التفصيل والبيان اى اضرب يا محمد وبين للكافرين المتقلبين فى نعم الله والمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر مثلا حال من رجلين مقدرين او أخوين من بنى إسرائيل قال فى الجلالين يريد ابني ملك كان فى بنى إسرائيل قال ابو حيان ويظهر من قوله فَقالَ لِصاحِبِهِ انه ليس أخاه انتهى يقول الفقير هذا ذهول عن عنوان الكلام إذ التعبير عنهما برجلين يصحح اطلاق الصاحب على الأخ وايضا أخذ الكافر بيد أخيه المسلم وإدخاله إياه جنته طائفا به فيما يأتى مما ينادى على صحة ما ادعيناه إذ لا تنافى هذه الصحبة الاخوة وكل منهما من أخص الأوصاف قالوا كان أحد الأخوين مؤمنا واسمه يهودا والاخر كافرا واسمه قطروس بضم القاف ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتقاسماها بينهما فاشترى الكافر أرضا بألف دينار وبنى دارا بألف دينار وتزوج امرأة بألف واشترى خدما ومتاعا بألف فقال المؤمن اللهم ان أخي اشترى أرضا بألف دينار وانا اشترى منك أرضا فى الجنة فتصدق به وان أخي بنى دارا بألف دينار وانا اشترى منك دارا فى الجنة فتصدق به وان أخي تزوج امرأة بألف وانا اجعل الفا صداقا للحور فتصدق به وان أخي اشترى خدما ومتاعا بألف وانا اشترى منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لاخيه على طريقه فمر به فى حشمه فقام اليه فنظر اليه وقال ما شأنك قال أصابتني حاجة فاتيت لتصيبنى بخير فقال وما فعلت بما لك وقد اقتسمنا مالا وأخذت شطره فقص عليه القصص قال انك إذا لمن المتصدقين بهذا اذهب فلا أعطينك شيأ فطرده ووبخه على التصدق بماله جَعَلْنا لِأَحَدِهِما وهو الكافر جَنَّتَيْنِ بستانين مِنْ أَعْنابٍ من كروم متنوعة فاطلاق الأعناب عليها مجازا ويجوز ان يكون بتقدير المضاف اى أشجار أعناب وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ اى جعلنا النخل محيطة بالجنتين ملفوفا بها كرومهما وبالفارسية [يعنى درختان خرما كرداكرد در آورديم] يقال حفه القوم إذا طافوا به اى استداروا وحففته بهم اى جعلتهم جافين حوله وهو متعد الى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا مثل غشيته وغشيته به وَجَعَلْنا بَيْنَهُما وسطهما يعنى [پيدا كرديم ميان آن دو باغ] زَرْعاً ليكون كل منهما جامعا للاقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الأنيق كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها بثمرها وبلغ مبلغا صالحا للاكل وافراد الضمير فى آتت للحمل على لفظ المفرد قال الحريري ولا يثنى خبر كلا الا بالحمل على المعنى او لضرورة الشعر وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ لم تنقض من أكلها شَيْئاً كما يعهد فى سائر البساتين فان الثمار تتم فى عام واحد وتنقص فى عام غالبا وكذا بعض الأشجار تأتى بالثمر فى بعض الأعوام دون بعض وَفَجَّرْنا خِلالَهُما وشققنا فيما بين كل من الجنتين وأخرجنا وأجرينا نَهَراً على حدة ليدوم شربهما وتزيد بهاؤهما ولعل تأخير ذكر تفجير النهر عن ذكر إيتاء الاكل مع ان الترتيب الخارجي على العكس للايذان باستقلال كل من إيتاء الاكل وتفجير النهر فى تكميل محاسن الجنتين ولو عكس لانفهم ان المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض فان إيتاء الاكل متفرع على السقي عادة وفيه ايماء الى ان إيتاء الاكل لا يتوقف على السقي كقوله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ وَكانَ لَهُ اى لصاحب الجنتين ثَمَرٌ انواع من المال غير
стр. 2207
الجنتين من ثمر ماله الذي ذكر وقال لشيخ فى تفسيره بفتحتين جمع ثمرة وهى المجنى من الفاكهة وذكرها وان كانت الجنة لا تخلو عنها إيذان بكثرة الحاصل له فى الجنتين من الثمار وغيرها وقال الكاشفى وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [همه ميوه يعنى از انگور خرما وميوهاى ديكر داشت واختصاص آنها بذكر غالبيت بوده] فَقالَ لِصاحِبِهِ أخيه المؤمن وَهُوَ اى والحال ان القائل يُحاوِرُهُ يكلمه ويراجعه الكلام من حار إذا رجع قال الكاشفى [واو مجادله مى كرد با او وسخن باز مى كردانيد انتهى] ولهذه المحاورة والمعية اطلق عليه الصاحب أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا عن محمد بن الحسن ﵀ المال كله ما يتملكه الناس من دراهم او دنانير او ذهب او فضة او حنطة او خبز او حيوان او ثياب او سلاح او غير ذلك والمال العين هو المضروب وَأَعَزُّ نَفَراً حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لانهم الذين ينفرون معه دون الإناث والنفر بفتحتين من الثلاثة الى العشرة من الرجال ولا يقال فيما فوق العشرة يقول الفقير لاح لى هاهنا إشكال وهو انه ان حمل افعل على حقيقته فى التفضيل يلزم ان يكون الرجلان المذكوران مقدرين لا محققين أخوين لانه على تقدير التحقيق يقتضى ان لا يكون لاحدهما مال أصلا كما يفصح عنه البيان السابق وقد أنبت هاهنا الاكثرية للكافر والا قلية للمؤمن وجوابه يستنبط من السؤال والله اعلم بحقيقة الحال وَدَخَلَ صاحب الجنتين وهو قطروس جَنَّتَهُ بصاحبه يطوف به فيها ويعجبه منها ويفاخره بها وتوحيدها يعنى بعد التثنية لا تصال إحداهما بالأخرى واما لان الدخول يكون فى واحدة فواحدة وقال الشيخ أفردها ارادة للروضة وَهُوَ اى والحال انه ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ضار لها يعجب بماله وكفره بالمبدأ والمعاد وهو أقبح الظلم كأنه قيل فماذا قال إذ ذاك قالَ ما أَظُنُّ كثيرا ما يستعار الظن للعلم لان الظن الغالب يدانى العلم ويقوم مقامه فى العادات والاحكام ومنه المظنة للعلم أَنْ تَبِيدَ تفنى وتهلك وتنعدم من باد إذا ذهب وانقطع هذِهِ الجنة أَبَداً الابد الدهر وانتصابه على الظرف والمراد هنا المكث الطويل وهو مدة حياته لا الدوام المؤبد إذ لا يظنه عاقل لدلالة الحس والحدس على ان احوال الدنيا ذاهبة باطلة فلطول أمله وتمادى غفلته واغتراره بمهلته قال بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنته والاغترار بها وامره بتحصيل الباقيات الصالحات وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ اى القيامة التي هى عبارة عن وقت البعث قائِمَةً كائنة فيما سيأتى وَلَئِنْ رُدِدْتُ والله لئن رجعت إِلى رَبِّي بالبعث على الفرض والتقدير كما زعمت فليس فيه دلالة على انه كان عارفا بربه مع ان العرفان لا ينافى الإشراك وكان كافرا مشركا قال فى البرهان قال تعالى وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي وفى حم وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي لان الرد عن الشيء يتضمن كراهة المردود ولما كان فى الكهف تقديره ولئن رددت عن جنتى هذه التي أظن ان لا تبيد ابدا الى ربى كان لفظ الرد الذي يتضمن الكراهة اولى وليس فى حم ما يدل على كراهته فذكر بلفظ الرجع ليقع فى كل سورة ما يليق بها لَأَجِدَنَّ يومئذ خَيْراً مِنْها من هذه الجنة مُنْقَلَباً تمييز اى مرجعا وعاقبة ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقاد انه تعالى انما أولاه فى الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامته عليه سبحانه وهو معه أينما توجه
стр. 2208
ولم يدران ذلك استدراج. يعنى [مقتضاى استحقاق من آنست كه فردا بهشت بمن دهد چنانچهـ امروز اين باغ بمن داده] فقول من قال انه كريم رحيم يعطينى فى الآخرة خيرا مما أعطاني فى الدنيا وهو مخالف لا وامره ونواهيه غاية الغرور بالله تعالى كما قال يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الى قوله وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
آتشى خوش بر فروزيم از كرم ... تا نماند جرم وزلت بيش وكم
قالَ لَهُ صاحِبُهُ اى اخوه المؤمن وهو استئناف كما سبق وَهُوَ يُحاوِرُهُ اى والحال ان القائل يخاطبه ويجادله: قال فى الإرشاد وفائدة هذه الجملة الحالية التنبيه من الأمر الاول على ان ما يتلوه كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة أَكَفَرْتَ حيث قلت ما أظن الساعة قائمة فانه شك فى صفات الله وقدرته بِالَّذِي خَلَقَكَ اى فى ضمن خلق أصلك آدم ﵇ مِنْ تُرابٍ فانه متضمن بخلقه منه إذ هو أنموذج مشتمل اجمالا على جميع افراد الجنس وهمزة الاستفهام للتقرير والإمكان بمعنى ما كان ينبغى ان تكفر ولم كفرت بمن او جدك من تراب اولا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ اى من منى فى رحم أمك ثانيا وهى مادتك القريبة ثُمَّ سَوَّاكَ جعلك معتدل الخلق والقامة حال كونك رَجُلًا إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال قال فى القاموس الرجل بضم الجيم وسكونها معروف او انما هو إذا احتلم وشب لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله لكن انا فحذفت الهمزة بنقل حركتها الى نون لكن او بدون نقل على خلاف القياس فتلاقت النونان فكان الإدغام اثبت جميع القراء الفها فى الوقف وحذفوها فى الوصل غير ابن عامر فانه أثبتها فى الوصل ايضا لتعويضها من الهمزة او لاجراء الوصل مجرى الوقف وهو ضمير الشأن مبتدأ خبره الله ربى وتلك الجملة خبر انا والعائد منها اليه ياء الضمير فى ربى والاستدراك من قوله أكفرت كأنه قال لاخيه أنت كافر بالله لكنى مؤمن موحد فوقع لكن بين جملتين مختلفتين فى النفي والإثبات وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً فيه إيذان بان كفره كان بطريق الإشراك وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ وهلا قلت عند دخول جنتك ما شاءَ اللَّهُ ما موصولة خبر مبتدأ محذوف اى الأمر ما شاء الله واللام فى الأمر للاستغراق والمراد تحضيضه على الاعتراف بانها وما فيها بمشيئة الله تعالى ان شاء أبقاها على حالها عامرة وان شاء أفناها وجعلها خربة لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ اى هلا قلت ذلك اعترافا بعجزك وبان ما تيسر لك من عمارتها وتدبيرها انما هو بمعونته تعالى وأقداره وفى الحديث (من رأى شيأ فاعجبه فقال ما شاء الله لا قوة الا بالله) لم تضره العين وفى الحديث (من رأى أحدا اعطى خيرا من اهل او مال فقال عنده ما شاء الله لا قوة الا بالله لم يرفيه مكروها) وفسر النبي ﵇ معنى لا حول ولا قوة الا بالله فقال (لا حول تحول عن معاصى الله الا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله الا بالله) وروى (انها دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهمّ) إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً أصله ان ترنى والرؤية اما بصرية فاقل حال واما علمية فهو مفعول ثان والاول ياء المتكلم المحذوفة وانا على التقديرين تأكيد للياء فَعَسى لعل رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ أصله يؤتيننى خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ هذه فى الآخرة بسبب إيماني لان الجنة الدنيوية فانية والاخروية باقية والجملة جواب الشرط وَيُرْسِلَ عَلَيْها على جنتك فى الدنيا حُسْباناً مِنَ السَّماءِ عذابا يرميها
стр. 2209
به من برد او صاعقة او نار قال فى القاموس الحسبان بالضم جمع حساب والعذاب والبلاء والشر والصاعقة يقول الفقير انما توقعه فى حقه لعلمه بان الكفران مؤد الى الخسران وان الاعجاب سلب للخراب كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فكلامه هذا جواب عن قول صاحبه المنكر ما أظن ان تبيد هذه ابدا فَتُصْبِحَ الإصباح هنا بمعنى الصيرورة اى تصير جنتك صَعِيداً زَلَقاً مصدر أريد به المفعول مبالغة اى أرضا ملساء يزلق عليها بملا صقتها باستئصال نباتها وأشجارها وجواز القرطبي ان تكون زلقا من زلق رأسه اى حلقه والمراد انه لا يبقى فيها نبات كالرأس المحلوق فزلقا بمعنى مزلوق ايضا أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً اى غاثرا فى الأرض ذاهبا لا تناله الأيدي ولا الدلاء فاطلق هذا المصدر مبالغة فَلَنْ تَسْتَطِيعَ تقدير إبداله لَهُ اى للماء الغائر طَلَباً فضلا عن وجدانه ورده قال فى الجلالين لا يبقى له اثر تطلبه به وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ عطف على مقدر كأنه قيل فوقع بعض توقعه من المحذور وأهلك أمواله المعهودة التي هى جنتاه وما حوتاه مأخوذ من أحاط به العدو لانه إذا أحاط به فقد غلبه واستولى عليه فيهلكه فَأَصْبَحَ صار يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهر البطن تأسفا وتحسرا كما هو عادة النادمين فان النادم يضرب يديه واحدة على الاخرى قال فى بحر العلوم تقليب الكفين وعض الكف والأنامل واليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الندم والحسرة لانها من روادفها فتطلق الرادفة على المردوف فيرتقى الكلام به الى الذروة العليا ويزيد الحسن بقبول السامع ولانه فى معنى الندم عدى تعديته بعلى كأنه قيل فاصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ [بر آن چيزى خرج نموده بود أول] فِيها فى عمارتها من المال: وفى المثنوى
بر كذشته حسرت آوردن خطاست ... باز نايد رفته ياد آن هباست «١»
ولعل تخصيص الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما انه انما يكون على الافعال الاختيارية يقول الفقير الظاهر ان الانفاق انما هو لتملكها فالتحسر على ما له مغن عن التحسر على الجنة لانها بدله وهذا شائع فى العرف كما يقول بعض النادمين قد صرفت لهذا كذا وكذا مالا وقد آل عمره الى الهلاك متحسرا على المال المصروف وَهِيَ اى الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل خاوِيَةٌ خالية ساقطة يقال خوت الدار خويا تهدمت وخلت من أهلها عَلى عُرُوشِها دعائمها المصنوعة للكروم سقطت عروشها على الأرض وسقط فوقها الكروم وتخصيص حالها بالذكر دون النخل والزرع لكونها العمدة قيل أرسل الله عليها نارا فاحرقتها وغار ماؤها وَيَقُولُ عطف على يقلب يا لَيْتَنِي [كاشكى من] لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم انه انما اتى من جهة الشرك فتمنى انه كان موحدا غير مشرك حين لم ينفعه التمني ولما كان رغبته فى الايمان لطلب الدنيا لم يكن قوله هذا توبة وتوحيدا لخلوه عن الإخلاص قال ابن الشيخ فى سورة الانعام الرغبة فى الايمان والطاعة لا تنفع الا إذا كانت تلك الرغبة رغبة لكونه ايمانا وطاعة اما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيدة انتهى: وفى المثنوى
стр. 2210
آن ندامت از نتيجه رنج بود ... نى ز عقل روشن چون كنج بود «١»
چونكه شد رنج آن ندامت شد عدم ... مى نيرزد خاك آن توبه ندم
ميكند او توبه و؟ پير؟ خرد ... بانك لو ردوا لعادوا ميزند
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ جماعة يَنْصُرُونَهُ يقدرون على نصره بدفع الهلاك او على رد المهلك والإتيان بمثله مِنْ دُونِ اللَّهِ فانه القادر وحده على نصره بذلك لا غير لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره ومعاصيه وَما كانَ مُنْتَصِراً ممتنعا بقوته عن انتقامه سبحانه هُنالِكَ اى فى ذلك المقام وتلك الحال [در وقت زوال نعمت] الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ اى النصرة له تعالى وحده لا يقدر عليها أحد وهو تقرير لقوله تعالى وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ او ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وحقق ظنه وترك عدوه مخذولا مقهورا ويؤيده قوله تعالى هُوَ اى الله تعالى خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً بمعنى العاقبة اى لاوليائه قال سعدى المفتى وعقبى يشمل العاقبة الدنيوية ايضا كما لا يخفى قال فى الجلالين أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه وعاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره واعلم ان هذه القصة مشتملة على فوائد كثيرة وأعظمها ان التوحيد وترك الدنيا سبب للنجاة فى الدارين والشرك وحب الدنيا سبب للهلاك فيهما وعن وهب بن منبه انه قال جمع عالم من علماء بنى إسرائيل سبعين صندوقا من كتب العلم كل صندوق سبعون ذراعا فاوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان ان قل لهذا العالم لا تنفعك هذه العلوم وان جمعت أضعافا مضاعفة مادام معك ثلاث خصال حب الدنيا ومرافقة الشيطان وإيذاء مسلم وذلك ان فرعون علم نبوة موسى ﵇ ولكن منعه حب الدنيا والرياسة عن المتابعة فلم ينفعه علمه المجرد وكذا علم إبليس حال آدم ﵇ واليهود حال نبينا ﷺ وما سعدوا بمجرد علمهم وما وجدوا خير عاقبة ولو عملوا بما وعظوا لنجوا وفى المثنوى
