأنبع الله لها زمزم
стр. 262
وأجاب دعاءها فجعلها طاعة لجميع المكلفين الى يوم القيامة وفي الخبر (الصفا والمروة بابان من الجنة وموضعان من مواضع الاجابة ما بينهما قبر سبعين الف نبى وسعيهما يعدل سبعين رقبة) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ الحج في اللغة القصد والعمرة الزيارة وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة فَلا جُناحَ عَلَيْهِ اى لا اثم عليه وأصله من جنح اى مال عن القصد والخير الى الشر أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما اى في ان يطوف بهما ويدور فأزال عنهم الجناح لانهم توهموا أن يكون في ذلك جناح عليهم لاجل فعل الجاهلية وهو لا ينافى كون هذا الطواف واجبا كما عند الحنفية لان قولنا لا اثم في فعل امر كذا يصح إطلاقه على الواجب واصل يطوف يتطوف وفي إيراد التفعل إيذان بان من حق الطائف ان يتكلف في الطواف ويبذل فيه جهده وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً اصل التطوع الفعل طوعا لا كرها كانه قيل من فعل أو أتى ما يتقرب به طائعا فنصب خيرا بتضمين تطوع فعلا يتعدى بنفسه او التطوع بمعنى التبرع من قولهم طاع يطوع اى تبرع فكأنه قيل من تبرع بما لم يفرض عليه من القربات مطلقا فانتصاب خيرا حينئذ على إسقاط حرف الجر اى من تطوع تطوعا بخير فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ له اى مجاز بعمله فان الشاكر في وصف الله تعالى بمعنى المجازى على الطاعة بالاثابة عليها قال ابن التمجيد في حواشيه الشكر من الله بمعنى الرضى عن العبد والاثابة لازم الرضى والرضى ملزوم الشكر فالشكر مجاز في معنى الرضى ثم التجوز منه الى معنى الاثابة مجاز في المرتبة الثانية عَلِيمٌ بطاعة المتطوع ونيته فيها وفي الآية حث على نوافل الطاعات كما على فرائضها فمن اتى بنافلة واحدة فان الله شاكر عليم فكيف بأكثر منها فبالصوم تحصيل قهر النفس وبالزكاة تزكيها وبالصلاة المعراج الروحاني وبالحج الوصول وعن سفيان النوري قال حججت سنة ومن رأيى ان انصرف من عرفات ولا أحج بعد هذا فنظرت في القوم فاذا انا بشيخ متكئ على عصا وهو ينظر الى مليا فقلت السلام عليك يا شيخ دل وعليك يا سفيان ارجع عما نويت فقلت سبحان الله من اين تعلم نينى قال ألهمنى ربى فو الله لقد حججت خمسا وثلاثين حجة وكنت واقفا بعرفات هاهنا في الحجة الخامسة والثلاثين انظر الى هذه الرحمة وأتفكر فى امرى وأمرهم ان الله هل يقبل حجهم وحجى فبقيت متفكرا حتى غربت الشمس وأفاض الناس من عرفات الى مزدلفة ولم يبق معى أحد وجن الليل ونمت تلك الليلة فرأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وحشر الناس وتطايرت الكتب ونصبت الموازين والصراط وفتحت أبواب الجنان والنيران فسمعت النار تنادى وتقول اللهم وق الحجاج حرى وبردى فنوديت يا نار سلى غيرهم فانهم ذاقوا عطش البادية وحر عرفات ووقوا عطش القيامة ورزقوا الشفاعة فانهم طلبوا رضاى بانفسهم وأموالهم قال الشيخ فانتبهت وصليت ركعتين ثم نمت ورأيت كذلك فقلت في نومى هذا من الرحمن او من الشيطان فقيل لى بل من الله مد يمينك فمددت فاذا على كفى مكتوب من وقف بعرفة وزار البيت شفعته في سبعين من اهل بيته قال سفيان وأراني المكتوب حتى قرأته ثم قال الشيخ فلم تمر على منذ حينئذ سنة الا وانا حججت حتى تم لى ثلاث وسبعون حجة كذا في زهرة الرياض قال في الأشباه والنظائر بناء الرباط بحيث
стр. 263
ينتفع به المسلمون أفضل من الحجة الثانية والحج تطوعا أفضل من الصدقة النافلة وحج الفرض اولى من طاعة الوالدين بخلاف النفل وحج الغنى أفضل من حج الفقير لان الفقير يؤدى الفرض من مكة وهو متطوع في ذهابه وفضيلة الفرض أفضل من فضيلة التطوع فعلى العاقل ان يقصد بيت الله ويزوره فان لم يساعده المال فلتساعده الهمة والحال فان المعتبر هو توجه القلب الى جانب الغيب لا مجرد توجه القالب: قال في المثنوى
ميل تو سوى مغيلانست وريك ... تا چهـ كل چينى ز خار مرده ريك
وفي التأويلات القاشانية إِنَّ الصَّفا وجود القلب وَالْمَرْوَةَ وجود النفس مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ من اعلام دين الله ومناسكه القلبية كاليقين والتوكل والرضى والإخلاص والنفسية كالصبر والشكر والذكر والفكر فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ اى بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل الحضرة الإلهية بالفناء الكلى الذاتي أَوِ اعْتَمَرَ زار الحضرة بالبلوغ الى مقام المشاهدة بتوحيد الصفات والفناء في أنوار تجليات الجمال والجلال فَلا جُناحَ فلا حرج عَلَيْهِ حينئذ فى أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما اى يرجع الى مقامهما ويتردد بينهما لا بوجودهما التلوينى فانه جناح وذنب بل بالوجود الموهوب الحقانى بعد الفناء عند التمكين ولهذا نفى الجناح فان في هذا الوجود سعة بخلاف الاول وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً اى ومن تبرع خيرا من باب التكميل والتعليم والإرشاد وشفقة الخلق في مقام القلب ومن باب الأخلاق وطرف البر والتقوى ومعاونة الضعفاء والمساكين وتحصيل الهمم في مقام النفس بعد كمال السلوك حال البقاء بعد الفناء فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ شكر عمله بثواب المزيد عَلِيمٌ بانه من باب التصرف فى الأشياء بالله لا من باب التلوين والابتلاء والفترة انتهى كلام القاشاني يا خفى الذات محسوس العطاء أنت كالماء ونحن كالرحاء أنت كالريح ونحن كالغبار يختفى الريح وغبراه جهار إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآية نزلت في رؤساء اليهود وأحبارهم او في كل من كتم شيأ من احكام الدين وهو الأقرب لان اللفظ عام وعموم الحكم لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك اظهار الشيء قصدا مع الحاجة اليه وحصول الداعي الى إظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره واخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شىء آخر في موضعه وهو الذي فعله هؤلاء فى نعوت النبي ﷺ وغيرها ما أَنْزَلْنا حال كونه مِنَ الْبَيِّناتِ اى من الآيات الواضحة الدالة على امر محمد ﵇ وعلى الرجم وتحويل القبلة الحرام والحلال وَالْهُدى اى والآيات الهادية الى كنه امره ووجوب اتباعه ﵇ والايمان به مِنَ متعلق بيكتمون بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ اى أوضحناه ولخصناه لِلنَّاسِ جميعا لا الكاتمين فقط فِي الْكِتابِ اى التوراة وتبيينه لهم إيضاحه بحيث يتلقاه كل أحد من غير ان يكون فيه شبهة قال ابن الشيخ في حواشيه فالمراد بالبينات ما انزل على الأنبياء من الكتب والوحى دون ادلة العقل وان قوله والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية وقوله تعالى في حق الهدى من بعد ما بيناه وما لخصناه في الكتاب لا يقتضى اتحادهما وان يكون العطف لتغاير اللفظين لان كون ما بيناه في الكتاب كما يجوز ان يكون بطريق كونه من جملة التنزيل يجوز
стр. 264
ان يكون بطريق كونه فائدة ملخصة اى مستفادة منه فَأُولئِكَ اى اهل هذه الصفة يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ اى يطردهم ويبعدهم من رحمته بسبب كتمهم الحق وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ اى الذين يتأتى منهم اللعن اى الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمنى الثقلين وعن ابن مسعود رضى الله عنه ماتلا عن اثنان الا ارتفعت اللعنة بينهما فان استحقها أحدهما والا رجعت على اليهود الذين كتموا صفة محمد ﵇ او اللاعنون البهائم والهوام تلعن العصاة تقول اللهم العن عصاة بنى آدم فبشؤمهم منع عنا الفطر إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكتمان وسائر ما يجب ان يتاب منه الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الضمير في يلعنهم وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتدارك فانه لا بد بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا لو أفسد على غير دينه بايراد شبهة عليه يلزمه ازالة تلك الشبهة وبعد ذلك لا بدله من ان يفعل ضد الكتمان وهو البيان وهو المراد بقوله تعالى وَبَيَّنُوا اى ما بينه الله في كتابهم لتتم توبتهم فدلت الآية على ان التوبة لا تحصل الا بترك كل ما لا ينبغى وبفعل كل ما ينبغى فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ اى بالقبول وافاضة الرحمة والمغفرة فان التوبة إذا أسندت اليه تعالى بان قيل تاب الله او يتوب تكون بمعنى المقبول وقبول التوبة يتضمن المغفرة اى ازالة عقاب من تاب وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ اى المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة ولما ذكر لعنتهم احياء ذكر لعنتهم أمواتا فقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى استمروا على الكفر المستتبع للكتمان وعدم التوبة وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ مصرون على كفرهم لا يرتدعون عن حالتهم الاولى أُولئِكَ مستقر عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ اى هم المخصوصون باللعنة الابدية احياء وأمواتا فمن يعتد بلعنتهم وهم المؤمنون لانهم هم الناس فى الحقيقة لانتفاعهم بالانسانية واما الكفار فهم كالانعام وأضل سبيلا فلا اعتداد بهم عند الله او الناس عام لان الكفار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا والله تعالى يلعنهم يوم القيامة ثم يلعنهم الملائكة ثم تلعنهم الناس والظالم يلعن الظالمين ومن لعن الظالمين وهو ظالم فقد لعن نفسه خالِدِينَ فِيها حال من المضمر في عليهم اى دائمين في اللعنة لانهم خلدوا في النار خلدوا فى الابعاد عن رحمة الله تعالى لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ استئناف لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف اثر بيان كثرته من حيث الكم اى لا يرفع عنهم ولا يهون عليهم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ من الانظار بمعنى الامهال والتأجيل اى لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة او يعذبون على الدوام والاستمرار وان كل وجه من وجوه عذابهم يتصل بوجه آخر مثله او أشد منه وانهم لا يمهلون ولا يؤجلون ساعة ليستريحوا فيها او من النظر بمعنى الانتظار اى لا ينتظرون ليعتذروا او بمعنى الرؤية اى لا ينظر إليهم نظر رحمة وانما خلدوا في النار لان نيتهم كانت عبادة الأصنام ابدا ان عاشوا فجوزوا بتأبيد العذاب واما الدركات في النيران فلتفاوت سوء الأحوال والتفاوت في شدة الكفر فيرجع الى شدة العذاب في الدركات لان النيات متفاوتة كالاعمال والتأديب في الحكمة واجب ولما أساء الكفار بسوء الاعتقاد في حقه تعالى أدبوا بالحرمان من الجنة والخلود في النار ونعم ما قيل
سفيهانرا بود تأديب نافع ... جنونانرا چوشربت كشت دافع
стр. 265
وانما حمل هؤلاء اليهود على ما فعلوا من الكتمان وغيره حب الرياسة والدنيا لانهم خافوا ان يذهب مأكلتهم من السفلة وما يغنى عنهم ذلك شيأ إذا كان مصيرهم الى النار وفي الخبر ان مؤمنا وكافرا في الزمان الاول انطلقا يصيدان السمك فجعل الكافر يذكر آلهته ويأخذ السمك حتى أخذ سمكا كثيرا وجعل المؤمن يذكر الله كثيرا فلا يجئ شىء ثم أصاب سمكة عند الغروب فاضطربت فوقعت في الماء فرجع المؤمن وليس معه شىء ورجع الكافر وقد امتلأت شبكته فاسف ملك المؤمن الموكل عليه فلما صعد الى السماء أراه الله مسكن المؤمن في الجنة فقال والله ما يضره ما أصابه بعد ان يصير الى هذا وأراه مسكن الكافر في جهنم فقال والله ما يغنى عنه ما أصابه من الدنيا بعد ان يصير الى هذا كذا في شرح الخطب
نركس اندر خواب غفلت يافت بلبل صد وصال ... خفته نابينا بود دولت به بيداران حسد
ومرتكب المعاصي لو عرف عذاب الجحيم حق المعرفة لما ارتكبها حتى ان من قوى ظنه ان في هذه الثقبة حية لا يدخل يده فيها فما ظنك في ارتكاب المعاصي بملاحظة عذاب النار واعلم ان أحبار اليهود لما لم ينتفعوا بعلمهم ضلوا فأضلوا فخذ لهم الله ولعنهم وذكر في الخالصة لن يهلك قوم بظلمهم وانما اهلكهم ظلم ولاتهم قال الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وكذا الحال فى الإرشاد فان الضلال والفساد في الطالبين من فساد مرشدهم فمادام المرشد على الصراط المستقيم يحفظ الله تعالى الطالب من الضلال فان نزول البلاء على قوم من فساد رئيسهم- وحكى- ان أمنا حواء أكلت اولا من الشجرة فلم يقع شىء فلما أكل منها أبونا آدم ﵇ وقع الخروج من الجنة انتهى فويل لارباب الرياسة الذين ظلموا أنفسهم وتجاوز ظلمهم الى من عداهم فانهم هم الواقعون في عذاب النار نار القطيعة والهجران وجهنم البعد عن الله ورحمته اللهم احفظنا وَإِلهُكُمْ خطاب عام لكافة الناس اى المستحق منكم للعبادة إِلهٌ واحِدٌ فرد في الإلهية لا شريك له فيها ولا يصح ان يسمى غيره آلها فلا معبود الا هو وهو خبر مبتدأ وواحد صفة وهو الخبر في الحقيقة لانه محط الفائدة ألا يرى انه لو اقتصر على ما قبله لم يفد لا إِلهَ إِلَّا هُوَ تقرير للوحدانية وازاحة لان يتوهم ان في الوجود آلها ولكن لا يستحق منهما العبادة يعنى بهذا فاعرفوه ودائما فاعبدوه ولا ترجوا غيره ولا تخافوا سواه ولا تعبدوا الا إياه والاستثناء بدل من اسم لا على المحل إذ محله الرفع على الابتداء والخبر محذوف اى لا اله كائن لنا او موجود في الوجود الا الله واعلم ان الأسماء على ضربين اسم ظاهر واسم ضمير وكلمة هو اسم ضمير فكونها ضميرا لا ينافى كونها اسما وقد حقق الامام في التفسير الكبير اسمية هذه الكلمة فليراجع وعند اهل الحقيقة كلمة هو اسم بحت لان كل ما يدل على الذات الاحدية فهو اسم محض عندهم سواء كان مظهرا او مضمرا ولذا يقال عالم الهوية باللام فاعرف هذا فانه ينفعك: وفي المثنوى
از هواها كى رهى بي جام هو ... اى ز هو قانع شده با نام هو
هيچ نامى بي حقيقت ديده ... يا ز كاف ولام كل كل چيده
اسم خواندى رو مسما را بجو ... مه ببالا دان نه اندر آب جو
стр. 266
كر ز نام وحرف خواهى بگذرى ... پاك كن خود را ز خود هان يكسرى
همچوآهن ز آهنى بي رنك شو ... در رياضت آينه بي ژنك شو
خويش را صافى كن از أوصاف خويش ... تا ببينى ذات پاك صاف خويش
بينى اندر دل علوم أنبياء ... بي كتاب وبي معيد واوستا
علم كان نبود ز هو بي واسطه ... آن نپايد همچورنك ماشطه
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اى المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شىء سواه مستحق هذه الصفة فان كل شىء سواه اما نعمة واما منعم عليه فثبت ان غيره لا يستحق العبادة فلا يكون آلها فقوله الرحمن الرحيم كالحجة على الوحدانية وعن اسماء بنت يزيد انها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول (ان في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وآلهكم اله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم: والله لا اله الا هو الحي القيوم) قيل كان للمشركين حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا كيف يسع الناس اله واحد فان كان محمد صادقا في توحيد الإله فليئتنا بآية نعرف بها صدقه فنزل قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى فى إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العبر وبدائع الصنايع التي بعجز عن فهمها عقول البشر وانما جمع السموات وأفرد الأرض لان كل سماء ليست من جنس الاخرى بين كل سماءين من البعد مسيرة خمسمائة عام او لان فلك كل واحدة غير فلك الاخرى والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب قال ابن التمجيد في حواشيه وعند الحكماء محدب كل سماء مماس لمقعر ما فوقه غير الفلك التاسع المسمى بالعرش فان محدبه غير مماس لشئ من الافلاك لان ما فوقه خلاء وبعد غير متناه عندنا وعند الحكماء لا خلاء فيه ولا ملاء والعلم عند الله وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ اى في تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا جاء أحدهما جاء الآخر خلفه اى بعده وفي الزيادة والنقصان والظلمة والنور وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ لا ترسب تحت الماء وهي ثقيلة كثيفة والماء خفيف لطيف وتقبل وتدبر بريح واحدة والفلك فى الآية جمع وتأنيثه بتأويل الجماعة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ما اسم موصول والمصاحبة والجملة فى موضع النصب على الحالية من فاعل تجرى اى تجرى مصحوبة بالأعيان والمعاني التي تنفع الناس فانهم ينتفعون بركوبها والحمل فيها للتجارة فهى تنفع الحامل لانه يربح والمحمول اليه لانه ينتفع بما حمل اليه وَما اى ان فيما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ من لابتداء الغاية اى من جهة السماء مِنْ ماءٍ بيان للجنس فان المنزل من السماء يعم الماء وغيره والسماء يحتمل الفلك على ما قيل من ان المطر ينزل من السماء الى السحاب ومن السحاب الى الأرض ويحتمل جهد العلو سماء كانت او سحابا فان كل ما علا الإنسان يسمى سماء ومنه قيل للسقف سماء البيت فَأَحْيا بِهِ عطف على ما انزل اى نضر بالماء النازل الْأَرْضِ بانواع النبات والازهار وما عليها من الأشجار بَعْدَ مَوْتِها اى بعد ذهاب زرعها وتناثر أوراقها باستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها قال ابن الشيخ في حواشيه لما حصل للارض بسبب ما نبت فيها من انواع النبات حسن وكمال شبه ذلك بحياة الحيوان من حيث ان الجسم إذا صار حيا حصل فيه انواع من الحسن
стр. 267
والنضارة والبهاء والنماء فكذلك الأرض إذا تزينت بالقوة المنبتة وما يترتب عليها من انواع النبات وَبَثَّ فِيها اى فرق ونشر في الأرض مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من كل حيوان يدب على وجهها من العقلاء وغيرهم وهو معطوف على فاحيى والمناسبة ان بث الدواب يكون بعد حياة الأرض بالمطر لانهم ينمون بالخصب ويعيشون بالمطر وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ عطف على ما انزل اى في تقليبها في مهابها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا وفي كيفيتها حارة وباردة وفي أحوالها عاصفة ولينة وفي آثارها عقما ولواقح وقيل في إتيانها تارة بالرحمة وتارة بالعذاب قال ابن عباس رضى الله عنهما أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لانها تريح النفوس قال وكيع الجراح لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا قال شريح القاضي ما هبت الريح الا لشفاء سقيم او لسقم صحيح وقال بكر بن عباس لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل في السحاب هذه الرياح الأربع فالصبا تهيجه والجنوب تقدره والدبور تلقحه والشمال تفرقه واصول الرياح هذه الأربع فالشمال من ناحية الشام والجنوب تقابلها والصبا هي القبول من المشرق والدبور تقابلها وكل ريح جاءت بين مهب
ريحين فهى نكباء لانها نكبت اى عدلت ورجعت عن مهاب هذه الأربع وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الرياح ثمان اربع رحمة واربع عذاب فالرحمة الناشرات وهي الرياح الطيبة والمبشرات وهي الرياح التي تبشر بالغيث واللواقح وهي التي تلقح الأشجار والذاريات وهي التي تذر والتراب وغيره والعذاب الصرصر والعقيم وهما في البر والعاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم هي التي لم تلقح سحابا ولا شجرا والعاصف الشديدة الهجوم التي تقلع الخيام وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ عطف على تصريف اى الغيم المذلل المنقاد الجاري على ما أجراه الله تعالى عليه وهو اسم جنس واحده سحابة وسمى سحابا لانه ينسحب في الجو اى يسير في سرعة كأنه يسحب اى يجر بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ صفة للسحاب باعتبار لفظه وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى سَحاباً ثِقالًا اى لا ينزل الأرض ولا ينكشف مع ان طبع السحاب يقتضى أحد هذين النزول والانكشاف قيل لانه لو كان خفيفا لطيفا ينبغى ان يصعد ولو كثيفا يقتضى ان ينزل لَآياتٍ اسم ان دخلته اللام لتأخره عن خبرها ولو كان فى موضعه لما جاز دخول اللام عليه والتنكير للتفخيم كما وكيفا اى آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الالوهية به سبحانه لِقَوْمٍ فى محل النصب لانه صفة لآيات فيتعلق بمحذوف يَعْقِلُونَ فى محل الجر على انه صفة لقوم اى يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول والقلوب ويعتبرون بها لانها دلائل على عظم قدرة الله فيها وباهر حكمته فيستدلون بهذه الأشياء على موجدها فيوحدونه وفيه تعريص لجهل المشركين الذين اقترحوا على الرسول آية تصدقه في قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وتسجيل عليهم بسخافة العقول إذ لو عقلوه لكفاهم بهذه التصاريف آية قال رسول الله ﷺ (ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها) المج حقيقة قذف الريق ونحوه من الفم عدى بالباء لما فيه من معنى الرمي واستعير هاهنا لعدم الاعتبار والاعتداد فان من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه واعلم ان قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أول آية
