معه انتهى. ومن قوة عبادة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وذلك أشد الصوم وكان ينام النصف الاول من الليل ويقوم النصف الأخير منه مع سياسة الملك وفى بعض التفاسير كان ينام النصف الاول من الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وهو الموافق لما فى المشارق من قوله ﵇ (أحب الصيام الى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وأحب الصلاة الى الله) اى فى النوافل (صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) وانما صار هذا النوع أحب لان النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخف وانشط فى العبادة إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ بيان لفضله مع داود اى ذللناها ومع متعلق بالتسخير وايثارها على اللام لكون تسخير الجبال له ﵇ لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها اليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان ﵇ لكون سيرها معه بطريق التبعية له فتكون مع على حالها ويجوز ان تكون مع متعلقة بما بعدها وهو قوله يُسَبِّحْنَ اى حال كونها تقدس الله تعالى مع داود لم يقل مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال قال فى كشف الاسرار كان داود يسمع ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به كرامة له ومعجزة انتهى واختلفوا فى كيفية التسبيح فقيل بصوت يتمثل له وهو بعيد وقيل بلسان الحال وهو ابعد وقيل بخلق الله فى جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا فحينئذ يسبح الله كما يسبح الاحياء العقلاء وهذا لسان اهل الظاهر واما عند اهل الحقيقة فسر الحياة سار فى جميع الموجودات حيوانا او نباتا او جمادا فالحياة فى الكل حقيقة لا عارضية او حالية او تمثيلية لكن انما يدركها كمل المكاشفين فتسبيح الجبال مع داود على حقيقته لكن لما كان على كيفية مخصوصة وسماعه على وجه غريب خارج عن العقول كان من معجزات داود ﵇ وكراماته وقد سبق مرارا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه من الكلام بِالْعَشِيِّ فى آخر النهار وَالْإِشْراقِ فى أول النهار ووقت الاشراق هو حين تشرق الشمس اى تضيئ ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى واما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق وعن ابن عباس رضى الله عنهما كنت امر بهذه الآية لا أدرى ما هى حتى حدثتنى أم هانى بنت ابى طالب ان رسول الله ﷺ دخل عليها يوم فتح مكة فدعا بوضوء فتوضأ وفى البخاري واغتسل فى بيتها ثم صلا الضحى ثمانى ركعات وقال (يا أم هانى هذه صلاة الاشراق) ومن هنا قال بعضهم من دخل مكة وأراد ان يصلى الضحى أول يوم اغتسل وصلاها كما فعله ﵇ يوم فتح مكة وقال بعضهم صلاة الضحى غير صلاة الاشراق كما دل عليه قوله ﵇ (من صلى الفجر بجماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له كاجر حجة وعمرة تامة تامة) وهى صلاة الاشراق كما فى شرح المصابيح وقوله ﵇ (صلاة الأوابين حين تدمض الفصال من الضحى) والمعنى أن صلاة الضحى تصلى إذا وجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء اى من الأرض التي اشتد حرها من شدة وقع الشمس عليها فان الرمض شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والفصيل الذي يفصل ويفطم عن الرضاع من الإبل وخص الفصال هنا بالذكر لانها التي ترمض لرقة جلد رجلها وفيه اشارة الى مدحهم بصلاة الضحى فى الوقت الموصوف
стр. 3502
لان الحر إذا اشتد عند ارتفاع الشمس تميل النفوس الى الاستراحة فيرد على قلوب الأوابين المستأنسين بذكر الله تعالى ان ينقطعوا عن كل مطلوب سواه يقول الفقير يمكن التوفيق بين الروايتين بوجهين. الاول يحتمل ان يكون الاشراق من أشرق القول إذا دخلوا فى الشروق اى الطلوع فلا يدل على الضحى الذي هو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها. والثاني ان أول وقت صلاة الاشراق هو ان ترتفع الشمس قدر رمح وآخر وقتها هو أول وقت صلاة الضحى فصلاة الضحى فى الغداة بإزاء صلاة العصر فى العشى فلا ينبغى ان تصلى حتى تبيض الشمس طالعة ويرتفع كدرها بالكلية وتشرق بنورها كما يصلى العصر إذا اصفرت الشمس فقوله ﵇ (هذه صلاة الاشراق) اما بمعنى انها اشراق بالنسبة الى آخر وقتها واما بمعنى انها ضحى باعتبار أول وقتها قال الشيخ عبد الرحمن البسطامي قدس سره فى ترويح القلوب يصلى اربع ركعات بنية صلاة الاشراق فقد وردت السنة يقرأ فى الركعة الاولى بعد الفاتحة سورة والشمس وضحاها وفى الثانية والليل إذا يغشى وفى الثالثة والضحى وفى الرابعة ألم نشرح لك ثم إذا حان وقت صلاة الضحى وهو إذا انتصف الوقت من صلاة الصبح الى الظهر يصلى صلاة الضحى. واقل صلاة الضحى ركعتان او اربع ركعات او اكثر الى ثنتى عشرة ركعة ولم ينقل أزيد منها بثلاث تسليمات وان شئت بست تسليمات ورد فى فضلها اخبار كثيرة من صلاها ركعتين فقد ادى ما عليه من شكر الأعضاء لان الصلاة عمل بجميع الأعضاء التي فى البدن ومن صلاها ثنتى عشرة ركعة بنى له قصر من ذهب فى الجنة وللجنة باب يقال له الضحى فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله وَالطَّيْرَ عطف على الجبال جمع طائر كركب وراكب وهو كل ذى جناح يسبح فى الهواء مَحْشُورَةً حال من الطير والعامل سخرنا اى وسخرنا الطير حال كونها محشورة مجموعة اليه من كل جانب وناحية: وبالفارسية [جمع كرده شد نزد وى وصف زده بالاى سروى] وكانت الملائكة تحشر اليه ما امتنع عليه منها كما فى كشف الاسرار عن ابن عباس رضى الله عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت اليه الطير فسبحت وذلك حشرها وانما لم يراع المطابقة بين الحالين بان يقال يحشرن لان الحشر جملة ادل على القدرة منه متدرجا كما يفهم من لفظ المضارع كُلٌّ اى كل واحد من الجبال والطير لَهُ اى لاجل داود اى لاجل تسبيحه فهو على حذف المضاف أَوَّابٌ رجاع الى التسبيح إذا سبح سبحت الجبال والطير معه: وبالفارسية [باز كرداننده آواز خود با وى بتسبيح] ووضع الأواب موضع المسبح لانها كانت ترجع التسبيح والمرجع رجاع لانه يرجع الى فعله رجوعا بعد رجوع. والفرق بينه وبين ما قبله وهو يسبحن. ان يسبحن يدل على الموافقة فى التسبيح وهذا يدل على المداومة عليها وقيل الضمير لله اى كل من داود والجبال والطير لله أواب اى مسبح مرجع لله. التسبيح والترجيع بالفارسية [نغمت كردانيدن]- روى- ان الله تعالى لم يعط أحدا من خلقه ما اعطى داود من حسن الصوت فلما وصل الى الجبال الحان داود تحركت من لذة السماع فوافقته فى الذكر والتسبيح ولما سمعت الطيور نغماته صفرت بصفير التنزيه والتقديس ولما
стр. 3503
أصغت الوحوش الى صوته ودنت منه حتى كانت تؤخذ بأعناقها فقبل الكل فيض المعرفة والحالة بحسب الاستعداد ألا ترى الى الهدهد والبلبل والقمري والحمامة ونحوها
دانى چهـ كفت مرا آن بلبل سحرى ... تو خود چهـ آدمي كز عشق بيخبرى
اشتر بشعر عرب در حالتست وطرب ... كر ذوق نيست ترا كژ طبع جانورى
فالتأثر والحركة والبكاء ونحوها ليست من خواص الإنسان فقط بل إذا نظرت بنظر الحقيقة وجدتها فى الحيوانات بل فى الجمادات ايضا لكونها احياء بالحياة الحقيقية كما أشير اليه فيما سبق قال الكاشفى [يكى از أوليا سنكى را ديد كه چون قطرات باران آب ازو ميچكد ساعتى توقف كرد بتأمل در ان نكريست سنك با وى بسخن در آمد كه اى ولى خدا چندين سالست كه خداى تعالى مرا آفريده واز بيم سياست او أشك حسرت ميريزم آن ولى مناجات كرد كه خدايا اين سنك را ايمن كردان دعاى او باجابت پيوسته مژده أمان بدان سنك رسيد آن ولى بعد از مدتى ديكر باره همانجا رسيد وآن سنك را ديد كه از نوبت أول بيشتر قطرها ميريخت فرمود كه اى سنك چون ايمن شدى اين كريه از چيست جواب داد كه أول مى كريستم از خوف عقوبت وحالا ميكريم از شادى أمن وسلامت
از سنك كريه بين ومكو آن ترشحست ... در كوه ناله بين ومپندار كان صداست
قال بعض كبار المكاشفين سبحت الجبال وكذا الطير لتسبيح داود ليكون له عملها لان تسبيحها لما كان لتسبيحه منتشأ منه لا جرم يكون ثوابه عائدا اليه لا إليها لعدم استحقاقها لذلك بخلاف الإنسان فانه إذا وافقه انسان آخر فى ذكره وتسبيحه او عمل بقوله يكون له مثل ثواب ذكره وتسبيحه لاحيائه وايقاظه فهو صيده وأحق به وانما كان يسبح الجبال والطير لتسبيحه لانه لما قوى توجهه ﵇ بروحه الى معنى التسبيح والتحميد سرى ذلك الى أعضائه وقواه فانها مظاهر روحه ومنها الى الجبال والطير فانها صور أعضائه وقواه فى الخارج فلا جرم يسبحن لتسبيحه وتعود فائدة تسبيحها اليه وخاصية العشى والاشراق ان فيهما زيادة ظهور أنوار قدرته وآثار بركة عظمته وان وقت الضحى وقت صحو اهل السكر من خمار شهود المقامات المحمودة وان العشى وقت اقبال المصلين الى المناجاة وعرض الحاجات وَشَدَدْنا مُلْكَهُ قوينا ملكه بالهيبة والنصرة ونحوهما قال الكاشفى [ومحكم كرديم پادشاهى ويرا بدعاى مظلومان. يا بوزراى نصيحت كنندكان. يا بكوتاه كردن ظلم از رعيت. يا بالقاى رعب وى در دل أعادي. يا بيافتن زره وساختن آلات حرب. يا به بسيارى لشكر. يا بكثرت پاسپانان چهـ هر شب سى وشش هزار مرد پاس خانه وى ميداشتند] وقيل كان أربعون الف لابسى درع يحرسونه فاذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضى عنكم نبى الله وكان نبينا ﵇ يحرس ايضا الى نزول قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ومن ذلك أخذ السلاطين الحرس فى السفر والحضر فلا يزالون يحرسونهم فى الليالى ولهم اجر فى ذلك وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه ادعى رجل على آخر بقرة وعجز عن اقامة البينة فاوحى الله تعالى الى داود ﵇ ان اقتل المدعى عليه فاعلم الرجل فقال صدقت يا نبى الله ان الله لم يأخذنى بهذا
стр. 3504
الذنب ولكن بانى قتلت أبا هذا غيلة فقتله فقال الناس ان أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله فهابوه وعظمت هيبته فى القلوب. والغيلة بالكسر هو ان يخدع شخصا فيذهب به الى موضع فاذا صار اليه قتله وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ اى العلم بالأشياء على ماهى عليه والعمل بمقتضاه ان كان متعلقا بكيفية العمل واعلم ان الحكمة نوعان. أحدهما الحكمة المنطوق بها وهى علم الشريعة والطريقة. والثاني الحكمة المسكوت عنها وهى اسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها عوام العلماء على ما ينبغى فيضرهم او يهلكهم كما روى ان رسول الله ﷺ كان يجتاز فى بعض سكك المدينة مع أصحابه فاقسمت عليه امرأة ان يدخلوا منزلها فدخلوا فرأوا نارا موقدة وأولاد المرأة يلعبون حولها فقالت يا نبى الله الله ارحم بعباده أم انا با ولادى فقال ﵇ (بل الله ارحم فانه ارحم الراحمين) فقالت يا رسول الله أتراني أحب ان القى ولدي فى النار فقال (لا) فقالت فكيف يلقى الله عبيده فيها وهو ارحم بهم قال الراوي فبكى رسول الله ﵇ فقال (هكذا اوحى الى) وَفَصْلَ الْخِطابِ لبيان تلك الحكمة على الوجه المفهم كما فى شرح الفصوص للمولى الجامى ﵀ فيكون بمعنى الخطاب الفاصل اى المميز والمبين او الخطاب المفصول اى الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب
على المرام من غير التباس وفى شرح الجندي يعنى الإفصاح بحقيقة الأمر وقطع القضايا والاحكام باليقين من غير ارتياب ولا شك ولا توقف فيكون بمعنى فصل الخصام بتمييز الحق من الباطل فالفصل على حقيقته وأريد بالخطاب المخاصمة لاشتمالها عليه وفى التأويلات النجمية (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ) فى الظاهر بان جعلناه أشد ملوك الأرض (وَ) فى الباطن بان (آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) والحكمة هى انواع المعارف من المواهب وفصل الخطاب بيان تلك المعارف با دل دليل واتل قليل انتهى وانما سمى به اما بعد لانه يفصل المقصود عما سبق تمهيدا له من الحمد والصلاة وقال زياد أول من قال فى كلامه اما بعد داود ﵇ فهو فصل الخطاب ورد بانه لم يثبت عنه انه تكلم بغير لغته واما بعد لفظة عربية وفصل الخطاب الذي أوتيه داود هو فصل الخصومة كما فى انسان العيون اللهم الا ان يقال ان صح هذا القول لم يكن ذلك بالعربية على هذا النظم وانما كان بلسانه ﵇ وقال علىّ رضى الله عنه فصل الخطاب ان يطلب البينة من المدعى ويكلف اليمين من أنكر لان كلام الخصوم لا ينقطع ولا ينفصل الا بهذا الحكم قالوا كان قبل ذلك قد علق الله سلسلة من السماء وامره بان يقضى بها بين الناس فمن كان على الحق يأخذ السلسلة وتصل يده إليها ومن كان ظالما لا يقدر على أخذ السلسلة فاتفق ان رجلا غصب من رجل آخر لؤلؤا فجعل اللؤلؤ فى جوف عصاه ثم خاصم المدعى الى داود ﵇ فقال ان هذا قد أخذ لؤلؤا وانى صادق فى مقالتى فجاء وأخذ السلسلة ثم قال المدعى عليه خذ منى العصا فاخذ عصاه فقال انى دفعت اللؤلؤ اليه وانى صادق فى مقالتى فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود فى ذلك ورفعت السلسلة وامر ﵇ بان يقضى بالبينات والايمان فذلك قوله (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ) يعنى العلم والفهم وفصل الخطاب يعنى القضاء بالبينات والايمان على الطالبين والمدعى عليهم كذا فى تفسير الامام ابى الليث ﵀ وكان
стр. 3505
الحكم فى شرعنا ايضا بذلك لانه اسدّ الطرق واحسن الوسائل فى كل مسئلة من المسائل لكل سائل وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ استفهام معناه التعجب والتشويق الى استماع ما فى حيزه للايذان بانه من الاخبار البديعة التي حقها ان لا تخفى على أحد. والنبأ الخبر العظيم والخصم بمعنى المخاصم واصل المخاصمة ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه ولما كان الخصم فى الأصل مصدرا متساويا افراده وجمعه اطلق على الجمع فى قوله تعالى إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ يقال تسور المكان إذا علا سوره وسور المدينة حائطها المشتمل عليها وقد يطلق على حائط مرتفع وهو المراد هنا. والمراد من المحراب البيت الذي كان داود ﵇ يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه قيل كان ذلك البيت غرفة وسمى ذلك البيت محرابا لاشتماله على المحراب على طريقة تسمية الشيء بأشرف اجزائه وإذ متعلقة بمحذوف وهو التحاكم اى نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا المحراب اى تصعدوا سور الغرفة ونزلوا اليه. والمراد بالخصم المتسورين جبرائيل وميكائيل بمن معهما من الملائكة على صورة المدعى والمدعى عليه والشهود والمزكين من بنى آدم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ بدل مما قبله فَفَزِعَ مِنْهُمْ الفزع انقباض ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه وانما فزع منهم لانه كان الباب مغلقا وهو يتعبد فى البيت فنزلوا عليه بغتة من فوق اى من غير الباب على خلاف العادة وفيه اشارة الى كمال ضعف البشرية مع انه كان أقوى الأقوياء إذ فزع منهم ولعل فزع داود كان لاطلاع روحه على انه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه كما سيأتى فلما رأوه فزعا قالُوا ازالة لفزعه لا تَخَفْ منا قال فى التأويلات النجمية يشير الى انه لا تخف من صورة أحوالنا فانا جئنا لتحكم بيننا بالحق ولكن خف من حقيقة أحوالنا فانها كشف أحوالك التي جرت بينك وبين خصمك أوريا خَصْمانِ اى نحن فريقان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصما تجوزا والحاصل انه اطلق لفظ الخصم فيما سبق على الجمع بدليل تسوروا ثم ثنى بتأويل الفريق وهم وان لم يكونوا فريقين بل شخصين اثنين بدليل ان هذا أخي الآية لكن جعل مصاحب الخصم خصما فكانا بمن معهما فريقين من الخصوم فحصل الانطباق بين صيغة التثنية فى قوله خصمان وبين ما مر من ارادة الجمع بَغى [ستم وجور كرد] بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ هو على الفرض وقصد التعريض بداود لا على تحقيق البغي من أحدهما فلا يلزم الكذب إذ الملائكة منزهون عنه فلا يحتاج الى ما قيل ان المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة فلما رآهما اخترعا الدعوى كما فى شرح المقاصد فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ بالعدل: وبالفارسية [پس حكم كن در ميان ما براستى] وَلا تُشْطِطْ [الاشطاط: پيدا كردن واز حد در كذشتن] من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق. والمعنى لا تجر فى الحكومة وهو تأكيد للامر بالحكم بالحق والمقصود من الأمر والنهى الاستعطاف وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ الى وسط طريق الحق بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور وإرشاده الى منهاج العدل إِنَّ هذا استئناف لبيان ما فيه الخصومة أَخِي فى الدين او فى الصحبة