كر چهـ ناصح را بود صد داعيه ... پند را اذنى ببايد واعيه «٢»
تو بصد تلطيف پندش مى دهى ... او ز پندت ميكند پهلو تهى
يك كس نا مستمع ز استيز ورد ... صد كس كوينده را عاجز كند
ز انبيا ناصح تر وخوش لهجه تر ... كى بود كه رفت دمشان در حجر
ز انكه كوه وسنك در كار آمدند ... مى نشد بدبخت را بگشاده بند
آنچنان دلها كه بدشان وما ومن ... نعتشان شد بل أشد قسوة
ألا يرى لم ينجع فيه وعظ أخيه المسلم لزيادة قسوة قلبه فآلت عاقبته الى الندامة وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا اى اذكر لقومك وبين ما يشبهها فى زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا ولا يعكفوا عليها ولا يعرضوا عن الآخرة بالكلية كَماءٍ استئناف لبيان المثل اى هى كماء أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [از سحاب يا از جانب سما] ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء وحده بل بمجموع ما فى حيز الاداة فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ التف
стр. 2211
وتكاثف بسببه حتى خالط بعضه بعضا يعنى [قوت كرفت ونشو ونماى خود بكمال رسانيد وزمين بدو تازه وخرم شد] فَأَصْبَحَ فصار ذلك النبات الملتف اثر بهجته هَشِيماً مهشوما مكسورا ليبسه من الهشم وهو كسر الشيء الرخو تَذْرُوهُ الرِّياحُ تحمله وتفرقه يقال ذرت الريح الشيء وأذرته وذرته اطارته وأذهبته وذرا هو بنفسه والحنطة نقاها فى الريح كما فى القاموس وهذه الآية مختصرة من قوله إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ الآية قال الكاشفى [همچنين آدمي بزندكى وتازكى كه دارد خوش بر آيد همچنين كه نامه عمر از عنفوان بپايان رسد مقتضى أجل در آمده نهال نهاد او را بصر صرفنا خشك سازد وخرمنهاى از وآرزو را بباد نيستى بر دهد]
بهار عمر بسى دلفريب ورنكينست ... ولى چهـ سود كه دارد خزان مرك از پى
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإنشاء والإبقاء والافناء وغير ذلك مُقْتَدِراً قادرا على الكمال لا يعجزه شىء فعلى العاقل ان لا يغتر بالحياة الدنيا فانها فانية ولو طالت مدتها وزائلة ولو أعجبت زينتها: قال الشيخ سعدى قدس سره
چوشيبت در آمد بروى شباب ... شبت روز شد ديده بر كن ز خواب
دريغا كه بگذشت عمر عزيز ... بخواهد كذشت اين دمى چند نيز
فرو رفت جم را يكى نازنين ... كفن كرد چون كرمش ابريشمين
بدخمه در آمد پس از چند روز ... كه بر وى بگريد بزارى وسوز
چو پوشيده ديدش حرير كفن ... بفكرت چنين كفت با خويشتن
من از كرم بر كنده بودم بزور ... بكندند از وباز كرمان كور
دريغا كه بي ما بسى روزكار ... برويد كل وبشكفد نو بهار
واعلم ان الذي أدركته العناية الازلية بعد تعلق الروح بالجسد كتعلق الماء بالأرض فيبعث الله اليه دهقانا من دهاقين الأولياء والأنبياء ومعه بذر الايمان والتوحيد ليلقيه بيد الدعوة وتبليغ الرسالة فى ارض نفسه فيقع منها فى تربة طيبة وهى القلب كما ضرب الله تعالى مثلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وكقوله وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فينبت عن بذر التوحيد وهى كلمة لا اله الا الله شجرة الايمان بماء الشريعة فيعلوبه الروح من أسفل سافلين الانسانية الى أعلى درجات الروحانية واقرب منازل قربات الربانية كقوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ والله تعالى قادر على ان يخذله وينفيه فى أسفل سافلين الجسمانية الحيوانية ليصير الروح العلوي كالانعام بل هو أضل وعلى ان يجذبه بجذبات العناية الى أعلى عليين مراتب القرب ليكون مسجودا لملائكة المقربين: قال المولى الجامى سالكان بي كشش دوست بجايى نرسند سالها كر چهـ درين راه تك و پوى كنند نسأل الله تعالى ان يجذبنا بسلاسل محبته ويجعلنا من اهل طاعته وقربته قال وهب رأيت فى بعض الكتب الدنيا غنيمة الا كياس وغفلة الجهال فالانبياء والأولياء صلوات الله عليهم كانوا فى الدنيا ولم يلتفتوا إليها ولم يرغبوا فيها قالوا ليس كل من دخل المحبس يكون محبوسا
стр. 2212
فيه بل ربما دخله لا خراج المحبوس واستنقاذ المأسور فالنفوس النبوية ومن يتبعها انما وردت الى عالم الكون والفساد لاستنقاذ النفوس المحبوسة المأسورة فكما ان المحبوس إذا اتبع ذلك الداخل خرج ونجا فكذلك من اتبع الأنبياء فى سننهم ومناهجهم خرج ونجا الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا الزينة مصدر فى الأصل اطلق على المفعول مبالغة كأنهما نفس الزينة والمعنى ان ما يفتخر به الناس لا سيما رؤساء العرب من المال والبنين شىء يتزينون به فى الحياة الدنيا ويفنى عنهم عن قريب. وبالفارسية [مال و پسران آرايش زندكانئ دنيا آمدند توشه راه معاد چهـ باندك زمانى تلف وهدف زوال خواهد شد] وفى المثنوى
همچنين دنيا اگر چهـ خوش شكفت ... بانك هم زد بيوفايئ خويش كفت
كون مى كويد بيا من خوش پى ام ... وان فسادش كفت رو من لا شى أم
اى ز خوبئ بهاران لب كزان ... بنكر آن سردى وزردئ خزان
كودكى از حسن شد مولاى خلق ... بعد فردا شد خرف رسواى خلق
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ الباقيات اسم لاعمال الخير لا وصف ولذا لم يذكر الموصوف اى اعمال الخير التي تبقى ثمراتها ابد الآباد من الصلاة والصوم واعمال الحج وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ونحو ذلك من الكلم الطيب- روى- انه ﵇ خرج على قومه فقال (خذوا جنتكم) قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال (لا بل من النار) قالوا وما جنتنا من النار قال (سبحان الله) الى آخر الكلمات قال الكاشفى [بعض علما برانند كه باقيات صالحات بنات است كه بحكم هن ستر من النار سبب خلاص والدين باشند] وفى الحديث (من ابتلى) الابتلاء هو الامتحان لكن اكثر استعمال الابتلاء فى المحن والبنات مما تعد منها لان غالب هوى الخلق فى الذكور (من هذه البنات بشئ) من بيانية مع مجرورها حال من شىء (فاحسن إليهن) فسر الشارح هنا الإحسان بالتزويج بالاكفاء لكن الاوجه ان يعمم الإحسان (كن له سترا من النار) لان احتياجهن اليه كان اكثر حال الصغر والكبر فمن يسترهن بالإحسان يجازى بالستر من النيران كما فى شرح المشارق لابن الملك خَيْرٌ من الفانيات الفاسدات من المال والبنين عِنْدَ رَبِّكَ اى فى الآخرة ثَواباً عائدة تعود الى صاحبها وَخَيْرٌ أَمَلًا رجاء حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة كل ما كان يؤمله فى الدنيا واما مامر من المال والبنين فليس لصاحبه امل يناله والآية تزهيد للمؤمنين فى زينة الحياة الدنيا الفانية وتوبيخ للمفتخرين بها قال بعضهم لا ينجو من زينة الحياة الدنيا الا من كان باطنه مزينا بانوار المعرفة وضياء المحبة ولمعان الشوق وظاهره مزينا بآداب الخدمة وشرف الهمة وعلو النفس وتغلب زينة باطنه زينة حب الدنيا شوقا منه الى ربه وتغلب زينة ظاهره زينة الدنيا لان زينتها ازين وعن الضحاك عن النبي ﵇ انه قيل يا رسول الله من ازهد الناس قال (من لم ينس القبر والبلى وترك فضول زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد من أيامه غدا وعد نفسه من الموتى) وفى الحديث (قال الله تعالى يفرح عبدى المؤمن إذا بسطت له شيئا من الدنيا وذلك ابعد له منى ويحزن إذ اقترت عليه الدنيا وذلك اقرب له منى) ثم تلا ﵇ هذه الآية يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
стр. 2213
ان ذلك فتنة لهم: قال الشيخ سعدى
يكى پارسا سيرت وحق پرست ... فتادش يكى خشت زرين بدست
همه شب در انديشه كين كنج ومال ... در وتازيم ره نيابد زوال
دكر قامت عجزم از بهر خواست ... نيايد بر كس دو تا كرد وراست
سرايى كنم پاى بستش رخام ... درختان سقفش همه عود خام
يكى حجره خاص از پى دوستان ... در حجره اندر سرا بوستان
بفرسودم از رقعه بر رقعه دوخت ... تف ديكران چشم ومغزم بسوخت
ديكر زير دستان برندم خورش ... براحت دهم روح را پرورش
بسختى بكشت اين نمد پسترم ... روم زين سپس عبقرى كسترم
خيالش حزف كرد وكاليوه رنك ... بمغزش فرو برده خرچنك چنك
فراغ مناجات وزارش نماند ... خور وخواب وذكر ونمازش نماند
بصحرا در آمد سر از عشوه مست ... كه جايى نبودش قرار نشست
يكى بر سر كور كل ميسرشت ... كه حاصل كند زان كل كور خشت
بانديشه لختى فرو رفت پير ... كه اى نفس كوته نظر پند كير
چهـ پندى درين خشت زرين دلت ... كه يك روز خشتى كنند از كلت
تو غافل در انديشه سود ومال ... كه سرمايه عمر شد پايمال
بكن سرمه غفلت از چشم پاك ... كه فردا شوى سرمه در چشم خاك
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ اى اذكر حين نقلعها من أماكنها وتسير فى الجو على هيآتها او تسير اجزاؤها بعد از نجعلها هباء منبثا والمراد بتذكيره تحذير المشركين مما فيه من الدواهي وَتَرَى يا محمد او يأكل من يصلح للرؤية الْأَرْضَ جميع جوانبها بارِزَةً ظاهرة ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا نبات وَحَشَرْناهُمْ جمعنا اهل الايمان والكفر الى الموقف من جانب فَلَمْ نُغادِرْ لم نترك مِنْهُمْ أَحَداً تحت الأرض يقال غادره واغدره إذا تركه ومنه الغدر الذي هو ترك الوفاء والغدير ما غاره السيل وتركه فى الأرض الغائرة عُرِضُوا
اى الخلائق يوم القيامة يعنى المحشورين لى رَبِّكَ
على حكمه وحسابه فًّا
مفرد منزل منزلة الجمع كقوله تعالى ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا اى أطفالا والمعنى صفوفا يقف بعضهم وراء بعض غير متفرقين ولا مختلطين شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ليحكم فيهم بما أراد لا ليعرفهم قَدْ جِئْتُمُونا
اى فيقال لهم ثمة لقد جئتمونا كائنين ما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
حفاة عراة لا شىء من المال والولد وعن عائشة رضى الله عنها قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة قال (عراة حفاة) قلت والنساء قال (نعم) قلت يا رسول الله نستحيى قال (يا عائشة الأمر أشد من ذلك لن يهمهم ان ينظر بعضهم الى بعض) وفى التأويلات عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
اى صفا صفا من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين والمنافقين ويقال لهم قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
فى
стр. 2214
خمسة صفوف صف من الأنبياء وصف من الأولياء وصف من المؤمنين وصف من الكافرين وصف من المنافقين لْ زَعَمْتُمْ
ايها الكافرون المنكرون للبعث والزعم الادعاء بالكذب ان مخففة من الثقيلةلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
بل للخروج والانتقال من قصة الى اخرى كلاهما للتوبيخ والتقريع اى زعمتم فى الدنيا انه لن نجعل لكم ابدا وقتا ننجز فيه ما وعدناه على ألسنة الأنبياء من البعث وما يتبعه والآية تشير الى عزته تعالى وعظمته واظهار شظية من صفة جلاله وقهره وآثار عدله لينتبه النائمون من نوم غفلتهم ويتأهب الغافلون بأسباب النجاة لذلك اليوم ويصلحوا امر سريرتهم وعلانيتهم لخطاب الحق تعالى وجوابه إذ اليه المرجع والمآب والعرض على الله هو العرض الأكبر ليس كعرض على الملوك قال عتبة الخواص بات عندى عتبة الغلام فبكى حتى غشى عليه فقلت ما يبكيك قل ذكر العرض على الله قطع او صل المحبين- حكى- ان سليمان بن عبد الملك وهو سابع خلفاء المروانية قال لابى حازم مالنا نكره الآخرة قال لانكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون الانتقال من العمران الى الخراب فقال صدقت يا أبا حازم فيا ليت شعرى مالنا عند الله تعالى غدا قال ان شئت تعلم ذلك ففى كتاب الله فقال اين أجده فقال فى قوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قال فكيف يكون العرض على الله تعالى فقال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله مسرورا واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه محسورا فبكى سليمان بكاء شديدا: قال الشيخ سعدى قدس سره
نريزد خدا آب روى كسى ... كه ريزد كناه آب چشمش بسى
كر آيينه از آه كردد سياه ... شود روشن آيينه دل زآه
بترس از كناهان خويش اين نفس ... كه روز قيامت نترسى ز كس
پليدى كند كربه در جاى پاك ... چوزشتش نمايد بپوشد بخاك
تو آزادى از ناپسنديدها ... نترسى كه بر وى فتد ديدها
بر انديش از بنده پر كناه ... كه از خواجه غائب شود چند كاه
اگر باز كردد بصدق ونياز ... بزنجير وبندش نيارند باز
- روى- عن الفضيل بن عياض ﵀ انه قال انى لا أغبط ملكا مقربا ولانبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاينون القيامة وأهوالها وانما أغبط من لم يخلق لانه لا يرى احوال القيامة وشدائدها وذلك لان من عاين الأمر على ما هو عليه اشتد خوفه ولم ير لنفسه حالا ولا مقاما مع ان المرأ لا يخلو عن اسباب منجية ومهلكة فأى الرجال المهذب- روى- ان عمر رضى الله عنه رؤى بعد موته بثنتى عشرة سنة وهو يمسح جبينه ويقول كنت فى الحساب الى الآن وقد نوقشت فى جدى سقط من جسر مكسور فانكسرت رجله على انى لم أجرم له ولم أصلح الجسر حتى سقط الجدى ولكن غفر الله لى وعفا عنى بسبب عصفور اشتريته من صبى فارسله وَوُضِعَ الْكِتابُ عطف على عرضوا داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد تذكيرها بتذكير وقتها وضع صحف الأعمال فى ايمان أصحابها وشمائلها او فى الميزان فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ قاطبة مُشْفِقِينَ خائفين
стр. 2215
مِمَّا فِيهِ من الذنوب ومن ظهورها لاهل الموقف
شد سيه چون نامهاى تعزيه ... بر معاصى متن نامه حاشيه
جمله فسق ومعصيت بد يكسرى ... همچودار الحرب پر از كافرى
آنچنان نامه پليد و پر وبال ... در يمين نايد در آمد در شمال
خود همينجا نامه خود را ببين ... دست چب را شايد آن در يمين
چون نباشى راست مى دان كه چبى ... هست پيدا نعره شير وكبى
كر چپى با حضرت او راست باش ... تا ببينى دست برد لطفهاش
وَيَقُولُونَ عند وقوفهم على تضاعيفه نقيرا وقطميرا تعجبا من شأنه يا وَيْلَتَنا منادين لهلكتهم التي هلكوا بها من بين الهلكات مستدعين لها ليهلكوا ولا يروا هول ما لا قوه فان الويل والويلة الهلكة اى يا هلكتنا احضرى وتعالى فهذا أوانك مالِ هذَا الْكِتابِ قال البقاعي رسم لام الجر وحده اشارة الى انهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكلمة اى أىّ شىء له حال كونه لا يُغادِرُ لا يترك صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من الزلل تصدر عن جانيها إِلَّا أَحْصاها حواها وضبطها وعن ابن عباس رضى الله عنهما الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة وعن سعيد بن جبير الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا وفى التأويلات النجمية الصغيرة كل تصرف فى شىء بالشهوة النفسانية وان كان من المناجاة والكبيرة التصرف فى الدنيا على حبها وان كان من حلالها لان حب الدنيا رأس كل خطيئة انتهى وفى الحديث (إياكم ومحقرات الذنوب فان محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى طبخوا اخبزتهم) وفى الحديث (إياكم ومحقرات الذنوب فانها تجيئ يوم القيامة كامثال الجبال وكفارتها الصدقة) وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا فى الدنيا من السيئات او جزاء ما عملوا حاضِراً مثبتا فى كتابهم وفى التأويلات لانهم كتبوا صالح أعمالهم بقلم أفعالهم فى صحائف قلوبهم وسوء أعمالهم فى صحائف نفوسهم وقد يوجد عكس ما فى هذه الصحائف على صفحات الأرواح نورانيا او ظلمانيا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً فيكتب ما لم يعمل من السيئات او يزيد فى عقابه الملائم لعمله فيكون إظهارا لمعدلة القلم الأزلي وفى التأويلات فان كان النور غالبا على صفحة روحه فهو من اهل الجنة وان كانت الظلمة غالبة عليها فهو هالك ومن لا يشوب نوره بالظلمة فهو من اهل الدرجات والقربات ومن أدركته الجذبات وبدلت سيآته بالحسنات واخرج الى النور الحقيقي من الظلمات فهو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر انتهى فعليك بالحسنات والكف عن السيئات فان كل أحد يجد ثمرة شجرة اعماله عن عائشة رضى الله عنها انها كانت جالسة ذات يوم إذ جاءت امرأة قد سترت يدها فى كمها فقالت عائشة مالك لا تخرجين يدك من كمك قالت لا تسألينى يا أم المؤمنين انه كان لى أبوان وكان ابى يحب الصدقة واما أمي فكانت تبغض الصدقة فلم ارها تصدقت بشئ إلا قطعة شحم وثوبا خلقا فلما ماتا رأيت فى المنام قد قامت القيامة ورأيت أمي قائمة بين الخلق واضعة الخلقان على عورتها ورأيت الشحم بيدها وهى تلحسه وتنادى واعطشاه