стр. 268
نزلت في التوحيد بحسب الرتبة اى اقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فان أول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الافعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ إفهام الناس نزل الى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم الى توحيد الافعال ليستدل به عليه فقال ان في خلق الآية كذا في التأويلات القاشانية ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار اليه في قوله ان في خلق إلخ يعنى ان الحكمة في خلق هذه الأشياء ان يكون كل شىء مظهر آية من آيات الله ولا فائدة لهذه الأشياء من الآيات المودعة فيها فان فائدتها عائدة الى الإنسان لانهم قوم يعقلون الآيات كما قال سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فالعالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان لان العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الإنسان والإنسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اى ليعرفون فلو لم يكن لاجل معرفة الله ما خلق الإنسان ولو لم يكن لاجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبى ﵊ (لو لاك لما خلقت الكون) وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وهذا تحقيق قوله (من عرف نفسه فقد عرف ربه) لان نفسه مرآة جمال ربه وليس أحد غير الإنسان يشاهد حال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإراءة الحق كما قال سَنُرِيهِمْ آياتِنا إلخ فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على ان خلق السموات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان قوله ﵊ (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) يعنى إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة فلم تبق السموات والأرض لان وجودهما كان تبعا لوجود الإنسان فاذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع كذا في التأويلات النجمية فعلى السالك ان يصل بالذكر الحقيقي الى المقصود الأصلي فان التوحيد ينفى الباطل وينفى الأغيار روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابى حصين (كم تعبد اليوم من اله) فقال اعبد سبعا ستا في الأرض وواحدا في السماء قال (وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك) فقال الذي في السماء فقال ﵊ (فيكفيك اله السماء) ثم قال يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال يا رسول الله علمنى هاتين الكلمتين فقال ﵊ (قل اللهم ألهمنى رشدى وأعذني من شر نفسى) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ من لابتداء الغاية متعلق بيتخذ ودون في الأصل ظرف مكان استعمل هنا بمعنى غير مجازا والاتخاذ بمعنى الصنع والعمل متعد الى مفعول واحد وهو هنا قوله أَنْداداً هى الأصنام التي بعضها أنداد لبعض اى أمثال أو أنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة من حيث انهم كانوا يرجون من عندها النفع والضرر وقصدوها بالمسائل وقربوا لها القرابين فارجاع ضمير العقلاء إليها في قوله تعالى يُحِبُّونَهُمْ مبنى على آرائهم الباطلة في شأنها من وصفهم بما لا يوصف به الا العقلاء او هي الرؤساء الذين يطيعونهم قال القاضي ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله تعالى فانه قال الصوفية والعارفون كل شىء شغلت به قلبك سوى الله تعالى فقد جعلته في قلبك ندا له تعالى ويدل عليه قوله
стр. 269
تعالى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ يُحِبُّونَهُمْ الجملة صفة لاندادا اى يعظمونهم ويخضعون لهم ويطيعونهم تعظيم المحبوب واطاعته كَحُبِّ اللَّهِ اى حبا كائنا مثل حبهم الله تعالى اى يسوون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم والمقصود من التشبيه ما في الوصف من القوة والضعف والمراد هاهنا التسوية وهذه التسوية في التعظيم لا تنافى إقرارهم بربوبيته تعالى كما يدل عليه قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ولفظ المحبة مأخوذ من الحب بالفتح كحبة الحنطة والشعير شبه حبة القلب اى سويداءه بالحب المعروف في كون كل منهما منشأ ومبدأ للآثار العجيبة فاستعير اسم الحب لها ثم اشتق من الحب المستعار للقلب الحب بمعنى ميل القلب لانه أصابها ورسخ فيها ومحبة العبد لله تعالى ارادة طاعته في أوامره ونواهيه والاعتناء لتحصيل مراضيه ومحبة الله للعبد ارادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه من المعاصي ثم فضل محبة المؤمنين بقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حب الكفرة لاندادهم لانه لا ينقطع محبتهم لله بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم الى الله تعالى عند الشدائد ويعبدون الصنم زمانا فاذا رأوا صنما يعجبهم أخذوه وطرحوا الاول. وروى ان باهلة عملت لها الها من خس فاكلوه عام المجاعة وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا اى لو يعلم هؤلاء الذين أشركوا باتخاذ الانداد ووضعها موضع المعبود إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ المعد لهم يوم القيامة اى عاينوه فهى من الرؤية بالعين أَنَّ الْقُوَّةَ اى الغلبة والقدرة الإلهية لِلَّهِ جَمِيعاً نصب حالا والجملة سادة مسد مفعولى يرى وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ عطف على ان القوة لله وفائدته المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر فان اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه وجواب لو محذوف اى لو علم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم بشركهم ان القدرة كلها لله على كل شىء من الثواب والعقاب دون اندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لوقعوا من الحسرة والندامة على عبادة الانداد فيما لا يكاد يوصف إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا بدل من إذ يرون واصل التبري التخلص ويستعمل للتفصى والتنصل مما تكره مجاورته والمعنى إذ تبرأ الرؤساء المتبوعون مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا اى من الاتباع بان اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه فى الدنيا ويدعونهم اليه من فنون الكفر والضلال واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو حالية وقد مضمرة اى تبرأوا حال رؤيتهم العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ عطف على تبرأ وتوسط الحال بينهما للتنبيه على علة التبري اى انقرضت عنهم الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد والأنساب والمحاب والاتباع والاستتباع فالباء فى بهم بمعنى عن كما في قوله تعالى فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً او للسببية اى تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة او للتعدية اى قطعتهم الأسباب كما تقول فرقت بهم الطريق اى فرقتهم وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حين عاينوا تبرى الرؤساء منهم وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم فى الدنيا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً اى ليت لنا رجعة الى الدنيا وعودة فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ هناك كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم اى تبرأ مثل تبرئهم فالكاف منصوب المحل على انها صفة مصدر
стр. 270
محذوف كَذلِكَ اى مثل ذلك الإيراء الفظيع وهو نزول العذاب عليهم وتبرى بعضهم من بعض يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ اى ندمات شديدة فان الحسرة شدة الندم والكمد وهي تألم القلب وانحساره عما يؤلمه بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب وهو الذي انقطعت قوته فصار بحيث لا ينتفع به واصل الحسر الكشف ومن فات عنه ما يهواه وانكشف قلبه عنه يلزمه الندم والتأسف على فواته فلذلك عبر عن الحسرة التي هي انكشاف القلب عما يهواه بلازمه الذي هو الندم والرؤية ان كانت بصرية تكون حسرات حالا من أعمالهم والمعنى ان أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون أعمالهم الا حال كونها حسرات وان كانت قلبية فهى ثالث مفاعيل يرى وعليهم يتعلق اما بحسرات والمضاف محذوف اى على تفريطهم او بمحذوف منصوب على انه صفة لحسرات اى حسرات مستولية عليهم فان ما عملوه من الخيرات محبوطة بالكفر فيتحسرون لم ضيعوها ويتحسرون على ما فعلوه من المعاصي لم عملوها قال السدى ترفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين وذلك حين يندمون ويتحسرون وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ لانهم خلقوا لاجلها- روى- انه يساق اهل النار الى النار لم يبق منهم عضو الا لزمه عذاب اما حية تنهشه او ملك يضربه فاذا ضربه الملك هوى في النار مقدار أربعين يوما لا يبلغ قرارها ثم يرفعه اللهب ويضربه الملك فيهوى فاذا بدا رأسه ضربه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فاذا عطش أحدهم طلب الشراب فيؤتى بالحميم فاذا دنا من وجهه سقط وجهه ثم يدخل في فيه فتسقط أضراسه ثم يدخل بطنه فيقطع امعاءه وينضج جلده وهكذا يعذبون في النار لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يخرجون قال سعيد بن جبير ان الله تعالى يأمر يوم القيامة من احرق نفسه في الدنيا على ربوبية الأصنام ان يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم ان عذاب جهنم على الدوام ثم يقول للمؤمنين بين أيدي الكفار ان كنتم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش والذين آمنوا أشد حبا لله لان الله أحبهم اولا ثم احبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ومن لم يكن أهلا لمحبة الله ازلا طردته العزة الى محبة الانداد وهي كل ما يحب سوى الله فمن وكل الى المحبة النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصنام فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها فمحبة الأولاد والأزواج والأموال تمنع عن محبة الله ومن أحب الله يرى ما سواه بنظر العداوة كما قال الخليل ﵇ فانهم عدو لى الا رب العالمين ومن كان في الأزل أهلا لمحبة الله جذبته العناية فتجلى له الحق فانعكست تلك المحبة لمرآة قلبه فلا تتعلق بغير الله لانها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة والأعداء أحبوا الانداد بمحبة فانية نفسانية والأحباء أحبوا الله بمحبة باقية ربانية بل احبوه بجميع اجزائهم الفانية والباقية اللهم أوصلنا الى حقيقة المحبة واليقين والتمكين يا أَيُّهَا النَّاسُ نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الاطعمة والملابس كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ اى من بعض ما فيها من اصناف المأكولات لان كل ما فيها لا يؤكل حَلالًا حال من الموصول اى حال كونه
