التي لا انقطاع لها «١» الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً بأعمالهم الحسنة وَمَصِيراً- ١٥- يعني ومرجعا «لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ» «٢» خالِدِينَ فيها لا يموتون كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً منه فى الدنيا مَسْؤُلًا- ١٦- يسأله في الآخرة المتقون إنجاز ما وعدهم في الدنيا وهي الجنة وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني يجمعهم يعنى كفار مكة وَيحشر ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الملائكة فَيَقُولُ للملائكة: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ يقول: أنتم أمرتموهم بعبادتكم؟ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ- ١٧- يقول أو هم أخطئوا طريق الهدى فتبرأت الملائكة ف قالُوا سُبْحانَكَ نزهوه- ﵎ أن يكون معه آلهة مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ يعني «ما لنا أن نتخذ من دونك وليا «٣» » أنت ولينا من دونهم وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ يعنى كفار مكة وَمتعت آباءَهُمْ من قبلهم حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ يقول حتى تركوا إيمانا بالقرآن وَكانُوا قَوْماً بُوراً- ١٨- يعني هلكى يقول الله- تعالى- لكفار مكة: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ الملائكة بِما تَقُولُونَ بأنهم لم يأمروكم بعبادتهم «٤» فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً يقول لا تقدر الملائكة صرف العذاب عنكم «ولا نصرا» [٤٤ أ] يعني ولا منعا يمنعونكم منه «٥» وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ يعني يشرك بالله في الدنيا فيموت على الشرك «٦» نُذِقْهُ
стр. 1087
في الآخرة عَذاباً كَبِيراً- ١٩- يعني شديدا وكقوله فى بنى إسرائيل:
« ... وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً» «١» يعني شديدا وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ لقول كفار مكة للنبي- ﷺ أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ابتلينا بعضا ببعض وذلك حين أسلم أبو ذر الغفاري- ﵁، وعبد اللَّه بن مَسْعُود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، وخباب بن الأرت، وجبر مولى عامر بن الحضرمي، وسالم مولى أبي حذيفة، والنمر بن قاسط، وعامر بن فهيرة، ومهجع بن عبد الله، ونحوهم من الفقراء، فقال أبو جهل، وأمية، والوليد، وعقبة، وسهيل، والمستهزءون من قريش: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا- ﷺ من موالينا وأعواننا رذالة كل قبيلة فازدروهم، فقال الله- ﵎ لهؤلاء الفقراء من العرب والموالي أَتَصْبِرُونَ؟ على الأذى والاستهزاء وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً- ٢٠- أن تصبروا فصبروا ولم يجزعوا فأنزل الله- فيهم «إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا» على الأذى والاستهزاء من كفار قريش « ... أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ» «٢» يعني الناجين من العذاب وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا يعني لا يخشون البعث نزلت في عبد الله بن أمية والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص بن الأحنف وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، ويغيض بن عامر بن هشام لَوْلا يعني هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فكانوا رسلا إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا أنك رسول، يقول الله- تعالى-: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا يقول تكبروا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً- ٢١- يقول علوا فى القول علوا شديدا حين قالوا أو نرى ربنا فهكذا العلو فى القول.
стр. 1088
يقول الله- ﵎: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وذلك أن كفار مكة إذا خرجوا من قبورهم قالت لهم الحفظة من الملائكة- ﵈ حرام محرم عليكم- أيها المجرمون- أن يكون لكم من البشرى شيء حين رأيتمونا «١» ، كما بُشِّرَ المؤمنون في حم السجدة، فذلك قوله: «وَيَقُولُونَ» «٢» يعني الحفظة من الملائكة للكفار: حِجْراً مَحْجُوراً- ٢٢- يعني حراما محرما عليكم- أيها المجرمون- البشارة كما بشر المؤمنون وَقَدِمْنا يعني وجئنا ويقال وعمدنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً- ٢٣- يعني كالغبار الذي يسطع من حوافر الدواب أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا يعني أفضل منزلا في الجنة وَأَحْسَنُ مَقِيلًا- ٢٤- يعني القائلة، وذلك أنه يخفف عنهم الحساب ثم تقيلون من يومهم ذلك في الجنة مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فيما يشتهون من التحف والكرامة، فذلك قوله- تعالى: «وَأَحْسَنُ مَقِيلا» من مقبل الكفار، وذلك أنه إذا فرغ من عرض الكفار، أخرج لهم عنق من النار يحيط بهم، فذلك قوله في الكهف: « ... أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها «٣» ... » ثم خرج من النار دخان «٤» ظل أسود فيتفرق عليهم من فوقهم ثلاث فرق وهم في السرادق فينطلقون يستظلون تحتها مما أصابهم من حر السرادق فيأخذهم الغثيان والشدة من حره وهو أخف العذاب فيقبلون فيها لا مقبل راحة فذلك مقيل أهل النار ثم يدخلون النار أفواجا أفواجا وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ يعني السموات السبع يقول عن الغمام وهو أبيض
стр. 1089
كهيئة الضبابة لنزول الرب- وملائكته، فذلك قوله- سبحانه- وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ من السماء إلى الأرض عند انشقاقها تَنْزِيلًا- ٢٥- لحساب الثقلين كقوله- في البقرة: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ»
... » .
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وحده- ﷻ واليوم الكفار ينازعونه في أمر وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً- ٢٦- يقول عسر عليهم يومئذ مواطن يوم لشدته القيامة ومشقته، ويهون على المؤمن كأدنى «٢» صلاته وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يعني ندامة يعني عقبة بن أبي معيط بن عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وذلك أنه كان يكثر مجالسة النبي- ﷺ وأصحابه فقال له خليله وهو أمية «٣» بن خلف الجمحي: يا عقبة، ما أراك إلا قد صبأت إلى حديث هذا الرجل، يعني النبي- ﷺ ، فقال:
لم أفعل. فقال: وجهي من وجهك حرام إن لم تنقل فى وجه محمد [٤٥ أ] ﷺ وتبرأ منه حتى يعلم قومك وعشيرتك أنك غير مفارق لهم.
