لِنَفْتِنَهُمْ على أنه سبحانه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن. والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله لِيَبْلُوَكُمْ [الملك: ٢] ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه. وانتصب عَذاباً صَعَداً على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢] أو على تضمين معنى الإدخال. والصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن صَعَداً جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبدا ومن جملة الوحي قوله وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ذهب الخليل إلى أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي ﷺ مسجدا وهو مناسب لمدح النبي ﷺ في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر. وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة
ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضا. قال قتادة:
كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد.
وعن الحسن أيضا أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدرا بمعنى السجود. وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان. وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها. قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول «لا إله إلا الله» لأن قوله فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه. قوله وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ هو النبي باتفاق المفسرين. ثم قال الواحدي:
هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة. ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الافتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات. يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال «فعلت كذا» . وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه. فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا أيضا من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.
ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا
стр. 3502
اعتراض على هذا الاعتراض. وفي قوله كادُوا ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي ﷺ بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه. والثاني أن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولا يعبد الله وحده مخالفا للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه. والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره. ولِبَداً جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. والتركيب يدور على الاجتماع ومنه اللبد. ومن قرأ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا فظاهر وهو أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن هذا الكلام. ومن قرأ على المضي فإخبار من الله تعالى أن نبيه ﷺ قال للمتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله ﷺ . ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح. والرشد بمعنى النفع، والضر بمعنى الغي، وكل منهما إمارة على ضده. ثم من هاهنا إلى قوله إِلَّا بَلاغاً اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذا ينحرف إليه. والمقصود أني لا أملك شيئا إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى ب «عن»
قال ﷺ «بلغوا عني ولو آية»
قال الزجاج: انتصب بَلاغاً على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به. قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعا. وقيل: أن لا أبلغ بلاغا لم أجد ملتحدا كقولك «أن لا قياما فقعودا» . استدل جمهور المعتزلة بقوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ الآية.
على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله أَبَداً وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟ أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ أَبَداً فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبليغ أعظم الذنوب. وقد يجاب أيضا بأن قوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.
فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصا بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص الله بالكفر.
وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر
стр. 3503
آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع. قال جار الله: حَتَّى إِذا متعلق بقوله يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقينا أن الكافر أضعف الفريقين. وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا. ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ومِنْ رَسُولٍ بيان لِمَنِ ارْتَضى وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله تعالى على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس. وهاهنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير. قوله فَإِنَّهُ يَسْلُكُ الأكثرون على أن الضمير لله سبحانه. وسلك بمعنى أسلك. رَصَداً مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى وورائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. وفي الكلام إضمار التقدير. إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك. وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ورَصَداً حال. قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال لِيَعْلَمَ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مرارا. قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير. وقوله مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مع قوله أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا كقوله فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى. ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به. ثم عمم العلم فقال وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار. وعَدَداً مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدودا محصورا أو تمييز والله أعلم.
قِيلًا هـ ط طَوِيلًا هـ ط تَبْتِيلًا هـ ط بالخفض لا يقف وَكِيلًا هـ جَمِيلًا هـ م قَلِيلًا هـ وَجَحِيماً هـ لا أَلِيماً هـ وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون. مَهِيلًا هـ رَسُولًا هـ وَبِيلًا هـ شِيباً هـ لا بناء على أن ما بعده صفة يوما بِهِ ط مَفْعُولًا هـ تَذْكِرَةٌ ج للشرط مع الفاء سَبِيلًا هـ مَعَكَ ط وَالنَّهارَ هـ الْقُرْآنِ ط مَرْضى لا للعطف مِنْ فَضْلِ اللَّهِ لا لذلك فِي سَبِيلِ اللَّهِ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار فَاقْرَؤُا هـ مِنْهُ لا للعطف حَسَناً ط أَجْراً ط لاختلاف الجملتين اللَّهُ ط رَحِيمٌ هـ
التفسير:
الْمُزَّمِّلُ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي ﷺ بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل ﵇ خافه فظن أن به مسا من الجن فرجع من الجبل مرتعدا وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن
قال الكلبي: إنما تزمل النبي ﷺ بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
ومثله
عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقالت: إنه ﷺ كان تزمل مرطا سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.
وقيل: أنه ﷺ كان نائما بالليل متزملا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر بأن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة،
وقال عكرمة: اشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يا أيها الذي احتمل أمرا عظيما يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل. قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ. وقيل: كان واجبا عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله نِصْفَهُ بدل من الليل وإِلَّا قَلِيلًا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلا أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه. وإن شئت جعلت نِصْفَهُ بدلا من قَلِيلًا لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة إلا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفا فشيئا فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييرا بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد
стр. 3506
عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في مِنْهُ وعَلَيْهِ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلا فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلا، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من قَلِيلًا جعلت قَلِيلًا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلا نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلا نصفه وهو الثمن فيكون تخييرا بين النصف وحده والربع والثمن معا والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح. وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله قَلِيلًا الثلث لقوله تعالى في السورة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي ﷺ ربما يتفق له خطأ بالاجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض. وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فيصير تقدير الآية. قم الثلثين ثم نصف الليل. أو انقص من النصف، أو زد عليه. والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة. عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. ثم علم أدب القراءة فقال وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه «ثغر مرتل» إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان. سئلت عائشة عن قراءة النبي ﷺ فقالت: لا كسر دكم. هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. وفي قوله تَرْتِيلًا زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور. حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعدة لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر. وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقا. ومنه قيل «برحاء الوحي» . وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به. وقيل: باق على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه. وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها. والفرق بين أقسامها من
стр. 3507
المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.
ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مبادئ نشوء الليل. والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل. وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت. ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.
ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟ قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم. وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والانفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار. الوطاء والمواطأة الموافقة. قال الحسن:
يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام. ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله «اللهم أشدد وطأتك على مضر» وَأَقْوَمُ قِيلًا وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش. قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و «أصوب قيلا» فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي أَقْوَمُ فقال: إنهما واحد. قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ. قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز. ثم أكد أمر قيام الليل بقوله إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا قال المبرد: أي تصرفا وتقلبا في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه. وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه. وقيل: أن لك في النهار مجالا للنوم والاستراحة وللتصرف في الحوائج. ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر اسم الرب والتبتل إليه وهو الانقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد. فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلا لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولا ما هو المقصود ثم أشار أخيرا إلى سببه تأكيدا مع رعاية الفاصلة. ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
стр. 3508
لأن التكميل والإحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وهو إشارة إلى كماله تعالى في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره. وقوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضيا بإلهيته معترفا بربوبيته، وفيه تسلية للنبي ﷺ أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين. ثم أمره بالصبر عند الاختلاط وبالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم. والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مرارا أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ. في أمثال هذه الآية. ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.
والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه سبحانه أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه سبحانه يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم. والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال. عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم. والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع. ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع «فعلي» «بمعنى» «مفعول» من كثب الشيء جمعه. وقال الليث. الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به. وسمي الكثيب كثيبا لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها بأسرها تجتمع فتصير واحدا، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السالفة لا سيما فرعون وجنوده. وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا ﷺ بحاله أنسب. ومعنى شاهِداً عَلَيْكُمْ كما مر في قوله وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] إنما عرّف الرسول ثانيا لأنه ينصرف إلى المعهود
стр. 3509
السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم. قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأمستوبل.
ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرى قائلا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً وانتصب يَوْماً على أنه مفعول به ل تَتَّقُونَ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟ ويجوز أن يكون ظرفا ل تَتَّقُونَ أي فيكف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيبا جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب. والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل «يوم يشيب نواصي الأطفال» والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزان تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج. وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز. وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون. الثاني قوله السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار. والباء في بِهِ بمعنى «في» عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالا يؤدي إلى انفطارها كقوله ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٧] كانَ وَعْدُهُ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول إِنَّ هذِهِ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف تَذْكِرَةٌ موعظة شافية فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى قرب رَبِّهِ سَبِيلًا بالإتعاظ والادكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية. قال المفسرون: إن النبي ﷺ وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلا إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ أقل منهما. قال أهل المعاني والبيان: انما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وَتقوم نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.
ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من
стр. 3510
الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر. وقوله وَطائِفَةٌ عطف على المستتر في تَقُومُ وجاز من غير تأكيد للفصل وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو. وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الاسم دون الفعل. ثم أكد المعنى المذكور بقوله عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم فَتابَ عَلَيْكُمْ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ الأكثرون على أن القراءة هاهنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخا للأول. ثم إنهما نسخا جميعا بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن. وعن بعضهم أنها القراءة حقيقة.
وروي «من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين» «١»
ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال عَلِمَ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ. و «أن» في قوله أَنْ سَيَكُونُ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و «كان» تامة أي سيوجد مِنْكُمْ مَرْضى هي جمع مريض وَآخَرُونَ عطف عليه في الموضعين سوى الله سبحانه بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفا عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضيع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء. عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوعا ظنا. أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء. وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم. وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ من إعادة الأوّل تأكيدا للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعا وبقي ذلك فرضا على النبي ﷺ . ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضا مما يغلب على الظن أن الآية مدنية. وقيل: هي زكاة الفطر. ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله وَأَقْرِضُوا اللَّهَ ويحتمل أن يعود هذا أيضا إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن
стр. 3511
إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط. ثم حث على الإنفاق مطلقا بقوله وَما تُقَدِّمُوا الآية وقوله هُوَ صيغة الفصل. وقوله خَيْراً ثاني مفعولي تَجِدُوهُ ثم حرض على الاستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.
إذا بالألف دبر من الدبور. مستنفرة بفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل تخافون بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان وما تذكرون على الخطاب: نافع ويعقوب.
