← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أموالها وذخائرها وسائر منافعها وهو اسم ان ولهم خبرها جَمِيعاً توكيد للموصول او حال منه وَمِثْلَهُ عطف على الموصول اى ضعفه مَعَهُ ظرف وقع حالا من المعطوف والضمير راجع الى الموصول لِيَفْتَدُوا بِهِ متعلق بما تعلق به خبر ان اعنى الاستقرار المقدر فى لهم وبه متعلق بالافتداء والضمير راجع الى الموصول ومثله معا وتوحيده لاجرائه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل بذلك مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بالافتداء ايضا اى لو ان ما فى الأرض ومثله ثابت لهم لجعلوه فدية لانفسهم من العذاب الواقع يومئذ وافتدوا به ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك وهو جواب لو ولو بما فى حيزة خبر ان والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة وفى الحديث (بجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملئ الأرض ذهبا أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقال له انك كنت سئلت ما هو الأيسر من ذلك) اى ما هو أسهل من الافتداء المذكور وهو ترك الإشراك بالله تعالى وإتيان كلمة الشهادة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم يُرِيدُونَ كأنه قيل فكيف يكون حالهم او ماذا يصنعون فقيل انهم يريدون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ له وجوه الاول انهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج فيلفحهم لهب النار ويرفعهم الى فوق فهناك يريدون الخروج ولات حين مناص والثاني انهم يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادة رفعها إياهم والثالث انهم يتمنون ويريدون بقلوبهم وَما هُمْ اى يريدون ذلك والحال انهم ليسوا بِخارِجِينَ مِنْها لانهم كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ اى دائم لا ينقطع وهو تصريح بعدم تناهى مدته بعد بيان شدته وفى الحديث (يقال لاهل الجنة لكم خلود ولا موت ولاهل النار يا اهل النار خلود ولا موت) اى لكم خلود فى النار- روى- ان هذين القولين يكونان بعد ان يؤتى بالموت فى صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار وانما يمثل الموت بهذا المثال ليشاهدوا بأعينهم ويستقر فى أنفسهم ان الموت ارتفع فيزداد اهل الجنة فرحا واهل النار ترحا وتخصيص صورة الكبش لانه لما كان فداء عن إسماعيل الذي نبينا ﵇ من نسله كان فى المعنى فداء عن جميع الاحياء فى الدنيا لانهم خلقوا لاجله فناسب ان يكون فداء عنهم فى دار الآخرة ايضا كذا فى شرح المشارق لابن الملك. واعلم ان الكفر وجزاءه وهو الخلود فى النار اثر اخطاء رشاش النور الإلهي فى عالم الأرواح وقد أنعم الله تعالى على المؤمنين باصابة ذلك النور: وفى المثنوى مؤمنان كان عسل زنبوروار ... كافران خود كان زهرى همچومار «١» جنبش خلق از قضا ووعده است ... تيزىء دندان ز سوز معده است «٢» نفس أول راند بر نفس دوم ... ماهى از سر كنده باشد نى زدم تو نميدانى كزين دو كيستى ... جهد كن چندانكه بينى چيستى چون نهى بر پشت كشتى بار را ... بر توكل ميكنى آن كار را تو نميدانى كه از هر دو كىء ... غرقه اندر سفر يا ناجىء

стр. 842

چونكه بر بوكست جمله كارها ... كار دين اولى كزين يا بي رها قال بعض الصلحاء رأيت فى منامى كانى واقف على قناطر جهنم فنظرت الى هول عظيم فجعلت أفكر فى نفسى كيف العبور على هذه فاذا قائل يقول يا عبد الله ضع حملك واعبر قلت ما حملى قال دع الدنيا: قال الحافظ تا كى غم دنياى دنى اى دل دانا ... حيفست ز خوبى كه شود عاشق زشتى وفى الحديث (يؤتى بانعم اهل الدنيا) الباء فيه للتعدية وأنعم افعل تفضيل من النعمة اى بأكثرهم نعمة (من اهل النار يوم القيامة فيصبغ فى النار صبغة) يعنى يغمس فيها مرة أراد من الصبغ الغمس إطلاقا للملزوم على اللازم لان الصبغ انما يكون بالغمس غالبا ثم أراد من غمسه فيها إصابة نفحة من النار به (ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مربك نعيم قط فيقول لا والله يا رب) شدة العذاب آنسته ما مضى عليه من نعم الدنيا (ويؤتى باشد الناس بؤسا) اى شدة وبلاء فى الدنيا (من اهل الجنة فيصبغ صبغة من الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مربك شدة قط فيقول لا والله ما مربى بؤس قط ولا رأيت شدة قط) كذا فى شرح المشارق لابن ملك هر چند غرق بحر گناهم ز صد جهت ... گر آشناى عشق شوم ز اهل رحمتم وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وهو مبتدأ محذوف الخبر اى حكم السارق والسارقة ثابت فيما يتلى عليكم فقوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما بيان لذلك الحكم المقدر فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ولذلك اتى بها فيه لانه هو المقصود مما قبلها ولو لم يأت بالفاء لتوهم انه اجنبى وانما فدر الخبر لان الأمر إنشاء لا يقع خبرا الا بإضمار وتأويل والمراد بايديهما إيمانهما ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما فى قوله تعالى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما اكتفاء بتثنية المضاف اليه وتفصيل ما يتعلق بالسرقة سيجيئ فى آخر المجلس جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ منصوبان على المفعول له والمعنى فاقطعوهما مكافاة لهما على ما فعلا من فعل السرقة وعقوبة رادعة لهما من العود ولغيرهما من الاقتداء بهما وبما متعلق بجزاء ومن الله صفة نكالا اى نكالا كائنا منه تعالى. والنكال اسم بمعنى التنكيل مأخوذ من النكول وهو الامتناع وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على امره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه حَكِيمٌ فى شرائعه لا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم والمصالح فَمَنْ تابَ من السراق الى الله تعالى مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ اى من بعد ان ظلم غيره بأخذ ماله والتصريح به مع ان التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته وَأَصْلَحَ اى امره بالتفصى عن تبعات ما باشره والعزم على ان لا يعود الى السرقة فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ اى يقبل توبته فلا يعذبه فى الآخرة واما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لان فيه حق المسروق منه. قال الحدادي لا تقطع يده إذا رد المآل قبل المرافعة الى الحاكم واما إذا رفع الى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب فان كانت توبته حقيقة كان ذلك زيادة درجات له كما ان الله تعالى ابتلى الصالحين والأنبياء بالبلايا

стр. 843

والمحن والأمراض زيادة لهم فى درجاتهم وان لم تكن توبته حقيقة كان الحد عقوبة له على ذنبه وهو مؤاخذ فى الآخرة ان لم يتب إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مبالغ فى المغفرة والرحمة ولذلك يقبل التوبة أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخطاب لرسول الله ﷺ والمراد به الجميع والاستفهام الإنكاري لتقرير العلم والمراد بذلك الاستشهاد على قدرته تعالى على ما سيأتى من التعذيب والمغفرة على ابلغ وجه وأتمه اى ألم تعلم ان الله له السلطان القادر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهما وفيما فيهما إيجادا واعداما واحياء واماتة الى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ان يعذبه ولو على الذنب الصغير وهو عدل منه وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ان يغفر له ولو كان الذنب عظيما وهو الفضل منه اى يعذب لمن توجب الحكمة تعذيبه ويغفر لمن توجب الحكمة مغفرته وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة. قال ابن الشيخ انه تعالى لما أوجب قطع يد السارق وعقاب الآخرة لمن مات قبل التوبة ثم ذكر انه يقبل توبته ان تاب اردفه ببيان انه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء يحسن منه التعذيب تارة والمغفرة اخرى لانه مالك جميع المحدثات وربهم وإلههم والمالك له ان يتصرف فى ملكه كيف شاء وأراد لا كما زعمت المعتزلة من ان حسن أفعاله تعالى ليس لاجل كونه الها للخلق ومالكا بل لاجل كونها على وفق مصالح الخلق ومتضمنة لرعاية ما هو الأصلح لهم انتهى. واعلم ان السرقة هى أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة من حرز لا ملك له فيه ولا شبهته فاحترز بالمكلف عن أخذ صبى ومجنون وبالخفية وهو ركن السرقة عن الغصب وقطع الطريق. وقوله قدر عشرة دراهم اى عينا او قيمة وهذا نصباب السرقة فى حق القطع واما فى حق العيب فاخذ ما دون العشرة يعد سرقة ايضا شرعا ويعد عيبا حتى يرد العبد به على بائعه وعند الشافعي نصاب السرقة ربع دينار ولنا قوله ﵇ (لا قطع الا فى ربع دينار او فى عشرة دراهم) والاخذ بالأكثر اولى احتيالا لدرء الحد والمعتبر فى هذه الدراهم ما يكون عشرة منها وزن سبعة مثاقيل واحترز بالمضروبة عما قيمته دونها حتى إذا سرق تبرا عشرة لا يساوى عشرة مضروبة لا يجب القطع وقوله من حرز اى من مال ممنوع من ان يصل اليه يد الغير سواء كان المانع بناء او حافظا. قال البغوي إذا سرق شيأ من غير حرز كثمر فى حائط لا حارس له او حيوان فى برية لا حافظ له او متاع فى بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه وقيد بقوله ولا شبهته لانه لو كان له شبهة فى المسروق كما إذا سرق من بيت المال او فى الحرز كما إذا سرق من بيت اذن للناس بالدخول فيه كالحمام والرباط لا يقطع لان القطع يندرئ بالشبهة وكذا لا قطع بسرقة مال سيده لوجود الاذن بالدخول عادة وكذا بسرقة مال زوجته او زوجها ولو من حرز خاص لآخر لا يسكنان فيه لان اليد المبسوطة لكل من الزوجين فى مال الآخر ثابتة وهو مانع عن القطع وكذا لا قطع بسرقة مال من بينهما قرابة ولاء لجريان الانبساط بين الأصول والفروع بالانتفاع فى المال والدخول فى الحرز ولا بسرقة من بيت ذى رحم محرم

стр. 844

ولو كان المسروق مال غيره لعدم الحرز ويقطع يمين السارق من زنده وهو مفصل الذراع فى الكف ويحسم بان يدخل فى الدهن الحار بعد القطع لقطع الدم لانه لو لم يحسم لا فضى الى التلف والحد زاجر لا متلف ولهذا لا يقطع فى الحر الشديد والبرد الشديد وان سرق ثانيا بعد ما قطعت يده اليمنى تقطع رجله اليسرى من المفصل وان سرق ثالثا لا يقطع بل يحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين والتائبين لقول على رضى الله عنه فيمن سرق ثلاث مرات انى لا ستحيى من الله ان لا ادع له يدا يأكل بها ويستنجى ورجلا يمشى عليها وفى الحديث (اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله) وفيه دليل على ان التوبة يعلم اثرها وتثبت السرقة بما يثبت به شرب الخمر أي بالشهادة او بالإقرار مرة ونصابها رجلان لان شهادة النساء غير مقبولة فى الحدود وطلب المسروق منه شرط القطع لان الخيانة على ملك الغير لا تظهر الا بخصومته ولا فرق فى القطع بين الشريف والوضيع. وعن عائشة رضى الله عنها قالت سرقت امرأة مخزومية فاراد النبي ﷺ ان يقطع يدها فاستشفع لها اسامة بن زيد وكان النبي ﵊ يحبه فلم يقبل وقال (يا اسامة أتشفع فى حد من حدود الله انما أهلك الذين قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا شرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وفى الحديث نهى عن الشفاعة فى الحدود بعد بلوغ الامام ولهذا رد رسول الله ﷺ شفاعة اسامة واما قبله فالشفاعة من المجنى عليه جائزة والستر على الذنب مندوب إذا لم يكن صاحب شر وأذى: قال السعدي پس پرده بيند عملهاى بد: ... هم او پرده پوشد ببالاى خود وفى الحديث ايضا دلالة على وجوب العدل فى الرعية واجراء الحكم على السوية. قال الامام ابو منصور فان قيل ما الحكمة فى قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة دراهم فكيف يكون قطعها جزاء لفعل السارق وقد قال تعالى وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها قلنا جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء ولله تعالى ان يمتحن بما شاء ابتداء اى من غير ان يكون ذلك جزاء على كسب العبد ولان القطع ليس بجزاء ما أخذ من المال ولكن لما هتك من الحرمة ألا يرى انه قال جزاء بما كسبا فيجوز ان يبلغ جزاء هتك تلك الحرمة قطع اليد وان قصر على العشرة علم ذلك لان مقادير العقوبات انما يعلمها من يعلم مقادير الجنايات وإذا كان الأمر كذلك فالحق التسليم والانقياد انتهى. ونعم ما قال يونس بن عبيد فى باب الترهيب لا تأمن من قطع فى خمسة دراهم خير عضو منك ان يكون عذابه هكذا غدا كما فى منهاج العابدين. فعلى العاقل ان يتوب عن الزلل وينقطع عن الحيل ويتوجه الى الله الأعلى الاجل: وفى المثنوى حيلها و چارها گر اژدهاست ... پيش الا الله آنها جمله لاست «١» قفل زفتست وكشانيده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا «٢» ثم ان الله تعالى انما بدأ بالسارق فى هذه الآية قبل السارقة وفى آية الزنى بدأ بالزانية لان السرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة والزنى يفعل بالشهوة والمرأة اكثر شهوة

стр. 845

والمرأة ادعى من الرجل الى نفسها منه إليها ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها الا بمرادها ولهذا قيل قال الله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ولم يقل وعصت حواء مع انها أكلت قبل آدم ودعته الى الاكل وقيل انما قطعت يد السارق لانها باشرت ولم يقطع ذكر الزاني للمباشرة خوفا لقطع النسل وتحصل ايضا لذة الزنى بجميع البدن. قال النيسابورى قطعت يد السارق لانها أخذت المال الذي هو يد الغنى وعماده كأنه أخذ يد انسان فجزوا يده لتناولها حق الغير وقيل قال الله تعالى وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فكل ما عند العبد من مال فهو خزانة الحق عنده والعبد خازنه فمهما تعدى خزانة مولاه بغير اجازة استحق السياسة بقطع آلة التعدي الى خيانة خزانته وهى اليد المتعدية. ثم ان السرقة كما تكون من المال كذلك تكون من العبادات وفى الحديث (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته) قالوا يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال (لا يتم ركوعها ولا سجودها) وفى الحديث (ان الرجل ليصلى ستين سنة وما تقبل له صلاة) لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع كذا فى الترغيب والترهيب فمثل هذا المصلى يقطع يمينه عن نيل الوصال فلا يصل الى مراده بل يبقى فى الهجران والقطيعة إذ هو أساء الأدب بل قصر فيما امر الرب يا أَيُّهَا الرَّسُولُ خاطبه ﷺ بعنوان الرسالة للتشريف لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ اى صنع الذين فان الذوات مع قطع النظر عن العوارض لا توجب الحزن والفرح يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ اى يقعون فى الكفر سريعا فى إظهاره إذا وجدوا منه فرصة والمقصود نهيه ﵇ عن ان يتحزن بصنيعهم بناء على انه تعالى ناصره عليهم والمعنى لا تحزن ولا تبال بتهافتهم فى الكفر سريعا مِنَ الَّذِينَ بيان للمسارعين فى الكفر قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ متعلق بقالوا والفائدة فى بيان تعلقه بالأفواه مع ان القول لا يكون الا بالفم واللسان الاشارة الى ان ألسنتهم ليست معبرة عما فى قلوبهم وان ما يجرون على ألسنتهم لا يجاوز أفواههم وانما نطقوا به غير معتقدين له بقلوبهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ جملة حالية من ضمير قالوا جىء بها للتصريح بما أشار اليه بقوله بأفواههم وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على من الذين قالوا وبه يتم بيان المسارعين فى الكفر بتقسيمهم الى قسمين المنافقين واليهود سَمَّاعُونَ خبر مبتدأ محذوف والتقدير هم اى المنافقون واليهود سماعون لِلْكَذِبِ اللام اما لتقوية العمل واما لتضمن السماع معنى القبول واما لام كى والمفعول محذوف والمعنى هم مبالغون فى سماع الكذب او فى قبول ما تفتريه أحبارهم من الكذب على الله سبحانه وتحريف كتابهم او سماعون اخباركم وأحاديثكم ليكذبوا عليكم بالزيادة والنقص والتبديل فان منهم من يسمع من الرسول ﵇ ثم يخرج ويقول سمعت منه كذا وكذا ولم يسمع ذلك منه سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ خبر ثان للمبتدأ المقدر مقرر للاول ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين واللام مثل اللام فى سمع الله لمن حمده فى الرجوع الى معنى من اى قبل منه حمده والمعنى مبالغون فى قبول كلام قوم آخرين لَمْ يَأْتُوكَ صفة اخرى لقوم اى لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وافراطا فى البغضاء قيل هم يهود خيبر

