← Тафсир

Тафсир · id 23614

تفسير مقاتل بن سليمان

مقاتل

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شاء اللَّه. فتقدم جالوت ليأخذه بيده مقتدرا عَلَيْه فِي نفسه وَقَدْ صارت الحجارة الثلاثة حجرا واحدا [٤٢ ب] فَلَمَّا دنا جالوت من دَاوُد أخرج الحجر من مخلاته وألقت الريح البيضة عن رأسه فرماه فوقع الحجر فِي دماغه حَتَّى خرج من أسفله «١» وانهزم الكفار وطالوت ومن معه وقوف ينظرون فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ «٢» بحذافة فيها حجر واحد وقُتِل معه ثلاثون ألفا، وطلب دَاوُد نصف مال طالوت، ونصف ملكه فحسده طالوت عَلَى صنيعه وأخرجه. فذهب دَاوُد حَتَّى نزل قرية من قرى بني إِسْرَائِيل، وندم طالوت عَلَى صنيعه، فَقَالَ فِي نفسه: عمدت إلى خير أَهْل الأرض بعثه اللَّه- لقتل جالوت فطردته، وَلَم أفِ لَهُ وكان دَاوُد- ﵇ أحبّ إلى بني إِسْرَائِيل من طالوت فانطلق فِي طلب دَاوُد فطرق امرأة ليلا من قدماء بني إِسْرَائِيل تعلم اسم اللَّه الأعظم وهي تبكي عَلَى دَاوُد فضرب بابها فقالت: من هَذَا؟ قَالَ «٣» : أَنَا طالوت. فقالت: أَنْت أشقى الناس وأشرهم «٤» ، هَلْ تعلم ما صنعت؟ طردت دَاوُد النَّبِيّ- ﷺ وكان أمره من اللَّه- وكانت لك آية فِيهِ من أمر الدرع وصفة أشماويل وظهوره عَلَى جالوت وقتل اللَّه- [به] أَهْل الأوثان فانهزموا. ثُمّ غدرت بداود وطردته هلكت يا شقي. فَقَالَ لها: إِنَّمَا أتيتك لأسالك ما توبتي. قَالَتْ توبتك أن تأتي مدينة بلقاء فتقاتل أهلها وحدك، فَإِن افتتحتها فهي توبتك فانطلق طالوت فقاتل أَهْل بلقاء وحده فقتل وعمدت بنو إِسْرَائِيل إلى دَاوُد- ﵇ فردوه وملكوه، وَلَم يجتمع بنو إسرائيل لملك قط غير داود

стр. 142

عَلَيْه السَّلام فكانوا اثني عشر سبطا لكل سِبْط ملك بينهم «١» فذلك قوله- ﵎: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يعني ملكه اثنا عشر سبطا وَالْحِكْمَةَ يعني الزبور وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ علمه صنعة الدروع، وكلام الدواب، والطير، وتسبيح الجبال، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ- لولا دفع اللَّه المشركين بالمسلمين لغلب المشركون عَلَى الأرض، فقتلوا الْمُسْلِمِين وخربوا المساجد والبيع والكنائس والصوامع، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يَقُولُ لهلكت الأرض نظيرها إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها «٢» يعني أهلكوها وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ- ٢٥١- فِي الدفع عَنْهُمْ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني القرآن نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٢٥٢- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَهُوَ مُوسَى- ﷺ ، ومنهم [٤٣ أ] من اتخذه خليلا وَهُوَ إِبْرَاهِيم- ﷺ ، ومنهم من أعطى الزبور وتسبيح الجبال والطير وَهُوَ دَاوُد- ﷺ ، ومنهم من سخرت له الريح والشياطين وعلم منطق الطير وهو سليمان- ﷺ . ومنهم من يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا وَهُوَ عِيسَى- ﷺ ، فهذه الدرجات يعني الفضائل. قَالَ تَعَالَى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ «٣» على بعض وَآتَيْنا

стр. 143

يقول وأعطينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ يعني ما كان يصنع من العجائب وما كان يحيي من الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين ثُمّ قَالَ: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- وقويناه بجبريل- ﵇ ثُمّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد عِيسَى ومُوسَى وبينهما ألف نبى أولهم موسى وآخرهم عِيسَى مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني العجائب التي كان يصنعها «١» الْأَنْبِيَاء وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فصاروا فريقين فِي الدّين فذلك قوله سُبْحَانَهُ-: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه- وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بتوحيد اللَّه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ- ٢٥٣- يعنى أراد ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ من الأموال فِي طاعة اللَّه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ يَقُولُ لا فداء فِيهِ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ فِيهِ ليعطيه بخلة «٢» ما بَيْنَهُمَا وَلا شَفاعَةٌ فيه للكفار فِيهِ كفعل أَهْل الدُّنْيَا بعضهم فِي بعض فَلَيْس فِي الآخرة شيء من ذَلِكَ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٢٥٤- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لا يموت الْقَيُّومُ القائم عَلَى كُلّ نفس لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ يعني ريح من قبل الرأس، فيغشى العينين، وَهُوَ وسنان بين النائم واليقظان. ثُمّ قَالَ- جلَّ ثناؤُهُ-: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه الملائكة وعزير وعيسى ابْن مريم وغيره مِمَّنْ يعبد مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ من الملائكة إِلَّا بِإِذْنِهِ يَقُولُ إِلَّا بأمره وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ يقول ما كان قبل خلق

стр. 144

الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ثُمّ قَالَ: وَلا يُحِيطُونَ يعني الملائكة بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ الرب فيعلمهم ثم أخبر عن عظمة الرب- ﷻ فقال- سبحانه-: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كلها. كل قائمة للكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع تحت الكرسي فى الصغر كحلقة بأرض فلاة. ثم أخبر عن قدرته فقال- : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما يَقُولُ وَلا يثقل عَلَيْه وَلا يجهده حملهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ- ٢٥٥-[٤٣ ب] الرفيع فوق كُلّ خلقه العظيم فلا أعظم منه شيء، يحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصَّخرة التي تحت الأرض السفلى، مسيرة خمس مائة عام، وما بين كُلّ أرض مسيرة مائة عام، ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان وَهُوَ سيد الصور، وَهُوَ يسأل الرزق للآدميين، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الأنعام يسأل الرزق للبهائم وَهُوَ الثور، لَمْ يزل الملك الَّذِي عَلَى صورة الثور على وجهه كالغضاضة منذ عُبِدَ العجل من دون الرَّحْمَن- ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير وَهُوَ يسأل اللَّه- الرزق للطير وَهُوَ النسر. وملك عَلَى صورة سيد السباع وَهُوَ يسأل الرزق للسباع وَهُوَ الأسد. لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لأحد بعد إسلام العرب إذا أقروا بالجزية، وذلك أن النبي- ﷺ كان لا يقبل الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَلَمَّا أسلمت العرب طوعا وكرها قبل الخراج، من غَيْر أَهْل الكتاب، فكتب النَّبِيّ- ﷺ إلى المنذر بن ساوى، وأهل هجر، يدعوهم إلى الْإِسْلام فكتب من محمد رسول الله إلى أَهْل هجر، سلام عَلَى من اتبع الهدى، أما بعد: إن من شهد شهادتنا، وأكل من ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا،