стр. 271
حلالا وهو ما انحل عنه عقد الحظر طَيِّباً طاهرا من جميع الشبه صفة حلالا او الحلال ما يستطيبه الشرع والطيب ما يستطيبه الشهوة المستقيمة اى يستلذه الطبع وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ الخطوة بالفتح المرة من نقل القدم وبالضم بعد ما بين قدمى الماشي يقال اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واسنن بسنته اى لا تقتدوا بآثاره وطرقه ومذاهبه فى اتباع الهوى وهي وساوسه فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للنهى اى ظاهر العداوة عند ذوى البصيرة واما عند متبعى الهوى الذين لا بصيرة لهم فهو كولى حميم حيث يدلهم على مشتهات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة فقوله مبين من ابان بمعنى بان وظهر وجعله الواحدي من ابان المتعدى حيث قال انه عدو مبين قد ابان عداوته لكم بإبائه السجود لابيكم آدم وهو الذي أخرجه من الجنة إِنَّما يَأْمُرُكُمْ اى يوسوس لكم شبه تسلطه عليهم بآمر مطاع وشبهوا في قبولهم للوسوسة وطاعتهم له بالطبع بمأمور مطيع وفيه رمز الى انهم بمنزلة المأمورين المنقادين له تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم بِالسُّوءِ وهو كل ما ساءك فى عاقبتك يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من اعمال الجوارح او اعمال القلوب لاشتراك كلها في انها تسوء صاحبها وتحزنه وَالْفَحْشاءِ من عطف الخاص على العام اى أقبح انواع المعاصي وأعظمها مساءة فالزنى فاحشة والبخل فاخشة وكل فعلة قبيحة فاحشة واصل الفحش مجاورة القدر في كل شىء وجعل البيضاوي المغايرة بين السوء والفحشاء بحسب المفهوم دون الذات فانه سميت المعصية سوأ لاغتمام العاقل بها وفحشاء باستقباحه إياها فاطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل رجل عدل وَأَنْ تَقُولُوا اى يأمركم بان تفتروا عَلَى اللَّهِ بانه حزم هذا او ذاك ما لا تَعْلَمُونَ ان الله تعالى امر به وهو أقبح ما امر به الشيطان من القبائح لان وصفه تعالى بما لا ينبغى ان يوصف به من أعظم انواع الكبائر كما ان الفحشاء أقبح انواع السوء فان قيل كيف يأمرنا الشيطان بذلك ونحن لا نراه ولا نسمع كلامه فكيف وسوسته وكيف وصوله الى القلب قلنا وهو كلام خفى على ما قيل تميل اليه النفوس والطبع وقد قيل يدخل في جسد ابن آدم لانه جسم لطيف ويوسوس وهو انه يحدث النفس بالأفكار الرديئة قال تعالى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ومن دعاء النبي ﷺ (اللهم اعمر قلبى من وساوس ذكرك واطرد عنى وساوس الشيطان) قال في اكام المرجان وينحصر ما يدعو الشيطان اليه ابن آدم ويوسوس له في ست مراتب المرتبة الاولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فاذا ظفر بذلك من ابن آدم بردانينه واستراح من تعبه معه لانه حصل منتهى أمنيته وهذا أول ما يريده من العبد المرتبة الثانية البدعة وهي أحب اليه من الفسوق والمعاصي لان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الثالثة وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما أهلكت صاحبها كما قال ﵇ (إياكم ومحقرات الذنوب) فان مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد بعود حطب حتى اوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة
стр. 272
الخامسة وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذي فات عليه باشتغاله بها فان عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة السادسة وهي ان يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل الى المفضول ومن الأفضل الى الفاضل ليتمكن من ان يجره من الفاضل الى الشرور بما يجره من الفاضل السهل الى الأفضل الأشق كمائة ركعة بالنسبة الى ركعتين ليصير اذدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية وانما خلق الله إبليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق الله الأنبياء لتقتدى بهم السعداء وخلق إبليس لتقتدى به الأشقياء ويظهر الفرق بينهما فابليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها
والراغبون فيها لم يجدوا في قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له أعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هي فقال إبليس أعطوني رهنا فاعطوه سمعهم وأبصارهم ولذا يحب ارباب الدنيا استماع اخبارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وبصرهم رهن عند إبليس فاعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشيء يعمى ويصم فعلى العاقل ان يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها الا الحلال الطيب قال الحسن البصري الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه قال النبي ﵇ (ان الله يهب لابن آدم ما لا بد منه ثوب يوارى به عورته وخبز يرد جوعته وبيت كعش الطير) فقيل يا رسول الله فكيف الملح فقال (الملح مما يحاسب به وفي التأويلات النجمية الحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس وكل طيب حلال وليس كل حلال طيبا ولهذا قال النبي ﵇ (ان الله طيب ولا يقبل الا الطيب) يعنى غير مشوب بعيب او شبهة قيل ولا يقال ان الله حلال واعلم ان أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيبة: وفي المثنوى علم وحكمت زايد از لقمه حلال عشق ورقت زايد از لقمه حلال چون ز لقمه تو حسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرا دان حرام هيچ كندم كارى وجو بر دهد ديده اسبى كه كره خرد دهد لقمه تخمست وبرش انديشها لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد از لقمه حلال اندر دهان ميل خدمت عزم سوى آن جهان وطلب الحلال بالكسب المشروع سنة الأنبياء ﵈ وفي الكسب فوائد كثيرة. منها الزيادة على رأس المال ان عمل للتجارة والزراعة وغرس الأشجار وفيها صدقة لما أكلته الطيور وغيرها.
ومنها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو. ومنها كسر النفس وصيرورتها قليلة الطغيان. ومنها ان الكسب واسطة الامان من الفقر الذي هو اسوداد الوجه في الدارين ولا يتحرك فى الكسب لاجل عياله الا قال له حافظاه بارك الله لك في حركاتك وجعل نفقاتك ذخرا لك فى الجنة ويؤمن عليهما ملائكة السموات والأرض وأفضل الكسب الجهاد ثم التجارة ثم
стр. 273
الحراثة ثم الصناعة وَإِذا قِيلَ لَهُمُ نزلت في مشركى العرب وكفار قريش أمروا باتباع القرآن وسائر ما انزل تعالى من البينات الباهرة فجنحوا للتقليد اى وإذا قيل للمشركين من الناس على وجه النصيحة والإرشاد اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ كتاب الله الذي أنزله فاعملوا بتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله في القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان قالُوا بَلْ عاطفة للجملة التي تليها على الجملة المحذوفة قبلها نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا اى وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من اتخاذ الانداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك لانهم كانوا خيرا منا فقلدوا آباءهم فانظروا ايها العقلاء الى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون فقال الله تعالى ردا عليهم بهمزة الإنكار والتعجب مع واو الحال بعدها أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لما اقتضت الهمزة صدر الكلام والواو وسطه قدر بين الهمزة والواو جملة لتقع الهمزة في صدرها والمعنى أيتبعونهم ولو كان آباؤهم اى في حال كون آبائهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين لانهم كانوا يعقلون امر الدنيا وَلا يَهْتَدُونَ للصواب والحق يعنى هذا منكر مستبعد جدا لان اتباع من لا عقل له ولا اهتداء الى طريق الحق لا وجه له أصلا وَمَثَلُ واعظ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعيهم الى الحق كَمَثَلِ الراعي الَّذِي يَنْعِقُ نعق الراعي والمؤذن بعين مهملة صوت وبالمعجمة نغق للغراب والمعنى يصوت بِما لا يَسْمَعُ وهو البهائم اى لا يدرك بالاستماع إِلَّا دُعاءً صوتا من الناعق وَنِداءً زجرا مجردا من غير فهم شىء آخر وحفظه كما يفهم العاقل ويجيب قيل الفرق بين الدعاء والنداء ان الدعاء للقريب والندا للبعيد ويحتمل ان يكون الدعاء أعم من النداء والتشبيه المذكور في الآية من قبيل التشبيه المفرق شبه داعى الكافر بالناعق ونفس الكفرة بالبهائم المنعوق بها ودعاء داعى الكفرة بنعيق الناعق بالبهائم والمعنى مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم الى الله وعدم اهتدائهم كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم ويكلمها ويقول كلى واشربى وأرعى وهي لا تفهم.