стр. 2216
ورأيت ابى على شفير الحوض وهو يسقى الماء ولم يكن عند ابى صدقة أحب اليه من سقى الماء فأخذت قدحا من ماء فسقيت أمي فنوديت من فوق ألا من سقاها شلت يده فاستيقظت وقد شلت يدى: قال الحافظ قدس سره
دهقان سال خورده چهـ خوش گفت با پسر ... اى نور چشم من بجز از كشته ندروى
قال الشيخ سعدى قدس سره
كنون وقت تخمست اگر پرورى ... گر اميدوارى كه خرمن برى
بشهر قيامت مرو تنگدست ... كه وجهى ندارد بغفلت نشست
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اى اذكر وقت قولنا لهم اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وكان ذلك مشروعا فى الأمم السالفة ثم نسخ بالسلام فَسَجَدُوا جميعا غير الأرواح العالية امتثالا للامر وانما لم يسجد الملائكة العالون لانهم لم يؤمروا بالسجود وقد سبق فى سورة الحجر إِلَّا إِبْلِيسَ فانه لم يسجد بل ابى واستكبر وكأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل كانَ مِنَ الْجِنِّ اى كان أصله جنيا خلق من نار السموم ولم يكن من الملائكة وانما صح الاستثناء المتصل لانه امر بالسجود معهم فغلبوا عليه فى قوله فَسَجَدُوا ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا كقولك خرجوا الا فلانة لامرأة بين الرجال قال فى كتاب التكملة قيل ان المراد بقوله كانَ مِنَ الْجِنِّ اى كان أول الجن لان الجن منه كما ان آدم من الانس لانه أول الانس وقيل انه كان بقايا قوم يقال لهم الجن كان الله تعالى قد خلقهم فى الأرض قبل آدم فسفكوا الدماء وقاتلتهم الملائكة وقيل انه كان من قوم خلقهم الله وقال لهم اسجدوا لآدم فابوا فبعث الله عليهم نارا أحرقتهم ثم خلق هؤلاء بعد ذلك فقال لهم اسجدوا لآدم ففعلوا وابى إبليس لانه كان من بقية أولئك الخلق قال البغوي كان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل إبليس لانه ابلس من الرحمة اى يئس والعياذ بالله تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ اى خرج عن طاعته فالامر على حقيقته جعل عدم امتثاله للامر خروجا عنه ويجوز ان يكون المراد المأمور به وهو السجود والفاء للسببية لا للعطف اى كونه من الجن سبب فسقه ولو كان ملكا لم يفسق عن امر ربه لان الملك معصوم دون الجن والانس قال فى التأويلات النجمية فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وخلع قلادة التقليد عن عنقه ليعلم ان الأصيل لا يخطئ وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان كما ان البعرة تشابه المسك وتعارضه فى الصورة فلما امتحنا بالنار تبين المقبول من المردود والمبغوض من المودود: وقال الحافظ قدس سره
خوش بود اگر محك تجربه آمد بميان ... تا سيه روى شود هر كه دروغش باشد
أَفَتَتَّخِذُونَهُ الهمزة للانكار والتعجب والفاء للتعقيب اى عقيب علمكم يا بنى آدم بصدور الفسق عن إبليس تتخذونه وَذُرِّيَّتَهُ اى أولاده واتباعه جعلوا ذريته مجازا قال الكاشفى [كويند بمعنى اتباع وتسميه ايشان بذريت از قبيل مجاز بود واكثر برانند
стр. 2217
كه او ز ذريت نيست] قال فى القاموس ذرأ كجعل خلق والشيء كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين انتهى وسيأتى الكلام على هذا أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتى اى ذلك الاتخاذ منكر غاية الإنكار حقيق بان يتعجب منه ومعنى الاستبدال منهم من قوله من دونه فان معناه مجاوزين عنى إليهم وهو عين الاستبدال وَهُمْ اى والحال ان إبليس وذريته لَكُمْ عَدُوٌّ اى اعداء فحقهم ان تعادوهم لا ان توالوهم شبه بالمصادر للموازنة كالقبول بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا من الله إبليس وذريته تمييز ما أَشْهَدْتُهُمْ اشارة الى غناه تعالى عن خلقه ونفى مشاركتهم فى الالوهية اى ما أحضرت إبليس وذريته خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاعتضد بهم فى خلقهما وأشاورهم فى تدبير أمرهما حيث خلقتهما قبل خلقهم وفيه رد لمن يدعى ان الجن يعلمون الغيب لانهم لم يحضروا خلق السموات والأرض حتى يطلعوا على مغيباتهما وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ولا أشهدت بعضهم خلق بعضهم كقوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ اى الشياطين الذين يضلون الناس عن الدين والأصل متخذهم فوضع المظهر موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالإضلال عَضُداً أعوانا فى شأن الخلق وفى شأن من شؤونى حتى يتوهم شركتهم فى التولي بناء على الشركة فى بعض احكام الربوبية قال فى القاموس العضد الناصر والمعين وهم عضدى وأعضادي انتهى اعلم ان الله تعالى منفرد فى الالوهية والكل مخلوق له وقد خلق الملائكة والجن والانس فباين بينهم فى الصورة والاشكال والأحوال قال سعيد بن المسيب الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون والجن يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون والشياطين ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون فى الدنيا كما خلد فيها إبليس وإبليس هو ابو الجن وقيل انه يدخل ذنبه فى دبره فيبيض بيضة فتفلق البيضة عن جماعة من الشياطين قال الامام السهيلي فى كتاب التعريف والاعلام سمى من ولد إبليس فى الحديث الاقبص دهامة بن الاقبص وسمى منهم بلزون وهو الموكل بالأسواق وأمهم طرطبة ويقال بل هى حاضنتهم ذكره النقاش باضت ثلاثين بيضة عشرا فى المشرق وعشرا فى المغرب وعشرا فى وسط الأرض وانه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان واسماؤهم مختلفة وكلهم عدو لنبى آدم بنص هذه الآية الا من آمن منهم انتهى قال الكاشفى [در تبيان آورده كه چون حق إبليس را برانداز پهلوى چپ او زوجه او را كه آوه نام دارد بيافريد واو را بشمار ريكهاى بيابان فرزندانند واز أولاد او يكى مره است كنيت بدو يافته است وديگر القيس موسوس صلوات و «ولهان» بالتحريك موسوس طهارتست يعنى «الولهان شيطان يولع الناس بكثرة استعمال الماء ويضحكهم عند الوضوء» وامام احمد غزالى ﵀ در أربعين آورده كه شيطان را چند فرزند است وباتفاق زلنبور از أولاد او صاحب اسواقست كه بدروغ وكم فروشى وخيانت وسوسه ميكند وأعول صاحب أبواب زنانست يعنى «صاحب الزنى الذي يأمر به ويزينه» وثبر صاحب مصائب كه بثبور ونوحه وشق جيوب ولطم خدود ودعوى الجاهلية ميفرمايد وميسوط صاحب اراجيفست
стр. 2218
يعنى «صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبر بالخبر فيذهب الرجل الى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا اعرف وجهه ما أدرى ما اسمه حدثنى بكذا وكذا» واسم با خورنده طعام كه بسم الله نكفته باشد شركت ميكند] وفى آكام المرجان داسم هو الذي يدخل مع الرجل واهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم [ومدهيش موكل علما است كه ايشانرا بر اهواء مختلفه ميدارد] ثم فى الآيتين إشارات منها ما يتعلق بالله تعالى أراد ان يظهر صفة لطفه وصفة قهره وكمال قدرته وحكمته فاظهر صفة لطفه بآدم إذ خلقه من صلصال من حمأ مسنون وامر ملائكته الذين خلقوا من النور بسجوده من كمال لطفه وجوده واظهر صفة قهره بإبليس إذ امره بسجوده لآدم بعد ان كان رئيس الملائكة ومقدمهم ومعلمهم وأشدهم اجتهادا فى العبادة حتى لم يبق فى سبع السموات ولا فى سبع الأرضين موضع شبر الا وقد سجد لله تعالى عليه سجدة حتى امتلأ من العجب بنفسه حتى لم ير أحدا
فابى ان يسجد لآدم استكبارا وقال انا خير منه فلعنه الله وطرده إظهارا للقهر واظهر كمال قدرته وحكمته بان بلغ من غاية القدرة والحكمة من خلق من قبضة تراب ظلمانى كثيف سفلى الى مرتبة يسجد له جميع الملائكة المقربين الذين خلقوا من نور علوى لطيف روحانى ومنها ما يتعلق بآدم ﵇ وهو انه تعالى لما أراد ان يجعله خليفة فى الأرض أودع فى طينته عند تخميرها بيده أربعين صباحا سر الخلافة وهو استعداد قبول الفيض الإلهي بلا واسطة وقد اختصه الله وذريته بهذه الكرامة بقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ من بين سائر المخلوقات كما اخبر ﵇ عن كشف قناع هذا السر بقوله (ان الله خلق آدم فتجلى فيه) ولهذه الكرامة صار مسجودا للملائكة المقربين:
قال الحافظ قدس سره
فرشته عشق نداند كه چيست قصه مخوان ... بخواه جام وگلابى بخاك آدم ريز
ومنها ما يتعلق بالملائكة وهو انهم لما خلقوا من النور الروحاني العلوي كان من طبعهم الانقياد لا وامر الله تعالى والطاعة والعبودية فلما أمروا بسجود آدم وامتحنوا به وذلك غاية الامتحان لان السجود أعلى مراتب العبودية والتواضع لله فاذا امتحن أحد ان يسجد لغير الله فذلك غاية الامتحان للامتثال فلم يتلعثموا فى ذلك وسجدوا لآدم بالطوع والرغبة من غير كره واباء امتثالا وانقيادا لا وامر الله كما قال لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ومنها ما يتعلق بإبليس وهو انه لما خلق للضلالة والغواية والإضلال والإغواء خلق من النار وطبعها الاستعلاء والاستكبار وان نظمه الله فى سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بأفعالهم تقليدا لا تحقيقا حتى عد من جملتهم وذكر فى زمرتهم بل زاد عليهم فى الاجتهاد والاعتياد بالاعتقاد فاتخذوه رئيسا ومعلما لما رأوا منه اشتداده فى الاجتهاد بالاراءة دون الارادة فلما امتحن بسجود آدم فى جملة الملائكة هبت نكباء النكبة وانخلع عنه كسوة اهل الرغبة والرهبة ليميز الله الخبيث من الطيب فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد الميشوم الى طبعه وقد تبين الرشد من غيه فسجد الملائكة وابى إبليس واستكبر من غيه وظهر انه كان من الجن وانه طبع كافرا: قال الحافظ قدس سره
زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار ... كه ره از صومه تا دير مغان اين همه نيست
стр. 2219
ومنها ان فى أولاد آدم من هو فى صورة آدم لكنه فى صفة إبليس وانهم شياطين الانس واماراتهم انهم يتخذون إبليس وذريته اولياء من دون الله فيطيعون الشيطان ولا يطيعون الرحمن ويتبعون ذرية الشيطان ولا يتبعون ذرية آدم من الأنبياء والأولياء ولا يفرقون بين الأولياء والأعداء فبجهلهم يظلمون على أنفسهم ويبدلون الله وهو وليهم بالشياطين وهم لهم عدو واولياء الله تعالى هم الذين لا يبدلون الله تعالى بما سواه ويتخذون ما سواه عدوا كما قال ابراهيم خليل الله فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ لانه رأى صحة الخلة مع الله فى صحة العداوة مع ما سواه ومنها ان اخباره تعالى بانه ما اشهد الشياطين خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم دليل على انه يشهد بعض أوليائه على ما لم يشهد أعداءه فيبصر بنوره الأزلي ابتداء تعلق قدرته ببعض الأشياء المعدومة وكيفية إخراجها من العدم الى الوجود واما قول اهل النظر لا يبحث عن كيفية وجود الباري تعالى وكيفية تعلق القدرة بالمعدومات وكيفية العذاب بعد الموت ونحو ذلك فلا ينافيه إذ المستبعد عند العقل الجزئى مستقرب عند الكشف الكلى وكلامنا مع اهل الكشف لا مع غيره: قال الصائب
سخن عشق با خرد گفتن ... بررك مرده نيشتر زدنست
وفى المثنوى
اى كه برد عقلى هديه با اله ... عقل اينجا كمترست از خاك راه
وَيَوْمَ يَقُولُ اى يوم يقول الله للكفار توبيخا وتعجيزا وهو يوم القيامة وقال بعضهم يقول على ألسنة الملائكة يقول الفقير الأظهر هو الاول لانه قد ثبت ان الله تعالى يتجلى يوم القيامة للخلق مسلمهم وكافرهم بصورشتى حتى يرونه بحسب ما اعتقدوه فى هذه الدار فلا يبعد كلامه معهم ايضا لانه كلام بالعيب والتوبيخ لا بالرضى والتشريف كما كلم إبليس بعد اللعن والطرد على ما سبق فى سورة الحجر ونحوها نادُوا شُرَكائِيَ أضافهم اليه على زعمهم تهكما بهم وتقريعا لهم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ادعيتم انهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم والمراد بهم كل من عبد من دونه تعالى فَدَعَوْهُمْ اى نادوهم للاعانة ذكر كيفية دعوتهم فى آية اخرى قالوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ فلم يغيثوهم اى لم يدفعوا عنهم ضرا ولا أوصلوا إليهم نفعا إذ لا إمكان لذلك فهو لا ينافى اجابتهم صورة ولفظا كما قال حكاية عن الأصنام انها تقول ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وفيه اشارة الى ان امتثال او امره ونواهيه ينفع العبد إذا كان فى الدنيا قبل موته وبثمره فى الآخرة فاما إذا كان فى الآخرة فلا ينفعه الايمان والأعمال فان قوله نادُوا شُرَكائِيَ امر من الله تعالى وقد امتثلوا امره بقوله فَدَعَوْهُمْ فلم ينفعهم الامتثال لان الشركاء فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين الداعين والمدعوين مَوْبِقاً اسم مكان او مصدر من وبق وبوقا كوثب وثوبا او وبق وبقا كفرح فرحا إذ أهلك مهلكا يشتركون فيه وهو النار او عداوة هى فى الشدة نفس الهلاك وقال الفراء وَجَعَلْنا تواصلكم فى الدنيا هلاكا فى الآخرة فالبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ على قراءة من قرأ بالرفع ومفعول
стр. 2220
أول لجعلنا وعلى الوجه الاول مفعول ثان قال فى القاموس الموبق كمجلس المهلك وواد فى جهنم وكل شىء حال بين الشيئين انتهى فالمعنى على الثاني بالفارسية [وادي از واديهاى دوزخ پيدا كنم ميان ايشان كه مهلكه عظيم باشد وهمه ايشانرا در ان معذب سازيم] يقول الفقير الظاهر ان المعنى على الثالث اى جعلنا بينهم برزخا يفصل أحدهما عن الآخر فلا يشفع مثل الملائكة وعيسى وعزير وتبرأ غيرهم وهو لا ينافى الاجتماع والاشتراك فى النار بمن قضى له الدخول كما لا يخفى وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ حين أمروا بالسوق إليها قال الكاشفى [وبه بيند مشركان آتش دوزخ را از چهل ساله را] فَظَنُّوا فايقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها مخالطوها واقعون فيها فان المخالطة إذا قويت سميت مواقعة قال الامام والأقرب انهم يرون النار من بعيد فيظنون انهم مواقعوها مع الرؤية من غير مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كقوله تعالى إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً والمكان البعيد مسيرة خمسمائة سنة وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً انصرافا او مكانا ينصرفون اليه قال الكاشفى [مصرفا مكانى باز كردند بد آن يا كريز كاهى] لانها أحاطت بهم من كل جانب وَلَقَدْ صَرَّفْنا اى اقسم قسما لقد كررنا وادرنا على وجوه كثيرة من النظم فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ لمصلحتهم ومنفعتهم مِنْ كُلِّ مَثَلٍ كمثل الرجلين المذكورين ومثل الحياة الدنيا ليتذكروا ويتعظوا او من كل معنى داع الى الايمان هو كالمثل فى غرابته وحسنه قال الكاشفى [از هر مثل بر ان محتاجند از قصص گذشته كه سبب عبرت كردد ودلائل قدرت كامله كه موجب ازدياد بصيرت شود]
حق تعالى بمحض فضل عميم ... در كتاب كريم وحكم قديم
آنچهـ مر جمله را بكار آيد ... گفته است آنچنانكه مى آيد
وَكانَ الْإِنْسانُ جنس الإنسان بحسب جبلته أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا جدلا تمييز اى اكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل كالجن والملك اى جدله اكثر من جدل كل مجادل وهو هاهنا شدة الخصومة بالباطل لاقتضاء خصوصية المقام والا فالجدل لا يلزم ان يكون بالباطل قال تعالى وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وهو من الجدل الذي هو الفتل والمجادلة الملاواة لان كلا من المجادلين يلتوى على صاحبه وفى الحديث (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أولوا الجدل) رواه ابو امامة كما فى تفسير ابى الليث قال فى التأويلات النجمية من طبيعة الإنسان المجادلة والمخاصمة وبها يقطعون الطريق على أنفسهم. فتارة مع الأنبياء يجادلون لا يقبلون بالنبوة والرسالة حتى يقاتلونهم. وتارة يجادلون فى الكتب المنزلة ويقولون ما انزل الله على بشر من شىء. وتارة يجادلون فى محاكمتها وتارة يجادلون فى متشابهاتها. وتارة يجادلون فى ناسخها ومنسوخها. وتارة يجادلون فى تفسيرها وتأويلها. وتارة يجادلون فى اسباب نزولها. وتارة يجادلون فى قراءتها. وتارة يجادلون فى قدمها وحدوثها على هذا حتى لم يفرغوا من المجادلة الى المجاهدة ومن المخاصمة الى المعاملة ومن المنازعة الى المطاوعة ومن المناظرة الى المواصلة فلهذا قال تعالى وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ومن هذا عالجهم بقوله قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ الآية ومن كلمات مولانا قدس سره