стр. 145

ودان «١» بديننا. فذلك المسلم الَّذِي لَهُ ذمة اللَّه- وذمة رَسُول اللَّهِ- ﷺ فَإِن أسلمتم فلكم ما أسلمتم عليه، ولكم عشر الثمر، ولكم نصف عشر الحب فَمنْ أبى الْإِسْلام فعليه الجزية. فكتب المنذر إلى النَّبِيّ- ﷺ إني قرأت كتابك إلى أهل هجر فمنهم من أسلم، ومنهم من أبى، فأما اليهود والمجوس فأقروا بالجزية، وكرهوا الْإِسْلام فقبل النَّبِيّ- ﷺ منهم بالجزية. فقال منافقوا أَهْل المدينة: زعم محمد أَنَّهُ لَمْ يؤمر أن يأخذ الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَمَا باله قبل من مجوس أَهْل هجر، وقد أبى ذَلِكَ عَلَى آبائنا وإخواننا حَتَّى قاتلهم عَلَيْه، فشق عَلَى الْمُسْلِمِين قولهم، فذكروه «٢» للنبي- ﷺ فأنزل اللَّه- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... آخر الآية «٣» . وأنزل الله- لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ بعد إسلام العرب قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يَقُولُ قَدْ تبين الضلالة من الهدى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ يعني الشَّيْطَان وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك لَهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يَقُولُ أَخَذَ الثقة يعني الْإِسْلام التي لَا انْفِصامَ لَها يقول لا انقطاع له دون الجنة وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عَلِيمٌ- ٢٥٦- به اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني ولي الْمُؤْمِنِين بِاللَّه- يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الإيمان [٤٤ أ] نظيرها فِي إِبْرَاهِيم أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «٤» لأنه سبق لهم السعادة من اللَّه- تَعَالَى- فى علمه فلما بعث النبي-

стр. 146

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخرجهم اللَّه- سُبْحَانَهُ- من الشرك إلى الْإِيمَان ثُمّ قَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يعني كَعْب ابن الأشرف يُخْرِجُونَهُمْ يعني يدعونهم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ نظيرها فِي إِبْرَاهِيم قوله- سُبْحَانَهُ- أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «١» ثُمّ قَالَ: يدعونهم من النور الَّذِي كانوا فِيهِ من إيمان بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث إلى كفر به بعد أن بعث وهي الظلمة أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٢٥٧- يعني لا يموتون أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وَهُوَ نمروذ بن كنعان بن ريب بن نمروذ بن كوشى بن نوح وَهُوَ أول من ملك الأرض كلها وَهُوَ الَّذِي بنى الصرح ببابل أَنْ آتاهُ اللَّهُ يَقُولُ أن أَعْطَاه اللَّه الْمُلْكَ وذلك أن إِبْرَاهِيم- ﷺ حين كسر الأصنام سجنه نمروذ ثُمّ أَخْرَجَهُ ليحرقه بالنار. فَقَالَ لإبراهيم- ﵇: من ربك إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وإياه أعبد ومنه أسأل الخير قالَ نمروذ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ «٢» قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: أرني بيان الَّذِي تَقُولُ، فجاء برجلين فقتل أَحَدهمَا، واستحيا الآخر. وقَالَ «٣» : كان هَذَا حيا فأمته وأحييت هَذَا ولو شئت قتلته قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الجبار الَّذِي كَفَرَ بتوحيد الله- يَقُولُ بهت نمروذ الجبار فلم يدر ما يرد عَلَى إِبْرَاهِيم ثُمّ إن اللَّه- سلط على نمروذ بعوضة، بعد ما أنجا اللَّه- إبراهيم من النار، فعضت شفته فأهوى إليها فطارت فِي منخره فذهب ليأخذها

стр. 147

فدخلت خياشيمه، فذهب يستخرجها فدخلت دماغه فعذبه اللَّه- بها أربعين يومًا ثُمّ مات منها، وكان يضرب رأسه بالمطرقة، فإذا ضرب رأسه سكنت البعوضة وإذا «١» رفع عَنْهَا تحركت. فَقَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حَتَّى آتي بها. يعني الشمس من قبل المغرب فيعلم من يرى ذَلِكَ أني أَنَا اللَّه قادر عَلَى أن أفعل ما شئت ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ٢٥٨- إلى الحجَّة يعني نمروذ مثلها فِي براءة ... وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «٢» إلى الحجَّة أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يعنى ساقطة على سقوفها، وذلك ان بخت نصر سبا أَهْل بابل، وفيهم عزير بن شرحيا «٣» [٤٤ ب] وكان من علماء بني إِسْرَائِيل وأنه ارتحل «ذات يوم عَلَى حمار أقمر، فمر عَلَى قرية تدعى سابور عَلَى شاطئ دجلة «٤» » بين واسط والمدائن، وكان هذا بعد ما رفع عيسى بن مريم «٥» ، فربط حماره فِي ظل شجرة، ثُمّ طاف فِي القرية فلم ير فيها ساكنا، وعامة شجرها حامل، فأصاب من الفاكهة والعنب والتين، ثُمّ رجع إلى حماره فجلس يأكل من الفاكهة، وعصر من العنب فشرب منه فجعل فضل الفاكهة فِي سلة، وفضل العصير فى الزق، فلما رأى

стр. 148

خراب القرية وهلاك أهلها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ يعني أَهْل هَذِهِ القرية بَعْدَ مَوْتِها بعد هلاكهم. لَمْ يشك فِي البعث ولكنه أحبّ أن يريه اللَّه- كيف يبعث الموتى كَمَا سأل إِبْرَاهِيم- ﵇ ربه- أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى «١» فَلَمَّا تكلم بِذَلِك عزير أراد اللَّه- أن يعلمه كيف يحييها بعد موتها فَأَماتَهُ اللَّهُ- وأمات حماره مِائَةَ عامٍ فحيى والفاكهة والعصير مَوْضُوع عنده ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّه- فِي آخر النهار بعد مائة عام. لَمْ يتغير طعامه وشرابه فنودي في السماء قالَ كَمْ لَبِثْتَ يا عزير ميتا قالَ لَبِثْتُ يَوْماً فالتفت فرأى الشمس فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ميتا، ثُمّ أخبره ليعتبر، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعني الفاكهة فِي السلة وَشَرابِكَ يعني العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ «يَقُولُ لَمْ يتغير طعمه بعد مائة عام، نظيرها فى سورة محمد- ﷺ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ «٢» » فَقَالَ سبحان اللَّه، كيف لَمْ يتغير طعمه، ونظر إلى حماره، وَقَدْ «٣» ابيضت عظامه، وبليت وتفرقت أوصاله، فنودي من السماء، أيتها العظام البالية اجتمعي فَإِن اللَّه- منزل عليك روحا، فسعت «٤» العظام بعضها إلى بعض الذراع إلى العضد، والعضد إلى المنكبين والكتف، وسعت الساق إلى الركبتين والركبتان إلى الفخذين، والفخذان إلى الوركين والتصق «٥» الوركان بالظهر، ثُمّ وقع الرأس على الجسد

стр. 149

وعزير ينظر ثُمّ ألقى عَلَى العظام العروق والعصب، ثُمّ رد عَلَيْه الشعر ثُمّ نفخ فِي منخره الروح. فقام الحمار ينهق عِنْد رأسه. فأعلم كيف يبعث أَهْل هَذِهِ القبور بعد هلاكهم وبعث حماره بعد مائة عام كَمَا لَمْ يتغير طعامه وشرابه، وبعث بعد طوال الدَّهْر ليعتبر بِذَلِك- فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ يعنى لم يتغير طعمه كقوله فى سورة محمد- ﷺ : مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يعني عبرة لأنه بعثه شابا بعد مائة سنة وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ يعني عظام الحمار كَيْفَ نُنْشِزُها يعنى نحييها نظيرها [٤٥ أ] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ «١» يعني يبعثون الموتى ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ يعني لعزير كيف يحيي اللَّه الموتى، خر للَّه ساجدا قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٢٥٩- يعني من البعث وغيره، فرجع عزير إِلَى أهله وَقَدْ هلكوا وبيعت داره وبنيت فردت عَلَيْه «٢» وانتسب عزير إلى أولاده فعرفوه وعرفهم وأعطي عزير العلم «من بعد ما بعث بعد مائة عام» «٣» وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وذلك أَنَّهُ رَأَى جيفة حمار عَلَى شاطئ البحر تتوزعه دواب البر والبحر والطير فنظر إليها ساعة ثُمّ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ يا إِبْرَاهِيم، يعني قَالَ أَوَلَمْ تصدق بأني أحيي الموتى يا إِبْرَاهِيم قالَ بَلى صدقت وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ليسكن قلبي بأنك أريتني الَّذِي أردت قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قَالَ خُذْ ديكا وبطة وغرابا وحمامة فاذبحهن يَقُولُ قطعهن ثُمّ خالف بين مفاصلهن وأجنحتهن فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بلغة النبط صرهن «٤» قطعهن، واخلط