شيأ مما يقول لها كذلك هؤلاء الكفار كالبهائم لا يعقلون عنك ولا عن الله شيأ صُمٌّ اى هم صم يعنى كأنهم يتصاممون عن سماع الحق بُكْمٌ بمنزلة الخرس في ان لم يستجيبوا لما دعوا اليه عُمْيٌ بمنزلة العمى من حيث اعراضهم عن الدلائل كأنهم لم يشاهدوها ثم انه تعالى لما شبههم بفاقدى هذه القوى الثلاث التي يتوسل بها الى تمييز الحق من الباطل واختيار الحق فرع على هذا التشبيه قوله فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ اى لا يكتسبون الحق بما جبلوا عليه من العقل الغريزي لان اكتسابه انما يكون بالنظر والاستدلال ومن كان كالاصم والأعمى في عدم استماع الدلائل ومشاهدتها كيف يستدل على الحق ويعقله ولهذا قيل من فقد حسا فقد فقد علما وليس المراد نفى اصل العقل لان نفيه رأسا لا يصلح طريقا للذم وهكذا لا ينفع الوعظ في آخر الزمان لان آذان الناس مسدودة عن استماع الحق وأذهانهم مصدودة عن قبوله: ونعم ما قال السعدي
فهم سخن چون نكند مستمع ... قوت طبع از متكلم مجوى
فسحت ميدان أرادت بيار ... تا بزند مرد سخن كوى كوى
وفي قوله تعالى وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الآية اشارة الى قطع النظر عن الاسلاف السوء واتباع اهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيأ من طريق الحق وضلوا في تيه محبة الدنيا ويدعون
стр. 274
انهم اهل العلم وليسوا من اهله اتخذوا العلم مكسبا للمال والجاه وقطعوا الطريق على اهل الطلب قال تعالى في بعض الكتب المنزلة [لا تسألن عن عالم قد اسكره حب الدنيا فاولئك قطاع الطريق على عبادى] فمن كان على جادة الحق وصراط الشريعة وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة يجوز الاقتداء به إذ هو من اهل الاهتداء الى عالم الحقيقة دون مدعى الشيوخة بطريق الإرث من الآباء ولا حظ لهم من طريق الاهتداء فانهم لا يصلحون للاقتداء: قال السعدي
چوكنعانرا طبيعت بي هنر بود ... پيمبر زادگى قدرش نيفزود
هنر بنماى اگر دارى به گوهر ... گل از خارست وابراهيم از آزر
وفي التأويلات النجمة ان مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً لانهم كانوا في الصف الأخير إذ الأرواح كانوا جنودا مجندة في اربعة صفوف فكان في الصف الاول أرواح الأنبياء ﵈ وفي الثاني أرواح الأولياء وفي الثالث أرواح المؤمنين وفي الرابع أرواح الكافرين فاحضرت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها فخاطبهم الحق ألست بربكم فالانبياء سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحى الله اعلم حيث يجعل رسالته والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا لمتابعة الأنبياء فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقى الإلهام والكلام من وراء الحجاب والمؤمنون سمعوا خطاب الحق من وراء حجاب الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء ولهذا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء وان بلغتهم من وراء حجاب رسالة جبريل وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا سمعنا واطعنا ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ يعنى الأولياء أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يعنى المؤمنين والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاثة كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء فما شاهدوا من أنوار كمال الحق لا قليلا ولا كثيرا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وما فهموا شيأ من كلام الحق الا انهم سمعوا من ذرات المؤمنين من وراء الحجاب لما قالوا بلى فقالوا بالتقليد ولهذا هاهنا قلدوا ما الفوا عليه آباءهم لقوله تعالى إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد وتكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية واظلمت بظلمات الصفات الحيوانية وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من التمتعات البهيمية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية اصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن صُمٌّ عن استماع دعوة الأنبياء بسمع القبول بُكْمٌ عن قول الحق والإقرار بالتوحيد عُمْيٌ عن رؤية آيات المعجزات فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ابدا لانهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية وحرموا من فيض الأنوار الربانية: قال الصائب
چرا ز غير شكايت كنم كه همچوحباب ... هميشه خانه خراب هواى خويشتنم
وفي المثنوى:
كر چهـ ناصح را بود صد داعيه ... پند را اذنى ببايد واعيه
стр. 275
تو بصد تلطيف پنداش ميدهى ... او ز پندت ميكند پهلو تهى
يك كس نا مستمع ز استيز ورد ... صد كس كوينده را عاجز كند
ز انبيا ناصح تر وخوش لهجه تر ... كى بود كه رفت دمشان در حجر
ز آنچهـ كوه وسنك در كار آمدند ... مى نشد بدبخت را بگشاده بند
آنچنان دلها كه بدشان ما ومن ... نعتشان شد بل أشد قسوة
فعلى العاقل ان يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على ما مضى ويزكى نفسه عن سفساف الأخلاق ويصفى قلبه الى ان تنعكس اليه أنوار الملك الخلاق وذلك لا يحصل غالبا الا بتربية كامل من اهل التحقيق لان المرء محجوب عن ربه وحجابه الغفلة وهي وان كانت لا ترفع ولا تزول الا بفضل الله تعالى لكنه بأسباب كثيرة ولا اهتداء الى علاج المرض الا باشارة حكيم حاذق وذلك هو المرشد الكامل فاذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال الى الغيب فيكون اقرار السالك تحقيقا لا تقليدا وتوحيده تجريدا وتفريدا فحينئذ يعكس الأمر فيكون أصم عن سماع اخبار ما سوى المحبوب الحقيقي ابكم عن افشاء سر الحقيقة أعمى عن رؤية الأغيار في هذه الدار الفانية اللهم خلصنا من التقليد وأوصلنا الى حقيقة التوحيد انك حميد مجيد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا رزقكم مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ اى من حلالاته لان ما رزقناكم أعم من الحلال والحرام عند اهل السنة او من لذيذاته لانه أعم ايضا من المستلذ والمستكره قال ابن الشيخ وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام واولى من حمله على الحلال الطاهر من الشبهة لان المقام مقام الامتنان بما رزقه من لذائذ الإحسان وطلب شكر المنعم المنان والطيب له ثلاثة معان المستلذ طبعا والمباح شرعا والطاهر وضعا وفي الآية اشارة الى انه لا بأس بالتفكه بانواع الفواكه لانها من الطيبات وتركه أفضل لئلا ينقص من درجته ويدخل تحت قوله تعالى أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا والأمر بأكل الطيبات لفائدتين. إحداهما ان يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون من حجاب الظلمة الطبع بنور الشرع. والثاني ليثيبهم بائتمار امر الاكل وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها وأحلها لكم والشكر صرف العبد جميع أعضائه الظاهرة والباطنة الى ما خلقت لاجله وهذا الأمر ليس امر اباحة بل هو للايجاب إذ لا شك في انه يجب على العاقل ان يعتقد بقلبه ان من أوجده وأنعم عليه بما لا يحصى من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وان يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ اى ان كنتم مؤمنين بالله ومخصصين الله بالعبادة فاشكروا له فان الايمان يوجب ذلك وهو من شرائطه وهو مشهور في كلامهم يقول الرجل لصاحبه الذي عرف انه يحبه ان كنت لى محبا فافعل كذا فيدخل حرف الشرط في كلامه تحريكا له على ما يؤمر به واعلاما انه من شرائط المحبة وليس المراد ان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فان من لا يفعل هذه العبادة يجب الشكر عليه ايضا وعن النبي ﷺ (يقول الله تعالى انى والانس والجن لفى نبأ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى) : قال السعدي
مكن كردن از شكر منعم مپيچ ... كه روز پسين سر بر ارى بهيچ
стр. 276
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ اى ما مات بغير ذكاة مما يذبح والسمك والجراد مستثنيان بالعرف لانه إذا قيل فلان أكل ميتة لم يسبقا الى الفهم ولا اعتبار للعادة قالوا من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وان أكل لحما في الحقيقة قال الله تعالى لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا والمراد بتحريم الميتة تحريم أكلها وشرب لبنها او الانتفاع بها لان الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الأعيان وَالدَّمَ الجاري والكبد والطحال مستثنيان ايضا بالعرف فهما حلالان وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ قد انعقد الإجماع على ان الخنزير حرام لعينه فيكون جميع اجزائه محرما وانما خص الله لحمه بالذكر لانه معظم ما ينتفع به من الحيوان فهو الأصل وما عداه تبع له وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ اى وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه للصنم واصل الإهلال رفع الصوت وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها ويقولون باسم اللات والعزى فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر بالتسمية مهل قال العلماء لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بها التقرب الى غير الله صار مرتدا وذبيحته ميتة وذبائح اهل الكتاب تحل لنا لقوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ الا ان سموا غير الله فانها حينئذ لا تحل لهذه الآية فان قوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ إلخ عام وقوله وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ خاص مقدم على العام فَمَنِ يحتمل ان تكون شرطية وموصولة اضْطُرَّ اى أحوج وألجئ الى أكل شىء مما حرم الله بان لا يجد غيرها وجد ان الاضطرار ان يخاف على نفسه او على بعض أعضائه التلف غَيْرَ نصب على الحال فانه إذا صلح في موضع لا فهو حال وان صلح في موضع الا فهو استثناء والا فهو صفة وذو الحال هاهنا فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر تقديره فمن اضطره أحد أمرين الى تناول شىء من هذه المحرمات أحدهما الجوع الشديد مع عدم وجدان مأكول حلال يسد رمقه وثانيهما الإكراه على تناوله فتناول وأكل حال كونه غير باغٍ على مصطر آخر بأن حصل ذلك المصطر الآخر من الميتة مثلا قدر ما يسد به جوعته فأخذه منه وتفرد بأكله وهلك الآخر جوعا وهذا حرام لان موت الآخر جوعا ليس اولى من موته جوعا وَلا عادٍ من العدو وهو التعدي والتجاوز في الأمر لما حد له فيه اى غير متجاوز حد الشبع عند الاكل بالضرورة بان يأكل قدر ما يحصل به سد الرمق والجوعة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فى تناوله عند الضرورة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل في حال الاضطرار رَحِيمٌ بترخيصه ذلك ولم يذكر في هذه الآية سائر المحرمات لانها ليست لحصر المحرمات بل هذه الآيات سيقت لنهيهم عن استحلال ما حرم الله وهم كانوا يستحلون هذه الأشياء فكانوا يأكلون الميتة ويقولون تأكلون ما امتم ولا تأكلون ما أماته الله وكدا يأكلون الدم ولحم الخنزير وذبائح الأصنام فبين انه حرمها فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا وقيل ذكر الميتة يتناول المتردية وهي الساقطة في بئر او ماء او من علو والمنخنقة وهي ما اختنق بالشبكة او بحبل او خنق خانق والموقوذة وهي المضروبة بالخشب والنطيحة وهي المنطوحة وما أكل السبع ومتروك التسمية عمدا ونحوها ويكره عشرة من الحيوان الدم والعدة والقبل والدبر والذكر والخصيتان والمرارة والمثانة ونخاع الصلب. اما الدم فلقول تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ واما ما سواه فلانها من الخبائث قال الشيخ الشهير بأفتاده افندى ذكر