الوقوف:
الْمُدَّثِّرُ هـ لا فَأَنْذِرْ هـ لا فَكَبِّرْ هـ ك فَطَهِّرْ هـ ك فَاهْجُرْ هـ ك تَسْتَكْثِرُ هـ ك فَاصْبِرْ هـ ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى النَّاقُورِ هـ لا عَسِيرٌ هـ يَسِيرٍ هـ وَحِيداً هـ لا مَمْدُوداً هـ ك شُهُوداً هـ ك تَمْهِيداً هـ ك أَنْ أَزِيدَ هـ كَلَّا ط عَنِيداً هـ ط للإبتداء بالتهديد صَعُوداً هـ ك للإبتداء بأن وَقَدَّرَ هـ لا قَدَّرَ هـ لا نَظَرَ هـ لا وَبَسَرَ هـ ك وَاسْتَكْبَرَ هـ ك يُؤْثَرُ هـ ك الْبَشَرِ هـ سَقَرَ هـ لا ما سَقَرُ هـ ط لتناهي الاستفهام وَلا تَذَرُ هـ م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود لِلْبَشَرِ ط للآية ولأن ما بعده من تمام المقصود عَشَرَ هـ ط مَلائِكَةً ص لاتفاق الجملتين مع استقلال كل منهما بنفي واستثناء كَفَرُوا لا لتعلق اللام وَالْمُؤْمِنُونَ لا لذلك مَثَلًا ط وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ط إِلَّا هُوَ ط لِلْبَشَرِ هـ قد يوصل على جعل كَلَّا ردعا والوقف على لِلْبَشَرِ دون كَلَّا صواب لأنه تأكيد القسم بعدها وَالْقَمَرِ هـ لا إِذْ أَدْبَرَ هـ لا أَسْفَرَ هـ لا الْكُبَرِ هـ لِلْبَشَرِ هـ يَتَأَخَّرَ هـ ط رَهِينَةٌ هـ لا الْيَمِينِ هـ ط على تقديرهم في جنات يتساءلون فيها. والوقف على جَنَّاتٍ أولى لعدم الإضمار سَقَرَ هـ الْمُصَلِّينَ هـ الْمِسْكِينَ هـ الْخائِضِينَ هـ ك الدِّينِ هـ لا الْيَقِينُ هـ الشَّافِعِينَ هـ ج للإبتداء بالاستفهام به مُعْرِضِينَ هـ لا لأن ما بعده صفتهم مُسْتَنْفِرَةٌ هـ ط قَسْوَرَةٍ هـ ط مُنَشَّرَةً هـ ط كَلَّا للردع عن الإرادة الْآخِرَةَ لا على جعل كَلَّا بمعنى حقا تَذْكِرَةٌ ج للشرط مع الفاء ذَكَرَهُ هـ اللَّهُ هـ الْمَغْفِرَةِ هـ
التفسير:
روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فرأيت الملك قاعدا على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء باردا، ونزل جبرائيل وقال يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما نزول. وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتم فتغطى بثوبه مفكرا فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم. وقيل: أراد يا أيها المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى. والدثار ما فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي
стр. 3514
الجسد
قال ﷺ «الأنصار شعار والناس دثار» «١»
قوله قُمْ أي من مضجعك أو قم قيام عزم وتصمم. وقوله فَأَنْذِرْ متروك المفعول لئلا يختص بأحد نحو «فلان يعطي» أي فافعل الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. قوله وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظم ربك مما يقول عبدة الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام.
وعن مقاتل: وهو نفس التكبير.
يروى أنه لما نزل قال النبي ﷺ : الله أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات
ولا يبعد أن يكون للنبي ﷺ في أول الأمر صلوات مخصوصة والفاءات في فَكَبِّرْ وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان من شيء فلا تدع تكبيره. وقوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ في تفسيره وجوه أربعة:
أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره. فعن الشافعي أن المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضا لا يحل استعمال النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا.
وروي أنهم ألقوا على رسول الله ﷺ سلى شاة فرجع إلى بيته حزينا وتدثر ثيابه فقيل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عن أن لا ينتقم منهم وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن التقصير لأن العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم. وقال علي ﵇: قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى. وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال. الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب لاشتماله على النفس. وكان العرب لا يتنظفون وقت الاستنجاء فأمر النبي ﷺ وسلم بالتنظيف.
الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازا قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم الانتقام والسآمة من الدعوة إلى دين الله لأجل أذى القوم. وهذا بعد مناسبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئا من المثالب. ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة. وقيل: هو أمر بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة.
وهذا تأويل من حمل قوله وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] على آثام الجاهلية: وقيل:
стр. 3515
معناه نساءك طهرهن. وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم. قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ على تحسين الأخلاق والاجتناب عن المعاصي وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ لا تعط مستكثرا رائيا لما أعطيته كثيرا بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الاستكثار ينبيء على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: ٢٦٧] فقوله تَسْتَكْثِرُ مرفوع والجملة في موضع الحال منصوبا، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم «أن» وأبطل عملها كما
روي «ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى»
بالرفع. واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدرا الاستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا. وأقول:
هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غدا. وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الاستقراض وهو أن يهب شيئا طامعا في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه
جاء في الحديث «المستغزر يثاب من هبته»
ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصا برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصا بهذا الوجه. ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن معنى. وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائدا أو مساويا أو ناقصا. أما الزائد فظاهر. وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة.
ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائدا على العطاء فسمي طلب الثواب استكثارا حملا للشيء على أغلب أحواله، وكما أن الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربي ولدها فسمي الولد ربيبا، ثم اتسع ولد المرأة ربيبا. وإن كان كبيرا خارجا عن حد التربية أمر ﷺ أن يكون عطاؤه خاليا عن انتظار العوض والتفات النفس إليه كيف كان حتى يقع خالصا لوجه الله ويكون صابرا محتسبا.
وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال وَلا تَمْنُنْ على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أي استعمل الصبر في مظانه خالصا لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله. وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجرا فيكثر مالك.
وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك «حبل من» أي ضعيف ومنه «منّه السير» أي أضعفه. والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما مر في قوله «أحضر
стр. 3516
الوغى» قوله فَإِذا نُقِرَ الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك والفاء في فَذلِكَ للجزاء. وانتصب فَإِذا بما دل عليه الجزاء لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين «فاعول» من النقر كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم. فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في الآلات ذوات الأوتار. قال الجوهري في الصحاح فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ أي نفخ في الصور. وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن النقر غير النفخ.
وهكذا من كلام الحليمي في كتاب «المنهاج» وذلك أنه قال: جاء في الأخبار إن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و «النفخ» لتكون الصيحة أهول وأعظم. وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه. واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت المغايرة. ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه سبحانه أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك يقولون يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [الحاقة: ٢٧] أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. قلت:
لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق. أو نقول: مبدأ الشدة من حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي فَذلِكَ النقر يَوْمَئِذٍ نقر يَوْمٌ عَسِيرٌ فالعامل في يَوْمَئِذٍ هو النقر. ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم ويَوْمَئِذٍ مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلا منه كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير وقوله غَيْرُ يَسِيرٍ تأكيد كقولك «أنا محب لك غير مبغض» وفائدته أن يعلم أن عسره على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفيا عنه رأسا ويعلم هذا من تقديم الظرف.
روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة المخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل اجتمعوا وقالوا: ان وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد فكل منا يجيب بجواب آخر فواحد
стр. 3517
يقول مجنون. وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد. فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعت كلام عبيد بن الأبرص وكلام أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما. فقال الآخر. وهو كاهن. فقال الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط. فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحدا قط فقام الوليد وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئا زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل. فأجمعوا على تلقيب محمد ﷺ بهذا اللقب وفرحوا بذلك وتعجبوا عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمدا لساحر، فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزينا فتدثر بقطيفة وأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الآية.
ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وهو كقوله في المزمل وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [الآية: ١١] وقوله وَحِيداً من غير شكة أحد أو من «مفعول» خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد. ويجوز أن يكون نصبا على الذم والمراد أذم وحيدا بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد فإن كان علما فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو استهزاء به وتهكم بحسب ظنه واعتقاده نحو ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] فيفيد أنه ليس وحيدا في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر. وقيل: إن وَحِيداً مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له فيكون طعنا في نسبه كما في قوله عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ن: ١٣] وفي المال الممدود وجوه أظهرها أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر. وقال ابن عباس:
هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال. وعلى هذا يكون المال الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه. وقريب منه ما روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفا ولا شتاء. ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم
стр. 3518
اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله وَبَنِينَ شُهُوداً وجوه: أحدها أنهم حضور معه بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم غير محزون بفراقهم.
الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل. الثالث أنهم من أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم. وأما عددهم فعن مجاهد: عشرة وقيل:
ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس. قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة. قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ أبو القاسم فيه
أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا النبي ﷺ في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن أبي ربيعه وسلمة بن هشام. ثم قدم المدينة فتوفى بها فكفنه رسول الله ﷺ في قميصه
وكانت أم سلمة تندبه.
أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة ... أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة
وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله ﷺ مؤلف كتاب «جامع الأصول» : هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرا وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال:
كرهت أن تظنوا اني أسلمت جزعا من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من أيديهم ولحق بالمدينة.
والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسير قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر وهاجروا ثم إنه أبقاه هاهنا في بقية الكفار. قوله وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين «أدام الله تأييدك وتمهيدك» أي بسطتك وتصرفك في الأمور. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش. ومعنى «ثم» في قوله ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي. قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وقيل: إن تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي. ثم قال الله تعالى كَلَّا حتى افتقر ومات فقيرا.
ثم علل الردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لا يزداد؟ فقال: لأنه كانَ لِآياتِنا عَنِيداً معاندا والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعد ما حكينا عنه ما
روي أن الوليد مر برسول
стр. 3519
الله ﷺ وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفا من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى،
ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معاندا، والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله تعالى به. وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصا بآيات الله وإن كان تاركا للعناد في سائر الأمور. وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكرا للتوحيد والنبوة والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أو عده الله سبحانه أشد الوعيد قائلا سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما الظاهر وهو ما
روي عن النبي «الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا» «١»
وعنه ﷺ «يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت»
الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في قوله يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [الجن: ١٧] ثم فسر كيفية عناده بقوله إِنَّهُ فَكَّرَ ماذا يقول في القرآن وَقَدَّرَ في نفسه كلاما فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وهذا الكلام ما ينطق به العرب عند التعجب والاستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه. وقاتله ما أشعره، وأخزاه ما أظرفه.
والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه. والمعنى في الآية التعجب من قوة خاطره. أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد ﷺ بحيث وأفق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق الاستهزاء. ومعنى ثُمَّ الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديرا للتقدير أي ينظر فيه بتمام الاحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه. ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلا ثُمَّ نَظَرَ في وجوه القوم ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قال الليث: عبس عبوسا إذا قطب ما بين عينيه فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح وَاسْتَكْبَرَ عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ما يقوله ثم نظر فيه احتياطا والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه.