стр. 3506
والتعرض لذلك تمهيد لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ قرأ حفص عن عاصم ولى بفتح الياء والباقون بإسكانها على الأصل نَعْجَةٌ واحِدَةٌ النعجة هى الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة والكناية والتعريض ابلغ فى المقصود وهو التوبيخ فان حصول العلم بالمعرض به يحتاج الى تأمل فاذا تأمله واتضح قبحه كان ذلك أوقع فى نفسه واجلب لخجالته وحيائه فَقالَ أَكْفِلْنِيها اى ملكنيها وحقيقته اجعلنى اكفلها كما اكفل ما تحت يدى والكافل هو الذي يعولها وينفق عليها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ اى غلبنى فى مخاطبته إياي محاجة بان جاء بحجاج لم اقدر على رده وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان أعز منى وأقوى على مخاطبتى لانه كان الملك فالمعنى كان اقدر على الخطاب لعزة ملكه كما فى الوسيط قالَ داود بعد اعتراف المدعى عليه او على تقدير صدق المدعى والا فالمسارعة الى تصديق أحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر لا وجه له وفى الحديث (إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لاحدهما حتى تسمع من الآخر) لَقَدْ ظَلَمَكَ جواب قسم محذوف قصد به ﵇ المبالغة فى انكار فعل صاحبه وتهجن طعمه فى نعجة من ليس له غيرها مع ان له قطيعا منها بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ السؤال مصدر مضاف الى مفعوله وتعديته الى مفعول آخر بالى لتضمنه معنى الاضافة والضم كأنه قيل بضم نعجتك الى نعاجه على وجه السؤال والطلب وفى هذا اشارة الى ان الظلم فى الحقيقة من شيم النفوس فان وجدت ذا عفة فالعلة كما قال يوسف (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) الآية فالنفوس جبلت على الظلم والبغي وسائر الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الأنبياء ﵈ كذا فى التأويلات النجمية يقول الفقير هذا بالنسبة الى اصل النفوس وحقيقتها وإلا فنفوس الأنبياء مطمئنة لا امارة إذ لم يظهر فيهم الا آثار المطمئنة وهى أول مراتب سلوكهم وقد أشار الشيخ الى الجواب بقوله فان وجدت إلخ فاعرف ذلك فانه من مزالق الاقدام وقد سبق التحقيق فيه فى سورة يوسف ثم قال داود ﵇ حملا للنعجة على حقيقتها لا على كونها مستعارة للمرأة وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ اى الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط كظريف والخلطة الشركة وقد غلبت فى الماشية لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ اى ليتعدى غير مراعى لحق الصحبة والشركة: يعنى [از حق خود زياده مى طلبند] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ منهم فانهم يجتنبون عن البغي والعدوان وَقَلِيلٌ ما هُمْ وهم قليل فهم مبتدأ وقليل خبره قدم عليه للاهتمال به وانما أفرد تشبيها بفعيل بمعنى مفعول وما مزيدة لتأكيد القلة او للابهام او التعجب من قلة الموصوفين بالايمان وصالح العمل وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة. يعنى ان الظن الغالب لما كان يقارب العلم استعير له فالظن يقين لكنه ليس بيقين عيان فلا يقال فيه الا العلم. وما فى انما كافة والمعنى وعلم داود بما جرى فى مجلس الحكومة انما فعلنا به الفتنة والامتحان لا غير بتوجيه الحصر الى نفس الفعل بالقياس الى ما يغايره من الافعال فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ اثر ما علم ان ما صدر عنه ذنب كما استغفر آدم ﵇ بقوله ربنا ظلمنا أنفسنا إلخ وموسى ﵇ بقوله تبت إليك وغيرهما من الأنبياء
стр. 3507
الكرام على ما بين فى موضعه وَخَرَّ سقط حال كونه راكِعاً اى ساجدا على تسمية السجود ركوعالانه مبدأه لانه لا يكون ساجدا حتى يركع وفى كل من الركوع والسجود التحنى والخضوع وبه استشهد ابو حنيفة وأصحابه فى سجدة التلاوة على ان الركوع يقوم مقام السجود او خرّ للسجود راكعا اى مصليا إطلاقا للجزء وارادة لكل كأنه احرم بركعتى الاستغفار والدليل على الاول اى على ان الركوع هاهنا بمعنى السجود ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما ان النبي ﵇ كان يقول فى سجدة ص وسجدة الشكر (اللهم اكتب لى عندك بها اجرا واجعلها لى عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود سجدته) وَأَنابَ اى رجوع الى الله تعالى بالتوبة من جميع المخالفات التي هى الزلات وما كان من قبيل ترك الاولى والأفضل لان حسنات الأبرار سيآت المقربين وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان النبي ﵇ سجد فى ص (وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا) وهذه السجدة من عزائم السجود عند ابى حنيفة ومالك رحهما الله وكل منهما على أصله فابو حنيفة يقول هى واجبة ومالك هى فضيلة وعند الشافعي واحمد سجدة شكر. تستحب فى غير الصلاة فلو سجد بها فى الصلاة بطلت عندهما كما فى فتح الرحمن وقال الكاشفى [اين سجده نزد امام أعظم سجده عزيمت است وميكويد بتلاوت وى سجده بايد كرد در نماز وغير نماز ونزد امام شافعى از عزائم نيست واز امام احمد درين سجده دو روايتست واين سجده دهم است بقول امام أعظم ودر فتوحات مكيه اين را سجده انابت كفته وفرموده كه] يقال لها سجدة الشكر فى حضرة الأنوار لان داود سجدها شكرا فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ اى ما استغفر منه وكان ذلك فى شهر ذى الحجة كما فى بحر العلوم- وروى- انه ﵇ بقي فى سجوده أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه الا لصلاة مكتوبة او لما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت منه العشب حول رأسه ولم يشرب ماء الا ثلثاه دمع وجهد نفسه راغبا الى الله فى العفو عنه حتى كاد يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له ايشا على ملكه فاجتمع اليه اهل الزيغ من بنى إسرائيل فلما نزلت توبته بعد الأربعين وغفر له حاربه فهزمه وقد قال نبينا ﵇ (إذا بويع لخليفتين) اى لأحدهما اولا وللآخر بعده (فاقتلوا الآخر منهما) لانه كالباغى هذا إذا لم يندفع الا بقتله وَإِنَّ لَهُ اى داود عِنْدَنا لَزُلْفى لقربة وكرامة بعد المنفرة كما وقع لآدم ﵇. والزلفى القربة والازلاف التقريب والازدلاف الاقتراب ومنه سميت المزدلفة لقربها من الموقف وعن مالك بن دينار فى قوله (وَإِنَّ لَهُ) إلخ يقول الله تعالى لداود ﵇ وهو قائم بساق العرش يا داود مجدنى بذلك الصوت الرخيم اللين فيقول كيف وقد سلبتنيه فى الدنيا فيقول انى أرده عليك فيرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم اهل الجنة كما فى الوسيط وَحُسْنَ مَآبٍ حسن مرجع فى الجنة وفى كشف الاسرار هو الجنة يعنى الجنة هى مآب الأنبياء والأولياء واصل هذه القصة ان داود ﵇ رأى امرأة رجل يقال له أوريا بن حنانا ويقال لها بنشاوع او بنشاويع بنت شايع فمال قلبه إليها وابتلى بعشقها وحبها من غير اختيار منه كما ابتلى نبينا ﵇ بزينب رضى الله عنها لما رآها يوما حتى قال يا مقلب القلوب فسأله داود ان يطلقها فاستحيى ان يرده ففعل فتزوجها وهى
стр. 3508
أم سليمان ﵇ وكان ذلك جائزا فى شريعته معتادا فيما بين أمته غير مخل بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم بعضا ان ينزل عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته خلا انه ﵇ لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شانه نبه بالتمثيل على انه لم يكن ينبغى له ان يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته ويسأل رجلا ليس له الا امرأة واحدة ان ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل كان يجب عليه ان يصبر على ما امتحن به كما صبر نبينا ﵇ حتى كان طالب الطلاق هو زوج زينب وهو زيد المذكور فى سورة الأحزاب لا هو ﵇ اى لم يكن هو ﵇ طالب الطلاق قال البقلى عشق داود ﵇
لعروس من عرائس الحق حين تجلى الحق منها له فانه كان عاشق الحق فسلاه بواسطة من وسائطه وهذه القصة تسلية لقلب نبينا ﵊ حيث أوقع الله فى قلبه محبة زينب فضاق صدره فقال سبحانه (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا) وفرح بذلك وزادله محبة الله والشوق الى لقائه قال ابو سعيد الخراز قدس سره زلات الأنبياء فى الظاهر زلات وفى الحقيقة كرامات وزلف ألا ترى الى قصة داود حين احسن باوائل امره كيف استغفر وتضرع ورجع فكان له بذلك عنده زلفى وحسن مآب صدق ابو سعيد فيما قال لان بلاء الأنبياء والأولياء لا ينقص اصطفائيتهم بل يزيدهم شرفا على شرفهم وذلك لان مقام الخلافة مظهر الجمال والجلال فيتحقق بتجليات الجلال بالافتتان والابتلاء وفى ذلك ترق له كما قال فى التأويلات النجمية ان من شأن النبي والولي ان يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق كما ورد الشرع به بتوفيق الله وان الواجب عليهم ان يحكموا على أنفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم كما قال تعالى (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) فلما تنبه داود انه ما حكم على نفسه بالحق كما حكم على غيره استغفر ورجع الى ربه متضرعا خاشعا باكيا بقية العمر معتذرا عما جرى عليه فتقبل الله منه ورحم عليه وعفا عنه كما قال (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى) اى لقربة بكل تضرع وخضوع وخشوع وبكاء وانين وحنين وتأوّه صدر منه (وَ) له بهذه المراجعات (حُسْنَ مَآبٍ) عندنا انتهى وفى الحديث (اوحى الله تعالى الى داود يا داود قل للعاصين ان يسمعونى ضجيج أصواتهم فانى أحب ان اسمع ضجيج العاصين إذا تابوا الىّ يا داود لن يتضرع المتضرعون الى من هو أكرم منى ولا يسأل السائلون أعظم منى جودا وما من عبد يطيعنى الا وانا معطيه قبل ان يسألنى ومستجيب له قبل ان يدعونى وغافر له قبل ان يستغفرنى) وقد أنكر القاضي عياض ما نقله المؤرخون والمفسرون فى هذه القصة وو هى قولهم فيها ونقل عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم انهما قالا ما زاد داود على ان قال للرجل انزل لى عن امرأتك وأكفلنيها فعاتبه الله على ذلك ونبه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا قال وهذا هو الذي ينبغى ان يعول عليه من امره- وحكى- بعضهم ان أوريا كان خطب تلك المرأة: يعنى [أوريا آن زن را خطبه كرده بود او را بخواسته واز قوم وى اجابت يافته ودل بر وى نهاده «فاما عقد نكاح» هنوز نرفته بود «فلما غاب أوريا» يعنى بغزا رفت] وكان من غزاة البلقاء ثم خطبها داود فزوجت منه لجلال قدره فاغتم لذلك أوريا فعاتبه الله على ذلك فكان ذنبه ان خطب على خطبة أخيه المسلم مع عدم احتياجه لانه
стр. 3509
كانت تحت نكاحه وقتئذ تسع وتسعون امرأة ولم يكن لاوريا غير من خطبها يقول الفقير دل نظم القرآن على الرواية فقوله (أَكْفِلْنِيها) دل على انها كانت تحت نكاح أوريا وايضا دل لفظ (الْخَصْمِ) على ان أوريا بصدد الخصام ولا يكون بهذا الصدد الا بكونها تحت نكاحه مطلوبة منه بغير حسن رضاه وصفاء قلبه ومجرد جواز استنزال الرجل عن امرأته فى شريعتهم لا يستلزم جواز الجبر فلما طلقها أوريا استحياء من داود بقيت الخصومة بينه وبين داود إذ كان كالجبر كما دل (وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) فكان السائل العزيز الغالب فهاتان الروايتان أصح ما ينقل فى هذه القصة فانهم وان أكثروا القول فيها لكن الأنبياء منزهون عما يشين بكمالهم او لا يزين بجمالهم خصوصا عما يقوله القصاص من حديث قتل أوريا وسببية داود فى ذلك بتزوج امرأته ولذلك قال على رضى الله عنه من حدث بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفى الفتوحات المكية فى الباب السابع والخمسين بعد المائة ينبغى للواعظ ان يراغب الله فى وعظه ويجتنب عن عن كل ما كان فيه تجر على انتهاك الحرمات مما ذكره المؤرخون عن اليهود من ذكر زلات الأنبياء كداود ويوسف ﵉ مع كون الحق اثنى عليهم واصطفاهم ثم الداهية العظمى ان يجعل ذلك فى تفسير القرآن ويقول قال المفسرون كذا وكذا مع كون ذلك كله تأويلات فاسدة بأسانيد واهية عن قوم غضب الله عليهم وقالوا فى الله ما قصه الله علينا فى كتابه وكل واعظ ذكر ذلك فى مجلسه مقته الله وملائكته لكونه ذكر لمن فى قلبه مرض من العصاة حجة يحتج بها ويقول إذا كان مثل الأنبياء وقع فى مثل ذلك فأى شىء انا فعلم ان الواجب على الواعظ ذكر الله وما فيه تعظيمه وتعظيم رسله وعلماء أمته وترغيب الناس فى الجنة وتحذيرهم من النار واهوال الموقف بين يدى الله تعالى فيكون مجلسه كله رحمة انتهى كلام الفتوحات على صاحبه أعلى التجليات قال الشيخ الشعراني قدس سره فى الكبريت الأحمر وكذلك لا ينبغى له ان يحقق المناط فى نحو قوله تعالى (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ولا نحو قوله (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وقوله (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) فان العامة إذا سمعوا مثل ذلك استهانوا بالصحابة ثم احتجوا بأفعالهم انتهى كلامه قال حجة الإسلام الغزالي ﵀ يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة فلعل ذلك الخطأ فى الاجتهاد لا لطلب الرياسة او الدنيا كما لا يخفى انتهى والحاصل ان معاصى الخواص ليست كمعاصى غيرهم بان يقعوا فيها بحكم الشهوة الطبيعية وانما تكون معاصيهم بالخطأ فى التأويل فاذا اظهر الله لهم فساد ذلك التأويل الذي أداهم الى ذلك الفعل حكموا على أنفسهم بالعصيان وتابوا ورجعوا الى حكم العزيز المنان يا داوُدُ اى فغفر ناله ذلك وقلنا له يا داود إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ الخلافة النيابة عن الغير اما لغيبة المنوب عنه واما لموته واما لعجزه واما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه فى الأرض إذ الوجوه الاول محال فى حق
стр. 3510
الله تعالى فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبي وحكومته والسلطان أعم والخلافة فى خصوص مرتبة الامامة ايضا أعم. والمعنى استخلفناك على الملك فى الأرض والحكم فيما بين أهلها اى جعلناك اهل تصرف نافذ الحكم فى الأرض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها وكان النبوة قبل داود فى سبطه والملك فى سبط آخر فاعطاهما تعالى داود ﵇ فكان يدبر امر العباد بامره تعالى وفيه دليل بين على ان حاله ﵇ بعد التوبة كما كان قبلها لم يتغير قط بل زادت اصطفائيته كما قال فى حق آدم ﵇ (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) قال بعض كبراء المكاشفين ثم المكانة الكبرى والمكانة الزلفى التي خصه الله بها التنصيص على خلافته ولم يفعل ذلك مع
أحد من أبناء جنسه وهم الأنبياء وان كان فيهم خلفاء فان قلت آدم ﵇ قد نص الله على خلافته فليس داود مخصوصا بالتنصيص على خلافته قلنا ما نص على خلافة آدم مثل التنصيص على خلافة داود وانما قال للملائكة انى جاعل فى الأرض خليفة فيحتمل ان يكون الخليفة الذي اراده الله غير آدم بان يكون بعض أولاده ولو قال ايضا انى جاعل آدم لم يكن مثل قوله انا جعلناك خليفة بضمير الخطاب فى حق داود فان هذا محقق ليس فيه احتمال غير المقصود قال بعضهم تجبرت الملائكة على آدم فجعله الله خليفة وتجبر طالوت على داود فجعله خليفة وتجبرت الأنصار على ابى بكر رضى الله عنه فجعله خليفة فلذا جعل الله الخلفاء ثلاثة آدم وداود وأبا بكر. وكان مدة ملك داود أربعين سنة مما وهبه الخليفة الاول من عمره فان آدم وهب لداود من عمره ستين سنة فلذا كان خليفة فى الأرض كما كان آدم خليفة فيها وفى الآية اشارة الى معان مختلفة منها ان الخلافة الحقيقية ليست بمكتسبة للانسان وانما هى عطاء وفضل من الله يؤتيه من يشاء كما قال تعالى (إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً) اى أعطيناك الخلافة ومنها ان استعداد الخلافة مخصوص بالإنسان كما قال تعالى (جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) ومنها ان الإنسان وان خلق مستعدا للخلافة ولكن بالقوة فلا يبلغ درجاتها بالفعل الا الشواذ منهم ومنها ان الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما ان الخلقية تتعلق بعالم الصورة ولهذا لما اخبر الله تعالى عن صورة آدم ﵇ قال (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ) ولما اخبر عن معناه قال (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ومنها ان الروح الإنساني هو الفيض الاول وهو أول شىء تعلق به امر كن ولهذا نسبه الى امره فقال تعالى (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) فلما كان الروح هو الفيض الاول كان خليفة الله ومنها ان الروح الإنساني خليقة الله بذاته وصفاته اما بذاته فلانه كان له وجود من جود وجوده بلا واسطة فوجوده كان خليفة وجود الله واما بصفاته فلانه كان له صفات من جود صفات الله بلا واسطة فكل وجود وصفات تكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة خليفة الله بالذات والصفات وهلم جرا الى ان يكون القالب الإنساني هو أسفل سافلين الموجودات وآخر شىء لقبول الفيض الإلهي واقل حظ من الخلافة فلما أراد الله ان يجعل الإنسان خليفة خليفته فى الأرض خلق لخليفة روحه منزلا صالحا لنزول الخليفة فيه وهو قالبه واعدّ له عرشا فيه ليكون محل استوائه عليه وهو القلب ونصب له خادما وهو النفس فلو بقي الإنسان على