стр. 2221
ما را چهـ از ين قصه كه كاو آمد وخر رفت ... اين وقت عزيزست ازين عربده باز آي
فعلى العاقل ان يشتغل بنفسه ويترك المراء والجدل فان مرجعه هو النقيض والتمزيق للغير وهو من مقتضى السبعية وفى الحديث (لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وان كان محقا) فاذا لزم ترك الجدال وهو محق فكيف وهو مبطل أعاذنا الله تعالى وإياكم منه بفضله وجعلنا من المتكلمين بالخير والمعرضين عن لغو الغير قال تعالى وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً الآية وقال وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَما مَنَعَ النَّاسَ اى لم يمنع اهل مكة من أَنْ يُؤْمِنُوا بالله تعالى ويترك الشرك الذي هم عليه إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وهو الرسول الكريم الداعي والقرآن العظيم الهادي وَمن ان يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ من انواع الذنوب إِلَّا انتظار أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ اى سنة الله وعادته فى الأمم الماضية وهو الاستئصال لما كان تعنتهم مفضيا اليه جعلوا كأنهم منتظرون له أَوْ انتظار ان يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ عذاب الآخرة حال كونه قُبُلًا أنواعا جمع قبيل او عيانا لهم اى معاينا. وبالفارسية [روى با روى] قال فى الجلالين يعنى القتل يوم بدر وقال فى الاسئلة المقحمة كيف وعدهم فى هذه الآية بإحدى العقوبتين ان لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بمن لم يؤمنوا منهم الجواب انما وعدهم بذلك ان تركوا الايمان كلهم فقد آمن أكثرهم يوم فتح مكة وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ الى الأمم ملتبسين بحال من الأحوال إِلَّا مُبَشِّرِينَ للمؤمنين والمطيعين بالثواب والدرجات وَمُنْذِرِينَ للكافرين والعاصين بالعقاب والدركات فان طريق الوصول الى الاول والحذر عن الثاني مما لا يستقل به العقل فكان من لطف الله ورحمته ان أرسل الرسل لبيان ذلك يقول الفقير اشارة الى ان العلماء الذين هم بمنزلة أنبياء بنى إسرائيل رحمة الله من الله تعالى ايضا إذ ببيانهم يضمحل ظلم الشبه وينحل عقد الشكوك وبإرشادهم يحصل كمال الاهتداء ويتم امر السلوك وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى يجادلون الرسل المبشرين والمنذرين بِالْباطِلِ [به بيهوده] حيث يقولون ما أنتم الا بشر مثلنا ولو شاء الله لانزل ملائكة ويقترحون آيات بعد ظهور المعجزات تعنتا لِيُدْحِضُوا ليزيلوا بِهِ بالجدال الْحَقَّ الذي مع الرسل عن مقره ومركزه ويبطلوه من ادحاض القدم وهو ازلاقها عن موطنها والدحض الزلق ومن بلاغات الزمخشري حجج الموحدين لا تدحض بشبه المشبه كيف يضع ما رفع ابراهم أبرهة: وفى المثنوى
هر كه بر شمع خدا آرد پفو ... شمع كى ميرد بسوزد پوز او
وَاتَّخَذُوا آياتِي الدالة على الوحدة والقدرة ونحوهما وَما أُنْذِرُوا خوفوابه من العذاب هُزُواً سخرية يعنى موضع استهزاء فيكون من باب الوصف بالمصدر مبالغة وَمَنْ أَظْلَمُ استفهام على سبيل التوبيخ اى من أشد ظلما مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ اى وعظ بالقرآن الكريم فَأَعْرَضَ عَنْها لم يتدبرها ولم يتفكرها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي ولم يتفكر فى عاقبتها ولم ينظر فى ان المسيئ والمحسن لا بد لهما من جزاء ولما كان الإنسان يباشر اكثر اعماله بيديه غلب الأعمال باليدين على الأعمال التي تباشر
стр. 2222
بغيرهما حتى قيل فى عمل القلب هو مما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك قال بعضهم أحق الناس تسمية بالظلم من يرى الآيات فلا يعتبر بها ويرى طريق الخير فيعرض عنها ويرى مواقع الشر فيتبعها ولا يجتنب عنها إِنَّا جَعَلْنا أعمالهم كما فى تفسير الشيخ عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً اغطية جمع كنان وهو تعليل لاعراضهم ونسيانهم بانهم مطبوع على قلوبهم أَنْ يَفْقَهُوهُ كراهة ان يقفوا على كنه الآيات وتوحيد الضمير باعتبار القرآن وَجعلنا فِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا وصمما يمنعهم عن استماعه وفيه اشارة الى ان اهل اللغو والهذيان لا يصيخون الى القرآن: قال الكمال الخجندي قدس سره
دل از شنيدن قرآن بكير در همه وقت ... چوباطلان زكلام حقت ملولى چيست
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى اى الى طريق الفلاح وهو دين الإسلام فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً اى فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف كلها لانه محال منهم قال الكاشفى [مراد جمعى اند از كفار مكه كه علم حق بعدم ايمان ايشان متعلق بود] وان جواب عن سئوال النبي ﷺ وجزاء للشرط اما كونه جوابا فلان قوله إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً فى معنى لا تدعهم الى الهدى ثم نزل حرصه ﵇ على إسلامهم منزلة قوله مالى لا ادعوهم فاجيب بقوله وَإِنْ تَدْعُهُمْ الآية واما كونه جزاء فلانه على انتفاء الاهتداء لدعوة الرسول على معنى انهم جعلوا ما هو سبب لوجود الاهتداء سببا لانتفائه بالاعراض عن دعوته وَرَبُّكَ مبتدأ خبره قوله الْغَفُورُ البليغ فى المغفرة وهى صيانة العبد عما استحقه من العقاب للتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو إلباس الشيء ما يصونه من الدنس ذُو الرَّحْمَةِ الموصوف بالرحمة وهى الانعام على الخلق خبر بعد خبر وإيراد المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب وان المغفرة ترك المضار وهو سبحانه قادر على ترك ما لا يتناهى من العذاب واما الرحمة فهى فعل وإيجاد ولا يدخل تحت الوجود الا ما يتناهى وتقديم الوصف الاول لان التخلية قبل التحلية لَوْ يُؤاخِذُهُمْ لو يريد مؤاخذتهم بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ فى الدنيا من غير امهال لاستيجاب أعمالهم لذلك ولكنه لم يعجل ولم يؤاخذ بغتة بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ بالفارسية [زمان وعد] فهو اسم زمان والمراد يوم بدر او يوم القيامة فيعذبون فيه ولَنْ يَجِدُوا البتة حين مجيئ الموعد مِنْ دُونِهِ من غيره تعالى مَوْئِلًا منجى وملجأ يقال وأل اى نجا ووأل اليه اى لجأ اليه وقيل من دون العذاب قال سعدى المفتى هو اولى وفيه دلالة على ابلغ وجه على ان لا ملجأ لهم ولا منجى فان من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة انتهى ويجوز ان يكون المعنى لن يجدوا عند حلول الموعد موئلا بالفارسية [پناهى وكريز كاهى] وهو اللائح والله اعلم وَتِلْكَ الْقُرى اى قرى عاد وثمود واضرابهما وهى مبتدأ على تقدير المضاف اى واهل تلك القرى خبره قوله تعالى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا اى وقت ظلمهم مثل ظلم اهل مكة بالتكذيب والجدال وانواع المعاصي ولما اما حرف كما قال ابن عصفور واما ظرف استعمل للتعليل وليس المراد به الوقت المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمان من ابتداء الظلم
стр. 2223
الى آخرء وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ اى عينا لهلاكهم لان المهلك بفتح اللام وكسرها الهلاك مَوْعِداً ممتدا لا يتأخرون عنه [پس چرا قريش عبرت نكيرند واز شرك ونافرمانى دست باز نمى دارند «السعيد من وعظ بغيره» ورشيد الدين وطواط در ترجمه اين كلام سعادت فرموده
نيكبخت آن كسى بود كه دلش ... آنچهـ نيكو تراست بپذيرد
ديگران را چو پند داده شود ... او از ان پند بهره بر كيرد
وفى الآيات إشارات منها ان اسباب الهداية وان اجتمعت بالكلية لا يهتدى بها الناس ولا يؤمنون الا بجذبات العنايات كما قال ﵇ (لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) قال المولى الجامى
سالكان بي كشش دوست بجايى نرسند ... سالها كر چهـ درين راه تك و پوى كنند
فالا هتداء بهداية الله تعالى وبالسيف كما قال ﵇ (أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله) وكما قال (انا نبى السيف ونبى الملحمة) ومنها ان اهل الباطل يرون الحق باطلا والباطل حقا وذلك من عمى قلوبهم وسخافة عقولهم فيجادلون الأنبياء والأولياء جهلا منهم وضلالة ويسعون فى ابطال الحق واما اهل الحق فينقادون للانبياء والأولياء ويستسلمون لهم من غير عناد وجدال وذلك لانهم ينظرون بنور الله فيرون الحق حقا ويتبعونه ويرون الباطل باطلا ويجتنبونه لا جرم انهم يتخذون آيات الله جدا لا هزؤا فيأتمرون بما أمروا به وينتهون عمانهوا عنه ومنها ان رحمة الله تعالى فى الدنيا تعم المؤمن والكافر لانه لا يؤاخذهم بما كسبوا فى الدنيا بقطع الرزق ونحوه وتخص يوم القيامة بالمؤمن والعذاب يخص الكافر ققوله تعالى وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا اى انما أهلكنا اهل تلك القرى بعد ان كان من سنتنا ان تعم رحمتنا المؤمن والكافر فى الدنيا لانهم ضموا مع كفرهم الظالم ومن سنتنا ان لا نمهل الظالم ولا نهمله كما قال ﵇ (الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم) وقال تعالى وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً وذلك لان همم المظلومين المظطرين مؤثرة ودعاؤهم مستجاب قال ﵇ (اتقوا دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ومن هذا المقام يعرف سر قوله ﵇ (ولدت فى زمن الملك العادل) فان اطلاق العادل على انوشروان بالنسبة الى انتفاء الظلم الآفاقى عنه وقد كان فى نفسه مجوسيا والشرك ظلم عظيم: قال الشيخ سعدى
مهازورمندى مكن بر كهان ... كه بر يك نمط مى نماند جهان
پريشانىء خاطر داد خواه ... بر اندازد از مملكت ياد شاه
خنك روز محشر تن دادكر ... كه در سايه عرش دارد مقر
وَإِذْ قالَ مُوسى - روى- ان موسى ﵇ لما ظهر على مصر مع بنى إسرائيل بعد هلاك القبط امره الله ان يذكر قومه انعام الله عليهم فخطب خطبة بليغة رقت بها القلوب وذرقت العيون فقال واحد من علماء بنى إسرائيل يا موسى من اعلم قال انا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم اليه تعالى فاوحى اليه بل اعلم منك عبدلى عند مجمع البحرين وهو الخضر وكان فى ايام
стр. 2224
أفريدون الملك العادل العاقل قبل موسى وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر وبقي الى ايام موسى وهو قد بعث فى ايام كشتاسف بن لهراسب كما قاله ابن الأثير فى تاريخه فقال يا رب اين اطلبه وكيف يتيسرلى الظفر به والاجتماع معه قال اطلبه على ساحل البحر عند الصخرة وخذ حوتا مملوحا فى مكتل يكون زادا لك فحيث فقدته اى غاب عنك فهو هناك فاخذ حوتا فجعله فى مكتل فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فاخبرنى والمعنى اذكر وقت قول موسى بن عمران لما فيه من العبرة وزعم اهل التوراة ان موسى هذا هو موسى بن ميشا بن يوسف النبي ﵇ وانه كان نبيا قبل موسى بن عمران لاستبعادهم ان يكون كليم الله المختص بالمعجزات الباهرة مبعوثا للتعلم والاستفادة ممن هو دونه فلهذا لا يبعد عن العامل الكامل ان يجهل بعض الأشياء فالفاضل قد يكون مفضولا من وجه بل المراد منه صاحب التوراة واطلاق هذا الاسم يدل عليه لانه لو أراد غيره لقيده كما يقال قال ابو حنيفة الدينوري تمييزا عن ابى حنيفة الامام لِفَتاهُ وهو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف وهو ابن اخت موسى وكان من اكبر أصحابه ولم يزل معه الى ان مات وخلفه فى شريعته وكان من أعظم بنى إسرائيل بعد موسى سمى فتاه إذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه ويسمى الخادم والتلميذ فتى وان كان شيخا واليه يشير القول المشهور «تعلم يافتى فالجهل عار» وهو عبد حكمى كما قال شعبة من كتبت عنه اربعة أحاديث فانا عبده الى ان أموت وقيل لعبده وانما قال لفتاه تعليما للادب قال ﵇ (ليقل أحدكم فتاى وفتاتى ولا يقل عبدى وأمتي) قال ابو يوسف من قال انا فتى فلان كان إقرارا منه بالرق يقول الفقير المشهور وهو الوجه الاول وتأبى جلالة هذا السفر الا ان يكون الصاحب من اولى الخطر ونظيره ان نبينا ﷺ لما أراد الهجرة لم يرض برفاقته فى سفره الا الصديق رضى الله عنه لكونه أعز أصحابه وخليفته بعده كما ان يوشع صار خليفة موسى بعده لا أَبْرَحُ من برح الناقص كزال يزال اى لا أزال أسير فحذف الخبر اعتمادا على قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه الى السفر ويدل عليه ايضا ذكر السفر فى قوله لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا فقول سعدى المفتى لا دلالة فى نظم القرآن على هذا ولعله علم من الأثر او من اخبار المؤرخين ذهول عما بعد الآية حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ هو ملتقى بحر فارس والروم مما يلى المشرق وهو المكان الذي وعد الله موسى بلقاء الخضر فيه قال سعدى المفتى بحرا فارس والروم انما يلتقيان فى المحيط على ما سيجئ فى سورة الرحمن اعنى المحيط الغربي فان الالتقاء هناك كما لا يخفى على من يعرف وضع البحار فالمراد بملتقاهما هنا موضع يقرب التقاؤهما فيه مما يلى المشرق ويعطى لما يقرب من الشيء حكم ذلك الشيء ويعبر به عنه انتهى وفيه اشارة الى ان موسى والخضر ﵉ بحران لكثرة علمهما أحدهما وهو موسى بحر الظاهر والباطن والغالب عليه الظاهر اى الشريعة والآخر وهو الخضر بحرهما والغالب عليه الباطن اى الحقيقة إذ تتفاوت الأنبياء عليهم السلا بحسب غلبة الجمال او الجلال على نشأتهم وسيأتى التحقيق ان شاء الله تعالى فملتقاهما إذا المكان الذي يتفق اجتماعهما فيه لا موضع معين أَوْ أَمْضِيَ من مضى فى الأمر بمعنى نفذ وأمضاه انفذه
стр. 2225
حُقُباً هو بضم القاف وسكونه ثمانون سنة. والمعنى أسير زمانا طويلا أتيقن معه فوات المطلب يعنى حتى يقع اما بلوغ المجمع او مضى الحقب وفى بعض التفاسير أسير دهرا طويلا حتى أجد هذا العالم قال الكاشفى [موسى فرمود كه مدام ميروم تا برسم بمنزل او يا ميروم زمان دراز كه هشتاد سال باشد يعنى بهيچ وجهى روى از سفر نمى تابم تا او را بيابم دست از طلب ندارم تا كام من بر آيد وفى المثنوى
كز كران وكر شتابنده بود ... آنكه جوينده است يابنده بود
در طلب زن دائما تو هر دو دست ... كه طلب در راه نيكو رهبرست
قال الامام فى تفسيره هذا اخبار من موسى بانه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم فى السفر لاجل طلب العلم وذلك تنبيه على ان المتعلم لو سار من المشرق الى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك انتهى قال فى روضة الخطيب رجل جاء من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لم يعد أحد كاملا الا بعد رحلته ولا وصل مقصده الا بعد هجرته وقالوا كل من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الاتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو فى هذا الشأن لقيط لا اب له دعى لا نسب له انتهى ومن كلام ابى يزيد البسطامي قدس سره من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان: وفى المثنوى پير را بگزين كه بي پير اين سفر هست بس پر آفت وخوف وخطر چون كرفتى پير هين تسليم شو همچوموسى زير حكم خضر رو «١» قال فى التأويلات النجمية فى الآية إشارات منها ان شرط المسافر ان يطلب الرفيق ثم يأخذ الطريق ومنها ان من شرط الرفيقين ان يكون أحدهما أميرا والثاني مأمورا له ومتابعا ومنها ان يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبر عن مدة مكثه فى سفره ليكون الرفيق واقفا على أحواله فان كان موافقا له يرافقه فى ذلك ومنها ان من شرط الطالب الصادق ان يكون نيته فى طلب شيخ يقتدى به ان لا يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به فان طلب الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة انتهى كلامه قدس سره فَلَمَّا بَلَغا قال الكاشفى [موسى ﵇ فرمود كه اى يوشع تو با من موافقت نماى در طلب اين بنده صالح يوشع فرمود آرى من بتو موافقم ورفاقت تو مغتنم مى شمارم خوشست آوارگى آنرا كه همراهى چنين باشد «٢» پس يوشع ﵇ تهى چندان وماهى برداشته باتفاق موسى روانه شد] والفاء فصيحة اى فذهب موسى ويوشع يمشيان فلما بلغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما بينهما ظرف أضيف له اتساعا فالمعنى مكانا يكاد يلتقى وسط ما امتد من البحرين طولا قال الكاشفى [بمجمع كه ميان دو درياست آنجا بر صحره بر كنار چشمه حيات بود نشستند موسى ﵇ در خواب رفته بود ويوشع دران چشمه وضو ساخت وقطره بر آن ماهى بريان چكيد فى الحال زنده شد روى بدريا نهاد ويوشع متحير شد وموسى از خواب در آمده تفقد حال