ومعنى «ثم» في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة. والفاء في قوله تعالى فَقالَ للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ. وقوله يُؤْثَرُ من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع السحر. قوله إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ جار
стр. 3520
مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما. أراد بذلك أنه ملفوظ من كلام غيره. ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ولعله بدل من قوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ثم قال وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ والمراد التهويل: ثم بينه بقوله لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ قال بعضهم: معناهما واحد والتكرير للمبالغة. وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئا فإذا أعيدوا خلقا جديدا فلا تترك إحراقهم وهكذا أبدا. وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئا إلّا أحرقته. وقيل: لا تبقى على شيء ولا تذر من قوتها شيئا إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبرا بعد خبر لَوَّاحَةٌ ويجوز أن يكون هذا خبرا لمبتدأ آخر. قال أكثر المفسرين: هي من لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي أعلى الجلود بإحراقها. واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولا ثم تفنيها، فمعنى لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام.
ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها تِسْعَةَ عَشَرَ فترك المميز فقيل صنفا.
والأكثرون شخصا مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفا في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم. وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين والكواكب وأيام السنة والشهور. وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات. وقيل: إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير. وقيل:
إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله. وقيل: إن أبواب جهنم سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل. قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها. والقوى الحيوانية الشهوة والغضب. والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة. والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه القوى التسع عشر لا جرم كان عدد
стр. 3521
الزبانية كذلك. يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال المسلمون: ويحكم أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟ وجرى هذا مثلا في كل شيئين لا يسوىّ بينهما وأنزل الله تعالى وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي ﷺ من جنس الأمة ليكون بهم رؤفا رحيما. ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعا كالحيوانات المائية. وقوله وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً الآية. هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله تعالى وقال الكعبي: هي الامتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه. وقال:
بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف. وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال. ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان البتة وهو المعنى بالإضلال.
واعلم أن في الآية دلالة على أنه سبحانه جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سببا لأمور أربعة: أولها لِيَسْتَيْقِنَ ثانيها وَيَزْدادَ ثالثها وَلا يَرْتابَ رابعها وَلِيَقُولَ وفيه إشكال.
قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سببا ولكنه وضع فِتْنَةً موضع تِسْعَةَ عَشَرَ تعبيرا عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيها على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر. وقال آخرون:
تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك. قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى. وأما سبب استيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم. فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد ﷺ لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم. ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترئ على التكلم به خوفا من السخرية. وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه. وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب. فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك. وفيه أيضا تعريض
стр. 3522
بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ والكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقا فكان معجزا.
واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع. وقوله ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا إلى قوله مَنْ يَشاءُ قد مر في «البقرة» . وجعل مثل هذا العدد مثلا لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله. والكاف في كَذلِكَ منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي. قوله وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله سبحانه كما يقوله أهل الحق وقد مر. وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال تعالى في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لفرط كثرتها إِلَّا هُوَ فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها. قوله وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى متصل بوصف سقر. وقوله وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إلى هاهنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس. ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله كَلَّا قيل: إنكار لأن يكون للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا، أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقا تأكيدا للقسم بعده. قال الفراء:
دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل. روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير. وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت السبع كلها متواترة. قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس الدابر. وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء واحد. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه. ثم قال إِنَّها أي إن سقر التي جرى ذكرها لَإِحْدَى البلايا أو الدواهي الْكُبَرِ جمع الكبرى. قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت «فعلة» على «فعل» جمعت «فعلى» عليه. ونظير ذلك «السوافي» في جمع «السافياء» وهو التراب الذي يسفيه الريح. «والقواصع» في جمع «القاصعاء» كأنها فاعلة. وقال المفسرون: المراد من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم والهاوية. فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر. وقال أهل المعاني: أراد أنها من بين الدواهي واحدة في العظم لا
стр. 3523
نظير لها ونَذِيراً تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذارا كما تقول: هي إحدى النساء عفافا وقيل نَذِيراً حال ومن غريب التفسير أن نَذِيراً متصل بأول السورة أي قم فأنذر نذيرا. ثم قال لِمَنْ شاءَ السبق أو هو خبر وما بعده وهو أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى الخير أو التخلف عنه. «أو» للتهديد كقوله فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] ويجوز أن يكون لِمَنْ شاءَ بدلا من قوله لِلْبَشَرِ أي إنها منذرة للذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو. واستدلال المعتزلة على أن العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو الله سبحانه أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر. سلمنا أن الفاعل ضمير عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ثم أكد المعنى المتقدم بقوله كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي ليس لامرئ إلا جزاء عمله كما مر نظيره في «الطور» . قال النحويون: التاء في رهينة ليست للتأنيث لأن «فعيلا» بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم. وأقول أيضا: يحتمل أن تكون التاء للمبالغة إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم فكوا رقابهم عن الرهن بسبب أعمالهم الحسنة كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. قال الكلبي:
هم الذين كانوا على يمين آدم. وقال ابن عباس: هم الملائكة.
وعن علي ﵇ وابن عمر: هم الأطفال.
قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثما يرتهنون به، ولأنه تعالى ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق بالولدان الذين لا يعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على التوبيخ والتخجيل. قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضا عن حالهم. أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك «دعوته أنا وتداعيناه نحن» . ثم زعم أن الوجه في قوله ما سَلَكَكُمْ على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة هو أنه حكاية قول المسئولين لأن المسئولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم فِي سَقَرَ وقال غيره: المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما سلككم؟ وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير. وهذا التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعا ذائعا كقوله فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأعراف: ١٦٢] «أن يسألوا
стр. 3524
الحق يعطي الحق سائله» . وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز وأحدهما محذوف؟ وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟ فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين. قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما. الثالث الشروع في الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم. الرابع التكذيب بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولها كالتكذيب بيوم الدين. وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل كقوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البلد: ١٧] ويجوز أن يكون سبب التأخير أنه آخر الأصول فأوّلها المبدأ وآخرها المعاد. وأيضا أراد أن يرتب عليه قوله حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن معنى ولا لفظا لوقوع الفصل بين المعطوفات. قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها أو بكلها. قلت: إنهم جميعا مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ وفيه دليل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة مُعْرِضِينَ حال نحو مالك قائما كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجبا لنفرتهم، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ وهى اسم جمع للرماة أو اسم جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم. وعن عكرمة: ظلمة الليل. ومن قرأ بفتح الفاء فهي المحمولة على النفار. ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار يناسب النفار. ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين. إلى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك. وروى بعضهم انهم قالوا: إن كان محمدا صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله تعالى فقال: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً أي قراطيس منشرة تقرأ كسائر الصحف، أو منشرة على أيدي الملائكة
стр. 3525
أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى. وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل كان الرجل منهم يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. فعلى هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة. ثم زجرهم عن اقتراح الآيات فقال كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ فلذلك أعرضوا عن التذكرة. ثم وصف القرآن بأنه موعظة بليغة وتذكر شاف فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وتذكير الضمير هاهنا وفي إنه بتأويل الذكر أو القرآن. ثم بين السبب
الأصلي في عدم التذكرة قائلا وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ واستدلال الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء. ثم ختم السورة بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقي، وصفة اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب.
стр. 3526
(سورة القيامة)
(وهي مكية حروفها ثلاثمائة واثنان وخمسون كلماتها مائة وتسع وتسعون آياتها أربعون)
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ٤٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤)
ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)
أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
القراآت:
روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل لأقسم على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ برق بفتح الراء: أبو جعفر ونافع. الآخرون: بكسرها تُحِبُّونَ وتَذَرُونَ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف وَلا صَلَّى إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة الشديدة. يُمْنى على التذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس. الباقون: بتاء التأنيث.
الوقوف:
الْقِيامَةِ هـ لا اللَّوَّامَةِ هـ عِظامَهُ هـ ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها بَنانَهُ هـ أَمامَهُ هـ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف الْقِيامَةِ هـ ج الْبَصَرُ هـ لا الْقَمَرُ هـ ك الْمَفَرُّ هـ ك لأن كلا يصلح للردع عن الفرار والأجوز لا
стр. 3527
وَزَرَ
هـ ط الْمُسْتَقَرُّ
هـ ط وَأَخَّرَ
هـ ط بَصِيرَةٌ
هـ لا مَعاذِيرَهُ
هـ لا لِتَعْجَلَ بِهِ
هـ ط وَقُرْآنَهُ
هـ ج لاحتمال أن «ثم» لترتيب الأخبار بَيانَهُ هـ ط الْعاجِلَةَ هـ الْآخِرَةَ هـ ناضِرَةٌ هـ ج ناظِرَةٌ هـ ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة باسِرَةٌ هـ فاقِرَةٌ هـ ط التَّراقِيَ هـ لا راقٍ
هـ ك الْفِراقُ هـ ك بِالسَّاقِ هـ ك الْمَساقُ هـ ك وَلا صَلَّى هـ لا وَتَوَلَّى هـ ك يَتَمَطَّى هـ ط للعدول إلى الخطاب فَأَوْلى هـ لا سُدىً هـ ط يُمْنى هـ فَسَوَّى هـ ك وَالْأُنْثى هـ ط الْمَوْتى هـ
التفسير:
المشهور أن «لا» في لا أُقْسِمُ صلة زائدة كما مر في قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع. والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام إنه يستأهل فوق ذلك. الاعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته:
فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدّعي القوم أني أفرّ
وفائدة الزيادة كما تقرر. وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه. وقيل:
المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق. وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ لأقسم على أن اللام للابتداء.
وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيما لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيرا لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل. أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [الآية:
٥٣] بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة. والذي ذكره المفسرون هاهنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة
стр. 3528
على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة. وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.
وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائما نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه. ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى. ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه. وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم ﵇ وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة. وقيل: أن الإنسان خلق هلوعا فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة. والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الأقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها. قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.
وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله ﷺ يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء. قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي ﷺ فقال:
لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن به، أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله سبحانه أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ الآية.
قوله قادِرِينَ حال مؤكدة لانه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها. وقيل: معنى التسوية جعلها شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله بَلْ يُرِيدُ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاما مقدرا. ومعنى لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة. وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله. قال أهل النظم: وإن إنكار البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ إلى قوله بَنانَهُ وأنكر على الثاني بقوله
стр. 3529
بَلْ يُرِيدُ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة يَسْئَلُ سؤال تنعت أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ثم ذكر من أمارات الساعة أمورا أولها فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ أي تحير فزعا وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة. ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [إبراهيم: ٤٢] وثانيها وَخَسَفَ الْقَمَرُ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه، أو ذهب بنفسه من قوله فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [القصص: ٨١] وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده لأن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهرا. وثالثها وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.