ففعل ذلك عقبة فأنزل الله- فى عقبة بن أبى معيط «ويوم بعض الظالم على يديه» من الندامة يَقُولُ يَا لَيْتَنِي يتمنى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا- ٢٧- إلى الهدى يَا وَيْلَتى يدعو بالويل، ثم يتمنى فيقول:
يا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً يعني أمية خَلِيلًا- ٢٨- يعني يا ليتني لم أطع فلانا يعنى
стр. 1090
أمية بن خلف فقتله النَّبِيّ- ﷺ يوم بدر، وقتل عقبة «عاصم» «١» بن أبي الأفلح الأنصاري صبرا بأمر رسول الله- ﷺ ولم يقتل من الأسرى يوم بدر «من قريش» «٢» غيره والنضر بن الحارث «٣» ، يقول عقبة: لَقَدْ أَضَلَّنِي لقد ردني عَنِ الذِّكْرِ يعني عن الإيمان بالقرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يعني حين جاءني وَكانَ الشَّيْطانُ في الآخرة لِلْإِنْسانِ يعني عقبة خَذُولًا- ٢٩- يقول يتبرأ منه ونزول فيهما «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... » «٤» وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قريشا اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً- ٣٠- يقول تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له يقول الله- : يعزي نبيه- ﷺ وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ نزلت في أبي جهل «وحده» «٥» «أي» «٦» فلا يكبرن عليك فإن الأنبياء قبلك قد لقيت هذا التكذيب من قومهم، ثم قال- : وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً إلى دينه وَنَصِيراً- ٣١- يعني ومانعا فلا أحد أهدى من الله- ولا أمنع منه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ يعنى هلا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كما جاء به موسى
стр. 1091
وعيسى يقول: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ يعني «ليثبت القرآن في قلبك» «١» وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا- ٣٢- يعني نرسله ترسلا آيات ثم آيات ذلك قوله- سبحانه «٢» -:
«وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا» «٣» ثم قال- :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ يخاصمونك به إضمار لقولهم: «لولا نزل» «٤» عليه القرآن جملة واحدة، ونحوه في القرآن مما يخاصمون به النبي- ﷺ فيرد الله- عليهم قولهم، فذلك قوله- : إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ فيما تخصمهم به وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً- ٣٣- يعني وأحسن تبيانا فترد به خصومتهم، ثم أخبر الله- بمستقرهم في الآخرة فقال- سبحانه-:
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً [٤٥ ب] وَأَضَلُّ سَبِيلًا- ٣٤- يعنى وأخطا طريق الهدى في الدنيا من المؤمنين وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يقول أعطينا موسى- ﵇ التوراة وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً- ٣٥- يعني معينا ثم انقطع الكلام فأخبر الله- محمد- ﷺ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ يعنى أهل مصر الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني الآيات التسع فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً- ٣٦- يعني أهلكناهم بالعذاب هلاكا «٥» يعني الغرق وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا يعني حين كَذَّبُوا الرُّسُلَ يعني نوحا وحده أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً يعنى عبرة
стр. 1092
لمن بعدهم وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً- ٣٧- يعنى وجيعا، ثم قال- تعالى-:
وَأهلكنا عاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ يعني البئر التي قتل فيها صاحب ياسين «١» بأنطاكية التي بالشام وَقُرُوناً يعني وأهلكنا أمما بَيْنَ ذلِكَ ما بين عاد إلى أصحاب الرس كَثِيراً- ٣٨- وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً- ٣٩- وكلا دمرنا بالعذاب تدميرا «وَلَقَدْ أَتَوْا» «٢» عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ بالحجارة مَطَرَ السَّوْءِ يعني قرية لوط- ﵇ كل حجر في العظم على قدر كل إنسان أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها؟ فيعتبروا بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً- ٤٠- يقول- بل كانوا لا يخشون بعثا، نظيرها في تبارك الملك: « ... وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» «٣» يعني الإحياء «وَإِذا رَأَوْكَ» «٤» يعني النبي- ﷺ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا- ٤١- ﷺ نزلت في أبي جهل- لعنه الله- ثم قال أبو جهل: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا يعني ليستزلنا عن عبادة آلهتنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا يعني تثبتنا عَلَيْها يعني على عبادتها ليدخلنا في دينه، يقول الله- ﵎: «وَسَوْفَ» «٥» يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ في الآخرة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا- ٤٢- يعني من أخطأ طريق الهدى أهم أم المؤمنون؟ فنزلت أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وذلك أن الحارث بن قيس
стр. 1093
السهمي هوى شيئا فعبده أَفَأَنْتَ يا محمد تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا- ٤٣- يعني مسيطرا يقول تريد أن تبدل المشيئة «١» إلى الهدى والضلالة أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ «إلى الهدى» «٢» أَوْ يَعْقِلُونَ الهدى ثم شبههم «٣» بالبهائم، فقال- سبحانه-: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ في الأكل والشرب لا يلتفتون إلى الآخرة بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا- ٤٤-[٤٦ أ] يقول بل هم أخطأ طريقا «٤» من البهائم لأنها تعرف ربها وتذكره، وكفار مكة «٥» لا يعرفون ربهم فيوحدونه أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً يقول- ﵎ لو شاء لجعل الظل دائما لا يزول إلى يوم القيامة ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ يعني على الظل دَلِيلًا- ٤٥- تتلوه الشمس فتدفعه حتى تأتي على الظل كله ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا يعني الظل قَبْضاً يَسِيراً- ٤٦- يعني خفيفا «٦» وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً يعني سكنا وَالنَّوْمَ سُباتاً يعني الإنسان مسبوتا لا يعقل كأنه ميت وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً- ٤٧- ينتشرون فيه لابتغاء الرزق وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً يعني يبشر السحاب بالمطر «٧» بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً
стр. 1094
يعنى المطر طَهُوراً- ٤٨- للمومنين لِنُحْيِيَ بِهِ المطر بَلْدَةً مَيْتاً ليس فيه نبت فينبت بالمطر وَنُسْقِيَهُ بالرياح والمطر مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً في تلك البلدة وَأَناسِيَّ كَثِيراً- ٤٩- في تلك البلدة وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ يعني المطر بين الناس يصرف المطر أحيانا مرة بهذا البلد ومرة ببلد آخر، فذلك التصرف لِيَذَّكَّرُوا في صنعه فيعتبروا في توحيد الله- فيوحده فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً- ٥٠- يعني إلا كفرا بالله- تعالى- في نعمه وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا زمانك يا محمد فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً- ٥١- يعني رسولا، ولكن بعثناك إلى القرى كلها رسولا اختصصناك بها فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ يعني كفار مكة دعوا النَّبِيّ- ﷺ إلى ملة آبائه وَجاهِدْهُمْ بِهِ يعني بالقرآن جِهاداً كَبِيراً- ٥٢- يعني شديدا وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني ماء المالح على ماء العذب هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ يعني- ﵎ خلدا طيبا وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ يعني مرا من شدة الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً يعني أجلا «١» وَحِجْراً مَحْجُوراً- ٥٣- يعني حجابا محجوبا فلا يختلطان ولا يفسد طعم الماء العذب وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً يعني النطفة إنسانا فَجَعَلَهُ يعني الإنسان نَسَباً وَصِهْراً أما النسب فالقرابة سبع: أمهاتكم وبناتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ والصهر من القرابة «٢» له خمس نسوة، أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من