стр. 277
ان النبي ﵇ لم يأكل الطحال ولا الكلية ولا الثوم وان لم يمنع عن أكلها فالاولى ان لا تؤكل اقتفاء لاثره ثم قيل في وجهه ان المنى إذا نزل لم ينزل الا بعد اتصاله بالكلية. واما الطحال فلأنه من أطعمة اهل النار كذا في واقعات الهدائى قدس سره ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج وذكر في الأشباه والنظائر انه يرخص للمريض التداوى بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين واختار قاضى خان عدمه واساغة اللقمة بها إذا
غص اتفاقا واباحة النظر للطبيب حتى للعورة والسوأتين انتهى ويحل للعطشان شرب الخمر حالة الاضطرار على ما نص عليه في الخانية وما قال الصدر الشهيد من ان الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مجرى على إطلاقه لان الاستشفاء بالمحرم انما لا يجوز إذا لم نعلم ان فيه شفاء واما إذا علم ذلك وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به ومعنى قول ابن مسعود رضى الله عنه ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يحتمل ان عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير محرم لانه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوى إذا أخبره طبيب مسلم ان شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كذا في شرح الأربعين حديثا لعلامة الروم ابن الكمال والاشارة في قوله تعالى إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ انه كما حرم على الظواهر هذه المعهودات حرم على البواطن شهود غير الله فالميتة هي جيفة الدنيا وَالدَّمَ هى الشهوات النفسانية قال ﵇ (ان الشيطان ليجرى في ابن آدم مجرى الدم) ولولا ان الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان اليه سبيل ولهذا قال ﵇ (سددوا مجارى الشيطان بالجوع) لان الجوع يقطع مادة الشهوات وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ اشارة الى هوى النفس وتشبيه النفس بالخنزير لغاية حرصها وشرهها وخستها وخباثة ظاهرها وباطنها وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ هو كل ما يتقرب به الى الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير اخلاص لله وفي الله بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى فَمَنِ اضْطُرَّ اما لضرورة الحاجة النفسانية واما الضرورة امر الشرع باقامة احكام الواجبات عليه فليشرع فى شىء مما اضطر اليه غَيْرَ باغٍ اى غير حريص على الدنيا وجمعها من الحرام والحلال وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال وغير مقبل الى استيفاء حظوظ النفس في الحرام والحلال وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع وَلا عادٍ اى غير متجاوز من الدنيا حد القناعة وهي ما يسد الجوعة ويستر العورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ على من قام بهذه الشرائط إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر للعاملين له بآثار الرحمة والقائمين به بانوار الرحمة والماحين فيه باوصاف الرحمة التقطته من التأويلات النجمية والغفور والغفار هو الذي اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها بأسباب الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة وحظ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يحب ان يستر منه وقد قال ﵇ (من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة) والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الاساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيه كما روى عن عيسى ﵇ انه مر مع الحواريين بكلب قد غلب نتنه فقالوا ما أنتن هذه الجيفة
стр. 278
فقال ﵇ ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذي ينبغى ان يذكر من كل شىء ما هو احسن كذا في شرح الأسماء الحسنى للامام الغزالي قدس سره إِنَّ الَّذِينَ نزلت في أحبار اليهود فانهم كانوا يرجون ان يكون النبي المنعوت في التوراة منهم فلما بعث الله نبينا محمدا ﵇ من غيرهم غيروا نعته حتى إذا نظر اليه السفلة يجدونه مخالفا لصفة محمد ﵇ فلا يتبعونه فلا تزول رياستهم يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ حال من العائد المحذوف اى أنزله الله حال كونه من الكتاب وهو التوراة المشتمل على نعت محمد ﵇ وَيَشْتَرُونَ بِهِ اى بدل المنزل المكتوم ثَمَناً قَلِيلًا اى يأخذون عوضا حقيرا من الدنيا يعنى المآكل التي يصيبونها من سفلتهم أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ اما في الآخرة فظاهر لانهم لا يأكلون يوم القيامة الا عين النار عقوبة لهم على أكلهم الرشوة في الدنيا واما فى الدنيا فبأكل سببها فان أكلهم ما أخذوه من اتباعهم سبب مؤد الى ان يعاقبوا بالنار فاطلاق النار عليه من قبيل اطلاق اسم المسبب على السبب ومعنى في بطونهم ملئ بطونهم يقال أكل فى بطنه وأكل في بعض بطنه يعنى ان المقصود من ذكر بطونهم متعلقا بقوله يأكلون انما هو بيان محل الاكل ومقر المأكول فلما لم يقل يأكلون في بعض بطونهم علم ان محل الاكل هو تمام بطونهم فلزم امتلاءها ففيه مبالغة كأنهم ما كانوا متكئين على البطون عند الاكل فملأوا بطونهم وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ اى لا يكلمهم الله بطريق الرحمة غضبا عليهم فليس المراد به نفى الكلام حقيقة لئلا يتعارض بقوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ونحوه بل هو كناية عن الغضب لان نفى الكلام لازم للغضب عرفا وعادة الملوك عند الغضب انهم يعرضون عن المغضوب عليهم ولا يكلمونهم كما انهم عند الرضى يتوجهون إليهم بالملاطفة وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثنى عليهم ولا يطهرهم من دنس الذنوب يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجع دائم مؤلم أُولئِكَ المشترون بكتاب الله ثمنا قليلا ليسوا بمشترين للثمن وان قل بل الَّذِينَ اشْتَرَوُا بالنسبة الى الدنيا الضَّلالَةَ التي ليست مما يكن ان يشترى قطعا بِالْهُدى الذي ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شىء وان جل وَالْعَذابَ اى اشتروا بالنظر الى الآخرة العذاب الذي لا يتوهم كونه من المشترى بِالْمَغْفِرَةِ التي يتنافس فيها المتنافسون فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ اى ما أصبرهم على اعمال اهل النار حين تركوا الهدى وسلكوا مسالك الضلال فالمراد بالنار سببها اطلق عليه اسم النار للملابسة بينهما ومعنى التعجب راجع الى العباد فهو تعجب اى إيقاع للمخاطب في العجب لامتناع التعجب في شأنه تعالى لان التعجب منشأه الجهل بالسبب فانهم قالوا التعجب انفعال النفس مما خفى سببه وخرج عن نظائره فلا يجوز على الله تعالى ذلِكَ العذاب بالنار بِأَنَّ اللَّهَ اى بسبب انه نَزَّلَ الْكِتابَ اى جنس الكتاب بِالْحَقِّ اى حال كونه ملتبسا بالحق فلا جرم يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متن الجهل والغواية مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اى في جنس الكتاب الإلهي بان آمنوا ببعض كتب الله وكفروا ببعضها او في التوراة بان آمنوا ببعض
стр. 279
آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على امر بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونعوته الكريمة او في القرآن بان قال بعضهم انه شعر وبعض سحر وبعض كهانة لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ اى خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لاشد العذاب اعلم ان في هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوى فليحذروا اى العلماء ان يكتموا الحق وهم يعلمون وانما يكتمونه عن الملوك والأمراء والوزراء وارباب الدنيا اما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم واما طموحا الى إحسانهم او لانهم شركاؤهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص في طلبها او طلب مناصبها وحب رياستها او بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والامتعة والزينة في كل شىء والخدم والخيول وغير ذلك فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون إلا نار الحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الافئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب واعلم ان في كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا
يجتنى من نار السعير فتحصل في قلب العبد تلك النار في الحال وفي التي تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة فتظهر في القلب فتحرق كل محبوب غير الله في قلب كما ان نار السعير تحرق في القلب الحسنات والأخلاق الحميدة فيأكلون نارا في الحال وانما قال ما يأكلون في بطونهم الا النار لان فسادهم كان في باطل فكان عذابهم في البطون وانما لا يكلمهم الله يوم القيامة لانهم كتموا كلام الله في الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وانما لا يزكيهم لان تزكية النفس للانسان مقدرة من الايمان والأعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع فاولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى اظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على أفضل الجهاد قال ﵇ (ان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وانما كانت أفضل لان الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فانه جهاد أصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة قال الحسن ان الزبانية الى فسقة حملة القرآن اسرع منهم الى عبدة الأوثان فيقولون ربنا ما بالنا يتقدمون إلينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع فى خسران مبين وكان دائما في منازعة الشيطان- كما حكى- ان رجلا قال للشيخ ابى مدين ما يريد منا الشيطان شكاية منه فقال الشيخ انه جاء قبلك وشكا منك وقال اعلم انه سيشكونى ولكن الله ملكنى الدنيا فمن نازعنى في ملكى لا اتسلى بدون إيمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها- وحكى- ان ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على أبوابهم يقتاتون بنبات الأرض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين الى ملكهم فقال ما لى حاجة الى صحبة ذى القرنين فجاء ذو القرنين فقال ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم قال ليس للدنيا طالب عندنا لانها لا تشبع أحدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخرج رأس انسان وقال هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقي عليه السيئات ثم اخرج رأسا آخر وقال ايضا هذا
стр. 280
رأس ملك عادل مشفق فقبضه واسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذى القرنين وقال من أي الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال ان ترغب في صحبتى شاطرتك مملكتى وسلمت إليك وزارتي فقال هيهات وقال ذو القرنين ولم قال لان الناس اعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم أحبابي بسبب القناعة: قال السعدي قدس سره
در گوشه قناعت نان پاره و پينه ... در پيش اهل معنى بهتر ز صد خزينه
لَيْسَ الْبِرَّ هو كل فعل مرضى يفضى بصاحبه الى الجنة أَنْ تُوَلُّوا اى ان تصرفوا يا اهل الكتابين وُجُوهَكُمْ فى الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اى مقابلهما ظرف مكان لقوله تولوا والبر منصوب على انه خبر مقدم وان تولوا اسمها لكونه فى تأويل المصدر والمصدر المؤول اعرف من المحلى باللام وهو يشبه الضمير من حيث انه لا يوصف ولا يوصف به فالاولى ان يجعل الأعرف اسما وغير الأعرف خبرا وذلك ان اليهود والنصارى أكثروا الخوض في امر القبلة حين حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى الكعبة وزعم كل واحد من الفريقين ان البر هو التوجه الى قبلته فرد عليهم وقيل ليس البر ما أنتم عليه فانه منسوخ خارج من البر وَلكِنَّ الْبِرَّ المعهود الذي ينبغى ان يهتم بشأنه ويجد في تحصيله مَنْ اى بر من على حذف المضاف لان اسم لكن من اسماء المعاني وخبرها من اسماء الأعيان فامتنع الحمل لدلك آمَنَ بِاللَّهِ وحده ايمانا بريئا من شائبة الإشراك لا كايمان اليهود والنصارى المشركين بقولهم عزيز ابن الله وقولهم المسيح ابن الله وقدم الايمان بالله في الذكر لانه اصل لجميع الكمالات العلمية والعملية وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال على انه كائن لا محالة وعلى ما هو عليه لا كما يزعمون من انهم لا تمسهم النار الا أياما معدودة وان آباءهم الأنبياء ويشفعون لهم فالبر هو التوجه الى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة ولما كان الايمان باليوم الآخر متفرعا على الايمان بالله لانا ما لم نعلم باستحقاقه الالوهية وقدرته على جميع الممكنات لا يمكننا ان نعلم صحة الحشر والنشر وكان الايمان به محركا وداعيا الى الانقياد بالله في جميع ما امر به ونهى عنه خوفا وطمعا ذكر الايمان به عقيب الايمان بالله وَالْمَلائِكَةِ كلهم بانهم عباد الله ليسوا بذكور ولا إناث ولا بشر ولا أولاد الله مكرمون عنده متوسطون بينه وبين أنبيائه بإلقاء الوحى وإنزال الكتب واليهود أخلوا بذلك حيث أظهروا عداوة جبريل وَالْكِتابِ اى بجنس الكتاب الإلهي الذي من افراده الفرقان واليهود أخلوا بذلك لانه مع قيام الدليل على ان القرآن كتاب الله تعالى ردوه ولم يقبلوه وَالنَّبِيِّينَ جميعا بانهم المبعوثون الى خلقه والقائمون بحقه والصادفون عنه في امره ونهيه ووعده ووعيده واخباره من غير تفرقة بين أحد منهم واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء وطعنوا في نبوة محمد ﵇ واعلم ان الايمان بالملائكة والكتاب مؤخر عن الايمان بالنبيين الا انه قدم الايمان بهما في الذكر رعاية للترتيب بحسب الوجود الخارجي ولم ينظر الى الترتيب في العلم فان الملك يوجر اولا ثم يحصل بواسطته نزول الكتاب الى الرسل فتدعو الرسل الى ما فيها من الاحكام وهذا اى الايمان بالأمور الخمسة المذكورة اصول الدين
стр. 281
وقواعد العقائد وَآتَى الْمالَ اى الصدقة من ماله عَلى حُبِّهِ حال من الضمير في آتى والضمير المجرور للمال اى آتاه كائنا على حب المال كما قال ﵇ لما سئل أي الصدقة أفضل قال (ان تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) : قال السعدي قدس سره
پريشان كن امروز كنجينه جست ... كه فردا كليدش نه در دست تست
كنون بر كف دست نه هر چهـ هست ... كه فردا بدندان كزى پشت دست
ذَوِي الْقُرْبى مفعول أول لآتى بدلالة الحال وقدمهم لانهم أحق بالصدقة لقوله ﵇ (صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذى رحمك اثنتان) لانها صدقة وصلة وقال ايضا (أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح) وَالْيَتامى الفقراء منهم لا الأغنياء وقدم اليتامى على سائر المصارف لان الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب أشد احتياجا من المساكين ومن ذكر بعدهم وَالْمَساكِينَ جمع مسكين والمسكين ضربان من يكف عن السؤال وهو المراد هاهنا ومن ينبسط ويسأل وهذا القسم داخل في قوله والسائلين وهو مبالغة الساكن فان المحتاج يزداد سكونه الى الناس على حسب ازدياد حاجته وَابْنَ السَّبِيلِ اى المسافر البعيد عن ماله وسمى به لملازمته له كما تقول للص القاطع ابن الطريق وللمعمر ابن الليالى ولطير الماء ابن الماء والضيف لانه جاء من السبيل فكأنه ولد منه قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وايضا (أكرموا الضيف ولو كان كافرا) وَالسَّائِلِينَ الذين الجأتهم الحاجة والضرورة الى السؤال وفي الحديث (للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه) : قال السعدي قدس سره
نه خواهنده بر در ديكران ... بشكرانه خواهنده از در مران
وَفِي تخليص الرِّقابِ بمعاونة المكاتبين جمع رقبة وهي مؤخر العنق واشتقاقها من المراقبة لانها مكان مراقبة الرقيب المشرف على القوم وإذا قيل أعتق الله رقبته يراد ان الله تعالى خلصه من مراقبة العذاب إياه. وقيل المراد بهم ارقاء يشتريهم الأغنياء لاعتاقهم. وقيل المراد بهم الأسارى فان الأغنياء يؤتون المال في تخليصهم فهذا هو البر ببذل الأموال على وفق مراد الله تعالى الى المصارف المذكورة واليهود أخلوا بذلك لانهم أكلوا اموال الناس بالباطل حيث كتموا دلائل حقية الإسلام على اتباعهم واشتروا به ثمنا قليلا وعوضا يسيرا وهو ما يعود إليهم من هدايا السفلة وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة عطف على صلة من اى من آمن وآتى واقام واليهود كانوا يمنعون الناس من الصلاة والزكاة وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة على ان المراد بما مر من إيتاء المال التنفل بالصدقة قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه او الاول لبيان المصارف والثاني لبيان وجوب الأداء وَالْمُوفُونَ عطف على من آمن فانه في قوة ان يقال ومن أوفوا بِعَهْدِهِمْ من الأوامر والنواهي او النذور إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا او نذروا أوفوا وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا وفي الحديث (من اعطى عهد الله ثم نقضه فالله لا ينظر اليه) اى انقطع نظره عنه (ومن اعطى ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم غدر فالنبى خصمه يوم القيامة) واليهود نقضوا العهد
стр. 282
قال الله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: وفي المثنوى
چون درختست آدمي وبيخ عهد ... بيخ را تيمار مى بايد بجهد
عهد فاسد بيخ پوسيده بود ... وز ثمار لطف ببريده بود
شاخ وبرك نخل اگر چهـ سبز بود ... بإفساد بيخ سبزى نيست سود
ور ندارد برك سبز وبيخ هست ... عاقبت بيرون كند صد برك دست
تو مشو غره بعلمش عهد جو ... علم چون قشر است وعهدش مغز او
وَالصَّابِرِينَ منصوب على المدح اى بتقدير اعنى وهو في الحقيقة والمعنى عطف على من آمن لكن غير سبكه تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته اى واعنى الذين صبروا فِي الْبَأْساءِ اى في الفقر والشدة وَالضَّرَّاءِ اى المرض والزمانة وَحِينَ الْبَأْسِ منصوب بالصابرين اى وقت الشدة والبأس شدة القتال خاصة وهو في الأصل مطلق الشدة وزيادة الحين للاشعار بوقوعه أحيانا وسرعة انقضائه واهل الكتاب أخلوا بذلك حيث كانوا في غاية الخوف والجبن والحاصل انه لما حولت القبلة وكثر خوض اهل الكتاب في نسخها صار كأنهم قالوا مدار البر والطاعة هو الاستقبال فانزل الله هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في امر القبلة مع الاعراض عن كل اركان الدين فصفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل الا بمجموع الأمور المذكورة أُولئِكَ اى اهل هذه الصفة الَّذِينَ صَدَقُوا فى الدين واتباع الحق وتحرى البر حيث لم تغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأحوال وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الاشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للاشارة الى انحصار التقوى فيهم والآية جامعة للكمالات الانسانية بأسرها دالة عليها صريحا او ضمنا فانها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد أشير الى الاول بقوله من آمن الى والنبيين والى الثاني بقوله وآتى المال الى وفي الرقاب والى الثالث بقوله واقام الصلاة الى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا الى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق واليه يشير قوله ﵇ (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان) قال شيخنا العلامه. أبقاه الله بالسلامة قيل لى في قلبى احسن اخلاق المرء في معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن أخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء انتهى كلامه وحب المال من اغلب اخلاق النفس وكذا العجلة من الأخلاق الرديئة ولذلك قيل ان الصبر أفضل من الشكر وفي الخبر (يؤتى بأشكر اهل الأرض ليجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بالصابر فيقول الله هذا أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين) والتحقيق ان تهذيب النفس انما يكون بالتوحيد بطريقه المخصوص كما ان اصل الايمان انما يحصل بالتوحيد والشهادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الخطاب لائمة المؤمنين أوجب الله تعالى على الامام وعلى من يجرى مجراه ويقوم مقامه اقامة القصاص والتقدير يا ايها الائمة فرض عليكم استيفاء القصاص ان أراد ولى الدم استيفاءه ويحتمل ان يكون الخطاب متوجها على القاتل والمعنى يا ايها
