فَاحْذَرْهُمْ ط قاتَلَهُمُ اللَّهُ ط ز لابتداء الاستفهام مع اتصال المعنى يُؤْفَكُونَ هـ مُسْتَكْبِرُونَ هـ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ط لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ط الْفاسِقِينَ هـ يَنْفَضُّوا ط لا يَفْقَهُونَ هـ الْأَذَلَّ ط لا يَعْلَمُونَ هـ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ط للشرط مع الواو الْخاسِرُونَ هـ قَرِيبٍ ج هـ لتعلق الجواب الصَّالِحِينَ هـ ز أَجَلُها ط تَعْمَلُونَ هـ.
التفسير:
قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبيء عنه «إن واللام» وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله تعالى لأجل علمه بعدم المواطأة. أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقا أو كذبا إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقا إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده. وفائدة إقحام قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذب. ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في «المجادلة» . وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة هاهنا إشارة إلى قولهم نَشْهَدُ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.
ذلِكَ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون بسبب بِأَنَّهُمْ آمَنُوا باللسان ثُمَّ كَفَرُوا بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلا جسيما فصيحا وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون، فيه وكان النبي ﷺ والحاضرون يعجبون بهيا كلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت وَإِذا رَأَيْتَهُمْ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب. ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط. ويجوز أن تكون الخشب أصناما منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب
стр. 3433
المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارغة المتروكة فلا نفع فيها. قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على «هم كأنهم خشب» أو هو كلام مستأنف فلا محل له. قوله عَلَيْهِمْ ثاني مفعولي يَحْسَبُونَ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ثم أخبر عنهم بأنهم هُمُ الْعَدُوُّ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جارا مكاشرا وتحت ضلوعه داء لا دواء له.
ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم «فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية» وذلك أن هذه من آيات النفاق فَاحْذَرْهُمْ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون هُمُ الْعَدُوُّ المفعول الثاني وعَلَيْهِمْ لغو. وإنما لم يقل «هي العدو» نظرا إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر. ويجوز أن يكون تعليما للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.
يروى أن رسول الله ﷺ لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شابا حليفا لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبد الله فقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل «سمن كلبك يأكلك» ، أما والله لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي ﷺ ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا تفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل. فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله ﷺ فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصاريا فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه. ولما أنزل الله تعالى تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات
وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة «براءة» بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولا وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأسا كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم. أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين
стр. 3434
إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغا لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها. وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.
وعن الحسن بن علي ﵁ أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.
وحينئذ عير المنافقين بما عير. وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء من المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.
وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله ﷺ . وعن الحسن: جميع الفرائض. وقيل:
القرآن. وقيل: الصلوات الخمس. يَفْعَلْ ذلِكَ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين. ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد. وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن. وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.
الوقوف:
وَما فِي الْأَرْضِ ط لاختلاف الجملتين وَلَهُ الْحَمْدُ ط لنوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل قَدِيرٌ هـ مُؤْمِنٌ ط بَصِيرٌ هـ صَوَّرَكُمْ ج لعطف المختلفين الْمَصِيرُ هـ تُعْلِنُونَ هـ الصُّدُورِ هـ مِنْ قَبْلُ ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء أَلِيمٌ هـ يَهْدُونَنا هـ لاعتراض الاستفهام بين المتفقين اللَّهُ ط حَمِيدٌ هـ يُبْعَثُوا ط عَمِلْتُمْ هـ يَسِيرٌ هـ أَنْزَلْنا ط خَبِيرٌ هـ التَّغابُنِ ط أَبَداً ط الْعَظِيمُ هـ فِيها ط الْمَصِيرُ هـ بِإِذْنِ اللَّهِ ط قَلْبَهُ ط عَلِيمٌ هـ الرَّسُولَ ج ط الْمُبِينُ هـ إِلَّا هُوَ ط الْمُؤْمِنُونَ هـ فَاحْذَرُوهُمْ ج رَحِيمٌ هـ تْنَةٌ
طظِيمٌ
هـ لِأَنْفُسِكُمْ ط الْمُفْلِحُونَ هـ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط حَلِيمٌ هـ لا الْحَكِيمُ هـ.
التفسير:
قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له. قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في «الفاتحة» هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ذا فطرة سليمة. وقوله فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ بحسب الأسباب الخارجية
كقوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه» «١»
والكل على وفق المشيئة. قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر. والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن. وقوله فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ كقوله في أَحْسَنِ [التين: ٤] وسيجيء في «التين» إن شاء الله العزيز. وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله تعالى خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان. وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولا ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال أَلَمْ يَأْتِكُمْ الآية ذلِكَ الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي بِأَنَّهُ أي بأن الشان كانَتْ أي كانت القضية وقد مر نظيره في «حم المؤمن» . أَبَشَرٌ فاعل فعل محذوف تفسيره يَهْدُونَنا وجمع الضمير لأن
стр. 3437
البشر اسم جمع إِنَّما أَنَا بَشَرٌ [الكهف: ١١٠] إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ [إبراهيم: ١١] قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معا ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنيا. قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنيا قديما أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل. قوله زَعَمَ من أفعال القلوب وفيه تفريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما
روي عن النبي ﷺ أنه قال «زعموا مطية الكذاب»
وأَنْ لَنْ يُبْعَثُوا في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين. قال جار الله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ منصوب بقوله لَتُنَبَّؤُنَّ أو ب خَبِيرٌ لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: والله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار «اذكر» . قلت:
يجوز أن يكون يَوْمَ مبنيا على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ.
سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله لِيَوْمِ الْجَمْعِ الجواب إن كان الخطاب في يَجْمَعُكُمْ لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩] وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف ٤٧] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله تعالى أعلم بمراده. قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغببن بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء. قلت: في تسمية القسم الأخير تغابنا نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه. واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل فَبَشِّرْهُمْ [آل عمران: ٢١]
وروي عن رسول الله ﷺ «ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة» .
ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئا من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله. قوله وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
стр. 3438
كقوله وَزِدْناهُمْ هُدىً [الكهف: ١٣] والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان. وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح. وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم درجات القلوب من الإيمان. ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إليهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله سبحانه أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان. ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب وَإِنْ تَعْفُوا عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم.
وروى أن ناسا أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت.
عن النبي ﷺ أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال: صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال بعض أهل التفسير:
أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما. وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة. «وما» للمدة أو للمصدر وقوله خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر «النساء» في قوله انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ [الآية: ١٧١] وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئا يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالا عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.
بكسر الواو: روح. ندخله بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الوقوف
الْعِدَّةَ ج تعظيما لأمر الاتقاء رَبَّكُمْ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف مُبَيِّنَةٍ ج وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ط نَفْسَهُ ط أَمْراً هـ لِلَّهِ ط الْآخِرِ ط مَخْرَجاً لا لا يَحْتَسِبُ ط حَسْبُهُ ط أَمْرِهِ ط قَدْراً هـ أَشْهُرٍ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كذلك لَمْ يَحِضْنَ ط حَمْلَهُنَّ ط يُسْراً هـ ط إِلَيْكُمْ ط أَجْراً هـ عَلَيْهِنَّ ط حَمْلَهُنَّ ط أُجُورَهُنَّ ك بِمَعْرُوفٍ ك أُخْرى هـ ط مِنْ سَعَتِهِ ط آتاهُ اللَّهُ ط يُسْراً هـ نُكْراً هـ خُسْراً هـ الْأَلْبابِ هـ ز والوصل هاهنا والوقف على آمَنُوا أجوز من العكس ذِكْراً هـ لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء إِلَى النُّورِ ط أَبَداً ط رِزْقاً هـ مِثْلَهُنَّ ط عِلْماً هـ.
التفسير:
لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيرا ما تقضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين. وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد هاهنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه ﷺ وحده ثم قال إِذا طَلَّقْتُمُ على الجمع؟
والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارا لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب. وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضا. وقيل:
أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة. وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين. ومعنى إِذا طَلَّقْتُمُ إذا أردتم تطليقهن كقوله فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] واللام في قوله لِعِدَّتِهِنَّ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه. وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك «أتيته لليلة بقيت من شهر كذا» أي مستقبلا لها. قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها. فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ عن ذلك فقال: مره ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء. فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص. وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر
كقوله ﷺ في قصة ابن عمر «ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها»
ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.
стр. 3441
هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت. أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقا في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالا، ويطلق لكل قرء تطليقة.
وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة. وقد يستدل بما
روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثا. ولم ينكر عليه النبي ﷺ .
وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثا يقع واحدة. ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثما وعاصيا وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.
وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك.
قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩] ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبذل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة. قال جار الله:
اللام في قوله النِّساءَ للجنس وقد علم بقوله فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص. قلت: ما ضره لو جعله عاما لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.
قوله وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضبا عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ. وقوله إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ استثناء من الجملة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ إلا أن يفحشن عليكم وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية. قوله لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.
والخطاب في لا تَدْرِي للنبي ﷺ على نسق أول السورة أو لكل مكلف فَإِذا بَلَغْنَ
стр. 3442
أَجَلَهُنَ
أي شارفن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في «البقرة» وَأَشْهِدُوا على الرجعة أو الفرقة وذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.
وعن قتادة: من أحراركم. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.
ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ذلِكُمْ الحث على أداء الشهادة لله يُوعَظُ بِهِ مَنْ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقا لما مر في «البقرة» إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وهاهنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج وَيَرْزُقْهُ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.
عن النبي ﷺ «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم»
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فما زال يقرؤها ويعيدها.
وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما، فأتى رسول الله ﷺ فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة. فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله. ففعل، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.
قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة. ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه سبحانه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعا من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيرا ممن طلقها. الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حيا. الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء. ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.
الثانية إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب. الثالثة قَدْ جَعَلَ اللَّهُ
стр. 3443
لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
أي وقتا ومقدارا. وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادرا على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حدا ومقدارا لم يبق إلا التسليم والتفويض. قال جار الله: قال المفسرون: إن ناسا قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت وَاللَّائِي يَئِسْنَ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن. قلت: في صحة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في «البقرة» ، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية. نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.
والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى. وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين. والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النطر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه. قوله وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أي النساء الحوامل أَجَلُهُنَّ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإنما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه. فلو كانت حاملا بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.
وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر،
ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حيا أو ميتا أو سقطا أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ. وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه. والوجد الوسع والطاقة. قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه. قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة. وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.
وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله ﷺ : لا سكنى لك ولا نفقة.
وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها
سمعت النبي ﷺ يقول لها السكنى والنفقة
وَلا تُضآرُّوهُنَّ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق عليها أمرها وقد يلجئها إلى
стр. 3444
أن تفتدي منه. قوله وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة. هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.
وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.
ثم بين أمر الطفل قائلا فَإِنْ أَرْضَعْنَ أي هؤلاء المطلقات لَكُمْ أي لأجلكم ولدا منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية. وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة. وجوز الشافعي مطلقا كلما صار. ثم خاطب الآباء والأمهات جميعا بقوله وَأْتَمِرُوا قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضا بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معا وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أمر مؤنة الإرضاع فَسَتُرْضِعُ أي الطفل لَهُ أي للأب مرضعة أُخْرى وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاض. يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم. ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في «البقرة» على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم. ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة. والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.
يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلا، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها. ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل وَسِيقَ [الزمر: ٧٢] وَنادى [الأعراف: ٣٨] وعلى هذا يكون قوله أَعَدَّ اللَّهُ تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله يا أُولِي الْأَلْبابِ وجوز جار الله أن يكون عَتَتْ وما عطف عليه صفة للقرية وأَعَدَّ اللَّهُ عاملا في كَأَيِّنْ. قوله رَسُولًا قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ذِكْراً لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر أي ملكا مذكورا في السموات وفي الأمم كلها،
стр. 3445
أو دل قوله قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا أو أعمل ذِكْراً في رَسُولًا إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. قلت:
لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد ﷺ . ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله لِيُخْرِجَ والمعنى ليخرج الله أو الرسول الَّذِينَ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجلي به ظلم الشكوك والحسبان. قوله قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم. ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مرارا إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله مِثْلَهُنَّ أي في الخلق لا في العدد. وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها. وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهن بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم. وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاور المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء. وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نورا يستضيئون به. وذكر النقاش في تفسيره فصلا في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعدم الوثوق بمثل تلك الروايات. ومعنى يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب تعالى وتقدس.
يبدله بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو نصوحا بضم النون: يحيى وحماد وكتبه على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الوقوف
لَكَ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضا غير جائز أَزْواجِكَ ط رَحِيمٌ هـ أَيْمانِكُمْ ج لعطف الجملتين المختلفتين مَوْلاكُمْ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين الْحَكِيمُ هـ حَدِيثاً ج عَنْ بَعْضٍ ج هذا ط الْخَبِيرُ هـ قُلُوبُكُما ج الْمُؤْمِنِينَ هـ لتناهي الشرط إلى الإخبار ظَهِيرٌ هـ وَأَبْكاراً هـ ما يُؤْمَرُونَ هـ الْيَوْمَ ط تَعْمَلُونَ هـ نَصُوحاً ط الْأَنْهارُ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله وَيُدْخِلَكُمْ وج لاحتمال أن يَوْمَ متعلق بقوله يَسْعى بعد وَاغْفِرْ لَنا ج للابتداء بأن مع احتمال اللام قَدِيرٌ هـ عَلَيْهِمْ هـ جَهَنَّمُ ط الْمَصِيرُ هـ لُوطٍ ط لابتداء الحكاية الدَّاخِلِينَ هـ فِرْعَوْنَ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق ب ضَرَبَ بل التقدير «اذكروا» الظَّالِمِينَ هـ لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون الْقانِتِينَ هـ.
التفسير:
كان النبي ﷺ يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير. والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل يؤكل وله ريح كريهة. وكان النبي ﷺ يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل. الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين. وهاهنا روايتان: الأولى
أنه ﷺ خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها:
اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.
الثانية
أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك. فنزل جبريل ﷺ وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.
قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله ﷺ تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يمينا كقوله «والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم» فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك وَاللَّهُ غَفُورٌ لك رَحِيمٌ بك والدليل عليه ظاهر. قوله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ بمعنى التحليل كالتكرمة أَيْمانِكُمْ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.
وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث. والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة
стр. 3448
بمعنى التكريم. عن الحسن أنه ﷺ لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية. وما حكم تحريم الحلال؟ قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاما فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئا فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.
وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين. وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق. وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.
وعن علي ﵁: ثلاث.
وعن عثمان: ظهار. وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم الْحَكِيمُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه وَاذكر إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه وهي حفصة حَدِيثاً هو حديث مارية وإمامة الشيخين فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ حفصة عائشة وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور عَرَّفَ بَعْضَهُ أعلم ببعض الحديث. ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء «لأعرفنّ لك ذلك» وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية. وإنما أعرض عن البعض تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.
وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أبي. وإنما ترك المفعول ولم يقل «فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به، وأن رسول الله ﷺ بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.
ولما كان المقصود في قوله مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعا.
ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلا إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله ﷺ من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما. ووجه الجمع ما مر في قوله فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] وَإِنْ تَظاهَرا أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله مَوْلاهُ أي ناصره وَجِبْرِيلُ خاصة من بين الملائكة وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحا.
وجوز أن يكون جمعا وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ. عن سعيد ابن جبير:
стр. 3449
هو كل من برىء من النفاق. وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء. وَالْمَلائِكَةُ على كثرة جموعهم بَعْدَ ذلِكَ الذي عرف من نصرة المذكورين ظَهِيرٌ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما. ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.
ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ الآية. والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة. قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه. وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيرا منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن. وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله وَأَبْكاراً يقال لها «واو الثمانية» إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين. ثم عمم التحذير فقال قُوا أَنْفُسَكُمْ وهو أمر من الوقاية
في الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة»
وتفسير قوله وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قد مر في أول «البقرة» . وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها. وجوز أن يكون أمرا بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم عَلَيْها مَلائِكَةٌ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله. وقوله ما أَمَرَهُمْ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.
ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمنا قائلا وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ويجوز أن يكون الأوّل عائدا إلى الماضي والثاني إلى المستقبل. ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله لا تَعْتَذِرُوا لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولا لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم. ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق. وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك. وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع. وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها. وعَسى من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا. قوله لا يُخْزِي تعريض لمن أخزاهم من أهل النار رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: ١٩٢] كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل
стр. 3450
حالهم. قوله نُورُهُمْ يَسْعى قد مرّ في الحديد قوله يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفا من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله سبحانه على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ. ثم أمر نبيه ﷺ بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في «التوبة» .
ثم ضرب مثلا لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط. واسمها قيل واهلة ومثلا لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران. وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئا، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.
وفي قوله عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائنا من كان. وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين. فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى ﵇ وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها. قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها. وقيل: لما قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ بنى من درّة. ومعنى عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة. وقولها مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ كقولك «أعجبني زيد وكرمه» وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين. والضمير في فِيهِ للفرج.
وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في «الأنبياء» . وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل. وقرىء بكلمة الله أي بعيسى وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ من باب التغليب كما مرّ في قوله وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] وقيل: «من» للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هرون ﵇.
تم الجزء الثامن والعشرون ويليه الجزء التاسع والعشرون وأوله تفسير سورة الملك
القراآت
من تفوّت من التفعل: حمزة وعلي هَلْ تَرى بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام وَلَقَدْ زَيَّنَّا مثل لَقَدْ سَمِعَ: ابن فليح فَسُحْقاً بالضم: يزيد وعلي الآخرون: بالسكون أَأَمِنْتُمْ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون أَأَمِنْتُمْ بتوسيط ألف بين الهمزتين نذيري ونكيري كنظائرهما. سيئت مثل ضربت: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس. يدعون بسكون الدال: يعقوب.
أهلكني الله بسكون الياء: حمزة مَعِيَ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد فسيعلمون على الغيبة: علي.
الوقوف
الْمُلْكُ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقديم الظرف في الأولى قَدِيرٌ هـ لا لأن الَّذِي بدل عَمَلًا هـ الْغَفُورُ هـ لا لأن ما بعده صفة أو بدل طِباقاً ط تَفاوُتٍ ط الْبَصَرَ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر فُطُورٍ هـ حَسِيرٌ هـ السَّعِيرِ هـ جَهَنَّمَ ط الْمَصِيرُ هـ تَفُورُ هـ لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل الْغَيْظِ ط نَذِيرٌ هـ مِنْ شَيْءٍ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة كَبِيرٍ هـ السَّعِيرِ هـ بِذَنْبِهِمْ ج لابتداء الشتم مع الفاء كَبِيرٌ هـ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ هـ ط الصُّدُورِ هـ خَلَقَ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالا. الْخَبِيرُ هـ مِنْ رِزْقِهِ ط النُّشُورُ هـ هِيَ تَمُورُ هـ لا لأن أم معادل أَمْ أَمِنْتُمْ حاصِباً ط لابتداء التهديد نَذِيرِ هـ نَكِيرِ هـ ويَقْبِضْنَ م الرَّحْمنُ ط بَصِيرٌ هـ الرَّحْمنِ ط غُرُورٍ هـ رِزْقَهُ ط وَنُفُورٍ هـ مُسْتَقِيمٍ هـ وَالْأَفْئِدَةَ ط تَشْكُرُونَ هـ تُحْشَرُونَ هـ صادِقِينَ هـ عِنْدَ اللَّهِ ط ص مُبِينٌ هـ تَدَّعُونَ هـ رَحِمَنا لا لأن ما بعده جواب الشرط أَلِيمٍ هـ تَوَكَّلْنا ج ومن قرأ فسيعلمون بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول مُبِينٍ هـ مَعِينٍ هـ.
التفسير:
كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره الْمُلْكُ الحقيقي وَهُوَ عَلى إيجاد كُلِّ ممكن وإعدامه قَدِيرٌ بيانه أنه خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك. فالموت نظير الإعدام والحياة مثال الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
стр. 3453
وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا يكون جوهرا. أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى. قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم. زعم الكلبي أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد. وقالت الأشاعرة: إنه قادر على القبيلين وإلا لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، وبكون العبد موجد الأفعال نفسه. ومعنى الغاية في قوله لِيَبْلُوَكُمْ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعيا إلى حسن العمل وزاجرا عن ضده. وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة موتا ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة.
عن النبي ﷺ أنه تلاها فلما بلغ قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله.
وعنه ﷺ أنه قال لقومه «لو أكثرتم ذكرها ذم اللذات لشغلكم عما أرى» «١»
والابتلاء مجاز كما مر في قوله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ وفي الكهف قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مفعول ثان لِيَبْلُوَكُمْ على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعا نحو «علمت أزيد منطلق» نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي ذات طباق أو طوبقت طباقا أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا طار طارقها.
ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أو تفوّت قال
стр. 3454
الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل راء. والأصل ما ترى فيهن فعدل إلى العبارة الموجودة تعظيما لخلقهن وتنبيها على أنه سبب تناسبهن كقوله «خلق الرحمن» . فلو علم للمكلفين أنفع من هذا الخلق لفعل. وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي صدوع وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول «ق» وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: ٤] وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى خاسِئاً بعيدا عن إصابة الملمس، قوله وَلَقَدْ زَيَّنَّا قد مر تفسيره في «حم السجدة» . والرجوم جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به. وقيل: معناه جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم. وحين بين أنه أعد لهؤلاء عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا الآية. ثم وصف جهنم بصفات منها أن لَها شَهِيقاً تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بصوت الحمار. ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو من أنفسهم ومنها الفوران. قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل. ويجوز أن يكون من فور الغضب يؤيده قوله تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يقال فلان يتميز غيظا وغضبا فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم حجما ومقدارا فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله كُلَّما أُلْقِيَ الآية. على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود الشرع. احتجوا بأنه تعالى ما عذبهم إلا بعد مجيء النذير. ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الإنذار سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه تعالى جعل مناط الفوز السمع ولم يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم. احتج بأنه قدم السمع على العقل تنبيها على أنه لا بد أولا من إرشاد
стр. 3455
المرشد وهداية الهادي. وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع قول الرسول ثم يتفكر فيه. قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة. قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن، وأيضا لا يلزم من كونهما ناجمين كون غيرهما من أهل الوعيد. وأيضا على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل النجاة قطعا فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلا عن حادي عشر فيكون دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب. والفاء في قوله فَاعْتَرَفُوا للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا بِذَنْبِهِمْ قال مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل.
قال الفراء: الذنب هاهنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم. ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلا فيه فَسُحْقاً أي فبعدا لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا. والتخفيف والتثقيل لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقا. وقال أبو علي: إسحاقا إلا أن المصدر جاء على الحذف كقولهم «عمرك الله» ثم أتبعهم الوعيد الوعد قائلا إِنَّ الَّذِينَ الآية. وقد مر مرارا. ثم هدد على العموم فقال وَأَسِرُّوا وهو من التسرية وعلل ذلك بقوله إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله الآية بيانا لجهلهم. ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلا أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ومحل «من» رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته وسائر أحواله لئلا يقع الترجيح من غير مرجح، وهذه مقدمة جلية أو نصب أي ألا يعلم الله من خلقه، وجوز أن يكون «من» بمعنى «ما» ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وقد يستدل بالوجهين الأولين أيضا على ذلك لأن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بتفاصيلها بناء على الآية. ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل فعل من أفعاله. وأنكر في الكشاف أن يكون قوله أَلا يَعْلَمُ متروك المفعول على تقادير كون «من» مرفوع المحل نحو «فلان يعطي» قال: لأن قوله وَهُوَ اللَّطِيفُ
стр. 3456
الْخَبِيرُ
حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله وَهُوَ اللَّطِيفُ حال فممنوع ولم لا يجوز أن يكون مستأنفا، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله أَلا يَعْلَمُ متروك المفعول على تقدير كون «من» مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور. وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة. قوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قال أهل النظم: وجه التعلق أنه قال: أيها الكافرون أنا عالم بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المنقاد الذي يذل لك، ومن ذلها أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء عند المركز. قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا كان هذا الموضع ذلولا فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة فغيرها أولى. قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل جانباه فيكون كقوله وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً [نوح: ١٩، ٢٠] وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة. ثم قال وَإِلَيْهِ النُّشُورُ يعني ينبغي أن يكون مشيكم في الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، والمراد التحذير من المعاصي سرا وجهرا. ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، واستدلال المشبهة بقوله مَنْ فِي السَّماءِ ظاهر. وأهل السنة يتأولونه بوجوه منها: قول أبي مسلم أن العرب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم أَأَمِنْتُمْ مَنْ تزعمون أنه فِي السَّماءِ ومنها قول جمع من المفسرين أأمنتم من في السماء ملكوته أو
سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء. ومنها قول آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في اضطراب وقد مر في «الطور» .
والحاصب ريح فيها حصباء وقد مر أيضا. ثم هدد وأوعد قائلا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ قال
стр. 3457
عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمدا ﷺ والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: بمعنى الإنذار أي عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة. قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر. وقال الواحدي:
أراد إنكاري وتغييري. ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أي باسطات أجنحتهن لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا. قال أهل المعاني: وإنما قيل وَيَقْبِضْنَ دون «قابضات» على نحو «صافات» لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارئ على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح. وإنما قال في «النحل» ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [الآية: ٧٩] وفي هذه السورة ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ لأن التسخير في جو السماء محض الإلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن. إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب. قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة من جهة الإخوان والأعوان. والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله الأول بقوله أَمَّنْ هذَا الَّذِي يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ هو يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إن أرسل عذابه عليكم إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم. وأبطل الثاني بقوله أَمَّنْ هذَا الَّذِي يشار إليه هذا الذي يَرْزُقُكُمْ بزعمكم إِنْ أَمْسَكَ الله رِزْقَهُ بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وتباعد عن الحق وَنُفُورٍ عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني إشارة إلى فساد القوة النظرية. ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلا أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا قال الواحدي «أكب» مطاوع «كب» . وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن مطاوع «كب» هو «انكب» ومثله «قشعت الريح السحاب فانقشع» وأما الهمزة في «أكب» و «أقشع» فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو العالم والجاهل. وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة على وجهه،
стр. 3458
والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة. ومنهم من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي ﷺ وقال عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب. وعن عكرمة: أبو جهل وعمار بن ياسر. والأصح التعميم وإن كان السبب خاصا. البرهان الثاني ابتداء خلق الإنسان وتبيين جوارحه. وفي قوله قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ إشارة إلى أنه أعطاهم هذه القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله. البرهان الثالث ذرء الناس ونشرهم فِي الْأَرْضِ ثم أشار إلى المعاد بقوله وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة «المؤمنين» . وحين أمر نبيه ﷺ أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم طالبوه بتعيين الوقت. قال أبو مسلم:
المراد كانوا يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يعني العذاب النازل بعاد وثمود وغيرهما لقوله بعد ذلك فَلَمَّا رَأَوْهُ ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد بالقيامة كان قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ من قبيل وَسِيقَ [الزمر: ٧٢] وأجابهم الله بقوله قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ العلم بوقوعه حاصل عندي وكان كافيا الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حاجة في النذارة إلى ذلك. والضمير في رَأَوْهُ للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة القرب. قال الحسن: أراد عيانا لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة. وقال في الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة. قوله سِيئَتْ قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى القتل. وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازما ومتعديا بمعنى القبح أو التقبيح. قوله وَقِيلَ هذَا الَّذِي الأكثرون على أن القائلين هم الزبانية. وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض.
وتَدَّعُونَ تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ بالتخفيف.
وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه مدعين. وقيل:
استفهام على سبيل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه تدعون عدمه. يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول ﷺ وعلى المؤمنين. بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب الأول. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ كما تتمنون فننقلب إلى الجنة أَوْ رَحِمَنا بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ النار فنحن متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟ وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟ وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص للكافرين؟ وإن رحمنا
стр. 3459
لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟ النوع الثاني في الجواب قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ ولم نكفر كما كفرتم وَعَلَيْهِ خاصة تَوَكَّلْنا لا على غيره، وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟ ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي غائرا مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة.
عن الكلبي: لا تناله الدلاء. والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا الخلاف في اشتقاقه في «الصافات» . يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز. قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر.
القراآت:
ن وَالْقَلَمِ مظهرا: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف. ووجه الإخفاء نية الوصل أإن كان بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد آن كان بقلب الثانية ألفا، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة يبدلنا بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو لَما تَخَيَّرُونَ
بتشديد التاء: البزي وابن فليح ليزلقونك بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.
الوقوف:
يَسْطُرُونَ هـ ط لأن ما بعده جواب القسم ل بِمَجْنُونٍ هـ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفا وعطفا على جواب القسم مَمْنُونٍ هـ ج لذلك عَظِيمٍ هـ وَيُبْصِرُونَ ج لأن ما بعده مفعول الْمَفْتُونُ هـ سَبِيلِهِ ط لاتفاق الجملتين بِالْمُهْتَدِينَ هـ الْمُكَذِّبِينَ هـ فَيُدْهِنُونَ هـ مَهِينٍ هـ لا بِنَمِيمٍ هـ لا أَثِيمٍ هـ لا زَنِيمٍ هـ ط لمن قرأ أَنْ كانَ مستفهما وَبَنِينَ هـ ومن قرأ مقصورا يقف على البنين دون زَنِيمٍ الْأَوَّلِينَ هـ الْخُرْطُومِ هـ الْجَنَّةِ ط لاحتمال أن يكون «إذ» ظرفا ليكون وأن يكون مفعول «أذكر» محذوفا مُصْبِحِينَ هـ لا لتعلق أن المفسرة صارِمِينَ هـ يَتَخافَتُونَ هـ لا مِسْكِينٌ هـ قادِرِينَ هـ لَضَالُّونَ هـ لا لعطف «بل» واتحاد المفعول مَحْرُومُونَ هـ تُسَبِّحُونَ هـ ظالِمِينَ هـ يَتَلاوَمُونَ هـ طاغِينَ هـ راغِبُونَ هـ الْعَذابُ ط أَكْبَرُ م يَعْلَمُونَ هـ النَّعِيمِ هـ كَالْمُجْرِمِينَ هـ ط ما لَكُمْ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر تَحْكُمُونَ هـ ج تَدْرُسُونَ هـ ج لأن ما بعده مفعول تَدْرُسُونَ وإنما كسرت «أن» لدخول اللام في خبرها تَخَيَّرُونَ هـ لا لأن «أم» معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام الْقِيامَةِ لا لأن «أن» جواب الأيمان تَحْكُمُونَ هـ زَعِيمٌ هـ لما مر في تَخَيَّرُونَ شُرَكاءُ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء صادِقِينَ هـ فَلا يَسْتَطِيعُونَ هـ لا لأن ما بعده حال ذِلَّةٌ ط سالِمُونَ هـ بِهذَا الْحَدِيثِ ط لا يَعْلَمُونَ هـ ج للعطف لَهُمْ ط مَتِينٌ هـ مُثْقَلُونَ هـ يَكْتُبُونَ هـ الْحُوتِ م بناء على أن «إذ» مفعول «اذكر» مَكْظُومٌ هـ ط مَذْمُومٌ هـ الصَّالِحِينَ هـ لَمَجْنُونٌ هـ لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار لِلْعالَمِينَ هـ
التفسير:
الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة. أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت الذي لطخ سهم نمرود بدمه، أقوال. عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن
стр. 3462
وقتادة أن النون هو الدواة. قال:
إذا ما الشوق برّح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجوم
فيكون قسما بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة. وعن بعض الثقات أن أصحاب السحر يستخرجون من بعض الحيتان شيئا أسود كالنقس أو أشد سوادا منه يكتبون منه فيكون النون. وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما
روي أن النبي ﷺ قال «أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة»
وعن معاوية بن قرة مرفوعا أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه ما يأمرهم الله به. وقيل: نهر في الجنة. اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنسا لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علما منصرفا، وإن كان علما غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الر وحم ون هذا الاسم الخاص. أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي
جاء في الخبر أن «أول ما خلق الله القلم» «١»
والجوهرة التي
وردت في الحديث «أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض»
كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب. و «ما» في قوله وَما يَسْطُرُونَ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة. وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: «أنت» اسم «ما» والخبر بِمَجْنُونٍ وقوله بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبسا بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبسا بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.
وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.
وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان. وَإِنَّ لَكَ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
стр. 3463
قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة. وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبئ عن كونه غير ممنون. والحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثوابا عظيما. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه. وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي ﷺ كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقا فيهم، وإليه الإشارة بقوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله لَعَلى إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع. قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ . قالت: كان خلقه القرآن. وفي رواية: قرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك،
وقال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت،
ثم سلى نبيه ﷺ وهدد أعداءه بقوله فَسَتُبْصِرُ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين وَيُبْصِرُونَ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة. قوله بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود. وقيل: الباء بمعنى «في» وعلى هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.
وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله تعالى سيعلمون غدا بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما. ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي بمن جن وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وهم لعقلاء. والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.
قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله تعالى فَلا
стр. 3464
تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه سبحانه حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملا بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.
ثم ذكر تمنيهم فقال وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ تلين وتصانع فَيُدْهِنُونَ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعا في ادهانك. قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. ثم حض النبي قائلا وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله. وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية. وأيضا الحلاف يتفق له الكذب كثيرا والكذب حقير عند الناس. والهماز الذي يذكر الناس بالمكروه. وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أي لأجل سعاية.
والنميم مصدر نم ينم مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير مُعْتَدٍ مجاوز في الظلم حده أَثِيمٍ كثير الإثم عُتُلٍّ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة. الزنيم الدعي ومعنى بَعْدَ ذلِكَ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد. عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسرا وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية. وقوله أَنْ كانَ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ذا مالٍ كذب فمتعلق الجار مدلول. قوله إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله يتلى لأنه مضاف إليه. عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة. وقيل: كان الوليد دعيا في قريش سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل «جدع أنفه ورغم أنفه» . والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة. ومتى هذا الوسم؟ منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه. وعن النضر بن
стр. 3465
شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها. وسمي الخمر خرطوما كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها. ومنهم من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم. ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه حَلَّافٍ إلى زَنِيمٍ فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخرطوم. ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة. ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء الضراء.
وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحدا من ثقيف وكان مسلما كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيبا وافرا للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا لَيَصْرِمُنَّها أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح وَلا يَسْتَثْنُونَ أي لا يقولون «إن شاء الله» وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا. ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها. هذا قول الأكثرين. وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم فَطافَ عَلَيْها عذاب طائِفٌ مِنْ حكم رَبِّكَ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلا. قال الكلبي:
أرسل الله عليها نارا من السماء فاحترقت وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ الجنة كَالصَّرِيمِ «فعيل» بمعنى «فاعل» أو معنى «مفعول» والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضا صريما لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم. ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم «صرم الإناء» إذا أفرغه. والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايرا لأثر الصرم. وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه الصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئا ينتفع به. قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا صارِمِينَ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو
стр. 3466
عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما يقال: غدا عليهم العدو يَتَخافَتُونَ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول. قوله وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم. وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة. ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها. ويجوز أن لا يكون قوله عَلى حَرْدٍ صلة قادِرِينَ ولكن الكل يعود إلى قوله أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد وقوله قادِرِينَ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله يَتَلاوَمُونَ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين. وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله إِنَّا لَضَالُّونَ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين. ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال. ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع بها ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين. قالَ أَوْسَطُهُمْ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قال الأكثرون: معنى التسبيح هاهنا الاستثناء لأنه تعالى وبخهم بقوله وَلا يَسْتَثْنُونَ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصا في كمال القدرة. وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر. وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة. فلم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين سُبْحانَ رَبِّنا عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ بمنع المعروف وترك الاستثناء. ومعنى يَتَلاوَمُونَ يلوم بعضهم بعضا يقول واحد لغيره: أنت
стр. 3467
أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال. ثم قالوا جميعا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ اعترافا بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين عَسى رَبُّنا الآية. سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا كأنه توقف في المسألة. وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيرا منها. وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا. ثم هدد المكلفين بقوله كَذلِكَ الْعَذابُ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أشد وأعظم. ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد أن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فنفى الله معتقدهم بقوله أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلما. وأجيب بأنه تعالى لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثر من ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحاب الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] وقد مر في «ص» . ثم قال لهم على طريقة الالتفات ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به. ومعنى بالِغَةٌ مؤكدة مغلظة وقوله إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسم عليه وهو قوله إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ثم قال لنبيه ﷺ أو لكل من يستأهل الخطاب سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم زَعِيمٌ أي كفيل بالاستدلال على صحته أَمْ لَهُمْ ناس شُرَكاءُ في هذا القول. والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون
ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه. قوله يَوْمَ يُكْشَفُ قيل: منصوب بقوله فَلْيَأْتُوا أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وقيل: بإضمار «اذكر» . وقيل: التقدير يوم يكشف
стр. 3468
عَنْ ساقٍ كان كيت وكيت. احتجت المشبهة على أن لله ساقا وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعا أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجدا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ حال كونهم خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.
وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.
«وقامت الحرب بنا على ساق» . ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح «يده مغلولة» ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله. قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.
وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنه عظمتها كما يقول غيره. وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء وأصولها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب. وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفسا إيمانها. والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفا فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف. ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد. وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضا غير حاصلة على قول الجبائي. والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه تعالى لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل
стр. 3469
ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر. ثم خوفهم بنوع آخر قائلا فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ وفيه تسلية للنبي ﷺ كأنه قال: حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه. وقوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ إلى قوله مَتِينٌ قد مر في آخر «الأعراف» . وقوله أَمْ تَسْأَلُهُمْ إلى يَكْتُبُونَ قد مر في «الطور» . ثم أمر نبيه ﷺ بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس ﵇ وقد تقدم مرارا. قال بعض العلماء: معنى قوله كَصاحِبِ الْحُوتِ أنه كان في ذلك الوقت مكظوما أي مملوءا من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوما أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة. وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم. وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» ، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة. وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله وَهُوَ مَذْمُومٌ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في «الصافات» . ولولا تسبيحه لكانت حاله على الذم. وقيل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموما فَاجْتَباهُ رَبُّهُ بقبول التوبة فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه. ثم أخبر نبيه ﷺ عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال وَإِنْ يَكادُ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها. زلقه وأزلقه بمعنى.
يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه. قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم «نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني» أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. ثم بين بقوله لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي ﷺ القرآن حسدا على ما أوتي من النبوة. وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرا عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.
ثم قال تعالى وَما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ وموعظة لِلْعالَمِينَ وفيه استجهال أن يجنن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف. واعلم أن للعقلاء خلافا في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟ وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسرة بها أم لا؟ أما المقام الأول فقد شرحناه في أول «البقرة» في قوله وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [الآية: ١٠٢] وفى يوسف في قوله يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ [الآية:
٦٧] والذي نقوله هاهنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل
стр. 3470
إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.
ويروى أنه ﷺ قال «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر»
وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين:
كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه. فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله ﷺ فقال: لم أر كاليوم رجالا مثله. فعصمه الله تعالى. طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي ﷺ وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.