стр. 846

والسماعون بنوا قريظة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ صفة اخرى لقوم اى يميلونه ويزيلونه عن مواضعه بعد ان وضعه الله فيها اما لفظا باهماله او تغيير وصفه واما بحمله على غير المراد واجرائه فى غير مورده يَقُولُونَ صفة اخرى لقوم اى يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند القائهم إليهم أقاويلهم الباطلة مشيرين الى كلامهم الباطل إِنْ أُوتِيتُمْ من جهة الرسول هذا المحرف فَخُذُوهُ واعملوا بموجبه فانه الحق وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بل أوتيتم غيره فَاحْذَرُوا قبوله وإياكم وإياه- روى- ان شريفا من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين وحدهما الرجم فى التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فارسلوهما مع رهط منهم الى بنى قريظة فقدم الرهط حتى نزلوا على قريظة والنضير فقالوا لهم انكم خبير بهذا الرجل ومعه فى بلده وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة فجرا وقد احصنا فنحب ان تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه فقالت لهم قريظة والنضير إذا والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم كعب ابن الأشرف وكعب بن اسد وكنانة بن ابى الحقيق وغيرهم الى رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا احصنا ما حدهما فى كتابك فقال (هل ترضون بقضائي) قالوا أنعم فنزل جبريل ﵇ بالرجم فاخبرهم بذلك فابوا ان يأخذوا به فقال له جبريل اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال ﵇ (هل تعرفون شابا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا) قالوا نعم فقال (اى رجل هو فيكم) قالوا هو اعلم يهودى بقي على وجه الأرض بما انزل الله على موسى فى التوراة قال (فارسلوا اليه) ففعلوا فاتاهم فقال له ﵇ (أنت ابن صوريا) قال نعم قال (وأنت اعلم يهودى) قال كذلك يزعمون قال (أتجعلونه بينى وبينكم) قالوا نعم قال له النبي ﵇ (أنشدك بالله الذين لا اله الا هو الذي انزل التوراة على موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي ظلل عليكم الغمام وانزل عليكم المن والسلوى وانزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون فى كتابكم الرجم على من أحصن) قال ابن صوريا نعم والذي ذكرتنى به لولا خشيت ان تحرقنى التوراة ان كذبت او غيرت ما اعترفت لك ولكن كيف هى فى كتابك يا محمد قال (إذا شهد اربعة رهط عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل فى المكحلة وجب عليه الرجم) فقال ابن صوريا والذي انزل التوراة على موسى هكذا انزل الله فى التوراة على موسى فقال له النبي ﵇ (فماذا كان أول ما ترخصتم به فى امر الله تعالى) قال كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنى فى اشرافنا حتى زنى ابن عم ملكنا فلم يرجم ثم زنى رجل آخر فى أسوة من الناس فاراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه وقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عمك فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيأ دون الرجم يكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو ان يجلد أربعين جلدة بحبل مطلى بالقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار يطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم فقالت اليهود لابن صوريا ما اسرع ما أخبرته به وما كنت لما أثنينا عليك باهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا ان نغتابك فقال لهم انه قد نشدنى بالتوراة ولولا خشية التوراة ان تهلكنى

стр. 847

لما أخبرته فامر بهما النبي ﷺ فرجما عند باب المسجد وقال (اللهم انى أول من احيى أمرك إذا ماتوه) فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ الآية وَمِنَ شرطية يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ اى ضلالته او فضيحته كائنا من كان فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ فلن تستطيع له مِنَ اللَّهِ شَيْئاً فى دفعها أُولئِكَ المنافقون واليهود الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ اى من رجس الكفر وخبث الضلالة لانهما كهم فيهما وإصرارهم عليهما واعراضهم عن صرف اختيارهم الى تحصيل الهداية بالكلية لَهُمْ اى للمنافقين واليهود فِي الدُّنْيا خِزْيٌ اما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم فيما بين المسلمين واما خزى اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم فى كتمان نص التوراة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ اى مع الخزي الدنيوي عَذابٌ عَظِيمٌ هو الخلود فى النار سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ تكرير لما قبله أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ اى الحرام كالرشى من سحته إذا استأصله لانه مسحوت البركة فَإِنْ جاؤُكَ الفاء فصيحة اى وإذا كان حالهم كما شرح فان جاؤك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ بيان لحال الامرين اثر التخيير فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً من الضرر بان يعادوك لاعراضك عنهم فان الله يعصمك من الناس وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل الذي أمرت به كما حكمت بالرجم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين فيحفظهم من كل مكروه ومحذور ويعظم شأنهم وفى الحديث (المقسطون عند الله على منابر من نور) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه والحال ان الحكم منصوص عليه فى كتابهم الذي يدعون الايمان به وتنبيه على انهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق واقامة الشرع وانما طلبوا به ما هو أهون عليهم وان لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم وفيها حكم الله حال من التوراة او رفعها بالظرف وان جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يحمكونك داخل فى حكم التعجب وثم للتراخى فى الرتبة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد ما حكموك وهو تصريح بما علم قطعا لتأكيد الاستبعاد والتعجب اى ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوا بحكمك وَما أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر بِالْمُؤْمِنِينَ اى بكتابهم لاعراضهم عنه اولا وعن حكمك الموافق لكتابهم ثانيا او بك وبه. وفى الآيات ذم للظلم ومدح للعدل وقدح فى الحرام والرشوة وفى الحديث (كل لحم أنبته السحت فالنار اولى به) وفيه (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) وأراد بالرائش الذي يمشى بينهما: وفى المثنوى اى بسا مرغى پرنده دانه جو ... كه بريده حلق او هم حلق او اى بسا ماهى در آب دور دست ... كشته از حرص كلو مأخوذ شست اى بسا مستور در پرده بده ... شومى فرج وكلو رسوا شده اى بسا قاضىء حبر نيك خو ... از كلوى رشوتى او زرد رو بلكه در هاروت وماروت آن شراب ... از عروج چرخشان شد سد باب ذكر فى ادب القاضي للخصاف الرشوة على اربعة أوجه اما ان يرشوه لانه قد خوفه فيعطيه

стр. 848

الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه او يرشوه ليسوى امره بينه وبين السلطان او يرشوه ليتقلد القضاء من السلطان او يرشو القاضي ليقضى له. ففى الوجه الاول لا يحل الاخذ لان الكف عن التخويف كف عن الظلم وانه واجب حقا للشرع فلا يحل اخذه لذلك ويحل للمعطى الإعطاء لانه جعل المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع. وفى الوجه الثاني ايضا لا يحل الاخذ لان القيام بامور المسلمين واجب بدون المال فلا يحل له الاخذ. وفى الوجه الثالث لا يحل له الاخذ والإعطاء واما الرابع فحرام الاخذ سواء كان القضاء بحق او ظلم. اما الظلم فلوجهين. أحدهما انه رشوة. والثاني انه سبب للقضاء بالجور. واما الحق فلوجه واحد وهو انه أخذ المال لاقامة الواجب. واما العطاء فان كان بجور لا يجوز وان كان بحق جاز. قال ابن مسعود رضى الله عنه من شفع شفاعة يرد بها حقا او يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت. وفى نصاب الاحتساب ان المحتسب او القاضي إذا اهدى اليه ممن يعلم انه يهدى لاحتياجه الى القضاء والحسبة لا يقبل ولو قبل كان رشوة واما ممن يعرف انه يهدى للتودد والتحبب لا للقضاء والحسبة فلا بأس به وكان الصحابة رضى الله عنهم يتوسعون فى قبول الهدايا بينهم وهذا لان الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون منهم شيأ وانما كانوا يهدون لاجل التودد والتحبب وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلا يكون فيه معنى الرشوة فلهذا كانوا يقبلونها. قال قوم ان صلات السلاطين نحل للغنى والفقير إذا لم يتحقق انها حرام وانما التبعة على المعطى قالوا لان النبي ﷺ قبل هدية المقوقس ملك الاسكندرية واستقرض من اليهود مع قول الله تعالى أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ واما حال السوق فمتى علمت ان الحرام هو الأكثر فلا تشتر الا بعد التفتيش وان كان كثيرا وليس بالأكثر فلك السؤال ولقد كان النبي ﵊ وأصحابه يشترون من الأسواق مع علمهم بان فيهم اهل الربا والغصب والغلول. قال الحدادي ومن السحت ثمن الخمر والخنزير والميتة وعسب الفحل واجرة النائحة والمغنية والساحر وهدية الشفاعة ومهر البغي وحلوان الكاهن هكذا. قال عمر وعلى وابن عباس رضى الله عنهم قالوا والمال الذي يأخذه المغني والقوال ونحوهما حكم ذلك أخف من الرشوة فان صاحب المال أعطاه عن غير اختيار بغير عقد. قال ابن كيسان سمعت الحسن يقول إذا كان لك على رجل دين فاكلت فى بيته فهو سحت. فعليك ايها المؤمن المتقى بالاحتياط فى أمورك حتى لا تقع فى الشبهات بل فى الحرام وانما تحصل التصفية للقلب بأكل الغذاء الحلال: قال الحافظ صوفى شهر بين كه چون لقمه شبهه ميخورد ... پاردمش دراز باد اين حيوان خوش علف والمقصود من البيت تشبيه الذي لا يحترز عن الشبهات بالحيوان فى الاكل من كل ما يجده من غير تفرقة ولان تناول الشبهات من كمال الحرص لانه لو لم يكن له حرص لكان له قناعة بالحلال ولو قليلا والحيوان يعظم من كثرة الاكل والشرب والنوم وهى حكم الطبيعة إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ حال كونها فِيها هُدىً تهدى شرائعها وأحكامها الى الحق وترشد الناس اليه وَنُورٌ تكشف ما انبهم من الاحكام وما يتعلق بها من المستورة بظلمات الجهل يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ اى أنبياء بنى إسرائيل اى يحكمون باحكامها ويحملون الناس عليها الَّذِينَ أَسْلَمُوا ان قلت

стр. 849

النبيون أعظم من الإسلام فكيف يمدح نبى بانه رجل مسلم وما الوصف به بعد الوصف بالنبوة الا تنزل من الأعلى الى الأدنى. قلت قد يذكر الوصف مدحا للوصف ففائدة التوصيف تنويه شأن الصفة والتنبيه على عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالايمان وقد قيل أوصاف الاشراف اشراف الأوصاف: قال ما ان مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتى بمحمد لِلَّذِينَ هادُوا متعلق بيحكم اى يحكمون فيما بينهم واللام لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من ان يكون لهم او عليهم كانه قيل لاجل الذين هادوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عطف على النبيون اى هم ايضا يحكمون باحكامها وهم الزهاد والعلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ اى بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم ان يحفظوها من التضييع والتحريف على الإطلاق ولا ريب فى ان ذلك منهم ﵈ استخلاف لهم فى اجراء أحكامها من غير إخلال بشىء منها والباء سببية متعلقة بيحكم اى ويحكم الربانيون والأحبار ايضا بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به انبياؤهم وسألوهم ان يحفظوه وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ اى رقباء لا يتركونهم ان يغيروا فهو من الشهود بمعنى الحضور فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ كائنا من كان ايها الرؤساء والأحبار واقتدوا فى مراعاة أحكامها وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم وَاخْشَوْنِ فى الإخلال بحقوق مراعاتها فكيف بالتعرض لها بسوء نهوا ان يخشوا غير الله فى حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم او مراقبة كبير ودلالة الآية تتناول حكام المسلمين وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي الاشتراء استبدال السلعة بالثمن اى أخذها بدلا منه ثم استعير لاخذ شىء بدلا مما كان له عينا كان او معنى أخذا منوطا بالرغبة فيما أخذ والاعراض عما اعطى ونبذ اى لا تستبدلوا بآياتى التي فيها بان تخرجوها منها او تتركوا العمل بها وتأخذوا لانفسكم بدلا منها ثَمَناً قَلِيلًا من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة فى نفسها لا سيما بالنسبة الى ما فات عنهم بترك العمل بها آن جهان جيفه است ومردار ورخيص ... بر چنين مردار چون باشم حريص «١» پس حيات ماست موقوف فطام ... اندك اندك جهد كن تم الكلام «٢» ولما كان الاقدام على التحريف لدفع ضرر كما إذا خشى من ذى سلطان او لجلب نفع كما إذا طمع فى الحظوظ الدنيوية نهوا عن كل منهما صريحا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مستهينا به منكرا له كائنا من كان كما يقتضيه ما فعلوه من التحريف فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لاستهانتهم به وتمردهم بان حكموا بغيره ولذلك وصفهم بقوله الظالمون والفاسقون فكفرهم بانكاره وظلمهم بالحكم على خلافه وفسقهم بالخروج عنه وَكَتَبْنا فرضنا عطف على أنزلنا التوراة عَلَيْهِمْ اى على الذين هادوا فِيها اى فى التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ اى تقادبها إذا قتلها بغير حق وَالْعَيْنَ تفقأ بِالْعَيْنِ إذا فقئت بغير حق وَالْأَنْفَ تجذم بِالْأَنْفِ المقطوعة بغير حق وَالْأُذُنَ تصلم

стр. 850

بِالْأُذُنِ المقطوعة ظلما وَالسِّنَّ تقلع بِالسِّنِّ المقلوعة بغير حق وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ اى ذات قصاص بحيث تعرف المساواة واما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم او جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه لانه لا يمكن الوقوف على نهايته ففيه أرش او حكومة فَمَنْ تَصَدَّقَ اى من المستحقين بِهِ اى بالقصاص اى فمن عفا عنه فالتعبير بالتصدق للمبالغة فى الترغيب فيه فَهُوَ اى التصدق كَفَّارَةٌ لَهُ اى للمتصدق يكفر الله تعالى بها ما سلف من ذنبه واما الكافر إذا عفا فلا يكون عفوه كفارة له مع إقامته على الكفر وفى الحديث (من أصيب بشىء من جسده فتركه لله كان كفارة له) وفى الحديث (ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع الايمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله ومن قرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله أحد عشر مرات ومن ادى دينا خفيا) وقال بعضهم الهاء كناية عن الجارح والقاتل يعنى إذا عفا المجنى عليه عن الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤخذ به فى الآخرة كما ان القصاص كفارة له فاما اجر العافي فعلى الله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من الاحكام والشرائع فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المبالغون فى الظلم المتعدون لحدوده تعالى الواضعون للشىء فى غير موضعه وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ عطف على أنزلنا التوراة اى آثار النبيين المذكورين بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اى أرسلناه عقيبهم وجئنا به بعدهم يقال قفوت اثره قفوا وقفّوا اى اتبعته فهو يتعدى الى واحد وإذا قلت قفيت على اثره بفلان يكون المعنى اتبعته إياه وحقيقة التقفية الإتيان بالشيء فى قفا غيره والتضعيف فيه ليس للتعدية فان فعل المضعف قد يكون بمعنى فعل المجرد كقدّر وقدر وانما تعدى الى الثاني بالباء فمفعوله الاول محذوف اى اتبعنا النبيين الذين ذكرناهم بعيسى وجعلناه ممن يقفوهم فحذف المفعول وجعل على آثارهم كالقائم مقامه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ حال من عيسى وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ عطف على قفينا فِيهِ هُدىً وَنُورٌ كما فى التوراة وهو فى محل النصب على انه حال من الإنجيل اى كائنا فيه ذلك كأنه قيل مشتملا على هدى ونور وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ عطف عليه داخل فى حكم الحالية وتكرير ما بين يديه من التوراة زيادة تقرير وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ عطف على مصدقا منتظم معه فى سلك الحالية جعل كله هدى بعد ما جعل مشتملا عليه حيث قيل فيه هدى وتخصيص كونه هدى وموعظة للمتقين لانهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه: قال الحافظ گر انگشت سليمانى نباشد ... چهـ خاصيت دهد نقش نگينى فكما ان الانتفاع بالخاتم انما يكون لمن كان له مشرب سليمانى كذلك الانتفاع بالكتاب انما يكون لمن له تقوى رجحانى وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ اى آتيناه الإنجيل وقلنا ليحكم اهل الإنجيل بما انزل الله فيه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ منكرا له مستهينا به فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون الخارجون عن الايمان وفيه دلالة على ان الإنجيل مشتمل على الاحكام وان عيسى ﵇ كان مستقلا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من الاحكام قلت او كثرت لا بما فى التوراة خاصة وفيه تهديد عظيم للحكام وفى الحديث (يؤتى بالقاضي العدل