стр. 2226
يوشع وماهى ننموده روى براه نهاد واز غايت تعجيل سفر] نَسِيا حُوتَهُما الذي جعل فقدانه امارة وجدان المطلوب اى نسى موسى تذكر الحوت لصاحبه وصاحبه نسى الاخبار بامره فلا يخالفه ما فى حديث الصحيحين من اسناد النسيان الى صاحبه وفى الاسئلة المقحمة كانا جميعا قد زوداه لسفرهما فجاز اضافة ذلك إليهما وان كان الناسي أحدهما وهو يوشع يقال خرج القوم وحملوا معهم الزاد وانما حمله بعضهم فَاتَّخَذَ الحوت ان قلت كيف اتى بالفاء وذهاب الحوت مقدم على النسيان قلت الفاء فصيحة ولا يلزم ان يكون المعطوف عليه الذي يفصح عنه الفاء معطوفا على نسيا بالفاء بل بالواو والتقدير وحيى الحوت فسقط فى البحر فاتخذ سَبِيلَهُ اى طريق الحوت فِي الْبَحْرِ سَرَباً مفعول ثان لاتخذ وفى البحر حال منه اى مسلكا كالسرب وهو بيت فى الأرض وثقب تحتها وهو خلاف النفق لانه إذا لم يكن له منفذ يقال له سرب وإذا كان له منفذ يقال له نفق وذلك ان الله تعالى امسك جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه وهو ما عقد من أعلى البناء وبقي ما تحته خاليا يعنى انه انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم تلتئم هكذا فسر النبي ﷺ هذا المقام كما فى حديث الصحيحين. وبالفارسية [سربا مثل سردابه كه دران توان رفت هر جا كه ماهى بريان ميرفت آب بالاى او مرتفع مى ايستاد در زمين خشك ميكشت] فلا وجه لقول بعض المفسرين كالقاضى ومن يتبعه سربا اى مسلكا يسلك فيه ويذهب من قوله وَسارِبٌ بِالنَّهارِ وهو الذاهب على وجهه فى الأرض فَلَمَّا جاوَزا اى مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة اى انطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان الغد القى على موسى الجوع ليتذكر الحوت ويرجع الى مطلبه فعند ذلك قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ما نتغدى به وهو الحوت كما ينبئ عنه الجواب والغداء بالفتح هو ما يعد للاكل أول النهار والعشاء ما يعد له آخره لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا اى بالله لقد لقينا من هذا السفر الذي سرناه بعد مجاوزة مجمع البحرين نَصَباً تعبا واعياء قال النووي انما لحقه النصب والجوع ليطلب موسى الغداء فيتذكر به يوشع الحوت وفى الحديث (لم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي امره به) وفى الاسئلة المقحمة كيف جاع موسى ونصب فى سفرته هذه وحين خرج الى الميقات ثلاثين يوما لم يجع ولم ينصب قيل لان هذا السفر كان سفر تأديب وطلب علم واحتمال مشقة وذلك السفر كان الى الله تعالى انتهى والجملة فى محل التعليل للامر بايتاء الغداء اما باعتبار النصب انما يعترى بسبب الضعف الناشئ عن الجوع واما باعتبار ما فى أثناء التغدي من استراحة ما كما قال الكاشفى [بيار طعام چاشت ما را تا بخوريم كه كرسنه شديم ودمى بر آساييم چون يوشع سفره پيش آورد وقصه ماهى بيادش آمد] قالَ فتاه أَرَأَيْتَ [خبر دارى] قال ابن ملك هو يجيئ بمعنى أخبرني وهنا بمعنى التعجب ومفعوله محذوف وذلك المحذوف عامل فى قوله إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ يعنى عجبت ما أصابني حين وصلنا الى الصخرة ونزلنا عندها فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ان اذكر لك امره وما شاهدت منه من الأمور العجيبة ثم اعتذر بانساء الشيطان إياه لانه لو ذكر ذلك لموسى ما جاوز ذلك المكان وما ناله النصب فقال
стр. 2227
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ بوسوسته الشاغلة عن ذلك أَنْ أَذْكُرَهُ بدل اشتمال من الضمير اى وما انسانى ان اذكره لك وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سبيلا عَجَباً وهو كون مسلكه كالطاق والسرب فعجبا ثانى مفعولى اتخذ والظرف حال من أولهما او ثانيهما وهو بيان لطرف من امر الحوت منبئ عن طرف آخر وما بينهما اعتراض قدم عليه للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حيى واضطرب ووقع فى البحر واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا يعنى ان قوله وما انسانيه اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه سببه ما يجرى مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان قال الامام فان قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلا على الوصول الى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان فى هذا المعنى أجاب العلماء عنه بان يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرة من موسى كثيرا فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم
فجاز حصول النسيان وعندى فيه جواب آخر وهو ان موسى لما استعظم علم نفسه أزال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيها لموسى على ان العلم لا يحصل الا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب الخاطر انتهى وقال بعضهم لعله نسى ذلك لاستغراقه فى الاستبصار وانجذاب شراشره الى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة وهى حياة السمكة المملوحة المأكول بعضها وقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها فى مثل السرب منه وانما نسبه الى الشيطان هضما لنفسه اى لمقتضى نفسه من الاغترار والافتخار بامثاله وفى الآيات إشارات منها ان الطالب الصادق إذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا وزينتها ومجمع البحرين هو الولاية بين الطالب وبين الشيخ ولم يظفر المريد بصحبة الشيخ ما لم يصل الى مجمع ولايته فانهم جدا وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية فباول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيى ويتخذ سبيله فى البحر عن الولاية سربا ومنها ان الله يحول بين المرء وقلبه فينسى المريد قلبه حين فقده وينسى القلب المريد إذا وجد الشيخ: وفى المثنوى
اى خنك آن مرده كز خود رسته شد ... در وجود زنده پيوسته شد
واى آن زنده كه با مرده نشست ... مرده كشت وزنده كى از وى پرست «١»
ومنها ان المريد لو تطرق اليه الملالة فى أثناء السلوك وأصابت قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن خدمة الشيخ وترك صحبته حتى يظن ان لو سافر عن خدمته واشتغل بطاعة ربه وجاهد نفسه فى طلب الحق تعالى لعله يصل مقصده ويحصل مقصوده بلا واسطة الشيخ والاقتداء به هيهات فانه ظن فاسد ومتاع كاسد وانه يضيع عمره ويتعب نفسه ويضل عن سبيل الرشاد ويبعد عن طريق السداد الا ان أدركته العناية الازلية التي هى الكفاية الابدية وردت اليه صدق الارادة: وفى المثنوى
آن رهى كه بارها تو رفته ... بي قلاوز اندر آن آشفته «٢»
پس رهى را كه نرفتستى تو هيچ ... هين مرو تنها ز رهبر سر مپيچ
стр. 2228
هين مپر الا كه با پرهاى شيخ ... تا ببينى عون ولشكرهاى شيخ
ومنها ان صحبة الشيخ المرشد غداء للمريد لاشتمالها على ما يجرى مجرى الغداء للروح من الأقوال الطيبة والافعال الحسنة ومتى جاوز صحبته اتعب نفسه بلا فائدة الوصول ونيل المقصود ولا يحمل على هذا إلا شيطان الخذلان فيلزم الرجوع والعود الى ملازمة الخدمة فى مرافقة رفيق التوفيق كما رجع موسى ويوشع ﵉ قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ اى فى صحبتهم ولا تكونوا مع الكاذبين: وفى المثنوى
هر طرف غولى همى خواند ترا ... كاى برادر راه خواهى هين بيا «١»
رهنمايم هم رهت باشم رفيق ... من قولاوزم درين راه دقيق
نى قلاوزست ونى ره داند او ... يوسفا كم رو سوى آن كرك خو
نسال الله العصمة والتوفيق قالَ موسى ﵇ ذلِكَ الذي ذكرت من امر الحوت ما اى الذي كُنَّا نَبْغِ أصله نبغى والضمير العائد الى الموصول محذوف اى نبغيه ونطلبه لكونه امارة للفوز بالمرام من لقاء الخضر ﵇ فَارْتَدَّا رجعا من ذلك الموضع وهو طرف نهر ينصب الى البحر عَلى آثارِهِما طريقهما الذي جا آمنه والآثار الاعلام جمع اثر واثر وخرج فى اثره واثره اى بعده وعقبه. وبالفارسية [بر نشانهاى قدم خود] قَصَصاً مصدر فعل محذوف اى يقصان قصصا اى يتبعان آثارهما اتباعا ويتفحصان تفحصا حتى أتيا الصخرة التي حيى الحوت عندها وسقط فى البحر واتخذ سبيله سربا فَوَجَدا عَبْداً التنكير للتفخيم مِنْ عِبادِنا الاضافة للتشريف وكان مسجى بثوب فسلم عليه موسى وعرفه نفسه وأفاد انه جاء لاجل التعلم والاستفادة. والجمهور على انه الخضر بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد وهو لقبه وسبب تلقيبه بذلك ما جاء فى الصحيح انه ﵇ قال (انما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فاذا هى تهتز من خلفه خضراء) الفروة وجه الأرض اليابسة وقيل النبات اليابس المجتمع والبيضاء الأرض الفارغة لا غرس فيها لانها تكون بيضاء واهتزاز النبات تحركه وكنيته ابو العباس واسمه بليا بباء موحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت ابن ملكان بفتح الميم واسكان اللام ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح قال ابو الليث انه ﵇ ذكر قصة الخضر فقال (كان ابن ملك من الملوك فاراد أبوه ان يستخلفه من بعده فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر فلم يقدر عليه) وتفصيله على ما فى كتاب التعريف والاعلام للامام السهيلي وهو ان أباه كان ملكا وان امه كانت بنت فارس واسمها الها وانها ولدته فى مغارة وانه ترك هنا لك وشاة ترضعه فى كل يوم من غنم رجل من القرية فاخذه الرجل فرباه فلما شب وطلب الملك أبوه كاتبا وجمع اهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي نزلت على ابراهيم وشيث كان فيمن قدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته ونجابته سأله عن جلية امره فعرف انه ابنه فضمه لنفسه وولاه امر الناس ثم ان الخضر فر من الملك وزهد فى الدنيا وسار الى ان
стр. 2229
وجد عين الحياة فشرب منها وعن ابن عباس رضى الله عنهما الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له فى اجله حتى يكذب الدجال وفيه اشارة الى ان لكل دجال فى كل عصر مكذبا ومبطلا لامره: قال الحافظ
كجاست صوفئ دجال فعل ملحد شكل ... بگو بسوز كه مهدئ دين پناه رسيد
واخرج عن ابن عساكر ان آدم لما حضره الموت اوصى بنيه ان يكون جسده الشريف معهم فى غار فكان جسده فى المغارة معهم فلما بعث الله نوحا ضم ذلك الجسد فى السفينة بوصية آدم فلما خرج منها قال لبنيه ان آدم دعا بطول العمر لمن يدفنه من أولاده الى يوم القيامة فذهب أولاده الى الغار ليدفنوه وكان فيهم الخضر فكان هو الذي تولى دفن آدم فانجز الله ما وعده فهو يحيى ما شاء الله له ان يحيى قال فى فتح القريب ومن اغرب ما قيل انه ابن آدم لصلبه وقيل انه من الملائكة وهذا باطل ومن اعجب ما قيل انه ابن فرعون صاحب موسى كما فى تواريخ مصر وقيل انه ابن خالة ذى القرنين كان فى سفره معه وشرب من ماء الحياة مد الله عمره الى الوقت المعلوم ولا بعد فانه كان من بنى آدم من يعيش ثلاثة آلاف سنة او اكثر وقيل انه ابن عاميل بن شمالخين بن ارما بن علقما بن عيصو بن إسحاق النبي وكان عاميل ملكا والجمهور على انه نبى غير مرسل وعند الصوفية المحققين ولى غير نبى واختلفوا فى حياته والأكثر على انه موجود بين أظهرنا وهذا متفق عليه عند الصوفية لان حكاياتهم انهم رأوه فى المواضع الشريفة وكالموه اكثر من ان يحصى نقله الشيخ الأكبر فى الفتوحات المكية وابو طالب المكي فى كتبه والحكيم الترمذي فى نوادره وغير ذلك من المحققين من سادات الامة الذين لا يتصور اجتماعهم على الكذب والافتراء بمجرد الاخبار النقلية حاشاهم عن ذلك وقد ثبت وجوده فلا يكون عدمه الا بدليل ولا دليل على موته ولا نص فيه من كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا نقل انه مات بأرض كذا فى وقت كذا فى زمن ملك من الملوك وفى تفسير البغوي اربعة من الأنبياء احياء الى يوم البعث اثنان فى الأرض وهما الخضر والياس اى والياس فى البر والخضر فى البحر يجتمعان كل ليلة على ردم ذى القرنين يحرسانه وأكلهما الكرفس والكمأة واثنان فى السماء إدريس وعيسى ﵉ وفى كتاب التمهيد لابى عمر امام الحديث فى وقته ان رسول الله ﷺ حين غسل وكفن سمعوا قائلا يقول السلام عليكم يا اهل البيت ان فى الله خلفا من كل هالك وعوضا من كل تالف وعزاء من كل مصيبته فعليكم بالصبر فاصبروا واحتسبوا ثم دعا لهم ولا يرون شخصه فكانوا اى الاصحاب واهل البيت يرونه انه الخضر وفى كتاب الهواتف ان على بن ابى طالب رضى الله عنه لقى الخضر وعلمه هذا الدعاء وذكر فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله فى اثر كل صلاة وهو «يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك» قال الهروي ان الخضر قد جاء النبي ﵇ مرارا واما قوله ﵇ (لو كان حيا لزارنى) فلا يمنع وقوع الزيارة بعده قال فى فصل الخطاب ان الخضر قد صحب النبي ﵇ وروى عنه أحاديث
стр. 2230
وفى الخصائص الصغرى ان فى غزوة تبوك اجتمع ﵇ بالياس فعن انس رضى الله عنه غزونا مع النبي ﵇ حتى إذا كنا بفج الناقة عند الحجر سمعنا صوتا يقول اللهم اجعلنى من امة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها فقال ﵇ (يا انس انظر ما هذا الصوت) فدخلت الجبل فاذا رجل عليه ثياب بياض ابيض الرأس واللحية طوله اكثر من ثلاثمائة ذراع فلما رآنى قال أنت رسول النبي ﵇ قلت نعم قال ارجع اليه وأقرئه السلام وقل له هذا أخوك الياس يريد ان يلقاك فرجعت الى النبي ﵇ فاخبرته فجاء ﵇ يمشى وانا معه حتى إذا كنا قريبا منه تقدم النبي وتأخرت انا فتحدثا طويلا فنزل عليهما من السماء شىء يشبه السفرة ودعوانى فاكلت معهما قليلا فاذا فيها كمأة
ورمان وحوت وتمر وكرفس فلما أكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فاحتملته فانا انظر الى بياض ثيابه فيها تهوى به قبل الشام فقلت للنبى ﵇ بابى أنت وأمي هذا الطعام الذي أكلنا من السماء نزل عليه قال ﵇ (سألته عنه فقال يأتينى به جبرائيل فى كل أربعين يوما أكلة وفى كل حول شربة من ماء زمزم وربما رأيته على الجب يملأ بالدلو فيشرب وربما سقانى) والأكثر من المحدثين على وفاة الخضر سئل البخاري عن الخضر والياس هل هما فى الاحياء قال كيف يكون ذلك وقد قال رسول الله ﵇ (لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على وجه الأرض أحد) وقد قال الله تعالى وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ والجواب ان هذا الحكم جار على الأكثر ولا حكم للنادر الذي يعيش فوق المائة فقد عاش سلمان ومعدى كرب وابو طفيل فوق المائة وكانوا موجودين فى ذلك الزمان عند اخباره ﵇ والمراد بالخلود هو التأبيد ولا شك ان حياة الخضر وغيره منقطعة عند الصعقة قبل القيامة فيمتنع الخلود. واما من قال من العلماء لا يجوز ان يكون الخضر باقيا لانه لا نبى بعد نبينا فلا عبرة لكلامه لانه لم يتتبأ بعده بل قبله كعيسى أبقاه الله لمعنى وحكمة الى ان يرتفع القرآن من وجه الأرض وذكر الشيخ الأكبر قدس سره فى بعض كتبه انه يظهر مع اصحاب الكهف فى آخر الزمان عند ظهور المهدى ويستشهد ويكون من أفضل شهداء عساكر المهدى وفى آخر صحيح مسلم فى أحاديث الدجال انه يقتل رجلا ثم يحيى قال ابراهيم بن سفيان صاحب مسلم يقال ان هذا الرجل هو الخضر وعن ابن عباس رضى الله عنهما يلتقى الخضر والياس فى كل عام فى الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان على هذه الكلمات «بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير الا الله ما شاء الله لا يصرف السوء الا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله» من قالهن ثلاث مرات حين يصبح ويمسى آمنه الله من الحرق والغرق والسرق ومن الشيطان والحية والعقرب وزاد احمد فى الزهد انهما يصومان رمضان فى بيت المقدس وعن على رضى الله عنه مسكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة الى باب الأسباط قال القاشاني الخضر كناية عن البسط والياس عن القبض واما كون الخضر شخصا إنسانا باقيا من زمان موسى الى هذا العهد او روحانيا يتمثل بصورته لمن يرشده فغير متحقق عندى بل قد يتمثل ويتخيل معناه له بالصفة الغالبة عليه ثم يضمحل وهو روح ذلك الشخص او روح القدس انتهى يقول الفقير تمثل
стр. 2231
الروح بالصفة الغالبة قد وقع لكثير من اهل السلوك ولكن ليس كل مرئى فى اليقظة تمثلا كما فى المنام فقد يظهر المثال وقد يظهر حقيقته ولله فى كل شىء حكمة بالغة آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هى الوحى والنبوة كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصه بجناب الكبرياء قال الامام مسلم ان النبوة رحمة كما فى قوله تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ونحوه ولكن لا يلزم ان تكون الرحمة نبوة فالرحمة هنا هى طول العمر على قول من مذهب الى عدم نبوته وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً خاصا هو علم الغيوب والاخبار عنها باذنه تعالى على ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما او علم الباطن قال فى بحر العلوم انما قال من لدنا مع ان العلوم كلها من لدنه لان بعضها بواسطة تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علما لدنيا بل العلم اللدني هو الذي ينزله فى القلب من غير واسطة أحد ولا سبب مألوف من خارج كما كان لعمر وعلى ولكثير من اولياء الله تعالى المرتاضين الذين فاقوا بالشوق والزهد على كل من سواهم كما قال سيد الأولين والآخرين ﵇ (نفس من أنفاس المشتاقين خير من عبادة الثقلين) وقال ﵇ (ركعتان من رجل زاهد قلبه خير وأحب الى الله من عبادة المتعبدين الى آخر الدهر) وقد صدق لكنه قليل كما قال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وقال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ومن هنا يتبين لك معرفة رفعة الصحابة رضى الله عنهم وعظمهم رتبة ومكانا من الله فانهم
ائمة المشتاقين والزاهدين الشاكرين ونجوم لهم يهتدون بهم انتهى وفى التأويلات النجمية فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا اى حرا من رق عبودية غيرنا من احرارنا اى ممن احررناهم من رق عبودية الأغيار واصطفيناهم من الأخيار آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يعنى جعلناه قابلا لفيض نور من أنوار صفاتنا بلا واسطة وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً وهو علم معرفة ذاته وصفاته الذي لا يعلمه أحد الا بتعليمه إياه واعلم ان كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد ان يتعلموا ذلك العلم من غير الله تعالى فانه ليس من جملة العلم اللدني لانه يمكن ان يتعلم من لدن غيره بدل عليه قوله وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ فان علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود ﵇ فلا يقال انه العلم اللدني لانه يحتمل ان يتعلم من غير الله تعالى فيكون من لدن ذلك الغير وايضا ان العلم اللدني ما يتعلق بلدن الله تعالى وهو علم معرفة ذاته وصفاته تعالى انتهى قال الجنيد قدس سره العلم اللدني ما كان تحكما على الاسرار بغير ظن فيه ولا خلاف لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنونات المغيبات وذلك يقع للعبد إذا زم جوارحه عن جميع المخلوقات وأفنى حركاته عن كل الإرادات وكان شبحا بين يدى الحق بلا تمن ولا مراد قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر باب الملكوت والمعارف من المحال ان ينفتح وفى القلب شهوة هذا الملكوت واما باب العلم بالله تعالى من حيث المشاهدة فلا ينفتح وفى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت [در فتوحات از سلطان العارفين قدس سره نقل ميكند كه با جمعى دانشمندان مى كفته] أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت
كلشنى كز نقل رويد يكدمست ... كلشنى كز عشق رويد خرمست
كلشنى كز كل دمد كردد تباه ... كلشنى كز دل دمد وا فرحتاه
стр. 2232
علم چون بر دل زند يارى شود ... علم چون بر كل زند بارى شود
واعلم ان الصوفية سموا العلوم الحاصلة بسبب المكاشفات العلوم اللدنية وتفصيل الكلام انا إذا أدركنا امرا من الأمور وتصورنا حقيقة من الحقائق فاما ان نحكم عليه بحكم وهو التصديق اولا نحكم وهو التصور وكل واحد من هذين القسمين فاما ان يكون ضروريا حاصلا من غير كسب وطلب واما ان يكون كسبيا اما العلوم الضرورية فهى تحصل فى النفس والعقل من غير كسب وطلب مثل تصورنا الألم واللذة والوجود والعدم ومثل تصديقنا بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وان الواحد نصف الاثنين واما العلوم الكسبية فهى التي لا تكون حاصلة فى جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به الى اكتساب تلك العلوم فان كان التوصل الى استعلام المجهولات بتركيب العلوم البديهية فهو طريق النظر وان كان بتهيئة المحل وتصفيته عن الميل الى ما سوى الله تعالى فهو طريق الكشف والكشف انواع أعلاها اسرار ذاته تعالى وأنوار صفاته وآثار أفعاله وهو العلم الإلهي الشرعي المسمى فى مشرب اهل الله علم الحقائق اى العلم بالحق من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية إذ منه ما ليس فى الطاقة البشرية وهو ما وقع فيه الكمل فى ورطة الحيرة وأقروا بالعجز عن حق المعرفة وهذا العلم الجليل بالنسبة الى سائر العلوم كالشمس بالنسبة الى الذرات وكالبحر بالنسبة الى القطرات فعلوم اهل الله مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيرهم من الخواطر الفكرية والأذهان وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح وبداية طريق غيرهم تحصيل الوظائف والمناصب وجمع الحطام الذي لا يدوم وقال المولى الجامى
جان زاهد ساحل وهم وخيال ... جان عارف غرقه بحر شهود
قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه الطيب وقدس سره الزكي فى كتاب اللائحات البرقيات المراد بالرحمة علم العبادة والدراسة والظاهر والشريعة ولذلك عبر عنه بالرحمة بناء على عمومه مثلها حيث قال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ولكون مقام هذا العلم الظاهري مقام القرب الصفاتى عبر عن مقامه بما يعبر به عن مقام هذا القرب الصفاتى من قوله تعالى مِنْ عِنْدِنا اى من مقام واحدية صفاتنا ومرتبة قربها والمراد بالعلم علم الاشارة والوراثة والباطن والحقيقة ولذلك عبر عنه بلفظ العلم بناء على التعبير بالمطلق على الفرد الكامل إذ العلم الباطني من العلم الظاهري بمنزلة الروح واللب من الجسد والقشر وبمنزلة المعنى من الصورة فلا جرم ان العلم الباطني من العلم الظاهري بمنزلة الفرد الكامل من الفرد الناقص والعلم الظاهري من العلم الباطني بمنزلة الفرد الناقص من الفرد الكامل والنقصان الموهوم المعتبر فى العلم الظاهري بحسب الاضافة والنسبة الى العلم الباطني باعتبار المقام الذي يوجب الامتياز بينهما من جهة الصورة لا يقدح فى كماله الذاتي الحقيقي فى عينه ونفسه كما ان الكمال المعتبر فى العلم الباطني بحسب الاضافة والنسبة الى العلم الظاهري باعتبار المقام الموجب للافتراق بينهما من جهة التعين لا يزيد فى كماله الذاتي الحقيقي فى نفسه وذاته بل كل منهما من حيث هو بالنظر
стр. 2233
الى ذاته مع قطع النظر الى الاضافة والنسبة المعتبرة بينهما بحسب المقامات والتعلقات وغير ذلك كمال محض لا يتصور فى واحد منهما نقصان أصلا فكما ان الجهل والغفلة فى أنفسهما محض نقصان حقيقى فكذلك العلم والمعرفة فى أنفسهما محض كمال حقيقى وانما الاعتبارات لئلا تبطل حقائق الاحكام ولذا قيل لولا الاعتبارات اى الإضافات والنسب المعتبرة بين الأشياء لبطلت الحقائق ولما كان مقام هذا الباطني مقام القرب الذاتي عبر عن مقام ما يعبر به عن مقام القرب الذاتي من قوله مِنْ لَدُنَّا اى من مقام احدية ذاتنا ومرتبتها ولذا خص كبار الصوفية فى اصطلاحاتهم لفظ العلم اللدني بهذا العلم الباطني الحاصل بمحض تعليم الله تعالى من لدنه بغير واسطة عبارة ولذلك قال بعضهم
تعلمنا بلا حرف وصوت ... قرأناه بلا سهو وفوت
يعنى بطريق الفيض الإلهي والإلهام الرباني لا بطريق التعليم اللفظي والتدريس القولى ولكون مقام العلم الظاهري من مقام العلم الباطني بمنزلة الظاهر من الباطن حيث يتعلق العلم الظاهري بظواهر الشريعة وصورها
والعلم الباطني بمنزلة الباب من البيت ومن أراد دخول البيت فليأت من باب وبيت العلم ومدينته هو النبي ﵇ وباب هذا البيت والمدينة هو على رضى الله عنه كمال قال ﵇ (انا مدينة العلم وعلىّ بابها)
كر تشنه فيض حق بصدقى حافظ ... سرچشمه آن ز ساقى كوثر پرس
واعلم ان التحقيق الحقيق فى هذا المقام ان العلم المأمور موسى ﵇ بتعلمه من الخضر هو العلم الباطني المتعلم بطريق الاشارة لا العلم الباطني المتعلم بطريق المكاشفة ولا العلم الظاهري المتعلم بطريق العبارة والدليل عليه إرسال الحق سبحانه موسى الى عبده الخضر وعدم تعليمه بواسطة أمين الوحى جبرائيل وتعليم الخضر بطريق الاشارة بالأمور الثلاثة لكن لما كان الظاهر بالنظر الى غلبة جانب علم الظاهر فى وجود موسى ان يطلب تعلمه بطريق العبارة لا بطريق الاشارة وطريقه طريق الاشارة لا طريق العبارة قال انك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا من طريق التعلم بالاشارة لا بالعبارة والغالب عليك انما هو طريق العبارة لا طريق الاشارة كما ان الغالب على طريق الاشارة لا طريق العبارة ولكل وجهة هو موليها قل كل يعمل على شاكلته ثم ان الامام الأعظم من الحسن البصري رحمهما الله تعالى بمنزلة موسى من الخضر ﵉ كما ان العكس بالعكس من جهة ما هو الغالب فى نشأة كل منهما ولذلك أفاد الامام الهمام العلم الظاهري غالبا وتقيد بترتيب أنوار الشريعة وأحكامها عبارة وصراحة وأفاد العلم الباطني نادرا وتعرض لاسرار الحقيقة ودقائقها اشارة وكناية بخلاف الحسن البصري فالامام شمسى المشرب والحسن قمرى المشرب ولذلك كان فلك الامام أعظم وأوسع من فلك الحسن البصري وكان الامام رحمة لاهل العموم عامة وكان الحسن البصري رحمة لاهل الخصوص خاصة والامام مظهر اسم الرحمن والحسن مظهر اسم الرحيم ويدل على هذا كله انتشار مذهبه شرقا وغربا وهو من جميع المذاهب بمنزلة النبوة المحمدية والولاية العيسوية من جميع النبوات والولايات من جهة الخاتمية وحيث يختم به جميع المذاهب
стр. 2234
الحقة كما ختم بالنبوة المحمدية جميع النبوات ويختم بالولاية العيسوية جميع الولايات ولكون مشربه ومذهبه شمسيا سمى سراج الامة وكاشف الغمة ورافع الظلمة ودافع البدعة ومحيى الدين وحافظ الشريعة بالكتاب والسنة ولكون مشرب الحسن ومذهبه قمريا أنار القلوب والنفوس والطبائع المظلمة بظلمة الغفلة والهوى بانوار المعرفة واسرار الحقيقة والهدى تبارك الذي جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وفى تقديم السراج على القمر المنير اشارة الى تقديم رتبة الامام على رتبة الحسن إذ هو مظهر اسم الاول والظاهر والحسن مظهر اسم الآخر والباطن والأولان مقدمان على الثانيين بتقديم الهى فى قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وهذا التفاوت انما هو باعتبار ترتيب المراتب واما فى اصل الكمال وحقيقة الفضل فهم كالحلقة المفرغة لا يدرى اين طرفاها لسر يعرفه من يعرف ويغفل عنه من يغفل ورئيس اهل الذكر الصوفية الحنفية هو الامام الأعظم الأكمل وريئس اهل الذكر الصوفية الشافعية هو الامام الشافعي الأفضل ورئيس اهل الذكر الصوفية الحنبلية هو الامام الحنبلي التقى ورئيس اهل الذكر الصوفية المالكية هو الامام مالك الزكي وهؤلاء الائمة العظام كالخلفاء الاربعة الفخام كالنجوم بل كالاقمار بل كالشموس بايهم اقتدى السالك اهتدى الحق المبين وهم لدين الحق كالاركان الاربعة للبيت وهم ايضا من سائر الاقطاب والأولياء كالعرش والشمس من الافلاك والنجوم وليس لغيرهم ممن بعدهم الى يوم القيام بدون الاقتداء بهم اهتداء الى طريق الجنة والرؤية ومن اقتدى بهم فى الشريعة والطريقة والحقيقة وعلم علومهم وعمل أعمالهم وتأدب بآدابهم على مذهب أيهم كان بحسب وسعه فلا شك انه اقتفى اثر رسول الله ﵇ ومن لم يقتدبهم فى ذلك فلا شك انه ضل عن اثر الرسول وخرج عن دائرة القبول هذا كله كلام حضرة شيخى وسندى مع اختصار واما ما يلوح من كلمات بعض المشايخ من ان المجتهدين لم ينالوا العشق فله محامل ذكرنا بعضا منها فى كتابنا الموسوم بتمام الفيض والذي يظهر انها كلمات صدرت حالة السكر والغلبات فلا اعتبار بها والأدب التام ان يمسك عنهم الا بخير الكلام قالَ لَهُ مُوسى استئناف مبنى على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل فلماذا جرى بينهما من الكلام فقيل قال له موسى اى للخضر ﵉ هَلْ أَتَّبِعُكَ أصحبك عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ على شرط ان تعلمن وهو فى موضع الحال من الكاف وهو استئذان منه فى اتباعه له على وجه التعليم ويكفيك دليلا فى شرف الاتباع مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً اى علما ذا رشد ارشد به فى دينى والرشد إصابة الخير قال الكاشفى [علمى كه مبنى بر رشد باشد] يعنى إصابة خير ولقد راعى فى سوق الكلام غاية التواضع معه فينبغى للمرء ان يتواضع لمن هو اعلم منه قال الامام والآية تدل على ان موسى راعى انواع الأدب جعل نفسه تبعا له فقال هَلْ أَتَّبِعُكَ واستأذن فى اثبات هذه التبعية وأقر على نفسه بالجهل وعلى استاذه بالعلم فى قوله عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ ومن فى قوله مِمَّا عُلِّمْتَ للتبعيض اى لا اطلب مساواتك فى العلوم وانما أريد بعضا من علومك كالفقير يطلب من الغنى جزأ من ماله وقوله مِمَّا عُلِّمْتَ اعتراف بانه أخذ
стр. 2235
من الله وقوله رُشْداً طلب للارشاد اى ما لولاه لضل وهذا يدل على انه طلب ان يعامله بمثل ما عامله الله به اى ينهم بالتعليم كما أنعم الله عليه فان البذل من الشكر: قال الحافظ
اى صاحب كرامت شكرانه سلامت ... روزى تفقدى كن درويش بي نوا را
قال قتادة لو كان أحد مكتفيا من العلم لا كتفى نحبى الله موسى ولكنه قال هَلْ أَتَّبِعُكَ الآية وقال الزجاج وفيما فعل موسى وهو من اجلة الأنبياء من طلب العلم والرحلة فى ذلك ما يدل على انه لا ينبغى لاحد ان يترك طلب العلم وان كان قد بلغ نهايته ولذا ورد (اطلبوا العلم من المهد الى اللحد) : وفى المثنوى
خاتم ملك سليمانست علم ... جمله عالم صورت وجانست علم «١»
قال العلماء ولا ينافى نبوة موسى وكونه صاحب شريعة ان يتعلم من نبى آخر مالا يتعلق له باحكام شريعته من اسرار العلوم الخفية وقد امر الله بأخذ العلم منه فلا دلالة له قال شيخى وسندى روح
الله روحه تعليم موسى وتربيته بالخضر انما هو من قبيل تعليم الا كمل وتربيته بالكامل لانه تعالى قد يطلع الكامل على اسرار يخفيها عن الأكمل وإذا أراد ان يطلع الأكمل عليها ايضا فقد يطلعه بالذات وقد يطلعه بواسطة الكامل ولا يلزم من توسط الكامل ان يكون أكمل من الأكمل او مثله والكامل كامل مطلقا والأكمل أكمل مطلقا والرجحان للاكمل جدا ولا تسمع الى غير ذلك مما يقول الضالون وقول الخضر لموسى ﵇ يا موسى أنت على علم علمك الله وانا على علم علمنى الله انما هو بناء على الامتياز المعتبر بينهما بحسب الغالب فى نشأة كل منهما والا فالعلم الظاهر والباطن حاصلان فى نشأة كل منهما انتهى وفهم منه جواب ما سبق من قوله ان لى عبدا بمجمع البحرين هو اعلم منك فان المراد اثبات أعلميته فى علم من العلوم الخاصة دون سائرها وقد انعقد الإجماع على ان نبينا ﵇ اعلم الخلق وأفضلهم على الإطلاق وقد قال (أنتم اعلم بامور دنياكم) وفى قصص الأنبياء بينماهما على ساحل البحر إذ اقبل طائر وغمس منقاره فى البحر ثم أخرجه ومسحه على جناحه ثم طار نحو المشرق ثم اطار نحو المغرب ثم رجع وصاح فقال الخضر يا موسى أتدري ما قال هذا الطائر قال لا قال انه يقول ما اوتى بنوا آدم من العلم الا بمقدار ما أخذت من هذا البحر بمنقاري