стр. 3511
فطرة الله التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الحق تعالى فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب والقلب فائض بخلافة الروح على خادم النفس والنفس فائضة بخلافة القلب على القالب والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهى ارض الله فيكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة الله فى ارضه بحكمه وامره بتواقيع الشرائع ومنها ان من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق والاعراض عن الهوى بترك متابعته كما ان من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح قال تعالى (كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) ومنها ان الله تعالى جعل داود الروح خليفة فى ارض الانسانية وجعل القلب والسر والنفس والقالب والحواس والقوى والأخلاق والجوارح والأعضاء كلها رعية له ثم على قضية كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته امر بان يحكم بين رعيته بالحق اى بامر الحق لا بامر الهوى كما قال تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ اى بحكم الله تعالى فان الخلافة مقتضية له حتما وحكم الله بين خلقه هو العدل المحض وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا. والحكم لغة الفصل وشرعا امر ونهى يتضمنه إلزاما وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى اى ما تهواه النفس وتشتهيه فى الحكومات وغيرها من امور الدين والدنيا: وبالفارسية [و پيروى مكن هواى نفس را وآرزوهاى او را] قال بعضهم وهو يؤيد ما قيل ان ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر الى امرأة أوريا وهو ان يجعلها تحت نكاحه او ما قيل ان ذنبه المبادرة الى تصديق المدعى وتظليم الآخر قبل مسألته فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب على انه جواب النهى اى فيكون الهوى او اتباعه سببا لضلالك عن دلائله
التي نصبها على الحق تكوينا وتشريعا قال بعض الكبار (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) اى ما يخطر لك فى حكمك من غير وحي منى (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) اى عن الطريق الذي اوحى بها الى رسلى انتهى فان قلت كيف يكون متابعة الهوى سببا للضلال قلت لان الهوى يدعو الى الاستغراق فى اللذات الجسمانية فيشغل عن طلب السعادات الروحانية التي هى الباقيات الصالحات فمن ضل عن سبيل الله الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق او اتباع الحق فى الأمور وقع فى سبيل الشيطان بل فى حفرة النيران والحرمان إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تعليل لما قبله ببيان غائلته واظهار فى سبيل الله فى موضع الإضمار للايذان بكمال شناعة الضلال عنه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا اى بسبب نسيانهم يَوْمَ الْحِسابِ مفعول لنسوا. ولما كان الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب كان كل منهما سببا وعلة لثبوت العذاب الشديد تأدب مع داود حيث لم يسند الضلال اليه بان يقول فلئن ضللت عن سبيلى فلك عذاب شديد لما هو مقتضى الظاهر بل أسنده الى الجماعة الغائبين الذين داود ﵇ واحد منهم واعلم ان الله تعالى خلق الهوى الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى فان من صفته الهداية والحكمة فى خليفته يكون هاديا الى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة امره كما ان الحق تعالى كان هاديا الى حضرته بنور ذاته وموافقة امره ليسير السائر الى الله على قدمى موافقته امر الله ومخالفته هواه ولهذا قال المشايخ لولا الهوى ما سلك أحد طريقا الى الله وأعظم جنايات العبد وأقبح
стр. 3512
خطاياه متابعة الهوى كما قال ﵇ (ما عبد اله فى الأرض ابغض على الله من الهوى) وفى الحديث (ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه) وللهوى كمالية فى الإضلال لا توجد فى غيره وذلك لانه يحتمل ان يتصرف فى الأنبياء ﵈ باضلالهم عن سبيل الله كما قال لداود ﵇ (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وبقوله (إِنَّ الَّذِينَ) إلخ يشير الى ان الضلال الكبير هو الانقطاع عن طلب الحق ومن ضل عن طريق الحق أخذ بعذاب شديد القطيعة والحرمان من القرب وجوار الحق وذلك بما نسوا يوم الحساب وهو يوم يجازى فيه كل محق بقدر هدايته وكل مبطل بحسب ضلالته كما فى التأويلات النجمية وفى الآية دليل بين على وجوب الحكم بالحق وان لا يميل الحاكم الى أحد الخصمين بشئ من الأشياء وفى الحديث انه ﵇ قال لعلى (يا على احكم بالحق فان لكل حكم جائر سبعين درعا من النار لوان درعا واحدا وضع على رأس جبل شاهق لا صبح الجبل رمادا) [در فوائد السلوك آورده كه بنكر كه پادشاهى چهـ صعب كاريست كه حضرت داود ﵇ با كمال درجه نبوت وجلال مرتبه رسالت بحمل اعباى چنين امرى مأمور وبخطب أثقال چنين خطابى مخاطب مى شود كه (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) ميان مردمان حكم بطريق معدلت ونصفت كن وداورى بر منهج عدل وانصاف نماى و پاى بر جاى حق نه بر طريق باطل ومتابعت هواى نفس بر متابعت مراد حق اختيار مكن كه ترا از مسالك مراضئ ما كمراه كردند: ودر سلسلة الذهب ميفرمايد
نص قرآن شنو كه حق فرمود ... در مقام خطاب يا دود
كه ترازان خليفكى داديم ... سوى خلقان از آن فرستاديم
تا دهى ملك را ز عدل أساس ... حكم رانى بعدل بين الناس
هر كرا نه ز عدل دستورست ... از مقام خليفكى دورست
آنكه كيرد ستم ز ديو سبق ... عدل چون خواندش خليفه حق
پيشه كرده خلاف فرمان را ... كشته نائب مناب شيطان را
حق ز شاهان بغير عدل نخواست ... آسمان وزمين بعدل بپاست
شاه باشد شبان خلق همه ... رمه وكرك آن رمه ظلمه
بهر آنست هاى هوى شبان ... تا بيابد رمه زكرك أمان
چون شبان سازكار كرك بود ... رمه را آفت بزرك بود
هر كرا دل بعدل شد مائل ... طمع از مال خلق كوبكسل
طمع وعدل آتش وآبند ... هر دو يكجا قرار كى يابند
هر كرا از خليفكئ خداى ... نشود سير نفس بد فرماى
سير مشكل شود از آن زر وسيم ... كه كشد كه زبيوه كه زيتيم
ومن الله التوفيق للعدل فى الأنفس والآفاق واجراء احكام الشريعة وآداب الطريقة على الإطلاق انه المحسن الخلاق وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من المخلوقات باطِلًا
стр. 3513
اى خلقا باطلا لا حكمة فيه بل ليكون مدارا للعلم والعمل ومذكرا للآخرة وما فيها من الحساب والجزاء فان الدنيا لا تخلو عن الصفو والكدر وكل منهما يفصح عما فى الآخرة من الراحة والخطر وايضا ليكون مرآة يشاهد فيها المؤمنون الذين ينظرون بنور الله شواهد صفات الجمال والجلال
جهان مرآت حسن شاهد ماست ... فشاهد وجهه فى كل ذرات
ذلِكَ اى كونه خلقا باطلا خاليا عن الغاية الجليلة والحكمة الباهرة ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى مظنون كفار مكة فانهم وان كانوا مقرين بان الله هو الخالق لكن لما اعتقدوا بان الجزاء الذي هو علة خلق العالم باطل لزمهم ان يظنوا ان المعلول باطل ويعتقدوا ذلك فَوَيْلٌ اى فاذا كان مظنونهم هذا فالهلاك كل الهلاك اى فشدة هلاك حاصل: وبالفارسية [پس واى] لِلَّذِينَ كَفَرُوا خبر لويل مِنَ النَّارِ من تعليلية مفيدة لعلية النار لثبوت الويل لهم صريحا بعد الاشعار بعلية ما يؤدى إليها من ظنهم وكفرهم اى فويل لهم بسبب النار المرتبة على ظنهم وكفرهم فلا بد من رؤية الحق حقا والباطل باطلا وتدارك زاد اليوم اى يوم الجزاء ظاهرا وباطنا ليحصل الخلاص والنجاة والنعيم واللذات فى أعلى الدرجات أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أم منقطعة بمعنى بل والهمزة الانكارية اى بل أنجعل المؤمنين المصلحين فى الأرض كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي اى لا نجعلهم سواء فلو بطل البعث والجزاء كما يظن الكفار لا ستوت عند الله حال من أصلح ومن أفسد ومن سوى بينهما كان سفيها والله تعالى منزه عن السفه فانما بالايمان والعمل الصالح يرفع المؤمنين الى أعلى عليين ويرد الكافرين الى أسفل سافلين أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ اى كما لا نجعل اهل الايمان والعمل الصالح الذين هم مظاهر صفات لطفنا وجمالنا كالمفسدين الذين هم مظاهر صفات قهرنا وجلالنا كذلك لا نجعل اهل التقوى كالفجار والفجر شق الشيء شقا واسعا والفجور شق سر الديانة. أنكر التسوية اولا بين اهل الايمان والشرك ثم بين اهل التقوى والهوى يعنى من المؤمنين وهو المناسب لمقام التهديد والوعيد كى يخاف من الله تعالى كل صنف بحسب مرتبته ويجوز ان يكون تكرير الإنكار الاول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم- وروى- ان كفار قريش قالوا للمؤمنين انا نعطى فى الآخرة من الخير ما تعطون بل اكثر فقال تعالى (أَمْ نَجْعَلُ) إلخ وانما قالوا ذلك على تقدير وقوع الآخرة كما سبق من قوله تعالى (وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وسيجئ فى قوله تعالى (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) اى فى ثواب الآخرة واعلم ان الله تعالى سوى بين الفريقين فى التمتع بالحياة الدنيا بل الكفار أوفر حظا من المؤمنين لان الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة لكن الله جعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا وهم المؤمنون المخلصون المنقادون لله ولامره وانما لم يجازهم فى هذه الدار لسعة رحمته وضيق هذه الدار فلذا اخر الجزاء الى الدار الآخرة فاذا ترقى الإنسان من الهوى الى الهدى ومن الفجور الى التقوى أخذ الاجر بالكيل الاوفى ثم لما كان القرآن منبع جميع السعادات والخيرات وصفه
стр. 3514
اولا ثم بين المصلحة فيه فقال كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف وهو عبارة عن القرآن اى هذا كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ صفته مُبارَكٌ خبر ثان للمبتدأ اى كثير المنفعة دنيا ودينا لمن آمن به وعمل باحكامه وحقائقه وإشاراته فان البركة ثبوت الخير الإلهي فى الشيء والمبارك ما فيه ذلك الخير لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ متعلق بانزلنا وأصله يتدبروا فادغمت التاء فى الدال اى أنزلناه ليتفكروا فى آياته بالفكر السليم فيعرفوا ما يتبع ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة اى ليتفكروا فى معانيها فان التدبر عبارة عن النظر فى عواقب الأمور والتفكر تصرف القلب فى معانى الأشياء لدرك المطلوب وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ اى وليتعظ به اصحاب العقول الخالصة عن شوب الوهم عمم التدبر لعموم العلماء وخص التذكر بخصوص العقلاء لان التدبر للفهم والتذكر لوقوع الإجلال والخشية الخاص باكابر اهل العلم قال بعضهم التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية واما التذكر فهو عند رفع الحجاب والرجوع الى الفطرة الاولى فيتذكر ما انطبع فى النفس فى الأزل من التوحيد والمعارف انتهى فعلم ان المقصود من كلام الحق التفكر والتذكر والاتعاظ به لا حفظ الألفاظ فقط قال الشبلي قدس سره قرأت اربعة آلاف حديث ثم اخترت منها حديثا واحدا وكان علم الأولين والآخرين مندرجا فيه وذلك ان رسول الله ﷺ قال لبعض أصحابه (اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها واعمل لله بقدر حاجتك اليه واعمل للنار بقدر صبرك عليها) وكان الصحابة يكتفون ببعض السور القرآنية ويشتغلون بالعمل بها فان المقصود من القرآن العمل به- روى- ان رجلا جاء الى النبي ﵇ وقال علمنى مما علمك الله فدفعه الى رجل يعلمه القرآن فعلمه إذا زلزلت الأرض حتى إذا بلغ فمن يعمل إلخ قال حسبى فاخبر النبي ﵇ بذلك فقال (دعوه فقد فقه الرجل) وقال ابراهيم بن أدهم ﵀ مررت بحجر مكتوب عليه قلبنى ينفعك فقلبته فاذا مكتوب عليه أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب ما لم تعلم وعن البصري ﵀ قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيعوا حدوده حتى ان أحدهم ليقول والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا والله وقد أسقط كله ما يرى عليه للقرآن اثر فى خلق ولا عمل والله ما هو بحفظ حروفه واضاعة حدوده والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة لا اكثر الله فى الناس مثل هؤلاء فمن اقتفى بظاهر المتلوّ كان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ومهرة نتوج لا يستولدها قال انس رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ (تعوذوا بالله من فخر القراء فانهم أشد فخرا من الجبابرة) ولا أحد ابغض الى رسول الله من قارئ متكبر وعن على رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (تعوذوا بالله من دار الحزن فانها إذا فتحت استجارت منها جهنم سبعين مرة أعدها الله للقراء المرائين بأعمالهم وان شر القراء لمن يزور الأمراء) : وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى قدس سره رب تال يفوه بالقران وهو يفضى به الى الخذلان
стр. 3515
خواجه را نيست جز تلاوت كار ... ليكن آن طرد ولعنت آرد بار
لعنتست اين كه بهر لهجه وصوت ... شود از تو حضور خاطر فوت
نشود بر دل تو تا بنده ... كين كلام خداست يابنده
لعنتست اين كه سازدت بى سيم ... روز شب با امير وخواجه نديم
خانه شان مزبله است وقرآن نور ... دار اين نور را ز مزبله دور
معنئ لعن چيست مردودى ... بمقامات بعد خشنودى
هر كه ماند از خدا بيك سر مو ... آمد اندر مقام بعد فرو
كرچهـ ملعون نشد ز حق مطلق ... هست ملعون بقدر بعد از حق
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ [وبخشيديم داود را فرزندى كه آن سليمانست] ﵉. والهبة عطاء الواهب بطريق الانعام لا بطريق العوض والجزاء الموافق لاعمال الموهوب له فسليمان النعمة التامة على داود لان الخلافة الظاهرة الالهية قد كملت لداود وظهرت أكمليتها فى سليمان وكذا على العالمين لما وصل منه إليهم من آثار اللطف والرحمة وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال أولادنا من مواهب الله ثم قرأ (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) - روى- ان داود ﵇ عاش مائة سنة ومات يوم السبت فجأة ويوم السبت لهم كيوم الجمعة لنا أتاه ملك الموت وهو يصعد فى محرابه اى الغرفة وينزل وقال جئت لا قبض روحك فقال دعنى حتى انزل وارتقى فقال مالى الى ذلك سبيل نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق فما أنت بمؤثر بعدها فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وموت الفجأة رحمة للصالحين وتخفيف ورفق بهم إذ هم المنقطعون المستعدون فلا يحتاجون الى الإيصاء وتجديد التوبة ورد المظالم بخلاف غيرهم ولذا كان من آثار غضب الله على الفاسقين واوصى داود لابنه سليمان بالخلافة نِعْمَ الْعَبْدُ سليمان لصلاحية استعداده للكمال النوعي الإنساني وهو مقام النبوة والخلافة قال بعضهم العبودية هى الذبول عن موارد الربوبية والخمول تحت صفات الالوهية إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع الى الحضرة بإخلاص العبودية بلا علة دنيوية ولا اخروية او رجاع الى الله فى جميع الأحوال فى النعمة بالشكر وفى المحنة بالصبر [بظاهر ملك ومملكت ميراند وبباطن فقر وفاقت همى پرورد سليمان روزى تمنى كرد كفت بار خدايا جن وانس وطيور ووحوش بفرمان من كردى چهـ بود كه إبليس را نيز بفرمان من كنى تا او را بند كنم كفت اى سليمان اين تمنى مكن كه در ان مصلحت نيست كفت بار خدايا كر هم دو روز باشد اين مراد من بده كفت دادم سليمان إبليس را در بند كرد ومعاش سليمان با آن همه ملك ومملكت از دست رنج خويش بود هر روز زنبيلى ببافتى وبدو قرص بدادى ودر مسجد با درويشى بهم بخوردى وكفتى] مسكين وجالس مسكينا