стр. 150

ريشهن ودماءهن ثُمّ خالف «١» بين الأعضاء والأجنحة واجعل مقدم الطير مؤخر طير آخر ثُمّ فرقهن عَلَى أربعة أجبال ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فيها تقديم فدعاهن فتواصلت الأعضاء والأجنحة فأجابته جميعًا لَيْسَ معهن رءوسهن ثم وضع رءوسهن عَلَى أجسادهن ففقت «٢» البطة، وصوت الديك، ونعق الغراب، وقرقر «٣» الحمام يَقُولُ خذهن فصرهن وادعهن يسعين عَلَى أرجلهن عِنْد غروب الشمس وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٤» - ٢٦٠- فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ أعْلَم أن اللَّه عزيز فِي ملكه حكيم يعني حكم البعث يَقُولُ كَمَا بعث هَذِهِ الأطيار الأربعة من هَذِهِ الجبال «٥» الأربعة فكذلك يبعث اللَّه- الناس من أرباع الأرض كلها ونواحيها وكان هَذَا بالشام وكان أمر الطير قبل أن يكون له ولد وقبل أن تنزل عليه الصحف وهو ابْن خمس وسبعين سنة مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله- كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ يَقُولُ أخرجت سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ لتلك الأضعاف عَلِيمٌ- ٢٦١- بما تنفقون الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٢٦٢-[عند] الموت نزلت فى عثمان ابن عَفَّان- ﵁ فِي نفقته فِي غزاة تبوك وَفِي شرائه «٦» رومة ركية بالمدينة وتصدقه «٧» بها عَلَى الْمُسْلِمِين، وَفِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ- ﵁ حين تصدق بأربعة آلاف دِرْهَم كُلّ دِرْهَم مثقال وكان نصف ماله.

стр. 151

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ يعني قول حسن يعني دعاء الرجل [٤٥ ب] لأخيه المسلم إذا جاء وهُوَ فقير يسأله فلا يعطيه شيئًا يدعو بالخير لَهُ وَمَغْفِرَةٌ يعني وتجاوز عَنْهُ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يعطيه إياها يَتْبَعُها أَذىً يعني المن وَاللَّهُ غَنِيٌّ عما عندكم من الصدقة حَلِيمٌ- ٢٦٣- حين لا يعجل بالعقوبة عَلَى من يمن بالصدقة ويؤذي فيها المعطى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى يَقُولُ يمن بها فَإِن ذَلِكَ أذى لصاحبها وكل صدقة يمن بها صاحبها عَلَى المعطى فَإِن المن يبطلها «١» فضرب اللَّه- مثل لذلك: كَالَّذِي «٢» يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَقُولُ وَلا يصدق بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَقُولُ وَلا يصدق بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال أَنَّهُ كائن فمثله يعني مثل الَّذِي يمن «٣» بصدقته كمثل مشرك أنفق ماله فِي غَيْر إيمان فأبطل شركه الصدقة كَمَا أبطل المن والأذى صدقة الْمُؤْمِن ثُمّ أخبر عمن مَنَّ بها عَلَى صاحبه فلم يعط عَلَيْهَا أجرا وَلا ثوابا ثُمّ ضرب اللَّه- لهما مثلا فَقَالَ فِي مثله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ يعني الصفا عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ يعني المطر الشديد فَتَرَكَهُ صَلْداً يَقُولُ ترك المطر الصفا صلدا نقيا أجرد لَيْسَ عَلَيْه تراب فكذلك المشرك الَّذِي ينفق فِي غَيْر إيمان وينفق رئاء الناس وكذلك صدقة الْمُؤْمِن إذا منَّ بها، وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا يقول لا يقدرون على ثواب شيء مما أنفقوا يَوْم الْقِيَامَة وذلك قوله- مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى ثواب شَيْءٍ «٤» يَوْم الْقِيَامَة كَمَا لَمْ يبق عَلَى الصفا شيء من التراب حين أصابه المطر

стр. 152

الشديد وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- ٢٦٤- ثُمّ ذكر نفقة الْمُؤْمِن الذي يريد بنفقته وجه اللَّه- وَلا يمن بها فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني وتصديقا من قلوبهم فهذا مثل نفقة الْمُؤْمِن التي «١» يريد بها وجه اللَّه- وَلا يمن بها كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ يعني بستان فِي مكان مرتفع مستو «٢» تجري من تحتها الأنهار أَصابَها «٣» يعني أصاب الجنة وابِلٌ يعني المطر الكثير الشديد فَآتَتْ أُكُلَها يَقُولُ أضعفت ثمرتها فِي الحمل ضِعْفَيْنِ فكذلك الذي ينفق ماله للَّه- من غير من يضاعف لَهُ نفقته إن كثرت أَوْ قَلّت كَمَا أن المطر إذا اشتد أَوْ قل أضعف ثمرة الجنة حين أصابها وابل فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أَي أصابها عطش من المطر وَهُوَ الرذاذ مثل الندى [٤٦ أ] وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ يعني بما تنفقون بَصِيرٌ- ٢٦٥- أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ هَذَا مثل ضربه- لعمل الكافر: جنة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ يعني عجزة لا حيلة لهم فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ يعني ريح فيها نار يعني فيها سموم حارة فَاحْتَرَقَتْ يَقُولُ مثل الكافر كمثل شيخ كبير لَهُ بستان فِيهِ من كُلّ الثمرات وَلَهُ ذرِّيَّة أولاد صغار يعني عجزة لا حيلة لهم فمعيشته ومعيشة ذريته من بستانه فأرسل اللَّه- عَلَى بستانه السموم الحارة فأحرقت بستانه فلم يَكُنْ لَهُ قوة من كبره أن يدفع عن جنته، وَلَم تستطع ذريته الصغار أن يدفعوا عن جنتهم التي كانت معيشتهم منها حين احترقت، وَلَم يكن للشيخ قوة أن يغرس

стр. 153

مثل جنته وَلَم يَكُنْ عِنْد ذريته خير فيعودون به على أبيهم عند ما كان أحوج «١» إلى خير يصيبه، وَلا يجد خيرًا، وَلا يدفع عن نفسه عذابا كَمَا لَمْ يدفع الشَّيْخ الكبير وَلا ذريته عن جنتهم شيئًا حين احترقت وَلا يرد الكافر إلى الدُّنْيَا فيعتب كَمَا لا يرجع الشَّيْخ الكبير شابا فيغرس جنة مثل جنته وَلَم يقدم لنفسه خيرًا، فيعود عَلَيْه فِي الآخرة وَهُوَ أحوج ما يَكُون «٢» إِلَيْهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْد ولده شيئًا فيعودون به عَلَى أبيهم، ويحرم الخير فِي الآخرة عِنْد شدة حاجته إليه كما حرم «٣» جنته عند ما كان أحوج ما يَكُون إليها عِنْد كبر سنه وضعف ذريته كَذلِكَ يعني هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني يبين اللَّه أمره لَعَلَّكُمْ «٤» يَقُولُ لكي تَتَفَكَّرُونَ- ٢٦٦- فِي أمثال اللَّه- فتعتبروا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ يَقُولُ أنفقوا من الحلال مما رزقناكم من الأموال الفضة والذهب وغيره وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وأنفقوا من طيبات الثمار والنبات. وذلك أن النبي- ﷺ : أمر الناس بالصدقة قبل أن تنزل آية الصدقات فجاء رَجُل بعزق «٥» من تمر عامته حشف فوضعه فِي المسجد مَعَ التمر فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : من جاء بِهَذَا فقالوا لا ندري «فأمر النَّبِيّ- ﷺ أن يعلق العزق» «٦» فَمنْ نظر إِلَيْهِ قَالَ بئس ما صنع صاحب هَذَا «٧» فَقَالَ الله- : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ يَقُولُ وَلا تعمدوا إلى الحشف من التمر الرديء من طعامكم للصدقات مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ

стр. 154

يعني الرديء بسعر الطيب لأنفسكم يَقُولُ لو كان لبعضكم عَلَى بعض حق لَمْ يأخذ دون حقه، ثُمّ استثنى فَقَالَ. إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يقول [٤٦ ب] إِلَّا أن يهضم بعضكم عَلَى بعض حقه فيأخذ دون حقه وَهُوَ يعلم أَنَّهُ رديء فيأخذه «١» عَلَى علم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عما عندكم من الأموال حَمِيدٌ- ٢٦٧- عِنْد خلقه فى ملكه وسلطانه. ثم قال- سبحانه-: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ عِنْد الصدقة ويأمركم أن تمسكوا صدقتكم: فلا تنفقوا فلعلكم تفتقرون «٢» وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ يعني المعاصي يعني بالإمساك عن الصدقة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ عِنْد الصدقة مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم ويعدكم وَفَضْلًا يعني الخلف من صدقتكم فيجعل لَكُم الخلف بالصدقة فِي الدُّنْيَا ويغفر لَكُم الذنوب فِي الآخرة وَاللَّهُ واسِعٌ لذلك الْفَضْل عَلِيمٌ- ٢٦٨- بما تنفقون. وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي التغابن إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «٣» يعني به الصدقة محتسبا طيبة بها نفسه يضاعفه لَكُمْ فِي الدُّنْيَا، ويغفر لَكُمْ بالصدقة فِي الآخرة يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ يَقُولُ ومن يعط الحكمة وهي علم القرآن «٤» والفقه فيه فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً يَقُولُ فقد أعطى خيرًا كثيرًا وَما يَذَّكَّرُ فيما يسمع إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ- ٢٦٩- يعني أَهْل اللب والعقل. ثُمّ قَالَ: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ من خير من أموالكم فِي الصدقة أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فى حق فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ يَقُولُ فَإِن اللَّه يحصيه وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ- ٢٧٠- يعنى للمشركين من مانع من النار. قوله- سبحانه-: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ يَقُولُ إن تعلنوها فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها

стр. 155

يعني تسروها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من العلانية وأعظم أجرا يضاعف سبعين ضعفا «١» وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ بصدقات السر والعلانية مِنْ سَيِّئاتِكُمْ من ذنوبكم يعنى ذنوبكم أجمع ومن هاهنا صلة: وكل مقبول: السر والعلانية وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- ٢٧١- لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ نزلت فِي المشركين، لأنه يأمر بالصدقة عليهم من غَيْر زكاة، نزلت فِي أسماء بِنْت أَبِي بَكْر- ﵁ سَأَلت النَّبِيّ- ﷺ عن صلة جدها أَبِي قحافة وعن صلة امرأته وهما كافران فكأنه شق عَلَيْه «٢» صلتهما فنزلت «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ» يعني أبا قحافة وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى دينه الْإِسْلام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يعني المال فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يعني المال يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يعني توفر لَكُمْ أعمالكم وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ- ٢٧٢- فيها ثُمّ بين عَلَى من ينفق فَقَالَ: النفقة لِلْفُقَراءِ «٣» الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ حبسوا نظيرها فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ «٤» يعني حبستم. وأيضا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً «٥» يعني محبسا. الَّذِينَ أُحْصِرُوا حبسوا أنفسهم بالمدينة [٤٧ أ] فِي طاعة اللَّه- فهم أصحاب الصفة. قَالَ حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ عن أبيه عن هذيل بن حبيب عن مقاتل ابن سُلَيْمَان: منهم ابْن مَسْعُود وأَبُو هُرَيْرَة والموالي أربعمائة رجل لا أموال لهم

стр. 156

بالمدينة، فإذا كان الليل آووا إلى صفة المسجد فأمر اللَّه- بالنفقة عليهم لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يعني سيرا كقوله- سُبْحَانَهُ- وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ «١» يعني إذا سرتم فِي الأرض يعني التجارة يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بأمرهم وشأنهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بسيما الفقر عليهم لتركهم المسألة لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً فيلحفون فِي المسألة وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يعني من مال كقوله- إِنْ تَرَكَ خَيْراً «٢» يعني مالا للفقراء أصحاب الصفة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ- ٢٧٣- يعني بما أنفقتم عليم. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فى الصدقة بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً نزلت في علي بن أبي طالب- ﵁ لَمْ يَمْلك غَيْر أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ- ﷺ : ما حملك عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: حملني أن أستوجب من اللَّه الَّذِي وعدني. فقال النبي- ﷺ : الآن لك ذَلِكَ قَالَ فأنزل اللَّه- فِيهِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً «٣» فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٢٧٤- عند الموت الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا استحلالا

стр. 157

لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ فِي الدُّنْيَا وذلك علامة أكل الربا ذلِكَ الَّذِي نزل بهم يوم الْقِيَامَة بِأَنَّهُمْ قالُوا «١» إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فأكذبهم اللَّه- فَقَالَ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فكان الرَّجُل إذا حل ماله فطلبه فيقول المطلوب زدني فِي الأجل، وأزيدك عَلَى مَالِك، فيفعلان ذَلِكَ فإذا قِيلَ لهم إن هَذَا ربا، قالوا: سواء زدت فى أول البيع أَوْ فِي آخره عِنْد محل المال فهما سواء فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فَقَالَ اللَّه- : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني البيان فِي القراءة فَانْتَهى عن الربا فَلَهُ ما سَلَفَ يَقُولُ ما أكل من الربا قبل التحريم وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ بعد التحريم وبعد تركه. إن شاء عصمه من الربا وإن شاء لَمْ يعصمه قَالَ: وَمَنْ عادَ فأكله استحلالا، لقولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مثل الربا. يخوف أكلة الربا فِي الدُّنْيَا أن يستحلوا أكله فقال [٤٧ ب] : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ٢٧٥- لا يموتون. ثم قال- سبحانه-: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا فيضمحل وينقص وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يعني ويضاعف الصدقات «٢» وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ- ٢٧٦- بربه- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ المكتوبة فِي مواقيتها وَآتَوُا الزَّكاةَ يعني وأعطوا الزكاة من أموالهم لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٢٧٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه وَذَرُوا يعني واتقوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٢٧٨-

стр. 158

نزلت فِي أربعة إخوة من ثقيف «١» مَسْعُود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل، وهم بنو عمرو بن عُمَيْر بن عَوْف الثَّقَفيّ كانوا يداينون بني المُغِيرَة بن عَبْد اللَّه بن عُمَر ابن مَخْزُوم. وكانوا يربون «٢» لثقيف فَلَمَّا أظهر اللَّه- النبي- ﷺ عَلَى الطائف اشترطت ثقيف أن كل ربا لهم عَلَى الناس فهو لهم وكل ربا للناس عليهم فهو مَوْضُوع عَنْهُمْ فطلبوا رباهم إلى بني المُغِيرَة فاختصموا إلى عتاب بن أسيد بن أَبِي العيص بن أمية- كان النَّبِيّ- ﷺ استعمله عَلَى مكة. وقَالَ لَهُ: أستعملك عَلَى أَهْل اللَّه. وقالت بنو المُغِيرَة: أجعلنا أشقى الناس بالربا، وَقَدْ وضعه عن الناس؟ فقالت ثقيف: إنا صالحنا النَّبِيّ- ﷺ أن لنا ربانا فكتب عتاب إلى النَّبِيّ- ﷺ فِي المدينة «٣» . بقصة الفريقين. فأنزل الله- ﵎ بالمدينة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني ثقيفا «اتَّقُوا اللَّهَ» «٤» وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا الآية. لأنه لَمْ يبق غَيْر رباهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فأقروا بتحريمه فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتقروا بتحريمه فَأْذَنُوا يعني فاستيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني الكفر وَإِنْ تُبْتُمْ من استحلال الربا وأقررتم بتحريمه فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ التي أسلفتم لا تزدادوا لا تَظْلِمُونَ أحدا إذا لَمْ تزدادوا عَلَى أموالكم وَلا تُظْلَمُونَ- ٢٧٩- فتنقصون من رءوس أموالكم. فبعث النَّبِيّ- ﷺ بهذه الآية إلى عتاب بن أُسَيْد بمكة فأرسل عتاب إلى بني عمرو بن عُمَيْر فقرأ عليهم الآية. فقالوا: بل نتوب إلى الله-