стр. 851

يوم القيامة فيلقى من شدة العذاب ما يتمنى انه لم يفصل بين أحد فى تمرتين) فاذا كان هذا حال القاضي العدل فما ظنك بالجائر والمرتشي بو حنيفه قضا نكرد وبمرد ... تو بميرى اگر قضا نكنى وفى الحديث (القضاة ثلاثة قاضيان فى النار وقاض فى الجنة قاض قضى بغير حق وهو يعلم فذاك فى النار وقاض قضى وهو لا يعلم فاهلك حقوق الناس فذاك فى النار وقاض قضى بحق فذاك فى الجنة) كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوي- حكى- ان بنى إسرائيل كانوا ينصبون لاجراء الاحكام بينهم حكاما ثلاثة حتى إذا رفع الخصم الأمر الى واحد منهم فلم يرض به الآخر ترافعا الى الثاني ثم الى الثالث ليطمئن قلبه فذات يوم تصور ملك بصورة انسان يريد امتحان هؤلاء الحكام فركب على رمكة وقام على رأس بئر فاذا رجل اتى ببقرة له مع عجلها ليسقيهما فلما سقاهما وأراد الرجوع أشار الملك الى العجل فجاء الى جنب الرمكة فكلما نادى صاحبه ودعاه لم يستمع ولم يذهب الى الام فجاء الرجل ليسوقه بأى وجه يمكن فقال الملك يا هذا الرجل ان العجل قد ولدته رمكتى هذه فاذهب وخلنى وعجلى فقال الرجل يا عجبا العجل ملكى قد ولدته بقرتي هذه فتنازعا وترافعا الى القاضي الاول فسبق الملك الرجل الى القاضي وقال ان قضيت لى بالعجل دفعت لك كذا فقبله القاضي فلما تحاكما حكم بالعجل للملك فلم يرض به الرجل فترافعا الى الثاني فحكم هو ايضا بالعجل للملك فلم يرض به الرجل ايضا فترافعا الى الثالث فلما عرض الملك الرشوة عليه قال لا أستطيع هذا الحكم فانى قد حضت فقال الملك ايش تقول هل تحيض الرجال والحيض من خواص النساء فقال القاضي له تتعجب من كلامى ولا تتعجب من كلامك فكما ان الرجال لا تحيض فكذلك الرمكة لا تلد عجلا فقال الملك هناك قاضيان فى النار وقاض فى الجنة وهذا الكلام منقول من لسانه كذا ذكر البعض نقلا عن فم حضرة الشيخ الشهير بهدائى الاسكدارى قدس سره وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ اى القرآن حال كونه ملتبسا بِالْحَقِّ والصدق حال كونه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ اى مصدقا لما تقدمه من جنس الكتب المنزلة من حيث انه نازل حسبما نعت فيه وموافقا له فى التوحيد والعدل واصول الشرائع وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ اى رقيبا على سائر الكتب المحفوظة عن التغير فانه يشهد لها بالصدق والصحة والثبات وتقرر اصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين أحكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل بها ولا ريب ان تمييز أحكامها الباقية على المشروعية ابدا عما انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من احكام كونه مهيمنا عليها فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها اى إذا كان شأن القرآن كما ذكر فاحكم بين اهل الكتاب عند تحاكمهم إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ اى بما أنزله إليك فانه مشتمل على جميع الاحكام الشرعية الباقية فى الكتب الالهية وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ بالانحراف عنه الى ما يشتهونه فعن متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه كأنه قيل لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً الخطاب بطريق الالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين ايضا بطريق التغليب واللام

стр. 852

متعلقة بجعلنا المتعدى لواحد وهو اخبار بجعل ماض لا إنشاء وتقديما عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل والمعنى لكل امة كائنة منكم ايها الأمم الباقية والخالية جعلنا اى عينا ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الامة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عينت لها فالأمة من مبعث موسى الى مبعث عيسى ﵉ شرعتهم التوراة والتي كانت من مبعث عيسى الى مبعث النبي ﵉ شرعتهم الإنجيل واما أنتم ايها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه والشرعة والشريعة هى الطريقة الى الماء شبه بها الدين الذي شرعه الله اى سنه من نحو الصوم والصلاة والحج والنكاح وغير ذلك من وجوه الصلاح لكونه سبيلا موصلا الى ما هو سبب للحياة الابدية كما ان الماء سبب للحياة الفانية والمنهاج الطريق الواضح فى الدين من نهج الأمر إذا وضح قيل فيه دليل على انا غير متعبدين بشرائع من قبلها والتحقيق انا متعبدون باحكامها الباقية من حيث انها احكام شريعتنا لا من حيث انها شرعة للاولين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ان يجعلكم امة واحدة لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً اى جماعة واحد متفقة على دين واحد فى جميع الاعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأمم فى شىء من الاحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل وَلكِنْ لم يشأ ذلك اى ان يجعلكم امة واحدة بل شاء ما عليه ألسنة الالهية الجارية فيما بين الأمم لِيَبْلُوَكُمْ اى ليعاملكم معاملة من يبتليكم فِي ما آتاكُمْ من الشرائع المختلفة المناسبة لاعصارها وقرونها هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين ان اختلافها بمقتضى المشيئة الالهية المبنية على أساس الحكم البالغة والمصالح النافعة لكم فى معاشكم ومعادكم او تزيغون عن الحق وتتبعون الهوى وتستبدلون المضرة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى: وفى المثنوى گر بسوزد باغت انگورت دهد ... در ميان ماتمى سورت دهد لانسلم واعتراض از ما برفت ... چون عوض مى آيد از مفقود زفت فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ اى إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا الى ما هو خير لكم فى الدارين من العقائد الحقية والأعمال الصالحة المندرجة فى القرآن الكريم وابتدروها انتهازا للفرصة وإحراز المسابقة الفضل إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً اى مرجع من آمن ومن لم يؤمن جميعا حال من ضمير الخطاب فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ اى فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم تختلفون فيه فى الدنيا من امر الدين والشريعة وانما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع ازالة الاختلاف التي هى وظيفة الاخبار وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عطف على الكتاب اى أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه وَاحْذَرْهُمْ مخافة أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ اى يضلوك ويصرفوك عن بعضه ولو كان اقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق فالمراد بالفتنة هاهنا الميل عن الحق والوقوع فى الباطل كما فى قوله ﵇ (أعوذ بك من فتنة المحيا) اى العدول عن الطريق المستقيم وكل من صرف من الحق الى الباطل وأميل عن القصد فقد فتن- روى- ان أحبار اليهود قالوا اذهبوا بنا الى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فذهبوا اليه ﷺ فقالوا

стр. 853

يا أبا القاسم قد عرفت انا أحبار اليهود وانا ان اتبعناك اتبعك اليهود كلهم وان بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فاقض لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك فابى ذلك رسول الله فنزلت. واستدل العلماء بهذه الآية على ان الخطأ والنسيان جائز على الرسل لانه تعالى قال وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ والتعمد فى مثل هذا غير جائز على الرسل فلم يبق الا الخطأ والنسيان فَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عن الحكم بما انزل الله وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ اى فاعلم ان اعراضهم من أجل ان الله يريد أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ اى يعجل لهم العقوبة فى الدنيا بان يسلطك عليهم ويعذبهم فى الدنيا بالقتل والجلاء والجزية ويجازيهم بالباقي فى الآخرة فالمراد ببعض ذنوبهم ذنب توليهم عن حكم الله تعالى وانما عبر عنه بذلك تنبيها على ان لهم ذنوبا كثيرة هذا مع عظمه واحد من جملتها وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ اى متمردون فى الكفر مصرون عليه خارجون عن الحدود المعهودة فلذا يتولون عن حكم الله أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ انكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية وهى الملة الجاهلية التي هى هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع الى وحي وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً انكار لان يكون أحد حكمه احسن من حكمه تعالى او مساوله وان كان ظاهر السبك غير متعرض لنفى المساواة وإنكارها يرشدك اليه العرف المطرد والاستعمال الناشئ فانه إذا قيل من أكرم من فلان او الأفضل من فلان فالمراد به حتما انه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وحكما نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن حكمه احسن من حكم الله لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اى عندهم واللام للبيان فيتعلق بمحذوف كما فى سقيالك فان سقيا دعاء للمخاطب بان يسقيه الله فيكون لك بيانا له اى هذا الاستفهام لقوم يوقنون فانهم الذين يتدبرون الأمور بانظارهم فيعلمون يقينا ان حكم الله احسن الاحكام وأعدلها وليست اللام متعلقة بقوله حُكْماً لان حكم الله لا يخص قوما دون قوم. فقد دلت الآيات على ان الدين واحد من حيث الأصول مختلف من جهة الفروع ولله ان يحكم فى كل عصر وزمان بما أراد ففيه حكم ومصالح فعلينا بالتسليم والانقياد وترك الاعتراض والمسارعة الى الخيرات قبل الموت والفوت وفى الحديث (اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك) لان الرجل يقدر على الأعمال فى حال شبابه ما لا يقدر عليه فى حال هرمه ولان الشاب إذا تعود فى المعصية لا يقدر على الامتناع منها فى هرمه (وصحتك قبل سقمك) لان الصحيح نافذ الأمر فى ماله ونفسه لانه إذا مرض ضعف بدنه عن الطاعة وقصرت يده عن ماله الا فى مقدار ثلثه (وفراغك قبل شغلك) يعنى فى الليل تكون فارغا وبالنهار تكون مشغولا فينبغى ان تصلى بالليل فى حال فراغك وتصوم بالنهار فى وقت شغلك خصوصا فى ايام الشتاء لان الصوم فى الشتاء غنيمة المؤمن كما قال ﵇ (الشتاء غنيمة المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه) وفى رواية اخرى (الليل طويل فلا تقصره بمنامك والنهار مضيئ

стр. 854

فلا تكدره بآثامك) (وغناك قبل فقرك) يعنى إذا كنت راضيا بما اعطاك الله من القوت فاغتنم ذلك ولا تطمع فيما فى أيدي الناس (وحياتك قبل مماتك) لان الرجل مادام حيا يقدر على العمل فاذا مات انقطع عمله ولهذا تتمنى الموتى ان يعودوا الى الدنيا فيتهللوا مرة او يصلوا ركعة فالفرصة غنيمة والعمر قليل: قال الحافظ بگذشتن فرصت اى برادر ... در كرم روى چوميغ باشد درياب كه عمر بس عزيزست ... كر فوت شود دريغ باشد وقال السيد الشريف لابنه نصيحت همينست جان پدر ... كه عمرت عزيزست ضايع مكن فينبغى للعاقل ان لا يضيع أيامه: قال الحكيم: بكودكى بازي. بجوان مستى به پيرى سستى. خدا را كى پرستى. فاذا تم شغلك بالشريعة فاجتهد فى الطريقة وهى باطن الشريعة واقتد باولى الألباب فانه كما ان لكل نبى شرعة ومنهاجا كذلك لكل ولى طريقة مسلوكة مخصوصة وقد ضل من ضل منارهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم وان كان سبب وروده بعضا منهم إذ روى ان عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال لرسول الله ﷺ ان لى موالى من اليهود كثيرا عددهم وانى ابرأ الى الله ورسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن ابى انى رجل أخاف الدوائر لا ابرأ من ولاية موالىّ وهم يهود بنى فينقاع فقال تعالى لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ اى لا تتخذوا أحدا منهم وليا بمعنى لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الأحباب ومعاشرتهم لا بمعنى لا تجعلوهم اولياء لكم حقيقة فانه امر ممتنع فى نفسه لا يتعلق به النهى بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ اى بعض كل فريق من ذينك الفريقين اولياء بعض آخر من ذلك الفريق لا من الفريق الآخر لانه لا موالاة بين فريقى اليهود والنصارى رأسا والكل متفقون على الكفر مجمعون على مضارتكم ومضاركم فيكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ اى من يتخذهم اولياء فَإِنَّهُ مِنْهُمْ اى هو على دينهم ومعهم فى النار وهذا إذا تولاهم لدينهم واما الصحبة لمعاملة شراء شىء منهم او طلب عمل منهم مع المخالفة فى الاعتقاد والأمور الدينية فليس فيه هذا الوعيد. قال المولى ابو السعود وفيه زجر شديد للمؤمنين عن اظهار صورة الموالاة لهم وان لم تكن موالاة فى الحقيقة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تعليل لكون من يتولاهم منهم اى لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بترك إخوانهم المؤمنين وبموالاة اعداء الله بل يخليهم وشأنهم فيقعون فى الكفر والضلالة اللهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك: قال الحافظ در ره عشق از ان سوى فناصد خطرست ... تا نكوى كه چوعمرم بسر آمد رستم فَتَرَى يا محمد او كل من له اهلية للخطاب رؤية بصرية الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ اى مرض النفاق ورخاوة العقد فى الدين يُسارِعُونَ فِيهِمْ حال من الموصول اى

стр. 855

مسارعين فى موالاتهم ومعاونتهم وإيثار فى على الى للدلالة على انهم مستقرون فى الموالاة وانما مسارعتهم من بعض مراتبها الى بعض آخر منها والمراد بهم عبد الله بن ابى واضرابه الذين كانوا يسارعون فى موادة اليهود ونصارى نجران وكانوا يعتدرون الى المؤمنين بانهم لا يؤمنون ان تصيبهم صروف الزمان كما قال تعالى يَقُولُونَ معتذرين نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ وهو حال من ضمير يسارعون والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها اى يدور علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دوله بان ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار وقيل نخشى ان يصيبنا مكروه من مكاره الدهر كالجدب والقحط فلا يعطونا الميرة والقرض ولعلهم كانوا يظهرون للمؤمنين انهم يريدون بالدوائر المعنى الأخير ويضمرون فى أنفسهم المعنى الاول فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطع لاطماعهم الفارغة وتبشير للمؤمنين بالظفر فان عسى منه سبحانه وعد محتوم لما ان الكريم إذا أطمع اطعم لا محالة فما ظنك بأكرم الأكرمين. والمراد بالفتح فتح مكة او فتح قرى اليهود من خيبر وفدك او هو القضاء الفصل بنصره ﵇ على من خالفه وإعزاز الدين. قال الحدادي وسمى النصر فتحا لان فيه فتح الأمر المغلق أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ بقطع شأفة اليهود من القتل والاجلاء. والشأفة قرحة تخرج فى أسفل القدم فتكوى وتذهب يقال فى المثل استأصل الله شأفته اى أذهبه الله كما ذهب تلك القرحة بالكي فَيُصْبِحُوا اى أولئك المنافقون المتعللون بما ذكر عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ وهو ما كانوا يكتمون فى أنفسهم من الكفر والشك فى امره ﷺ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا عند ظهور ندامة المنافقين وهو كلام مبتدأ مسوق لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة اى ويقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين الى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة فى السراء والضراء عند مشاهدتهم لخيبة رجائهم وانعكاس تقريرهم بوقوع ضد ما كانوا يترقبون ويتعللون به تعجيبا للمخاطبين من حالهم وتعريضا بهم أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ اى بالنصرة والمعونة كما قالوا فيما حكى عنهم وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ فاسم الاشارة مبتدأ وما بعده خبره والمعنى انكار ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم فى ذلك والخطاب فى معكم لليهود من جهة المؤمنين. وجهد الايمان أغلظها وهو فى الأصل مصدر ونصبه على تقدير واقسموا بالله يجهدون جهد ايمانهم فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ولا يبالى بتعريفه لفظا لانه مأول بنكرة اى مجتهدين فى ايمانهم او على المصدر اى اقسموا اقسام اجتهاد فى اليمين حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء الولاية والاقسام على المعية فى المنشط والمكره أثر الاشارة الى بطلانه بالاستفهام الإنكاري اى بطلت أعمالهم التي عملوها فى شأن الموالاة وسعوا فى ذلك سعيا بليغا حيث لم يكن لليهود دولة فغبنوا بما صنعوا من المساعى وتحملوا من مكاره المشاق: قال الحافظ اسم أعظم بكند كار خود اى دل خوش باش ... كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود

стр. 856

واعلم ان للحق دولة وللباطل صولة والباطل يفور ثم يغور. فعلى المؤمن ان لا يميل الى جانب الباطل واهله أصلا كائنا من كان- روى- عن ابى موسى الأشعري انه قال قلت لعمر بن الخطاب ان لى كاتبا نصرانيا فقال مالك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا اما سمعت قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ قلت له دينه ولى كتابه قال لا تكرموهم إذ أهانهم الله ولا تأتمنوهم إذ خونهم الله ولا تدنوهم إذا قصاهم الله- وروى- انه قال لا قوام للبصرة الا به فقال مات النصراني والسلام يعنى هب انه مات فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره. قال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر شاهدت دمشق ان الرجال والنساء كانوا يوالون النصارى ويسامحون فى المعاملة ويذهبون بأطفالهم وصغارهم الى الكنائس ويرشون عليهم بطريق التبرك من ماء المعمودية وهذا كفر والعياذ بالله والمعمودية ماء للنصارى اصفر كانوا يغمسون فيه أولادهم ويعتقدون انه تطهير للمولود كالخنان لغيرهم وقس عليه تعظيم نوروز النصارى وإهداء شىء فى ذلك اليوم إليهم والمشاركة معهم ويلزم الحسبة فى بعض الأمور قطعا لعرق الموالاة. وفى ملتقطة الناصري ولا ادع المشرك يضرب البربط. قال محمد كل شىء امنع من المسلم فانى امنع من المشرك الا الخمر والخنزير ولكن يمنع اهل الكفر من إدخال الخمور والخنازير فى الأسواق على سبيل الشهرة لان فيها استخفافا للمسلمين وما صالحناهم ليستخفوا بالمؤمنين وان حضر لهم عيد لا يخرجون فيه صليبهم ويمنعون من اظهار بيع المزامير والطنبور واظهار الغناء وغير ذلك مما منع منه المسلم ويمنعون من احداث الكنيسة. قال ﵊ (لا خصاء فى الإسلام ولا كنيسة) والمراد بالخصاء خصاء بنى آدم فيجوز خصاء البهائم وبه نقول فكما يجوز ذبح الحيوان لحاجة الناس الى لحمه فكذلك يجوز خصاء الحيوان إذا كان فى ذلك منفعة للناس. فان قلت لم لا يجوز خصاء بنى آدم وفيه منفعة ايضا. قيل لا منفعة فيه لانه لا يجوز للخصى ان ينظر الى النساء كما لا يجوز للفحل كذا فى بستان العارفين. ثم اعلم ان النفس والشيطان والقوى الشريرة فى وجود الإنسان كاليهود والنصارى فكما انه يلزم مجانبتهم وعدم موالاتهم لان الله تعالى عاداهم وامر بمعاداتهم فكذلك ما ذكر من النفس وغيرها لا يجوز موالاتها والحمل على هواها لانها تسوق الى النار نار جهنم ونار القطيعة فالمؤمن مأمور بالمعاداة لمن عادى الله تعالى مطلقا والا لم يصح إيمانه: وفى المثنوى آنچهـ در فرعون بود اندر تو هست ... ليك اژدرهات محبوس چهست چهـ خرابت ميكند نفس لعين ... دور مى اندازدت سخت اين قرين آتشت را هيزم فرعون نيست ... زانكه چون فرعون او را عون نيست يعنى ان فرعون ساعده اسباب الدعوى والهوى ولذلك قال ما قال وفعل ما فعل واما أنت فليس لك الأسباب مساعدة ولا تجدعونا فى هواك ولذا لا تظهر صورة ما أظهره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ هذا من الكائنات التي اخبر عنها القرآن قبل وقوعها- روى- انه ارتد عن الإسلام احدى عشرة فرقة ثلاث فى عهد رسول الله صلى الله عليه

стр. 857

وسلم بنوا مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو اسود العنسي كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده حتى اخرج عمال رسول الله ﷺ مثل معاذ بن جبل وسادات اليمن فكتب ﵇ الى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم ان يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النهوض الى حرب الأسود فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر فأتى الخبر النبي ﵇ من السماء الليلة التي قتل فيها فقال ﵊ (قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك) قيل ومن هو قال (فيروز) فبشر ﵇ أصحابه بهلاك الأسود وقبض ﵇ من الغد واتى خبر مقتل العنسي المدينة فى آخر شهر ربيع الاول وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضى الله عنه والفرقة الثانية من المرتدين بنوا حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان قد تنبأ فى حياة رسول الله ﷺ فى آخر سنة عشر من الهجرة زعم انه أشرك مع رسول الله فى النبوة وكتب الى النبي ﵇ من مسلمة رسول الله الى محمد رسول الله اما بعد فان الأرض نصفها لى ونصفها لك وبعث بذلك الكتاب رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله ﵇ (لولا ان الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) ثم أجاب (من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب اما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) فمرض ﵇ وتوفى فبعث ابو بكر خالد بن الوليد الى مسيلمة الكذاب فى جيش كثير حتى أهلكه الله على يدى وحشي غلام مطعم بن عدى قاتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديد وكان وحشي يقول قتلت خير الناس فى الجاهلية وشر الناس فى الإسلام يريد فى جاهليتى وإسلامي. والفرقة الثالثة بنوا اسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتد وادعى النبوة فى حياة رسول الله ﵇ وأول من قوتل بعد وفاته ﵇ من اهل الردة فبعث ابو بكر خالد بن الوليد فهزمهم خالد بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام ثم انه اسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ثم ان الله تعالى لما قبض نبيه ﵇ ارتد عامة العرب الا اهل مكة واهل المدينة واهل البحرين من عبد القيس فقال المرتدون اما الصلاة فنصلى واما الزكاة فلا نغصب أموالنا فكلم ابو بكر فى ذلك فقال والله لا افرق بين ما جمع الله تعالى بقوله أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ والله لو منعونى عتودا مما أدوا الى رسول الله لقاتلتهم عليه فبعث الله عصائب مع ابى بكر رضى الله عنه فقاتل على ما قاتل عليه نبى الله حتى أقروا بالزكاة المفروضة. قال انس بن مالك كرهت الصحابة قتال مانعى الزكاة قالوا هم اهل القبلة فتقلد ابو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على اثره. وقال ابن مسعود رضى الله عنه كرهنا ذلك فى الابتداء ثم حمدناه فى الانتهاء وقيل ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من ابى بكر لقد قام مقام نبى فى قتال اهل الردة: قال الشيخ العطار فى نعت ابى بكر رضى الله عنه هر چهـ بود از باركاه كبريا ... ريخت در صدر شريف مصطفا آن همه در سينه صديق ريخت ... لا جرم تا بود ازو تحقيق ريخت

стр. 858

وقال الحسن لولا ما فعل ابو بكر لا لحد الناس فى الزكاة الى يوم القيامة. قال فى الأشباه المعتمد فى المذهب عدم الاخذ كرها. قال فى المحيط ومن امتنع عن أداء الزكاة فالساعى لا يأخذ منه كرها ولو أخد لا يقع المأخوذ عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدى بنفسه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ مكانهم بعد إهلاكهم بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ اى يريد بهم خير الدنيا والآخرة وَيُحِبُّونَهُ اى يريدون اطاعته ويتحرزون عن معاصيه قيل هم اهل اليمن قال ﵇ (الايمان يمان والحكمة يمانية) وانما نسب الايمان إليهم اشعارا بكماله فيهم لان من اتصف بشىء وقوى قيامه به نسب ذلك الشيء اليه لا ان يكون فى ذلك نفى له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله ﵊ (الايمان فى اهل الحجاز) ثم ان المراد بذلك الموجودون منهم فى ذلك الزمان لا كل اهل اليمن فى كل الأحيان كذا فى شرح المشارق لابن الملك. وقيل هم الأنصار رضى الله عنهم. وقيل هم اهل فارس وفى الحديث (لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله أبناء فارس) وفيه فضيلة لهذه القبيلة أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ جمع ذليل اى ارقاء ورحماء متذللين ومتواضعين لهم واستعماله بعلى لتضمين معنى العطف والحنو أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ اى أشداء متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صفة اخرى لقوم مترتبة على ما قبلها مبينة مع ما بعدها لكيفية عزتهم وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ عطف على يجاهدون بمعنى انهم جامعون بين المجاهدة فى سبيل الله وبين التصلب فى الدين. وفيه تعريض بالمنافقين فاتهم إذا خرجوا فى جيش المسلمين خافوا أولياءهم اليهود فلا يكادون يعملون شيأ يلحقهم فيه لوم من جهتهم واللومة المرة من اللوم وفيها وفى تنكير لائم مبالغتان كأنه قيل لا يخافون من شىء من اللومات الواقعة من أي لائم كان فالمبالغة الاولى انتفاء الخوف من جميع اللومات والثانية انتفاء الخوف من جميع اللوام كل ذلك لان النكرة فى سياق النفي تعم ذلِكَ اشارة الى ما تقدم من الأوصاف الجليلة التي وصف بها القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة فى سبيل الله وانتفاء خوف اللوم من كل واحد فَضْلُ اللَّهِ اى لطفه وإحسانه لا انهم مستقلون فى الاتصاف بها يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ايتاءه إياه ويوفقه لكسبه وتحصيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة وَاللَّهُ واسِعٌ كثر الفواضل والألطاف عَلِيمٌ مبالغ فى العلم بجميع الأشياء التي من جملتها من هواهل للفضل والتوفيق: قال الحافظ سكندر را نمى بخشند آبى ... بزور وزر ميسر نيست اين كار واعلم ان من السالكين من يقطع العقبات ويحرق الحجب فى سبعين سنة ومنهم من من يقطعها فى عشرين سنة ومنهم من يحصل له فى سنة ومنهم من يقطعها فى شهر بل فى جمعة بل فى ساعة حتى ان منهم من تحصل له فى لحظة بتوفيق خاص وعناية سابقة أما تذكر سحرة فرعون ما كان مدتهم الا لحظة حيث رأوا معجزة موسى قالوا آمنا برب العالمين فابصروا الطريق وقطعوه حقه فصاروا من ساعة الى ساعة بل اقل من العارفين بالله- وحكى- ان ابراهيم بن أدهم كان على ما كان عليه من امر الدنيا فعدل عن ذلك وقصد

стр. 859

الطريق الحق فلم يكن الا مقدار سيره من بلخ الى مرو الروذ حتى صار بحيث أشار الى رجل سقط من القنطرة فى الماء الكثير هنالك ان قف فوقف الرجل مكانه فى الهواء فتخلص. وان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة لا يرغب فيها أحد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فاعتقها فاختارت الطريق الحق فاقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها قراء البصرة وعلماؤها لعظم منزلتها. واما الذي لم تسبق له العناية ولا توجهت له ولم يعامل بالفضل فيوكل الى نفسه فربما يبقى فى شعب من عقبة واحدة من العقبات سبعين سنة ولا يقطعها وكم يصيح وكم يصرخ ما اظلم هذا الطريق واشكله وأعسر هذا الأمر واعضله. فان قلت لم اختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتركان فى ربقة العبودية فعند هذا السؤال تنادى من سرادق الجلال ان الزم الادم واعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية فانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ذلك تقدير العزيز العليم وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم رضا بداده بده وز جبين گره بگشاى ... كه بر من وتو در اختيار نگشادست اللهم اجعلنا ممن سبقت له العناية وتقدم فى حقه التوفيق الخاص والهداية آمين يا رب العالمين إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا اى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء لان بعضهم اولياء بعض وليسوا باوليائكم انما اولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تخطئوهم الى الغير. قال فى التأويلات النجمية فموالاة الله فى معاداة ما سوى الله كما قال الخليل ﵇ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ وموالاة الرسول فى معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال ﵇ (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) وقال (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) وموالاة المؤمنين فى مؤاخاتهم فى الدين كقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال ﵇ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ بدل من الذين آمنوا وَهُمْ راكِعُونَ حال من فاعل الفعلين اى يعملون ما ذكر من اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى والمقصود تمييز المؤمن المخلص ممن يدعى الايمان ويكون منافقا لأن الإخلاص انما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة والزكاة فى حال الركوع اى فى حال الخشوع والإخبات لله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا اى ومن يتخذهم اولياء فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ اى فانهم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه وكأنه قيل ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتشريفا لهم باضافتهم اليه تعالى وتعريضا بمن يوالى غير هؤلاء بانه حزب الشيطان وحزب الرجل أصحابه والحزب الطائفة يجتمعون لأمر حزبهم اى أصابهم. واعلم ان الغلبة على اعداء الله الظاهرة والباطنة كالهوى والنفس والشيطان انما تحصل بنصرة الله تعالى كما قال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وليست النصرة والغلبة الا بتأثير الله تعالى وهو المعز وكل العزة منه تعالى- وروى- ان الله تعالى شكا من هذه الامة ليلة المعراج شكايات. الاولى انى لم أكلفهم عمل الغد وهم يطلبون منى رزق الغد.

стр. 860

والثانية انى لا ارفع أرزاقهم الى غيرهم وهم يرفعون عملهم الى غيرى. والثالثة انهم يأكلون رزقى ويشكرون غيرى ويخونون معى ويصالحون خلقى. والرابعة ان العزة لى وانا المعز وهم يطلبون العزة من سواى. والخامسة انى خلقت النار لكل كافروهم يجتهدون ان يوقعوا أنفسهم فيها فمن اتبع هوى النفس ولم يهتم لتزكيتها فقد سعى فى الحاق نفسه بزمرة الأعداء فلم يكن منصورا البتة إذ لا يحصل من الجسارة الا الخسارة والهوى مقتضى النفس والنفس ظلمانية ولا يتولد من الظلماني الا الظلمة: قال فى المثنوى عكس نورانى همه روشن بود ... عكس ظلمانى همه كلخن بود عكس هر كس را بدان اى دوربين ... پهلوى جنسى كه خواهى مى نشين فعلى المؤمن ان يجتهد بالصوم والصلاة ووجوه العبادات الى ان يزكى نفسه عن سفساف الأخلاق ويغلب الأعداء الباطنة والغلبة عليها مفتاح الغلبة على الأعداء الظاهرة ولذاترى الأنبياء والأولياء منصورين مظفرين على كل حال وهذه النصرة والولاية من آثار عناية الله السابقة فكما ان من رش عليه من نور الأزل لم ير ظلمة ابدا كذلك من لم يهتد بذلك النور فى بداية الأمر لم يصل الى المراد الى آخر العمر: قال الحافظ بآب زمزم وكوثر سفيد نتوان كرد ... كليم بخت كسى را كه بافتند سياه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- روى- ان رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المؤمنين يوادونهما فنهاهم الله تعالى عن الموالاة وقال لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً قوله الذين اتخذوا مفعول أول لقوله لا تتخذوا ومفعوله الثاني قوله اولياء ودينكم مفعول أول لقوله اتخذوا وهزؤا مفعوله الثاني. والهزؤ السخرية والاستهزاء واللعب بالفارسية [بازي] ومعنى اتخاذهم دين المسلمين مهزوا به وتلاعبهم به اظهارهم ذلك باللسان مع الإصرار على الكفر فى القلب وقد رتب النهى عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزؤا ولعبا ايماء الى العلة وتنبيها على ان من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ بيان للمستهزئين ومن قبلكم متعلق باوتوا وَالْكُفَّارَ بالنصب عطف على الموصول الاول والمراد المشركون خصوا به لتضاعف كفرهم فالنهى عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذادين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كاهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين أَوْلِياءَ وجانبوهم كل المجانبة وَاتَّقُوا اللَّهَ فى ذلك بترك موالاتهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اى حقا لان الايمان يقتضى الاتقاء وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها اى الصلاة او المناداة هُزُواً وَلَعِباً كان المؤذنون إذا أذنوا للصلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم وتغامزوا سفها واستهزاء بالصلاة وتجهيلا لاهلها وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها ذلِكَ اى الاستهزاء المذكور المستقر بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ اى بسبب عدم عقلهم فان السفه يؤدى الى الجهل بمحاسن الحق والهزء به ولو كان لهم عقل فى الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة: وفى المثنوى كشتى بي لنگر آمد مرد شر ... كه ز باد كژ نيابد او حذر

стр. 861

لنكر عقلست عاقل را أمان ... لنكرى در يوزه كن از عاقلان قال العلماء ثبوت الاذان ليس بالمنام وحده بل هو ثابت بنص هذه الآية فان المعنى إذا دعوتم الناس الى الصلاة بالأذان والنداء الدعاء بارفع الصوت. وفى الاذان حكم منها اظهار شعائر الإسلام وكلمة التوحيد والاعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها والدعاء الى الجماعة الى غير ذلك ولو وجد مؤذن حسن الصوت يطلب على أذانه الاجر والرزق وآخر يتبرع بالأذان لكن غير حسن الصوت فايهما يؤخذ ففيه وجهان أصحهما انه يرزق حسن الصوت فان لحسن الصوت تأثيرا كما ان لقبحه تغييرا وتنفيرا: وفى المثنوى يك مؤذن داشت بس آواز بد ... در ميان كافرستان بانك زد چند گفتندش مكو بانك نماز ... كه شود جنك وعداوتها دراز او ستيزه كرد وبس بى احتراز ... گفت در كافرستان بانك نماز خلق خائف شد ز فتنه عامه ... خود بيامد كافرى با جامه شمع وحلوا با چنان جامه لطيف ... هديه آورد وبيامد چون أليف پرس پرسان كين مؤذن كو كجاست ... كه صلا وبانك او راحت فزاست دخترى دارم لطيف وبس سنى ... آرزو مى بود او را مؤمنى هيچ اين سودا نمى رفت از سرش ... پندها مى داد چندين كافرش هيچ چاره مى ندانستم در ان ... تا فرو خواند اين مؤذن آن أذان گفت دختر چيست اين مكروه بانك ... كه بكوشم آمد اين دو چار دانك من همه عمر اين چنين آواز زشت ... هيچ نشنيدم درين دير وكنشت خواهرش گفتا كه اين بانگ أذان ... هست اعلام در شعار مؤمنان باورش نامد بپرسيد از دگر ... آن ديگر هم گفت آرى اى پدر چون يقين گشتش رخ او زرد شد ... از مسلمانى دل او سرد شد باز رستم من ز تشويش وعذاب ... دوش خوش خفتم در ان بى خوف خواب راحتم اين بود از آواز او ... هديه آوردم بشكر آن مرد كو چون بديدش گفت اين هديه پذير ... كه مرا كشتى مجير ودستگير گر بمال ملك وثروت فردمى ... من دهانت را پر از زر كردمى ورد فى التأذين فضائل وفى الحديث (أول الناس دخولا الجنة الأنبياء ثم الشهداء ثم بلال) مع مؤذنى الكعبة ثم مؤذنوا بيت المقدس ثم مؤذنوا مسجد النبي ﷺ ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم وفى الحديث (ثلاثة لا يكترثون من الحساب ولا تفزعهم الصيحة ولا يحزنهم الفزع الأكبر حامل القرآن العامل بما فيه يقدم على الله سيدا شريفا ومؤذن اذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعما وعبد مملوك احسن عبادة ربه وادي حق مولاه) وإذا اجتمع الاذان والامامة فى شخص فالامامة أفضل لمواظبة النبي ﵇ عليها وانما أم ولم يؤذن لانه ﵇ لو اذن لكان كل من تخلف عن الاجابة كافرا ولانه لو كان داعيا لم يجز

стр. 862

ان يشهد لنفسه ولانه لو اذن وقال اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله لتوهم ان ثمة نبيا غيره ولأن الاذان رآه غيره فى المنام فولاه الى غيره وايضا انه ﵇ كان إذا عمل عملا أثبته اى جعله ديمة وكان لا يتفرغ لذلك لا شتغاله بتبليغ الرسالة وهذا كما قال سيدنا عمر رضى الله عنه لولا الخليفى لاذنت. وكره اللحن فى الاذان لما روى ان رجلا جاء الى ابن عمر رضى الله عنهما فقال انى أحبك فقال انى أبغضك فى الله فقال لم فقال لانه بلغني انك تغنى فى اذانك يعنى تلحن وذلك مثل ان يقول آلله بمد الالف الاولى لانه استفهام وشك وان يقول أكبار بمد الباء لانه اسم الشيطان وغير ذلك الى آخر كلمات الاذان. واجابة المؤذن واجبة على كل من سمعه وان كان جنبا او حائضا إذ لم يكن فى الخلاء او فى الجماع. وذكر تاج الشريعة ان اجابة المؤذن سنة. وقال النووي مستخبة فيقول بمثل ما يقول المؤذن وضعف تقبيل ظفرى ابهاميه مع مسبحتيه والمسح على عينيه عند قوله محمد رسول الله لانه لم يثبت فى الحديث المرفوع لكن المحدثين اتفقوا على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط ويقول عند حى على الصلاة «لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم» وعند حى على الفلاح «ما شاء الله كان وما لم يشألم يكن» وعند قوله الصلاة خير من النوم «صدقت وبالخير نطقت» وفى قوله قد قامت الصلاة «أقامها الله وادامها» وحين ينتهى الى قوله قد قامت الصلاة يجيب بالفعل دون القول- وروى- عن ميمونة رضى الله عنها ان رسول الله ﷺ قام بين صف الرجال والنساء فقال (يا معشر النساء إذا سمعتن أذان هذا الحبشي وإقامته فقلن كما يقول فان لكن بكل حرف الف درجة) قال عمر رضى الله عنه هذا فى النساء فما للرجال قال (ضعفان يا عمر) قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى حبذا الكلام ونعم النداء الاذان فعند قوله الله أكبر الله اكبر «لو انكشف وتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه» وعند قوله اشهد ان لا اله الا الله «لو انكشف وحدانيته» وعند اشهد ان محمدا رسول الله «لو انكشف حقانيته» وعند الحيعلتين «لو ظهر الطلب من الطالب الى المطلوب» وعند الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله «لو تجلى الذات لتم المقصود وحصل المراد» انتهى. ومن فضائل الاذان انه لو اذن خلف المسافر فانه يكون فى أمان الى ان يرجع. وان اذن فى اذن الصبى وأقيم فى اذنه الاخرى إذا ولد فانه أمان من أم الصبيان وإذا وقع هذا المرض ايضا وكذا إذا وقع حريق او هجم سيل او برد او خاف من شىء كما فى الاسرار المحمدية. والاذان اشارة الى الدعوة الى الله حقيقة والداعي هو الوارث المحمدي يدعو اهل الغفلة والحجاب الى مقام القرب ومحل الخطاب فمن كان أصم عن استماع الحق استهزأ بالداعي ودعوته لكمال جهالته وضلالته ومن كان ممن القى السمع وهو شهيد يقبل الى دعوة الله العزيز الحميد وينجذب الى حضرة العزة ويدرك لذات شهود الجمال ويغتنم مغانم اسرار الوصال جوانا سر متات از پند پيران ... كه رأى پيرت از بخت جوان به قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ- روى- ان نفرا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن دينه فقال ﵇ (أؤمن بالله وما انزل إلينا وما انزل الى ابراهيم واسمعيل واسحق

стр. 863

ويعقوب والأسباط وما اوتى موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) فحين سمعوا ذكر عيسى ﵇ قالوا لا نعلم اهل دين اقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فانزل الله هذه الآية اى قل لهؤلاء اليهود الفجرة هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا من نقم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه اى ما تعيبون وما تنكرون مناديننا لعلة من العلل إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ اى الا لان آمنا بالله فهو مفعول له لتنقمون على حذف المفعول به الذي هو الدين وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا من القرآن المجيد وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ انزاله من التوراة والإنجيل وسائر الكتب الالهية وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ عطف على ان آمنا اى ولان أكثركم متمردون خارجون عن الايمان بما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به واسناد الفسق الى أكثرهم مع ان كلهم فاسقون لانهم الحاملون لا عقابهم على التمرد والفساد وقيل هو عطف على ان آمنا على انه مفعول به لكن لا على ان المستثنى مجموع المعطوفين بل هو ما يلزمهما من المخالفة كأنه قيل ما تكرهون من جهتنا الا الايمان بالله وبجميع كتبه المنزلة والا مخالفتكم حيث دخلنا الايمان وأنتم خارجون منه قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ الخطاب لليهود بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ الاشارة الى المنقوم وهو الايمان والمنقوم منهم المؤمنون اى هل أخبركم بما هو شر فى الحقيقة لا ما تعتقدونه شرا وان كان فى نفسه خيرا محضا. قال ابن الشيخ ومن المعلوم قطعا انه لا شر فى دين الإسلام فالمراد الزيادة المطلقة مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ اى جزاء ثابتا فى حكمه تعالى والمثوبة مختصة بالخبر كالعقوبة مختصة بالشر فوضعت هاهنا موضعها على طريق التهكم ونصبها على التمييز من بشر مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير اليه بكلمة ذلك اى هو دين من لعنه الله وهو اليهود وابعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم فى المعاصي بعد وضوح الآيات وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ اى مسخ بعضهم قردة فى زمن داود ﵇ بدعائه عليهم حين اعتدوا فى السبت واستخلوه ومسخ بعضهم خنازير فى زمن عيسى ﵇ بعد أكلهم من المائدة وحين كفروا بعد مارأوا الآيات البينة. وقيل كلا المسخين فى اصحاب السبت مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لليهود يا اخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤسهم وافتضحوا وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ عطف على صلة من وضميره المستكن يعود الى من أي أطاع الشيطان فيما سول له أُولئِكَ الموصوفون بتلك القبائح والفضائح شَرٌّ مَكاناً جعل مكانهم شرا ليكون ابلغ فى الدلالة على شرارتهم وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ عطف على شر مقرر له اى اكثر ضلالا عن الطريق المستقيم. وفيه دلالة على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لان ما يسلكونه من الطريق دينهم فاذا كانوا أضل كان دينهم ضلالا مبينا لا غاية وراءه وصيغة التفضيل فى الموضعين للزيادة مطلقا لا بالاضافة الى من يشاركهم فى اصل الشرارة والضلال. واعلم ان كل صنف من الناس يفرح بما لديه ويبغض الآخر بما هو عليه ولكن الحق أحق ان يتبع فالمؤمن يحب المؤمن فان المحبة من

стр. 864

الأخلاق الحسنة والأوصاف الشريفة وفى الحديث (ان من عباد الله عبادا ما هم بانبياء وشهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى) قالوا يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم قال (هم قوم تحابوا فى الله على غير أرحام منهم ولا اموال يتعاطون فو الله ان وجوههم أنوار وانهم يعلون منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس) . وسئل عبد الله السالمى بأى شىء يعرف اولياء الله من بين عباده فقال بلطافة اللسان وحسن الخلق وبشاشة الوجه وسخاوة النفس وقلة الاعتراض وقبول الاعتذار وكمال الشفقة على عامة الخلق: قال الحافظ تاج شاهى طلبى گوهر ذاتى بنماى ... ور خود از گوهر جمشيد وفريدون باشى قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا تزال البغضاء بين البيراميين وبين الخلوتية وكذا بينهم وبين اتباع السيد البخاري مع ان البغضاء لا تليق باهل الحق ألا يرى انا لم نسمع من دور آدم الى خاتم النبيين ﵈ نوع بعض بين نبيين أصلا مع انه قد يتفق فى بعض الأوقات ان يجتمع ثلاثة واربعة من الأنبياء وكذا اتباعهم لا يطعنون فى واحد منهم: قال السعدي دلم خانه مهر يارست وبس ... از ان مى نكنجد درو كين كس قال بعضهم القلوب ثلاثة. قلب يطير فى الدنيا حول الشهوات. وقلب يطير فى العقبى حول الكرامات. وقلب يطير فى سدرة المنتهى حول المناجاة: قال الحافظ غلام همت رندان بى سر و پايم ... كه هر دو كون نيرزد به پيش شان يك كاه فعلى العاقل ان يشتغل بالتوحيد كى يتخلص من ظلمات النفس وهواها والشيطان ووساوسه نظر عمر بن الخطاب الى شاب فقال يا شاب ان وقيت شر ثلاثة فقد وقيت شر الشيطان ان وقيت لقلقك وقبقبك وذبذبك. قال الأصمعي اللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الفرج وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا نزلت فى ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله ﷺ يظهرون له الايمان نفاقا فالخطاب للرسول ﵊ والجمع للتعظيم اوله مع من عنده من المسلمين اى إذا جاؤكم أظهروا الإسلام وَقَدْ اى والحال انهم قد دَخَلُوا ملتبسين بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا من عندك ملتبسين بِهِ اى بالكفر كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ من الكفر وصيغة التفضيل لان رسول الله ﷺ كان يظن نفاقهم من اماراته اللائحة عليهم ويتوقع انه يظهره الله: وفى المثنوى نيست بازي با مميز خاصه او ... كه بود تمييز عقلش غيب كو هيچ سحر وهيچ تلبيس ودغل ... مى نبندد پرده بر اهل دول وَتَرى يا محمد رؤية بصرية كَثِيراً مِنْهُمْ اى من اليهود والمنافقين حال كونهم يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ اى الكذب على الإطلاق وإيثار كلمة فى على كلمة الى للدلالة على انهم مستقرون فى الإثم وانما مسارعتهم من بعض مراتبه الى بعض آخر منها كقوله تعالى

стр. 865

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ لا انهم خارجون منه متوجهون اليه كما فى قوله تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ وَالْعُدْوانِ اى الظلم المتعدى الى الغير وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ اى الحرام لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى لبئس شيأ كانوا يعملونه والجمع بين صيغتى الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار لَوْلا حرف تحضيض يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ المراد بهم العلماء الا ان الرباني الزاهد العارف الواصل والحبر العالم العامل المقبول عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وهو قولهم آمنا وليسوا بمؤمنين وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ مع علمهم بقبحها ومشاهدتهم لمباشرتهم لها لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ هو ابلغ من قوله لبئس ما كانوا يعملون لان الصنع أقوى من العمل فان العمل انما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا فجعل جرم من عمل الإثم والعدوان وأكل السحت ذنبا غير راسخ وذنب التاركين للنهى عن المنكر ذنبا راسخا وفى الآية مما ينعى على العلماء من توانيهم فى النهى عن المنكرات ما لا يخفى: قال الشيخ السعدي كرت نهى منكر برآيد ز دست ... نشايد چوبى دست و پايان نشست چودست وزبانرا نماند مجال ... بهمت نمانيد مردى رجال قال عمر بن عبد العزيز ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا أظهروا المعاصي فلم ينكروا استحق القوم جميعا للعقوبة ولولا حقيقة هذا المعنى فى التوبيخ على المشايخ والعلماء فى ترك النصيحة لما اشتغل المحققون بدعوة الخلق وتربيتهم لاستغراقهم فى مشاهدة الحق ومؤانستهم به. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره السالك إذا وصل الى الحقيقة اما ان يرسل للارشاد او يبقى فى حضور الوصلة ولا يريد الفرقة كالشيخ ابى يزيد البسطامي فانه لا يختر الإرشاد ولكن الإرشاد طريقة الأنبياء ﵈ فانه ما من نبى الا وهو قد بعث وأرسل لارشاد الخلق ولم يبق فى عالم الحضور: قال فى المثنوى خطابا من قبل الله تعالى الى حضرة النبي ﵇ هين بمگذار اى شفا رنجور را ... تو ز خشم كور عصاى كور را نى تو گفتى قائد أعمى براه ... صد ثواب واجر يابد از اله هر كه او چل گام كورى را كشد ... كشت آمر زيده ويابد رشد پس بكش تو زين جهان بي قرار ... چوق كورانرا قطار اندر قطار كار هادى اين بود تو هادىء ... ماتم آخر زمانرا شادىء هين روان كن اى امام المتقين ... اين خيال انديشگان را تا يقين خيز دردم تو بصور سهمناك ... تا هزاران مرده بررويد ز خاك واهل الحقيقة والعلماء العاملون المتجردون عن الغرض سوى إعلاء كلمة الله تعالى محفوظون فى أقوالهم وأفعالهم- وحكى- ان زاهدا من التابعين كسر ملاهى مروان بن الحكم الخليفة فاتى له به فامر بان يلقى بين يدى الأسد فالقى فلما دخل ذلك الموضع افتتح الصلاة فجاءت الأسد وجعلت تحرك ذنبها حتى اجتمع عليه ما كان فى ذلك الموضع من الأسد فجعلت تلحسه بألسنتها

стр. 866

وهو يصلى ولا يبالى فلما أصبح مروان قال ما فعل بزاهدنا قيل القى بين يدى الأسد قال انظروا هل أكلته فجاؤا فوجدوا الأسد قد استأنست به فتعجبوا من ذلك فاخرجوه وحملوه الى الخليفة فقال له اما كنت تخاف منها قال لا كنت مشغولا متفكرا طول الليل لم أتفرغ الى خوفهم فقال له فيما ذا تتفكر قال فى هذه الأسد حيث جاءتنى تلحسنى بألسنتها فكنت أتفكر ألعابها طاهر أم نجس فتفكرى فى هذا منعنى عن الخوف منها فتعجب منه فخلى سبيله كذا فى نصاب الاحتساب وَقالَتِ الْيَهُودُ قال المفسرون ان الله تعالى قد بسط النعمة على اليهود حتى كانوا من اكثر الناس مالا واخصبهم ناحية فلما عصوا الله فى شأن رسول الله ﷺ وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة فعند ذلك قالت اليهود يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ اى مقبوضة ممسكة عن العطاء. وغل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد فى ذلك الى اثبات يد وغل او بسط قال الله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ اى لا تمسكها عن الانفاق غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بالبخل المذموم والمسكة اى أمسكت أيديهم عن الانفاق فى الخير وجعلوا بخلاء واليهود ابخل الناس ولا امة ابخل منهم وَلُعِنُوا اى ابعدوا وطردوا من رحمة الله تعالى بِما قالُوا اى بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء وهذا الدعاء عليهم تعليم للعباد والا فهو اثر العجز تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ اى ليس شأنه كما وصفتموه بل هو موصوف بغاية الجود ونهاية الفضل والإحسان وهذا المعنى انما يستفاد من تثنية اليد فان غاية ما يبذله السخي من ماله ان يعطيه بيديه جميعا ويد الله من المتشابهات وهى صفة من صفات الله تعالى كالسمع والبصر والوجه ويداه فى الحقيقة عبارة عن صفاته الجمالية والجلالية وفى الحديث (كلتا يديه يمين) أديم زمين سفره عام اوست ... برين خوان يغما چهـ دشمن چهـ دوست يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ اى هو مختار فى إنفاقه يوسع تارة ويضيق اخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي ان يضيق عليهم: وفى المثنوى چونكه بد كردى بترس ايمن مباش ... زانكه تخسمت وبروياند خداش چند كاهى او بپوشاند كه تا ... آيدت زان بد پشيمان وحيا بارها پوشد پى اظهار فضل ... باز گيرد از پى اظهار عدل تا كه اين هر دو صفت ظاهر شود ... آن مبشر گردد اين منذر شود وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ وهم علماؤهم ورؤساؤهم. قوله كثيرا مفعول أول ليزيدن ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وهو القرآن وما فيه من الاحكام وهو فاعل يزيدن طُغْياناً وَكُفْراً مفعول ثان للزيادة اى ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين اما من حيث الشدة والغلو واما من حيث الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار كما ان الطعام الصالح للاصحاء يزيد المرضى مرضا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ اى بين اليهود فان بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة اما الجبرية فهم الذين ينسبون فعل العبد الى الله تعالى ويقولون لا فعل للعبد أصلا ولا اختيار

стр. 867

وحركته بمنزلة حركة الجمادات. واما القدرية فهم الذين يزعمون ان كل عبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله. واما المرجئة فهم الذين لا يقطعون على اهل الكبائر بشىء من عفو او عقوبة بل يرجعون الحكم فى ذلك اى يؤخرونه الى يوم القيامة واما المشبهة فهم الذين شبهوا الله تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالمحدثات الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ اى جعلناهم مختلفين فى دينهم متباغضين كما قال تعالى تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم والجملة مبتدأة مسوقة لازاحة ما عسى يتوهم فى ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على امر يؤدى الى الإضرار بالمسلمين. قيل العداوة أخص من البغضاء لان كل عدو مبغض بلا عكس كلى إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بألقينا كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ اى كلما أرادوا محاربة الرسول ﷺ واثارة شر عليه أَطْفَأَهَا اللَّهُ اى ردهم الله وقهرهم بان أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم: وفى المثنوى خطابا من قبل الله تعالى الى حضرة صاحب الرسالة ﵇ هر كه در مكر تو دارد دل كرو ... كردنش را من زنم تو شاد شو بر سر كوريش كوريهانهم ... او شكر پندارد وزهرش دهم چيست خود آلاجق آن تركمان ... پيش پاى نره پيلان جهان آن چراغ او به پيش صرصرم ... خود چهـ باشد اى مهين پيغمبرم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً اى يجتهدون فى الكيد للاسلام واهله واثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بايقاد نار الحرب. وفسادا اما مفعول له او فى موضع المصدر اى يسعون للفساد او يسعون سعى فساد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ولذلك اطفأ نائرة افسادهم ولا يجازيهم إلا شرا. واعلم ان الله تعالى مهما وكل الإنسان الى حساسة طبعه وركاكة نظره وعقله فلا يترشح منه الا ما فيه من الأقوال الشنيعة والافعال الرذيلة ولذلك قالت اليهود يد الله مغلولة: ونعم ما قال فى المثنوى در زمين كر نيشكر ور خودنى است ... ترجمان هر زمين نبت وى است واهل الحسد يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ولكن لا يزيدهم الحسد الا الطغيان فكما ان مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك فوائد قوم عند قوم مصائب. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان جماعة السيد البخاري حسدوا لنا حتى قصدوا القتل بالسلاح واشتغلوا بالأسماء القهرية على حسب طريقهم فلم أقاتل دفعا للفتنة ثم رأيت فى موضع قرب جامع السيد البخاري قد أخذ طريقى ماء عظيم فلم يبق إلا طريق ضيق فلما قربت منه لم يبق اثر من الماء ثم انه مات كثير من تلك الجماعة ولكن لم أباشر انا فى حقهم شيأ قال كيف أميل الى مشيختهم وتصرف ثمانية عشر الف عالم بيدي بقدرة الله تعالى فى الباطن وان كنت عاجزا فى الظاهر- وحكى- ان مولانا جلال الدين اشتغل عند صلاح الدين شركوه بعد المفارقة من شمس الدين التبريزي فلما سمعه بعض اتباع مولانا أرادوا قتله فارسل اليه مولانا ابنه السلطان ولد فقال الشيخ صلاح الدين ان الله تعالى أعطاني قدرة على قلب السماء الى الأرض

стр. 868

فلو أردت أهلكتهم بقدرة الله تعالى لكن الاولى ان ندعو لاصلاحهم فدعا الشيخ فامن السلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا اللهم بحق أصفيائك خلصنا من رذائل الأوصاف وسفساف الأخلاق انك أنت القادر الخلاق وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ اى اليهود والنصارى آمَنُوا بما يجب به الايمان وَاتَّقَوْا من المعاصي مثل الكذب وأكل السحت ونحو ذلك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى لعفونا عنهم وسترنا عليهم ذنوبهم وهو الخلاص من العذاب وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ اى ولجعلناهم خالدين فيها وهو الظفر بالثواب. وفيه تنبيه على ان الإسلام يجب ما قبله وان جل وان الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اى عملوا بما فيهما من التصديق بسيد المرسلين والوفاء لله تعالى بما عاهدوا فيهما واقامة الشيء عبارة عن رعاية حقوقه وأحكامه كاقامة الصلاة وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ من القرآن المجيد المصدق لكتبهم وإيراده بهذا العنوان للتصريح ببطلان ما كانوا يدعون من عدم نزوله الى بنى إسرائيل لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ اى لوسع الله عليهم أرزاقهم بان يفيض عليهم بركات السماء والأرض بانزال المطر وإخراج النبات. وفيه تنبيه على ان ما أصابهم من الضنك والضيق انما هو من شؤم جناياتهم لا لقصور فى فيض الفياض: وفى المثنوى هين مراقب باش كر دل بايدت ... كز پى هر فعل چيزى زايدت اين بلا از كودنى آيد ترا ... كه نكردى فهم نكته ورمزها وكأنه قيل هل كلهم كذلك مصرون على عدم الايمان والتقوى والاقامة فقيل مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ اى طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة كعبد الله بن سلام واضرابه ممن آمن من اليهود وثمانية وأربعين ممن آمن من النصارى. والاقتصاد فى اللغة الاعتدال فى العمل من غير غلو ولا تقصير وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مقول فى حقهم ساءَ ما كانوا يَعْمَلُونَ وفيه تعجب بحسب المقام اى ما أسوأ عملهم من العناد والمكابرة وتحريف الحق والاعراض عنه. وفى الآية بيان ان التقوى سبب لتوسعة الرزق واستقامة الأمر فى الدنيا والآخرة. قال عبد الله القلانسي ركبت سفينة فى بعض أسفاري فبدت ريح شديدة فاشتغل اهل السفينة بالدعاء والنذر واشاروا الىّ بالنذر ايضا فقلت انى مجرد عن الدنيا فالحوا علىّ فقلت ان خلصنى الله لا آكل لحم الفيل فقالوا من يأكل لحم الفيل حتى تكفه عن نفسك فقلت هكذا خطر ببالي فخلصنى الله بجماعة ورمانا الى ساحل البحر فمضى ايام لم نجد ما نأكل فبينا نحن جياع إذ ظهر جروفيل فقتلوه وأكلوا لحمه ولم آكل رعاية لنذرى وعهدى فالحوا علىّ فقالوا انه مقام الاضطرار فلم اقبل قولهم ثم ناموا فجاءت أم الجرو ورأت عظام ولدها وشمت الجماعة فردا فردا فكل من وجدت رائحته أهلكته ثم جاءتنى فلما لم تجد الرائحة وجهت الىّ ظهرها واشارت الىّ بالركوب فركبت فحملتنى واوصلتنى تلك الليلة الى موضع واشارت الىّ بالنزول فنزلت ولقيت وقت السحر جماعة فاخذونى الى البيت وأضافوني فاخبرتهم قصتى على لسان ترجمان فقالوا من ذلك الموضع الى هنا مسيرة ثمانية ايام وقد قطعتها فى ليلة واحدة فظهر من هذه الحكاية انه برعاية جانب التقوى والوفاء بالعهد يستقيم امر المرء من جهة الدين والدنيا وان شهوة واحدة من

стр. 869

شهوات الدنيا لها حزن طويل وكيد عظيم بل هلاك كما وقع لتلك الجماعة التي أكلوا جرو الفيل [وقتى زنبورى موريرا ديد كه بهزار حيله دانه بخانه ميكشد ودران رنج بسيار مى ديد او را گفت اى مور اين چهـ رنجست كه بر خود نهاده بيا كه مطعم ومشرب من ببين كه هر طعامكه لطيف ولذيذ ترست تا از من زياده نيايد بپادشاهان نرسد هرانجا كه خواهم نشينم وآنچهـ خواهم گزينم وخورم ودرين سخن بود كه بر پريد وبدكان قصابى بر مسلوخى نشست قصاب كه كارد در دست داشت بران زنبور مغرور زدد و پاره كرد بر زمين انداخت ومور بيامد و پاى كشان او را مى برد وگفت «رب شهوة ساعة أورثت صاحبها حزنا طويلا» زنبور گفت مرا بجايى مبر كه نخواهم مور گفت هر كه از روى حرص وشهوت جايى نشيند كه خواهد بجايى كشندش كه نخواهد] . واعلم ان قوله تعالى لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ اشارة الى ما يحصل بالوهب الرحمانى وما يحصل بالكسب الإنساني فمن عمل بما علم واجتهد فى طريق الحق كل الاجتهاد ينال مراتب الأذواق والمشاهدات فيحصل له جنتان جنة العمل وجنة الفضل وهذا الرزق المعنوي هو المقبول: وفى المثنوى اين دهان بستى دهانى باز شد ... كه خورنده لقمهاى راز شد گر زشير وديو تن را وابرى ... در فطام او بسى نعمت خورى اللهم أمدنا بفيض فضلك وإحسانك يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ جميع ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ مما يتعلق بمصالح العباد فلا يرد ان بعض الاسرار الإلهية يحرم افشاؤه. قال ابو هريرة حفظت من رسول الله ﷺ وعائين من العلم فاما أحدهما فقد بثثته واما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم والتحقيق ان ما يتعلق بالشريعة عام تبليغه وما يتعلق بالمعرفة والحقيقة خاص ولكل منهما اهل فهو كالامانة عند المبلغ يلزم دفعها الى أربابها وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ اى ان لم تبلغ جميعه خوفا من ان ينالك مكروه فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ لان كتمان بعضها ككتمان الكل والرسالة لا سبيل لها ان يبلغها الا باللسان فلذلك لم يرخص له فى تركها وان خاف فهذا دليل لقولنا فى المكره على الطلاق والعتاق إذا تكلم به وقع لان تعلق ذلك باللسان لا بالقلب والإكراه لا يمنع فعل اللسان فلا يمنع النفاذ كذا فى التيسير وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أمان من الله تعالى للنبى ﵇ كيلا يخاف ولا يحذر كما روى فى الخبر ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل المدينة قالت اليهود يا محمد انا ذووا عدد وبأس فان لم ترجع قتلناك وان رجعت ذودناك وأكرمناك فكان ﵇ يحرسه مائة من المهاجرين والأنصار يبيتون عنده ويخرجون معه خوفا من اليهود فلما نزل قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ علم ان الله يحفظه من كيد اليهود وغيرهم فقال للمهاجرين والأنصار (انصرفوا الى رحالكم فان الله قد عصمنى من اليهود) فكان ﷺ بعد ذلك يخرج وحده فى أول الليل وعند السحر الى اودية المدينة وحيث ما شاء يعصمه الله مع كثيرة أعدائه وقلة أعوانه وكان الشج والرباعية قبل ذلك او لان المراد العصمة من القتل وقد حفظه من ذلك واما سائر البلايا والمحن فذلك مما كان يجرى على سائر الأنبياء والأولياء. قال الكرماني ما وقع من الابتلاء

стр. 870

والسقم فى الأنبياء ﵈ لنيل جزيل الاجر وليعلم انهم بشر تصيبهم محن الدنيا وما يطرأ على الأجسام وانهم مخلوقون فلا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات انتهى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تعليل لعصمته ﵇ اى لا يمكنهم مما يريدون لك من الإضرار. وفيه اشارة الى ان من سنة الله تعالى ان لا يهدى الى حضرته قوما جحدوا نبوة الأنبياء وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم من ربهم او أنكروا على الأولياء وما استمسكوا بعروة ولايتهم ليوصلوهم الى الله تعالى سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وفى الآية ايضا اشارة الى ان من امتثل لامر الخالق يعصمه من مضرة المخلوق كما عصم النبي ﵇ وابو بكر الصديق رضى الله عنه فى الغار حين الهجرة فاذا عصم الله من امتثل لامره يعصم ايضا من يستشفع برسوله ﵇ ويهديه الى سواء الصراط- حكى- ان سفينة مولى رسول الله ﷺ اخطأ الجيش بأرض الروم واسر فانطلق هاربا يلتمس الجيش فاذا بالأسد فقال يا أبا الحارث انا سفينة مولى رسول الله فكان مرادى كيت وكيت فاقبل الأسد يتبصبص حتى قام الى جنبه كما سمع صوتا أهوى اليه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش ثم رجع الأسد: قال السعدي فى البستان يكى ديدم از عرصه رودبار ... كه پيش آمدم بر پلنگى سوار چنان هول از آن حال بر من نشست ... كه ترسيدنم پاى رفتن ببست تبسم كنان دست بر لب گرفت ... كه سعدى مدار آنچهـ آيد شكفت تو هم كردن از حكم داور مپيچ ... كه كردن نپيچد زحكم تو هيچ محالست چون دوست دارد ترا ... كه در دست دشمن گذارد ترا وعن جابر رضى الله عنه قال كان النبي ﷺ فى بعض الغزوات فنزل مع قومه فى واد فتفرق الناس يستظلون بالأشجار وينامون واستظل ﵇ بشجرة معلقا سيفه بغصنها فاذا رسول الله ﷺ يدعونا فلما حضرنا رأينا أعرابيا فقال ﵇ (ان هذا اخترط على سيفى وانا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال من يمنعك منى فقلت الله) يعنى يمنعنى الله منك (فسقط السيف من يده فاخذته فقلت من يمنعك منى فقال كن خير آخذ) قال الراوي قال له النبي ﵇ أتشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله قال لا ولكن أعاهدك على ان لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى ﵇ سبيله وفى الحديث كمال توكل النبي ﵇ وتصديق قوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ واستحباب مقابلة السيئة بالحسنة كذا فى شرح المشارق لابن الملك رحمه الله تعالى قُلْ يا محمد مخاطبا ليهود والنصارى يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ اى دين يعتد به ويليق بان يسمى شيأ لظهور بطلانه ووضوح فساده حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ومن اقامتهما الايمان بمحمد والإذعان لحكمه فان الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالايمان بما صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد اقامة أصولهما وما لم ينسخ من فروعهما وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ اى القرآن المجيد بالايمان به ونسب الانزال إليهم لانهم كانوا يدعون عدم نزوله الى نبى

стр. 871

إسرائيل وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ وهم علماؤهم ورؤساؤهم ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اى القرآن طُغْياناً وَكُفْراً على طغيانهم وكفرهم القديمين وهو مفعول ثان ليزيدن فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ اى فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم فان ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفى المؤمنين مندوحة لك عنهم. وفى الآية اشارة الى ان حقيقة الدين انما هى احكام ظاهرة وباطنة والتزين بالأعمال ظاهرا وبالأحوال باطنا وهذا لا يتصور الا بمقدمتين ونتائج اربع فاما المقدمتان فاولاهما الجذبة الإلهية وثانيتهما التربية الشيخية واما النتائج فاولاها الاعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها وثانيتها التوجه الى الحق بصدق الطلب وهما من نتائج الجذبة ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوة والقوم الكافرون هم اهل الإنكار يتعلقون بظاهر الدين ولا يعرفون وراءه غاية وليس الأمر كذلك فان لكل ظاهر باطنا: وفى المثنوى فائده هر ظاهرى خود باطنست ... همچونفع اندر دواها كامنست «١» هيچ خطاطى نويسد خط بفن ... بهر عين خط نه بهر خواندن «٢» كند بينش مى نبيند غير اين ... عقل او بى سير چون نبت زمين نبت را چهـ خوانده چهـ ناخوانده ... هست پاى او بكل درمانده گر سرش جنبد بسير بادرو ... تو بسر جنبانيش غره مشو آن سرش گويد سمعنا اى صبا ... پاى او گويد عصينا خلنا والحامل على الإنكار هو الحسد كما كان لطائفة اليهود والنصارى فلا بد من تزكية النفس من مثل هذا القبيح- حكى- ان تلميذا للفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة يس فقال يا أستاذ لا تقرأ هذه ثم سكت ثم لقنه فقال لا اله الا الله فقال لا أقولها لانى بريئ منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكى أربعين يوما لم يخرج من البيت ثم رآه فى النوم وهو يسحب الى جهنم فقال بأى شىء نزع الله المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذى فقال بثلاثة. أولها بالنميمة فانى قلت لاصحابى بخلاف ما قلت لك. والثاني بالحسد حسدت أصحابي. والثالث كان لى علة فجئت الى الطبيب وسألته عهنا فقال تشرب فى كل سنة قدحا من الشراب فان لم تفعل بقيت بك العلة فكنت اشربه نعوذ بالله من سخطه الذي لا طاقة لنا به كذا فى منهاج العابدين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اى بألسنتهم فقط وهم المنافقون وَالَّذِينَ هادُوا اى دخلوا فى اليهودية وَالصَّابِئُونَ اى الذين صبت قلوبهم ومالت الى الجهل وهم صنف من النصارى يقال لهم السائحون يحلقون اوساط رؤسهم وقد سبق فى سورة البقرة وَالنَّصارى جمع نصران وهو معطوف على الذين هادوا. وقوله والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والجملة معطوفة على جملة قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ والتقدير ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك وانما لم يعطف على ما قبله بل جعل مع خبره المحذوف جملة مستقلة اتى بها فى خلال الجملة الاولى

стр. 872

على نية التأخير للدلالة على ان الصابئين مع كونهم أشد الفرق المذكورين فى هذه الآية ضلالا إذا قبل توبتهم وغفر ذنوبهم على تقدير الايمان الصحيح والعمل الصالح فقبول توبة باقى الفرق اولى واخرى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى من أحدث من هذه الطوائف ايمانا خالصا بالمبدأ والمعاد وَعَمِلَ صالِحاً حسبما يقتضيه الايمان بهما. قوله من فى محل الرفع بالابتداء وخبره فلا خوف إلخ والجملة خبر ان فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف الكفار العقاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما. قال الحدادي فى تفسيره اما نفى الحزن عن المؤمنين هاهنا فقد ذهب بعض المفسرين الى انه لا يكون عليهم حزن فى الآخرة ولا خوف ونظيره قوله تعالى تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وقال بعضهم ان المؤمنين يخافون ويحزنون لقوله تعالى يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وقوله يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وقال ﷺ (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة) فقالت عائشة واسوءتاه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم (اما سمعت قول الله تعالى لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه) قالوا وانما نفى الله تعالى فى هذه الآية الحزن عن المؤمنين لان حزنهم لما كان فى معرض الزوال ولم يكن له بقاء معهم لم يعتد بذلك انتهى: وفى المثنوى هر كه ترسد مرو را ايمن كنند ... مر دل ترسنده را ساكن كنند لا تخافوا هست نزل خائفان ... هست درخور از براى خائف آن آنكه خوفش نيست چون گويى مترس ... درس چهـ دهى نيست او محتاج درس واعلم ان اولياء الله لا خوف عليهم فيما لا يكون على شىء لانهم يقيمون القرآن عملا بالظاهر والباطن ولا هم يحزنون على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات ومخالفات النفس فى ترك الدنيا وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمصيبات والآفات لانهم تخلصوا من التقليد وفازوا بالتحقيق وارتفع عنهم تعب التكاليف فهم مع الله فى جميع أحوالهم فعلى المؤمن معالجة مرضه القلبي من الأوصاف الرذيلة والتخلص من النفاق واللحاق باهل الاتفاق. قال ابراهيم الخواص قدس سره دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. وخلاء البطن. وقيام الليل والتضرع. الى الله عند السحر. ومجالسة الصالحين. قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره ونحن نقول المصلح فى الحقيقة هو الله ولكن أشد الأشياء تأثيرا هو الذكر قال الله تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ قال على رضى الله عنه [يأتى على الناس زمان لا يبقى من الإسلام الا اسمه ولا من القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود] : قال السعدي علم چند انكه بيشتر خوانى ... چون عمل در تو نيست نادانى نه محقق بود نه دانشمند ... چارپايى برو كتابى چند آن تهى مغز را چهـ علم وخبر ... كه بروهيز مست ويا دفتر واعلم ان زبدة العلوم هى العلم بالله وما سواه فمن محسناته ومن علم فهو كامل فى نفسه الا ان العمل

стр. 873

هو المقصود ومجرد القراءة لا يغنى شيأ ولا يجلب نفعا فطوبى لمن صاحب رفيق التوفيق لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى بالله قد أخذنا عهدهم بالتوحيد وسائر الشرائع والاحكام المكتوبة عليهم فى التوراة وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ذوى عدد كثير واولى شأن خطير ليذكروهم وليبينوا لهم امر دينهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ جواب شرط محذوف كأنه قيل فماذا فعلوا بالرسل فقيل كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف عصوه وعادوه كأنه قيل كيف عصوهم فقيل فَرِيقاً كَذَّبُوا اى فريقا منهم كذبوهم من غير ان يتعرضوا لهم بشىء آخر من المضار وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ اى فريقا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم ايضا كزكريا ويحيى ﵉ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى حسب بنوا إسرائيل وظنوا ان لا يصيبهم من الله تعالى بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم وجه حسبانهم انهم وان اعتقدوا فى أنفسهم انهم مخطئون فى ذلك التكذيب والقتل الا انهم كانوا يقولون نحن ابناؤه واحباؤه وكانوا يعتقدون ان نبوة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العذاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب فَعَمُوا عطف على حسبوا والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها اى آمنوا بأس الله تعالى فتمادوا فى فنون الغى والفساد وعموا عن الدين بعد ما هداهم الرسل الى المعاملة الظاهرة وبينوا لهم مناهجة الواضحة اى عملوا معاملة الأعمى الذي لا يبصر وَصَمُّوا عن استماع الحق الذي القوه عليهم اى عملوا معاملة الأصم الذي لا يسمع ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا قال المولى ابو السعود وهذا اشارة الى المرة الاولى من مرتى إفساد بنى إسرائيل حين خالفوا احكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعيبا وقيل حبسوا ارمياء ﵇ ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد وبعد ما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بخت نصر أسارى فى غاية الذل والمهانة فوجه الله ملكا عظيما من ملوك فارس الى بيت المقدس ليعمره وينجى بقايا بنى إسرائيل من اسر بخت نصر بعد مهلكهم وردهم الى وطنهم وتراجع من تفرق منهم فى الأكناف فعمروه فى ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كاحسن ما كانوا عليه ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا وهو اشارة الى المرة الاخرى من مرتى افسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى ﵈ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير فى الفعلين. قال الحدادي قوله كَثِيرٌ مِنْهُمْ يقتضى فى المرة الثانية انهم لم يكفروا كلهم وانما كفر أكثرهم كما قال تعالى لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وقال تعالى مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم وفق أعمالهم ومن اين لهم ذلك الحسبان الباطل ولقد وقع ذلك فى المرة الاولى حيث سلط الله عليهم بخت نصر فاستولى على بيت المقدس فقتل من اهله أربعين الفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية الى ارضه فبقوا هناك على أقصى ما يكون من الذل والنكد الى ان أحدثوا توبة صحيحة فردهم الله عز وعلا الى ما حكى عنهم من حسن الحال ثم عادوا الى المرة الاخرى من الإفساد فبعث الله عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف ففعل بهم ما فعل. قيل دخل

стр. 874

صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلى فسألهم فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما صدقتمونى فقتل عليه الوفا منهم ثم قال ان لم تصدقونى ما تركت منكم أحدا فقالوا انه دم يحيى ﵇ فقال بمثل هذا ينتقم الله منكم ثم قال يا يحيى قد علم ربى وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ان لا أبقى أحدا منهم فهدأ. واعلم ان من مقتضى النفس نسيان العهد بينها وبين الله ونسيان نعمه بالكفران وكيف الكفران والإنسان غريق فى بحر كرمه ولطفه فيجب عليه شكر ذلك وإرسال الرسل وتوضيح السبل ونزول المطر وإنبات الأرض وصحة البدن وقوة القلب واندفاع الموانع ومساعدة الأسباب كل ذلك من النعم الجليلة- وحكى- ان دانيال ﵇ وجد خاتمه فى عهد عمر رضى الله عنه وكان على فصه أسدان وبينهما رجل يلحسانه وذلك ان بخت نصر لما تتبع الصبيان وقتلهم وولد هو ألقته امه فى غيضة رجاء ان ينجو منه فقيض الله سبحانه أسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلخسانه فلما كبر صور ذلك فى خاتمه حتى لا ينسى نعمة الله عليه ولا بد فى قطع طريق الآخرة من تحمل المشاق والقيام بالحقوق الواجبة بينه وبين الخلاق. ذكر عن الفضيل انه قال من عزم على طريق الآخرة فليجعل فى نفسه اربعة ألوان من الموت الأبيض والأحمر والأسود والأخضر. فالموت الأبيض الجوع. والأسود ذم الناس. والأحمر مخالفة الشيطان. والأخضر الوقائع بعضها على بعض اى المصائب والأوجاع وإذا كان المرء أعمى وأصم فى هذا الطريق فلا جرم يضل ولا يهتدى: قال فى المثنوى كور را هر كام باشد ترس چاه ... با هزاران ترس مى آيد براه «١» مرد بينا ديده عرض راه را ... پس بداند او مغاك و چاه را ماهيانرا بحر نگذارد برون ... خاكيانرا بحر نگذارد درون «٢» اصل ماهى آب وحيوان از كلست ... حيله وتدبير اينجا باطلست قفل زفتست وگشاينده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا والعصيان وان كان سببا للنسيان ورين العمى والصمم الا ان ما قضاه الله وقدره لا يتغير فليبك على نفسه من ضاع عمره فى الهوى وتتبع الشهوات فلم يجد الى طلب الحق سبيلا والى طريق الرشد دليلا اللهم انك أنت الهادي لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ نزلت فى نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما وهم المار يعقوبية قالوا ان الله حل فى ذات عيسى واتحد بذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وَقالَ الْمَسِيحُ اى قالوا ذلك والحال قد قال المسيح مخاطبا لهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ فانى عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقى وخالقكم إِنَّهُ اى الشان مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ اى شيأ فى عبادته او فيما يخص به من الصفات والافعال فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فلن يدخلها ابدا كما لا يصل المحرم عليه الى المحرم فانها دار الموحدين وَمَأْواهُ النَّارُ فانها هى المعدة للمشركين وَما لِلظَّالِمِينَ بالاشراك مِنْ أَنْصارٍ اى من أحد ينصرهم بانقاذهم من النار اما بطريق المغالبة او بطريق الشفاعة وهو من تمام كلام عيسى. ثم حكى ما قاله النسطورية والملكانية من النصارى فقال

стр. 875

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ اى أحد ثلاثة آلهة والالهية مشتركة بينهم وهم الله وعيسى ومريم وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ اى والحال ليس فى الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث انه مبدأ جميع الموجودات الالهية موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ عن مقالتهم الاولى والثانية ولم يوحدوا لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ اى والله ليمسنهم ووضع الموصول موضع الضمير لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن بيانية حال من الذين عَذابٌ أَلِيمٌ نوع شديد الألم من العذاب يخلص وجعه الى قلوبهم أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ اى أيصرون فلا يتوبون عن تلك العقائد الزائغة والأقاويل الباطلة وهمزة الاستفهام لانكار الواقع واستبعاده لا لانكار الوقوع وفيه تعجيب من إصرارهم وتحضيض على التوبة وَيَسْتَغْفِرُونَهُ بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه اليه من الاتحاد والحلول وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اى والحال انه تعالى مبالغ فى المغفرة يغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ اى ما هو الا مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها كالرسل الماضية من قبله خصه الله تعالى بآيات كما خصهم بها فان احيى الموتى على يده فقد احيى العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو اعجب وان خلقه من غير اب فقد خلق آدم من غير اب وأم وهو اغرب منه وكل ذلك من جنابه وانما موسى وعيسى مظاهر شؤونه وأفعاله وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ اى ما امه ايضا الا كسائر النساء اللاتي يلاز من الصدق اى صدق الأقوال فى المعاملة مع الخلق وصدق الافعال والأحوال فى المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويفتقران اليه افتقار الحيوانات فكيف يكون الها من لا يقيمه الا أكل الطعام انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ الباهرة المنادية ببطلان ما تقولوا عليهما نداء يكاد يسمعه صم الجبال ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اى كيف يصرفون عن استماعها والتأمل فيها. وثم لاظهار ما بين العجبين من التفاوت اى ان بياننا الآيات امر بديع فى بابه واعراضهم عنها مع تعاضد ما يوجب قبولها أبدع قُلْ يا محمد إلزاما لهؤلاء النصارى ومن سلك طريقتهم من اتخاذ غير الله الها أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اى متجاوزين إياه ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً يعنى عيسى وهو وان ملك ذلك بتمليك الله إياه لكنه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله به من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحة والسعة وانما قال ما مع ان أصله ان يطلق على غير العاقل نظرا الى ما هو عليه فى ذاته فانه ﵊ فى أول أحواله لا يوصف بعقل ولا بشىء من الفضائل فكيف يكون الها وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بالأقوال والعقائد فيجازى عليها ان خيرا فخير وان شرا فشر وهو حال من فاعل تعبدون قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ اى غلوا باطلا فترفعوا عيسى الى ان تدعوا له الالوهية كما ادعته النصارى او تضعوه فتزعموا انه لغير رشدة كما زعمته اليهود وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ يعنى أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد ﵇ فى شريعتهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً اى من تابعهم على بدعهم وضلالهم وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ عن قصد السبيل الذي

стр. 876

هو الإسلام بعد مبعثه لما كذبوه وبغوا عليه وحسدوه. قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته ان النصارى لما أرادوا ان يسلكوا طريق الحق بقدم الفعل وينظروا الى احوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا فى اودية الشبهات وانقطعوا فى بوادي الهلكات جل جناب القدس عن ادراك عقول الانس هيهات هيهات وهذا حال من يحذو حذوهم ويقفوا اثرهم فاطرت النصارى عيسى ﵇ إذ نظروا بالعقل فى امره فوجدوه مولودا من أم بلا اب فحكم عقلهم ان لا يكون مولود بلا اب فينبغى ان يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بانه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويخبر عما يأكلون فى بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله تعالى ولو لم يكن المسيح ابن الله لما امكنه هذا وانما امكنه لان الولد سرابيه وقال بعضهم ان المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حل لاهوتية الحق فى مكان ناسوتيته فصار هو الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم اعلم ان امة محمد لما سلكوا طريق الحق باقدام جذبات الالوهية على وفق المتابعة الحبيبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال كما كان حال الشبلي حين غسل كتبه بالماء وكان يقول نعم الدليل أنتم ولكن اشتغالي بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال: وفى المثنوى چون شدى بر بامهاى آسمان ... سرد باشد جست وجوى نردبان آينه روشن كه شد صاف وجلى ... جهل باشد بر نهادن صيقلى پيش سلطان خوش نشسته در قبول ... جهل باشد جستن نامه ورسول فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا الى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بانوار صفات الجمال ان الإنسان هو الذي حمل امانة الحق من بين سائر المخلوقات وهى نور فيض الالوهية بواسطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم فى قبول هذا الكمال فتحقق لهم ان عيسى ﵇ صار قابلا بعد التزكية للتخلية بفيض الخالقية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله لا باذنه اعنى كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقية حضرة الالوهية وهذا كما ان لكرة البلور المخروط استعدادا فى قبول فيض الشمس إذا كانت فى محاذاتها فتقبل الفيض وتحرق المحلوج المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة فصار للكرة بحسن الاستعداد قابلية لفيض الشمس وظهر منها صفات الشمس وما جلت الشمس فى كرة البلور تفهم ان شاء الله وتغتنم فكذلك حال الأنبياء فى المعجزات وكبار الأولياء فى الكرامات والفرق ان الأنبياء مستقلون بهذا المقام والأولياء متبعون. قال الامام الغزالي فى قول ابى يزيد انسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فاذا انا هو إذ من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها لا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له هم سوى الله وإذا لم يحل فى القلب الا جلال الله وجماله صار مستغرقا كأنه هو لا انه هو تحقيقا. وقوله ايضا سبحانى ما أعظم شأنى يحمل على انه قد شاهد كمال حظه من صفة القدس فقال سبحانى ورأى عظيم شأنه بالاضافة الى شأن عموم الخلق فقال ما أعظم شأنى وهو مع ذلك يعلم قدسه وعظم شأنه بالاضافة

стр. 877

الى الخلق ولا نسبة له الى قدس الرب وعظم شأنه وقول من قال من الصوفية انا الحق فوارد على سبيل التجوز ايضا كما يقول الشاعر انا من أهوى ومن أهوى انا وذلك متأول عند الشاعر فانه لا يعنى به انه هو تحقيقا بل كأنه هو فانه مستغرق بالهم به كما يكون مستغرق الهم بنفسه فيعتبر هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز. قال الشيخ ابو القاسم الجرجاني ان الأسماء التسعة والتسعين تصير اوصافا للعبد السالك وهو بعد فى السلوك غير واصل. فان قلت ما معنى الوصول. قلت معنى السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد فى جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه الا انه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا لا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت فى ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداءة واما النهاية فان ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول: وفى المثنوى كاركاه كنج حق در نيستيست ... غره هستى چهـ دانى نيست چيست «١» آب كوزه چون در آب جو شود ... محو كردد دروى وجو او شود «٢» لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا حال كونهم مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ اى طردوا وابعدوا من رحمة الله تعالى عَلى لِسانِ داوُدَ متعلق يلعن يعنى اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داود ﵊ اللهم العنهم واجعلهم آية ومثلا لخلقك فمسخوا قردة وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اى على لسان عيسى ابن مريم يعنى كفار اصحاب المائدة لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى اللهم العنهم كما لعنت اصحاب السبت واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبى كأنه قيل بأى سبب وقع ذلك فقيل ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اى ذلك اللعن الشنيع المقتضى للمسح بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ استئناف اى لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح يعملونه واصطلحوا على الكف عن نهى المنكر لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ تعجيب من سوء فعلهم مؤكدا بالقسم تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ اى من اهل الكتاب ككعب بن الأشرف واضرابه حيث خرجوا الى مشركى مكة ليتفقوا على محاربة النبي ﵇ والرؤية بصرية يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا حال من كثيرا لكونه موصوفا اى يوالون المشركين بعضا لرسول الله ﷺ والمؤمنين لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ اى لبئس شيأ قدموا ليردوا عليه يوم القيامة أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هو المخصوص بالذم بتقدير المضاف اى موجب سخط الله والخلود فى العذاب لان نفس السخط المضاف الى الباري تعالى لا يقال له انه المخصوص بالذم انما المخصوص بالذم هو الأسباب الموجبة له وَلَوْ كانُوا اى الذين يتولون المشركين من اهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ اى نبيهم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ اى الى ذلك النبي من التوراة والإنجيل مَا اتَّخَذُوهُمْ اى المشركين أَوْلِياءَ

стр. 878

لان تحريم ذلك مصرح فى شريعة ذلك النبي وفى الكتاب المنزل اليه فالايمان يمنع من التولي قطعا وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن الدين والايمان بالله ونبيهم وكتابهم وفى الآيات امور الاول ان الإنسان الكامل الذي يصلح لخلافة الحق هو مظهر صفات لطف الحق وقهره فقبولهم قبول الحق وردهم رد الحق ولعنهم لعن الحق وصلاتهم صلاة الحق فمن لعنوه فقد لعنه الحق ومن صلوا عليه فقد صلى الحق عليه لقوله تعالى لنبيه ﵇ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى وكانت اللعنة من الله حقيقة لقوله كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وهم الذين لعنهم داود وصرح هاهنا ان اللعن كان منه تعالى وان كان على لسان داود ﵇: فى المثنوى اين نكردى تو كه من كردم يقين ... اى صفاتت در صفات مادفين «١» ما رميت إذ رميت كشته ... خويشتن در موج چون كف هشته وفى محل آخر كه ترا از تو بكل خالى كند ... تو شوى پست او سخن عالى كند «٢» كر چهـ قرآن از لب پيغمبر است ... هر كه كويد حق نكفت او كافرست والثاني ان الله تعالى سمى العصيان منكرا لانه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفا لانها توجب المعرفة والاقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كالكفر فى كونه سببا للرين المحيط بجوانب القلب ومن ذلك ترك النهى عن المنكر وفى الحديث (يحشر يوم القيامة أناس من أمتي من قبورهم الى الله تعالى على صورة القردة والخنازير بما داهنوا اهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون) فالمداهنة من اعمال الكفار والدعوة الى الله من اخلاق الأخيار: وفى المثنوى هر كسى كو از صف دين سركش است ... ميرود سوى صفى كان واپس است «٣» توز كتار تعالوا كم مكن ... كيمياى پس شكرفست آن سخن گر مسى گردد ز گفتارت نفير ... كيميا را هيچ از وى وا مكير اين زمان گر بست نفس ساحرش ... كفت تو سودش دهد در آخرش قل تعالوا قل تعالوا اى غلام ... هين كه ان الله يدعو بالسلام والثالث ان المؤمن والكافر ليسا من جنس واحد وتولى الكافر موجب لسخط الله لان موالاة الأعداء توجب معاداة الأولياء فينبغى للمؤمن الكامل ان ينقطع عن صحبة الكفار والفجار واهل البدع والأهواء وارباب الغفلة والإنكار: وفى المثنوى ميل مجنون پيش آن ليلى روان ... ميل ناقه پس پى طفلش دوان «٤» كفت اى ناقه چوهر دو عاشقيم ... ما دو ضد پس همره نالايقيم نيستت بر وفق من مهر ومهار ... كرد بايد از تو صحبت اختيار جان ز هجر عرش اندر فاقه ... تن ز عشق خار بن چون ناقه جان كشايد سوى بالا بالها ... در زده تن در زمين چنكالها اللهم خلصنا من خلاف الجنس مطلقا لَتَجِدَنَّ يا محمد أَشَدَّ النَّاسِ مفعول أول

стр. 879

للوجدان عَداوَةً تمييز لِلَّذِينَ آمَنُوا متعلق بعداوة الْيَهُودَ مفعول ثان للوجدان وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعنى مشركى العرب معطوف على اليهود وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إعرابه كاعراب ما سبق. اما عداوة اليهود والمشركين المنكرين للمعاد فلشدة حرصهم الذي هو معدن الأخلاق الذميمة فان من كان حريصا على الدنيا طرح دينه فى طلب الدنيا واقدم على كل محظور ومنكر فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال جاها او مالا. واما مودة النصارى فلانهم فى اكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبير والترفع وكل من كان كذلك فانه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم بل يكون لين العريكة فى طلب الحق سهل الانقياد له انظر الى كفر النصارى مع كونه اغلظ من كفر اليهود لان كفر النصارى فى الألوهية وكفر اليهود فى النبوة واما قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ فانما قاله طائفة منهم ومع ذلك خص اليهود بمزيد اللعنة دونهم وما ذاك الا بسبب حرصهم على الدنيا ويؤيده قوله ﵇ (حب الدنيا رأس كل خطيئة) قال البغوي لم يرد به جميع النصارى لانهم فى عداوتهم للمسلمين كاليهود فى قتلهم المسلمين واسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم لا مودة ولا كرامة لهم بل الآية نزلت فيمن اسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه وكان النجاشي ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الإسلام ثم اسلم هو وأصحابه قبل الفتح ومات قبله ايضا وقال اهل التفسير ائتمرت قريش ان يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من فيها المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله رسوله بعمه ابى طالب فلما رأى رسول الله ﷺ ما حل بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج الى ارض الحبشة وقال (ان بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا) وأراد به النجاشي واسمه اصحمة بالمهملتين وهو بالحبشية عطية وانما النجاشي اسم الملك كقولهم قيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا واربع نسوة منهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ فخرجوا الى البحر وأخذوا سفينة الى ارض الحبشة بنصف دينار وذلك فى رجب فى السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ وهذه هى الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون إليها فكان جميع من هاجر الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان سعديا حب وطن گرچهـ حديثست صحيح ... نتوان مرد بسختى كه من اينجا زادم فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمر بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشي وبطارقته ليردوهم إليهم فعصمهم الله فلما انصرفا خائبين واقام المسلمون هناك بخير دار وحسن جوار الى ان هاجر رسول الله وعلا امره وذلك فى سنة ست من الهجرة كتب رسول الله ﷺ الى النجاشي على يد عمرو بن امية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت ابى سفيان وكانت قد هاجرت اليه مع زوجها فمات زوجها فارسل النجاشي الى أم حبيبة جارية يقال

стр. 880

لها نزهة تخبرها بخطية رسول الله ﷺ إياها فاعطتها اوضاحا لها سرورا بذلك وأمرها ان توكل من يزوجها فوكلت خالدين سعيد بن العاص فانكحها على صداق اربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله النجاشي فانفذ إليها على يد نزهة اربعمائة دينار فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردتها وقالت أمرني الملك ان لا آخذ منك شيأ وقالت انا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا ﷺ وآمنت به فحاجتى منك ان تقرئيه منى السلام قالت نعم ثم امر الملك نساءه ان يبعثن الى أم حبيبة بما عند هن من عود وعنبر وكان ﵇ يراه عليها وعندها فلا ينكر قالت أم حبيبة فخرجنا فى سفينتين وبعث معنا النجاشي الملاحين فلما خرجنا من البحر ركبنا الظهر الى المدينة ورسول الله ﵇ بخيبر فخرج من خرج اليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي ﵇ فدخلت عليه فكان يسألنى عن النجاشي فقرأت عليه من نزهة السلام فرد ﵍ فانزل الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ يعنى أبا سفيان مَوَدَّةً يعنى تزويج أم حبيبة ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة برسول الله ﵊ قال ذاك الفحل لا يقرع انفه ثم قال ﵇ (لا أدرى انا بفتح خيبر اسرّ أم بقدوم جعفر) وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر الى رسول الله ابنه أزهر بن اصحمة بن الحر فى ستين رجلا من الحبشة وكتب اليه يا رسول الله اشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت ابني أزهر وان شئت ان آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله فركبوا سفينة فى اثر جعفر وأصحابه فلما بلغوا اواسط البحر غرقوا وكان جعفر يوم وصل المدينة الى رسول الله ﷺ وصل فى سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من اهل الشام منهم بحيرا الراهب فقرأ عليهم رسول الله سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن فآمنوا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵇ فانزل الله تعالى هذه الآية وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى يعنى وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا اصحاب الصوامع ذلِكَ اى كونهم اقرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ اى بسبب ان منهم قِسِّيسِينَ وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم. والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه وطلبه بالليل سموا به لمبالغتهم فى تتبع العلم قاله الراغب. وقال قطرب القسيس العالم بلغة الروم. وعن عروة بن الزبير انه قال ضيعت النصارى الإنجيل وادخلوا فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين وكان اسمه قسيسا فمن كان على مذهبه ودينه فهو قسيس وَرُهْباناً هو جمع راهب كراكب وركبان وقيل انه يطلق على الواحد وعلى الجمع. والترهب التعبد مع الرهبة فى صومعة والتنكير لافادة الكثرة ولا بد من اعتبارها فى القسيسين ايضا إذ هى التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فان اتصاف افراد كثيرة بجنس الخصلة مظنة لا تصاف الجنس بها والا فمن اليهود ايضا قوم مهتدون ألا يرى الى عبد الله بن سلام واضرابه قال تعالى مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ إلخ لكنهم لما لم يكونوا فى الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم الى جنس اليهود وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عطف على ان منهم اى وبانهم لا يستكبرون
следующие страницы →