از علم تو نكته ايست عالم ... زان دائره نقطه ايست آدم
وفى التأويلات النجمية من آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه ان يستجيز منه فى اتباعه وملازمة صحبته تواضعا لنفسه وتعظيما لشيخه بعد مفارقة أهاليه وأوطانه وترك مناصبه واتباعه وإخوانه وأخدانه كما كان حال موسى إذ قال للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً بإرشاد الله لك اى تعلمنى طريق الاسترشاد من الله بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى فان جميع ذلك كان حاصلا له فان قيل فهل مرتبة فوق هذه المراتب الثلاث قلنا ان هذه المراتب وان كانت عزيزة جليلة ولكن مجيئ جبريل يقتضى الواسطة وإنزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقي من الله للعبد هو ان يجعله قابلا لفيض نور الله بلا واسطة وذلك بتجلى جماله وجلاله الذي كان مطلوب
стр. 2236
موسى بقوله أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فان فيه رفع الاثنينية واثبات الوحدة التي لا يسع العبد فيها ملك مقرب ولا نبى مرسل ومنها ان المريد إذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغى ان يخرج عما معه من الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه أعجمي لا يعرف الهر من البر اى ما يهره مما يبره او القط من الفار او العقوق من اللطف او الكراهية من الا كرام كما فى القاموس: قال الحافظ
خاطرت كى رقم فيض پذيرد هيهات ... مكر از نقش پراكنده ورق ساده كنى
وينقاد لاوامره ونواهيه كما كان فان كليم الله لم يمنعه النبوة والرسالة ومجيئ جبريل وإنزال التوراة ومكالمة الله واقتداء بنى إسرائيل به ان يتبع الخضر ويتواضع له وترك أهاليه واتباعه وأشياعه وكل ما كان له من المناصب والمناقب وتمسك بذيل إرادته منقاد لاوامره ونواهيه قالَ الخضر إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصح ولا يستقيم والمراد نفى الصبر على ما يدل عليه قوله وكيف تصبر ويلزم من نفيها نفيه وفيه دليل على ان الاستطاعة مع الفعل [موسى كفت چرا صبر نتوانم كرد كفت بجهت آنكه تو پيغمبرى وحكم تو بر ظاهر است شايد كه از من عملى صادر شود در ظاهر آن منكر وناشايسته نمايد وجه حكمت آنرا ندانى وبر آن صبر كردن نتوانى] وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً تمييز من خبر يخبر كنصر وعلم بمعنى عرف اى لم يحط به خبرك اى علمك وهو إيذان بانه يتولى أمورا خفية منكرة الظواهر والرجل الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يصبر إذا رأى ذلك ويأخذ فى الإنكار قال الامام المتعلم قسمان منه من مارس العلوم ومنه من لم يمارسها والاول إذا وصل الى من هو أكمل منه عسر عليه التعلم جدا لانه إذا رأى شيأ أو سمع كلاما فربما أنكره وكان صوابا فهو لالفته بالقيل والقال يغتر بظاهره ولا يقف على سره وحقيقته فيقدم على النزاع ويثقل ذلك على الأستاذ وإذا تكرر منه الجدل حصلت النفرة واليه أشار الخضر بقوله إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لانك الفت الكلام والإثبات والابطال والاعتراض والاستدلال وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً اى لست تعلم حقائق الأشياء كما هى قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى كتاب اللائحات البرقيات كل واحد من العلمين اى الظاهر والباطن موجود فى وجود كل من موسى والخضر ﵉ الا ان الغالب فى نشأة موسى هو العلم الظاهري كما يدل عليه رسالته وقوله للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً لان المتعلم من المخلوق انما هو العلم الظاهري المتعلم بالحرف والصوت لا العلم الباطني المتعلم من الله بلا حرف وصوت بل بذوق وكشف الهى وإلقاء والهام سبحانى لان جميع علوم الباطن انما تحصل بالذوق والوجدان والشهود والعيان لا بالدليل والبرهان وهى ذوقيات لا نظريات فانها ليست بطريق التأمل السابق ولا بسبيل التعمل اللاحق بترتيب المبادي والمقدمات وعلى اعتبار حصولها بطريق الانتقال بالواسطة لا بطريق الذوق بغير الواسطة والغالب فى نشأة الخضر هو العلم الباطني كما يدل عليه ولايته ولو قيل بنبوته وقوله لموسى ﵇ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
стр. 2237
يعنى بحسب غلبة جانب علم الظاهر وعلم الرسالة على جانب علم الباطن وعلم الولاية إذ الحكم للاغلب القاهر انتهى وفى التأويلات النجمية ومن الآداب ان يكون المريد ثابتا فى الارادة بحيث لويرده الشيخ كرات بعد مرات ولا يقبله امتحانا له فى صدق الارادة يلازم عتبة بابه ويكون اقل من ذباب فانه كلماذب آب كما كان حال كليم الله فانه كان الخضر يرده ويقول له إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً اى كيف تصبر على فعل يخالف مذهبك ظاهرا ولم يطلعك الله على الحكمة فى إتيانه باطنا ومذهبك انك تحكم بالظاهر على ما انزل الله عليك من علم الكتاب ومذهبى ان احكم بالباطن على ما أمرني الله من العلم اللدني وقد كوشفت بحقائق الأشياء ودقائق الأمور فى حكمة إجرائها وذلك انه تعالى أفناني عنى بهويته وأبقاني به بالوهيته فبه ابصر وبه اسمع وبه انطق وبه آخذ وبه اعطى وبه افعل وبه اعلم فانى لا اعلم ما لم يعلم وانه يقول ستجدنى الآية قالَ موسى ﵇ سَتَجِدُنِي [زود باشد كه يابى مرا] إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً معك غير معترض عليك والصبر الحبس يقال صبرت نفسى على كذا اى حبستها وتعليق الوعد بالمشيئة اما طلبا لتوفيقه فى الصبر ومعونته او تيمنا به او علما منه بشدة الأمر وصعوبته فان الصبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدا لا يكون الا بتأييد الله تعالى وقيل انما استثنى لانه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر وهذه عادة الصالحين ويقال ان امزجة جميع الأنبياء البلغم الا موسى فان مزاجه كان المرة فان قلت ما معنى قول موسى للخضر سَتَجِدُنِي الآية ولم يصبر وقول إسماعيل ﵇ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فصبر قال بعض العلماء لان موسى جاء صحبة الخضر بصورة التعلم والمتعلم لا يصبر إذا رأى شيأ حتى يفهمه بل يعترض على استاذه كما هو دأب المتعلمين وإسماعيل لم يكن كذلك بل كان فى معرض التسليم والتفويض الى الله تعالى وكلاهما فى مقامهما واقفان وقيل كان فى مقام الغيرة والحدة والذبيح فى مقام الحكم والصبر قال بعض العارفين قال الذبيح من الصابرين ادخل نفسه فى عداد الصابرين فدخل وموسى ﵇ تفرد بنفسه وقال صابرا فخرج والتفويض من التفرد اسلم وأوفق لتحصيل المقام ووصول المرام وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً عطف على صابرا اى ستجدنى صابرا وغير عاص اى لا أخالفك فى شىء ولا اترك أمرك فيما أمرتني به وفى عدم هذا الوجدان من المبالغة ما ليس فى الوعد بنفس الصبر وترك العصيان وفى التأويلات النجمية ومن الآداب ان لا يكون معترضا على افعال الشيخ وأقواله وأحواله وجميع حركاته وسكناته معتقد اله فى جميع حالاته وان شاهد منه معاملة غير مرضية بنظر عقله وشرعه فلا ينكره بها ولا يسيئ الظن فيه بل يحسن فيه الظن ويعتقد انه مصيب فى معاملاته مجتهد فى آرائه وانما الخطأ من قصور نظرى وسخافة عقلى وقلة علمى قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي صحبتنى لاخذ العلم وهو اذن له فى الاتباع بعد اللتيا والتي والفاء لتفريع الشرطية على مامر من التزامه للصبر والطاعة فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ تشاهده من أفعالي وتنكره منى فى نفسك اى لا تفاتحنى بالسؤال عن حكمته فضلا عن المناقشة والاعتراض حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً حتى
стр. 2238
ابتدئ ببيانه وفيه إيذان بان كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة وهذا من آداب المتعلم مع العالم والتابع مع المتبوع قال فى التأويلات النجمية ومن الآداب ان يسد على نفسه باب السؤال فلا يسأل الشيخ عن شىء حتى يحدث له منه ذكرا اما بالقال واما بالحال انتهى- روى- ان لقمان دخل على داود ﵇ وهو يسرد دروعا ولم يكن رآها قبل ذلك فتعجب منه فاراد ان يسأله ذلك فمنعته الحكمة فامسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ قام داود ولبسها ثم قال نعم الدرع للحرب. وقيل كان يتردد اليه سنة وهو يريد ان يسأل ذلك فلم يسأل قالت الحكماء ان كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب وعن بعض الكبار الصمت على قسمين صمت باللسان عن الحديث بغير الله مع غير الله جملة وصمت بالقلب عن خاطر كونى البتة فمن صمت لسانه ولم يصمت قلبه خف وزره ومن صمت قلبه ولم يصمت لسانه فهو ناطق بلسان الحكمة ومن صمت لسانه وقلبه ظهر له سره وتجلى له ربه ومن لم يصمت لسانه وقلبه كان مسخرة للشيطان فعلى العاقل ان يجتهد حتى يسلم قلبه من الانقباض ولسانه من الاعتراض وينسى ما سوى الله تعالى ولا تلعب به الافكار ويصبر عند مظان الصبر ويستسلم لامر الله الملك الغفار فان الله تعالى فى كل شىء حكمة وفى كل تلف عوضا: وفى المثنوى
لا نسلم واعتراض از ما برفت ... چون عوض مى آيد از مفقود زفت «١»
چونكه بي آتش مرا كرمى رسد ... راضيم كر آتش ما را كشد
بي چراغى چون دهد او روشنى ... كر چراغت شد چهـ افغان ميكنى
دانه پر مغز با خاك دژم ... خلوتى وصحبتى كرد از كرم «٢»
خويشتن در خاك كلى محو كرد ... تا نماندش رنك وبوى سرخ وزرد
از پس آن محو قبض او نماند ... بر كشاد وبست شد مركب براند
نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الخلوة به والصحبة بالأهل والتسليم للامر فَانْطَلَقا اى ذهب موسى والخضر ﵉ على الساحل يطلبان السفينة واما يوشع فقد صرفه موسى الى بنى إسرائيل وقال الكاشفى [ويوشع بر عقب ايشان ميرفت] يقول الفقير وهو الظاهر فان تثنية الفعل انما هى لاجل الانتقال من قصة موسى مع يوشع الى قصته مع الخضر فكان يوشع تبعا لهما فلم يذكر ويدل على هذا قوله ﵇ (مرت بهم سفينة فكلموهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوا بغير نول) على ما فى المشارق ولا مقتضى لرده الى بنى إسرائيل فان هارون ﵇ كان معهم والله اعلم حَتَّى إِذا رَكِبا دخلا فِي السَّفِينَةِ وقال فى الإرشاد فى سورة هود معنى الركوب العلو على شىء له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الأصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة وفى الجلالين حَتَّى إِذا رَكِبا البحر فِي السَّفِينَةِ- روى- انهما مرا بالسفينة فاستحملا ملاحيها فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول بفتح النون اى بغير اجرة خَرَقَها ثقبها الخضر وشقها لما بلغوا اللج اى معظم الماء حيث أخذ فاسا فقلع بغتة اى على غفلة من القوم من ألواحها
стр. 2239
او حين مما يلى الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه وأخذ الخضر قدحا من زجاج ورقع به خرق السفينة او سده بخرقة- روى- انه لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وقال الامام فى تفسيره والظاهر انه خرق جدارها لتكون ظاهرة العيب ولا يتسارع الى أهلها الغرق فعند ذلك قالَ موسى منكرا عليه أَخَرَقْتَها يا خضر لِتُغْرِقَ أَهْلَها فان خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضى الى غرق أهلها وهم قد أحسنوا بنا حيث حملونا بغير اجرة وليس هذا جزاءهم فاللام للعاقبة وقال سعدى المفتى ويجوز ان يحمل على التعليل بل هو الأنسب لمقام الإنكار لَقَدْ جِئْتَ اى أتيت وفعلت شَيْئاً إِمْراً [چيزى شكفت وشنيع وبر دل كران] قال فى القاموس امر امر منكر عجب ومن بلاغات الزمخشري كم أحدث بك الزمان امرا امرا كما لم يزل يضرب زيد عمرا اى كما ثبت دوام هذه القصة قال فى الاسئلة المقحمة كان من حق العلم الواجب عليه الإنكار بحكم الظاهر الا انه كان يلزم مع ذلك التوقف وقت قلب العادة: قال الحافظ
مزن ز چون چرا دم كه بنده مقبل ... قبول كرد بجان هر سخن كه جانان كفت
قالَ الخضر لموسى أَلَمْ أَقُلْ اى قد قلت إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ما تقدر ان تصبر معى البتة وهو تذكير لما قاله من قبل متضمن للانكار على عدم الوفاء بوعد قالَ [كفت موسى كه آن سخن از خاطرم رفته بود] لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ بنسياني وصيتك بعدم السؤال عن حكمة الافعال قبل البيان فانه لا مؤاخذة على الناسي كما ورد فى صحيح البخاري (من ان الاول كان من موسى نسيانا والثاني فرطا والثالث عمدا) وَلا تُرْهِقْنِي يقال رهقه كفرح عشيه وارهقه إياه والارهاق ان يحمل الإنسان على ما لا يطيقه وارهقه عشرا كلفه إياه فى القاموس اى ولا تغشنى ولا تكلفنى ولا تحملني قال الكاشفى [ودر مرسان مرا] مِنْ أَمْرِي وهو اتباعه إياه عُسْراً [دشوارى] مفعول ثانى للارهاق اى لا تعسر على متابعتك ويسرها علىّ فانى أريد صحبتك ولا سبيل لى إليها الا بالإغضاء والعفو وترك المناقشة
بپوش دامن عفوى بر وى جرم مرا ... مريز آب رخ بنده بدين چون و چرا
وفى التأويلات النجمية ومن آداب الشيخ وشرائطه فى الشيخوخة ان لا يحرص على قبول المريد بل يمتحنه بان يخبره عن دقة صراط الطلب وعزة المطلوب وعسرته وفى ذلك يكون له مبشرا ولا يكون منفرا فان وجده صادقا فى دعواه وراغبا فيما يهواه معرضا عما سواه يتقبله بقبول حسن ويكرم مثواه ويقبل عليه اقبال مولاه ويربيه تربية الأولاد ويؤدبه بآداب العباد ومنها ان يتغافل عن كثير من زلات المريد رحمة عليه ولا يؤاخذه بكل سهو او خطأ او نسيان عهد لضعف حاله الا بما يؤدى الى مخالفة امر من أوامره او مزاولة نهى من نواهيه او يؤدى الى انكار واعتراض على بعض أفعاله وأقواله فانه يؤاخذه به وينبهه عن ذلك فان رجع عن ذلك واستغفر منه واعترف بذنبه وندم شرط معه ان لا يعود الى أمثاله ويعتذر عما جرى عليه كما كان حال الكليم حيث قال لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
стр. 2240
اى لا تضيق على امرى فأنى لا أطيق ذلك انتهى وفى الآية تصريح بان النسيان يعترى الأنبياء ﵈ للاشعار بان غيره تعالى معيوب غير معصوم ولكن العصيان يعفى غالبا فكيف بنسيان قارنه الاعتذار وقد قيل
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... أن برّ عندك فيما قال او فجرا
ثم ان امتحان الله وامتحان أوليائه شديد فلابد من الصبر والتسليم والرضى
قفل ز فتست وكشاينده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا
قال الخجندي
بجفا دو شدن از تو نباشد محمود ... هر كجا پاى ايازست سر محمودست «١»
وعن الشيخ ابى عبد الله بن خفيف قدس سره قال دخلت بغداد قاصدا الحج وفى رأسى نخوة الصوفية يعنى حدة الارادة وشدة المجاهدة واطراح ما سوى الله قال ولم آكل أربعين يوما ولم ادخل على الجنيد وخرجت ولم اشرب وكنت على طهارتى فرأيت ظبيا فى البرية على رأس بئر وهو يشرب وكنت عطشانا فلما دنوت من البئر ولى الظبى وإذ الماء فى أسفل البئر فمشيت وقلت يا سيدى امالى عندك محل هذا الظبى فسمعت من خلفى يقال جربناك فلم تصبر ارجع فخذ الماء ان الظبى جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت ومعك الركوة والحبل فرجعت فاذا البئر ملآن فملأت ركوتى وكنت اشرب منها وأتطهر الى المدينة ولم ينفذ الماء فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد قدس سره علىّ قال لو صبرت لنبع الماء من تحت قدمك لو صبرت صبر ساعة اللهم اجعلنا من اهل العناية فَانْطَلَقا الفاء فصيحة والانطلاق الذهاب اى فقبل الخضر عذر موسى ﵇ فخرجا من السفينة فانطلقا حَتَّى إِذا [تا چون] لَقِيا فى خارج قرية مرا بها غُلاماً [پسرى را زيبا روى وبلند قامت خضر او را در پس ديوارى ببرد] فَقَتَلَهُ عطف على الشرط بالفاء اى فقتله عقيب اللقاء واسمه جيسور بالجيم او حيسور بالحاء او حينون قاله السهيلي ومعنى قتله أشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه كما قال رسول الله ﷺ (ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ ابصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فاخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله) كذا فى الصحيحين برواية ابى بن كعب رضى الله عنه قالَ موسى والجملة جزاء الشرط أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً طاهرة من الذنوب لانها صغيرة لم تبلغ الحنث اى الإثم والذنب وهو قول الا كثرين. قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو زاكية والباقون زكية فعيلة للمبالغة فى زكاتها وطهارتها وفرق بينهما ابو عمرو بان الزاكية هى التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت بِغَيْرِ نَفْسٍ بغير قتل نفس محرمة يعنى لم تقتل نفسا فيقتص منها قيل الصغير لا يقاد فالظاهر من الآية كبر الغلام وفيه ان الشرائع مختلفة فلعل الصغير يقاد فى شريعته ويؤيد هذا الكلام ما نقل البيهقي فى كتاب المعرفة ان الاحكام انما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة وقال الشيخ تقى الدين السبكى انها انما صارت متعلقة
стр. 2241
بالبلوغ بعد أحد وقال فى انسان العيون انما صح اسلام على رضى الله عنه مع انهم اجمعوا على انه لم يكن بلغ الحلم ومن ثم نقل عنه رضى الله عنه انه قال
سبقتكمو الى الإسلام طرا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمى
اى كان عمره ثمانى سنين لان الصبيان كانوا إذ ذاك مكلفين لان القلم انما رفع عن الصبى عام خيبر قال فى الإرشاد وتخصيص نفى هذا المبيح بالذكر من بين سائر المبيحات من الكفر بعد الايمان والزنى بعد الإحصان لانه اقرب الى الوقوع نظرا الى حال الغلام وفى الحديث (ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا) فان قلت ما معنى هذا وقد قال ﵇ (كل مولود يولد على الفطرة) قلت المراد بالفطرة استعداده لقبول الإسلام وذلك لا ينافى كونه شقيا فى جبليته او يراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قال النووي لما كان أبواه مؤمنين كان هو مؤمنا ايضا فيجب تأويله بان معناه والله اعلم ان ذلك الغلام لو بلغ لكان كافرا لَقَدْ جِئْتَ فعلت شَيْئاً نُكْراً منكرا أنكر من الاول لان ذلك كان خرقا يمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل الى تداركه وقيل الأمر أعظم من النكر لان قتل نفس واحدة أهون من إغراق اهل السفينة قال جماعة من القراء نصف القرآن عند قوله تعالى لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً الجزء السادس عشر من الاجزاء الثلاثين قالَ الخضر أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً توبيخ لموسى على ترك الوصية وزيادة لك هنا لزيادة العتاب على تركها لانه قد نقض العهد مرتين قالَ موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ [اى چيزى كه صادر شود مثل اين افعال منكره] بَعْدَها اى بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي اى لا تكن صاحبى ومقارنى بل ابعدني عنك وان سألت صحبتك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي [بدرستى كه رسيدى از نزديك من] عُذْراً اى قد وجدت عذرا من قبلى لما خالفتك ثلاث مرات. وبالفارسية [چون سه بار مخالفت كنم هر آينه در ترك صحبت من معذور باشى] العذر بضمتين والسكون فى الأصل تحرى الإنسان ما يمحوبه ذنوبه بان يقول لم افعل او فعلت لاجل كذا او فعلت فلا أعود وهذا الثالث التوبة فكل توبة عذر بلا عكس. والاعتذار عبارة عن محو اثر الذنب وأصله القطع يقال اعتذرت اليه اى قطعت ما فى قلبه من الموجدة وفى الحديث (رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لا بصر اعجب الأعاجيب) وفى الخصائص الصغرى ومن خصائصه ﷺ انه جمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن للانبياء الا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر ﵉ والمراد بالشريعة الحكم
стр. 2242
بالظاهر وبالحقيقة الحكم بالباطن وقد نص العلماء على ان غالب الأنبياء انما بعثوا ليحكموا بالظاهر دون ما اطلعوا عليه من بواطن الأمور وحقائقها وبعث الخضر ليحكم عليه من بواطن الأمور وحقائقها ومن ثمة أنكر موسى على الخضر فى قتله للغلام بقوله لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً فقال له الخضر وما فعلته عن امرى ومن ثمة قال الخضر لموسى انى على علم من عند الله لا ينبغى لك ان تعمل به لانك لست مأمورا بالعمل به وأنت على علم من عند الله لا ينبغى لى ان اعمل به لانى لست مأمورا بالعمل به وفى تفسير ابن حبان والجمهور على ان الخضر نبى وكان علمه معرفة بواطن امور أوحيت اليه اى ليعمل بها وعلم موسى الحكم بالظاهر اى دون الحكم بالباطن ونبينا ﷺ حكم بالظاهر فى اغلب أحواله وحكم بالباطن فى بعضها بدليل قتله ﵇ للسارق وللمصلى لما اطلع على باطن أمرهما وعلم منهما ما يوجب القتل وقد ذكر بعض السلف ان الخضر الى الآن ينفذ الحكم بالحقيقة وان الذين يموتون فجأة هو الذين يقتلهم فان صح ذلك فهو فى هذه الامة بطريق النيابة عن النبي ﷺ فانه صار من اتباعه ﵇ كما ان عيسى ﵇ عند ما ينزل يحكم بشريعته نيابة عنه لانه من اتباعه. وفيه ان عيسى اجتمع به ﷺ اجتماعا متعارفا ببيت المقدس فهو صحابى كذا فى انسان العيون يقول الفقير لا وجه لتخصيص عيسى فانه ﵇ كما اجتمع به ﵇ ذلك الاجتماع كذلك الخضر والياس ﵉ اجتمعا به اجتماعا متعارفا كما سبق فهما صحابيان ايضا. وفيه بيان شرف نبينا ﷺ حيث ان هؤلاء الأنبياء الكرام استمهلوا من الله تعالى ليكونوا من أمته
سر خيل انبيا وسپهدار اتقيا ... سلطان باركاه دنى قائد امم
فَانْطَلَقا اى ذهبا بعد ما شرطا ذلك حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هى انطاكية بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة العواصم وهى ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة اجبل دورها اثنا عشر ميلا كما فى القاموس قال الكاشفى [واهل ديه چون شب شدى دروازه در بستندى وبراى هيچكس نكشادندى نماز شام موسى وخضر بدان ديه رسيدند وخواستند كه بديه در آيند كسى دروازه بگشود واهل ديه را كفتند اينجا غريب رسيده ايم كرسنه نيز هستيم چون ما را در ديه جاى نداديد بارى طعام جهت ما بفرستيد] وذلك قوله تعالى اسْتَطْعَما أَهْلَها اى طلبا منهم الطعام ضيافة قيل لم يسألاهم ولكن نزولمها عندهم كالسؤال منهم قال فى الاسئلة المقحمة استطعم موسى هاهنا فلم يطعم وحين سقى لبنات شعيب ما استطعتم وقد اطعم حيث قال إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا والجواب هاهنا ان الحرمان كان بسبب المعارضة بحيث لم يكتف بعلم الله بحاله بل جنح الى الاعتماد على مخلوق فاراد السكون بحادث مسبوق وهناك جرى على توكله ولم يدخل وسائطه بين المخلوقين وبين ربه بل حط الرحل ببابه فقال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال الحافظ
فقير وخسته بدرگاهت آمدم رحمى ... كه جز دعاى توام نيست هيچ دست آويز
стр. 2243
وقال
ما آبروى فقر وقناعت همى بريم ... با پادشه بكوى كه روزى مقدرست
قوله اسْتَطْعَما أَهْلَها فى محل الجر على انه صفة لقرية وجه العدول عن استطعماهم على ان يكون صفة للاهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم فان الإباء من الضيافة وهم أهلها قاطنون بها أقبح واشنع فَأَبَوْا امتنعوا أَنْ يُضَيِّفُوهُما اى من تضييفهما وهو بالفارسية [مهمان كردن] يقال ضافه إذا نزل به ضيفا واضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفاله هذا حقيقة الكلام ثم شاع كناية عن الإطعام وحقيقة ضاف مال اليه من ضاف السهم عن الغرض إذا مال وعن النبي ﵇ (كانوا اهل قرية لئاما) : قال الشيخ سعدى قدس سره
بزركان مسافر بجان پرورند ... كه نام نكويى بعالم برند
غريب آشنا باش وسياح دوست ... كه سياح جلاب نام نكوست
تبه كرد دان مملكت عن قريب ... كز وخاطر آزرده كردد غريب
نكودار ضيف ومسافر عزيز ... وز آسيب شان بر حذر باش نيز
وفى الحكاية ان أهلها لما سمعوا الآية جاؤا الى النبي ﵇ بحمل من الذهب وقالوا نشترى بهذا ان تجعل الباء تاء يعنى فأتوا ان يضيفوهما اى لان يضيفوهما وقالوا غرضنا دفع اللؤم فامتنع وقال تغييرها يوجب دخول الكذب فى كلام الله والقدح فى الالهة كذا فى التفسير الكبير فَوَجَدا فِيها قال الكاشفى [ايشان كرسنه بيرون ديه بودند بامداد روى براه نهادند پس يافتند در نواحى ديه] جِداراً [ديوارى مائل شده بيك طرف] يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ الارادة نزوع النفس اى شىء مع حكمه فيه بالفعل او عدمه والارادة من الله هى الحكم وهذا من مجاز كلام العرب لان الجدار لا ارادة له وانما معناه قرب ودنا من السقوط كما يقول العرب دارى تنظر الى دار فلان إذا كانت تقابلها قال فى الإرشاد اى يدانى ان يسقط فاستعيرت الارادة للمشاركة للدلالة على المبالغة فى ذلك. والانقضاض الاسراع فى السقوط وهو انفعال من القض يقال قضضته فانقض ومنه انقضاض الطير والكواكب لسقوطها بسرعة وقيل هو افعلال من النقض كالحمر من الحمرة فَأَقامَهُ فسواه الخضر بالاشارة بيده كما هو المروي عن النبي ﵇ وكان طول الجدار فى السماء مائة ذراع قالَ له موسى لضرورة الحاجة الى الطعام قال الكاشفى [كفت موسى اين اهل ديه ما را جاى ندادند وطعام نيز نفرستادند پس چرا ديوار ايشانرا عمارت كردى] والجملة جزاء الشرط لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ افتعل من اتخذ بمعنى أخذ كاتبع وليس من الاخذ عند البصريين عَلَيْهِ على عملك أَجْراً اجرة حتى نشترى بها طعاما قال بعضهم لما قال له لِتُغْرِقَ أَهْلَها قال الحضر أليس كنت فى البحر ولم تغرق من غير سفينة ولما قال أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
قال أليس فتلت القبطي بغير ذنب ولما قال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قال أنسيت سقياك لبنات شعيب من غير اجرة وهذا من باب لطائف المحاورات قال القاسم لما قال موسى هذا القول وقف ظبى بينهما وهما جائعان من جانب موسى غير مشوى ومن جانب الحضر مشوى لان الحضر اقام الجدار بغير طمع وموسى رده الى الطمع قال ابن عباس
стр. 2244
رضى الله عنهما رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل ألا ترى الكليم لما قال للحضر لَوْ شِئْتَ الآية كيف فارقه وقال الجنيد قدس سره إذا وردت ظلمة الاطماع على القلوب حجبت النفوس عن نظرها فى بواطن الحكم يقول الفقير ان قلت كيف جوز موسى طلب الاجر بمقالة العمل الذي حصل بمجرد الاشارة وهو من طريق خرق العادة الذي لا مؤونة فيه قلت لم ينظر الى جانب الأسباب وانما نظر الى النفع العائد الى جانب اصحاب الجدار ألا ترى انه جور أخذ الاجر بمقالة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها وهو ليس من قبيل طلب الاجرة على الدعوة فانه لا يجوز للنبى ان يطلب اجرا من قومه على دعوته وإرشاده كما أشير اليه فى مواضع كثيرة من القرآن قالَ الخضر هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ اى هذا الوقت وقت الفراق بيننا وهذا الاعتراض الثالث سبب الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبنى واضافة الفراق الى البين اضافة المصدر الى الظرف اتساعا سَأُنَبِّئُكَ ساخبرك السين للتأكيد لعدم تراخى التنبئة بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً التأويل رجع الشيء الى مآله والمراد به هاهنا المآل والعاقبة إذ هو المنبأ به دون التأويل وهوخلاص السفينة من اليد العادية وخلاص أبوي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسن واستخراج اليتيمين للكنز قال رسول الله ﷺ (وددنا ان موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما) اى يبين الله لنا بالوحى وفى التأويلات النجمية ومن آداب الشيخ انه لو ابتلى المريد بنوع من الاعتراض او مما يوجب الفرقة يعفو عنه مرة او مرتين ويصفح ولا يفارقه فان عاد الى الثالثة فلا يصاحبه لانه قد بلغ من لدنه عذرا ويقول كما قال الخضر هذا فراق بينى وبينك. ومنها انه لو آل امر الصحبة الى المفارقة بالاختيار او بالاضطرار فلا يفارقه الا على النصيحة فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض ويخبره عن حكمته التي لم يحط بها خبرا ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبرا لئلا يبقى معه انكار فلا يفلح إذا ابدا انتهى يقول الفقير وهو المراد بقول بعض الكبار من قال لاستاذه لم لم يفلح قال ابو يزيد البسطامي قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك من المحنثين وسرق فقطعت يده هذا لما نكث العهد فاين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ ابى سليمان الداراني قدس سره قيل له الق نفسك فى التنور فالقى نفسه فيه فعاد عليه بردا وسلاما وهذه نتيجة الوفاء: وفى المثنوى
جرعه بر خاك وفا آنكس كه ريخت ... كى تواند صيد دولت زو كريخت «١»
جعلنا الله وإياكم من المتحققين بحقائق المواثيق والعهود أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتها فَكانَتْ لِمَساكِينَ لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة وكانوا عشرة اخوة خمسة منهم زمنى يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ بها مؤاجرة طلبا للكسب فاسناد العمل الى الكل بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين اعلم ان الفقير فى الشريعة من له مال لا يبلغ نصابا قدر مائتى درهم او قيمتها فاضلا عن حاجته الاصلية سواء كان ناميا اولا والمسكين من لا شىء له من المال هذا هو الصحيح عند الحنفية والشافعية يعكسون قال القاضي فى الآية دليل ان المسكين يطلق على من يملك شيأ لم يكفه وحمل اللام على التمليك وقال مولانا سعدى انما يكون دليلا
стр. 2245
إذا ثبت ان السفينة كانت ملكا لهم لكن للخصم ان يقول اللام للدلالة على اختصاصها بهم لكونها فى يدهم عارية او كونهم اجراء كما ورد فى الأثر انتهى وقد نص على هذين الوجهين صاحب الكفاية فى شرح الهداية ولئن سلمنا ان السفينة كانت ملكا لهم فانما سماهم الله مساكين دون فقراء لعجزهم عن دفع الملك الظالم ولزمانتهم والمسكين يقع على من اذله شىء وهو غير المسكين المشهور فى مصرف الصدقة هذا هو تحقيق المقام فَأَرَدْتُ بحكم الله وإرادته أَنْ أَعِيبَها اى اجعلها ذات عيب وَكانَ [وحال آنكه هست] وَراءَهُمْ امامهم كقوله ومن ورائهم برزخ فوراء من الاضداد مثل قوله فما فوقها اى دونها أريد به هاهنا الامام دون الخلف على ما يأتى من القصص مَلِكٌ كافر اسمه جلندى بن كركرد كان بجزيرة الأندلس ببلدة قرطبة وأول فساد ظهر فى البحر كان ظلمه على ما ذكره ابو الليث وأول فساد ظهر فى البر قتل قابيل هابيل على ما ذكره ايضا عند تفسير قوله تعالى ظَهَرَ الْفَسادُ الآية يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صحيحة جيدة وهو من قبيل إيجاز الحذف غَصْباً من أصحابها وانتصابه على انه مصدر مبين لنوع الاخذ او على الحالية بمعنى غاصبا والغصب أخذ الشيء ظلما وقهرا ويسمى المغصوب غصبا وخوف الغصب سبب لارادة عيبها لكنه اخر عنها لقصد العناية بذكرها مقدما وجه العناية ان موسى لما أنكر خرقها وقال أخرقتها لتغرق أهلها اقتضى المقام الاهتمام لدفع مبنى إنكاره بان الخرق لقصد التعييب لا لقصد الإغراق- وروى- ان الخضر اعتذر الى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وفى قصص الانبيا فبينماهم كذلك استقبلتهم سفينة فيها جنود الملك وقالوا ان الملك يريد ان يأخذ سفينتكم ان لم يكن فيها عيب ثم صعدوا إليها وكشفوها فوجدوا موضع اللوح مفتوحا فانصرفوا فلما بعدوا عنهم أخذ الخضر ذلك اللوح ورده الى مكانه: وفى المثنوى
كر خضر در بحر كشتى را شكست ... صد درشتى در شكست خضر هست «١»
فظاهر فعله تخريب وباطنه تعمير: وفى المثنوى
آن يكى آمد زمين را مى شكافت ... ابلهى فرياد كرد وبر نتافت «٢»
كين زمين را از چهـ ويران ميكنى ... مى شكافى و پريشان ميكنى
كفت اى ابله برو بر من مران ... تو عمارت از خرابى باز دان
كى شود كلزار وكندم زار اين ... تا نكردد زشت وويران اين زمين
كى شود بستان وكشت وبرك بر ... تا نكردد نظم او زير وزبر
تا نشكافى بنشتر ريش چغز ... كى شود نيكو وكى كرديد نغز
تا نشوزد خلطهايت از دوا ... كى رود شورش كجا آيد شفا
پاره پاره كرد درزى جامه را ... كس زند آن درزى علامه را
كه چرا اين اطلس بگزيده را ... بر دريدى چهـ كنم بدريده را
هر بناى كهنه كآبادان كنند ... نى كه أول كهنه را ويران كنند
همچنين نجار وحداد وقصاب ... هستشان پيش از عمارتها خراب