стр. 159

- ونذر ما بقي من الربا فَإنَّهُ لا يدان «١» لنا بحرب اللَّه ورسوله فطلبوا رءوس أموالهم إلى بني المُغِيرَة فاشتكوا العسرة. فَقَالَ اللَّه- : وَإِنْ كانَ المطلوب ذُو عُسْرَةٍ من القوم يعني بني المُغِيرَة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ يَقُولُ فأجله إلى غناه كقوله- سُبْحَانَهُ- أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «٢» يقول أجلنى وَأَنْ تَصَدَّقُوا [٤٨ أ] به كله عَلَى بني المُغِيرَة وهم معسرون فلا تأخذونه فهو خَيْرٌ لَكُمْ من أخذه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٢٨٠- وَاتَّقُوا يَوْماً يخوفهم تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى يعني «٣» تُوفى كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ثواب ما كَسَبَتْ من خير وشر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ٢٨١- فِي أعمالهم وهذه آخر آية نزلت من القرآن، ثُمّ تُوُفّي النَّبِيّ- ﷺ بعدها بتسع ليال، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ يعني اكتبوا الدّين والأجل وَلْيَكْتُبْ الكاتب بين البائع والمشترى بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ يعدل بَيْنَهُمَا فِي كتابه فلا يزداد عَلَى المطلوب وَلا ينقص من حق الطالب وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ الكتابة وذلك أن الكتاب كانوا قليلا عَلَى عهد رَسُول اللَّه- ﷺ يَقُولُ فَلْيَكْتُبْ الكاتب وَلْيُمْلِلِ عَلَى الكاتب الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يعني المطلوب ثُمّ خوف المطلوب فَقَالَ- : وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً يعني وَلا ينقص المطلوب من الحق شيئًا كقوله- : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ «٤» فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً يعني جاهلا بالإملاء أَوْ ضَعِيفاً يعني أَوْ عاجزا أَوْ به حمق أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لا يعقل الإملاء لعيه أو لخرسه أَوْ لسفهه ثُمّ رجع إلى الَّذِي لَهُ الحق فقال

стр. 160

- سُبْحَانَهُ-: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ يعني وَلِي الحق فليملل هُوَ بِالْعَدْلِ يعني بالحق وَلا يزداد شيئًا وَلا ينقص كَمَا قَالَ للمطلوب قبل ذَلِكَ وأمر كليهما بالعدل، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاسْتَشْهِدُوا عَلَى حقكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ يَقُولُ وَلا يشهد الرَّجُل عَلَى حقه إِلَّا مرضيا إن كان «١» الشاهد رَجُلا أَوْ امرأة. ثُمّ قَالَ: أَنْ تَضِلَّ المرأة يعني أن تنسى إِحْداهُما الشهادة فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الشهادة الْأُخْرى يَقُولُ تذكرها المرأة الأخرى التي حفظت شهادتهما ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا يَقُولُ إذا ما دعي الرَّجُل ليستشهد عَلَى أَخِيهِ فلا يأب إن كان فارغا. ثُمّ قال: وَلا تَسْئَمُوا يَقُولُ ولا تملوا وكل شيء في القرآن تسأموا يعني تملوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً يعني قليل الحق وكثيره إِلى أَجَلِهِ لأن الكتاب أحصى للأجل وأحفظ للمال ذلِكُمْ يعني الكتاب أَقْسَطُ يعني أعدل عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ يعنى وأصوب لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا يعني وأجدر ألا تشكوا نظيرها «ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ» «٢» أَيّ أجدر «٣» . ونظيرها فِي الأحزاب «ذلِكَ أَدْنى» [٤٨ ب] يعنى أجدر أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ «٤» فِي الحق والأجل وَالشَّهَادَةِ إذا كان مكتوبا ثُمّ رخص فِي الاستثناء فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ وليس فيها أجل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ

стр. 161

يعني حرج أَلَّا تَكْتُبُوها يعني التجارة الحاضرة إذا كَانَتْ يدا بيد عَلَى كُلّ حال وَأَشْهِدُوا عَلَى حقكم إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يَقُولُ لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد فيدعوهما إلى الكتابة وَالشَّهَادَةِ ولهما حاجة: فيقول اكتب لي فَإِن اللَّه أمرك أن تكتب لي فيضاره بِذَلِك وهو يجد غيره، وَيَقُولُ للشاهد وَهُوَ يجد غيره اشهد لي عَلَى حقي، فَإِن الله قَدْ أمرك أن تشهد عَلَى حقي، وَهُوَ يجد غيره من يشهد لَهُ عَلَى حقه فيضاره بِذَلِك، فأمر اللَّه- أن يتركا لحاجتهما ويلتمس غيرهما وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ يَقُولُ وإن تضاروا الكاتب والشاهد وما نهيتم عَنْهُ فَإنَّهُ إثم بكم، ثُمّ خوفهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه فيهما وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- ٢٨٢- من أعمالكم عليم. ثُمّ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَقُولُ إذا لَمْ يَكُن الكاتب والصحيفة حاضرين «١» فليرتهن الَّذِي عَلَيْه الحق من المطلوب فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي السَّفَر فَإِن كان الَّذِي عَلَيْه الحق أمينا عِنْد صاحب الحق فلم يرتهن منه لثقته به، وحسن ظنه [فَلْيُؤَدِّ ذَلِكَ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ يَقُولُ ليرد عَلَى صاحب الحق حقه حين ائتمنه وَلَم يرتهن منه. ثُمّ خوفه اللَّه- فقال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ يعني الَّذِي عَلَيْه الحق «٢» ] . ثُمّ رجع إلى الشهود فقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عِنْد الحاكم يَقُولُ من أشهد عَلَى حق فليشهد بها عَلَى وجهها كَمَا كَانَتْ عِنْد الحاكم

стр. 162

فلا تكتموا الشهادة، قال: (وَمَنْ يَكْتُمْها) ولا يشهد بها عند الحاكم فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها عَلِيمٌ- ٢٨٣- لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه يقضي فيهم ما يريد وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يقول إن تعلنوا بألسنتكم ما فِي قلوبكم من ولاية الكفار والنصيحة أَوْ تسروه يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من العذاب والمغفرة قَدِيرٌ- ٢٨٤- فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ المسلمون: يا رَسُول اللَّه، إنا نحدث أنفسنا بالشرك والمعصية، أفيحاسبنا اللَّه بها وَلا نعملها؟ فأنزل اللَّه- فِي قولهم فِي التقديم لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا يكلفها من العمل إِلَّا ما أطاقت لَها ما كَسَبَتْ من الخير [٤٩ أ] وما عملته وتكلمت به وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الإثم. فنسخت هَذِهِ الآية قوله- سُبْحَانَهُ-: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ «١» قَالَ النَّبِيّ- ﷺ عِنْد ذَلِكَ: إن اللَّه- تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوه أو يتكلموا به. قوله- سُبْحَانَهُ-: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ يَقُولُ صدق محمد بما أنزل إِلَيْهِ من ربه من القرآن، ثُمّ قَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ يَقُولُ كُلّ صدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك له وَصدق ب مَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ يَقُولُ لا يكفر بأحد من رسله فكل هَذِهِ الرسل صدق بهم المؤمنون لا نُفَرِّقُ «٢» بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ كفعل أَهْل الكتاب آمنوا ببعض الكتب وببعض الرسل فذلك التفريق فأما اليهود فآمنوا بموسى وبالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، وأما النَّصارى فآمنوا بالتوراة والإنجيل وبعيسى- صلى الله

стр. 163

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكفروا بمحمد- ﷺ وبالقرآن وَقالُوا «١» فَقَالَ المؤمنون بعد ذَلِكَ: سَمِعْنا قول ربنا فِي القرآن وَأَطَعْنا أمره. ثم قال لهم بعد ما أقروا بالنَّبِيّ- ﷺ والكتب: أن غُفْرانَكَ رَبَّنا يَقُولُ قولوا وأعطنا مغفرة منك يا ربنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ- ٢٨٥- يَقُولُ المرجع إليك فى الآخرة. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا يكلفها من العمل إِلَّا ما أطاقت لَها ما كَسَبَتْ من الخير وما عملت أَوْ تظلمت به وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الإثم ثُمّ علم جبريل «٢» النَّبِيّ- ﷺ أن يَقُولُ: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا يَقُولُ إن جهلنا عن شيء أَوْ أخطأنا، فتركنا أمرك قَالَ اللَّه- : ذَلِكَ لك. ثُمّ قَالَ: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً يعني عهدا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ما كان حرم عليهم من لحوم الإبل وشحوم الغنم ولحوم كُلّ ذِي ظفر يَقُولُ لا تفعل ذَلِكَ بأمتي بذنوبها كَمَا فعلته ببني إِسْرَائِيل فجعلتهم قردة وخنازير قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: ذَلِكَ لك. ثُمّ قَالَ: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا يَقُولُ واعف عنا من ذَلِكَ وَاغْفِرْ لَنا يَقُولُ وتجاوز عنا، عن ذنوبنا من ذَلِكَ كله واغفر وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا يَقُولُ أَنْت ولينا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ- ٢٨٦- يعني كفار مكة وغيرها إلى يوم الْقِيَامَة قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: ذَلِكَ لك. فاستجاب اللَّه- لَهُ ذَلِكَ فيما سَأَلَ وشفعه فِي أمته وتجاوز لها عن الخطايا والنسيان وما استكرهوا عَلَيْه. فَلَمَّا نزلت قرأهن النَّبِيّ- ﷺ عَلَى أمته وأعطاه الله- [٤٩ ب] هَذِهِ الخصال كلها فِي الآخرة وَلَم يعطها أحدا من الأمم الخالية.

стр. 164

قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثابت، قال: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ عن مُقَاتِلٍ، قَالَ: بلغني أن اللَّه- كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فهو عنده على العرش فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة آمَنَ الرَّسُولُ ... إلى آخرها. فَمنْ قرأها فِي بيته لَمْ يدخله الشَّيْطَان ثلاثة أيام ولياليهن. قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عن الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان فِي قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو الدحداح: يا رَسُول اللَّهِ إن تصدقت بصدقة أفلي مثلها فِي الجنة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: والصبية معي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وأم الدحداح معي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وكان لَهُ حديقتان إحداهما تسمى الجنة، والأخرى الجنينة وكانت الجنينة أفضل من الجنة. قَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، أشهد بأني قَدْ تصدقت بها عَلَى الفقراء أَوْ بعتها من اللَّه ورسوله فَمنْ يقبضها (قَالَ وجاء إلى باب الحديقة فتحرج أن يدخلها إذ جعلها للَّه ورسوله فصاح «١» » : «يا أم الدحداح هداك الهادي إلى سبيل القصد والرشاد بيني من الحائط الَّذِي بالوادي» «٢» فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته اللَّه عَلَى اعتماد طوعا بلا من وَلا ارتداد إِلَّا رجاء الضعف فِي الميعاد «فودعي الحائط وداع العاد» «٣»

стр. 165

واستيقني وفقت للرشاد فارتحلي بالفضل والأولاد إن التقى والبر خير زاد قدمه المرء إلى المعاد «١» فأجابته: ربح بيعك واللَّه لولا شرطك ما كان لك منه إِلَّا مَالِك. وأنشأت تَقُولُ «٢» مثلك أحيا ما لديه ونصح وأشهر الحق إذا الحق وضح قَدْ منح اللَّه عيالي ما صلح بالعجوة السوداء والزهر «٣» البلح واللَّه أولى بالذي كان منح مَعَ واجب الحق ومع ما قد صرح والعبد يسعى وَلَهُ ما قَدْ كدح طول الليالي وعليه ما اجترح قَالَ: ثُمّ خرجت وجعلت تنفض ما فِي أكمام الصبيان، وتخرج ما فِي أفواههم، ثُمّ خرجوا وسلموا الحديقة إلى النبي- ﷺ فقال النَّبِيّ- ﷺ كم من نخلة [١٥٠ أ] لأبي الدحداح مدلا عذوقها فِي الجنة لو اجتمع على عذق منها أهل منى أن يقلوه ما أقلوه «٤» .

стр. 166

سورة آل عمران

стр. 167

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٢٠٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)

стр. 168

سورة آل عمران «١»

стр. 169

سورة آل عمران مدنية كلها وهي مائتا آية باتفاق بسم الله الرحمن الرحيم قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي عن الْهُذَيْلِ عن مُقَاتِلٍ، أَنَّهُ «١» اجتمعت نصارى نجران، فمنهم السيد والعاقب، فقالوا: نشهد أن عِيسَى هُوَ اللَّه. فأنزل اللَّه- تكذيبا لقولهم الم- ١- يخبره «٢» أَنَّهُ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ- ٢- يعني الحي الَّذِي لا يموت، القيوم يعني القائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يا محمد بِالْحَقِّ لَمْ ينزله باطلا يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتاب يَقُولُ محمد- ﵇: مصدق للكتب التي كَانَتْ قبله وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى موسى وَالْإِنْجِيلَ- ٣- على عيسى مِنْ قَبْلُ هَذَا القرآن ثُمّ قَالَ: «التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» هما: هُدىً لِلنَّاسِ يعني لبني إسرائيل من الضلالة. قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان: يعني به المخرج فِي الدّين من الشبهة والضلالة، فِيهِ بيان كُلّ شيء يَكُون إلى يوم الْقِيَامَة نظيرها فِي الْأَنْبِيَاء وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ «٣» يعنى المخرج من الشبهات وفى البقرة.

стр. 170

وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «١» . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني القرآن وهم اليهود كفروا بالقرآن منهم حيى وجدي وأبو ياسر بنو أخطب. وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، وزيد بن التابوه، وَغَيْرُهُمْ لَهُمْ عَذابٌ فِي الآخرة شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ- ٤- يعنى عزيز فى ملكه منيع شديد الانتقام من أهل مكة هَذَا وعيد لمن خالف أمره إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ- ٥- يعني شيء من أَهْل السماء، وَلا من أَهْل الأرض: كُلّ ذَلِكَ عنده هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ نزلت فِي عِيسَى ابْن مريم- ﷺ خلقه من غَيْر أب. ذكرا «٢» وأنثى سويا وغير سوي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ فِي ملكه الْحَكِيمُ- ٦- فِي أمره نزلت هَذِهِ الآية فِي قولهم وما قَالُوا من البهتان والزور لعيسى «٣» ﷺ . ثم قال- سبحانه-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ يعمل بهن وهن الآيات التي فِي الأنعام قوله- سُبْحَانَهُ- قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [٥٠ ب] إلى ثلاث آيات آخرهن لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «٤» . يَقُولُ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ يعنى أصل

стр. 171

الكتاب لأنهن فِي اللوح المحفوظ مكتوبات وهن محرمات عَلَى الأمم كلها فِي كتابهم. وإنما تسمين أم الكتاب لأنهن مكتوبات فِي جميع الكتب التي أنزلها اللَّه- ﵎ عَلَى جميع الْأَنْبِيَاء، وليس من أَهْل دين إِلَّا وَهُوَ يوصي بهن. ثُمّ قَالَ- : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آلم. المص. المر. الر. شَبَّه عَلَى اليهود كم تملك هَذِهِ الأمة من السنين والمتشابهات هَؤُلاءِ الكلمات الأربع فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني ميل عن الهدى وَهُوَ الشك فهم اليهود فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ يعني ابتغاء الكفر وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ يعني منتهى ما يَكُون وكم يَكُون يريد بِذَلِك الملك. يَقُولُ اللَّه- : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ كم يملكون من السنين يعني أمة محمد يملكون إلى يوم الْقِيَامَة إِلَّا أياما يبتليهم اللَّه- بالدجال. ثُمّ استأنف فَقَالَ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعني المتدارسون علم التوراة فهم عَبْد الله بن سلام، وأصحابه [من] مؤمني أَهْل التوراة يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يعني قليله وكثيره من عِنْد ربنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ- ٧- فما يسمع إلا أولو الألباب يعني من كان لَهُ لب وعقل يعني ابْن سلام وأصحابه: فيعلمون أن كُلّ شيء من هَذَا وغيره من عِنْد اللَّه، قَالَ ابْن سلام وأصحابه: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا لا تمل قلوبنا يعني لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كَمَا أزغت اليهود عن الهدى وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً يعني من عندك رحمة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ- ٨- للرحمة. ثُمّ قَالَ ابْن سلام وأصحابه، رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ يعني ليوم الْقِيَامَة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ- ٩- فِي البعث بأنك تجمع «١» الناس فِي الآخرة

стр. 172

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود خاصة نزلت فِي كَعْب بن الأشرف لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ يعني لا «١» أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ- ١٠- يعنى اليهود كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ يعني كأشباه آل فرعون فِي التكذيب وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية قبل آل فرعون «٢» والأمم الخالية «٣» قبل آل فرعون قوم نوح، وعاد، وثمود وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بأنهم كذبوا أيضا بالعذاب فِي الدُّنْيَا بأنه غَيْر نازل بهم فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ يعني فِي الدُّنْيَا فعاقبهم اللَّه وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ- ١١- يعنى إذا عاقب قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [٥١ أ] من أَهْل مكة يوم بدر سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ فِي الآخرة وَبِئْسَ الْمِهادُ- ١٢- يَقُولُ بئسما مهدوا لأنفسهم. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ للكفار. يوم بدر: إن اللَّه غالبكم وسوف يحشركم إلى جَهَنَّم فَقَالَ أَبُو جهل: يا ابْن أَبِي كبشة هَلْ هَذَا إِلَّا مثل ما كُنْت تحدثنا به، وقوله- سُبْحَانَهُ-: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ وذلك أن بني قينقاع من اليهود أتوا النَّبِيّ- ﷺ بعد قتال بدر يوعدونه القتال كَمَا قُتِل كفار مكة يوم بدر فأنزل اللَّه- قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ مَعْشَر اليهود يعني عبرة «فِي فِئَتَيْنِ» الْتَقَتا فئة المشركين وفئة الْمُؤْمِنِين يوم بدر التقتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه يوم بدر وَأُخْرى كافِرَةٌ أَبُو جهل والمشركين يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأت اليهود أن الكفار مثل الْمُؤْمِنِين فِي الكثرة رَأْيَ الْعَيْنِ وكان الكفار يومئذ سبعمائة رجل عليهم

стр. 173

أَبُو جهل وذلك أن النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رَجُلا بين كُلّ أربعة بعير، ومعهم فرسان أَحَدهمَا مَعَ أبي مَرْثَد الغَنَويّ، «١» والآخر مَعَ المقداد بن الأسود الكِنْديّ، ومعهم ستة أدراع والمشركون ألف رجل سبعمائة دارع عليهم أَبُو جهل، وثلاثمائة حاسر ثُمّ حبس الأخنس بن شريق ثلاثمائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ- ﷺ فبقي المشركون فِي سبعمائة رَجُل يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى-: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ يعني بنصره مَنْ يَشاءُ فينصره اللَّه- القليل على الكثير إِنَّ فِي ذلِكَ يعني يقوى فِي نصرهم: نصر الْمُؤْمِنِين وهم قليل وهزيمة الكفار وهم كثير لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ- ١٣- يعني الناظرين فِي أمر اللَّه- وطاعته لعبرة وتفكرا لأولي الأبصار حين أظهر اللَّه- القليل على الكثير (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) يعني الكفار حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ يعنى المال الكثير مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فأما الذهب فهو ألف دينار ومائتا دينار والفضة ألف ومائتا مثقال وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ يعني السائمة وهي الراعية وَالْأَنْعامِ وهي الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ ذلِكَ الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآية مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ- ١٤- يعنى حسن المرجع وهي الجنة قُلْ للكفار: أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ يعني ما ذكره فِي هَذِهِ الآية «لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ» «٢» جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وذلك أن العيون تجري من تحت البساتين خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والغائط والبول والبزاق والمخاط ومن [٥١ ب] القذر كله وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكبر يعني ﵃ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- ١٥- يعنى بأعمالهم. ثم أخبر- سبحانه- عن فعلهم، فقال:

стр. 174

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ- ١٦- ثُمّ نعت أعمالهم فَقَالَ الجنة هِيَ ل الصَّابِرِينَ عَلَى أمر اللَّه وفرائضه وَالصَّادِقِينَ بكتاب اللَّه ورسله «١» وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين للَّه وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم فِي حق اللَّه وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ- ١٧- يَقُولُ المصلين للَّه بالأسحار يعني المصلين من آخر الليل قوله- سُبْحَانَهُ-: شَهِدَ اللَّهُ وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه مؤمني أَهْل التوراة قَالُوا لرءوس اليهود: إن محمدا رَسُول اللَّهِ- ﷺ ، ودينه الحق، فاتبعوه. فقالت اليهود: ديننا أفضل من دينكم «٢» . فَقَالَ اللَّه- ﵎: «شَهِدَ اللَّهُ» أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ يشهدون بها وَأُولُوا الْعِلْمِ بالتوراة ابْن سلام وأصحابه يشهدون أَنَّهُ لا إله إِلَّا هُوَ، ويشهدون أن اللَّه- قائِماً بِالْقِسْطِ يعني: قائم عَلَى كُلّ شيء بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ١٨- فى أمره شهدوا إِنَّ الدِّينَ يعني التوحيد عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ثُمّ قَالَ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود والنصارى فِي هَذَا الدّين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني بيان أمر محمد- ﷺ لأنهم كانوا مؤمنين بمحمد- ﷺ من قبل أن يبعث رسولا فَلَمَّا بعث محمد- ﷺ من ولد إسماعيل تفرقوا بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ يعني القرآن يعني اليهود ثُمّ خوفهم فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ١٩- كأنه قد جاء فَإِنْ حَاجُّوكَ يعني اليهود خاصموك يا محمد فى الدين فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ يَقُولُ أخلصت ديني للَّه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عَلَى ديني فقد أخلص وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ يعنى أهل التوراة والإنجيل

стр. 175

اليهود والنصارى أَأَسْلَمْتُمْ والإسلام اسم مشتق من اسم اللَّه- أمر اللَّه- تَعَالَى- النَّبِيّ- ﷺ أن يدعوهم إلى الْإِسْلام فَقَالَ: أسلمت يعني أخلصت يَقُولُ فَإِنْ أَسْلَمُوا يعني فَإِن أخلصوا لَهُ يعني للَّه- بالتوحيد فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلالة وَإِنْ تَوَلَّوْا يَقُولُ فَإِن أبوا أن يسلموا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ يعنى بلاغ الرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- ٢٠- بأعمال العباد إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن وهم ملوك بني إِسْرَائِيل من اليهود ممن «١» لا يقرأ الكتاب وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى فَبَشِّرْهُمْ يا محمد بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٢١- يعني وجيع يعني اليهود لأن هؤلاء على دين أوائلهم [٥٢ أ] الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط ثُمّ قَالَ- : أُولئِكَ الَّذِينَ فعلوا ذَلِكَ حَبِطَتْ يعني بطلت أَعْمالُهُمْ فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَلا فى الْآخِرَةِ لأن أعمالهم كَانَتْ فِي غَيْر طاعة اللَّه- وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٢٢- يعني من مانعين يمنعونهم من النار أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني أعطوا حظا من التوراة يعني اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أَوْفَى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نَافِع بن قيس، وذلك أن النبي- ﷺ قَالَ لهم: أسلموا تهتدوا وَلا تكفروا. فقال للنبي- ﷺ : نَحْنُ أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل اللَّه نبيا بعد مُوسَى. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لَمْ تكذبون، وأنتم تعلمون أن الَّذِي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن،

стр. 176

وأنتم ما فيها، وهي بينكم فَإِنِّي مكتوب فيها أني نَبِيّ ورسول. فأبوا ذَلِكَ فأنزل اللَّه- فيهم «١» أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ يعني التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني ليقضي بينهم ثُمَّ يَتَوَلَّى يعنى بأبى فَرِيقٌ يعني طائفة مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ- ٢٣- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ بأن العذاب واجب عليهم فيها تقديم لقولهم إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني الأربعين يومًا التي «٢» عَبْد آباؤهم فيها العجل لأنهم قَالُوا: إنهم أبناء اللَّه وأحباؤه. يقول: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ عفو الله ما كانُوا يَفْتَرُونَ- ٢٤- يعني الَّذِين كذبوا لقولهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه. خوفهم اللَّه، فَقَالَ: فَكَيْفَ بهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ يعني يوم الْقِيَامَة لا شك فِيهِ بأنه كائن «وَوُفِّيَتْ» كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ما كَسَبَتْ من خير أَوْ شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ٢٥- فِي أعمالهم قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ وذلك أن النبي- ﷺ سَأَلَ ربه- أن يجعل لَهُ ملك فارس والروم فِي أمته فنزلت قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ يعني محمدا- ﷺ وأمته وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ يعنى الروم وفارس وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ محمدا وأمته وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ يعني الروم وفارس بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الملك والعز والذل قَدِيرٌ- ٢٦- تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني ما تنقص فِي الليل داخل فِي النهار حَتَّى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ يعنى يسلط النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ «٣» وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة. قوله- سبحانه-: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فهو

стр. 177

الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة [٥٢ ب] وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني يَخْرُج اللَّه- هَذِهِ النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- ٢٧- يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني، أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني. قوله- سُبْحَانَهُ-: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نزلت فِي حاطب بن أَبِي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم اللَّه- عن ذَلِكَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فيتخذونهم أولياء من غَيْر قهر فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ثُمّ استثنى- تَعَالَى- فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً فيكون «١» بين أظهرهم فيرضيهم بلسانه من المخافة وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ. ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعني عقوبته فِي ولاية الكفار وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- ٢٨- فى الآخرة فيجزيكم بأعمالكم قُلْ لهم يا محمد إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني إن تسروا ما فِي قلوبكم من الولاية للكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني أَوْ تظهروا وَلايتهم يعني حاطب وأصحابه يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والعذاب قَدِيرٌ- ٢٩- نظيرها فِي آخر البقرة. ثُمّ خوفهم ورغبهم، فَقَالَ: «٢» يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعجل لها كُلّ خير عملته، وَلا يغادر منه شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعنى عقوبته فى عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- ٣٠- يعني بربهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة لما دعا النَّبِيّ- ﷺ كعبا وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن

стр. 178

أبناء اللَّه وأحباؤه، ولنحن أشد حبا للَّه مما تدعونا إِلَيْهِ، فَقَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي عَلَى ديني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ما كان فِي الشرك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣١- ذو تجاوز لما كان فِي الشرك رحيم بهم فى الإسلام قُلْ لليهود أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أعرضوا عن طاعتهما فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- ٣٢- يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً يعني اختار من الناس «١» لرسالته آدم ونوحا وَآلَ إِبْراهِيمَ يعني إِبْرَاهِيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط، ثُمّ قَالَ: وَآلَ عِمْرانَ يعني مُوسَى، وهارون، ذرِّيَّة آل عِمْرَانَ اختارهم للنبوة والرسالة عَلَى الْعالَمِينَ- ٣٣- يعني عالمي ذَلِكَ الزمان وهي: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وكل هَؤُلاءِ من ذرِّيَّة آدم، ثُمّ من ذرية نوح، ثم من ذرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- ٣٤- لقولهم نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه ونحن [٥٣ أ] أشد حبا لله، عليم بما قالوا يعنى اليهود إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ بن ماثان اسمها «٢» حنة بِنْت فاقوز وهي أم مريم وهي حبلى، لئن نجاني اللَّه- ووضعت ما فِي بطني، لأجعلنه محررا، وبنو ماثان من ملوك بني إِسْرَائِيل من نسل دَاوُد- ﵇ والمحرر الَّذِي لا يعمل للدنيا وَلا يتزوج، ويعمل للآخرة، «٣» ويلزم المحراب فيعبد اللَّه- فِيهِ، وَلَم يَكُنْ يحرر «٤» فى ذلك

стр. 179

الزمان إِلَّا الغلمان فَقَالَ زوجها: أرأيت إن كان الَّذِي فِي بطنك أنثى؟ والأنثى عورة، كيف تصنعين؟ فاهتمت لذلك. فقالت حنة: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- ٣٥- لدعائهما العليم ببذرهما يعني بالتقبل والاستجابة لدعائهما فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى والأنثى عورة «فيها تقديم» «١» يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى- لنبيه- ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ «٢» ثم قالت حنة: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وكذلك كان اسمها عِنْد اللَّه- وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها يعني عِيسَى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ- ٣٦- يعني الملعون فاستجاب اللَّه لها فلم يقربها وَلا ذريتها شيطان وخشيت حنة ألا تقبل الأنثى محررة، فلفتها فِي خرق ووضعتها فِي بيت المَقْدِس عِنْد المحراب حيث يدرس «٣» القراء، فتساهم «٤» القوم عَلَيْهَا لأنها بِنْت إمامهم وسيدهم «٥» ، وهم الأحبار من ولد هَارُون أيهم يأخذها. قَالَ زَكَرِيّا وَهُوَ رئيس الأحبار أَنَا آخذها، أَنَا أحقكم بها، لأن أختها أمَّ يحيى عندي. فَقَالَ القراء: وإن كان فِي القوم من هُوَ أقرب إليها منك؟ فلو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنها محررة وَلَكِن هلم نتساهم عَلَيْهَا من خرج سهمه فهو أحق بها. فاقترعوا فقال الله- عز

стр. 180

وَجَلّ- لمحمد- ﷺ : «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» يعنى عندهم فتشهدهم «إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ» حين اقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفلها؟ أيهم يضمها. فقرعهم زَكَرِيّا فقبضها، ثُمّ قَالَ اللَّه- لمحمد- ﷺ : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ «١» فِي مريم فذلك قوله وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً يَقُولُ رباها «٢» تربية حسنة فِي عبادة وطاعة لربها فبنى لها زَكَرِيّا محرابا فِي بيت المَقْدِس، وَجَعَل بابه وسطه، لا يصعد إِلَيْهِ أحد إِلَّا بسلم واستأجر لها ظئرا ترضعها حتى تحركت فكان يغلق عليها [٥٣ ب] الباب ومعه المفتاح لا يأمن عَلَيْهَا أحدا، يأتيها بطعامها ومصالحها وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون مَعَ أختها أيليشفع بِنْت عِمْرَانَ- وهي مريم بِنْت عِمْرَانَ- أم يحيى «٣» فإذا طهرت ردها إلى محراب بيت المَقْدِس، وكان زَكَرِيّا يرى عندها العنب فِي الشِّتَاء الشديد البرد فيأتيها به جبريل- ﵇ من السماء وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ لها زَكَرِيّا: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا يعني من أَيْنَ هَذَا فِي غَيْر حينه قالَتْ هَذَا الرزق هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- ٣٧- فطمع عِنْد ذَلِكَ زَكَرِيّا فِي الولد فَقَالَ: إن الَّذِي يَأْتِي مريم بهذه الفاكهة فِي غَيْر حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا. فذلك قوله: هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ «٤» لِي مِنْ لَدُنْكَ يعني من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً تقيا زكيا كقوله وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا «٥» إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ- ٣٨-
следующие страницы →