يك كدا بود سليمان بعصا وزنبيل ... يافت از لطف تو آن حشمت وملك آرايى
آن روز كه إبليس را در بند كرد زنبيل ببازار فرستاد وكس نخريد كه در بازار آن
стр. 3516
روز هيچ معاملت وتجارت نبود ومردم همه بعبادت مشغول بودند آن روز سليمان هيچ طعام نخورد ديكر روز همچنان بر عادت زنبيل بافت وكس نخريد سليمان كرسنه شد بالله ناليد كفت بار خدايا كرسنه ام وكس زنبيلى نمى خرد فرمان آمد كه اى سليمان نمى دانى كه چون تو مهتر بازاريان در بند كنى در معاملات بر خلق فرو بسته شود ومصلحت خلق نباشد او معمار دنياست ومشارك خلق در اموال وأولاد] يقول الله تعالى (وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) فظهر من هذه الحكاية حال سليمان مع الله تعالى وكونه متخليا عن المال فارغا عن الملك فى الحقيقة
چوهر ساعت از تو بجايى رود دل ... بتنهايى اندر صفايى نبينى
ورت مال وجاهست وزرع وتجارت ... چودل با خدايست خلوت نشينى
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ اى اذكر ما صدر عنه إذ عرض عليه يقال عرض له امر كذا اى ظهر وعرضته له اى اظهرته وعرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر ما حالهم بِالْعَشِيِّ هو من الظهر الى آخر النهار الصَّافِناتُ مرفوع بعرض جمع صافن لا صافنة لانه لذكور الخيل وصفة المذكر الذي لا يعقل يجمع هذا الجمع مطردا كما عرف فى النحو. والصفن الجمع بين الشيئين ضاما بعضهما الى بعض يقال صفن الفرس قوائمه إذا قام على ثلاث وثنى الرابغة اى قلب أحد حوافره وقام على طرف سنبك يد او رجل والسنبك طرف مقدم الحافر وهو من الصفات المحمودة فى الخيل لا يكاد يتفق الا فى العربي الخالص: والمعنى بالفارسية [اسبان ايستاده به سه پاى وبر كناره سم از قائم چهارم] الْجِيادُ جمع جواد وجود وهو الذي يسرع فى جريه تشبيها له بالمطر الجود: والمعنى بالفارسية [اسبهاى تازى نيورنك نيكو قد تيزرو] كذا قاله صاحب كشف الاسرار وكأنه جمع بين معنى الجيد والجواد قال فى القاموس الجواد السخي والسخية والجمع الأجواد والجيد ضد الرديء والجمع الجياد وقيل الجواد هو الفرس الذي يجود عند الركض اى العدو وعن ابن عباس رضى الله عنهما الجياد الخيل السوابق وإذا جرت كانت سراعا خفافا فى جريها- روى- ان سليمان ﵇ غزا اهل دمشق ونصيبين وهى قاعدة ديار ربيعة فاصاب الف فرس عربى او أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه وهذا على تقدير عدم بقاء قوله ﵇ (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة) على عمومه او يحمل على الاستعارة بعلاقة المشابهة فى ثبوت ولاية التصرف فان لسليمان حق التصرف فيما تركه أبوه فى بيت المال كالدروع ونحوها كما كان للخلفاء حق التصرف فيما تركه نبينا ﵇ ولذا منع أبو بكر رضى الله عنه فاطمة رضى الله عنها عن الميراث حين طلبته وذلك ان ما تركه ﵇ من صفايا اموال النفير وفدك كان مصروفا الى نفقة نسائه كما فى حياته لكونهن محبوسات عليه الى وفاتهن وايضا الى نفقة خليفته لكونه خادما له قائما مقامه وما فضل من ذلك كان يصرف الى مصالح المسلمين فلم يبق له بعد وفاته ما يكون ميراثا لاهل بيته [وكفته اند اسبان دريايى بودند و پر داشتند وديوان براى سليمان از بحر برآوردند] وسيجئ ما يؤيده
стр. 3517
وعلى كل تقدير قعد سليمان يوما بعد ما صلى الظهر على كرسيه وكان يريد جهادا فاستعرض تلك الافراس اى طلب عرضها عليه فلم تزل تعرض عليه وهو ينظر إليها ويتعجب من حسنها حتى غربت الشمس وغفل عن العصر وكانت فرضا عليه كما فى كشف الاسرار وعن ورد كان له من الذكر وقتئذ وتهيبه قومه فلم يعلموه فاغتم لما فاته بسبب السهو والنسيان فاستردها فعقرها تقربا الى الله وطلبا لمرضاته على ان يكون العقر قربة فى تلك الشريعة ولذا لم ينكر عليه فعله او مباحا فى ذلك اليوم وانما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله كما قاله ابو الليث فلم يكن من قبيل تعذيب الحيوان يقول الفقير سر العقر هاهنا هو ان تلك الخيل لما شغلته عن القيام الى الصلاة كان العقد كفارة موافقة له وقال بعضهم المراد من العقر الذبح فيكون تقديم السوق كما يأتى لرعاية الفاصلة فذبحها وتصدق بلحومها وكان لحم الخيل حلالا فى ذلك الوقت وانما لم يتصدق بها لانه يحتاج الى زمان ووجدان محل صالح له. والحاصل انه ذبح تسعمائة وبقي مائة وهو ما لم يعرض عليه بعد فما فى أيدي الناس من الجياد فمن نسل تلك المائة الباقية كذا قالوا وفيه ان هذا يؤيد كون تلك الخيل قد أخرجت من البحر إذ لو كانت من غنائم الغزو لم يلزم ان يكون نسل الجياد من تلك المائة لوجود غيرها فى الدنيا وايضا على تقدير كونها ميراثا من أبيه بالمعنى الثاني كما سبق تكون امانة فى يده والامانة لا تعقر ولا تذبح كما لا يخفى فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي قاله ﵇ عند غروب الشمس اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة وندما عليه وتمهيدا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها والتعقيب بالفاء باعتبار اواخر العرض المستمر دون ابتدائه والتأكيد للدلالة على ان اعترافه وندمه عن صميم القلب لا لتحقيق مضمون الخبر واصل أحببت ان يعدى بعلى لانه بمعنى آثرت كما فى قوله تعالى (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) وكل من أحب شيأ فقد آثره لكن لما أنيب مناب أنبت وضمن معناه عدى تعديته بعن وحب الخير مفعوله اى مفعول به لانبت المضمن والذي أنيب مناب الذكر هو الاطلاع على احوال الخيل لا حب الخيل الا انه عدى الفعل الى حب الخيل للدلالة على غاية محبته لها فان الإنسان قد يحب شيأ ولكنه يحب ان لا يحبه كالمريض الذي يشتهى ما يضره ولذا لما قيل لمريض ما تشتهى قال اشتهى ان لا اشتهى واما من أحب شيأ وأحب ان يحبه فذلك غاية المحبة. والخير المال الكثير والمراد به الخيل التي شغلته ﵇ لانها مال ويحتمل انه سماها خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها قال ﵇ (الخير) اى الاجر والمغنم (معقود بنواصي الخيل الى يوم القيامة) والمراد بالذكر صلاة العصر بدليل قوله بالعشي وسميت الصلاة ذكرا لانها مشحونة بالذكر كما فى كشف الاسرار او الورد المعين وقتئذ. ومعنى الآية أنبت حب الخيل اى جعلته نائبا عن ذكر ربى ووضعته موضعه وكان يحب لمثلى ان يشتغل بذكر ربه وطاعته حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ التواري الاستتار والضمير للشمس واضمارها من غير ذكر لدلالة العشى عليها إذ لا شىء يتوارى حينئذ غيرها فالحجاب مغيب الشمس ومغربها كما فى المفردات وحتى متعلق بقوله أحببت
стр. 3518
وغاية له باعتبار استمرار المحبة ودوامها حسب استمرار العرض. والمعنى أنبت حب الخير عن ذكر ربى واستمر ذلك حتى توارت اى غربت الشمس تشبيها لغروبها فى مغربها بتوارى الجارية المخبأة بحجابها اى المستترة بخبائها وخدرها وقيل الضمير فى توارت للصافنات اى حتى توارت بحجاب الليل اى بظلامه لان ظلام الليل يستر كل شىء رُدُّوها عَلَيَّ من تمام مقالة سليمان ومرمى غرضه من تقديم ما قدمه والخطاب لاهل العرض من قومه اى أعيدوا تلك الخيل على فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ الفاء فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الامتثال بالأمر وطفق من افعال المقاربة الدالة على شروع فاعلها فى مضمون الخبر فهو بمعنى أخذ وشرع وخبر هذه الافعال يكون فعلا مضارعا فى الأغلب ومسحا نصب على المصدرية بفعل مقدر هو خبر طفق والمسح إمرار اليد على الشيء والجمهور على ان المراد به هنا القطع من قولهم مسح علاوته اى ضرب عنقه وقطع رأسه والعلاوة بالكسر أعلى الرأس او العنق قال فى المفردات مسحته بالسيف كناية عن الضرب والسوق جمع ساق كدور ودار والساق ما بين الكعبين كعب الركبة وكعب الرجل. والأعناق جمع عنق بالفارسية [كردن] والباء مزيدة كما فى قوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فان مسحت رأسه ومسحت برأسه بمعنى واحد. والمعنى فردوها عليه فاخذ يمسح بالسيف مسحا سوقها وأعناقها اى يقطع أعناقها ويعرقب ارجلها اى هو وأصحابه او يذبح بعضها ويعرقب بعضها ازالة للعلاقات ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق واستغفارا وانابة اليه بالترك والتجريد وفى الآية اشارة الى ان حب غير الله شاغل عن الله وموجب للحجاب وان كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة يلزمك ان تعالجه بسيف نفى لا اله الا الله
«لا» نهنكيست كائنات آشام ... عرش تا فرش در كشيده بكام
هر كجا كرده آن نهنك آهنك ... از من وما نه بوى ماند ونه رنك
وقال الامام فى تفسيره الصواب ان يقال ان رباط الخيل كان مندوبا اليه فى دينهم كما هو مندوب اليه فى شرعنا ثم ان سليمان ﵇ احتاج الى الغزو فجلس على كرسيه وامر بإحضار الخيل وامر باجرائها وذكر انى لا أجريها لاجل الدنيا وحظ النفس وانما أجريها وأحبها لامر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربى ثم انه امر باجرائها وتسييرها حتى تورات بالحجاب اى غابت عن بصره فانه كان له ميدان واسع مستدير يسابق فيه بين الخيل حتى تتوارى عنه وتغيب عن عينه ثم انه امر الرائضين بان يردوها فردوا تلك الخيل اليه فلما عادت اليه طفق يمسح سوقها وأعناقها اى بيده حبالها وتشريفا وابانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان فى قهر الأعداء وإعلاء الدين وهو قول الزهري وابن كيسان وليس فيه نسبة شىء من المنكرات الى سليمان ﵇ فهو أحق بالقبول عند اولى الافهام وفى الفتوحات المكية معنى الآية أحببت الخير عن ذكر ربى الخير بالخيرية فاحببته لذلك والخير هى الصافنات الجياد من الخيل واما قوله فطفق مسحا اى يمسح بيده
стр. 3519
على أعناقها وسوقها فرحا وإعجابا بخير ربه لا فرحا بالدنيا لان الأنبياء منزهون عن ذلك وهذه تشبه ما وقع لايوب ﵇ حين أرسل الله له جرادا من ذهب فصار يحثو فى ثوبه منه ويقول لا غنى لى عن بركتك يا رب فما أحب سليمان الخير الا لكونه تعالى أحب حب الخير ولذلك اشتاق إليها لما تورات بالحجاب يعنى الصافنات الجياد لكونه فقد المحل الذي أوجب له حب الخير عن ذكر ربه فقال ردوها علىّ. وليس للمفسرين الذين جعلوا التواري للشمس دليل فان الشمس ليس لها هنا ذكر ولا الصلاة التي يزعمون ومساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة انتهى كلام الفتوحات وعن على رضى الله عنه اشتغل سليمان ﵇ بعرض الافراس للجهاد حتى تورات بالحجاب اى غربت الشمس فقال بامر الله للملائكة الموكلين بالشمس ردوها يعنى الشمس فردوها الى موضع وقت العصر حتى صلى العصر فى وقتها فذلك من معجزات سليمان ﵇ قال فى كشف الاسرار [سليمان ﵇ در راه خدا آن همه اسبان فدا كرد ودل از ان زينت وآرايش دنيا برداشت وبا عبادت الله پرداخت لاجرم رب العزة او را به از ان عوض داد بجاى اسبان باد را مركب او ساخت وبسبب آن اندوه كه بوى رسيد بر فوت عبادت فرشته قرص آفتاب از مغرب باز كردانيد از بهر وى تا نماز ديكر بوقت خويش بگزارد وآن ويرا معجزه كشت و چنانكه اين معجزه از بهر سليمان پيغمبر پيدا كشت درين امت از بهر امير المؤمنين على رضى الله عنه از روى كرامت پيدا كشت در خبرست مصطفى ﵇ سر بر كنار على نهاد وبخفت على نماز ديكر نكرده بود نخواست كه خواب بر رسول قطع كند مرد عالم بود كفت نماز طاعت حق وخدمت راست رسول طاعت حق همچنان مى بود تا قرص آفتاب بمغرب فروشد مصطفى ﵇ از خواب درآمد على كفت يا رسول الله وقت نماز ديكر فوت شد ومن نماز نكردم رسول كفت اى على چرا نماز نكردى كفت نخواستم كه لذت خواب بر تو قطع كنم جبريل آمد كه يا محمد حق تعالى مرا فرمود تا قرص آفتاب را از مغرب باز آرم تا على نماز ديكر بوقت بگزارد بعض ياران كفتند قرص آفتاب را چندان باز آورد كه شعاع آفتاب ديديم كه بر ديوارهاى مدينه مى تافت قال الكاشفى وانكه آفتاب بدعاى حضرت پيغمبر ﵇ در صهباى خيبر بعد از غروب بازگشت وبجاى عصر آمد تا حضرت على رضى الله عنه نماز كزارد ونزد محدثان مشهورست وامام طحاوى در شرح آثار خويش فرمود كه روات اين ثقات اند واز احمد ابن صالح ﵀ نقل كرده كه اهل علم را سزاوار نيست كه تغافل كنند از حفظ اين حديث كه از علامات نبوتست] ولا عبرة بقول بعضهم بوضعه
كه دعوتش كرفته كريبان آفتاب ... بالا كشيده از چهـ مغرب بر آسمان
كه قرص بدر را بسر كرد خوان چرخ ... دستش دو نيم كرده بيك ضربت بنان
واعلم ان حبس الشمس وردها وقع مرارا ومعنى حبسها وقوفها عن السير والحركة بالكلية او بطؤ حركتها او ردها الى ورائها ومعنى ردها إعادتها بعد غروبها ومغيبها فقد
стр. 3520
حبست لداود ﵇ وذلك فى رواية ضعيفة وردت لسليمان على ما قرر. وحبست ايضا لخليفة موسى ﵇ وهو يوشع بن نون فانه سار مع بنى إسرائيل لقتال الجبارين وكان يوم الجمعة ولما كاد يفتحها كادت الشمس تغرب فقال للشمس أيتها الشمس انك مأمورة وانا مأمور بحرمتي عليك ألا ركدت اى مكثت ساعة من النهار وفى رواية اللهم احبسها علىّ فحبسها الله حتى افتتح المدينة وانما دعا بحبسها خوفا من دخول البيت المحرم عليهم فيه المقاتلة. وردت ايضا لعلى رضى الله عنه بدعاء نبينا ﵇ على ما سبق. وحبست ايضا عن الغروب لنبينا ﵇ وذلك انه اخبر فى قصة المعراج ان عير قريش تقدم يوم كذا فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون ذلك وقد ولى النهار حتى كادت الشمس تغرب فدعا الله تعالى فحبس الشمس عن الغروب حتى قدمت العير وفى بعض الروايات حبست له عن الطلوع لانه ﵇ قال (وتطلع العير عليكم من الثنية عند طلوع الشمس) فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى قدمت العير. وحبست ايضا له ﵇ فى بعض ايام الخندق الى الاحمرار والاصفرار وصلى حينئذ وفى بعضها لم تحبس بل صلى بعد الغروب واليه الاشارة بقوله ﵇ (شغلونا عن الصلاة الوسطى) اى عن صلاة العصر وفى كلام سبط ابن الجوزي ان قيل حبسها ورجوعها مشكل لانها لو تخلفت او ردّت لاختلت الافلاك وفسد النظام قلنا حبسها وردها من باب المعجزات ولا مجال للقياس فى خرق العادات. وذكر انه وقع لبعض الوعاظ ببغداد انه قعد يعظ بعد العصر ثم أخذ فى ذكر فضائل آل البيت فجاءت سحابة غطت الشمس وظن الناس الحاضرون عنده ان الشمس غابت فارادوا الانصراف فاشار إليهم ان لا يتحركوا ثم أدار وجهه الى ناحية المغرب وقال
لا تغربى يا شمس حتى ينتهى ... مدحى لآل المصطفى ولنجله
ان كان للمولى وقوفك فليكن ... هذا الوقوف لولده ولنسله
فطلعت الشمس فلا يحصى مارمى عليه من الحلىّ والثياب هذا كلامه ﵀ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ الفتنة الاختبار والابتلاء وَأَلْقَيْنا الإلقاء الطرح عَلى كُرْسِيِّهِ الكرسي اسم لما يقعد عليه والمراد سريره المشهور وقد سبق فى سورة سبأ جَسَداً قال فى المفردات الجسد الجسم لكنه أخص قال الخليل لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه وايضا فان الجسد يقال لما له لون والجسم يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء وقال فى أنوار المشارق الفرق بين الجسد والبدن ان الاول يعم لذى الروح وغيره ويتناول الرأس والشوى والثاني مخصوص بذي الروح ولا يتناولهما ومن هذا قد اشتهر فيما بينهم حشر الأجساد باضافة الحشر الخاص بذي الروح الى الأجساد العامة له ولغيره دون الأبدان المخصوصة وذلك لان فى إضافته الى البدن باعتبار انه لا يتناول الرأس والشوى على ما نص عليه الزمخشري فى الفائق والخليل فى كتاب العين قصورا مخلا بحكم الاعادة بعينه واما ما فى الجسد من العموم الزائد على قدر الحاجة فمندفع بقرينة اضافة الحشر انتهى كلام الأنوار والمراد به فى الآية القالب بلا روح كما سيأتى ثُمَّ أَنابَ اى سليمان
стр. 3521
عليه السلام. والانابة الرجوع الى الله تعالى- روى- ان سليمان كان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية وكان فى ظهره ماء مائة رجل اى قوتهم وهكذا أنبياء الله اعطى كل منهم من القوة الجماعية ما لم يعط أحد من افراد أمته وكذا الولي الأكمل فان له قوة زائدة على سائر الآحاد وان لم تبلغ مرتبة قوة النبي فقال سليمان ﵇ يوما لا طوفن الليلة على سبعين امرأة اى اجامعهن او تسعين او تسع وتسعين او مائة تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله ولم يقل ان شاء الله فقال له صاحبه اى وزيره آصف قل ان شاء الله فلم يقل فطاف عليهن تلك الليلة فلم تحمل الا امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة فالقته القابلة على كرسيه وهو الجسد المذكور قال نبينا ﵇ (لو قال ان شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون) قال القاضي عياض ﵀ وان سئل لم لم يقل سليمان فى تلك القصة المذكورة ان شاء الله فعنه اجوبة. اسدّها ما روى فى الحديث الصحيح انه نسى ان يقولها اى كلمة ان شاء الله وذلك لينفذ مراد الله. والثاني انه لم يسمع صاحبه وشغل عنه انتهى فمعنى ابتلائه قوله لا طوفن إلخ وتركه الاستثناء ومعنى إلقاء الجسد على كرسيه إلقاء الشق المذكور عليه ومعنى انابته رجوعه الى الله تعالى عن زلته وهو تركه الاستثناء فى مثل ذلك الأمر الخطير لان ترك الاولى زلة للانبياء إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين ألا ترى ان نبينا ﵇ لما سئل عن الروح وعن اصحاب الكهف وذى القرنين قال (ائتوني غدا أخبركم) ولم يستثن فحبس عنه الوحى أياما ثم نزل قوله تعالى (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ- وروى- ان سليمان ﵇ ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله وذلك انهم كانوا يقدرون فى أنفسهم انهم سيستريحون مماهم فيه من تسخير سليمان إياهم على التكاليف الشاقة والأعمال المستمرة الدائمة بموته فلما ولد له ابن قال بعضهم لبعض ان عاش له ولده لم ننفك عما نحن فيه من البلاء فسبيلنا ان نقتل ولده او نخبله والتخبيل إفساد العقل والعضو فعلم سليمان بذلك فامر السحاب فحمله وكانت الريح تعطيه غذاءه وربى فيه خوفا من مضرة الشياطين فابتلاه الله لاجل خوفه هذا وعدم توكله فى امر ابنه على ربه العزيز بموت ابنه حيث مات فى السحاب والقى ميتا على كرسيه فهو المراد من الجسد الملقى على كرسيه قال فى شرح المقاصد فتنبه لخطأه فى ترك التوكل فاستغفر وتاب فهذا مما لا بأس به وغايته ترك الاولى إذ ليس فى التحفظ ومباشرة الأسباب ترك الامتثال لامر التوكل على ما قال ﵇ (اعقلها وتوكل) انتهى فان قلت كان الشياطين يصعدون الى السماء وقتئذ فما فائدة رفعه فى السحاب فى المنع عنهم قلت فائدته ان الشياطين التي خاف سليمان على ابنه منهم كانوا فى خدمته الدائمة فى الأرض فكان فى الرفع الى
السحاب رفعه عن أبصارهم وتغييبه عن عملهم وتسليمه الى محافظة الملائكة ولما القى ابنه الميت على كرسيه جزع سليمان عليه إذ لم يكن له الا ابن واحد فدخل عليه ملكان فقال أحدهما ان هذا مشى فى زرعى فافسده فقال له سليمان لم مشيت فى زرعه قال لان هذا الرجل زرع فى طريق الناس فلم أجد مسلكا غير ذلك فقال سليمان للآخر لم زرعت على طريق الناس أما علمت ان الناس لا بدلهم من طريق يمشون
стр. 3522
فيه فقال لسليمان صدقت لم ولدت على طريق الموت أما علمت ان ممر الخلق على الموت ثم غابا عنه فاستغفر سليمان وأناب الى الله تعالى: قال الشيخ سعدى قدس سره
مكن خانه در راه سيل اى غلام ... كه كس را نكشت اين عمارت تمام
نه از معرفت باشد وعقل ورأى ... كه در ره كند كاروانى سراى
ز هجران طفلى كه در خاك رفت ... چهـ نالى كه پاك آمد و پاك رفت
تو پاك آمدى بر حذر باش وباك ... كه ننكست ناپاك رفتن بخاك
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال الكاشفى [ومشهور آنست كه بواسطه ترك ازلى انكشتر مملكت سليمان بدست صخرجن افتاد و چهل روز بر تخت سليمان نشست وباز آن خاتم بدست سليمان آمد بمملكت بازگشت] فيكون المعنى ولقد ابتليناه بسبب ملكه وألقينا على كرسيه جسدا يعنى العفريت الذي أخذ خاتمه وجلس على كرسيه وهو صخر صاحب البحر على أشهر الأقاويل وسمى جسدا لانه تمثل بصورة سليمان ولم يكن هو فكان جسدا محضا وصورة بلا معنى ثم أناب اى رجع الى ملكه بعد أربعين يوما يقول الفقير أرشده الله القدير هذا وان كان مشهورا محررا خصوصا فى نظم بعض العرب والعجم لكنه مما ينكر جدا ولا يكاد يصح قطعا وذلك لوجوه. أحدها انه ليس فى جلوس الجن على الكرسي معنى الإلقاء الا ان يتكلف. والثاني ان جميع الأنبياء معصومون من ان يظهر شيطان بصورهم فى النوم واليقظة لئلا يشتبه الحق بالباطل ولان الأنبياء ﵈ صور الاسم الهادي ومظاهر صفة الهداية والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان فلا يجتمعان ولا يظهر أحدهما بصورة الآخر وقس على الأنبياء احوال الكمل من الأولياء فانهم ورثتهم ومتحققون بمعارفهم وحقائقهم فان قيل عظمة الحق سبحانه أتم من عظمة كل عظيم فكيف امتنع على إبليس ان يظهر بصورة الأنبياء مع ان اللعين قد ترا أي لكثيرين وخاطبهم بانه الحق طلبا لاضلالهم وقد أضل جماعة بمثل هذا حتى ظنوا انهم رأوا الحق وسمعوا خطابه قلنا ان كل عاقل يعلم ان الحق ليست له صورة معينة معلومة توجب الاشتباه ولذا جوز بعض العلماء رؤية الله فى المنام فى أي صورة كانت لان ذلك المرئي غير ذات الله إذ ليس لها صورة واما الأنبياء فانهم ذووا صور معينة معلومة مشهودة توجب الاشتباه. والثالث انه كيف يصح من الحكيم ان يجلس شيطانا من الشياطين على كرسى نبى من الأنبياء ويسلطه على المسلمين ويحكمه عليهم مع انه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ابدا
كس نيايد بزير سايه بوم ... ور هماى از جهان شود معدوم
والرابع ان الخاتم كان نورانيا فكيف صح ان يستقر فى يد الشيطان الظلماني بطريق تقلد الحكومة وقد ثبت ان الشيطان يحرقه النور مطلقا ولذا جعل الشهاب رجما للشياطين. والخامس انه كان ملك سليمان فى الخاتم فكيف يصح ان يجلس الجنى على كرسيه على تقدير قذف الخاتم فى البحر على ما قالوا قال فى كشف الاسرار [ملك سليمان در خاتم وى بود
стр. 3523
ونكين آن خاتم كبريت احمر بود] انتهى وفى عقد الدرر انه كان خاتم آدم ﵇ قبل خروجه من الجنة البسه الحق إياه ثم أودع فى ركن من اركان العرش وكان مكتوب عليه فى السطر الاول «بسم الله الرحمن الرحيم» وفى الثاني «لا اله الا الله» وفى الثالث «محمد رسول الله» فلما أنزله جبريل الى سليمان اضطرب العالم من مهابته ولما وضعه فى إصبعه غاب عن أعين الناس فقالوا يا نبى الله تريد ان نتشرف بمشاهدة جمالك فقال اذكروا الله فلما ذكروه رأوه فالتأثير من الله وبسليمان المظهرية والخاتم واسطة فى الحقيقة. وانما وضع ملكه فى فص خاتم لانه تعالى أراه فى ذلك ان ما أعطيت فى جنب ما لم تعط قدر هذا الحجر من بين سائر الأحجار إذ كان ملك الدنيا عند الله تعالى كقدر حجر من الأحجار والله يعز من يشاء بما يشاء قالَ سليمان وهو بدل من أناب وتفسير له رَبِّ [اى پروردگار من] اغْفِرْ لِي ما صدر منى من الزلة التي لا تليق بشأنى وتقديم الاستغفار على الاستيهاب الآتي لمزيد اهتمامه بامر الدين جريا على سنن الأنبياء والصالحين وكون ذلك ادخل فى الاجابة وَهَبْ لِي [وببخش مرا] مُلْكاً [پادشاهى وتصرفى كه] لا يَنْبَغِي [نسزد ونشايد] لِأَحَدٍ من الخلق مِنْ بَعْدِي الى يوم القيامة بان يكون الظهور به بالفعل فى عالم الشهادة فى الأمور العامة والخاصة مختصابى وهو الغاية التي يمكنه بلوغها دل على هذا المعنى قول نبينا ﵇ (ان عفريتا من الجن) وهو الخبيث المنكر (تفلت علىّ البارحة) اى تعرض فى صورة هر كما فى حياة الحيوان قال فى تاج المصادر [التفلت بجستن] وفى الحديث (ان عفريتا من الجن تفلت علىّ البارحة) اى تعرض له فلتة اى فجأة (ليقطع على صلاتى فامكننى الله منه) الإمكان القدرة على الشيء مع ارتفاع الموانع اى أعطاني الله مكنة من اخذه وقدرة عليه (فاخذته فاردت ان اربطه) بكسر الباء وضمها اى أشده (على سارية من سوارى المسجد) اى اسطوانة من أساطينه (حتى تنظروا اليه كلكم ويلعب به ولدان اهل المدينة فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدي فرددته خاسئا) اى ذليلا مطرودا لم يظفر بي ولم يغلب على صلاتى فدل على ان الملك الذي آتاه الله سليمان ولم يؤته أحدا غيره من بعده هو الظهور بعموم التصرف فى عالم الشهادة لا التمكن منه فان ذلك مما آتاه الله غيره من الكمل نبيا كان او وليا ألا ترى ان نبينا ﵇ قال (فامكننى الله منه) اى من العفريت فعلمنا ان الله تعالى قد وهب التصرف فيه بما شاء من الربط وغيره ثم ان الله تعالى ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب معه كمال التأدب حيث لم يظهر بالتصرف فى الخصوص فكيف فى العموم فرد الله ذلك العفريت ببركة هذا التأدب خاسئا عن الظفر به. وكان فى وجود سليمان ﵇ قابلية السلطنة العامة ولهذا ألهمه الله تعالى ان يسأل الملك المخصوص به فلم يكن سؤاله للبخل والحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة والرغبة فيها كما توهمه الجهلة. واما سلطان الأنبياء ﷺ فقدا فنى جميع ما فى ملك وجوده من جهة الافعال والصفات فلم يبق شىء فظهر مكانه شىء لا يوصف حيث وقع تجلى الذات فى مرتبة لم ينلها أحد من افراد الخلق سابقا ولا لا حقا وستظهر سلطنته الصورية ايضا بحيث يكون آدم ومن دونه تحت لوائه
стр. 3524
در بزم احتشام تو سياره هفت جام ... وز مطبخ نوال تو أفلاك نه طبق
هر خطبه كمال بنام تو شد ازل ... كس تا ابد ز لوح نمى خوانده اين سبق
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ لجميع استعدادات كل ما سألت من الكمالات كما قال تعالى (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) وفى التأويلات النجمية بقوله (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) الآية يشير الى معان مختلفة. منها انه لما أراد طلب الملك الذي هو رفعة الدرجة بنى الأمر فى ذلك على التواضع الموجب للرفعة وهو قوله (رَبِّ اغْفِرْ لِي) ومنها انه قدم طلب المغفرة على طلب الملك لانه لو كان طلب الملك زلة فى حق الأنبياء كانت مسبوقة بالمغفرة لا يطالب بها. ومنها ان الملك مهما يكن فى يد مغفور له منظور بنظر العناية ما يصدر منه تصرف فى الملك الا مقرونا بالعدل والنصفة وهو محفوظ من آفات الملك وتبعاته. ومنها قوله (وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) اى يكون ذلك موهوبا له بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من يشاء كما هى السنة الالهية جارية فيه ومنها قوله (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) اى لا يطلبه أحد غيرى لئلا يقع فى فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) فان الملك جالب للفتنة كما كان جالبا لها الى سليمان بقوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ) . ومنها قوله (لا ينبغى لاحد غيرى اى لا يكون هذا الملك ملتمس أحد منك غيرى للتمتع والانتفاع به وهو بمعزل عن قصدى ونيتى فى طلب هذا فان لى فى طلب هذا الملك نية لنفسى ونية لقلبى ونية لروحى ونية للممالك بأسرها ونية للرعايا فاما نيتى لنفسى فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة وذلك فى منعها عن استيفاء شهواتها وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار وانما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع وكماليته فى المملكة بحيث لا يكون فيها ما يحرك داعية من دواعى البشرية المركوزة فى جبلة الإنسان ليكون كل واحدة من المشتهيات والمستلذات النفسانية محركة لداعية تناسبها عند تملكها والقدرة عليها عند توقان النفس إليها وغلبات هواها فيحرم على النفس مراضعها ويحرمها من مشاربها وينهاها عن هواها خالصا لله وطلبا لمرضاته فتموت النفس عن صفاتها كما يموت البدن عند إعواز فقدان ما هو غذاء يعيش به فاذا ماتت عن صفاتها الذميمة يحييها الله بالصفات الحميدة كما قال (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) وقال (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) فلا يبقى لها نظر الى الدنيا وسائر نعمها كما كان حال سليمان لم يكن له نظر الى الدنيا ونعيمها وانما كان مع تلك الوسعة فى المملكة يأكل كسرة من كسب يده مع جليس مسكين ويقول مسكين جالس مسكينا وامانيته لقلبه فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها وتوجيهه الى الآخرة بالاعراض عنها عند القدرة عليها والتمكن فيها ثم صرفها فى سبيل الله وقلع أصلها من ارض القلب ليبقى القلب صافيا من الدنس قابلا للفيض الإلهي فانه خلق مرآة لجميع الصفات الالهية وامانيته لروحه فلتحليته بالأخلاق الحميدة الربانية ولا سبيل إليها الا بعلو الهمة وخلوص النية فان المرء يطير بهمته كالطائر يطير بجناحيه وتربية الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدينية وصرفها فى نيل المراتب الدينية الاخروية الباقية وان ترك المقاصد الدنيوية الدينية وان كان اثر التربية الهمة ولكن لا يبلغ حد اثر صرف ما يملك
стр. 3525
من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية فلما كان من اخلاق الله ان يحب معالى الأمور ويبغض سفسافها التمس سليمان أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها لئلا يلنفت ويستعملها فى تربية الهمة لتتخلى روحه بان يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه فان القلوب جبلت على حب من احسن إليها فانهم إذا أحبوا نبى الله لزمهم حب الله فيكون حب الله وحب نبيه فى قلوبهم محض الايمان ومن لم يمكن ان يؤمن بالإحسان فيدخلهم فى الايمان بالقهر والغلبة بان يأتيهم بجنود لم يروها كما ادخل بلقيس وقومها فى الايمان وامانيته للممالك فبان يجعل الممالك الدنيوية الفانية اخروية باقية بان يتوسل بها الى الحضرة بصرفها بإظهار الدين واقامة الحق وإعلاء كلمة الإسلام فان قيل قوله (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) هل يتناول النبي ﵇ اولا قلنا اما بالصورة فيتناول ولكن لعلو همته وكمال قدره لا لعدم استحقاقه لانه عرض عليه ﷺ ملك أعظم من ملكه فلم يقبله (وقال الفقر فخرى) واما بالمعنى فلم يتناول النبي ﷺ لانه قال (فضلت على الأنبياء بست) يعنى على جميع الأنبياء ولا خفاء فى ان سليمان ﵇ ما بلغ درجة واحد من اولى العزم من الرسل مع اختصاصه بصورة الملك منهم وهم معه مفضولون بست فضائل من النبي ﵇ فمعنى الملك الحقيقي الذي كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلا فى الفضائل التي اختصه الله بها واخبر عنها بقوله (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)
بل أعطاه الله ما كان مطلوب سليمان من صورة الملك ومعناه أوفر ما اعطى سليمان وفتنه به من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتتان به عزة ودلالا انتهى كلام التأويلات على مكاشفه أعلى التجليات فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ قال ابو عمرو انه ريح الصبا اى فذللناها لطاعة سليمان اى جعلناها مطيعة لا تخالفه اجابة لدعوته فعاد امره ﵇ على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن انابته: وبالفارسية [پس رام كردانيدم مر سليمان را باد تا فرمان وى برد] وفيه اشارة الى ان سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل فى سبيل الله عوضه الله مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما فى التأويلات النجمية وقد سبق ايضا من كشف الاسرار قال البقلى ﵀ كان سليمان ﵇ من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر الى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق الى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر الله له الريح وأجراها بمراده وهذا جزاء صبره فى ترك حظوظ نفسه تَجْرِي بِأَمْرِهِ بيان لتسخيرها له رُخاءً حال من ضمير تجرى. والرخاء الريح اللينة من قولهم شىء رخو كما فى المفردات: وبالفارسية [نرم وخوش] وفى الفتوحات المكية ان الهواء لا يسمى ريحا الا إذا تحرك وتموج فان اشتدت حركته كان زعزعا وان لم تشتد كان رخاء وهو ذو روح يعقل كسائر اجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجرى به الجواري ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والأشجار ويموج البحر وتزلزل الأرض ويزجى السحاب انتهى. والمعنى حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافى بين كونها لينة الهبوب وبين قوله تعالى (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) لان المراد ان تلك الريح ايضا فى قوة الرياح العاصفة الا انها لما جرت بامره ﵇ كانت لينة رخاء او تسخر له كلا نسيميها
стр. 3526
حَيْثُ أَصابَ ظرف لتجرى او لسخرنا. وأصاب بمعنى أراد لغة حميرا وهجر وفى القاموس الاصابة القصد اى حيث قصد وأراد من النواحي والأطراف واعلم ان المراد بقوله بامره جريان الريح بمجرد امره من غير جمعية خاطر ولا همة قلب فهو الذي جعل الله من الملك الذي لا ينبغى لاحد من بعده لا مجرد التسخير فان الله تعالى سخر لنا ايضا ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما لكن انما تفعل اجرام العالم لهمم النفوس إذا أقيمت فى مقام الجمعية فهذا التسخير عن امر الله لا عن أمرنا كحال سليمان ﵇ وَالشَّياطِينَ عطف على الريح كُلَّ بَنَّاءٍ بدل من الشياطين وهو مبالغة بان اسم الفاعل من بنى وكانوا يعملون له ﵇ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات لما سبق فى سورة سبأ ويبنون له الابنية الرفيعة بدمشق واليمن ومن بنائهم بيت المقدس وإصطخر وهى من بلاد فارس تنسب الى صخر الجنى المراد بقوله تعالى (قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) وَغَوَّاصٍ مبالغة غائص من غاص يغوص غوصا وهو الدخول تحت الماء وإخراج شىء منه قال فى المفردات قوله تعالى (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) اى يستخرجون له الأعمال الغريبة والافعال البديعة وليس استنباط الدر فقط انتهى وكانوا يستخرجون الدرر والجواهر والحلىّ من البحر وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كل بناء داخل فى حكم البدل يقال قرنت البعيرين إذا جمعت بينهما وقرنت على التكثير كما فى الآية قال الراغب والتقرين بالفارسية [برهم كردن] قال ابن الشيخ مقرنين صفة لآخرين وهو اسم مفعول من باب التفعيل منقول من قرنت الشيء بالشيء اى وصلته به وشدد العين للمبالغة والكثرة. والأصفاد جمع صفد محركة وهو القيد وسمى به العطاء لانه يرتبط بالمنعم عليه وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده واصفده أعطاه على عكس وعد وأوعد فان الثلاثي فيه للخير والمنفعة والرباعي للشر والمضرة ولكن فى كون اصفد بمعنى اعطى نكتة وهى ان الهمزة للسلب. والمعنى أزلت ما به من الاحتياج بان أعطيته ما تندفع به حاجته بخلاف أوعد فانه لغة اصلية موضوعة للتهديد. ومعنى الآية وسخرنا له شياطين آخرين لا يبنون ولا يغوصون كأنه ﵇ فصل الشياطين الى عملة استعملهم فى اعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك والى مردة قرن بعضهم مع بعض فى السلاسل وأوثقهم بالحديد لكفهم على الشر والفساد فان قيل ان هذه الآية تدل على ان الشياطين لها قوة عظيمة قدروا بها على تلك الابنية العظيمة التي لا يقدر عليها البشر وقدروا على الغوص فى البحار واستخراج جواهرها وانى يمكن تقييدهم بالاغلال والأصفاد وفيه إشكال وهو ان هذه الشياطين اما ان تكون أجسادهم كثيفة او لطيفة فان كانت كثيفة وجب ان يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز ان لا يراهم مع كثافة أجسادهم لجاز ان يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة لا نراها ولا نسمعها وذا سفسطة وان كانت أجسادهم لطيفة واللطافة تنافى الصلابة فمثل هذا يمتنع ان يكون موصوفا بالقوة الشديدة بحيث يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر لان الجسم اللطيف يكون ضعيف القوام تتمزق اجزاؤه بأدنى المدافعة فلا يطيق
стр. 3527
تحمل الأشياء الثقيلة ومزاولة الأعمال الشاقة وايضا لا يمكن تقييده بالأصفاد والاغلال قلنا ان أجسادهم لطيفة ولكن شفافة ولطافتها لا تنافى صلابتها بمعنى الامتناع من التفرق فلكونها لطيفة لا ترى ولكونها صلبة يمكن تقيدها وتحملها الأشياء الثقيلة ومزاولتها الأعمال الشاقة ولو سلم ان اللطافة تنافى الصلابة الا انا لا نسلم ان اللطيف الذي لا صلابة له يمتنع ان يتحمل الأشياء الثقيلة ويقدر على الأعمال الشاقة ألا ترى ان الرياح العاصفة تفعل افعالا عجيبة لا تقدر عليها جماعة من الناس وقال فى بحر العلوم والأقرب ان المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالتقرين فى الصفد يعنى ان قولهم لا يمكن تقييده بالأصفاد والاغلال حقيقة مسلم ولكن ليس الكلام محمولا على حقيقته لانهم لما كانوا مسخرين مذللين لطاعته ﵇ بتسخير الله إياهم له كان قادرا على كفهم عن الإضرار بالخلق فشبه كفهم عن ذلك بالتقرين فى الأصفاد فاطلق على الكف المذكور لفظ التقرين استعارة اصلية ثم اشتق من التقرين يعنى المعنى المجازى لفظ مقرنين فهو استعارة تبعية بمعنى ممنوعين عن الشرور وفى الاسئلة المقحمة الجن أجسام مؤلفة واشخاص ممثلة ولا دليل يقضى بان تلك الأجسام لطيفة او كثيفة بل يجوز ان تكون لطيفة وان تكون كثيفة وانما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة ولكن لان الله تعالى لا يخلق فينا إدراكا لهم انتهى قال القاضي ابو بكر الأصل الذي خلقوا منه هى النار ولسنا ننكر مع ذلك ان يكثفهم الله تعالى ويغلظ أجسامهم ويخلق لهم إعراضا زائدة على ما فى النار فيخرجون عن كونهم نارا ويخلق لهم صورا وأشكالا مختلفة فيجوز ان نراهم إذا قوى الله أبصارنا كما يجوز ان نراهم لو كثف الله أجسامهم قال القاضي عبد الجبار ان الله تعالى كثفهم لسليمان حتى كان الناس يرونهم وقواهم حتى كانوا يعملون له الأعمال الشاقة والمقرّن فى الأصفاد لا يكون الا جسما كثيفا واما أقداره عليهم وتكثيفهم فى غير ازمان الأنبياء فانه غير جائز لانه يؤدى الى ان يكون نقضا للعادة كما فى آكام المرجان فى احكام الجان وقال بعضهم ان الشياطين كانوا يشاهدون فى زمن سليمان ثم انه لما توفى أمات الله أولئك الشياطين وخلق نوعا آخر فى غاية الرقة واللطافة وفيه ان الشياطين منظرون فكيف يموتون الى ان يختص الانظار بإبليس او الا ان يحمل الشياطين على كفار الجن فانهم ماردون ايضا- روى- ان الله تعالى أجاب دعاء سليمان بان سخر له ما لم يسخره لاحد من الملوك وهو الرياح والشياطين والطير وسخر له من الملوك ما لم يتيسر لغيره مثل ذلك فانه روى انه ورث ملك أبيه داود فى عصر كيخسرو بن سياوش وسار من الشام الى العراق فبلغ خبره الى كيخسرو فهرب الى خراسان فلم يلبث قليلا حتى هلك ثم سار الى مرو ثم سار الى بلاد الترك فوغل فيها ثم جاز بلاد الصين ثم عطف الى ان وافى بلاد فارس فنزلها أياما ثم عاد الى الشام ثم امر ببناء بيت المقدس فلما فرغ منه سار الى تهامة ثم الى صنعاء وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء وهى بلقيس ما ذكره الله تعالى فى كتابه الكريم وغزا بلاد المغرب الأندلس وطنجة وافرنجة ونواحيها هذا اى فسخرنا وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم والبسطة والتسلط على ما لم يسلط
стр. 3528
عليه غيرك عَطاؤُنا الخاص بك الذي لا يقدر عليه غيرنا فَامْنُنْ من قوله منّ عليه منا اى أنعم اى فاعط منه من شئت أَوْ أَمْسِكْ وامنع منه من شئت واو للاباحة بِغَيْرِ حِسابٍ حال من المستكن فى الأمر اى غير محاسب على منّه وإحسانه ومنعه وإمساكه لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت لتفويض التصرف فيه إليك على الإطلاق وفى المفردات قيل تصرف فيه تصرف من لا يحاسب اى تناول كما تحب فى وقت ما تحب وعلى ما تحب وأنفقه كذلك انتهى قال الحسن ما أنعم الله على أحد نعمة الا كان عليه تبعة الا سليمان فان اعطى اجر عليه وان لم يعط لم يكن عليه تبعة واثم وهذا مما خص به والتبعة ما يترتب على الشيء من المضرة وكل حق يجب للمظلوم على الظالم بمقابلة ظلمه عليه قال بعض الكبار المحققين كان سؤال سليمان ذلك عن امر ربه والطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان امتثال امر وعبادة فللطالب الاجر التام على طلبه من غير تبعة حساب ولا عقاب فهذا الملك والعطاء لا ينقصه من ملك آخرته شيأ ولا يحاسب عليه أصلا كما يقع لغيره. واما ما روى ان سليمان آخر الأنبياء دخولا الجنة لمكان ملكه فعلى تقدير صحته لا ينافى الاستواء بهم فى درجات الجنة ومطلق التأخر فى الدخول لا يستلزم الحساب وقد روى (ان الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة سنة) ويجوز ان يكون بغير حساب حالا من العطاء اى هذا عطاؤنا ملتبسا بغير حساب لغاية كثرته كما يقال للشئ الكثير هذا لا يحيط به حساب او صلة له وما بينها اعتراض على التقديرين وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى اى لقربة فى الآخرة مع ما له من الملك العظيم فى الدنيا وَحُسْنَ مَآبٍ وهو الجنة وفى الحديث (أرأيتم ما اعطى سليمان بن داود من ملكه فان ذلك لم يزده الا تخشعا ما كان يرفع بصره الى السماء تخشعا لربه) انتهى اى ولذا وجد الزلفى وحسن المرجع فطوبى له حيث كان فقيرا فى صورة الغنى وفى الآية اشارة الى ان الإنسان إذا كمل فى انسانيته يصير قابلا للفيض الإلهي بلا واسطة فيعطيه الله تعالى من آثار الفيض تسخير ما فى السموات من الملائكة كما سخر لآدم بقوله اسجدوا لآدم وما فى الأرض كما سخر لسليمان الجن والانس والشياطين والوحوش والطيور وذلك لان كل ما فى السموات وما فى الأرض اجزاء وجود الإنسان الكامل فاذا أنعم الله عليه بفيضه سخر له اجزاء وجوده فى المعنى اما فى الصورة فيظهر على بعض الأنبياء تسخر بعضها اعجازا له كما ظهر على نبينا ﵇ تسخر القمر عند انشقاقه باشارة إصبع ولذا قال هذا عطاؤنا إلخ يشير الى ان للانبياء بتأييد الفيض الإلهي ولاية افاضة الفيض على من هو اهله عند استفاضته ولهم إمساك الفيض عند عدم الاستفاضة من غير اهله ولا حرج عليهم فى الحالتين وان له عندنا لزلفى فى الافاضة والإمساك وحسن مآب لانه كان متقربا إلينا بالعطاء والمنع كما فى التأويلات النجمية- روى- ان سليمان ﵇ فتن بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة ثم انتقل الى حسن مآب: قال الشيخ سعدى
جهان اى پسر ملك جاويد نيست ... ز دنيا وفادارى اميد نيست
كه بر باد رفتى سحركاه وشام ... سرير سليمان ﵇
بآخر نديدى كه بر باد رفت ... خنك آنكه با دانش وداد رفت
стр. 3529
أيقظنا الله تعالى وإياكم وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ابن آموص بن رازح بن روم بن عيص بن اسحق ابن ابراهيم ﵇ وامه من أولاد لوط بن هاران وزوجته رحمة بنت افرائيم بن يوسف ﵇ أوليا بنت يعقوب ﵇ ولذا قال فى كشف الاسرار كان أيوب فى زمان يعقوب او ما خير بنت ميشا بن يوسف والاول أشهر الأقاويل قال القرطبي لم يؤمن بايوب إلا ثلاثة نفر وعمره ثلاث وتسعون وقوله أيوب عطف بيان للعبد إِذْ نادى رَبَّهُ بدل من عبدنا اى دعا وتضرع بلسان الاضطرار والافتقار أَنِّي اى بانى مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ أصابني وبالفارسية [ديو بمن رسيد] فتكون الباء فى قوله بِنُصْبٍ للتعدية اى تعب ومشقة وكذا النصب بفتحتين وَعَذابٍ العذاب الايجاع الشديد اى ألم ووصب يريد مرضه وما كان يقاسيه من فنون الشدائد وهو المراد بالضر فى قوله فى سورة الأنبياء (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به بعبارته والا لقيل انه مسه إلخ وليس هذا تمام دعائه ﵇ بل من جملته قوله (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فاكتفى هاهنا عن ذكره بما فى سورة الأنبياء كما ترك هناك ذكر الشيطان ثقة بما ذكر هاهنا فان قلت لا قدرة للشيطان البتة على إيقاع الناس فى الأمراض والأسقام لانه لو قدر على ذلك لسعى فى قتل الأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين فهو لا يقدر ان يضر أحدا الا بطريق إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة فما معنى اسناد المس اليه قلت ان الذي أصابه لم يصبه الا من الله تعالى الا انه أسنده الى الشيطان لسؤال الشيطان منه تعالى ان يمسه الله تعالى بذلك الضر امتحانا لصبره ففى اسناده اليه دون الله تعالى مراعاة للادب- روى- ان أيوب ﵇ كان له اموال كثيرة من صنوف مختلفة وهو مع ذلك كان مواظبا على طاعة الله محسنا للفقراء واليتامى وارباب الحاجات فحسده إبليس لذلك وقال انه يذهب بالدنيا والآخرة فقال الهى عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع النعمة والعافية لتغير عن حاله فقال تعالى انى اعلم منه ان يعبدنى ويحمدنى على كل حال فقال إبليس يا رب سلطنى عليه وعلى أولاده وأمواله فسلطه على ذلك فاحرق زرعه وأسقط الابنية على أولاده فلم يزدد أيوب إلا حمدا لربه ثم نفخ فى جسده نفخة خرجت بها فيه النفاخات ثم تقطرت بالدم الأسود وأكله الدود سبع سنين وهو على حاله فى مقام الصبر والرضى والتسليم فكان بلاؤه امتحانا من غير ان يكون منه ذنب يعاقب عليه ليبرز الله ما فى ضميره فيظهر لخلقه درجته اين هو من ربه كما ذكره الحكيم الترمذي فى نوادر الأصول. وعلى هذا القول اعتماد الفحول فدع ما عداه فانه غير مقبول وفى التأويلات النجمية يشير بقوله (وَاذْكُرْ) إلخ الى معانى مختلفة منها ان من شرط عبودية خواص عباده من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء والرضى بجريان احكام القضاء ومنها ليعلم ان الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض من أوليائه وأنبيائه لا يكون لاهانتهم بل يكون لعزتهم واعانتهم على البلوغ الى رتبة نعم العبدية ودرجة الصابرين المحبوبين ومنها ان العباد من الأنبياء والأولياء لو لم يكونوا فى كنف عصمة الله وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب ومنها ان من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن احالة الضر والبلاء والمحن عليها لا على الشيطان كما قال يوسف ﵇ (وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)
стр. 3530
وقال يوشع ﵇ (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) وقال موسى ﵇ (هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) ومنها ليعلم انه ما بلغ مقام الرجال البالغين الا بالصبر على البلوى وتفويض الأمور الى المولى ولرضى بما يجرى عليه من القضاء انتهى ارْكُضْ بِرِجْلِكَ الركض الضرب والدفع القوى بالرجل فمتى نسب الى الراكب فهو إغراء مركوبه وحثه للعدو نحو ركضت الفرس ومتى نسب الى الماشي فوطئ الأرض كما فى الآية كذا قاله الراغب. والرجل القدم او من اصل الفخذ الى رؤس الأصابع. والمعنى إذ نادى فقلنا له على لسان جبريل ﵇ حين انقضاء مدة بلائه اركض برجلك اى اضرب بها الأرض: وبالفارسية [بزن پاى خود را بزمين] وهى ارض الجابية بلد فى الشام من أقطاع ابى تمام فضربها فنبعت عين فقلنا له هذا [اين چشمه] مُغْتَسَلٌ بارِدٌ تغتسل به وقال الكاشفى [جاى غسل كردنست يا آبيست كه بدان غسل كنند] أشار الى ان المغتسل هو الموضع الذي يغتسل فيه والماء الذي يغتسل به والاغتسال غسل البدن وغسلت الشيء غسلا أسلت عليه الماء فازلت درنه وَشَرابٌ تشرب منه فيبرأ باطنك. والشراب هو ما يشرب ويتناول من كل مائع ماء كان او غيره والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف وقال بعض الكبار هذا مغتسل به اى ماء يغتسل به وموضعه وزمانه بارد يبرد حرارة الظاهر وشراب يبرد حرارة الباطن يعنى انما كان الماء باردا لما كان عليه من افراط حرارة الألم فسكن الله افراطها الزائد المهلك ببرد الماء وأبقى الحرارة النافعة للانسان وفى كلام الشيخ الشهير بافتاده البرسوى قدس سره ان المراد بالماء فى هذه الآية صورة احياء الله تعالى وهو المراد بماء المطر ايضا فيما روى انه إذا كان يوم القيامة ينزل المطر على الأموات أربعين سنة فيظهرون من الأرض كالنبات انتهى فاغتسل أيوب ﵇ من ذلك الماء وشرب فذهب ما به من الداء من ظاهره وباطنه فان الله تعالى إذا نظر الى العبد بنظر الرضى يبدل مرضه بالشفاء وشدته بالرخاء وجفاءه بالوفاء فقام صحيحا وكسى حلة وعاد اليه جماله وشبابه احسن ما كان قال ابن عباس رضى الله عنهما مكث فى البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة ايام وسبع ساعات لم يغمض فيهن ولم ينقلب من جنب الى جنب كما فى زهرة الرياض قال حضرة الشيخ بالى الصوفي فى شرح الفصوص الاشارة فيه ان الله تعالى امر نبيه بضرب الرجل على الأرض ليخرج منها الماء لازالة ألم البدن فهو امر لنا بالسلوك والمجاهدة ليخرج ماء الحياة وهو العلم بالله من ارض وجودنا لازالة امراض أرواحنا وهى الحجب المبعدة عن الحق ثم قال وفى هذه الآية سر لطيف وهو ان السالكين مسلك التقوى بالمجاهدة والرياضات إذا اجتمعوا فى منزل وذكروا الله كثيرا با على صوت وضربوا أرجلهم على الأرض مع الحركة أية حركة كانت وكانت نيتهم بذلك ازالة الألم الروحاني جاز منهم ذلك إذا ضرب الرجل الصورية على الأرض الصورية مع الذكر الصوري بنية خالصة يوصل الى الحقيقة إذ ما من حكم شرعى إلا وله حقيقة توصل عامله الى حقيقته انتهى كلامه قال بعض العلماء بالله ارتفاع الأصوات فى بيوت العبادات بحسن النيات وصفاء الطويات يحل ما عقدته الافلاك الدائرات حتى قال
стр. 3531
اهل البصائر ان الأنفاس البشرية هى التي تدير الافلاك العلوية انتهى. فقد شرطوا فى ضرب الرجل وكذا فى رفع الصوت حسن النية وصفوة الباطن من كل غرض ومرض فاذا كان المرء حسن النية يراعى الأدب الظاهري والباطني من كل الوجوه فيعرج بمعراج الخلوص على ذروة مراتب اهل الخصوص ويسلم من الجرح والقدح لكون حركته على ما أشار اليه النصوص قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فى الفتوحات المكية لا يجوز لاحد التواجد الا باشارة شيخ مرشد عارف بامراض الباطن. وفى محل آخر من شرط اهل الله فى السماع ان يكونوا على قلب رجل واحد وان لا يكون فيهم من ليس من جنسهم او غير مؤمن بطريقهم فان حضور مثل هؤلاء يشوش. وفى آخر لا ينبغى للاشياخ ان يسلموا للمريد حركة الوجد الذي تبقى معه الاحساس بمن فى المجلس ولا يسلم له حركته الا ان غاب ومهما احسن بمن كان فى المجلس تعين عليه ان يجلس الا ان يعرف الحاضرون انه متواجد لا صاحب وجد فيسلم له ذلك لان هذه الحالة غير محمودة بالنظر الى ما فوقها. وفى آخر إذا كانت حركة المتواجد نفسية فليست بقدسية وعلامتها الاشارة بالأكمام والمثنى الى خلف والى قدام والتمايل من جانب الى جانب والتفريق بين راجع وذاهب فقد اجمع الشيوخ على ان مثل هذا محروم مطرود انتهى. فقد شرط الشيخ رضى الله عنه فى هذه الكلمات لمن أراد الوجد والسماع حضور القلب والعشق والمحبة والصدق وغلبة الحال. فقول القرطبي استدل بعض الجهال المتزهدة وطغاة المتصوفة بقوله تعالى لا يوب ﵇ (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) على جواز الرقص وهذا احتجاج بارد لانه تعالى انما امر بضرب الرجل لنبع الماء لا لغيره وانما هو لاهل التكلف كما دل عليه صيغة التزهد والتصوف فان أتقياء الامة برآء من التكلف فهو زجر لفسقة الزمان عما هم عليه من الاجتماع المنافى لنص القرآن فانهم لو كانوا صلحاء مستأهلين لأباحت لهم اشارة القرآن ذلك لكنهم بمعزل عن الركض بشرائط فهم ممنوعون جدا قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ليس فى طريق الشيخ الحاجي بيرام قدس سره الرقص حال التوحيد وليس فى طريقنا ايضا بل نذكر الله قياما وقعودا ولا نرقص على وفق قوله تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) وقال ايضا ليس فى طريقتنا رقص فان الرقص والأصوات كلها انما وضع لدفع الخواطر ولا شىء فى دفعها أشد تأثيرا من التوحيد فطريقنا طريق الأنبياء ﵈ فنبينا ﵇ لم يلقن الا التوحيد وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ معطوف على مقدر اى فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك مابه من ضر كما فى سورة الأنبياء ووهبنا له اهله: يعنى [فرزندان ويرا زنده كرديم] وكانوا ثلاثة عشر روى الحسن ان الله تعالى أحياهم بعد هلاكهم اى بما ذكر من ان إبليس هدم عليهم البناء فماتوا تحته وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ عطف على اهله فكان له من الأولاد ضعف ما كان له قبل اى زاده على ما كان له قبل البلاء: قال الصائب
ز فوت مطلب جزؤى مشو غمين كه فلك ... ستاره ميبرد وآفتاب مى آرد
رَحْمَةً مِنَّا اى لرحمة عظيمة عليه من عندنا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ولتذكيرهم
стр. 3532
بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبر ويلجأوا الى الله فيما ينزل بهم كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من حسن العاقبة: قال الكاشفى رحمت الهى فرج را بصبر ناريست] اصبر فان الصبر مفتاح الفرج
كليد صبر كسى را كه باشد اندر دست ... هر آينه در كنج مراد بگشايد
بشام تيره محنت بساز وصبر نماى ... كه دمبدم سحر از پرده روى بنمايد
[آورده اند كه در زمان مرض أيوب ﵇ زوجه او رحمه بهمى رفته بود ودير مى آمد أيوب سوكند خورد كه او را صد چوب بزند چون تباشير صبح صحت از أفق رحمت روى نمود وأيوب بحالت تن درستى وجوانى بازآمد خواست تا سوكند خود را راست كند خطاب از حضرت عزت رسيد كه] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً قال فى الإرشاد معطوف على اركض او على وهبنا بتقدير وقلنا خذ بيدك إلخ والاول اقرب لفظا وهذا انسب معنى فان الحاجة الى هذا الأمر لا تمس الا بعد الصحة. والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه فى المفردات الضغث قبضة ريحان او حشيش وبه شبه الأحلام المختلطة التي لا يتبين حقائقها انتهى وقال الكاشفى [وبكير بدست خود دسته از چوب از خرما يا از حشائش خشك شده كه بعدد صد باشد وفى كشف الاسرار مفسران كفتند إبليس بر صورت طبيبى بر سر راه نشست وبيماران را مداوات مى كرد زن أيوب آمد وكفت بيمارى كه فلان علت دارد او را مداوات كنى إبليس كفت او را مداوات كنم وشفا دهم بشرط آنكه چون او را شفا دهم او مرا كويد «أنت شفيتنى» يعنى تو مرا شفا دادى از شما جز اين نخواهم زن بيامد وآنچهـ از وى شنيد بايوب كفت أيوب بدانست كه آن شيطانست واو را از راه مى برد وكفت «والله لئن برئت لا ضربنك مائة» پس چون به شد جبريل آمد و پيام آورد از حق تعالى كه آن زن ترا در ايام بلا خدمت نيكو كرد اكنون تخفيف ويرا وتصديق سوكند خود را دسته كياه وريحان كه بعدد صد شاخ باشد با قبضه كه ازين درخت كندم كه خوشه بر سر دارد آنرا بدست خويش كير] فانه قال فى التكملة وقد روى انه أخذ مائة سنبلة فى كف واحد فضربها بها وقيل باعث ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب إذا قام فحلف بذلك قال فى فتح الرحمن روى ان أيوب ﵇ كانت زوجته مدة مرضه تختلف اليه فيتلقاها الشيطان مرة فى صورة طبيب ومرة فى هيئة ناصح فيقول لها لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ ولو ذبح عناقا للصنم الفلاني لبرئ ويعرض لها وجوها من الكفر فكانت هى ربما عرضت ذلك على أيوب فيقول لقيت عدو الله فى طريقك فلما أغضبته حلف ان عوفى ليجلدنها مائة جلدة انتهى يقول الفقير هذه الوجوه ذكرت ايضا فى غيره من التفاسير لكنها ضعيفة فان امرأة أيوب وهى رحمة وكانت بنت ابن يوسف الصديق ﵇ على ما هو الأرجح ولا يتصور من مثل هذه المرأة المتدينة ان تحمل أيوب على ما هو كفر فى دينه وفى سائر الأديان وبمجرد نقل كلام العدو لا يلزم الغضب والحلف فالوجه الاول أليق بالمقام فَاضْرِبْ بِهِ اى بذلك الضغث زوجك وَلا تَحْنَثْ فى يمينك فان البر يتحقق به فاخذ
стр. 3533
ضغثا فضربها ضربة واحدة يقال حنث فى يمينه إذا لم يف بها وقال بعضهم الحنث الإثم ويطلق على فعل ما حلف على تركه وترك ما حلف على فعله من حيث ان كل واحد منهما سبب له وفى تاج المصادر [الحنث: دروغ شدن سوكند] ويعدى بفي [وبزه مند شدن] فان قيل لم قال الله تعالى لايوب ﵇ (لا تَحْنَثْ) وقال لمحمد ﷺ (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) قلنا لان كفارة اليمين لم تكن لاحد قبلنا بل هى لنا مما أكرم الله به هذه الامة بدليل قوله تعالى لكم كذا فى اسئلة الحكم وفى كلام بعض المفسرين لعل التكفير لم يجز فى شرعهم او ان الأفضل الوفاء به انتهى قال الشيخ نجم الدين ﵀ أراد الله ان يعصم نبيه أيوب ﵇ من الذنبين اللازمين. أحدهما اما الظلم واما الحنث وان لا يضيع اجر احسان المرأة مع زوجها وان لا يكافئها بالخير شرا وتبقى ببركتها هذه الرخصة فى الأمم الى يوم القيامة انتهى. فقد شرع الله هذه الرحمة رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وهى رخصة باقية فى الحدود يجب ان يصيب المضروب كل واحد من المائة اما بأطرافها قائمة او باعراضها مبسوطة على هيئة الضرب اى بشرط ان توجد صورة الضرب ويعمل بالحيل الشرعية بالاتفاق- روى- ان الليث
بن سعد حلف ان يضرب أبا حنيفة بالسيف ثم ندم من هذه المقالة وطلب المخرج من يمينه فقال ابو حنيفة ﵀ خذ السيف واضربنى بعرضه فتخرج عن يمينك كما فى مناقب الامام رضى الله عنه قال فى فتح الرحمن مذهب الشافعي إذا وجب الحد على مريض وكان جلدا اخر للمرض فان لم يرج برؤه جلد بعثكال عليه مائة غصن فان كان خمسين ضرب به مرتين وتمسه الاغصان او ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم فان برئ اجزأه ومذهب ابى حنيفة ﵀ يؤخر فلا يجلد حتى يبرأ كمذهب الشافعي فان كان ضعيف الخلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب شديدا يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب ومذهب مالك لا يضرب الا بالسوط ويفرق الضرب وعدد الضربات مستحق لا يجوز تركه فان كان مريضا آخر الى ان يبرأ كمذهب الشافعي وابى حنيفة ومذهب احمد يقام الحد فى الحال ولا يؤخر للمرض ولو رجى زواله ويضرب بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير فان خشى عليه من السوط أقيم باطراف الثياب وعثكول النخل فان خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة كقول الشافعي واما إذا كان الحد رجما فلا يؤخر بالاتفاق ولا يقام الحد على حامل حتى تضع بغير خلاف فابو حنيفة ان كان حدها الجلد فحتى تتعالّ ااى تخرج من نفاسها وان كان الرجم فعقيب الولادة وان لم يكن للصغير من يربيه فحتى يستغنى عنها والشافعي حتى ترضعه اللبان ويستغنى بغيرها او فطام لحولين ومالك واحمد بمجرد الوضع إِنَّا وَجَدْناهُ علمناه صابِراً فيما أصابه فى النفس والأهل والمال وفى التأويلات النجمية يشير الى ان أيوب ﵇ لم يكن ليجد نفسه صابرا لولا انا وجدناه صابرا اى جعلناه يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه ﵇ (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) اى هو الذي صبرك وان لم تكن تصبر انتهى- روى- انه بلغ امر أيوب ﵇ الى ان لم يبق منه الا القلب واللسان فجاءت دودة الى القلب فعضته واخرى الى اللسان
стр. 3534
فعضته فعند ذلك دعا أيوب فوقعت دودة فى الماء فصار علقا واخرى فى البر فصار نحلا يخرج منه العسل وفى زهرة الرياض انه بقي على بدنه اربعة من الديدان واحد طار ووقع على شجرة الفرصاد فصار دود القز وواحد وقع فى الماء فصار علقا وواحد وقع فى الحبوب فصار سوسا والرابع طار ووقع فى الجبال والأشجار فصار نحلا وهذا بعد ما كشف الله عنه واعلم ان العلماء قالوا ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الأمراض المنفرة ويناقش فيه بحديث أيوب ﵇ إذ روى انه تفرق عنه الناس حتى ارتد بعض من آمن به الا ان يستثنى أيوب ﵇ فان ابتلاءه كان خارقا للعادة وابتلاء الناس به أي ابتلاء ثم اعلم انه ليس فى شكواه الى الله تعالى إخلال بصبره فان الصبر حبس النفس عن الشكوى لغير الله لا الى الله تعالى وفى حبس النفس عن الشكوى الى الله فى رفع الضر مقاومة القهر الإلهي وهو ليس من آداب العبودية فلا بد من الشكاية ليصح الافتقار الذي هو حقيقتك المميزة نسبة العبودية من الربوبية ولذا قال ابو يزيد البسطامي قدس سره
چار چيز آورده ام شاها كه در كنج تو نيست ... نيستى وحاجت وعجز ونياز آورده ام
وجاع بعض العارفين فبكى فعاتبه فى ذلك بعض من لا ذوق له فقال انما جوّعنى لا بكى واسأل نِعْمَ الْعَبْدُ اى أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ تعليل لمدحه اى انما كان نعم العبد لانه رجاع الى الله تعالى لا الى الأسباب مقبل بجملة وجوده الى طاعته او رجاع الى الحضرة فى طلب الصبر على البلاء والرضى بالقضاء ولقد سوى الله تعالى بين عبديه اللذين أحدهما أنعم عليه فشكر والآخر ابتلى فصبر حيث اثنى عليهما ثناء واحدا فقال فى وصف سليمان (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وفى وصف أيوب كذلك ولم يلزم من الاوابية الذنب لان بلاء أيوب كان من قبيل الامتحان على ما سبق واعلم ان العيش فى البلاء مع الله عيش الخواص وعيش العافية مع الله عيش العوام وذلك لان الخواص يشاهدون المبلى فى البلاء وتطيب عيشتهم بخلاف العوام فانهم بمعزل من الشهود فيكون البلاء لهم عين المحنة ولذا لا صبر لهم قال
ابن مسعود رضى الله عنه أيوب ﵇ رأس الصابرين الى يوم القيامة قال بعضهم [بلا ذخيره أوليا واختيار اصفيا است هر يكى بنوعى ممتحن بودند. نوح بدست قوم خويش كرفتار. ابراهيم بآتش نمرود. إسماعيل بفتنه ذبح. يعقوب بفراق فرزند. زكريا ويحيى بمحنت قتل. موسى بدست فرعون وقبطيان وعلى هذا أوليا واصفيا. يكى را محنت غربت بود ومذلت. يكى را كرسنكى وفاقت. يكى را بيمارى وعلت. يكى را قتل وشهادت. مصطفى ﵇ كفت (ان الله ادخر البلاء لاوليائه كما ادخر الشهادة لاحبابه) چون رب عزت آن بلاها از أيوب كشف كرد روزى بخاطر وى بگذشت كه نيك صبر كردم در ان بلا ندا آمد كه «أأنت صبرت أم نحن صبرناك يا أيوب لولا انا وضعنا تحت كل شعرة من البلاء جبلا من الصبر لم تصبر» جنيد قدس سره كفت] من شهد البلاء بالبلاء ضج من البلاء ومن شهد البلاء من المبلى حنّ الى البلاء قال ابن عطاء ليخفف ألم البلاء عنك علمك بان الله هو المبلى واعلم ان لكل بلاء خلفا اما فى الدنيا واما فى الآخر واما فى كليهما: قال الصائب
стр. 3535
هر محنتى مقدمه راحتى بود ... شد همزبان حق چوزبان كليم سوخت
- يروى- ان الله تعالى لما اذهب عن أيوب ما كان فيه من الأذى انزل عليه ثوبين أبيضين من السماء فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ثم مشى الى منزله فاقبلت سحابة فسحت فى اندر قمحه ذهبا حتى امتلأ وأقبلت سحابة اخرى الى اندر شعيره فسحت فيه ورقا حتى امتلأ وشكر الله خدمة زوجته فردها الى شبابها وجمالها وَاذْكُرْ عِبادَنا المخصوصين من اهل العناية إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ابن ابراهيم وَيَعْقُوبَ ابن اسحق ثم اومأ الى وجه اختصاصهم بجنابه تعالى فقال أُولِي الْأَيْدِي ذوى الأيدي وهى جمع يد بمعنى الجارحة فى الأصل أريد بها القوة مجازا بمعونة المقام وذلك لكونها سبب التقوى على اكثر الأعمال وبها يحصل البطش والقهر ولم تجمع القوة لكونها مصدرا يتناول الكثير وَالْأَبْصارِ جمع بصر حمل على بصر القلب ويسمى البصيرة وهى القوة التي يتمكن بها الإنسان من ادراك المعقولات قال فى المفردات البصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التي فيها ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة. وجمع البصر أبصار وجمع البصيرة بصائر. والمعنى ذوى القوة فى الطاعة والبصيرة فى امور الدين ويجوز ان يراد بالأيدي الأعمال الجليلة لان اكثر الأعمال تباشر بها فغلب الأعمال بالأيدي على سائر الأعمال التي تباشر بغيرها وان يراد بالأبصار المعارف والعلوم الشريفة لان البصر والنظر أقوى مباديها وهم ارباب الكمالات العملية والنظرية والذين لا يفكرون فكر ذوى الديانات فى حكم من لا استبصار لهم وفيه تعريض بالجهلة البطالين وانهم كالزمنى والعميان حيث لا يعملون عمل الآخرة ولا يستبصرون فى دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع تمكنهم منهما: وفى المثنوى
اندرين ره مى تراش ومى خراش ... تا دم آخر دمى فارغ مباش
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية وعلو الرتبة. والتنكير للتفخيم اى انا جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة عظيمة الشأن لا شوب فيها ذِكْرَى الدَّارِ مصدر بمعنى التذكر مضاف الى مفعوله وهو خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة خالصة. والتقدير هى تذكرهم للدار الآخرة دائما ولا همّ لهم غيرها واطلاق الدار يعنى مرادا بها الدار الآخرة للاشغار بانها الدار فى الحقيقة وانما الدنيا معبر فان قيل كيف يكونون خالصين لله تعالى وهم مستغرقون فى الطاعة وفيما هو سبب لها وهو تذكر الآخرة قلت ان استغراقهم فى الطاعة انما هو لاستغراقهم فى الشوق الى لقاء الله ولما لم يكن ذلك الا فى الآخرة استغرقوا فى تذكرها وفى الآخرة [آن ياد كردن سراى آخرتست چهـ مطمح نظر انبيا جزفوز بلقاى حضرت كبريا نيست وآن در آخرت ميسر شود] وفى التأويلات انا صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة الانانية وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ليس لغيرنا فيهم نصيب ولا يميلون الى الغير بالمحبة العارضة لا الى أنفسهم ولا الى غيرهم بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهمّ آخر هى ذكرى الدار الباقية والمقر الأصلي اى استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس واعراضهم عن معدن الرجس مستشرفين لانواره لا التفات لهم الى الدنيا وظلماتها أصلا
стр. 3536
انتهى يقول الفقير أراد ان الدنيا ظلمة لانها مظهر جلاله تعالى والآخرة نور لانها مجلى جماله تعالى والتاء للتخصيص والأصل الآخر الذي هو الله تعالى ولذا يرجع العباد اليه بالآخرة وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ قوله عند ظرف لمحذوف دل عليه المصطفين ولا يجوز ان يكون معمولا لقوله من المصطفين لان الالف واللام فيه بمعنى الذي وما فى حيز الصلة لا يتقدم على الموصول. والمصطفين بفتح الفاء والنون جمع مصطفى أصله مصطفيين بالياءين وبكسر الاولى. والمعنى لمن المختارين من أمثالهم الْأَخْيارِ المصطفين عليهم فى الخير وفى التأويلات وانهم فى الحضرة الواحدية لمن الذين اصطفيناهم لقربنا من بنى نوعهم الأخيار المنزهين عن شوائب الشر والإمكان والعدم والحدثان انتهى وذكر العندية وقرن بها الاصطفائية اشارة الى ان الاصطفائية فى العبودية ازلية قبل وجود الكون فشرفهم خاص وموهبة خالصة بلا علل. والأخيار جمع خير كشر واشرار على انه اسم تفضيل او خير بالتشديد او خير بالتخفيف كاموات جمع ميت وميت وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ ابن ابراهيم ﵉ وليس هو باشموئيل بن هلقاثان على ما قال قتادة وانما فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه للاشعار بعراقته فى الصبر الذي هو المقصود بالتذكر وذلك لانه اسلم نفسه للذبح فى سبيل الله او ليكون اكثر تعظيما فانه جد أفضل الأنبياء والمرسلين وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب من العجوز استخلفه الياس ﵇ على بنى إسرائيل ثم استنبىء ودخل اللام على العلم لكونه منكرا بسبب طرو الاشتراك عليه فعرف باللام العهدية على ارادة اليسع الفلاني مثل قول الشاعر رأيت الوليد بن اليزيد مباركا وَذَا الْكِفْلِ هو ابن عم يسع او يشير بن أيوب ﵇ بعث بعد أبيه الى قوم فى الشام واختلف فى نبوته والأكثرون على انه نبى لذكره فى سلك الأنبياء واختلف ايضا انه الياس او يوشع او زكريا او غيرهم وانما لقب بذي الكفل لانه فرّ اليه مائة نبى من بنى إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم بمعنى أطعمهم وكساهم وكتمهم من الأعداء وفى التأويلات النجمية قيل ان اليسع وذا الكفل كانا أخوين وذو الكفل تكفل بعمل رجل صالح مات فى وقته كان يصلى لله كل يوم مائة صلاة فاحسن الله اليه الثناء وَكُلٌّ اى وكلهم على ان يكونوا بدلا منهم مِنَ الْأَخْيارِ المشهورين بالخيرية والآيات تعزية وتسلية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا اجتهدوا فى الطاعات وقاسوا الشدائد والآفات وصبروا على البلايا والأذيات من أعدائهم مع انهم مفضولون فالنبى ﵇ اولى بذلك لكونه أفضل منهم والأفضل يقاسى ما لا يقاسى المفضول إذ به تتم رتبته وتظهر رفعته قال فى كشف الاسرار [اسما دختر صديق رضى الله عنها روايت كند كه مصطفى ﵇ روزى در انجمن قريش بگذشت يكى از ايشان برخاست كفت تويى كه خدايان ما را بد ميكويى ودشنام مى دهى رسول خدا كفت من ميكويم كه معبود عالميان يكيست بى شريك وبى نظير شما در پرستش
стр. 3537
أصنام بر باطليد ايشان همه بيكبار هجوم كردند ودر رسول آويختندن واو را ميزدند اسما كفت اين ساعت يكى آمد بدر سراى أبو بكر وكفت «أدرك صاحبك» صاحب خويش را درياب كه در زخم دشمنانى كرفتارست أبو بكر بشتاب رفت وبا ايشان كفت «ويلكم أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم» ايشان رسول را بگذاشتند وابو بكر را بيمحابا زدند وابو بكر كيسوان داشت چون بخانه باز آمد دست بگيسوان فرو مى آورد وموى بدست وى باز مى آمد وميكفت «تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام» رب العالمين اين همه رنج وبلا بر دوستان نهد كه از ايشان دو چيز دوست دارد چشمى كريان ودلى بريان ودوست دارد كه بنده مى كريد واو را دران كريه مى ستايد كه «ترى أعينهم تفيض من الدمع» ودوست دارد كه بنده مى نالد وبر دركاه او مى زارد واو راد آن مى ستايد كه] وجلت قلوبهم وفى المثنوى
با سياستهاى جاهل صبر كن ... خوش مدارا كن بعقل من لدن «١»
صبر برنا اهل اهلانرا جليست ... صبر صافى ميكند هر جا دليست
آتش نمرود ابراهيم را ... صفوت آينه آمد در جلا
جور كفر نوحيان وصبر نوح ... نوح را شد صيقل مرآت نوح
انبيا رنج خسان بس ديده اند ... از چنين ماران بسى پيچيده اند «٢»
رو بكش خندان وخوش بار حرج ... از پى الصبر مفتاح الفرج
اللهم أعنا على الصبر هذا المذكور من الآيات الناطقة بمجالس الأنبياء ذِكْرٌ اى شرف لهم وذكر جميل يذكرون به ابدا كما يقال يموت الرجل ويبقى اسمه وذكره ويموت الفرس ويبقى ميدانه
يادگارست چون حديث بشر ... ياد كارت بخير به كه بشر
وفى التفسير الفارسي [اين خبر انبيا سبب ياد كردست ترا اى محمد وقوم ترا] كما فى قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذا ذكر من مضى من الأنبياء وفى التأويلات النجمية هذا اى القرآن فيه ذكر ما كان وذكر الأنبياء وقصصهم لتعتبر بهم وتقتدى بسيرهم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الله لا ما سواه وهذا لان جنات عدن مقام اهل الخصوص لَحُسْنَ مَآبٍ مرجع فى الآخرة مع مالهم فى الدنيا من الثناء الجميل وهو من اضافة الصفة الى الموصوف اى مآبا حسنا جَنَّاتِ عَدْنٍ عطف بيان لحسن مآب. واصل العدن فى اللغة الاقامة ثم صار علما بالغلبة- روى- ابو سعيد الخدري رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (ان الله تعالى بنى جنة عدن بيده وبناها بلبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل ملاطها المسك وترابها الزعفران وحصباءها الياقوت ثم قال لها تكلمى فقالت قد أفلح المؤمنون قالت الملائكة طوبى لك منزل الملوك) يقول الفقير دل الحديث على ان جنة عدن مقر الخواص والمقربين الذين هم بمنزلة الملوك من الرعايا ودل عليه الإطلاق فى قوله ايضا قد أفلح المؤمنون لان الله تعالى عقب فى القرآن
стр. 3538
قوله (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) بصفات جليلة لا تتيسر الا للخواص فاين السياس من منازل السلاطين مُفَتَّحَةً اى حال كون تلك الجنات مفتحة لَهُمُ الْأَبْوابُ منها والأبواب مفعول مفتحة اى إذا وصلوا إليها وجدوها مفتوحة الأبواب لا يحتاجون الى فتح بمعاناة ولا يلحقهم ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب والإكرام يقولون سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار وقيل هذا مثل كما تقول متى جئتنى وجدت بابى مفتوحا لا تمنع من الدخول فان قيل ما فائدة العدول عن الفتح الى التفتيح قلنا المبالغة وليست لكثرة الأبواب بل لعظمها كما ورد من المبالغة فى وسعها وكثرة الداخلين ويحتمل ان يكون للاشارة الى ان اسباب فتحها عظيمة شديدة لان الجنة قد حفت بالمكاره على وجه لما رآها جبرائيل ﵇ مع عظمة نعيمها قال يا رب أنى هذه لا يدخلها أحد مُتَّكِئِينَ فِيها حال من لهم اى حال كونهم جالسين فيها جلسة المتنعمين للراحة ولا شك ان الاتكاء على الأرائك دليل التنعم ثم استأنف لبيان حالهم فى الجنات فقال يَدْعُونَ فِيها [مى خوانند دران بهشتها] بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ اى بألوان الفاكهة وهى ما يؤكل للذة لا للغذاء. والاقتصار على دعاء الفاكهة للايذان بان مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي فانه لتحصيل بدل المتحلل ولا تحلل فيها وَشَرابٍ اى ويدعون فيها ايضا بشراب وقيل تقديره وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول اى يدعون بشراب كثير بمعنى ألوانه يقال نطق القرآن بعشرة اشربة فى الجنة منها الخمر الجارية من العيون وفى الأنهار ومنها العسل واللبن وغيرهما ولا شك ان الأذواق المعنوية فى الدنيا متنوعة ومقتضاه تنوع التجليات الواقعة فى الجنة سواء كانت تجليات شرابية او غيرها وَعِنْدَهُمْ اى عند المتقين قاصِراتُ الطَّرْفِ اى زوجات قصرن طرفهن اى نظرهن على أزواجهن لا ينظرن الى غيرهم: يعنى [زنانى كه از غير شوهر چشم باز كيرند] قال فى كشف الاسرار هذا كقولهم فلانة عند فلان اى زوجته أَتْرابٌ جمع ترب بالكسرة وهى اللدة اى من ولد معك والهاء فى اللدة عوض عن الواو الذاهبة من اوله لانه من الولادة. والمعنى لدات اقران ينشأن معا تشبيها فى التساوي والتماثل بالترائب التي هى ضلوع الصدر ولوقوعهن على الأرض معا اى يمسهن التراب فى وقت واحد قال فى كشف الاسرار لدات مستويات فى السن لا عجوز فيهن ولا صبية وقال بعضهم لدات لازواجهن اى هن فى سن أزواجهن: يعنى [تمام زنان بهشت در سن متساوى ازواج باشند مجموع سى وسه سال] لا أصغر ولا اكبر. وفيه ان رغبة الرجل فيمن هى دونه فى السن أتم وانه كان التحاب بين الاقران ارسخ فلا يكون كونهن لدات لازواجهن صفة مدح فى حقهن [وبعضى برانند كه مراد از اتراب آنست كه همه زنان متساوى باشند در حسن يعنى هيچ يك را بر ديكرى فضلى نبود دران تا طبع بفاضله كشد واز مفضوله منصرف كردد] وفى الخبر الصحيح (يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين سنة لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها) هذا اى تقول لهم الملائكة هذا المعد من الثواب والنعيم ما تُوعَدُونَ
стр. 3539
ايها المتقون على لسان النبي ﵇ لِيَوْمِ الْحِسابِ اى لاجله فان الحساب علة للوصول الى الجزاء يقول الفقير ويحتمل ان يكون التقدير ما توعدون بوقوعه فى يوم الحساب والجزاء إِنَّ هذا اى ما ذكر من ألوان النعم والكرامات لَرِزْقُنا عطاؤنا أعطيناكموه ما لَهُ مِنْ نَفادٍ اى ليس له انقطاع ابدا وفناء وزوال قال فى المفردات النفاد الفناء قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ليس لشئ نفاد ما أكل من ثمارها خلف مكانه مثله وما أكل من حيوانها وطيرها عاد مكانه حيا وفى التأويلات النجمية وبقوله (جَنَّاتِ عَدْنٍ) الى قوله (لِيَوْمِ الْحِسابِ) يشير الى ان هذه الجنات بهذه الصفات مفتوحة لهم الأبواب وأبواب الجنة بعضها مفتوحة الى الخلق وبعضها مفتوحة الى الخالق لا يغلق عليهم واحد منها فيدخلون من باب الخلق وينتفعون بما أعد لهم فيها ثم يخرجون من باب الخالق وينزلون فى فى مقعد صدق عند مليك مقتدر لا يقيدهم نعيم الجنة ليكونوا من اهل الجنة كما لم يقيدهم نعيم الدنيا ليكونوا من اهل النار بل أخلصهم من حبس الدارين ومتعهم بنزل المنزلين وجعلهم من اهل الله وخاصته (إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ) اى هذا ما رزقناهم فى الأزل فلا نفاد له الى الابد انتهى فعلى العاقل الاعراض عن اللذات الفانية والإقبال على الأذواق الباقية فالفناء يوصل الى البقاء كما ان الفقر يوصل الى الغنى ولكل احتياج استغناء [حكايت- كنند مردى مال بسيار داشت در دلش افتاد كه بازركانى كند در ان كشتى كه نشسته بود بشكست ومال او جمله غرق شد واو بر لوحى بماند بجزيره افتاد حالى بي مونسى ورفيقى سالها بر وى آمد دلتنك كشت وغمكين شد شبى بر لب دريا نشسته بود وموى پاليده وجامها از وى فرو شد اين بيت ميكفت]
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وهيهات الغراب متى يشيب
[آوازى از دريا شنيد كه كسى ميكفت]
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
[ديكر روز آن مرد را چشم بر دريا افتاد و چيزى عظيم ديد چون نزديك آمد كشتى چوعروسى بود چون اين مرد را بديدند كفتند حال تو چيست قصه اش بكفت واز شهرش خبر داد كفتند ترا هيچ بسر بود كفت نعم وصفتش بيان كرد ايشان همه بر وى افتادند وبوسه بر وى دادند وكفتند اين پسر تو است واين كشتى از ان اوست وما بندگان اوييم وهر چهـ از ان اوست از ان تو بود واو را موى فرو كرند وجامهاى فاخر پوشيدند وبراحت با جايكاه خويش آوردند] فظهر ان ذلك الرجل ظن ان نفسه هلك ورزقه نفد فوجد الله تعالى قد أعطاه حالا احسن من حاله الاولى فان رزقه ليس له نفاد وعطاءه غير مجذوذ هذا اى الأمر فى حق المتقين هذا الذي ذكرناه وقال بعضهم هذا من قبيل ما إذا فرغ الكاتب من فصل وأراد الشروع فى فصل آخر منفصل عما قبله قال هذا اى احفظ ما كان كيت وكيت وانتظر الى ما يجيئ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ اى للذين طغوا على الله وكذبوا الرسل يعنى للكافرين قال الراغب الطغيان تجاوز الحد فى العصيان لَشَرَّ مَآبٍ مرجع فى الآخرة
стр. 3540
جَهَنَّمَ عطف بيان لشر مآب يَصْلَوْنَها حال من المنوي فى للطاغين اى حال كونهم يدخلونها ويجدون حرها يوم القيامة ولكن اليوم مهدوا لانفسهم فَبِئْسَ الْمِهادُ اى جهنم: وبالفارسية [پس بد آرامگاهيست دوزخ] وهو المهد والفرش مستعار من فراش النائم إذ لا مهاد فى جهنم ولا استراحة وانما مهادها نار وغواشيها نار كما قال تعالى (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ) اى فراش من تحتهم ومن تجريدية (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) اى اغطية: يعنى [زير وزبر ايشان آتش باشد] هذا فَلْيَذُوقُوهُ اى ليذوقوا هذا العذاب فليذوقوه والذوق وجود الطعم بالفم وأصله فى القليل لكنه يصلح للكثير الذي يقال له الاكل وكثر استعماله فى العذاب تهكما حَمِيمٌ اى هو حميم وهو الماء الذي انتهى حره: يعنى [آن آب كرم است در نهايت حرارت چون پيش لب رسد ويرا بسوزد و چون بخورند دو پاره شود] وَغَسَّاقٌ ما يغسق من صديد اهل النار اى يسيل من غسقت العين سال دمعها قال الكاشفى [مراد ريم است كه از كوشت و پوست دوزخيان واز فروج زانيان سيلان ميكند آنرا جمع كرده بديشان مى خورانند] وقال ابن عباس رضى الله عنهما هو الزمهرير يحرقهم برده كما تحرقهم النار بحرّها وفى القاموس الغساق كسحاب وشداد البارد المنتن فلو قطرت منه قطرة فى المشرق لنتنت اهل المغرب ولو قطرت قطرة فى المغرب لنتنت اهل المشرق وعن الحسن هو عذاب لا يعلمه الا الله ان ناسا اخفوا لله طاعة فاخفى لهم ثوابا فى قوله (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) واخفوا معصية فاخفى لهم عقوبة وقيل هو مستنقع فى جهنم يسيل اليه سم كل ذى سم من عقرب وحية يغمس فيه الآدمي فيسقط جلده ولحمه عن العظام وفى التأويلات النجمية (هذا) الذي مهدوا اليوم (فَلْيَذُوقُوهُ) يوم القيامة يعنى قد حصلوا اليوم معنى صورته (حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) يوم القيامة ولكن مذاقهم بحيث لا يجدون ألم عذاب ما حصلوه بسوء أعمالهم فليذوقوه يوم القيامة
هر كه او نيك ميكند يابد ... نيك وبد هر كه ميكند يابد
فاذا تنعم المؤمنون بالفاكهة والشراب تعذب الكافرون بالحميم والغساق وَآخَرُ ومذوق آخر او عذاب آخر مِنْ شَكْلِهِ اى من مثل هذا المذوق او العذاب فى الشدة والفظاعة أَزْواجٌ قوله آخر مبتدأ وازواج مبتدأ ثان ومن شكله خبر لازواج والجملة خبر المبتدأ الاول وازواج اى أجناس لانه يجوز ان يكون ضروبا: يعنى [اين عذاب كونا كونست اما همه متشابه يكديكرند در تعذيب وإيلام] وفى التأويلات النجمية اى فنون اخر مثل ذلك العذاب يشير به الى ان لكل نوع من المعاصي نوعا آخر من العذاب كما ان كل بذر يزرعونه يكون له ثمرة تناسب البذر
همينت بسندست اگر بشنوى ... كه كر خار كارى سمن ندروى
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ الفوج الجماعة والقطيع من الناس وأفاج اسرع وعدا وندّ قال الراغب الفوج الجماعة المارة المسرعة وهو مفرد اللفظ ولذا قيل مقتحم لا مقتحمون والاقتحام الدخول فى الشيء بشدة والقحمة الشدة قال فى القاموس قحم فى الأمر كنصر قحوما رمى