стр. 1095
الرَّضَاعَةِ، وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ «وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ» «١» اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تكونوا دخلتم [٤٦ ب] بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم فهذا من الصهر، ثم قال- تعالى-: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً- ٥٤- على ما أراده وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الملائكة ما لا يَنْفَعُهُمْ في الآخرة إن عبدوهم وَلا يَضُرُّهُمْ في الدنيا إذا لم يعبدوهم وَكانَ الْكافِرُ يعني أبا جهل عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً- ٥٥- يعني معينا للمشركين على ألا يوحدوا الله- وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة وَنَذِيراً- ٥٦- من النار قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني على الإيمان «٢» مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا- ٥٧- لطاعته وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وذلك حين دعى النبي- ﷺ إلى ملة آبائه وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ» «٣» أي بحمد ربك يقول واذكر بأمره وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً- ٥٨- يعني بذنوب كفار مكة فلا أحد أخبر ولا أعلم بذنوب العباد من الله- ، ثم عظم نفسه- ﵎ فقال- : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل ذلك «٤» الرَّحْمنُ- ﷻ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً- ٥٩- يعني فاسأل بالله خبيرا يا من تسأل عنه محمدا «٥»
стр. 1096
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ لكفار مكة اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ- وذلك
أن أبا جهل قال: يا محمد إن كنت تعلم الشعر فنحن عارفون لك، فقال النبي- ﷺ الشعر غير هذا، إن هذا كلام الرحمن- . قال أبو جهل: بخ بخ أجل، لعمر الله، إنه هذا لكلام الرحمن الذي باليمامة، فهو يعلمك «١» قال النبي- ﷺ : الرحمن هو الله- الذي في السماء ومن عنده يأتي جبريل- ﵇. فقال أبو جهل: يا آل غالب «٢» ، من يعذرني من ابن أبي كبشة يزعم أن ربه واحد وهو يقول الله يعلمني، والرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهين؟، قال الوليد بن المغيرة، وعتبة، وعقبة: ما نعلم الله والرحمن إلا اسمين، فأما الله فقد عرفناه وهو الذي خلق ما نرى، وأما الرحمن فلا نعلمه إلا مسيلمة الكذاب. ثم قال: يا بن أبي كبشة تدعو إلى عبادة الرحمن الذي باليمامة. فأنزل الله- «وَإِذَا قِيلَ لهم اسجدوا للرحمن»
يعنى صلوا للرحمن قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ فأنكروه أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا؟ يعني نصلي للذي تأمرنا يعنون مسيلمة وَزادَهُمْ نُفُوراً- ٦٠- يقول زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعنى مضيئا وَهُوَ الَّذِي [٤٧ أ] جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً فجعل النهار خلفا من الليل لمن كانت له حاجة وكان مشغولا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ الله- أَوْ أَرادَ شُكُوراً- ٦٢- في الليل والنهار يعني عبادته وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني حلما في اقتصاد وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ
стр. 1097
يعني السفهاء قالُوا سَلاماً- ٦٣- يقول إذا سمعوا الشتم والأذى من كفار مكة من أجل الإسلام ردوا معروفا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ بالليل في الصلاة سُجَّداً وَقِياماً- ٦٤- وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً- ٦٥- يعني لازما لصاحبه لا يفارقه إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً- ٦٦- يعني بئس المستقر وبئس الخلود، كقوله- سبحانه-: « ... دارَ الْمُقامَةِ «١» ... » يعني دار الخلد وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا في غير حق وَلَمْ يَقْتُرُوا يعني ولم يمسكوا عن حق وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً- ٦٧- يعنى بين الإسراف والإفتار مقتصدا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ يعني لا يعبدون مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ يعني بالقصاص وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ جميعا يَلْقَ أَثاماً- ٦٨- يعنى جزاؤه واديا في جهنم يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ يعني في العذاب مُهاناً- ٦٩- يعني يهان «٢» فيه نزلت بمكة فَلَمَّا هاجر النَّبِيّ- ﷺ إلى المدينة، كتب وحشي بن حبيش غلام المطعم عدى ابن نوفل بن عبد مناف، إلى النبي- ﷺ بعد ما قتل حمزة- هل لي من توبة وقد أشركت وقتلت وزنيت؟
فسكت النبي- ﷺ ، فأنزل الله فيه بعد سنتين «٣» . فقال- سبحانه-: إِلَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ يعني وصدق بتوحيد الله- وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ يعنى يحول الله
стр. 1098
- سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ والتبديل من العمل السيء إلى العمل الصالح وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان في الشرك رَحِيماً- ٧٠- به في الإسلام فأسلم وحشي، وكان وحشي «قد قتل» «١» حمزة بن عبد المطلب- ﵇ يوم أحد، ثم أسلم، فأمره النبي- ﷺ فخرب مسجد المنافقين، ثم قتل مسيلمة الكذاب باليمامة على عهد أبي بكر الصديق- ﵁ فكان وحشي يقول أنا الذي قتلت خير الناس، يعني حمزة، وأنا الذي قتلت شر الناس، يعني مسيلمة الكذاب، فلما قبل الله- توبة وحشي، قال كفار مكة: كلنا قد عمل عمل وحشي فقد قبل الله- [٤٧ ب] توبته ولم ينزل فينا شيء «٢» فأنزل الله- في كفار مكة «٣» « ... يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ (جَمِيعاً ... » «٤» ) في الإسلام، يعني بالإسراف الذنوب العظام الشرك والقتل والزنا، فكان بين هذه الآية « ... (وَلا يَقْتُلُونَ) «٥» النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... » إلى آخر الآية «٦» ، وبين الآية التي في النساء « ... وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ... «٧» » إلى آخر الآية، ثماني سنين وَمَنْ تابَ من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
стр. 1099
- ٧١- يعني مناصحا لا يعود إلى نكل الذنب وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني لا يحضرون الذنب يعني الشرك وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً- ٧٢- يقول إذا سمعوا من كفار مكة الشتم والأذى على الإسلام «مَرُّوا كِراماً» معرضين عنهم، كقوله- سبحانه-: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ «١» ... » وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني والذين إذا وعظوا بآيات القرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً- ٧٣- يقول لم يقفوا عليها صما لم يسمعوها ولا عميانا لم يبصروها كفعل مشركي مكة ولكنهم سمعوا وأبصروا وانتفعوا به وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يقول اجعلهم صالحين فتقرأ عيننا بذلك وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً- ٧٤- يقول واجعلنا أئمة يقتدى بنا في الخير أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً- ٧٥- نظيرها في الزمر- « ... لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ «٢» ... » .
قال أبو محمد: سألت أبا صالح عنها، فقال: قال مُقَاتِلُ: «اجعلنا نقتدي بصالح أسلافنا، حتى «يقتدي بنا من بعدنا «٣» » ، بِما صَبَرُوا على أمر الله- وَيُلَقَّوْنَ «٤» فِيها تَحِيَّةً يعني السلام ثم قال: وَسَلاماً يقول وسلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم، ويقال «٥» التسليم من الملائكة عليهم خالِدِينَ فِيها
стр. 1100
لا يموتون أبدا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا فيها وَمُقاماً- ٧٦- يعنى الخلود قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ يقول ما يفعل بكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول لولا عبادتكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ النبي- ﷺ ، يعد كفار مكة فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً- ٧٧- يلزمكم العذاب ببدر، فقتلوا وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل الله- تعالى- بأرواحهم إلى النار فيعرضون عليها طرفي النهار.
سورة الشعراء «١» سورة الشعراء مكية، غير آيتين فإنهما مدنيتان أحدهما قوله- تعالى-:
«أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ «٢» آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ ... » «٣» الآية. والأخرى قوله- تعالى-:
«وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٤» » .
وبعض أهل التفسير يقول: إن من قوله- تعالى-: «وَالشُّعَراءُ ... »
إلى آخرها وهن أربع آيات «٥» مدنيات. والله أعلم بما أنزل «٦» .
стр. 1104
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم- ١- تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ- ٢- يعني- ما بين فيه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه لَعَلَّكَ يا محمد باخِعٌ نَفْسَكَ وذلك حين كذب به كفار مكة منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأمية بن خلف، فشق على النبي- ﷺ تكذيبهم إياه فأنزل الله- «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ» يعني قاتلا نفسك حزنا أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ- ٣- يعنى ألا يكونوا مصدقين بالقول بأنه من عند الله- نظيرها في الكهف «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ... » إِنْ نَشَأْ يعني لو نشاء نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ يعني فمالت أَعْناقُهُمْ «لَها» يعني للآية خاضِعِينَ- ٤- يعني مقبلين إليها مؤمنين بالآية وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ يقول ما يحدث الله- إلى النبي- ﷺ من القرآن إِلَّا كانُوا عَنْهُ يعني عن الإيمان بالقرآن مُعْرِضِينَ- ٥- فَقَدْ كَذَّبُوا بالحق يعني بالقرآن لما جاءهم يعني حين جاءهم به محمد- ﷺ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا يعنى حديث ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- ٦- وذلك أنهم حين كذبوا بالقرآن أوعدهم الله- بالقتل ببدر، ثم وعظهم ليعتبروا فقال
стр. 1105
- : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ- ٧- يقول كم أخرجنا من الأرض من كل صنف من ألوان النبت حسن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في النبت لعبرة في توحيد الله- أنه واحد وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ يعني أهل مكة مُؤْمِنِينَ- ٨- يعني مصدقين بالتوحيد وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ- ٩- في نقمته منهم ببدر «الرَّحِيمُ» حين لا يعجل عليهم بالعقوبة إلى الوقت «المحدد لهم «١» » وَإِذْ نادى رَبُّكَ يقول وإذ أمر ربك يا محمد مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٠- يعني المشركين «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» «٢» واسمه فيطوس بأرض مصر وقل لهم:
يا موسى، أَلا يَتَّقُونَ- ١١- يعني ألا يعبدون الله- قالَ موسى: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ- ١٢- فيما أقول «٣» وَأخاف أن يَضِيقُ صَدْرِي يعني يضيق قلبي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بالبلاغ فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ- ١٣- يقول فأرسل معى هرون، كقوله في النساء: « ... وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ... «٤» » يعنى مع أموالكم وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني عندي ذنب يعني قتل النفس فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ- ١٤- قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا لا تخافا القتل «٥» إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ- ١٥-أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
- ١٦- كقوله- سبحانه-:
стр. 1106
«فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ «١» » يعنى نفسه «٢» وهرون رسولا ربك لقول «٣» فرعون أنا الرب والإله ثم انقطع الكلام. ثم انطلق موسى- ﷺ إلى مصر وهرون بمصر فانطلقا كلاهما إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول، فلما دخلا عليه قال، موسى لفرعون: «إنا» يعنى نفسه وهرون- ﵇ «رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ- ١٧- إلى أرض فلسطين لا تستعبدهم فعرف فرعون موسى لأنه رباه في بيته، فلما قتل موسى- ﵇ النفس هرب من مصر فلما أتاه قالَ فرعون له:
أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً يعنى صبيا وَلَبِثْتَ فِينا يعنى عندنا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ- ١٨- يعني ثلاثين سنة وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ- ١٩- قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ- ٢٠- يعني من الجاهلين وهي قراءة ابن مسعود «فعلتها إذا وأنا من الجاهلين» فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلون فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً يعنى العلم والفهم وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٢١- إليكم، ثم قال لفرعون: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ يا فرعون تمن علي بإحسانك إلي خاصة فيما زعمت وتنسى إساءتك أَنْ عَبَّدْتَ يقول استعبدت بَنِي إِسْرائِيلَ- ٢٢- فاتخذتهم عبيدا لقومك القبط وكان فرعون «قد» قهرهم «٤» أربعمائة وثلاثين سنة ويقال وأربعين سنة، وإنما كانت بنو إسرائيل بمصر حين أتاها يعقوب وبنوه وحشمه حين أتوا
стр. 1107
يوسف «١» قالَ فِرْعَوْنُ لموسى: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ- ٢٣- منكرا له قالَ موسى: هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا من العجائب إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- ٢٤- بتوحيد الله- قالَ فرعون لِمَنْ حَوْلَهُ يعني الأشراف وكان حوله خمسون «٢» ومائة من أشرافهم أصحاب الأثرة «٣» .
أَلا تَسْتَمِعُونَ- ٢٥- إلى قول هذا يعني موسى قالَ موسى: هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ- ٢٦- قالَ فرعون لهم: إِنَّ رَسُولَكُمُ يعني موسى الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ- ٢٧- قالَ موسى هو: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يعني مشرق ومغرب يوم «٤» ، يستوي الليل والنهار في السنة يومين ويسمى البرج الميزان، ثم قال: وَما بَيْنَهُما يعني «ما» «٥» بين المشرق والمغرب من جبل أو بناء أو شجر أو شيء إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- ٢٨- توحيد الله- قالَ فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً يعنى ربا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ- ٢٩- يعني من المحبوسين قالَ موسى: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ- ٣٠- يعنى بأمر بين يعنى اليد والعصا بستبين لك أمري فتصدقني قالَ فرعون: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٣١-
стр. 1108
بأنك رسول رب العالمين إلينا. «فَأَلْقى عَصاهُ «١» وفي يد موسى- ﵇ عصاه وكانت من الآس. قال ابن عباس: إن جبرئيل دفع العصا إلى موسى- ﵉ بالليل حين توجه إلى مدين وكان آدم- ﵇ أخرج بالعصا من الجنة، فلما مات آدم قبضها جبريل- ﵇ فَقَالَ مُوسَى لفرعون: ما هَذِهِ بيدي. قَالَ فرعون:
هذه عصا. فألقاها موسى من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ- ٣٢- يعني حية ذكر أصفر أشعر العنق عظيم ملأ الدار عظما قائم على ذنبه يتلمظ على فرعون وقومه يتوعدهم، قال فرعون: خذها يا موسى، مخافة أن تبتلعه فأخذ بذنبها فصارت عصا مثل ما كانت. قال فرعون: هل من آية أخرى غيرها؟ قال موسى: نعم. فأبزر يده، قال لفرعون: ما هذه؟ قال فرعون: هذه يدك. فأدخلها في جيبه وهي مدرعة مصرية من صوف «وَنَزَعَ يَدَهُ» «٢» يعني أخرج يده من المدرعة فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ- ٣٣- لها شعاع مثل شعاع الشمس من شدة بياضها يغشي البصر قالَ فرعون: لِلْمَلَإِ يعني الأشراف حَوْلَهُ إِنَّ هذا يعني موسى لَساحِرٌ عَلِيمٌ- ٣٤- بالسحر يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ يعنى مصر بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ- ٣٥- يقول فماذا تشيرون علي، فرد عليه الملأ من قومه يعني الأشراف قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يقول احبسهما جميعا ولا تقتلهما حتى تنظر ما أمرهما وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ يعني في القرى حاشِرِينَ- ٣٦- يحشرون عليك السحرة، فذلك قوله- سبحانه: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ- ٣٧- يعني عالم بالسحر فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
стр. 1109
- ٣٨- يعني موقت وهو يوم عيدهم وهو يوم الزينة وهم اثنان وسبعون ساحرا من أهل فارس وبقيتهم من بني إسرائيل وَقِيلَ لِلنَّاسِ يعنى لأهل مصر هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ- ٣٩- إلى السحرة لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ على أمرهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ- ٤٠- لموسى وأخيه واجتمعوا، فقال موسى للساحر الأكبر: تؤمن بي إن غلبتك؟ قال الساحر: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، فإن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر إليهما ولا يفهم ما يقولان فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً يعنى جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ- ٤١- لموسى وأخيه قالَ فرعون: نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- ٤٢- عندي في المنزلة سوى الجعل قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما في أيديكم من الحبال والعصي مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ- ٤٣- فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ يعني بعظمة فرعون، كقولهم «١» لشعيب:
« ... وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ... «٢» » يعنى بعظيم إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ- ٤٤- فإذا هي حيات في أعين الناس، وفي عين موسى وهرون تسعى إلى موسى وأخيه، وإنما هي حبال وعصي لا تحرك فخاف موسى فقال جبريل لموسى- ﵉:
ألق عصاك فإذا هي حية عظيمة سدت الأفق برأسها وعلقت ذنبها في قبة لفرعون طول القبة سبعون ذراعا في السماء وذلك في المحرم يوم السبت لثماني ليال خلون من المحرم «٣» . ثم إن حية موسى فتحت فاها فجعلت تلقهم تلك الحيات فلم يبق منها شيء، فذلك قوله- :
стр. 1110
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ «١» - ٤٥- يعني فإذا هي تلقم ما يكذبون من سحرهم ثم أخذ موسى- ﵇ بذنبها فإذا هي عصا كما كانت، فقال السحرة بعضهم لبعض لو كان هذا سحر لبقيت الحبال والعصي، فذلك قوله- فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ- ٤٦- لله- قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٤٧- لقول موسى أنا رسول رب العالمين، فقال فرعون:
أنا رب العالمين، قالت السحرة: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ- ٤٨- فبهت فرعون عند ذلك وألقى بيديه ف قالَ فرعون للسحرة: آمَنْتُمْ لَهُ يقول صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يقول من قبل أن آمركم بالإيمان به، ثم قال فرعون للسحرة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ إن هذا لمكر مكرتموه، يقول إن هذا لقول قلتموه أنتم يعني به السحرة وموسى في المدينة يعني في أهل مدين لتخرجوا منها أهلها بقول الساحر الأكبر لموسى حين قال لئن غلبتني لأؤمن بك، ثم قال فرعون: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد فأخبرهم بالوعيد فقال:
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ- ٤٩- فِي جذوع النخل فردت عليه السحرة حين أوعدهم بالقتل والصلب قالُوا لا ضَيْرَ ما عسيت أن تصنع هل هو إلا أن تقتلنا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ- ٥٠- يعني لراجعون إلى الآخرة إِنَّا نَطْمَعُ أي نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا يعنى سحرنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ- ٥١- يعني أول المصدقين بتوحيد الله- من أهل
стр. 1111
مصر فقطعهم وصلبهم فرعون من يومه، قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخر النهار شهداء.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بني إسرائيل ليلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ- ٥٢- يعني يتبعكم فرعون وقومه فأمر جبريل- ﵇ كل أهل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ويعلم تلك الأبواب بدم الخراف «١» فإن الله- يبعث الملائكة إلى أهل مصر فمن لم يروا على بابه دما دخلوا بيته فقتلوا أبكارهم، من أنفسهم وأنعامهم، فيشغلهم دفنهم إذا أصبحوا عن طلب موسى ففعلوا واستعاروا حلي أهل مصر فساروا من ليلتهم قبل البحر هارون على المقدمة وموسى على الساقة فأصبح فرعون من الغد يوم الأحد وقد قتلت الملائكة أبكارهم فاشتغلوا بدفنهم ثم جمع الجموع فساروا يوم الاثنين في طلب موسى- ﵇ وأصحابه. وهامان على مقدمة فرعون فى ألفى ألف وخمسمائة. ويقال ألف ألف مُقَاتِلٍ، فذلك قوله- : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ- ٥٣- يحشرون الناس في طلب موسى- ﵇ وهرون- ﵇ وبني إسرائيل. ثم قال فرعون: إِنَّ هؤُلاءِ يعني بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ يعني عصابة قَلِيلُونَ- ٥٤- وهم ستمائة ألف وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ- ٥٥- لقتلهم أبكارنا ثم هربوا منا وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ- ٥٦- علينا السلاح. «٢»
يقول الله- تعالى-: فَأَخْرَجْناهُمْ من مصر مِنْ جَنَّاتٍ يعني البساتين وَعُيُونٍ- ٥٧- يعني أنهار جارية وَكُنُوزٍ يعني الأموال الظاهرة من
стр. 1112
الذهب والفضة وإنما سمي كنزا لأنه لم يعط حق الله- منه وكل ما لم يعط حق الله- تعالى- منه فهو كنز وإن كان ظاهرا، قال سبحانه وَمَقامٍ كَرِيمٍ- ٥٨- يعني المساكن الحسان كَذلِكَ هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر وما كانوا فيه من الخير، ثم قال- سبحانه-: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ- ٥٩- وذلك أن الله- رد بني إسرائيل بعد ما أغرق فرعون وقومه إلى مصر فَأَتْبَعُوهُمْ يقول فاتبعهم فرعون وقومه مُشْرِقِينَ- ٦٠- يعني ضحى فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ يعني جمع موسى- ﵇ وجمع فرعون فعاين بعضهم بعضا قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ- ٦١- هذا فرعون وقومه لحقونا من ورائنا وهذا البحر أمامنا قد غشينا ولا منقذ لنا منه قالَ موسى- ﵇: كَلَّا «لا يدركوننا» «١» إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ- ٦٢- الطريق وذلك أن جبريل- ﵇ حين أتاه فأمره بالمسير من مصر قال: موعد ما بيننا وبينك البحر فعلم موسى- ﵇ أن الله- سيجعل له مخرجا وذلك يوم الاثنين العاشر من المحرم «٢» فلما صار موسى إلى البحر أوحى الله- إليه «٣» «فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى» أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فجاءه جبريل- ﵇ فقال اضرب بعصاك البحر فضربه بعصاه في أربع ساعات من النهار فَانْفَلَقَ البحر فانشق الماء اثني عشر طريقا يابسا، كل طريق طوله فرسخان وعرضه فرسخان، وقام الماء عن يمين الماء وعن يساره كالجبل العظيم، فذلك
стр. 1113
قوله- فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ- ٦٣- يعني كالجبلين المقابلين «١» كل واحد منهما على الآخر وفيهما كوى من طريق إلى طريق لينظر بعضهم إلى بعض إذا ساروا فيه ليكون آنس لهم إذا نظر بعضهم إلى بعض فسلك كل سبط من بني إسرائيل في طريق لا «يخالطهم» «٢» أحد من غيرهم وكانوا اثني عشر سبطا فساروا في اثني عشر طريقا «٣» فقطعوا البحر وهو نهر النيل بين أيلة ومصر نصف النهار فى ساعتين فتلك ست ساعات من النهار يوم الاثنين وهو يوم العاشر من المحرم، فصام موسى- ﵇ يوم العاشر شكر الله- حين أنجاه الله- وأغرق عدوه فرعون فمن ثم تصومه اليهود.
وسار فرعون وقومه في تمام ثمانية ساعات فلما توسطوا البحر تفرقت الطرق عليهم فأغرقهم الله- أجمعين، فذاك قوله- تعالى-: وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ- ٦٤- يعني هناك الآخرين. قربنا فرعون وجنوده في مسلك بني إسرائيل وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ- ٦٥- من الغرق فلم يبق أحد إلا نجا ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ- ٦٦- يعني فرعون وقومه في تمام تسع ساعات من النهار ثم أوحى الله- إلى البحر فألقى فرعون على الساحل في ساعة فتلك «٤» عشر ساعات وبقي من النهار ساعتان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول في هلاك فرعون وقومه لعبرة لمن بعدهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ٦٧- يقول لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله- ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا. ولم يؤمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون
стр. 1114
وحزقيل المؤمن من آل فرعون وفية «١» الماشطة ومريم ابنة ناموثية «٢» التي دلت على عظام يوسف وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه حين انتقم منهم الرَّحِيمُ- ٦٨- بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب وكان موسى بمصر ثلاثين سنة فلما قتل النفس خرج إلى مدين هاربا على رجليه في الصيف بغير زاد وكان راعيا عشر سنين ثم بعثه الله رسولا وهو ابن أربعين سنة ثم دعا قومه ثلاثين سنة ثم قطع البحر فعاش خمسين سنة فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة- ﷺ وكان دعا فرعون وقومه عشر سنين فلما أبوا أرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل وإلى آخر الآية «٣» ثم لبث فيهم «٤» أيضا عشرين سنة كل ذلك ثلاثين سنة فلم يؤمنوا فأغرقهم الله أجمعين فعاش موسى- ﵇ عشرين ومائة سنة.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على أهل مكة نَبَأَ يعني حديث إِبْراهِيمَ- ٦٩- إِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ- ٧٠- قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً من ذهب وفضة وحديد ونحاس وخشب فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ- ٧١- يقول فنقيم عليها عاكفين وهي اثنان وسبعون قالَ إبراهيم- ﵇: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ- ٧٢- يقول هل تجيبكم الأصنام إذا دعوتموهم أَوْ هل يَنْفَعُونَكُمْ في شيء إذا عبدتموها أَوْ يَضُرُّونَ- ٧٣- يضرونكم بشيء
стр. 1115
إن لم تعبدوها فردوا على إبراهيم «قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ» «١» - ٧٤- يعني هكذا يعبدون الأصنام قالَ إبراهيم: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ- ٧٥- من الأصنام أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ- ٧٦- فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي أنا بريء مما تعبدون ثم استثنى إبراهيم- ﵇ مما يعبدون ربَّ العالمين- ﷻ وعبادتهم الله لأنهم يعلمون أن الله- تعالى- هو ربهم هو الذي خلقهم قوله: إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ- ٧٧- مما تعبدون فإني لا أتبرأ منه وإقرارَهم بالله- أنه خلقهم وهو ربهم، وهم عباده ثم ذكر إبراهيم- ﵇ نِعَمَ ربِّ العالمينَ- تعالى- فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ- ٧٨- وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي إذا جعت وَيَسْقِينِ- ٧٩- إذا عطشت وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ- ٨٠- وَالَّذِي يُمِيتُنِي في الدنيا ثُمَّ يُحْيِينِ- ٨١- بعد الموت في الآخرة.
وَالَّذِي أَطْمَعُ يعني أرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ- ٨٢- يعني يوم الحساب يقول أنا أعبد الذي يفعل هذا بي ولا أعبد غيره وخطيئة إبراهيم ثلاث كذبات، حين قال عن سارة «٢» هذه أختي، وحين قال إِنِّي سَقِيمٌ، وحين قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا. إحداهن لنفسه واثنتان لله- دعا ربه- تعالى ذكره- فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً يعني الفهم والعلم وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ- ٨٣- يعني الأنبياء- ﵈ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ- ٨٤- يعني ثناء حسنا يقال من بعدي في الناس فأعطاه
стр. 1116
الله- ذلك فكل أهل دين يقولون «١» إبراهيم- ﵇، ويثنون عليه، ثم قال: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ- ٨٥- يقول اجعلني ممن يرث الجنة وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ- ٨٦- يعني من المشركين وَلا تُخْزِنِي يعني لا تعذبني يَوْمَ يُبْعَثُونَ- ٨٧- يعني يوم تبعث الخلق بعد الموت، ثم نعت إبراهيم- ﵇ ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ- ٨٨- من العذاب من بعد الموت إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ في الآخرة بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- ٨٩- من الشرك مخلصا لله- بالتوحيد فينفعه يوم البعث ماله وولده.
وَأُزْلِفَتِ يعني وقربت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ- ٩٠- وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني وكشف الغطاء عن الجحيم لِلْغاوِينَ- ٩١- من كفار بني آدم وهم الضالون عن الهدى وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ- ٩٢- مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم عبدوا الشيطان نظيرها في الصافات هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ- ٩٣- يعني هل يمنعونكم النار أو يمتنعون منها فَكُبْكِبُوا فِيها يعني فقذفوا في النار يعني فقذفهم الحزنة في النار هُمْ يعني كفار بني آدم وَالْغاوُونَ- ٩٤- يعني الشياطين الذين أغووا بني آدم، ثم قال- تعالى-: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ- ٩٥- يعني ذرية إبليس كلهم قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ- ٩٦- في النار فيها تقديم وذلك أن الكفار من بني آدم قالوا للشياطين: تَاللَّهِ يعني والله إِنْ لقد كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٩٧- إِذْ نُسَوِّيكُمْ يعنى نعد لكم- يا معشر الشياطين- بِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٩٨- في الطاعة فهذه
стр. 1117
خصومتهم، ثم قال كفار مكة من بني آدم: وَما أَضَلَّنا عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ- ٩٩- يعني الشياطين، ثم أظهروا الندامة فقالوا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ- ١٠٠- من الملائكة والبنين وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ- ١٠١- يعني القريب الشفيق فيشفعون لنا كما يشْفَع للمؤمنين، وذلك أنهم لما رأوا كيف يشفع الله- والملائكة والبنين في أهل التوحيد، قالوا عند ذلك «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ... » إلى آخر الآية.
حدثنا أبو محمد قال: حدثني الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ: استكثروا من صداقة المؤمنين فإن المؤمنين يشفعون يوم القيامة، فذلك قوله- سبحانه-:
«وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» ثم قال: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ١٠٢- يعني من المصدقين بالتوحيد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاك قوم إبراهيم لعبرة لمن بعدهم. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٠٣- يقول لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته الرَّحِيمُ- ١٠٤- بالمؤمنين. هلك قوم إبراهيم بالصيحة تفسيره فى سورة العنكبوت «١» .
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ- ١٠٥- يعني كذبوا نوحا وحده، نظيرها في «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» «٢» إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ليس بأخيهم فى الدين ولكن
стр. 1118
أخوهم في النسب أَلا تَتَّقُونَ- ١٠٦- يعني ألا تخشون الله- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٠٧- فيما بينكم وبين ربكم فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١٠٨- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني جعلا وذلك أنهم قالوا للأنبياء إنما تريدون أن تملكوا علينا في أموالنا «١» فردت عليهم الأنبياء فقالوا لا نسألكم عليه «٢» من أجر يعني على الإيمان جعلا إِنْ أَجْرِيَ يعني جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٠٩- فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١١٠- فيما آمركم به من النصيحة قالُوا لنوح أَنُؤْمِنُ لَكَ أنصدقك بقولك وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ- ١١١- يعني السفلة قالَ نوح- ﵇: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١١٢- يقول لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان من بينكم ويدعكم، ثم قال نوح- ﵇: إِنْ حِسابُهُمْ يعني ما جزاء الأرذلون إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ- ١١٣- وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ- ١١٤- يقول وما أنا بالذي لا يقبل «٣» الإيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون عندكم إِنْ أَنَا يعني ما أنا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ- ١١٥- يعنى رسول بين لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يعني لئن لم تسكت يَا نُوحُ عنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ- ١١٦- يعني من المقتولين قالَ نوح: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ- ١١٧- البعث فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً يقول اقض بيني وبينهم قضاء يعني العذاب وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ١١٨- من الغرق فنجاه الله- فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- ١١٩-
стр. 1119
يعني الموقر من الناس والطير والحيوان كلها من كل صنف ذكر وأنثى ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أهل السفينة الْباقِينَ- ١٢٠- يعني من بقي منهم «ممن» «١» لم يركب السفينة. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في هلاك قوم نوح بالغرق لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة ليحذروا مثل عقوبتهم، ثم قال- تعالى-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٢١- يعني مصدقين بتوحيد الله- يقول كان أكثرهم كافرين بالتوحيد ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا، ثم قال- سبحانه-: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته منهم بالغرق الرَّحِيمُ- ١٢٢- بالمؤمنين إذ نجاهم من الغرق، إنما ذكر الله- تعالى- تكذيب الأمم الخالية رسلهم، لما كذب كفار قريش النبي- ﷺ بالرسالة أخبر الله- النبيَّ- ﷺ أنه أرسله كما أرسل نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا فكذبهم قومهم، فكذلك أنت يا محمد وذكر عقوبة قومهم الذين كذبوا رسلهم لئلا يكذب كفار قريش محمدا- ﷺ فحذرهم مثل عذاب الأمم الخالية.
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ- ١٢٣- إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب أَلا تَتَّقُونَ- ١٢٤- يعني ألا تخشون الله- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٢٥- فيما بينكم وبين ربكم فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فاعبدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ١٢٦- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يقول لا أسألكم على الإيمان جعلا إِنْ أَجْرِيَ يقول ما أجري إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٢٧- أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ يعنى طريق آيَةً يعنى علما تَعْبَثُونَ
стр. 1120
- ١٢٨- يعني تلعبون وذلك أنهم كانوا إذا سافروا لا يهتدون إلا بالنجوم فبنوا القصور [٥٣ ا] الطوال عبثا يقول علما بكل طريق يهتدون بها في طريقهم وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ يعني القصور ليذكروا بها هذا منزل بني فلان وبني وفلان لَعَلَّكُمْ يعني كأنكم تَخْلُدُونَ- ١٢٩- في الدنيا فلا تموتون وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ- ١٣٠- يقول إذا أخذتم أخذتم فقتلتم في غير حق كفعل الجبارين، والجبار من يقتل بغير حق فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٣١- وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ يقول اتقوا الله الذي أعطاكم بِما تَعْلَمُونَ «١» - ١٣٢- من الخير، ثم أخبر بالذي أعطاهم، فقال- سبحانه-: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ- ١٣٣- وَجَنَّاتٍ يقول البساتين وَعُيُونٍ- ١٣٤- يعني وأنهار جارية أعطاهم هذا الخير كله، بعد ما «أخبرهم» «٢» عن قوم نوح بالغرق، قال «٣» : فإن لم تؤمنوا ف إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٣٥- أن ينزل بكم في الدنيا يعني بالعظيم الشديد فردوا «عليه» «٤» ﵇ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ بالعذاب أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ- ١٣٦- إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ- ١٣٧- يعني ما هذا العذاب الذي يقول هود إلا أحاديث الأولين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ- ١٣٨- فَكَذَّبُوهُ بالعذاب في الدنيا فَأَهْلَكْناهُمْ بالريح إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول إن في هلاكهم بالريح لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة فيحذروا مثل عقوبتهم، ثم قال- سبحانه-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٣٩-
стр. 1121
ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه حين أهلكهم بالريح الرَّحِيمُ- ١٤٠- بالمؤمنين حين أنجاهم.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ- ١٤١- يعني صالحا وحده إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ فى النسب وليس بأخيهم فى الدين أَلا تَتَّقُونَ- ١٤٢- يعني «ألا تخشون» «١» الله- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٤٣- فيما بينكم وبين الله- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٤٤- فيما آمركم به وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني على الإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني جعلا إِنْ أَجْرِيَ يعني «ما جزائي» «٢» إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٤٥- ثم قال صالح- ﵇: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا من الخير آمِنِينَ- ١٤٦- من الموت، ثم أخبر عن الخير، فقال- سبحانه-: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ- ١٤٧- وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ- ١٤٨- يعني طلعها متراكب بعضها على بعض من الكثرة وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ- ١٤٩- يعني حاذقين بنحتها فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٥٠- فيما آمركم به من النصيحة وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ- ١٥١- يعنى التسعة الذين عقروا الناقة [٥٣ ب] ثم نعتهم فقال- تعالى-: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ- ١٥٢- يقول الذين يعصون في الأرض ولا يطيعون الله- فيما أمرهم به قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ- ١٥٣.
стр. 1122
حدثنا أبو محمد قال: حدثنا الأثرم، قال أبو عبيدة والفراء: المسحر المخلوق، ويقال أيضا الذي له سحر يجتمع فيه طعامه أسفل نحره لأن «نصف العنق» «١» نحر ونصفه سحر مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يقول إنما أنت بشر مثلنا في المنزلة ولا تفضلنا فى شيء لست بملك ولا رسول فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٥٤- بأنك رسول الله إلينا، فقال لهم صالح: إن الله- «سيخرج» «٢» لكم من هذه الصخرة ناقة وبراء عشراء يعني حامل، قال مُقَاتِلُ: كانت الناقة من غير نسل ثم انشقت عن الناقة قالَ لهم صالح- ﵇: هذِهِ ناقَةٌ الله لكم آية بأني رسول الله لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ- ١٥٥- وكان للناقة يوم، ولهم يوم وإذا كان شرب يوم الناقة من الماء كانوا في لبن ما شاءوا وليس لهم ماء فإذا كان يومهم، لم يكن للناقة ماء وكان لأهل القرية ولمواشيهم يوم، ولها يوم آخر «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ» وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يعني ولا تعقروها فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٥٦- في الدنيا فَعَقَرُوها يوم الأربعاء فماتت فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ- ١٥٧- على عقرها فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ يوم السبت من صيحة جبريل- ﵇ فماتوا أجمعين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني في هلاكهم بالصيحة لعبرة لمن بعدهم من هذه الأمة يحذر كفار مكة مثل عذابهم، ثم قال- سبحانه-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٥٨- يعني لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فى نقمته
стр. 1123
من أعدائه الرَّحِيمُ- ١٥٩- بالمؤمنين، وعاد وثمود ابنا عم، ثمود بن عابر ابن أرم بن سام بن نوح وهود بن شالح.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ- ١٦٠- كذبوا لوطا وحده ولوط ابن حراز بن آزر، فسارة أخت لوط- ﵇ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ ابن حراز أَلا تَتَّقُونَ- ١٦١- يعني ألا تخشون الله- إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٦٢- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٦٣- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني ما أسألكم على الإيمان من جعل إِنْ أَجْرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٦٤- أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ- ١٦٥- يعني نكاح الرجال وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ يعنى بالأزواج فروج نسائكم [٥٤ أ] بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ- ١٦٦- يعنى معتدين قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يعني لئن لم تسكت عنا يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ- ١٦٧- من القرية قالَ لوط: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ يعني إتيان الرجال مِنَ الْقالِينَ- ١٦٨- يعني الماقتين رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ- ١٦٩- من الخبائث فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ- ١٧٠-، ثم استثنى فقال: إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ- ١٧١- يعني الباقين في العذاب يعني امرأته ثُمَّ دَمَّرْنَا يعني أهلكنا الْآخَرِينَ- ١٧٢- بالخسف والحصب، فذلك قوله- تعالى-:
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً يعني الحجارة فَساءَ يعني فبئس مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ يعني الذين أنذروا بالعذاب خسف الله بقرى قوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني إن في هلاكهم بالخسف
стр. 1124
والحصب لعبرة لهذه الأمة، ثم قال- تعالى-: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٧٤- لو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته الرَّحِيمُ- ١٧٥- بالمؤمنين، وذلك قوله- تعالى- «ولقد أنذرهم بطشتنا «١» ... » يعنى عذابنا.
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني غيطة الشجر كان أكثر الشجر الدوم وهو المقل الْمُرْسَلِينَ- ١٧٦- يعني كذبوا شعيبا- ﵇ وحده وشعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم- خليل الرحمن إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يكن شعيب من نسبهم، فلذلك لم يقل- أخوهم شعيب وقد كان أرسل إلى أمة غيرهم أيضا إلى ولد مدين، وشعيب من نسلهم فمن ثم قال فى هذه السورة «إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ» ولم يقل أخوهم لأنه ليس من نسلهم:
أَلا تَتَّقُونَ- ١٧٧- يقول ألا تخشون الله- ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ- ١٧٨- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- ١٧٩- فيما آمركم به من النصيحة وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني على الإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني من جعل إِنْ أَجْرِيَ يعني ما جزائي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٨٠- أَوْفُوا الْكَيْلَ ولا تنقصوه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ- ١٨١- يعني من المنقصين للكيل وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ- ١٨٢- يعني بالميزان المستقيم والميزان بلغة الروم القسطاس وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والميزان وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ يعني ولا تسعوا في الأرض مُفْسِدِينَ- ١٨٣- بالمعاصي وَاتَّقُوا يقول واخشوا أن يعذبكم في الدنيا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَخلق الْجِبِلَّةَ يعنى الخليفة الْأَوَّلِينَ- ١٨٤- يعنى
стр. 1125
الأمم الخالية [٥٤ ب] الذين عذبوا فى الدنيا قوم نوح وهود وصالح وقوم لوط قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ- ١٨٥- يعني أنت بشر مثلنا لست بملك ولا رسول، فذلك قوله- سبحانه-: وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا تفضلنا فى شيء فتبعك وَإِنْ نَظُنُّكَ يقول وقد نحسبك يا شعيب لَمِنَ الْكاذِبِينَ- ١٨٦- يعني «حين» «١» تزعم أنك نبي رسول فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً يعني جانبا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ١٨٧- بأن العذاب نازل بنا لقوله في هود: « ... وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ» «٢» قالَ شعيب: رَبِّي أَعْلَمُ من غيره بِما تَعْمَلُونَ- ١٨٨- من نقصان الكيل والميزان فَكَذَّبُوهُ بالعذاب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وذلك أن الله- كان حبس عنهم الريح والظل فأصابهم حر شديد فخرجوا من منازلهم فرفع الله- سحابة فيها عذاب بعد ما أصابهم الحر سبعة أيام فانقلبوا ليستظلوا تحتها فأهلكهم الله- حرا وغما تحت السحابة، فذلك قوله- : «عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ١٨٩- لشدته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً إن في هلاكهم بالحر والغم لعبرة لمن بعدهم يحذر كفار مكة أمة محمد- ﷺ ، ثُمّ قَالَ- : وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٩٠- يعني لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في الدنيا وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه الرَّحِيمُ- ١٩١- بالمؤمنين وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ- ١٩٢- وذلك أنه لما قال كفار مكة: إن محمدًا- ﷺ يتعلم القرآن من «أبى» «٣» فكيهة ويجيء به «الري» «٤» ، وهو شيطان، فيلقيه على لسان محمد