стр. 283
القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم أنفسكم عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لان القاتل ليس له ان يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزاني والشارب فان لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق الله تعالى والقصاص ان يفعل بالإنسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة في الأنفس والأطراف والجراحات. والقتلى جمع قتيل وفي للسبب اى بسبب قتل القتلى كما في قوله ﵇ (ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها) اى بسبب ربطها إياها وحسن الوقف في قوله القتلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ مبتدأ وخبر اى الحر مأخوذ ومقتول بمثله وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى سبب النزول انه كان بين حيين من احياء العرب دماء في الجاهلية وكان لاحدهما طول على الآخر اى قوة وفضل فاقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت وأمرهم الله ان يتباروا اى يتساووا ويتعادلوا. وقوله الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بان لا يجرى القصاص الا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين بل يفيد شرع القصاص في القتلى بين المذكورين من غير ان يكون فيه دلالة على سائر الاقسام فان قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى جملة مستقبلة بنفسها.
وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن ان يكون لفائدة سوى نفى الحكم عن سائر الصور وهي ابطال ما كان عليه اهل الجاهلية من انهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة وليس فيه نفى جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى بل فيه منع عن التعدي الى غير القاتل انتهى كلامه والثوري وابو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فان شريعة من قبلنا إذا قصت علينا في القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على انها شريعة لنا وبما روى (المسلمون تتكافأ دماؤهم) وبأن التفاضل في النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبان القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين او بالدار وهما سيان فيهما ومالك والشافعي لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعي ﵀ خذوا بدمى هذا الغزال فانه رمانى بسهمى مقلتيه على عمد ولا تقتلوه اننى انا عبده وفي مذهبى لا يقتل الحر بالعبد فَمَنْ عبارة عن القاتل شرطية كانت او موصولة عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ الضميران راجعان الى من شَيْءٌ اى شىء من العفو قليل فارتفاع شىء على انه قائم مقام فاعل عفى بناء على انه في حكم المصدر اى في حكم قولك عفى عفو فان عفا وان كان لازما لا يتعدى الى المفعول به الا انه يتعدى الى المفعول المطلق فيصلح ان يقام مصدره مقام الفاعل كما في قوله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وقولهم سير بزيد بعض السير وشىء من السير وفائدة قوله شىء الاشعار بانه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بان يعفى عن بعض الدم او عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب الا الدية وعفا يتعدى الى الجاني والى
стр. 284
الذنب بعن فاذا تعدى الى الذنب بعن كما في قوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ عدى الى الجاني باللام يقال عفوت لفلان إذ جنى وعليه ما في الآية وعفو الجاني عبارة عن إسقاط موجب الجناية عنه وموجبها هاهنا القصاص فكأنه قيل القاتل الذي عفى له عن جناية من جهة أخيه الذي هو ولى المقتول سواء كان العفو الواقع تاما بان اصطلح القاتل مع جميع اولياء القتيل على مال او بعض العفو بان وقع الصلح بينه وبين بعض الأولياء فانه على التقديرين يجب المال ويسقط القصاص فانه قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الآية نزلت في الصلح عن القصاص على مال وسمى الله تعالى ولى الجناية أخا للقاتل استعطافا له عليه وتنبيها على ان اخوة الإسلام قائمة بينهما وان القاتل لم يخرج من الايمان بقتله فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ خبر مبتدأ محذوف اى وإذا حصل شىء من العفو وبطل الدم بعفو البعض فالامر اتباع بالمعروف اى على ولى المقتول ان يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف بترك التشديد والتضييق في طلبه وإذا أخذ الدية لا يطلب الأكثر مما وجب عليه وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ حث العفو عنه وهو القاتل على تأدية المال بالإحسان اى وعلى القاتل ان يؤدى المال الى العافي بإحسان في الأداء بترك المطل والبخس والأذى ذلِكَ اى الحكم المذكور من العفو والدية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ اى تيسير وتوسعة لكم وَرَحْمَةٌ منه حيث لم يجزم بالعفو وأخذ الدية بل خيركم بين الثلاث القصاص والدية والعفو وذلك لان في شرع موسى ﵇ القصاص وهو العدل فقط وفي دين عيسى ﵇ العفو وهو الفضل فحسب وفي ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو فَمَنِ اعْتَدى اى تجاوز ما شرع له بَعْدَ ذلِكَ التخفيف بان قتل غير القاتل او قتل القاتل بعد العفو او أخذ الدية فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر فيقتله وينبذ ماله الى أوليائه فَلَهُ باعتدائه عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب شديد الألم اما في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق واما فى الآخرة فبالنار وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ اى في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لانهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الا من فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه أي حياة لانه إذا علم القاتل انه يقتل إذا قتل لا يقدم على القتل وإذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين او اكثر وهو كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده فان ضدية شىء لآخر تستلزم ان يكون تحقق أحدهما رافعا للاخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالظرف الحقيقي من حيث ان المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمى الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه إذ جعل الضد حاميا لضده اعتبار لطيف في غاية الحسن والغرابة التي هي من نكات البلاغة وطرقها يا أُولِي الْأَلْبابِ اى ذى العقول الخالصة من شوب الأوهام ناداهم للتأمل في
стр. 285
حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تعملون عمل اهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان او تتقون عن القتل مخافة القود وفيه تحذير عن القتل فان من أعظم حقوق العباد الدماء وهي أول ما يحاسب به العبد بالنسبة الى حقوق العباد كما ان الصلاة أول ما يحاسب به بالنسبة الى حقوق الله تعالى وفي الحديث (يأتى المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الاخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه هذا قتلنى فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به الى النار) واعلم ان الذنوب على ثلاثة أوجه الاول فيما بين العبد وبين الله تعالى كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ الى من بهته واغتابه فاذا بلغه وجعله في حل وتاب المذنب فنرجو ان الله يغفر له وكذلك إذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل في حل لا يغفر له لان خصمه الآدمي فاذا تاب وجعله في حل فانه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بان قال كل حق لى عليك فقد جعلتك في حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الأمم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم والثاني ذنب فيما بينه وبين اعمال الله وهو ان يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فان التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لان شرط التوبة ان يؤدى ما ترك فاذا لم يؤد فكأنه لم يتب والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو ان يغصب أموالهم او يضربهم او يشتمهم او يقتلهم فان التوبة لا تكفيه الا ان يرضى عنه خصمه او يجتهد في الأعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فانه إذا تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه ان يردها الى أربابها وان عجز عن إيصالها وأراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول يا رب لمن هذه فيقول الله تعالى أنت قادر عليها فان ثمنها عفوك عن أخيك فيقول قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد أخيك واذهبا الى الجنة والاشارة في الآية ان الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة في قتلاه كما قال (من أحبني قتلته ومن قتلته فانا ديته) : وفي المثنوى
كر يكى سر را ببرد از بدن ... صد هزاران سر بر آرد در زمن [١]
اقتلوني يا ثقاتى لائما ... ان في قتلى حياتى دائما [٢]
ان في موتى حياتى يافتى ... كم أفارق موطنى حتى متى
شير دنيا جويد آشكاري وبرگ ... شير مولى جويد آزادى ومرگ
چونكه اندر مرگ بيند صد وجود ... همچو پروانه بسوزاند وجود [٣]
فعلى العاقل ان يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيى قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى حضر أسبابه وظهر امارته وآثاره من العلل والأمراض إذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل في إذا مدلول كتب لان الكتب بمعنى الإيجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم إيجاب الله تعالى ومقتضى كتابه إذا حضر فعبر عن توجه الإيجاب وتعلقه بكتب للدلالة على ان هذا المعنى مكتوب في الأزل