وقيل: في ذهاب الضوء. وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث،
ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، والثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيرا أي جريحا كان أبلغ في ذلك. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى. طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.
وأجيب بأنه تعالى قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض. والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال. ولئن سلمنا أن المراد هو الاجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحاق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور. ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال:
عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس. وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه. قال الفراء: إنما قال جُمِعَ ولم يقل «جمعت» مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور. وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياءان. وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير يَقُولُ الْإِنْسانُ المنكر للقيامة أَيْنَ الْمَفَرُّ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد كَلَّا ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة. قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان. وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعا. وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل
стр. 3530
لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال إِلى رَبِّكَ
خاصة دون غيره يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
أي استقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره. يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ
من عمل وَأَخَّرَ
فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة. وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله. والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة. وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار. ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
أي حجة بينة. وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة. قال الأخفش:
جعله في نفسه بصيرة كما يقال «فلان جود وكرم» وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه. قوله وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئا من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه. قال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعا لقيل معاذر بغير ياء. وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله:
إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب. فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة استدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها لا تُحَرِّكْ بِهِ
أي بالقرآن الذي نتلوه عليك لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
أي بأخذه.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك،
نظيره ما مر في «طه» وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [الآية: ١١٤] وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذونا فيه أولا ثم ورد النهي ناسخا له إِنَّ عَلَيْنا
بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة جَمْعَهُ
في صدرك وَقُرْآنَهُ
سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظه لقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: ٦] فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد ﷺ . وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء فَإِذا قَرَأْناهُ
بقراءة جبرائيل فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
قال قتادة: أي حلاله وحرامه
стр. 3531
وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل ﵇ لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.
قال ابن عباس: فكان النبي ﷺ بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.
ثم إنه ﷺ كما كان حريصا على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصا على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضا بوعد البيان وهو قوله إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز. إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوها منها: أن هذا الاستعجال لعله اتفق للنبي ﷺ عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئا من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يمينا وشمالا فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يمينا وشمالا، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسبة على من لم يعرف الواقعة. ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقا ولو في أمور الدين فقال لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
ورتب على ذم الاستعجال قوله كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ومنها أنه لما قال وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
وكان النبي ﷺ يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال أَيْنَ الْمَفَرُّ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به. ومنها أنه تعالى كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه. وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
كأنه حين عرض كتابه يقال له اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤] فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته. قوله سبحانه. كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ قال بعضهم: هو بمعنى حقا. وقال جار الله: هو ردع لرسول الله ﷺ عن عادة العجلة وحث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل
стр. 3532
تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى. ثم وصف اليوم الآخر بقوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ذات نضارة وبهاء. والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف:
والأولى عندي تقليلا للمجاز أن يراد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ شديدة العبوس تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير. قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه. وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه تعالى محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون ب «إلى» إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال سبحانه وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله تعالى محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ. والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح. واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى ب «إلى» كقوله انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظرا للشخص، أما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقرونا بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك. وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك. سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون «إلى» واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر هاهنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء. وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة، وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة. والضمير في بَلَغَتِ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله
стр. 3533
فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة: ٨٣] والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب. قوله وَقِيلَ مَنْ راقٍ
إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه
«بسم الله أرقيك من كل ما يؤذيك» «١»
فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء: ٩٣] فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب. وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟ وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء وَظَنَّ المحتضر أي تيقن أَنَّهُ وقت الْفِراقُ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألوفاتها. وفي التعبير عن اليقين هاهنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت. واستدل بهذه الآية على أن النفس باق بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقا والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها. الثاني أن الساق هي العضو المخصوص. قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه عى الأخرى؟ قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه. وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحداهما بالأخرى.
стр. 3534
وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالا إِلى رَبِّكَ أي حكمة خاصة يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أي السوق. وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار. قوله فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله سبحانه عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلا فَلا صَدَّقَ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ بالحق وَتَوَلَّى عن الطاعة ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى متبخترا مفتخرا بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في «تقضى البازي» . ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره. قال أهل العربية «لا» هاهنا بمعنى «لم» وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه
الحديث «لا أكل ولا شرب ولا استهل» «١»
أما قوله عز من قائل فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] فسيجيء
قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله ﷺ بيد أبي جهل ثم قال له أَوْلى لَكَ فَأَوْلى
يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله فَأَوْلى لَهُمْ [محمد: ٢٠] وذلك في سورة القتال.
فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئا وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهبا فأنزل الله كما قال الرسول.
قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضا وعيدا مبتدأ من الله للكافر على طريقة الالتفات. ويحتمل أن يكون أمرا من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدرا أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا. ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أي هملا لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة ومَنِيٍّ يُمْنى يراق في الرحم. من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة. والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات. والمني «فعيل» بمعنى «مفعول» من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضا على الماء المخصوص فقوله مِنْ مَنِيٍّ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها. وقوله
стр. 3535
يُمْنى تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والاستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥] والمراد به قضاء الحاجة. قوله فَخَلَقَ فَسَوَّى أي قدّر فعدّل أركانه. وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة فَجَعَلَ مِنْهُ أي من الإنسان الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى. والله الموفق وإليه المصير والمآب.
