عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما يقال: غدا عليهم العدو يَتَخافَتُونَ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول. قوله وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم. وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة. ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها. ويجوز أن لا يكون قوله عَلى حَرْدٍ صلة قادِرِينَ ولكن الكل يعود إلى قوله أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد وقوله قادِرِينَ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله يَتَلاوَمُونَ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين. وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله إِنَّا لَضَالُّونَ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين. ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال. ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع بها ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين. قالَ أَوْسَطُهُمْ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قال الأكثرون: معنى التسبيح هاهنا الاستثناء لأنه تعالى وبخهم بقوله وَلا يَسْتَثْنُونَ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصا في كمال القدرة. وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر. وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة. فلم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين سُبْحانَ رَبِّنا عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ بمنع المعروف وترك الاستثناء. ومعنى يَتَلاوَمُونَ يلوم بعضهم بعضا يقول واحد لغيره: أنت
стр. 3467
أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال. ثم قالوا جميعا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ اعترافا بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين عَسى رَبُّنا الآية. سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا كأنه توقف في المسألة. وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيرا منها. وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا. ثم هدد المكلفين بقوله كَذلِكَ الْعَذابُ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أشد وأعظم. ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد أن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فنفى الله معتقدهم بقوله أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلما. وأجيب بأنه تعالى لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثر من ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحاب الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] وقد مر في «ص» . ثم قال لهم على طريقة الالتفات ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به. ومعنى بالِغَةٌ مؤكدة مغلظة وقوله إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسم عليه وهو قوله إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ثم قال لنبيه ﷺ أو لكل من يستأهل الخطاب سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم زَعِيمٌ أي كفيل بالاستدلال على صحته أَمْ لَهُمْ ناس شُرَكاءُ في هذا القول. والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون
ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه. قوله يَوْمَ يُكْشَفُ قيل: منصوب بقوله فَلْيَأْتُوا أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وقيل: بإضمار «اذكر» . وقيل: التقدير يوم يكشف
стр. 3468
عَنْ ساقٍ كان كيت وكيت. احتجت المشبهة على أن لله ساقا وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعا أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجدا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ حال كونهم خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.
وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.
«وقامت الحرب بنا على ساق» . ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح «يده مغلولة» ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله. قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.
وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنه عظمتها كما يقول غيره. وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء وأصولها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب. وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفسا إيمانها. والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفا فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف. ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد. وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضا غير حاصلة على قول الجبائي. والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه تعالى لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل
стр. 3469
ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر. ثم خوفهم بنوع آخر قائلا فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ وفيه تسلية للنبي ﷺ كأنه قال: حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه. وقوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ إلى قوله مَتِينٌ قد مر في آخر «الأعراف» . وقوله أَمْ تَسْأَلُهُمْ إلى يَكْتُبُونَ قد مر في «الطور» . ثم أمر نبيه ﷺ بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس ﵇ وقد تقدم مرارا. قال بعض العلماء: معنى قوله كَصاحِبِ الْحُوتِ أنه كان في ذلك الوقت مكظوما أي مملوءا من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوما أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة. وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم. وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» ، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة. وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله وَهُوَ مَذْمُومٌ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في «الصافات» . ولولا تسبيحه لكانت حاله على الذم. وقيل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموما فَاجْتَباهُ رَبُّهُ بقبول التوبة فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه. ثم أخبر نبيه ﷺ عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال وَإِنْ يَكادُ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها. زلقه وأزلقه بمعنى.
يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه. قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم «نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني» أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. ثم بين بقوله لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي ﷺ القرآن حسدا على ما أوتي من النبوة. وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرا عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.
ثم قال تعالى وَما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ وموعظة لِلْعالَمِينَ وفيه استجهال أن يجنن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف. واعلم أن للعقلاء خلافا في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟ وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسرة بها أم لا؟ أما المقام الأول فقد شرحناه في أول «البقرة» في قوله وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [الآية: ١٠٢] وفى يوسف في قوله يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ [الآية:
٦٧] والذي نقوله هاهنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل
стр. 3470
إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.
ويروى أنه ﷺ قال «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر»
وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين:
كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه. فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله ﷺ فقال: لم أر كاليوم رجالا مثله. فعصمه الله تعالى. طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي ﷺ وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.
وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان فَهَلْ تَرى كما في الملك ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء وتعيها بسكون العين تشبيها بخاء «فخذ» : القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه فَهِيَ يَوْمَئِذٍ بالإدغام: شجاع وأبو شعيب لا يخفى على التذكير: حمزة وعلي وخلف كتابي وحسابي بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ما لي وسلطاني بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب يؤمنون ويذكرون على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.
الوقوف:
الْحَاقَّةُ هـ لا لأن ما بعده خبرها مَا الْحَاقَّةُ هـ لا لاحتمال الواو بعده الحال والاستئناف الْحَاقَّةُ هـ م بِالْقارِعَةِ هـ بِالطَّاغِيَةِ هـ ط عاتِيَةٍ ط أَيَّامٍ لا لأن حُسُوماً صفة الثمانية صَرْعى لا لأن ما بعده صفة خاوِيَةٍ هـ ج للاستفهام مع الفاء باقِيَةٍ ط بِالْخاطِئَةِ هـ رابِيَةً هـ الْجارِيَةِ هـ ج واعِيَةٌ
هـ واحِدَةٌ هـ لا واحِدَةً هـ ط الْواقِعَةُ هـ لا للعطف واهِيَةٌ هـ لا لذلك رجاءها ط لاختلاف النظم ثَمانِيَةٌ ط خافِيَةٌ هـ كِتابِيَهْ هـ ج حِسابِيَهْ هـ ج راضِيَةٍ هـ لا عالِيَةٍ هـ لا دانِيَةٌ هـ الْخالِيَةِ هـ كِتابِيَهْ هـ ج حِسابِيَهْ هـ ج الْقاضِيَةَ هـ ج مالِيَهْ هـ كلها جائزات وتفصيلا بين الندامات مع اتحاد المقولات سُلْطانِيَهْ هـ فَغُلُّوهُ ط للعطف صَلُّوهُ هـ لا لذلك فَاسْلُكُوهُ هـ ط الْعَظِيمِ هـ لا الْمِسْكِينِ هـ ط حَمِيمٌ هـ غِسْلِينٍ هـ لا الْخاطِؤُنَ هـ تُبْصِرُونَ هـ لا وَما لا تُبْصِرُونَ هـ لا كَرِيمٍ هـ لا شاعِرٍ ط تُؤْمِنُونَ هـ كاهِنٍ ط تَذَكَّرُونَ هـ أي هو تنزيل الْعالَمِينَ هـ بِالْيَمِينِ هـ لا الْوَتِينَ هـ والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام حاجِزِينَ هـ لِلْمُتَّقِينَ هـ مُكَذِّبِينَ هـ لا الْكافِرِينَ هـ الْيَقِينِ هـ الْعَظِيمِ هـ
التفسير:
الْحَاقَّةُ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها. وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها. وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة. وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول
стр. 3473
الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار. قال الأزهري: سميت بذلك لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه. وأورد في التفسير الكبير وجوها أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها. قوله مَا الْحَاقَّةُ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة. والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟ وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟ وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر. قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء. وأَدْراكَ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك «أعلمتك زيدا فاضلا» . وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفا لأهل مكة فقال كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها. ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك. وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب هاهنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر. قوله بِالطَّاغِيَةِ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصيحة، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم. واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح. ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كاف في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة. ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة. الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها. قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم. قال الكلبي:
عتت على خزانها كما
جاء في الحديث «ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل.»
وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال تعالى وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨] أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة
стр. 3474
سَخَّرَها أي سلطها بدليل عَلَيْهِمْ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها. قوله حُسُوماً جمع حاسم كشهود جمع شاهد. والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة. وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم. ويجوز أن يكون حُسُوماً مصدرا كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالا، أو يكون وصفا بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولا له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها. الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر. وقيل: ومكفىء الظعن. والضمير في فِيها للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة. وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر. وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ وقوله فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم [الأحقاف: ٢٥] ومن قرأ وَمَنْ قَبْلَهُ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه. ومن قرأ بالكسر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده. والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم رابِيَةً من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح. وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً. ولا ريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب. قال الواحدي: الوجه في قوله رَسُولَ رَبِّهِمْ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطا وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الشعراء: ١٦] ولو جعل عبارة عن موسى ﵇ لزم التخصيص من غير مخصص. ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور. ومعنى حَمَلْناكُمْ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم فِي الْجارِيَةِ في السفينة وهي سفينة نوح لِنَجْعَلَها
قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.
والأظهر عوده إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به. قال أهل اللغة:
стр. 3475
كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته. يقال: أو عيت المتاع في البيت.
والشر أخبث ما أوعيت من زاد قال جار الله: إنما قيل أُذُنٌ واعِيَةٌ
على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.
عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁ عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي. قال علي ﵁: فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.
وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ والعرض عند الثانية. ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول «جئته عام كذا» وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها. قوله واحِدَةٌ صفة مؤكدة قوله وَحُمِلَتِ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة. والضمير في فَدُكَّتا لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيبا مهيلا منثورا. والدك أبلغ من الدق.
وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعا صفصفا من قولك «اندك السنام» إذا افترش «وبعير أدك» «وناقة دكاء» . قوله فَيَوْمَئِذٍ جواب فَإِذا نُفِخَ والواقعة النازلة وهي القيامة واهِيَةٌ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة وَالْمَلَكُ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها. والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصورا. والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.
سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟ الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في فَوْقَهُمْ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكما كقوله «في بيته يؤتى الحكم» وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف. وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله. قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق
стр. 3476
اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟ فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما
روي عن رسول الله ﷺ «اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى»
وروي «ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون»
وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر.
وروي «ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما» «١»
وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر. قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضرا لم يكن للعرض معنى. وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه فخلق لنفسه بيتا يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجرا هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف. فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تعالى تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.
روي أن في القيامة ثلاث عرضات. فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.
قوله لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفيا في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين. ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب. «وهاء» صوت بصوت به فيفهم منه «خذ» وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو «هاء» مثل باع للواحد المذكور «وهاؤما» بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية. هاؤُمُ بضم الهمزة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر. «هاء» بالكسر للمؤنثة «هاؤن» لجمعها كِتابِيَهْ مفعول هاؤُمُ عند الكوفيين واقْرَؤُا عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه. قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلا على المحذوف. وأجاب الكوفيون بأن
стр. 3477
الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [الأحزاب: ٣٥] والهاء في كِتابِيَهْ وغيره هاء السكت ومن هاهنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعا لوجودها في المصحف، وإنما قال مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ابتهاجا وفرحا. وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.
وفي قوله إِنِّي ظَنَنْتُ وجوه كما مر في قوله الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦] ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب والجزاء.
وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح
ثم يقول هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ عند النظر الأولى أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا. ثم بين عاقبة أمره قائلا فَهُوَ فِي عِيشَةٍ فعلة من العيش للنوع راضِيَةٍ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك «بصري» أو «هاشمي» من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك «نهاره صائم» جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك هاهنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفيعة المباني والقصور والأشجار قُطُوفُها دانِيَةٌ ثمارها قريبة التناول. والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.
يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت كُلُوا على إرادة القول وهَنِيئاً مصدر أو صفة كما مر في «الطور» . جمع الخطاب في كُلُوا مع أنه وحد الضمير في قوله أُوتِيَ وغيره حملا على لفظ من ثم على معناه. والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف. ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.
وقوله بِما أَسْلَفْتُمْ كقوله في «الطور» بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الآية: ١٩] والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال «أسلف في كذا» إذا قدم فيه ماله. والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية. وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا. ثم أخذ في قصة الأشقياء. وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه كله عليه لا يعود منه إليه سوى الضر. والضمير في يا لَيْتَها عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام. ولعل
стр. 3478
في قوله وَلَمْ أَدْرِ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها كانَتِ الْقاضِيَةَ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها. وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ. قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوء المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت. قوله ما أَغْنى نفي. ويجوز أن يكون استفهاما على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى عَنِّي ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال هَلَكَ عَنِّي تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهانا. قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.
وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك. يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت:
ليس شرب الكأس إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى ... ناعمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى. ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله سبحانه ولهذا
جاء في الحديث «أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» «١»
ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضا من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره. وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باق فمن هاهنا روي أن الله تعالى ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه. والتصلية في الجحيم وهي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطانا يتعظم على الناس. والسلسلة حلق منتظمة كل حلقة
стр. 3479
منها في حلقة. وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل. والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.
وقوله سَبْعُونَ ذِراعاً يجوز أن يكون محمولا على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب. وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.
قالوا: كل ذراع سبعون باعا أبعد مما بين مكة والكوفة. قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسلة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها. عن بعضهم أن جمعا من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة. وقيل:
هو كقولهم «أدخلت القلنسوة في رأسي» او «الخاتم في أصبعي» . ومعنى «ثم» التراخي في الرتبة. ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية. قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟ وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام. والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.
وفي الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع. والحميم القريب النافع وقوله هاهُنا إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب. يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري. وقال الكلبي: هو ما يسأل من أهل النار. فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل. ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف. قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون. ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مبصر أو غير مبصر. وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة. والأكثرون على أن الرسول الكريم هاهنا هو محمد ﷺ لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالشعر والكهانة وإنما يصفون محمدا ﷺ وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل ﵇ لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء. وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قوله المؤدي عن الله
стр. 3480
بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل. وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعا في أغراض الدنيا الخسيسة. وأيضا من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية. وإنما قال عند نفي الشعر عنه قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وعند نفي الكهانة قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس. أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق والبراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند. وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف. على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها. وأيضا في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم. ثم صرح بالمقصود فقال تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن قرض أنه نبي فقال وَلَوْ تَقَوَّلَ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة والْأَقاوِيلِ جمع أقوال. وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع «أفعولة» من القول. ومعنى الآية لو نسب إلينا قولا لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه. ومعنى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري. والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره «ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري» . والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم. وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالجواب في حكمة الله تعالى كيلا يشتبه الصادق بالكاذب.
وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات: ٢٨] أي من قبل الحق. والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال حاجِزِينَ أي مانعين. وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن
стр. 3481
القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ثم أوعد على التكذيب قائلا وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله «هو حق العالم» . ثم أمر بالتسبيح شكرا له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.
والشموني والبرجمي توويه بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف نَزَّاعَةً بالنصب: حفص والمفضل يخرجون من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف إِلى نُصُبٍ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص نصب بالضم فالسكون: المفضل الباقون:
بالفتح فالسكون.
الوقوف:
واقِعٍ هـ لا دافِعٌ هـ لا الْمَعارِجِ هـ لا سَنَةٍ ج جَمِيلًا هـ بَعِيداً هـ لا قَرِيباً هـ ط كَالْمُهْلِ هـ لا كَالْعِهْنِ هـ لا حَمِيماً هـ ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على يُبَصَّرُونَهُمْ بِبَنِيهِ هـ لا وَأَخِيهِ هـ تُؤْوِيهِ هـ لا جَمِيعاً هـ لا للعطف يُنْجِيهِ هـ لا كَلَّا ط لَظى هـ ج لأن من قرأ نَزَّاعَةً بالرفع جاز أن يكون بدلا أو خبر لَظى والضمير في إِنَّها للقصة أو خبر مبتدأ محذوف. ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص. لِلشَّوى هـ ص لأن يدعوا يصلح مستأنفا وبدلا من نَزَّاعَةً وَتَوَلَّى هـ لا فَأَوْعى هـ هَلُوعاً هـ لا جَزُوعاً هـ لا مَنُوعاً هـ لا الْمُصَلِّينَ هـ لا دائِمُونَ هـ لا مَعْلُومٌ هـ لا وَالْمَحْرُومِ هـ ص الدِّينِ هـ مُشْفِقُونَ هـ ج مَأْمُونٍ هـ حافِظُونَ هـ لا مَلُومِينَ هـ ج العادُونَ هـ ج راعُونَ هـ لا قائِمُونَ هـ ك يُحافِظُونَ هـ لا مُكْرَمُونَ هـ ط لانقطاع المعنى مُهْطِعِينَ هـ لا عِزِينَ هـ نَعِيمٍ هـ كَلَّا ط يَعْلَمُونَ هـ لَقادِرُونَ هـ ج مِنْهُمْ ج بناء على أن الواو للحال بِمَسْبُوقِينَ هـ يُوعَدُونَ هـ ج لأن ما بعد ب ءدل يوقضون هـ ج لأن ما بعد حال من الضمير ذِلَّةٌ ط يُوعَدُونَ هـ.
التفسير:
من قرأ سَأَلَ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً [الأنفال: ٣٢] الآية فأنزل الله تعالى سَأَلَ سائِلٌ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء. يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه. وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذابا لا دافع له البتة. إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر. الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله ﷺ استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب. والباء بمعنى «عن» . قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله تعالى أن هذا واقع بهم فلا دافع له. والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضا: الأول أنه مخفف «سأل» وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس «سال سيل» وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز. والمعنى اندفع عليهم وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما سائِلٌ
стр. 3484
فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقا لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع. وقوله لِلْكافِرينَ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين. والظاهر أن قوله مِنَ اللَّهِ يتعلق ب دافِعٌ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم. وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ذِي الْمَعارِجِ المصاعد. روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.
وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد. وقيل: هي الجنة لأنها درجات. وقال في التفسير الكبير. وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواح كالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، وكالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.
قوله تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة. قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدرا وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح. وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله. وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل ﵇. ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ الْمَعارِجِ فإنا بينا أنها المراتب. وقوله إِلَيْهِ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة. والأكثرون على أن قوله فِي يَوْمٍ من صلة تَعْرُجُ أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة. قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية. والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما
روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله ﷺ : ما أطول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا.
ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سببا لمزيد السرور والراحة للمؤمن. ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق. والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة. ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وأيضا الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة. قاله وهب وجماعة من أهل التفسير. وقال أبو مسلم: إن هذا
стр. 3485
اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة. ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوما لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي. ومر في «ألم السجدة» .
وقال جمع من المفسرين قوله فِي يَوْمٍ من صلة واقِعٍ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة. وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدرا بهذه المدة ثم ينقله الله تعالى إلى نوع آخر من العذاب. يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به. وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش. وفي قوله فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا تسلية للنبي ﷺ كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام.
قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيدا عن الإمكان وَنَراهُ قَرِيباً منه ثم قال يَوْمَ أي اذكر يوم تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ كدرديّ الزيت. عن ابن مسعود: كالفضة المذابة. وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أي الصوف المصبوغ ألوانا لقوله وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
[فاطر: ٢٧] وجوز جار الله أن ينتصب يَوْمَ ب قَرِيباً أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ب واقِعٍ قوله وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار. وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك. ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال يُبَصَّرُونَهُمْ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميما مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي. وقيل: إن الجملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه وَفَصِيلَتِهِ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم تُؤْوِيهِ تضمه
стр. 3486
إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب. ومعنى ثُمَّ استبعاد الإنجاء عن الافتداء.
ثم أكد الاستبعاد بقوله كَلَّا وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك. والضمير في إِنَّها للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن لَظى علم لنار جهنم. واللظى اللهب الخالص. والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضا جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين واليدين تنزعها نزعا فتهلكها ثم يعيدها الله سبحانه. وفي قوله تَدْعُوا وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤارا أجابتك اعتبارا. فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جهنم كأنها تدعوهم إلى نفسها. ومنها أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحا فصيحا: لى يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب. ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها. ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب «دعاه الله» أي أهلكه مَنْ أَدْبَرَ أي عن الطاعة وَتَوَلَّى عن الإيمان وَجَمَعَ المال حرصا عليه فَأَوْعى جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلا وهذه مجامع آفات النفس. ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال إِنَّ الْإِنْسانَ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه خُلِقَ هَلُوعاً والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار كان جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ أضداد ذلك كان مَنُوعاً
عن النبي ﷺ «شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع» «١»
قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله تعالى. بل الجزع والمنع أيضا من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعا وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه تعالى ذكره في معرض الذم والله تعالى لا يذم فعله. ولأنه تعالى استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات. ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.
والجواب أن الذين خلقهم كذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذي خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها
стр. 3487
في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.
الثاني وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.
قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي:
هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب. قلت: هذا التفسير بما في «الذاريات» أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوما بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والاستغفار بالأسحار. الثالث وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي يؤمنون بالغيب والجزاء. الرابع وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من ارتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية. ثم أكد ذلك الخوف بقوله إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها. الخامس وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله العادُونَ وقد مر في «المؤمنين» .
والسادس وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وقد مر أيضا. السابع وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها. وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيها على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها. وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له. الثامن وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ وقد ذكرناه. ثم عين مكان هؤلاء بقوله تعالى أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله ﷺ فرقا يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت. فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ
أي نحوك وفي مقابلتك مُهْطِعِينَ مسرعين مادين أعناقهم إليك عِزِينَ فرقا شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون. وجمع بالواو والنون عوضا عن المحذوف كما مر في عِضِينَ قوله كَلَّا ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع. والثاني أنهم لم يعدوا لها زادا من الإيمان والعمل الصالح. وفي قوله إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ رد عليهم من
стр. 3488
الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح. ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكدا بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات. ومعنى الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ قد تقدم في أول «الصافات» و «الرحمن» وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغربا ومشرقا. وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه. وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.
واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة عليه هل خرج إلى الفعل أم لا؟ قال بعضهم: بدل الله بهم الأنصار والمهاجرين. وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان. وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في «يس» . ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] ومعنى يُوفِضُونَ يسرعون. وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.
بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح. خطاياهم بالتكسير: أبو عمرو بَيْتِيَ بالفتح: حفص وهشام.
الوقوف:
أَلِيمٌ هـ مُبِينٌ هـ وَأَطِيعُونِ هـ مُسَمًّى ط لا يُؤَخَّرُ م تَعْلَمُونَ هـ وَنَهاراً هـ فِراراً هـ اسْتِكْباراً هـ ج لأن «ثم» لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل جِهاراً هـ لا إِسْراراً هـ لا لعطف مقصود الكلام غَفَّاراً هـ لا لجواب الأمر مِدْراراً هـ أَنْهاراً هـ ط لابتداء الاستفهام وَقاراً هـ ج لأن ما بعده يحتمل الحال والاستئناف أَطْواراً هـ طِباقاً هـ لا سِراجاً هـ لا نَباتاً هـ إِخْراجاً هـ بِساطاً هـ فِجاجاً
هـ خَساراً هـ ج للآية مع العطف واتحاد الكلام كُبَّاراً هـ لذلك وَنَسْراً هـ ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل قالُوا وذكر السجاوندي أنه حال من مفعول لا تَذَرُنَّ وفيه نظر كَثِيراً هـ ز لأن قوله وَلا تَزِدِ لا يصح عطفه ظاهرا ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ضَلالًا هـ أَنْصاراً هـ دَيَّاراً هـ كَفَّاراً هـ تَباراً هـ
التفسير:
لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و «أن» في أَنْ أَنْذِرْ وأَنِ اعْبُدُوا مفسرة لما في الإرسال والإنذار من معنى القول. أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإنذار. ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات وَاتَّقُوهُ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيها على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات. ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان. وقد مر في سورة إبراهيم استدلال من جوز زيادة «من» في الإثبات بنظير هذه الآية. وما أجيب عنه.
والذي نزيده هاهنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد. وفي قوله يَغْفِرْ لَكُمْ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتضى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلا اتفقوا على وجوب النصب في قولك «جاءني القوم إلا زيدا» وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك
стр. 3491
«جاءني رجل» لا يشمل المجيء سواه. ولو قلت «ما تخلف رجل» عمّ المجيء كل أحد. ثم قال:
هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفورا فثبت أنه لا بد هاهنا من حرف التبعيض.
قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضا فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضا.
قوله إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت. ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته. ومعنى لَيْلًا وَنَهاراً دائبا دائما من غير توان وفتور. قوله فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً كقوله ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فاطر: ٤٢] قوله لِتَغْفِرَ لَهُمْ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.
ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى. ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله. ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيدا لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه. ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق استكبارا بالغا نهايته. ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ بالمناصحة في السر ليلا ونهارا فعاملوه بما ذكر، ثم ثنى بالمجاهدة لأن النصح بين الملأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر. وانتصب جِهاراً على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف. والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال. ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع. ثم فسر الدعوة بقوله فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء. وله وجه معقول وهو أن الله سبحانه مفيض الخيرات والبركات بالذات كما
قال «سبقت رحمتي غضبي» «١»
فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء. يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.
فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء. والمدرار الكثير الدريستوي
стр. 3492
فيه المذكر والمؤنث. ثم إنه وبخهم بقوله ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً أصل الرجاء الأمل. والوقار التوقير «فعال» بمعنى «تفعيل» مثل «سراح» بمعنى «تسريح» وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا ما لكم لا تخافون عظمة الله. وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ولِلَّهِ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلا للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله ﷺ فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه. وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.
وقال غيره: تم الكلام عند قوله ما لَكُمْ ثم استفهم منكرا لا تَرْجُونَ أي لا تعتقدون لله ثباتا وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الاستخفاف برسوله. قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بعد مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها. وقال ابن الأنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا يشبه بعضها بعضا، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله أَلَمْ تَرَوْا الآية. ومعنى طِباقاً قد مر في أول «الملك» فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة. وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله فِيهِنَّ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله. ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدرا متعديا قريبا من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثيا لازما فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتا. قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث. وفي قوله إِخْراجاً تأكيدا أي يخرجكم حقا ولا محالة. ثم ذكر دليلا آخرا فاقيا من حال الأرض. والفج الطريق الواسع.
ثم إن سائلا كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟ فبين سبحانه أنه تعالى قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي مكان قوله وأطيعون وَاتَّبَعُوا رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم إِلَّا خَساراً في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم. وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعا كفلك وَمَكَرُوا معطوف على لَمْ يَزِدْهُ لأن المتبوعين هم الذين مكروا وَقالُوا للأتباع لا تَذَرُنَّ وجمع حملا على المعنى. والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففا إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير. ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر
стр. 3493
وأفظع أنواع المكر. وإنما سمي مكرا لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم والآباء أعرف من الأبناء. وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم. ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضا كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضبا عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر: ٤٧] وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله وَقَدْ أَضَلُّوا قوله مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ «من» للتعليل كقولك «جئتك لأجل كذا» و «ما» صلة للتوكيد.
وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله ﷺ في مدة ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماض معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر. عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب وهكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو في نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله تعالى. وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع من النار مختص بهم. وفي قوله فَلَمْ يَجِدُوا تهكم بهم وبآلهتم قوله وَقالَ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا. وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضا في البين تنبيها على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رسول الله واتباع غيره. والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصا الأصنام الخمسة دَيَّاراً من الأسماء المستعملة في النفي العام. يقال: ما بالدار ديار وهو «فيعال» من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة. فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالا لقيل دوارا، قوله إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ إلى آخره. قال العلماء: عرف ذلك أيام لو كان فعالا لقيل دوارا، قوله إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ إلى آخره. قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦] وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب. قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال اختراعية، ومنه
стр. 3494
الحديث «يهلكون مهلكا واحدا يصدرون مصادر شتى» «١»
ومن روى أن الله سبحانه أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال. ثم إن نوحا كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه. وكان اسم أبيه لمك بن متوشلخ. واسم أمه شمخا بنت أنوش. قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم ﵇ من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء. وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ أي منزلي. وقيل: مسجدي. وقيل: سفينتي. وقيل: ديني. وعلى هذا يكون قوله مُؤْمِناً احترازا من المنافق أي دخولا مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة. والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.
وعلي وخلف وحفص. والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع أَنَّهُ وَأَنَّهُ في خمسة مواضع، واثنين في قوله وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا وَأَنَّ الْمَساجِدَ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق. تقول الإنس بالتشديد من التفعل: يعقوب يَسْلُكْهُ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. الباقون: بالنون وإنه لما قام بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد لِبَداً بالضم: هشام. قُلْ إِنَّما أَدْعُوا على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون قال على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ربي أمدا بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ليعلم مبنيا للمفعول: يعقوب.
الوقوف:
عَجَباً هـ لا فَآمَنَّا بِهِ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما. ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز أَحَداً هـ وَلا وَلَداً هـ شَطَطاً هـ لا رَهَقاً هـ أَحَداً هـ وَشُهُباً هـ لِلسَّمْعِ ط رَصَداً هـ رَشَداً هـ ذلِكَ ط قِدَداً هـ هَرَباً هـ آمَنَّا بِهِ ط رَهَقاً هـ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ هـ ط للابتداء بالشرط رَشَداً هـ طَباً
هـ لا غَدَقاً هـ لا فِيهِ ج صَعَداً هـ أَحَداً هـ لمن قرأ وَأَنَّهُ بالفتح لِبَداً هـ أَحَداً هـ رَشَداً هـ مُلْتَحَداً هـ وَرِسالاتِهِ ط أَبَداً هـ لا لأن حتى للابتداء بما بعدها عَدَداً هـ لا أَمَداً هـ أَحَداً هـ لا رَصَداً هـ عَدَداً هـ.
التفسير:
روى يونس وهرون عن أبي عمرو وحي بضم الواو من غير ألف.
والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مرارا. وقرىء أُحْيِ بقلب الواو همزة. والكلام في الجنّ اسما وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه ﷺ هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة «حم الأحقاف» . والذي أزيده هاهنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحا مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيواني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد. أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطا في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت
стр. 3497
أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كانت أجزاؤهم صغارا أو كبارا. ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم. والله تعالى أوحى في هذه السورة. ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة.
ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضرا والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه. وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه ﷺ ما رأى الجن. وعن ابن مسعود أنه رآهم. فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولا فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً إلى آخره كقوله في «الأحقاف» فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الآية: ٢٩] أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ ما جرى بينهم وبين قومهم. والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان. وأجمع القراء على فتح أَنَّهُ اسْتَمَعَ لأنه فاعل أُوحِيَ وكذا على فتح وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا وَأَنَّ الْمَساجِدَ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على أَنَّهُ اسْتَمَعَ وأجمعوا على كسر إِنَّا في قوله إِنَّا سَمِعْنا لأنه وقع بعد القول. وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل أُوحِيَ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه تعالى جد ربنا إلى آخره إلا في قوله وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل أُوحِيَ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وكذلك البواقي أن يكون معناه صدقنا.
قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به. وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله. قوله سبحانه عَجَباً مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآنا عجبا بديعا خارجا عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانيه يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي الصواب أو التوحيد والإيمان فَآمَنَّا بِهِ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوسا ومشركين. قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله تعالى وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي عظمته مكن قولهم «جد فلان في عيني» أي عظم. وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا
стр. 3498
قرأ البقرة وآل عمران جد فينا. ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون.
وفي الحديث «لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» «١»
قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.
وفي حديث آخر «قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون» «٢»
يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم. فقوله مَا اتَّخَذَ بيان للأول.
وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي تعالى أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير. النوع الثالث مما ذكره الجن قوله وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولا هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة. والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزوا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد. الرابع وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون. وقال جار الله كَذِباً صفة أي قولا مكذوبا فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول. ومن قرأ بالتشديد وضع كَذِباً موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذبا. قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.
الخامس وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ الآية. قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح. وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكانا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا. وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضا لكن من شر الجن كأن يقول مثلا: أعوذ برسول الله ﷺ من شر جن هذا الوادي. وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظنا منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل
стр. 3499
على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلا. أما قوله فَزادُوهُمْ رَهَقاً فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثما وجراءة وطغيانا وكبرا لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا:
سدنا الجن والإنس. وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفا وغشيان شر باغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترءوا عليهم. السادس وَأَنَّهُمْ أي الإنس ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيها الجن قاله بعضهم لبعض. وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية. والضمير في وَأَنَّهُمْ للجن، والخطاب في ظَنَنْتُمْ لأهل مكة. والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين. السابع وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد. الثامن وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ إلى آخره وفي قوله شِهاباً رَصَداً وجوه: قال مقاتل: يعني رميا بالشهب ورصدا من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس. فقوله رَصَداً كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهابا قد رصد ليرجم به. وقيل: بمعنى فاعل أي شهابا راصدا لأجله. واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا ﷺ وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة. وفي قوله كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها. التاسع وَأَنَّا لا نَدْرِي الآية. وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الاستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح. وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الاستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق. العاشر وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي قوم أدون حالا في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين. وقوله كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أو على حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.
الحادي عشر وَأَنَّا ظَنَنَّا أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ
стр. 3500
إن أراد بنا أمر وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء. الثاني عشر وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى الآية. عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به. وقوله فَلا يَخافُ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف. وقوله بَخْساً وَلا رَهَقاً على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالما. ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة. الثالث عشر وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحا وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب. قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب. وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا. وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مرارا أن المجاز أبلغ من الحقيقة. قوله وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا معطوف على أَنَّهُ اسْتَمَعَ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى. وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في اسْتَقامُوا إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعد ما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين. وزعم القاضي أن الثقلين يدخلون في الآية لأنه أثبت حكما معللا بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة. وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ [المائدة: ٦٥] وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا [الزخرف: ٣٣] إلى آخره. وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما. وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة. واحتجاج الأشاعرة بقوله
стр. 3501
لِنَفْتِنَهُمْ على أنه سبحانه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن. والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله لِيَبْلُوَكُمْ [الملك: ٢] ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه. وانتصب عَذاباً صَعَداً على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢] أو على تضمين معنى الإدخال. والصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن صَعَداً جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبدا ومن جملة الوحي قوله وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ذهب الخليل إلى أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي ﷺ مسجدا وهو مناسب لمدح النبي ﷺ في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر. وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة
ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضا. قال قتادة:
كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد.
وعن الحسن أيضا أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدرا بمعنى السجود. وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان. وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها. قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول «لا إله إلا الله» لأن قوله فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه. قوله وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ هو النبي باتفاق المفسرين. ثم قال الواحدي:
هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة. ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الافتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات. يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال «فعلت كذا» . وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه. فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا أيضا من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.
ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا
стр. 3502
اعتراض على هذا الاعتراض. وفي قوله كادُوا ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي ﷺ بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه. والثاني أن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولا يعبد الله وحده مخالفا للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه. والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره. ولِبَداً جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. والتركيب يدور على الاجتماع ومنه اللبد. ومن قرأ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا فظاهر وهو أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن هذا الكلام. ومن قرأ على المضي فإخبار من الله تعالى أن نبيه ﷺ قال للمتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله ﷺ . ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح. والرشد بمعنى النفع، والضر بمعنى الغي، وكل منهما إمارة على ضده. ثم من هاهنا إلى قوله إِلَّا بَلاغاً اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذا ينحرف إليه. والمقصود أني لا أملك شيئا إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى ب «عن»
قال ﷺ «بلغوا عني ولو آية»
قال الزجاج: انتصب بَلاغاً على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به. قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعا. وقيل: أن لا أبلغ بلاغا لم أجد ملتحدا كقولك «أن لا قياما فقعودا» . استدل جمهور المعتزلة بقوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ الآية.
على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله أَبَداً وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟ أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ أَبَداً فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبليغ أعظم الذنوب. وقد يجاب أيضا بأن قوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.
فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصا بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص الله بالكفر.
وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر
стр. 3503
آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع. قال جار الله: حَتَّى إِذا متعلق بقوله يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقينا أن الكافر أضعف الفريقين. وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا. ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ومِنْ رَسُولٍ بيان لِمَنِ ارْتَضى وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله تعالى على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس. وهاهنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير. قوله فَإِنَّهُ يَسْلُكُ الأكثرون على أن الضمير لله سبحانه. وسلك بمعنى أسلك. رَصَداً مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى وورائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. وفي الكلام إضمار التقدير. إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك. وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ورَصَداً حال. قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال لِيَعْلَمَ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مرارا. قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير. وقوله مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مع قوله أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا كقوله فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى. ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به. ثم عمم العلم فقال وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار. وعَدَداً مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدودا محصورا أو تمييز والله أعلم.
قِيلًا هـ ط طَوِيلًا هـ ط تَبْتِيلًا هـ ط بالخفض لا يقف وَكِيلًا هـ جَمِيلًا هـ م قَلِيلًا هـ وَجَحِيماً هـ لا أَلِيماً هـ وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون. مَهِيلًا هـ رَسُولًا هـ وَبِيلًا هـ شِيباً هـ لا بناء على أن ما بعده صفة يوما بِهِ ط مَفْعُولًا هـ تَذْكِرَةٌ ج للشرط مع الفاء سَبِيلًا هـ مَعَكَ ط وَالنَّهارَ هـ الْقُرْآنِ ط مَرْضى لا للعطف مِنْ فَضْلِ اللَّهِ لا لذلك فِي سَبِيلِ اللَّهِ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار فَاقْرَؤُا هـ مِنْهُ لا للعطف حَسَناً ط أَجْراً ط لاختلاف الجملتين اللَّهُ ط رَحِيمٌ هـ
التفسير:
الْمُزَّمِّلُ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي ﷺ بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل ﵇ خافه فظن أن به مسا من الجن فرجع من الجبل مرتعدا وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن
قال الكلبي: إنما تزمل النبي ﷺ بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
ومثله
عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقالت: إنه ﷺ كان تزمل مرطا سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.
وقيل: أنه ﷺ كان نائما بالليل متزملا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر بأن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة،
وقال عكرمة: اشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يا أيها الذي احتمل أمرا عظيما يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل. قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ. وقيل: كان واجبا عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله نِصْفَهُ بدل من الليل وإِلَّا قَلِيلًا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلا أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه. وإن شئت جعلت نِصْفَهُ بدلا من قَلِيلًا لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة إلا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفا فشيئا فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييرا بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد