وجوهكم عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يحجون منهم الحاج والتاجر فَلَمَّا أسلموا قَالُوا للنبي- ﷺ : إن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تقوم قبل الحج وبعد الحج فهل يصلح لنا البيع والشراء «١» في أيام حجنا قبل الحج وبعد الحج، فأنزل اللَّه- لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج يعنى النجارة فرخص اللَّه- سُبْحَانَهُ- فِي التجارة فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بعد غروب فَاذْكُرُوا اللَّهَ تِلْكَ الليلة عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ فإذا أصبحتم يعني بالمشعر حيث يبيت الناس بالمزدلفة فاذكروا اللَّه وَاذْكُرُوهُ «٢» كَما هَداكُمْ لأمر دينه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل أن يهديكم لدينه لَمِنَ الضَّالِّينَ- ١٩٨- عن الهدى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وذلك الحمس، قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعه كانوا يبيتون بالمشعر الحرام، وَلا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا وكانوا لا يقفون بعرفات: فأنزل اللَّه- فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات فَقَالَ لهم:
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني رَبِيعَة، واليمن كانوا يفيضون منْ عرفات قبل غروب الشمس، ويفيضون من جمع «٣» إذا طلعت الشمس فخالف النَّبِيّ- ﷺ فى الإفاضة وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوب الْمُؤْمِنِين رَحِيمٌ- ١٩٩- بهم فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ بعد أيام التشريق فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا فرغوا من المناسك وقفوا بين مَسْجِد منى وبَيْنَ الجبل يذكر كل واحد منهم أباه
стр. 107
ومحاسنه ويذكر صنائعه «١» فِي الجاهلية أَنَّهُ كان من أمره كذا وكذا، ويدعو لَهُ بالخير. فَقَالَ اللَّه- : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [٣٢ ب] كذكر «٢» الأبناء الآباء فَإِنِّي أَنَا فعلت ذَلِكَ الخير إلى آبائكم الَّذِين تثنون عليهم ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ-: أَوْ أَشَدَّ يعني أكثر ذِكْراً للَّه منكم لآبائكم وكانوا إذا قضوا مناسكهم، قَالُوا: اللهم أكثر أموالنا، وأبناءنا، ومواشينا، وأطل بقاءنا، وأنزل علينا الغيث، وأنبت لنا المرعى، واصحبنا فِي سفرنا، وأعطنا الظفر عَلَى عدونا، وَلا يسألون ربهم عن أمر آخرتهم شيئًا. فأنزل اللَّه- تَعَالَى- فيهم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا يعني أعطنا فِي الدُّنْيا يعني هَذَا الَّذِي ذكر. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ- ٢٠٠- يعني من نصيب نظيرها فِي براءة فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ «٣» يعني بنصيبهم فهؤلاء مشركو العرب فَلَمَّا أسلموا وحجوا دعوا ربهم. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ «٤» - ٢٠١- أَي دعوا ربهم أن يؤتيهم فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الرزق الواسع وأن يؤتيهم فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً فيجعل ثوابهم الجنة وأن يقيهم عَذابَ النَّارِ.
ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا يَقُولُ حظ من أعمالهم الحسنة وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ- ٢٠٢- يَقُولُ كأَنَّه قَدْ كان. فهؤلاء المؤمنون. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ إذا رميتم الجمار يعني أيام التشريق «والأيام المعلومات يعني يوم النحر ويومين من أيام التشريق «٥» » بعد النحر فكان
стр. 108
عُمَر- ﵁ يكبر فِي قبته «١» بمنى، فيرفع صوته فيسمع أَهْل مَسْجِد منى فيكبرون كلهم حَتَّى يرتج منى «٢» تكبيرا، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يعني بعد يوم النحر بيومين، يَقُولُ من تعجل فنفر قبل غروب الشمس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ فلا ذنب عَلَيْه يَقُولُ ذنوبه مغفورة فَمنْ لَمْ ينفر حَتَّى تغرب الشمس فليقم إلى الغد يوم الثالث فيرمي الجمار ثُمّ ينفر مَعَ الناس. قَالَ: وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى يوم الثالث حَتَّى ينفر الناس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ لا ذنب عَلَيْه «٣» . يَقُولُ ذنوبه مغفورة. ثُمّ قَالَ:
لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصيد «٤» وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا»
قتل الصيد فِي الإحرام وَاعْلَمُوا يخوفهم أَنَّكُمْ «٦» إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٢٠٣- فِي الآخرة فيجزيكم بأعمالكم نظيرها فِي المائدة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ «٧» فيجزيكم بأعمالكم. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق بن عمرو بن وَهْب بن أَبِي سَلَمَة الثَّقَفيّ، وأُمّه اسمها ريطة بِنْت عَبْد اللَّه بن أَبِي قيس الْقُرَشِيّ من بني عامر بن لؤي، وكان عديد بنى زهرة «٨» وكان يأتى النبي [٣٣ أ] ﷺ فيخبره «٩» أَنَّهُ يحبه ويحلف بِاللَّه عَلَى ذَلِكَ ويخبره «١٠» أَنَّهُ يتابعه عَلَى دينه فكان النَّبِيّ- ﷺ «يعجبه ذلك» «١١»
стр. 109
ويدنيه فِي المجلس، وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ فأنزل اللَّه- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما يَقُولُ يعني يمينه التي حلف بِاللَّه وما فِي قَلْبِهِ أن الَّذِي يَقُولُ حق وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ- ٢٠٤- يَقُولُ جدلا بالباطل كقوله- سبحانه: - وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «١» يعني جدلاء خصماء ثُمّ أخبر نبيه- ﷺ فَقَالَ: وَإِذا تَوَلَّى يعني إذا توارى وكان رَجُلا مانعا جريئا «٢» عَلَى القتل سَعى فِي الْأَرْضِ بالمعاصي لِيُفْسِدَ فِيها يعني فِي الأرض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يعني كُلّ دابة وذلك أَنَّهُ عمد إلى كديس بالطائف إلى رَجُل مُسْلِم فأحرقه وعقر دابته وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ- ٢٠٥- وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ يعنى الحمية نظيرها فى ص (آية ٢) قوله- سُبْحَانَهُ- بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ يعني حمية بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ شدة عذاب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ- ٢٠٦- وكان الْأَخْنَس يسمى «٣» أبي بن شريق من بنى زهرة ابن كَعْب بن لؤي بن غالب. وإنما سمي الأخنس لأنه يوم بدر رد ثلاثمائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ- ﷺ وقَالَ لهم: إن محمدا ابْن أختكم وأنتم أحق من كف عَنْهُ، فَإِن كان نَبِيّا لَمْ نقتله وإن كان كذابا كنتم أحق من كف عَنْهُ فخنس بهم فَمنْ ثُمّ سمي الْأَخْنَس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة أخذوا عمارا وبلالا وخبابا وصهيبا فعذبوهم لإسلامهم حَتَّى يشتموا النَّبِيّ- ﷺ فأما صُهَيْب بن سِنَان مَوْلَى عَبْد اللَّه بن جدعان الْقُرَشِيّ وكان شخصا ضعيفا فَقَالَ لأهل مكة: لا تعذبونى، هل
стр. 110
لَكُمْ إليّ خير؟ قَالُوا: وما هُوَ؟ قَالَ: أَنَا شيخ كبير لا يضركم إن كُنْت معكم، أَوْ مَعَ غيركم، لئن كُنْت معكم لا أنفعكم، ولئن كُنْت مَعَ غيركم لا أضركم، وإن لي عليكم لحقا لخدمتي وجواري إياكم. فقد علمت أنكم إِنَّمَا تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي واتركوني وديني غَيْر راحلة. فَإِن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فَقَالَ بعضهم «١» لبعض: صدق خذوا ماله فتعاونوا به عَلَى عدوكم.
ففعلوا ذَلِكَ فاشترى نفسه بماله كله غَيْر راحلة، واشترط ألا يمنع عن صلاة وَلا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمّ ركب راحلته نهارا حَتَّى أتى المدينة مهاجرا فلقبه أبو بكر الصديق- ﵁ فَقَالَ: ربح البيع يا صُهَيْب.
فَقَالَ: وبيعك لا يخسر. فَقَالَ أَبُو بَكْر- ﵁: قَدْ أنزل اللَّه [٣٣ ب] فيك وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- ٢٠٧- يعني للفعل فعل الرومي صُهَيْب بن سنان «٢» مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن سَعِيد بن تيم بن مرة بن كَعْب بن لؤي بن غالب الْقُرَشِيّ «قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا الكتاب من أوله إلى آخره من الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان ببغداد درب السدرة سنة تسعين ومائة. قَالَ: وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عَلَيْه «٣» فِي المدينة فِي سنة أربع ومائتين وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة رحمنا الله وإياهم» «٤» . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام، وسلام بن قَيْس، وأسيد وأسد ابنا كَعْب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أَهْل التوراة استأذنوا
стр. 111
النَّبِيّ- ﷺ فِي قراءة التوراة فِي الصَّلاة. وَفِي أمر السبت «١» وأن يعملوا ببعض ما فِي التوراة. فَقَالَ اللَّه- خذوا سنة محمد- ﷺ وشرائعه، فَإِن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله، فقال:
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً يعني في شرائع الْإِسْلام كلها وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعنى تزيين الشيطان فإن السنّة الأولى بعد ما بعث محمد- ﷺ «٢» ضلالة من خطوات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٢٠٨- يعني بين فَإِنْ زَلَلْتُمْ يعني ضللتم عن الهدى وفعلتم هَذَا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ يعني شرائع محمد- ﷺ وأمره ثُمّ حذرهم عقوبته. فَقَالَ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فى نقمته حَكِيمٌ- ٢٠٩- حكم عليهم العذاب هَلْ يَنْظُرُونَ يعني ما يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ يعني كهيئة الضبابة أبيض وَالْمَلائِكَةُ فِي غَيْر ظلل فِي سبعين حجابا من نور عرشه والملائكة يسبحون.
فذلك قوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا «٣» يعني وليس بسحاب. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني وقع العذاب وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ- ٢١٠- يَقُولُ يصير أمر الخلائق إِلَيْهِ فِي الآخرة.
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني يهود المدينة كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ يعني كم أعطيناهم من آية بينة يعني حين فرق بهم البحر، وأهلك عدوهم، وأنزل عليهم المن والسلوى والغمام والحجر، فكفروا برب هَذِهِ النعم، حين كفروا بمحمد- ﷺ فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
стр. 112
فخوفهم عقوبته «١» بقوله فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- ٢١١- إذا عاقب.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وما بسط لهم فيها من الخير نزلت فِي المنافقين عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه [٣٤ أ] وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي أمر المعيشة بأنهم فقراء نزلت فِي عَبْد اللَّه بن ياسر الْمَخْزُومِيّ، وصهيب بن سِنَان من بني تيم بن مرة، وبلال بن رباح مَوْلَى أَبِي بَكْر- ﵁ وخباب بن الأرت مَوْلَى ابْن أمَّ بهار الثَّقَفيّ حليف بني زهرة، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة، وعامر بن فهيرة مَوْلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- ﵁، وعبد اللَّه بن مَسْعُود، وأبي هُرَيْرَة الدوسي، وَفِي نحوهم من الفقراء يَقُولُ اللَّه- :
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك يعني هَؤُلاءِ النفر فَوْقَهُمْ يعني فوق المنافقين والكافرين يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- ٢١٢- حين يبسط للكافرين الرزق ويقدر عَلَى الْمُؤْمِنِين يَقُولُ لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب حين أبسط للكافرين فِي الرزق وأقتر عَلَى الْمُؤْمِنِين. كانَ النَّاسُ يعني أَهْل السفينة أُمَّةً واحِدَةً يعني عَلَى مَلَّة الْإِسْلام وحدها وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام خاصم اليهود فِي أمر محمد- ﷺ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إِبْرَاهِيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولوط بن حران بن آزر فبعثهم اللَّه مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني صحف إِبْرَاهِيم لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ليقضي الكتاب فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدّين فدعا «٢» بها إِبْرَاهِيم وإسحاق قومهما ودعا بها إسماعيل جرهم فآمنوا به ودعا بها يعقوب
стр. 113
أَهْل مصر، ودعا بها لوط سدوم وعامورا وصابورا ودمامورا «١» فلم يسلم منهم غَيْر ابنتيه ريتا وزعوتا يَقُولُ اللَّه- : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ يعني أعطوا الكتاب مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني البيان بَغْياً بَيْنَهُمْ يَقُولُ تفرقوا بغيا وحسدا بينهم فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يَقُولُ حين اختلفوا فِي القرآن مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ يعني التوحيد وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ٢١٣- يعني دين الإسلام لأن غير دين الإسلام باطل ثم بين للمؤمنين أن لا بد لهم من البلاء والمشقة فِي ذات اللَّه. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ نظيرها فِي آل عِمْرَانَ قوله سُبْحَانَهُ-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ «٢» . وَفِي العنكبوت: الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ «٣» . وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين فِي قتال أحد: لَمْ تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم، فإنه لو كان محمد بيننا لَمْ يسلط عليكم «٤» القتل. فرد المؤمنون عليهم فقالوا: قال الله: [٣٤ ب] من قُتِل «٥» مِنَّا دخل الجنة. فَقَالَ المنافقون:
لَمْ تمنون أنفسكم بالباطل. فأنزل اللَّه- يَومَ أحد أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ نزلت فِي عُثْمَان بن عَفَّان وأصحابه- ﵏. يَقُولُ اللَّه- :
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ يعني سنة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من البلاء يعني مؤمني الأمم الخالية ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ليعظ أصحاب النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: مَسَّتْهُمُ يعني أصابتهم الْبَأْساءُ يعني الشدة وهي «٦» البلاء وَالضَّرَّاءُ يعني البلاء وَزُلْزِلُوا يعني وخوفوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وهو اليسع وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
стр. 114
وَهُوَ حزقيا الملك حين حضر القتال ومن معه من الْمُؤْمِنِين مَتى نَصْرُ اللَّهِ فَقَالَ الله- : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ- ٢١٤- يعني سريع. وإن ميشا بن حزقيا قَتَل اليسع واسمه اشعيا يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ من أموالهم وذلك أن اللَّه أمر بالصدقة فَقَالَ عمرو بن الجموح الْأَنْصَارِيّ من بني سلمة ابن جشم بن الخزرج- قُتِل يوم أحد، ﵁ قَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، كم ننفق، وعلى من ننفق؟ فأنزل اللَّه- فِي قول عمرو كم ننفق وعلى من ننفق يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ من الصدقة قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ من مال كقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنْ تَرَكَ خَيْراً «١» يعني مالا فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فهؤلاء موضع نفقة أموالكم وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ من أموالكم فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ- ٢١٥- يعني بما أنفقتم عليم، وأنزل فِي قول عمرو يا رَسُول اللَّهِ كم ننفق من أموالنا وعلى من ننفق قول «٢» اللَّه- : قُلِ الْعَفْوَ يعني فضل قوتك فَإِن كان الرَّجُل من أصحاب الذهب والفضة أمسك الثلث وتصدق «٣» بسائره، وإن كان من أصحاب الزرع والنخل أمسك ما يكفيه فِي سنته وتصدق «٤» بسائره، وإن كان مِمَّنْ يعمل بيده أمسك ما يكفيه يومه ذَلِكَ وتصدق «٥» بسائره فبين اللَّه- ما ينفقون فِي هَذِهِ الآية فَقَالَ: قُلِ الْعَفْوَ يعني فضل القوت كَذلِكَ يعظكم هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني أمر الصدقات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ «٦» يَقُولُ لكي تتفكروا- فِي- أمر الدُّنْيَا- فتقولون هِيَ دار بلاء وهي دار فناء ثُمّ تتفكروا فِي الآخرة فتعرفون فضلها فتقولون هي دار
стр. 115
خير ودار بقاء فتعملون لها فِي أيام حياتكم فهذا التفكر فيهما. فشق عَلَى الناس حين أمرهم أن يتصدقوا «١» بالفضل حَتَّى نزلت آية الصدقات «٢» فى براءة [٣٥ أ] فكان لهم الْفَضْل وإن كثر إذا أدوا الزكاة «٣» قوله- سبحانه-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ يعني فرض وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يعني مشقة لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فيجعل اللَّه عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً يعني القعود عن الجهاد وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيجعل اللَّه عاقبته شر فلا تصيبون ظفرا وَلا غنيمة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٢١٦- أَي واللَّه يعلم من ذَلِكَ ما لا تعلمون يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ «٤» وذلك أن النبي- ﷺ بعث عُبَيْدة بن الْحَارِث بن عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى سرية فِي جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين عَلَى رأس ستة عشر شهرا بعد قدوم النَّبِيّ- ﷺ المدينة فَلَمَّا ودع رسول اللَّه- ﷺ فاضت عيناه ووجد من فراق النَّبِيّ- ﷺ بعد أن عقد له اللواء «٥» فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ- ﷺ وجده بعث مكانه عَبْد اللَّه بْن جحش الأَسَديّ من بني غَنْم ابن دودان وأُمّه عمَّة النَّبِيّ- ﷺ : أميمة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب وَهُوَ حليف لبني عبد شمس وكتب لَهُ كتابا وأمره أن يتوجه قبل مكة
стр. 116
وَلا يقرأ الكتاب حَتَّى يسير ليلتين فَلَمَّا سار عَبْد اللَّه ليلتين قرأ «١» الكتاب فإذا فِيهِ:
سر باسم اللَّه إلى بطن نخلة عَلَى اسم اللَّه وبركته، وَلا تكرهن أحد من أصحابك عَلَى السير، وامض لأمري ومن اتبعك منهم، فترصد بها عير قريش. فَلَمَّا قرأ الكتاب استرجع عَبْد اللَّه، واتبع استرجاعه بسمع وطاعة لله- ولرسوله- ﷺ . ثُمّ قَالَ عَبْد اللَّه لأصحابه: من أحبّ منكم أن يسير معي فليسر ومن أحبّ أن يرجع فليرجع وهم ثمانية رهط من المهاجرين «٢» عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ، وسعد بنى أَبِي وَقَّاص الزُّهْرِيّ، وعتبة بن غزوان المُزَني حليف لقريش، وأبي حُذَيْفة بن عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، وسهل «٣» بن بيضاء الْقُرَشِيّ ويُقَالُ سهل من بني الْحَارِث بن فهد، وعامر بن رَبِيعَة الْقُرَشِيّ من بني عَدِيّ بن كَعْب، وواقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ. فرجع من القوم سعد بن أَبِي وَقَّاص وعتبة بن غزوان وسار عَبْد اللَّه ومعه خمسة نفر وَهُوَ سادسهم «٤» فَلَمَّا قدموا لبطن نخلة بين مكة والطائف حملوا عَلَى أهل العير فقتلوا عُمَر بن الْحَضْرَمِيّ الْقُرَشِيّ قتله واقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ رماه بسهم فكان أول قتيل فِي الْإِسْلام من المشركين وأسروا عُثْمَان بن عَبْد اللَّه بن المُغِيرَة، والحكم بن كَيْسَان مَوْلَى هِشَام بن المُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ فغديا بعد ذَلِكَ فِي المدينة، وأفلتهم نوفل بن عَبْد اللَّه بن المغيرة [٣٥ ب] الْمَخْزُومِيّ عَلَى فرس لَهُ جواد أنثى فقدم مكة من الغد وأخبر الخبر مشركي مكة، وكرهوا الطلب، لأنه أول يوم من رجب وسار المسلمون بالأسارى والغنيمة حَتَّى قدموا المدينة.
стр. 117
فقالوا: يا نَبِيّ اللَّه، أصبنا القوم نهارا فَلَمَّا أمسينا رأينا هلال رجب، فَمَا ندري أصبناهم فى رجب أَوْ فِي آخر يوم من جمادى الآخرة وأقبل مشركو مكة عَلَى مسلميهم فقالوا: يا مَعْشَر الصباة، ألا ترون أن إخوانكم استحلوا القتال فِي الشهر الحرام وأخذوا أسارانا وأموالنا وأنتم تزعمون أنكم عَلَى دين اللَّه، أفوجدتم «١» هَذَا فِي دين اللَّه حيث أمن الخائف، وربطت الخيل، ووضعت الأسنة، وبدأ الناس لمعاشهم.
فَقَالَ المسلمون: اللَّه ورسوله أَعْلَم. وكتب «٢» مسلمو مكة إلى عَبْد اللَّه بن جحش أن المشركين عابونا فِي القتال وأخذ الأسرى والأموال فِي الشهر الحرام فاسأل «٣» رَسُول اللَّه- ﷺ : ألنا «٤» فِي ذَلِكَ متكلم، أَوْ أنزل اللَّه بِذَلِك قرآنا. فدفع عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ الكتاب إلى النَّبِيّ- ﷺ فأنزل الله- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَلَم يرخص فِيهِ القتال، ثُمّ قَالَ: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الْإِسْلام وَكُفْرٌ بِهِ «٥» أَي وكفر بالله وَصد عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ من عِنْد المسجد الحرام فذلك صدهم، وذلك أنهم أخرجوا النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه من مكة أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ فهذا أكبر عِنْد اللَّه من القتل «٦» والأسر وأخذ الأموال. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالْفِتْنَةُ يعني الإشراك الَّذِي أنتم فِيهِ أَكْبَرُ عِنْد اللَّه مِنَ الْقَتْلِ «٧» . ثُمّ أخبر- عن رأي مشركي العرب فِي الْمُسْلِمِين، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى مشركي مكة
стр. 118
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ يا معشر الْمُؤْمِنِين عَنْ دِينِكُمْ الْإِسْلام إِنِ اسْتَطاعُوا ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ الْإِسْلام يَقُولُ، ومن ينقلب كافرا بعد إيمانه فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ يعني بطلت أَعْمالُهُمْ الخبيثة فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٢١٧- يعنى لا يموتون «١» . فكتب عَبْد اللَّه بن جحش إلى مسلمي أَهْل مكة بهذه الآية وكتب إليهم إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا. وقَالَ «٢» عَبْد اللَّه ابن جحش وأصحابه أصبنا القوم فِي رجب فنرجو أن يَكُون لنا أجر المجاهدين فِي سبيل اللَّه فأنزل اللَّه- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٢١٨- الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة وَجاهَدُوا المشركين فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يعني جنة اللَّه نظيرها فِي آل عِمْرَان قوله- سُبْحَانَهُ-: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ «٣» يعني فَفِي جنة اللَّه لقولهم للنبي- ﷺ هَلْ لنا أجر المجاهدين فى سبيل الله وَاللَّهُ غَفُورٌ لاستحلالهم القتل والأسر والأموال فِي الشهر الحرام. فكانت هَذِهِ أول سرية، وأول غنيمة، وأول خمس، وأول قتيل، وأول أسر كان فِي الإسلام «٤» . فأما نوفل بن عَبْد اللَّه الَّذِي أفلت يومئذ فَإنَّهُ يوم الخندق ضرب بطن فرسه ليدخل الخندق عَلَى الْمُسْلِمِين فِي غزوة الأحزاب فوقع فِي الخندق فتحطم هُوَ وفرسه فقتله الله- تعالى «٥» .
وطلب المشركون
стр. 119
جيفته بثمن فَقَالَ- ﷺ : خذوه فإنه «١» خبيث الجيفة خبيث الدية «٢» .
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يعني القمار نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعمر بن الخَطَّاب، وعلي بن أَبِي طَالِب، ونفر من الأَنْصَار- ﵃ «٣» - وذلك أن الرَّجُل كان يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْنَ أصحاب الجزور فيقوم نفر فيشترون الجزور فيجعلون لكل رَجُل منهم سهم «٤» ، ثُمّ يقرعون فَمنْ خرج سهمه يبرأ من الثمن حَتَّى يبقى آخرهم رَجُلا فيكون ثمن الجزور كله عَلَيْه وحده، وَلا حق لَهُ فِي الجزور ويقتسم الجزور بقيتهم بينهم فذلك الميسر. قَالَ- سبحانه-: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فِي ركوبهما لأن فيهما ترك الصَّلاة، وترك ذكر اللَّه- ، وركوب المحارم، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني بالمنافع اللذة والتجارة فِي ركوبهما قبل التحريم فَلَمَّا حرمهما اللَّه- قَالَ: وَإِثْمُهُما بعد التحريم أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قبل التحريم، وأنزل اللَّه- تحريمهما بعد هَذِهِ الآية بسنة.
والمنفعة فِي الميسر أن بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر يعني المقامر، وإنما سمي الميسر لأنهم قَالُوا يسروا لنا ثمن الجزور يَقُولُ الرجل أفعل كذا وكذا «٥» .
وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ- ٢١٩- فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وذلك أن الله-
стр. 120
عَزَّ وَجَلّ- أنزل فِي أموال اليتامى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «١» فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية أشفق المسلمون من خلطة «٢» اليتامى فعزلوا بيت اليتيم وطعامه وخدامه عَلَى حدة مخافة العذر فشق ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِين، وعلى اليتامى اعتزالهم. فَقَالَ ثَابِت بن رفاعه للنبي- ﷺ : قَدْ سمعنا ما أنزل اللَّه- فِي اليتامى فعزلناهم، وَالَّذِي لهم، وعزلنا الَّذِي لنا فشق ذَلِكَ علينا وعليهم، وليس كلنا يجد سعة فِي عزل «٣» اليتيم وطعامه وخادمه، فهل يصلح لنا خلطتهم فيكون البيت والطعام واحد والخدمة وركوب الدابة، وَلا نرزأهم شيئًا إِلَّا أن نعود عليهم بأفضل منه فانزل اللَّه- [٣٦ ب] فى قول ثابت بن رفاعة الأنصارى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى «٤» قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يَقُولُ ما كان لليتيم فِيهِ صلاح، فهو خير أن تفعلوه.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فِي المسكن والطعام والخدمة وركوب الدابة «٥» فَإِخْوانُكُمْ فهم إخوانكم وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لمال اليتيم مِنَ الْمُصْلِحِ لماله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ يَقُولُ لآثمكم فِي دينكم نظيرها «٦» فِي براءة قوله- سبحانه- عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ «٧» يَقُولُ ما أثمتم، فحرم عليكم خلطتهم فِي الَّذِي لهم، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. فلم تنتفعوا بشيء منه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فى ملكه
стр. 121
حَكِيمٌ- ٢٢٠- يعني ما حكم فِي أموال اليتامى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ نزلت فِي أَبِي مَرْثَد «١» الغَنَويّ «٢» واسمه أيمن، وَفِي عناق القرشية وذلك أن أبا مرثد كان رَجُلا صالحا وكان المشركون أسروا أناسا بمكة. وكان أَبُو مَرْثَد ينطلق إلى مكة مستخفيا فإذا كان الليل أَخَذَ الطريق، وإذا كان النهار تعسف الجبال لئلا «٣» يراه أحد، حَتَّى يقدم مكة فيرصد «٤» الْمُسْلِمِين ليلا، فإذا أخرجهم المشركون «٥» للبراز تركوهم «٦» عِنْد البراز والغائط. فينطلق أَبُو مَرْثَد فيجعل الرَّجُل منهم عَلَى عنقه حَتَّى إذا أَخْرَجَهُ من مكة كسر قيده بفهر ويلحقه بالمدينة. كان ذَلِكَ دأبه فانطلق يومًا حَتَّى انتهى إلى مكة، فلقيته عناق وكان يصيب منها فِي الْجَاهِلِيَّة. فقالت:
أبا مَرْثَد، مَالِك فِي حاجة. فَقَالَ: إن اللَّه- قَدْ حرم الزنا. فَلَمَّا أيست منه أنذرت به كفار مكة فخرجوا يطلبونه. فاستتر منهم بالشجر فلم يقدروا «٧» عَلَيْه فَلَمَّا رجعوا احتمل بعض «٨» الْمُسْلِمِين حَتَّى أخرجه من مكة فكسر «٩» قيده.
ورجع إلى المدينة فأتى النَّبِيّ- ﷺ فَأَخْبَرَه بالخبر. فَقَالَ:
وَالَّذِي بعثك بالحق لو شئت أن آخذهم وأنا مستتر بالشجرة لفعلت، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ- ﷺ : اشكر ربك أبا مَرْثَد إن اللَّه- حجزهم عنك. فَقَالَ أَبُو مَرْثَد: يا رَسُول اللَّه، إن عناق أحبها وكان بيني وبينها فِي الْجَاهِلِيَّة، أفتأذن لي فِي تزويجها فَإِنَّهَا «١٠» لتعجبني. فأنزل اللَّه- وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ
стр. 122
يصدقن بتوحيد اللَّه وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ يعني مصدقة بتوحيد اللَّه خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ لقوله إنها لتعجبني وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ «١» - ٢٢١-.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً يعني قذر نزلت فِي عمرو بن الدحداح الْأَنْصَارِيّ «٢» من قضاعة فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية «٣» لَمْ يؤاكلوهن فِي إناء واحد وأخرجوهن «٤» من البيوت والفرش كفعل العجم
فَقَالَ «٥» ناس من العرب للنبي- ﷺ قَدْ شق علينا اعتزال الحائض، والبرد شديد فَإِن آثرناهم بالثياب هلك سائر البيت [٣٧ أ] وإن آثرنا أهل البيت، هلكت النّساء بردا. فقال النبي- صلى الله عليه
стр. 123
وَسَلَّمَ-: إنكم لَمْ تؤمروا أن تعزلوهن من البيوت، إِنَّمَا أمرتم باعتزال الفرج إذا حضن، ويؤتين إذا طهرن، وقرأ عليهم فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
يعني يغتسلن. فَإِذا تَطَهَّرْنَ يعني اغتسلن من المحيض فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَي يؤتين غَيْر حيض فِي فروجهن التي نهى عَنْهَا فِي الحيض إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ- ٢٢٢- من الأحداث والجنابة والحيض نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ وذلك أن حيي بن أخطب ونفرا من اليهود قَالُوا للمسلمين: إنَّه لا يحل لَكُمْ جماع النّساء إِلَّا مستلقيات وإنا نجد فِي كتاب اللَّه- أن جماع المرأة غَيْر مستلقية ذنبا عِنْد اللَّه- فَقَالَ المسلمون لرسول اللَّه (ص) : إنا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام نأتي النّساء عَلَى كُلّ حال فزعمت اليهود أَنَّهُ ذنب عِنْد اللَّه- إِلَّا مستلقيات فأنزل اللَّه- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ «١» لَكُمْ يعني مزرعة للولد فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فِي الفروج وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد وَاتَّقُوا اللَّهَ يعظكم فلا «٢» تقربوهن حيضا ثُمّ حذرهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ- ٢٢٣- يعني المصدقين بأمر اللَّه ونهيه بالجنة.
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نزلت فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ وَفِي ابنه عَبْد الرَّحْمَن. حلف أَبُو بَكْر- ﵁ ألا يصله حَتَّى يسلم.
وذلك أن الرَّجُل كان إذا حلف قَالَ: لا يحل إِلَّا إبرار القسم. فأنزل اللَّه- وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ يَقُولُ لا يحلف عَلَى ما هو فِي معصية:
стр. 124
ألا يصل قرابته وذلك أن الرَّجُل يحلف أن لا يدخل عَلَى جاره، وَلا يكلمه، وَلا يصلح بين إخوانه، والرجل يريد الصلح بين الرجلين فيغضبه أَحَدهمَا أو يتهمه فيحلف المصلح أن لا يتكلم بَيْنَهُمَا. قَالَ اللَّه- : لا تحلفوا ألّا تصلوا القرابة أَنْ «تَبَرُّوا» وَتَتَّقُوا «١» اللَّه وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ فهو خير لَكُمْ من وفاء باليمين فِي معصية اللَّه وَاللَّهُ سَمِيعٌ لليمين لقولهم حلفنا عَلَيْهَا عَلِيمٌ- ٢٢٤- يَقُولُ عالم بها كان هَذَا قبل أن تنزل الكفارة فِي المائدة لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَهُوَ الرَّجُل يحلف «٢» على أمر يرى أَنَّهُ فِيهِ صادق وَهُوَ مخطئ فلا يؤاخذه اللَّه بها ولا كفارة عليه فيها، فذلك اللغو. ثم قال- :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني بما عقدت قلوبكم من المأثم يعني اليمين الكاذبة التي حلف عَلَيْهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهُ فيها كاذب فهذه فيها كفارة «٣» وَاللَّهُ غَفُورٌ يعني ذا تجاوز عن اليمين التي حلف عَلَيْهَا حَلِيمٌ- ٢٢٥- حين لا يوجب فيها الكفارة. ثم نزلت الكفارة فى سورة المائدة «٤» [٣٧ ب] فبين
стр. 125
فيها لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ يعني يقسمون مِنْ نِسائِهِمْ فهو الرَّجُل يحلف أن لا يقرب امرأته تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ يعنى فإن رجع فى يمينه فجامعها قبل أربعة أشهر فهي امرأته وعليه أن يكفر عن يمينه فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهذه اليمين رَحِيمٌ- ٢٢٦- به إذ جعل اللَّه- الكفارة فيها لأنه لَمْ يَكُنْ أنزل الكفارة فِي المائدة. ثُمّ نزلت بعد ذَلِكَ الكفارة فِي المائدة. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ يعني فَإِن حققوا «الطلاق» «١» يعني أنفذوا فِي السراح فلم يجامعها أربعة أشهر بانت منه بتطليقة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ليمينه عَلِيمٌ- ٢٢٧- يعني عالم بها وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يعني ثلاث حيض إذا كَانَتْ مِمَّنْ تحيض وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ يعني يصدقن بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يصدقن بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال بأنه كائن ثُمّ قَالَ- : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ يقول الزوج أحق برجعتها، وهي حبلى نزلت فِي إسماعيل الغفاري وَفِي امرأته لَمْ تشعر بحبلها، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً يعني بالمراجعة فيما بَيْنَهُمَا، فعمد إسماعيل فراجعها وهي حبلى، فولدت منه، ثُمّ ماتت ومات ولدها، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ لهن من الحق عَلَى أزواجهن مثل ما لأزواجهن عليهن. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ يَقُولُ لأزواجهن عليهن فضيلة فِي الحق وبما ساق إليها من الحق وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي ملكه حَكِيمٌ- ٢٢٨- يعني حكم الرحمة عليها فى الحبل «٢» . ثُمّ نسختها الآية التي بعدها. فأنزل اللَّه بعد ذَلِكَ بأيام يسيرة فبين للرجل كيف يطلق المرأة، وكيف تعتد، فَقَالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ يعنى بإحسان
стр. 126
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «١» يعني التطليقه الثالثة فِي غَيْر ضرار كَمَا أمر اللَّه- سُبْحَانَهُ- فِي وفاء المهر: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ إذا أردتم طلاقها أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً وذلك أن الرَّجُل كان إذا طلق امرأته، أخرجها من بيته فلا يعطيها شيئًا من المهر ثُمّ استثنى ورخص، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يعني أمر اللَّه- «فيما أمرهما وذلك أن تخاف المرأة» «٢» الفتنة على نفسها فتعصي الله فيما أمرها زوجها أَوْ يخاف الزوج إن لم تطعه امرأته أن يعتدي عَلَيْهَا يَقُولُ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنْ خِفْتُمْ يعني علمتم أَلَّا يُقِيما يعني الحاكم حُدُودَ اللَّهِ يعني أمر الله فى أنفسهما إن نشرت عَلَيْه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني الزوج والزوجة فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ من شيء يَقُولُ لا حرج عليهما إذا رضيا أن تفتدي منه ويقبل منها الفدية ثُمّ يفترقا وكانت «٣» نزلت [٣٨ أ] فِي ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج، وَفِي امرأته أم حبيبة بِنْت عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ رأس «٤» المنافقين، وكان «٥» أمهرها حديقة فردتها عَلَيْه، واختلعت منه، فهي أول خلعة كَانَتْ فِي الْإِسْلام. ثُمّ قَالَ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني أمر اللَّه فيهما فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ يَقُولُ ومن يخالف أمر اللَّه إلى غيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٢٢٩- لأنفسهم ثُمّ رجع إلى الآية الأولى فِي قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِنْ طَلَّقَها بعد التطليقتين تطليقة أخرى سواء أكان بها حبل أم لا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فيجامعها فنسخت هَذِهِ الآية، الآية «٦» التي قبلها، فى قوله-
стр. 127
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ونزلت فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فِي تميمة بِنْت وَهْب بن عتيك النَّقْرِيّ وفى زوجها رفاعة بن عبد الرحمن ابن الزبير- وتزوجها عبد الرحمن بن الزُّبَيْر الْقُرَظِيّ، يَقُولُ: فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الأخير عَبْد الرَّحْمَن فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني الزوج الأول رِفَاعة وَلا عَلَى المرأة تميمة أَنْ يَتَراجَعا بمهر جديد ونكاح جديد إِنْ ظَنَّا يعني إن حسبا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أمر اللَّه فيما أمرهما وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني أمر اللَّه فِي الطلاق يعني ما ذكر مِن أحكام الزوج والمرأة فِي الطلاق وَفِي «١» المراجعة. يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٢٣٠- وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ واحدة فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني انقضاء عدتهن من قبل أن تغتسل من قرئها الثالث فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ «٢» يعني بإحسان من غَيْر ضرار فيوفيها المهر والمتعة، نزلت فِي ثَابِت بن ياسر الْأَنْصَارِيّ فِي الطعام والكسوة وغير ذَلِكَ. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً وذلك أَنَّهُ طلق امرأته، فَلَمَّا أرادت أن تبين منه راجعها فَمَا زال يضارها بالطلاق ويراجعها يريد بِذَلِك أن يمنعها من الزواج لتفتدي منه. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
لِتَعْتَدُوا وكان ذَلِكَ عدوانا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ «٣» وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً يعني استهزاء فيما أمر اللَّه- فِي كتابه من إمساك بمعروف أَوْ تسريح بإحسان، وَلا تتخذوها لعبا، وَاذْكُرُوا يعني واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَاحفظوا ما أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ يعني القرآن وَالْحِكْمَةِ والموعظة التي فِي القرآن من أمره ونهيه يقول: يَعِظُكُمْ بِهِ
стр. 128
يعني بالقرآن وَاتَّقُوا اللَّهَ يعظكم فلا تعصوه فيهن ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم عَلِيمٌ- ٢٣١- فيجزيكم بها وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ تطليقة واحدة فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يَقُولُ انقضت عدتهن نزلت فِي أَبِي البداح بن عَاصِم ابن عَدِيّ الْأَنْصَارِيّ من بني العجلان الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ حي من قضاعة، وَفِي امرأته جمل بِنْت يَسَار «١» المُزَني بانت منه بتطليقة، فأراد مراجعتها، فمنعها أخوها، وقَالَ:
لئن فعلت لا أكلمك أبدا. أنكحتك وأكرمتك وآثرتك عَلَى قومي فطلقتها «٢» وأجحفت بها واللَّه لا أزوجكها أبدا «٣» . فَقَالَ اللَّه- يعني معقل فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ يعنى فلا تمنعوهن أن يراجعن أزواجهن إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني بمهر جديد ونكاح جديد ذلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مَن النهي ألا يمنعها من الزوج ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ، ويصدق بالبعث الَّذِي فِيه جزاء الأعمال، فليفعل ما أمره اللَّه- من المراجعة ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ يعني خير لَكُمْ من الفرقة وَأَطْهَرُ لقلوبكم من الريبة وَاللَّهُ يَعْلَمُ حب كُلّ واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٢٣٢- ذَلِكَ منهما
فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ- ﷺ : يا معقل، إن كُنْت تؤمن بِاللَّه واليوم الآخر فلا تمنع أختك فلانا.
يعني أبا البداح. قَالَ: فَإِنِّي أنا أؤمن بِاللَّه واليوم الآخر وأشهدك أني قد أنكحته.
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني إذا طلقن حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ يعني يكمل الرضاعة وليس الحولان بالفريضة فَمنْ شاء أرضع فوق الحولين ومن شاء قصر عَنْهُمَا. ثُمّ قَالَ: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ إذا طلق امرأته وله ولد رضيع
стр. 129
ترضعه أمه فعلى الأب رزق الأم والكسوة «رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ» «١» بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها يعني إِلَّا ما أطاقت من النفقة والكسوة. ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها يقول لا يجعل بالرجل إذا طلق امرأته أن يضارها فينزع منها ولدها وهي لا تريد ذَلِكَ فيقطعه عن أُمّه فيضارها بِذَلِك بعد أن ترضى بعطية الأب من النفقة والكسوة «٢» ، ثُمّ ذكر الأم فقال: وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يعني لا يجمل بالمرأة أن تضار زوجها «٣» وتلقي إِلَيْهِ ولدها ثُمّ قَالَ فِي التقديم: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ يَقُولُ وعلى من يرث اليتيم إذا مات الأب مثل ما عَلَى الأب من النفقة والكسوة لو كان حيا فلا يضار الوارث الأم. وهي بمنزلة الأب إذا لَمْ يَكُنْ لليتيم ماله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ يَقُولُ واتفقا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني لا حرج ما لَمْ يضار أَحَدهمَا، صاحبه أن يفصلا الولد قبل الحولين والأم أحق بولدها من المرضع إذا رضيت [٣٩ أ] من النفقة والكسوة بما يرضى به غيرها فَإِن لَمْ ترض الأم بما يرضى «٤» به غيرها من النفقة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ- فلا جناح عَلَى الوالد أن يسترضع لولده، ويسلم للظئر أجرها، وَلا كسوة لها، وَلا رزق، وإنما هُوَ أجرها.
قوله- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ لأمر اللَّه فِي المراضع ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ ٠ ما أعطيتم الظئر من فضل عَلَى أجرها وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه فيما حذركم الله فى هذه الآية من أمر
стр. 130
المضارة والكسوة والنفقة للأم وأجر الظئر ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٢٣٣- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من يوم يموت زوجها فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني إذا مضى الأجل مما ذكر فِي هَذِهِ الآية فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي قراءة ابْن مَسْعُود «لا حرج عليهن» فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا حرج عَلَى المرأة إذا انقضت عدتها أن تتشوف «١» وتتزين وتلتمس الأزواج وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- ٢٣٤- من أمر العدة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ يعني لا حرج عَلَى الرَّجُل أن يَقُولُ للمرأة قبل أن تنقضي عدتها إنك لتعجبينني وما أجاوزك إلى غيرك فهذا التعريض أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فلا جناح عليكم أن تسروا فِي قلوبكم تزويجهن فِي العدة عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا يعني الجماع في العدة ثم استثنى فقال: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً عدة حسنة نظيرها فِي النّساء وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً «٢» يعني عدة حسنة فتقول وهي فِي العدة إنَّه حبيب إليّ أن أكرمك وأن آتي ما أحببت وَلا أجاوزك إلى غيرك وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ يعني وَلا تحققوا عقدة النكاح يعني لا تواعدوهن «٣» فِي العدة حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يعني حَتَّى تنقضي عدتها ثُمّ خوفهم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني ما فِي قلوبكم من أمورهن فَاحْذَرُوهُ أي فاحذروا أن ترتكبوا فِي العدة ما لا يحل وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يعني ذا تجاوز لَكُمْ حَلِيمٌ- ٢٣٥- لا يعجل بالعقوبة لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يَقُولُ وإن لَمْ تسموا لهن المهر فلا حرج فِي الطلاق فِي هَذِهِ الأحوال كلها،
стр. 131
وَهُوَ الرَّجُل يطلق امرأته قبل أن يجامعها وَلَم يسم لها مهرا فلا مهر لها، وَلا عدة عَلَيْهَا، وَلا المتعة بالمعروف ويجبر الزوج عَلَى متعة هَذِهِ المرأة التي طلقها قبل أن يسمي لها مهرا وليس بمؤقت «١» [٣٩ ب]
نزلت فِي رَجُل من الأَنْصَار تزوج امرأة من بني حنيفة وَلَم يسم لها مهرا، ثُمّ طلقها قبل أن يمسها فَقَالَ النبي- ﷺ : هَلْ متعتها بشيء؟ قَالَ: لا. قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : متعها بقلنسوتك، أما إنها لا تساوي شيئًا وَلَكِن أحببت أن أحيي سنة.
فذلك قوله- : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ فِي المال وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ فِي المال مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ وليس بمؤقت وَهُوَ واجب حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ- ٢٣٦- ثُمّ إن النَّبِيّ- ﷺ كساه ثوبين بعد ذَلِكَ فتزوج امرأة فأمهرها أحد ثوبيه. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ يعني من قبل الجماع وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ من المهر فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ عليكم من المهر. ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني إِلَّا أن يتركن يعني المرأة تترك نصف مهرها فتقول المرأة أما إنَّه لَمْ يدخل بي وَلَم ينظر لي إلى عورة فتعفو عن نصف مهرها وتتركه لزوجها وهي بالخيار ثم قال: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ يعني الزوج فيوفيها المهر كله.
فيقول: كَانَتْ فِي حبالى ومنعتها من الأزواج فيعطيها المهر كله. وَهُوَ بالخيار ثُمّ قَالَ: وَأَنْ تَعْفُوا يعني ولأن تعفوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني المرأة والزوج كلاهما أمرهما «٢» أن يأخذا بالفضل فِي الترك ثُمّ قَالَ- : وَلا تَنْسَوُا يعني المرأة والزوج يَقُولُ لا تتركوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ فِي الخير حين أمرها أن تترك
стр. 132
نصف المهر للزوج، وأمر الزوج أن يوفيها المهر كله. إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٢٣٧- يعني بصيرا أن ترك أَوْ وفاها.
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس فِي مواقيتها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى يعني صلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ- ٢٣٨- فِي صلاتكم يعني مطيعين نظيرها وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ «١» يعني من المطيعين وكقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً «٢» يعني مطيعا. وكقوله سُبْحَانَهُ قانِتاتٌ «٣» يعني مطيعات وذلك أن أَهْل الأوثان «٤» يقومون فِي صلاتهم عاصين «٥» . قَالَ اللَّه قوموا «٦» أنتم مطيعين فَإِنْ خِفْتُمْ العدو فصلوا فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يَقُولُ عَلَى أرجلكم أَوْ عَلَى دوابكم فصلوا ركعتين حيث كان وجهه «٧» إذا كان الخوف شديدا فَإِن لَمْ يستطع السجود فليومئ برأسه إيماء وليجعل السجود أخفض من الركوع وَلا يجعل جبهته عَلَى شيء ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
فَإِذا أَمِنْتُمْ العدو فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَقُولُ فصلوا للَّه كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ- ٢٣٩- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ يعني بالمتاع أن ينفق عَلَيْهَا فِي الطعام والكسوة سنة [٤٠ أ] ما لم تتزوج قَالَ: غَيْرَ إِخْراجٍ يَقُولُ لا تخرج من بيت زوجها سنة وهي كارهة: فَإِنْ خَرَجْنَ إلى أهلهن طائعة قبل الحول فلا نفقة لها فعدتها ثلاثة قروء. يَقُولُ:
فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي قراءة ابْن مَسْعُود فلا جناح عليهن فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ يعني بالمعروف يعني أن تتشوف «٨» وتتزين وتلتمس الأزواج
стр. 133
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ- ٢٤٠- عزيز فِي ملكه. حكيم فيما حكم من النفقة حولا، نزلت فِي حكيم بن الأشرف «١» قدِم الطائف ومات بالمدينة وَلَهُ أبوان وأولاد فأعطى النَّبِيّ- ﷺ الميراث الوالدين وأعطى الأولاد بالمعروف وَلَم يعط امرأته شيئًا. غَيْر أن النَّبِيّ- ﷺ أمر بالنفقة عَلَيْهَا فِي الطعام والكسوة حولا، فَإِن كَانَت المرأة من أَهْل المدر التمست السكنى فيما بينها وبَيْنَ الحول وإن كَانَتْ من أَهْل الوبر نسجت ما تسكن فِيهِ إلى الحول فكان هَذَا قبل أن تنزل آية المواريث ثُمّ نزل وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً نسخت هَذِهِ الحول. ثُمّ أنزل اللَّه- آية المواريث، فجعل لهن الربع والثمن فنسخت نصيبها من الميراث نفقة سنة ثُمّ قَالَ: وَلِلْمُطَلَّقاتِ اللاتي دخل بهن مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعني عَلَى قدر مال الزوج وَلا يجبر الزوج عَلَى المتعة لأن لها المهر كامل «٢» حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ- ٢٤١- أن يمتع الرَّجُل امرأته كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يَقُولُ هكذا يبين اللَّه لَكُمْ أمره فِي المتعة لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَعْقِلُونَ- ٢٤٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ من بني إِسْرَائِيل أُلُوفٌ ثمانية آلاف حَذَرَ الْمَوْتِ يعني حذر القتل وذلك أن نبيهم حزقيل بن دوم، وهو ذو الكفل ابن دوم، ندبهم إلى قتال عدوهم، فأبوا عَلَيْه جبنا عن عدوهم واعتلوا.
فقالوا: إن الأرض التي نبعث إليها لنقاتل عدونا هِيَ أرض يكون فيها الطاعون
стр. 134
فأرسل اللَّه- عليهم الموت فَلَمَّا رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حزقيل قَالَ «١» : اللَّهُمَّ رب يَعْقُوب وإله مُوسَى قَدْ ترى معصية عبادك، فأرهم آية فِي أنفسهم حَتَّى يعلموا أنهم لن يستطيعوا فرارا منك. فأمهلهم «٢» اللَّه- حَتَّى خرجوا من ديارهم وهي قرية تسمى دامردان فَلَمَّا خرجوا قَالَ اللَّه- لهم: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا عبرة لهم فماتوا جميعًا وماتت «٣» دوابهم كموت رَجُل واحد ثمانية أيام فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم حَتَّى حظروا «٤» عليهم وأروحت «٥» أجسادهم. ثُمَّ إن اللَّه- أَحْياهُمْ بعد ثمانية أيام «٦» [٤٠ ب] وبهن نتن شديد ثُمّ إن حزقيل بكى إلى ربه- فَقَالَ: اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم وإله مُوسَى لا تكن عَلَى عبادك الظلمة كأنفسهم، واذكر فيهم ميثاق الأولين فسمع اللَّه- فأمره أن يدعوهم بكلمة واحدة فقاموا كقيام رَجُل واحد كان وسنانا، فاستيقظ، فذلك قوله- إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ- ٢٤٣- رب هذه النعمة حين أحياهم بعد ما أراهم عقوبته ثُمّ أمرهم- أن يرجعوا إلى عدوهم فيجاهدوا فذلك قوله مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أنه أحياهم بعد ما أماتهم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. وقوله- سُبْحَانَهُ-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم إن الأرض التي نبعث إليها فيها الطاعون عَلِيمٌ- ٢٤٤- بِذَلِك حَتَّى إنَّه ليوجد فِي ذَلِكَ السِّبْط من اليهود ريح كريح الموتى وكانوا ثمانية
стр. 135
آلاف مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً طيبة بها «١» نفسه محتسبا فَيُضاعِفَهُ لَهُ بها أَضْعافاً كَثِيرَةً «٢» نزلت فى أبى الدحداح اسمه عُمَر بن الدحداح الْأَنْصَارِيّ وذلك
أن النَّبِيّ- ﷺ قَالَ: من تصدق بصدقة فَلَه مثلها فِي الجنة. قَالَ أَبُو الدحداح: إن تصدقت بحديقتي فلي مثلها فِي الجنة. قَالَ: نعم.
قَالَ: وأم الدحداح معي. قَالَ: نعم. قَالَ: والصبية. قَالَ: نعم. وكان لَهُ حديقتان فتصدق «٣» بأفضلهما واسمها الجنينة فضاعف اللَّه- صدقته ألفي ألف ضعف «٤» فذلك قوله- : أضعافا كثيرة
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يعني يقتر ويوسع وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٢٤٥- فيجزيكم بأعمالكم فرجع أَبُو الدحداح إلى حديقته فوجد أم الدحداح والصبية فِي الحديقة التي جعلها صدقة فقام عَلَى باب الحديقة وتحرج أن يدخلها وقَالَ «٥» : يا أم الدحداح. قَالَتْ لَهُ:
لبيك يا أبا الدحداح. قَالَ: إني قَدْ جعلت حديقتي هَذِهِ صدقة واشترطت مثلها فِي الجنة، وأم الدحداح معي، والصبية معي، قَالَتْ: بارك اللَّه لك فيما اشتريت فخرجوا منها وسلم الحديقة إلى النَّبِيّ- ﷺ ، فَقَالَ: كم من نخلة مدلا عذوقها لأبي الدحداح فِي الجنة لو اجتمع عَلَى عذق منها أهل منى أن يقلوه ما أقلوه «٦» . قوله- سُبْحَانَهُ-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى وذلك أن
стр. 136
كفار بني إِسْرَائِيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم فمكثوا زمانا لَيْسَ لهم ملك يقاتل عدوهم والعدو بين فلسطين ومصر [٤١ أ] إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ
«١» فقالوا لنَّبِيّ لهم- ﵇ اسمه اشماويل وَهُوَ بالعربية إسماعيل بن هلقابا واسم أُمّه حنة وَهُوَ من نسل هَارُون بن عِمْرَانَ أخو موسى ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ عدونا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ «٢» لهم نبيهم هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ بعث اللَّه لَكُمْ ملكا وكُتِبَ يعني وفرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ أَي فَلَمَّا فرض كقوله- سُبْحَانَهُ-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ يعني فرض عليكم عَلَيْهِمُ الْقِتالُ يعني عَلَى بنى إسرائيل تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يعني كره القتال العصابة الَّذِين وقفوا «٣» فِي النهر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ- ٢٤٦- يعنيهم لقولهم «٤» لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وكان القليل أصحاب الفرقة ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب بدر.
وقال النبي- ﷺ يوم بدر: إنكم عَلَى عدد أصحاب طالوت
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إسماعيل إِنَّ اللَّهَ- قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ يعني من أَيْنَ يَكُون لَهُ الملك عَلَيْنا وليس طالوت من سِبْط النُّبُوَّة وَلا من سِبْط الملوك وكان طالوت فيهم حقير الشأن دون وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ مِنَّا الْأَنْبِيَاء والملوك وكانت النُّبُوَّة فِي سِبْط لاوي بن يَعْقُوب والملوك فِي سِبْط يهوذا بن يَعْقُوب وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ أن ينفق علينا قالَ لهم نبيهم إِسْمَاعِيل إِنَّ اللَّهَ- اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ يعني اختاره كقوله سُبْحَانَهُ- إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ يعني اختاره وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان أعلم
стр. 137
بني إِسْرَائِيل وكان طالوت من سِبْط بنيامين وكان جسيما عالما وكان اسمه شارل بن كيس وبالعربية طالوت بن قَيْس وسمي طالوت لطوله. وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ بعطية الملك عَلِيمٌ- ٢٤٧- بمن يعطيه الملك فَلَمَّا أنكروا أن يَكُون طالوت عليهم ملكا وَقالَ «١» لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنه من اللَّه أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الَّذِي أخذ منكم فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ورأس كرأس الهرة ولها جناحان فإذا صوتت عرفوا أن النصر لهم فكانوا يقدمونها أمام الصف وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ يعنى بالبقية رضراضا «٢» من الألواح وفقير «٣» من فِي طست من ذهب وعصا مُوسَى- ﵇ وعمامته وكان التابوت يَكُون مَعَ الأنبياء إذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به عَلَى عدوهم، فَلَمَّا تفرقت بنو إِسْرَائِيل وعصوا الْأَنْبِيَاء سلط اللَّه- عليهم عدوهم فقتلوهم وغلبوهم عَلَى التابوت فدفنوه فى مخرأة [٤١ ب] لهم فابتلاهم اللَّه- بالبواسير فكان الرَّجُل إذا تبرز عِنْد التابوت أخذه الباسور ففشى ذَلِكَ فيهم فهجروه فقالوا: ما ابتلينا بهذه إِلَّا بفعلنا بالتابوت فاستخرجوه ثُمّ وجهوه إلى بني إِسْرَائِيل عَلَى بقرة ذات لبن وبعث اللَّه- الملائكة فساقوا العجلة فإذا التابوت بين أظهرهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ يعني تسوقه الملائكة إِنَّ فِي ذلِكَ يعني فِي رد التابوت لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٢٤٨- يعني مصدقين بأن طالوت ملكه من اللَّه- وكان التابوت من عود الشمشاد التي تتخذ منه الأمشاط الصفر مموه بالذهب فَلَمَّا رأوا التابوت أيقنوا بأن ملك طالوت من اللَّه- فسمعوا لَهُ وأطاعوا وكان موسى- ﵇
стр. 138
- ترك التابوت فِي التيه قبل موته عِنْد يوشع بن نون، ثُمّ إن طالوت تجهز لقتال جالوت. وقَالَ النَّبِيّ إسماعيل «١» لطالوت إن اللَّه- سيبعث رَجُلا من أصحابك فيقتل جالوت، وأعطاه النَّبِيّ- ﷺ درعا «٢» فَقَالَ لطالوت: من صلحت هَذِهِ الدرع عَلَيْه، لَمْ تقصر عَلَيْه وَلَم تطل فَإنَّهُ قاتل جالوت فاجعل لقاتله نصف ملكك ونصف مَالِك فبلغ ذَلِكَ دَاوُد النَّبِيّ- ﷺ وَهُوَ يرعى الغنم فِي الجبل، فاستودع غنمه ربه- جل وعز- فقال: آتي الناس وأطالع أخوتي وهم سبعة من طالوت وأنظر ما هَذَا الخبر فمر دَاوُد ﵇ عَلَى حجر. فَقَالَ: يا دَاوُد خذني، فأنا حجر هَارُون الَّذِي قتل به كذا وكذا فارم بي «٣» جالوت الجبار فأقع فِي بطنه فأنفذ من جانبه الآخر. فأخذه فألقاه في مخلاته.
«ثم مر بحجر آخر فَقَالَ له: يا داود، خذني فأنا حجر موسى الذي قتل بي كذا وكذا فارم بي جالوت فأقع في قلبه فأنفذ من الجانب الآخر فألقاه في مخلاته «٤» » ثم مر بحجر آخر فقال: يا داود، خذني فأنا الَّذِي أقتل جالوت الجبار فأستعين بالريح فتلقى البيضة فأقع فِي دماغه فأقتله فأخذه فألقاه فِي مخلاته. ثُمّ انطلق «٥» حَتَّى دخل عَلَى طالوت، فَقَالَ: أَنَا قاتل جالوت، بإذن اللَّه وكان دَاوُد- ﵇ رث المنظر هبير دوير فأنكر طالوت أن يقتله دَاوُد- ﵇ «٦» فَقَالَ دَاوُد تجعل لي نصف ملكك ونصف مَالِك إن قتلت جالوت الجبار. قَالَ طالوت: لك ذلك
стр. 139
عندي وأزوجك ابنتي ولن يخفى «١» عليّ إن كُنْت أَنْت صاحبه قَدْ أتاني قومي كلهم يزعم أنه يقتله وَقَدْ أَخْبَرَنِي إسماعيل أن اللَّه يبعث لَهُ رَجُلا من أصحابي فيقتله فالبس هَذَا الدرع فلبسها دَاوُد- ﵇ فطالت عَلَيْه فانتفض فيها فتقلص منها وَجَعَل دَاوُد يدعو اللَّه- ثُمّ انتفض فيها فتقلص منها ثُمّ انتفض فيها الثالثة فاستوت عَلَيْه، فعلم طالوت أَنَّهُ يقتل جالوت فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ [٤٢ أ] وهم مائة ألف إنسان فسار فِي حر شديد فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ- قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ بين الأُرْدُنّ «٢» وفلسطين فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي يَقُولُ لَيْسَ معي عَلَى عدوي، كقول إِبْرَاهِيم- ﵇ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي يعني معي «٣» وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي فَإنَّهُ معي عَلَى عدوي ثُمّ استثنى.
فَقَالَ: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ الغرفة يشرب منها الرَّجُل وخدمه ودابته ويملأ قربته، ووصلوا إلى النهر من مفازة وأصابهم العطش فَلَمَّا رَأَى الناس الماء ابتدروا فوقعوا فيه فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ والقليل ثلاثمائة وثلاثة عشر رَجُلا عدة أصحاب النَّبِيّ- ﷺ يوم بدر فَلَمَّا جاوَزَهُ أَي جاوز النهر هُوَ يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَكُلُّهُمْ مؤمنون فَقَالَ «٤» العصاة الَّذِين وقعوا فِي النهر قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ فرد عليهم أصحاب الغرفة قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يعني الَّذِين يعلمون، كقوله- سُبْحَانَهُ- وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ «٥» يعني وعلم، وكقوله- : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها «٦» .
стр. 140
وكقوله- أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ «١» أَي ألا يعلم أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ لأنهم قَدْ طابت أنفسهم بالموت كَمْ مِنْ فِئَةٍ يعني جند قَلِيلَةٍ عددهم غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عددهم بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ- ٢٤٩- يعني بني إِسْرَائِيل فِي النصر عَلَى عدوهم فرد طالوت العصاة وسار بأصحاب الغرفة حَتَّى عاينوا العدو وَلَمَّا بَرَزُوا لقتال لِجالُوتَ «٢» وَجُنُودِهِ قَالَ أصحاب الغرفة قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يعني ألق: أصبب علينا صبرا. كقوله- سُبْحَانَهُ-: أَفْرِغْ: يعني أصبب عَلَيْهِ قِطْراً «٣» وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عِنْد القتال حَتَّى لا تزول وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ- ٢٥٠- يعني جالوت وجنوده وكانوا يعبدون الأوثان فاستجاب اللَّه لهم وكانوا مؤمنين- أصحاب الغرفة: فِي العصاة «٤» - فَلَمَّا التقى الجمعان «٥» وطالوت فِي قلة وجالوت فِي كثرة، عمد دَاوُد- ﵇ فقام بحيال جالوت لا يقوم ذَلِكَ المكان إِلَّا من يريد قتال جالوت فجعل الناس يسخرون من دَاوُد حين قام بحيال جالوت. وكان جالوت من قوم عاد عَلَيْه بيضة فيها ثلاثمائة رطل فَقَالَ جالوت: من أَيْنَ هَذَا الفتى؟ ارجع ويحك فَإِنِّي أراك ضعيفا وَلا أرى لك قوة وَلا أرى معك سلاحا ارجع فإني أرحمك فَقَالَ دَاوُد- ﵇:
أَنَا أقتلك بإذن اللَّه- . فَقَالَ جالوت: بأي شيء تقتلني؟
وَقَدْ قمت مقام الأشقياء، وَلا أرى معك سلاحا إِلَّا عصاك هَذِهِ «٦» هلم فاضربني بها ما شئت. وهي عصاه التي كان يرد بها غنمه. قَالَ دَاوُد: أقتلك بإذن الله، بما
стр. 141
شاء اللَّه. فتقدم جالوت ليأخذه بيده مقتدرا عَلَيْه فِي نفسه وَقَدْ صارت الحجارة الثلاثة حجرا واحدا [٤٢ ب] فَلَمَّا دنا جالوت من دَاوُد أخرج الحجر من مخلاته وألقت الريح البيضة عن رأسه فرماه فوقع الحجر فِي دماغه حَتَّى خرج من أسفله «١» وانهزم الكفار وطالوت ومن معه وقوف ينظرون فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ «٢» بحذافة فيها حجر واحد وقُتِل معه ثلاثون ألفا، وطلب دَاوُد نصف مال طالوت، ونصف ملكه فحسده طالوت عَلَى صنيعه وأخرجه. فذهب دَاوُد حَتَّى نزل قرية من قرى بني إِسْرَائِيل، وندم طالوت عَلَى صنيعه، فَقَالَ فِي نفسه: عمدت إلى خير أَهْل الأرض بعثه اللَّه- لقتل جالوت فطردته، وَلَم أفِ لَهُ وكان دَاوُد- ﵇ أحبّ إلى بني إِسْرَائِيل من طالوت فانطلق فِي طلب دَاوُد فطرق امرأة ليلا من قدماء بني إِسْرَائِيل تعلم اسم اللَّه الأعظم وهي تبكي عَلَى دَاوُد فضرب بابها فقالت:
من هَذَا؟ قَالَ «٣» : أَنَا طالوت. فقالت: أَنْت أشقى الناس وأشرهم «٤» ، هَلْ تعلم ما صنعت؟ طردت دَاوُد النَّبِيّ- ﷺ وكان أمره من اللَّه- وكانت لك آية فِيهِ من أمر الدرع وصفة أشماويل وظهوره عَلَى جالوت وقتل اللَّه- [به] أَهْل الأوثان فانهزموا. ثُمّ غدرت بداود وطردته هلكت يا شقي. فَقَالَ لها: إِنَّمَا أتيتك لأسالك ما توبتي. قَالَتْ توبتك أن تأتي مدينة بلقاء فتقاتل أهلها وحدك، فَإِن افتتحتها فهي توبتك فانطلق طالوت فقاتل أَهْل بلقاء وحده فقتل وعمدت بنو إِسْرَائِيل إلى دَاوُد- ﵇ فردوه وملكوه، وَلَم يجتمع بنو إسرائيل لملك قط غير داود
стр. 142
عَلَيْه السَّلام فكانوا اثني عشر سبطا لكل سِبْط ملك بينهم «١» فذلك قوله- ﵎: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يعني ملكه اثنا عشر سبطا وَالْحِكْمَةَ يعني الزبور وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ علمه صنعة الدروع، وكلام الدواب، والطير، وتسبيح الجبال، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ- لولا دفع اللَّه المشركين بالمسلمين لغلب المشركون عَلَى الأرض، فقتلوا الْمُسْلِمِين وخربوا المساجد والبيع والكنائس والصوامع، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يَقُولُ لهلكت الأرض نظيرها إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها «٢» يعني أهلكوها وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ- ٢٥١- فِي الدفع عَنْهُمْ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني القرآن نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٢٥٢- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَهُوَ مُوسَى- ﷺ ، ومنهم [٤٣ أ] من اتخذه خليلا وَهُوَ إِبْرَاهِيم- ﷺ ، ومنهم من أعطى الزبور وتسبيح الجبال والطير وَهُوَ دَاوُد- ﷺ ، ومنهم من سخرت له الريح والشياطين وعلم منطق الطير وهو سليمان- ﷺ . ومنهم من يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا وَهُوَ عِيسَى- ﷺ ، فهذه الدرجات يعني الفضائل. قَالَ تَعَالَى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ «٣» على بعض وَآتَيْنا
стр. 143
يقول وأعطينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ يعني ما كان يصنع من العجائب وما كان يحيي من الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين ثُمّ قَالَ: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- وقويناه بجبريل- ﵇ ثُمّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد عِيسَى ومُوسَى وبينهما ألف نبى أولهم موسى وآخرهم عِيسَى مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني العجائب التي كان يصنعها «١» الْأَنْبِيَاء وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فصاروا فريقين فِي الدّين فذلك قوله سُبْحَانَهُ-: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه- وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بتوحيد اللَّه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ- ٢٥٣- يعنى أراد ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ من الأموال فِي طاعة اللَّه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ يَقُولُ لا فداء فِيهِ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ فِيهِ ليعطيه بخلة «٢» ما بَيْنَهُمَا وَلا شَفاعَةٌ فيه للكفار فِيهِ كفعل أَهْل الدُّنْيَا بعضهم فِي بعض فَلَيْس فِي الآخرة شيء من ذَلِكَ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٢٥٤- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لا يموت الْقَيُّومُ القائم عَلَى كُلّ نفس لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ يعني ريح من قبل الرأس، فيغشى العينين، وَهُوَ وسنان بين النائم واليقظان. ثُمّ قَالَ- جلَّ ثناؤُهُ-: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه الملائكة وعزير وعيسى ابْن مريم وغيره مِمَّنْ يعبد مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ من الملائكة إِلَّا بِإِذْنِهِ يَقُولُ إِلَّا بأمره وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ يقول ما كان قبل خلق
стр. 144
الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ثُمّ قَالَ: وَلا يُحِيطُونَ يعني الملائكة بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ الرب فيعلمهم ثم أخبر عن عظمة الرب- ﷻ فقال- سبحانه-: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كلها. كل قائمة للكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع تحت الكرسي فى الصغر كحلقة بأرض فلاة. ثم أخبر عن قدرته فقال- : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما يَقُولُ وَلا يثقل عَلَيْه وَلا يجهده حملهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ- ٢٥٥-[٤٣ ب] الرفيع فوق كُلّ خلقه العظيم فلا أعظم منه شيء، يحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصَّخرة التي تحت الأرض السفلى، مسيرة خمس مائة عام، وما بين كُلّ أرض مسيرة مائة عام، ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان وَهُوَ سيد الصور، وَهُوَ يسأل الرزق للآدميين، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الأنعام يسأل الرزق للبهائم وَهُوَ الثور، لَمْ يزل الملك الَّذِي عَلَى صورة الثور على وجهه كالغضاضة منذ عُبِدَ العجل من دون الرَّحْمَن- ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير وَهُوَ يسأل اللَّه- الرزق للطير وَهُوَ النسر. وملك عَلَى صورة سيد السباع وَهُوَ يسأل الرزق للسباع وَهُوَ الأسد. لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لأحد بعد إسلام العرب إذا أقروا بالجزية، وذلك
أن النبي- ﷺ كان لا يقبل الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَلَمَّا أسلمت العرب طوعا وكرها قبل الخراج، من غَيْر أَهْل الكتاب، فكتب النَّبِيّ- ﷺ إلى المنذر بن ساوى، وأهل هجر، يدعوهم إلى الْإِسْلام فكتب من محمد رسول الله إلى أَهْل هجر، سلام عَلَى من اتبع الهدى، أما بعد: إن من شهد شهادتنا، وأكل من ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا،
стр. 145
ودان «١» بديننا. فذلك المسلم الَّذِي لَهُ ذمة اللَّه- وذمة رَسُول اللَّهِ- ﷺ فَإِن أسلمتم فلكم ما أسلمتم عليه، ولكم عشر الثمر، ولكم نصف عشر الحب فَمنْ أبى الْإِسْلام فعليه الجزية. فكتب المنذر إلى النَّبِيّ- ﷺ إني قرأت كتابك إلى أهل هجر فمنهم من أسلم، ومنهم من أبى، فأما اليهود والمجوس فأقروا بالجزية، وكرهوا الْإِسْلام فقبل النَّبِيّ- ﷺ منهم بالجزية.
فقال منافقوا أَهْل المدينة:
زعم محمد أَنَّهُ لَمْ يؤمر أن يأخذ الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَمَا باله قبل من مجوس أَهْل هجر، وقد أبى ذَلِكَ عَلَى آبائنا وإخواننا حَتَّى قاتلهم عَلَيْه، فشق عَلَى الْمُسْلِمِين قولهم، فذكروه «٢» للنبي- ﷺ فأنزل اللَّه- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... آخر الآية «٣» .
وأنزل الله- لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ بعد إسلام العرب قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يَقُولُ قَدْ تبين الضلالة من الهدى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ يعني الشَّيْطَان وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك لَهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يَقُولُ أَخَذَ الثقة يعني الْإِسْلام التي لَا انْفِصامَ لَها يقول لا انقطاع له دون الجنة وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عَلِيمٌ- ٢٥٦- به اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني ولي الْمُؤْمِنِين بِاللَّه- يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الإيمان [٤٤ أ] نظيرها فِي إِبْرَاهِيم أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «٤» لأنه سبق لهم السعادة من اللَّه- تَعَالَى- فى علمه فلما بعث النبي-