ويقفون بالألف قوارير قوارير غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين. الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف. لُؤْلُؤاً بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد. الآخرون:
بهمزتين. عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون:
بفتح الياء وضم الهاء خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع فيهما وإستبرق بالخفض: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد. الآخرون: بالخفض فيهما وما يشاؤن على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو
الوقوف:
مَذْكُوراً هـ أَمْشاجٍ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن نَبْتَلِيهِ صفة له لأنه حال من خَلَقْنَا أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في نَبْتَلِيهِ واحد والأمشاج جمع. بَصِيراً هـ كَفُوراً هـ سَعِيراً هـ كافُوراً هـ ج لاحتمال أن يكون عَيْناً بدلا تَفْجِيراً هـ مُسْتَطِيراً هـ شُكُوراً هـ قَمْطَرِيراً هـ سُرُوراً هـ ج عَلَى الْأَرائِكِ ط لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف زَمْهَرِيراً هـ ج لما يعرف في التفسير تَذْلِيلًا هـ كانت قوارير هـ لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى تَقْدِيراً هـ زَنْجَبِيلًا هـ ج لما مر في كافُوراً سَلْسَبِيلًا هـ ج مُخَلَّدُونَ هـ بناء على أن حَسِبْتَهُمْ صفة الولدان والظرف عارض مَنْثُوراً هـ كَبِيراً هـ وَإِسْتَبْرَقٌ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا فِضَّةٍ ج لأن الواو يحتمل الحال والاستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم طَهُوراً هـ ط مَشْكُوراً هـ تَنْزِيلًا هـ ج للآية مع الفاء أَوْ كَفُوراً هـ أَصِيلًا هـ ج لما ذكرنا طَوِيلًا هـ ثَقِيلًا هـ أَسْرَهُمْ ج تَبْدِيلًا هـ تَذْكِرَةٌ ج سَبِيلًا هـ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ط حَكِيماً هـ والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة فِي رَحْمَتِهِ ط أَلِيماً هـ
التفسير:
اتفقوا على أن «هل» هاهنا وفي «الغاشية» بمعنى «قد» وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع «هل» كقوله:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟
ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى. فالاستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب
стр. 3538
فيكون حاصله أنه أَتى عَلَى الْإِنْسانِ قبل زمان قريب حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وهو طائفة من الزمان غير محدودة. وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان هاهنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طينا إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئا مذكورا بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين. ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير. ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنسانا إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضا عند الأكثرين. ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة. وقوله لَمْ يَكُنْ محله رفع على أنه نعت حِينٌ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف. وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة. وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه. قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعا نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعا، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين. يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان ماء الرجل. وهو أبيض غليظ- وماء المرأة- وهو أصفر رقيق- والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة. عن ابن مسعود: هي عروق النطفة. وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الابتلاء بعضهم بهذا الانتقال ومنه قول ابن عباس نَبْتَلِيهِ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة. والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والامتحان. ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر. وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حسا فقد علما. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل:
جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك. والمعنى جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل
стр. 3539
الهدى والضلالة. فقوله شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من مفعول هَدَيْناهُ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكرا أو كفورا. وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا. وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة. أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون «إما» في هذه الآية كما في قوله وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦] والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكرا تارة كفورا.
والمراد بالشكر الإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة. ويجوز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقا وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق. قوله سَلاسِلَ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة. قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضا. وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد ولهذا جاز «صواحبات يوسف» . وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله وارِيرَ
فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار. عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر مِنْ كَأْسٍ أي إناء فيه الشراب. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.
والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجا بماء هذا العين قيل: «كان» زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكنها مسلوبة الدلالة على المضي كقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ١٧] عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك. وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور. قال جار الله: فقوله عَيْناً على هذين القولين بدل من محل كَأْسٍ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمرا خمر عين، أو نصب على الإختصاص. ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله سبحانه مخصوص في اصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط استدلال المعتزلة بقوله وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] كما مر في أول الزمر. وإنما قال أولا يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ وآخرا يَشْرَبُ بِها لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى «مع» مثل «شربت الماء بالعسل»
стр. 3540
يُفَجِّرُونَها يجرونها حيث شاؤا من منازلهم تَفْجِيراً سهلا «قال مؤلف الكتاب» : لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة. والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك. قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟ فأجاب بقوله يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى. ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي ﷺ ولا سيما في هذه الآي.
يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله ﷺ في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه. ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي ﵁ بيد الحسن والحسين إلى رسول الله ﷺ فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.
ويروى أن السائل في الليالي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله سبحانه.
ووصفهم الله سبحانه بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولا في قوله وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي مكروهه مستطيرا فاشيا منتشرا من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله من طار. والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفسي
إلا نبينا محمد فإنه يقول «أمتي أمتي»
والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.
ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على ما قال لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:
١٠٣] وثانيا في قوله إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً وإذا كان حال أهل بيت النبي ﷺ أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف. وأما الضمير في حُبِّهِ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا