بدليل صحة طلاقه. وأيضا إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره. واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ خطاب للمؤمنين. وأيضا من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله. وأجيب عن الأول بأن قوله مِنْكُمْ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟ على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه. وأيضا العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص. وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضا أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو هاهنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.
وأيضا الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل. ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟ وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله. قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام. الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهرا فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحا لما
روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي ﷺ بتحرير رقبة.
وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان، فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته. وقال مالك وابن أبي ليلى: هو مظاهر أبدا.
البحث الثالث في المظاهر عنها. ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال «إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي» . ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله تعالى وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ يتناول الحرائر دون الإماء كما في قوله أَوْ نِسائِهِنَّ [النور: ٣١] بدليل أنه عطف عليه قوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ [النور: ٣١] وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله مِنْ نِسائِهِمْ يشمل ملك اليمين لغة. وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فكيف أنكر الله عليه بقوله ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وحكم بأنه منكر وزور؟ والجواب أن قوله «أنت عليّ كظهر أمي» إن كان إخبارا فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة
стр. 3397
بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سببا في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذبا وزورا ولهذا أوجب الله سبحانه الكفارة على صاحب القول بعد العود. سؤال آخر قوله تعالى إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] وقال وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغير هن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي ﷺ الذي هو أبو الأمة. وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكرا لمخالفة الحقيقة وزورا لعدم موافقة الشرع. قوله ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال. وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣] وقال فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أنه نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.
واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه تعالى قال ثُمَّ يَعُودُونَ وكلمة «ثم» تقتضي التراخي. وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائدا عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية. الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لما قال. وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك. والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائدا عن كونه مظاهرا بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة «ثم» . وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم. وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضا لقوله «أنت عليّ كظهر أمي» . وقال مالك: العود إليها عبارة عن
стр. 3398
العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة. ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى. وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطئ لقوله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع. وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعله مرة أخرى ففيه أيضا وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله وَالَّذِينَ كانوا يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ في الجاهلية ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا في الإسلام فَكَفَّارَتُهُ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل. الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا. وضعف بحديث أوس
وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله ﷺ : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.
الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلا من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياسا على ما لو قال في بعض الأطعمة «إنه حرام عليّ كلحم الآدمي» فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه. ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين. وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين. نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ. وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ [مريم: ٨١] أي المال والواو للحال.
مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله سبحانه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.
وروى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال:
اعتزلها حتى تكفّر.
الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد. وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة. حجتهما أنه تعالى رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد بتعدّد المحل. حجته
стр. 3399
أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين. الثالثة: دلت الآية على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق،
لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله ﷺ : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها. فقال ﵊: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.
وقال بعضهم ومنهم عبد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان. الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع. قال الفقهاء:
ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها. الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الرقبة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضا كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً حملا للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن. السادسة:
مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية. وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياسا على كفارة القتل. والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع. وقال الله تعالى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [البقرة: ٢٦٧] ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة. وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئا لم يجز.
والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة. السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وهاهنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها. والعبد الغائب. إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق عبده عن كفارته شرط أن يردّ دينارا أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خاليا عن شوائب العوض. الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية. فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد. والشرط أن يفضل عن حاجة
стр. 3400
نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة. ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائبا أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه تعالى قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ وهو واجد. أما من كان مريضا في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه تعالى قال فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه. التاسعة: لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله. وقال أبو حنيفة: يجزي. العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما
في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي ﷺ وقال: أطعم.
وحمله آخرون على خاصة الأعرابي. ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.
قال الزجاج ذلِكُمْ تُوعَظُونَ أي ذلكم التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة وَلِلْكافِرِينَ الذين استمروا على أحكام الجاهلية عَذابٌ أَلِيمٌ وإنما قال في الآية الثانية عَذابٌ مُهِينٌ ليناسب قوله كُبِتُوا أي أخزوا وأهلكوا. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق. وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلا من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق. وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق. قوله أَحْصاهُ اللَّهُ أي أحاط بما عمل كل منهم كما وكيفا وزمانا ومكانا وَنَسُوهُ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور. ثم قرر كمال علمه بقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفا للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.
قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سرا يجل عن استماع الغير. سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟ الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين
стр. 3401
وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر. عن ابن عباس أن ربيعة وحبيبا ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما ما يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.
فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله فنزلت. قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات. ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله تعالى وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد. وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكما فذكر سبحانه الفردين الأولين تنبيها على الأفراد الباقية. ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعا وحيدا فيضيق قلبه فيقول الله تعالى: أنا جليسك وأنيسك. وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريدا فنفس الله تعالى عنه ببشارة المعية. وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما. وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعا. وخامسها وهو من السوانح. أنه سبحانه لما أراد تكميل الكلام بقوله وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة. وفيه أيضا من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكررا إذ لو قال «ولا أربعة إلا وهو خامسهم» على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار. ولعل في الآية إشارة إلى أن التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعا عليها.
قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول ﷺ فنزل أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار. والأول أقرب بدليل قوله وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ وذلك أنهم كانوا يقولون «السام عليك يا محمد» والله تعالى يقول وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: ٥٩] و «يا أيها الرسول» و «يا أيها النبي» . وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله تعالى عن قولهم بأن جهنم تكفيهم. قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا. ثم نهى المؤمنين عن
стр. 3402
مثل تلك النجوى وهو ظاهر. وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب للمنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب. وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله سبحانه أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.
قوله إِنَّمَا النَّجْوى الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينه الشيطان لأجلهم لِيَحْزُنَ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا. ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلا إلا بمشيئة الله وإرادته.
عن النبي ﷺ «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» «١»
وفي رواية «دون الثالث» .
وحين نهى تعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة. والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله ﷺ كانوا يتضامّون فيه تنافسا في القرب منه وحرصا على استماع كلامه. ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلسا على حدة. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال. كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا. فيأبون حرصا على الشهادة. والقول الأول أصح.
قال مقاتل بن حيان: كان ﷺ يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي ﷺ ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله ﷺ ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان. فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا
أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله ﷺ بالارتكاز فيه يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة دَرَجاتٍ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي ﷺ وهو مناسب للمقام
لقوله «ليليني منكم أولو الأحكام
стр. 3403
والنهي» «١»
والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١] والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، اللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم. قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسألة.
وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي ﷺ وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.
قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله أَأَشْفَقْتُمْ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر، والواجب قد يوصف بكونه خيرا ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول. وقد يكون الناسخ متقدما على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة. واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من نهار. وعن مقاتل بقي عشرة أيام.
وعن علي ﵁: لما نزلت الآية دعاني رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة. قال: إنك لزهيد
أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.
وعنه ﵇: إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي. كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.
قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله ﷺ . قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض. وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئا وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة. لأن
стр. 3404
الذي يكون سببا للألفة أولى مما يكون سببا للوحشة. وأيضا الصدقة عند المناجاة واجبة:
أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سببا لسآمة النبي ﷺ . قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب ما ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي ﵁ في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.
فقد روي عن ابن عمر كان لعلي ﵁ ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة ﵂ وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.
وهل يقول منصف إن مناجاة النبي ﷺ نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل له الفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول ﷺ ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله أَأَشْفَقْتُمْ إلى آخرها. قاله ابن عباس. وقيل: نسخت بآية الزكاة. أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدرا بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخا له. ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.
قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود. فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل. فقال رسول الله ﷺ : بل فعلت. فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا
أي وادّوا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهم اليهود ما هُمْ مِنْكُمْ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة وَلا مِنْهُمْ لأنهم كانوا مشركين في الأصل وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وهو ادعاء الإسلام. وفي قوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفا للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ فائدة بل يكون تكرار صرفا. قال بعض المحققين: العذاب
стр. 3405
الشديد هو عذاب القبر، والعذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة. وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [النحل: ٨٨] قال جار الله: معنى قوله إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سوء العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. ومعنى الفاء في فَصَدُّوا أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.
ويروى أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ الآية.
ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من النفع. والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف. قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون. ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إنا ما كنا كافرين عند أنفسنا. وقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في الدنيا. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:
٢٣] ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك. ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذيا أي سائسا غالبا على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو «استصوب واستنوق» احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان. والجواب ظاهر مما سلف مرارا فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط. قوله أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر. ولما كانت عزة أولياء الله تعالى غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله. ثم قرر سبب ذلهم بقوله كَتَبَ اللَّهُ في اللوح لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف. قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.
فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟ كلا والله إنهم أكثر عددا وعدّة فنزلت الآية. ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين. وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد. قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل
стр. 3406
أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينئذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.
عن النبي ﷺ «لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ»
لا تَجِدُ قَوْماً
يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله ﷺ فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله ﷺ : أو قد فعلته؟ قال: نعم. قال: لا تعد. قال: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته.
وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله. فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي ﷺ إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة. والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله أُولئِكَ كَتَبَ أي أثبت فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ إثبات المكتوب في القرطاس. وقيل: معناه جمع. والتركيب يدور عليه أي استكملوا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض. قوله وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.
وسمي النصرة روحا لأن الأمر يحيا بها، ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.
القراآت:
يخربون بالتشديد: أبو عمرو. والباقون: بالتخفيف من الإخراب تكون بالتاء الفوقانية دولة بالرفع على «كان» التامة: يزيد. والآخرون: على التذكير والنصب جدار بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو. والآخرون: بضمتين من غير ألف. إني أخاف بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والْبارِئُ بالإمالة:
قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.
الوقوف
وَما فِي الْأَرْضِ ط الْحَكِيمُ هـ الْحَشْرِ ط الْأَبْصارِ ط فِي الدُّنْيا ط النَّارِ ط هـ وَرَسُولَهُ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور الْعِقابِ هـ الْفاسِقِينَ هـ مَنْ يَشاءُ ط قَدِيرٌ هـ السَّبِيلِ هـ مِنْكُمْ ط فَانْتَهُوا ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم وَاتَّقُوا اللَّهَ ط الْعِقابِ هـ لئلا يوهم أن قوله لِلْفُقَراءِ يتعلق ب شَدِيدُ ورَسُولِهِ ط الصَّادِقُونَ هـ ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير. خَصاصَةٌ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله الْمُفْلِحُونَ هـ لمثل المذكور رَحِيمٌ هـ أَبَداً لا لأن ما بعده من تمام القول لَنَنْصُرَنَّكُمْ ط لَكاذِبُونَ هـ مَعَهُمْ ج لا
стр. 3409
يَنْصُرُونَهُمْ
ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم لا يُنْصَرُونَ هـ مِنَ اللَّهِ ط لا يَفْقَهُونَ هـ جُدُرٍ ط شَدِيدٌ هـ لا يَعْقِلُونَ هـ ج لتعلق الكاف ب لا يَعْقِلُونَ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل أَمْرِهِمْ ط لاحتلاف الجملتين أَلِيمٌ هـ ج لما قلنا اكْفُرْ ط الْعالَمِينَ هـ فِيها ط الظَّالِمِينَ هـ لِغَدٍ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم وَاتَّقُوا اللَّهَ هـ تَعْمَلُونَ هـ أَنْفُسَهُمْ ط الْفاسِقُونَ هـ الْجَنَّةِ الأولى ط الْفائِزُونَ هـ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ط يَتَفَكَّرُونَ هـ إِلَّا هُوَ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف وَالشَّهادَةِ ج لاحتمال كون الضمير بدلا من عالم أو مبتدأ الرَّحِيمُ هـ إِلَّا هُوَ ط لما قلنا الْمُتَكَبِّرُ ط يُشْرِكُونَ هـ الْحُسْنى ط وَالْأَرْضِ ط الْحَكِيمُ هـ.
التفسير:
قال المفسرون: صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رايه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشا عند الكعبة، فأمر النبي ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم:
اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك. فتنادوا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسول الله ﷺ عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة. فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشام إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحييّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
واللام في قوله لِأَوَّلِ الْحَشْرِ بمعنى الوقت كقولك «جئت ليوم كذا» . وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام. فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين. وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما
جاء في الحديث «نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب» «١»
قاله
стр. 3410
قتادة. وقيل: آخر حشرهم اجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله ﷺ . قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل «وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم» هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسما لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.
قلت: حاصل كلامه ﵁ الحصر. ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله تعالى فِي قُلُوبِهِمُ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢١٠] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨] ومعنى لَمْ يَحْتَسِبُوا أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه. وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا ﷺ كما مر في آل عمران سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [آل عمران: ١٥١] وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد «مقذف» فكأنما قذف باللحم قذفا لاكتنازه وتداخل أجزائه. قال الفراء يُخْرِبُونَ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها. وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خرابا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا. وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو «فرحته» و «أفرحته» و «حسنه الله» و «أحسنه» . قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج. قلت:
ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الازقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج. وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك. ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس. ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء. واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب
стр. 3411
ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي. وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم. وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله ﷺ وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته. والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بعد ما عاينوا في الدنيا عَذابُ النَّارِ ذلِكَ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله. قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.
يروى أنه ﷺ حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ما قَطَعْتُمْ
محله نصب ومِنْ لِينَةٍ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل. وياؤها واو في الأصل كالديمة. وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله تعالى أن ذلك جائز غيظا لقلوب الكفرة. واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعا للقتال.
وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا: تركتها لرسول الله ﷺ .
وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار.
وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي ﷺ وعلى أن كل مجتهد مصيب.
قوله وَما أَفاءَ اللَّهُ أدخل العاطف هاهنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها. ومعنى أفاء جعله فيئا من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين. والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.
وقوله عَلَيْهِ أي على ما أفاء. والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله سبحانه الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء. وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله ﷺ ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع. الثاني تسليم
стр. 3412
أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله ﷺ وكان راكب جمل، فلما كانت المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة. ثم
روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة
قال الواحدي: كان الفيء مقسوما في زمان رسول الله ﷺ خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله ﷺ خاصة وكذا خمس الباقي، والأسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل. وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان:
أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله ﷺ في رباط الثغور. والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سدّ الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم. هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال. ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف. والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم. قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت له الدولة. فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جدا بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عزبر ومنه قول الحسن «اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا» يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. ومن قرأ على «كان» التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاورا بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها. قوله وَما آتاكُمُ الآية.
قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول ﷺ منها، والأولى عند المحققين العموم. قوله لِلْفُقَراءِ بدل من قوله وَلِذِي الْقُرْبى إلى آخر الأصناف الأربعة. ولا يجوز أيضا أن يكون ابتداء البدل من قوله فَلِلَّهِ لأنه يخل بتعظيم الله على ظاهر اللفظ وإن كان المعنى للرسول ﷺ . ولا يجوز أيضا أن يكون الابتداء من قولهم وَلِلرَّسُولِ لأنه تعالى أخرجه عن الفقراء بقوله وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير. ولئن صح أنه ﷺ
قال «الفقر فخري»
فذاك معنى آخر وهو غنى
стр. 3413
القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هما واحدا وهو الافتقار بالكلية إلى الله.
استدل بعض العلماء بقوله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله ﷺ . فلو لم تكن خلافته حقة لزم كذبهم وهو خلاف الآية. وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم. قوله وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ معطوف على المهاجرين وكذا قوله وَالَّذِينَ جاؤُ وذلك عند من يجعل الغنائم حلا للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله يُحِبُّونَ ويَقُولُونَ حالين أي الغنائم لهم محبين قائلين. ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على هُمُ الصَّادِقُونَ والْمُفْلِحُونَ وجعل الفعلين خبرين.
وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء. قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم. وهاهنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان. الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين. والجواب عن الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله:
«علفتها تبنا وماء باردا» أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقرا لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان. والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه. وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً أي حسدا وغيظا مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره. وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة. وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه يحتاج إليه وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة. ومفعول يُؤْثِرُونَ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.
عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم. فقالوا: لا بل نقسهم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.
والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة
стр. 3414
وملكة. قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه. وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف. والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره. قوله وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين. وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين. ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا لهم لا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحدا. ثم شهد إجمالا عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلا لَئِنْ أُخْرِجُوا إلى قوله وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ وهذا على سبيل الفرض لأنه تعالى كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم. وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين. وعلى هذا يكون «ثم» لترتيب الأخبار كقوله ثُمَّ اهْتَدى [طه: ٨٢] ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول. وقوله فِي صُدُورِهِمْ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفا شديدا ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته. وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم. قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفا من العقوبة العاجلة. ومن هذا أخذ عمر فقال: ما يزع السلطان أي يمنع أكثر مما يزع القرآن. وقال الشاعر:
السيف أصدق إنباء من الكتب وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا. ثم شجع المسلمين بقوله لا يُقاتِلُونَكُمْ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ غاية التحصين أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أمورا يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين ذوي تآلف ومحبة وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة وهو فعلى من
стр. 3415
الشت. وإنما قال هاهنا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ وفي الأوّل لا يَفْقَهُونَ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد هاهنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين. ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب. قال جار الله: انتصب قَرِيباً بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريبا. قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين. ثم ضرب مثلا آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشا يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله سبحانه وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ إلى قوله إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [الأنفال: ٤٨] قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار. قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيدا أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد. وسمى القيامة بالغد تقريبا لمجيئها. عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد. وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة. قال أهل المعاني: تنكير نَفْسٌ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير لِغَدٍ للتعظيم والتهويل. قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم. قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية. وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه «هو أبوك» . استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية. والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار. ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان. قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله وَتِلْكَ الْأَمْثالُ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل. وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله كَمَثَلِ الَّذِينَ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة. والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين وهذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال. والسلام إشارة إلى كونه سالما عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة. المؤمن الواهب الأمن والمصدق
стр. 3416
لأنبيائه بالمعجزات. وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الآية: ٤٨] وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء. ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله يُسَبِّحُ لَهُ إلى آخر السورة. فمن عزته كان منزها عن النقائص أهلا للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.
القراآت
يَفْصِلُ ثلاثيا معلوما: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب يفصل بالتشديد: حمزة وعلي وخلف. مثله ولكن مجهولا: ابن ذكوان. الآخرون: ثلاثيا مجهولا في إبراهام كنظائره أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بتشديد التاء: البزي وابن فليح تمسكوا بالتشديد:
أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الوقوف
مِنَ الْحَقِّ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير كَفَرُوا والاستئناف بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ط أَعْلَنْتُمْ ط السَّبِيلِ هـ تَكْفُرُونَ هـ أَوْلادُكُمْ ج لاحتمال تعلق الظرف ب لَنْ تَنْفَعَكُمْ أو يفصل يَوْمَ الْقِيامَةِ ج بناء على المذكور بَيْنَكُمْ ط بَصِيرٌ هـ وَالَّذِينَ مَعَهُ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفا أو أسوة مِنْ دُونِ اللَّهِ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلا في المعنى مِنْ شَيْءٍ ط الْمَصِيرُ هـ لَنا رَبَّنا هـ للإبتداء بأن مع أن التقدير فإنك الْحَكِيمُ هـ الْآخِرَ ط الْحَمِيدُ هـ مَوَدَّةً ط قَدِيرٌ هـ رَحِيمٌ هـ إِلَيْهِمْ ط الْمُقْسِطِينَ هـ تَوَلَّوْهُمْ ج للشرط مع العطف الظَّالِمُونَ هـ فَامْتَحِنُوهُنَّ ط بِإِيمانِهِنَّ ط الْكُفَّارِ ط لَهُنَّ ط ما أَنْفَقُوا ط أُجُورَهُنَّ ط ما أَنْفَقُوا ط حُكْمُ اللَّهِ ط بَيْنَكُمْ ط حَكِيمٌ هـ ز ما أَنْفَقُوا ط مُؤْمِنُونَ هـ لَهُنَّ اللَّهَ ط رَحِيمٌ هـ الْقُبُورِ هـ.
التفسير:
يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل مكة هذه نسخته «من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم» . فخرجت سارة ونزل جبريل ﵇ بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ وعمارا وعمرو فرسانا أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها. فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي ﵁: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ وسل سيفه وقال:
стр. 3419
أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها. فقال رسول الله ﷺ لحاطب:
ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريبا في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.
وتُلْقُونَ مستأنف أو حال من ضمير لا تَتَّخِذُوا أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلا ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام. والباء في بِالْمَوَدَّةِ إما زائدة كما في قوله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [البقرة: ١٩٥] أو للسببية ومفعول تُلْقُونَ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول ﷺ بسبب المودة. وأَنْ تُؤْمِنُوا تعليل ل يُخْرِجُونَ أي يخرجونكم لإيمانكم. وإِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ تأكيد متعلق ب لا تَتَّخِذُوا وجوابه مثله. وانتصب جِهاداً وابْتِغاءَ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي. وقوله تُسِرُّونَ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء. ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.
قال علماء المعاني: إنما عطف قوله وَوَدُّوا وهو ماض لفظا على ما تقدمه وهو مضارع تنبيها على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس: ٣٤] الآية. ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم. ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم ﵇ والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العداوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة. ثم استثنى إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] أما قوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فليس بداخل في
стр. 3420
حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماما لقصة إبراهيم مع أبيه. وقال في الكشاف:
هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا الآية. ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه. ثم أكد أمر الائتساء بقوله لَقَدْ كانَ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله لَكُمْ قوله لِمَنْ كانَ يَرْجُوا وختم الآية بنوع من الوعيد. ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة وَاللَّهُ قَدِيرٌ على تقليب القلوب وتصريف الأحوال وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي. ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ وقوله أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل من الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ وكذا قوله أَنْ تَوَلَّوْهُمْ من الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء. ومعنى تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطا. وعدّي ب «إلى» لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم. وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.
وقيل: هم النساء والصبيان. وعن قتادة: نسختها آية القتال.
قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتابا وختموه. فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافرا المخزومي. وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآية.
فكانت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.
وعن الضحاك: كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها. وللنبي ﷺ من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله ﷺ لقوله تعالى فَامْتَحِنُوهُنَّ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.
وفائدة قوله اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى أزواجهن
стр. 3421
الْكُفَّارِ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن مِثْلَ ما أَنْفَقُوا مثل ما دفعوا إليهن من المهور. ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.
قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق. احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملا وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا من مهور نسائهم المهاجرات. أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف. ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله. قال جار الله: يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكما على المبالغة.
يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله تعالى وَإِنْ فاتَكُمْ
أي سبقكم وانفلت منكم شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه. ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم. ومعنى فَعاقَبْتُمْ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ إلى الكفار مِثْلَ ما أَنْفَقُوا أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر. وقال الزجاج: معنى فَعاقَبْتُمْ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر. قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر. أعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة. وفي قوله وَاتَّقُوا اللَّهَ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.
стр. 3422
ثم نبّه نبيه ﷺ على شرائط المبايعة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد هاهنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين. وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلقة من تلقاء أنفسهنّ. وقيل: قذف المحصنين. قال ابن عباس: في قوله وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ إنما هو شرط شرطه الله تعالى على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ. وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب. وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة يملكها إنما كان كلاما.
وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف. قال رسول الله ﷺ : فيما استطعتن وأطقتن. قلنا الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله. قال:
إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.
يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعا في ثمارهم فنزلت لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً الآية.
وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء. وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.
стр. 3423
(سورة الصف)
(مدنية وقيل مكية كلماتها مائتان وإحدى وعشرون وحروفها تسعمائة وستة وعشرون وآياتها أربع عشرة)
[سورة الصف (٦١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)
القراآت:
زاغُوا بالإمالة مثل زاغَ الْبَصَرُ [النجم: ١٧] بعدي بفتح الياء:
أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب مُتِمُّ نُورِهِ بالإضافة:
ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص. الآخرون: بالتنوين ونصب نُورِهِ تنجيكم بالتشديد: ابن عامر أنصارا بالتنوين لله جارا ومجرورا: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والباقون: بالإضافة أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ بالفتح كما مر في «آل عمران» .
стр. 3424
الوقوف:
وَما فِي الْأَرْضِ ط الْحَكِيمُ هـ ج تَفْعَلُونَ هـ تَفْعَلُونَ هـ مَرْصُوصٌ ط إِلَيْكُمْ ط قُلُوبَهُمْ ط الْفاسِقِينَ هـ أَحْمَدُ ط مُبِينٌ هـ الْإِسْلامِ ط الظَّالِمِينَ هـ الْكافِرُونَ هـ الْمُشْرِكُونَ هـ أَلِيمٍ هـ ز وَأَنْفُسِكُمْ ط تَعْلَمُونَ هـ لا لأن قوله يَغْفِرْ لَكُمْ جواب تُؤْمِنُونَ على أنه خبر في معنى الأمر عَدْنٍ ط الْعَظِيمُ هـ ج للعطف تُحِبُّونَها ط لحق الحذف أي هي نصر قَرِيبٌ هـ لانقطاع النظم واختلاف المعنى الْمُؤْمِنِينَ هـ إِلَى اللَّهِ ط وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ هـ لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ظاهِرِينَ هـ.
التفسير:
يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم.
وروي أن الله تعالى حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا.
وقيل كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله تعالى لِمَ تَقُولُونَ واللام الجارة إذا دخلت على «ما» الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال. وقد عرفت مرارا أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد. وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم. ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال كَبُرَ الآية. وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى أَنْ تَقُولُوا ونصب مَقْتاً على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه عِنْدَ اللَّهِ لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب. ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلا ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب. وانتصب صَفًّا على المصدر بمعنى الحال. وقوله كَأَنَّهُمْ مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل بُنْيانٌ رص بعضه على بعض أي رص صف. وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات.
وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلا بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى ﵇ مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل. وتفسير الإيذاء مذكور في آخر «الأحزاب» وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة وَقَدْ تَعْلَمُونَ في موضع الحال.
وفائدة «قد» تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله ﷺ إيذاءه. والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا
стр. 3425
لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية. قال بعض العلماء: إنما قال عيسى يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم. قلت: ممنوع لقوله تعالى في «الأنعام» وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ إلى قوله وَعِيسى [الآية: ٤٨] قال النحويون: قوله مُصَدِّقاً ومُبَشِّراً حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون إِلَيْكُمْ عاملا لأنه ظرف لغو. عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. قوله وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ نظير ما مر من قوله وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر، لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر «العنكبوت» . ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في «لا أبالك» لتأكيد معنى الإضافة. وباقي الآيتين سبق تفسيره في «براءة» .
وإنما قال هاهنا وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله وَيَأْبَى على قوله يُرِيدُونَ.
ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى إلى قوله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ [التوبة: ١١١] قال أهل المعاني:
فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟ وعن الفراء أن قوله يَغْفِرْ لَكُمْ جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ذلِكُمْ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض. وقوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيرا. ثم قال وَلكم مع هذه النعم الآجلة نعمة أُخْرى عاجلة تُحِبُّونَها وهي فتح مكة كما قال وأثابكم فتحا قريبا [الفتح: ١٨] وعن الحسن: هو فتح فارس والروم.
قال في الكشاف: في قوله تُحِبُّونَها شيء من التوبيخ على محبة العاجلة. وعندي أنه سبحانه رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على
стр. 3426
الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين. وقال في قوله وَبَشِّرِ إنه معطوف على تُؤْمِنُونَ لأنه بمعنى الأمر. والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على «قل» مقدرا قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل. قوله هَلْ أَدُلُّكُمْ فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله سبحانه على ما لا يخفى. قوله كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ أي أعوان دينه كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في «آل عمران» مَنْ أَنْصارِي متوجها إِلَى نصرة دين اللَّهِ قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ وارد بطريق الاستئناف كأن سائلا سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟ فأجيب بما أجيب. وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله مَنْ أَنْصارِي على أن «ما» مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعا كقولك «جئتك قدوم الحاج» و «خفوق النجم» أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلى العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسرارا أخر لم نطلع عليها. ومعنى ظاهِرِينَ غالبين. عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.
التفسير:
في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى. وقد مر سائر الوجوه في «الأعراف» في قوله النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [الآية: ١٥٧] وباقي الآية مذكور في «البقرة» و «آل عمران» . والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة. ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد ﷺ مع أنهم حاملو التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب. ومعنى حُمِّلُوا كلفوا العمل بما فيها. ومحل يَحْمِلُ جر صفة للحمار كما في قوله «على اللئيم يسبني» وهذا مثل كل من علم علما يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به. ثم قبح مثلهم بقوله بِئْسَ مثلا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقا فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول «البقرة» إلا أنه قال هاهنا وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن «لن» أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة. ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة. قال أهل النظم:
قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفارا، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة. قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة. قلت: ومما يدل على أن أصلها السكون جمعها على جمع كقدرة وقدر. وفي الكشاف أن مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان «إذا» وتفسير له. وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام. لإبهامه لا يصير بيانا ظاهرا فالأولى أن تكون «من» للتبعيض. والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذنا آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة. وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله ﷺ لجمعة اجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة. وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، وأنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي ﷺ وأول جمعة جمعها رسول
стр. 3429
الله ﷺ أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة. وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما
ورد في الصحاح عن أبي هريرة «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول» «١»
و «مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنة تمّ كالذي يهدي بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» «٢»
وعنه ﷺ «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر»
وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام. وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق. وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلّا بأربعين متوطنين. وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.
ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب. وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال العلماء:
وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه. قوله إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه. ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكرا مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز. وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.
وعن جابر كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له،
إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعنه أن النبي ﷺ كان صلاته قصدا وخطبته قصدا.
وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة» «٣»
وإن من البيان لسحرا. قوله وَذَرُوا الْبَيْعَ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله. وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون
стр. 3430
من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء. ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء. وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟ نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع. وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي. قوله فَانْتَشِرُوا وابتغوا إباحة بعد حظر. وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالا للآية. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله. وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم. وقيل:
صلاة التطوع. وفي قوله وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧]
عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي ﷺ إذا قيل: عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
أي تفرقوا إليها وَتَرَكُوكَ قائِماً في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
يروى أنه صلى الله عليه وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا.
ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو سبحانه وقد مر مرارا.
فَاحْذَرْهُمْ ط قاتَلَهُمُ اللَّهُ ط ز لابتداء الاستفهام مع اتصال المعنى يُؤْفَكُونَ هـ مُسْتَكْبِرُونَ هـ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ط لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ط الْفاسِقِينَ هـ يَنْفَضُّوا ط لا يَفْقَهُونَ هـ الْأَذَلَّ ط لا يَعْلَمُونَ هـ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ط للشرط مع الواو الْخاسِرُونَ هـ قَرِيبٍ ج هـ لتعلق الجواب الصَّالِحِينَ هـ ز أَجَلُها ط تَعْمَلُونَ هـ.
التفسير:
قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبيء عنه «إن واللام» وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله تعالى لأجل علمه بعدم المواطأة. أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقا أو كذبا إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقا إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده. وفائدة إقحام قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذب. ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في «المجادلة» . وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة هاهنا إشارة إلى قولهم نَشْهَدُ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.
ذلِكَ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون بسبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا باللسان ثُمَّ كَفَرُوا بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلا جسيما فصيحا وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون، فيه وكان النبي ﷺ والحاضرون يعجبون بهيا كلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت وَإِذا رَأَيْتَهُمْ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب. ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط. ويجوز أن تكون الخشب أصناما منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب
стр. 3433
المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارغة المتروكة فلا نفع فيها. قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على «هم كأنهم خشب» أو هو كلام مستأنف فلا محل له. قوله عَلَيْهِمْ ثاني مفعولي يَحْسَبُونَ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ثم أخبر عنهم بأنهم هُمُ الْعَدُوُّ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جارا مكاشرا وتحت ضلوعه داء لا دواء له.
ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم «فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية» وذلك أن هذه من آيات النفاق فَاحْذَرْهُمْ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون هُمُ الْعَدُوُّ المفعول الثاني وعَلَيْهِمْ لغو. وإنما لم يقل «هي العدو» نظرا إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر. ويجوز أن يكون تعليما للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.
يروى أن رسول الله ﷺ لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شابا حليفا لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبد الله فقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل «سمن كلبك يأكلك» ، أما والله لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي ﷺ ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا تفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل. فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله ﷺ فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصاريا فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه. ولما أنزل الله تعالى تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات
وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة «براءة» بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولا وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأسا كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم. أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين
стр. 3434
إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغا لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها. وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.
وعن الحسن بن علي ﵁ أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.
وحينئذ عير المنافقين بما عير. وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء من المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.
وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله ﷺ . وعن الحسن: جميع الفرائض. وقيل:
القرآن. وقيل: الصلوات الخمس. يَفْعَلْ ذلِكَ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين. ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد. وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن. وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.