أن اللَّه- قَالَ لموسى: إني باعث نبيا من ذرِّيَّة إسماعيل، يُقَالُ لَهُ أَحْمَد يحيد «١» أمته عن النار، وأنه ملعون من كذب بأحمد النَّبِيّ، وملعون من لَمْ يتبع دينه، فأسلم سَلَمَة، وأبي مهاجر ورغب عن الْإِسْلام. فأنزل اللَّه- وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ يعني الْإِسْلام ثُمّ استثنى:
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ يعني إِلَّا من خسر نفسه من أَهْل الكتاب وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ يعني إِبْرَاهِيم يعني اخترناه بالنبوة والرسالة فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ- ١٣٠- إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ يَقُولُ أخلص قالَ أَسْلَمْتُ يعني أخلصت لِرَبِّ الْعالَمِينَ- ١٣١- وَوَصَّى بِها يعني بالإخلاص إِبْراهِيمُ بَنِيهِ الأربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين ثُمّ وصى بها يَعْقُوب بنيه يُوسُف وإخوته اثني عشر ذكرا بنيه وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ أَي فَقَالَ يَعْقُوب لبنيه الاثني عشر إِنَّ اللَّهَ- اصْطَفى يعني اختار لَكُمُ الدِّينَ يعني دين الْإِسْلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- ١٣٢- يعني مخلصون بالتوحيد أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ وذلك أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ : يا محمد، ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية فأنزل الله- أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ.
قَالَ اللَّه- إن اليهود لَمْ يشهدوا وصية يَعْقُوب لبنيه إِذْ قالَ لِبَنِيهِ يوسف وإخوته ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أَي بعد موتي «٢» قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- ١٣٣- يعني مخلصون لَهُ بالتوحيد يَقُولُ: تِلْكَ أُمَّةٌ يعني عصبة قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ
стр. 72
من العمل يعني الدّين يعني إِبْرَاهِيم وبنيه ويعقوب وبنيه ثُمّ قَالَ لليهود: وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ من الدين وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [٢٣ أ]- ١٣٤- أولئك وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا وذلك أن رءوس اليهود كعب ابن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، وأبا ياسر بن أخطب، ومالك بن الضيف، وعازارا، وإشماويل، وخميشا، ونصارى نجران السيد والعاقب، ومن معهما قَالُوا للمؤمنين: كونوا عَلَى ديننا فَإنَّهُ لَيْسَ دين إِلَّا ديننا فكذبهم اللَّه- تَعَالَى- فَقَالَ: قُلْ بَلْ الَّدين مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يعني الْإِسْلام ثُمّ قَالَ: حَنِيفاً يعني مخلصا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ١٣٥- يعني من اليهود والنصارى ثُمّ أمر اللَّه- الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك لَهُ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعني قرآن محمد- ﷺ وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم بنو يَعْقُوب يُوسُف وإخوته فنزل عَلَى هَؤُلاءِ صحف إِبْرَاهِيم. قَالَ: وَما أُوتِيَ مُوسى يعني التوراة (و) ما أوتى عِيسى يعني الإنجيل: يَقُولُ ما أنزل عَلَى مُوسَى وعيسى وصدقنا وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ وأوتي دَاوُد وسليمان الزبور لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فنؤمن ببعض النبيين، ونكفر ببعض، كفعل أَهْل الكتاب وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- ١٣٦- يعني مخلصون نظيرها فِي آل عِمْرَانَ. يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ يقول فإن صدق «١» أهل الكتاب بالذي صدفتم به يا مَعْشَر الْمُسْلِمِين من الْإِيمَان بجميع الأنبياء والكتب «٢» فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلالة
стр. 73
وَإِنْ تَوَلَّوْا «١» أَي وإن كفروا بالنبيين وجميع الكتب فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ يعني فِي ضلال واختلاف نظيرها وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ»
يعني لفي ضلال واختلاف لأن اليهود كفروا بعيسى، ومُحَمَّد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِما وَسَلَّمَ- وبما جاءا به، وكفرت النَّصارى بمحمد- ﷺ وبما جاء به،
فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قرأها النَّبِيّ- ﷺ عَلَى اليهود والنصارى، فَقَالَ: إن اللَّه- أمرني أن أوصي بهذه الآية، فَإِن انتم آمنتم يعني صدقتم بالنَّبِيّ- ﷺ والكتاب، فقد اهتديتم وإن توليتم وأبيتم عن الْإِيمَان فَإِنَّمَا أنتم فِي شقاق
فَلَمَّا سَمِعْتُ اليهود ذكر عِيسَى- ﷺ قَالُوا: لا نؤمن بعيسى. وقالت النَّصارى: وعيسى بمنزلتهم مَعَ الْأَنْبِيَاء، ولكنه وَلَدُ اللَّه. يَقُولُ: إن أبوا أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمد يعني أَهْل الكتاب ففعل اللَّه- ذَلِكَ فقتل أهل قريظة، وأجلى [بني] النضير من المدينة إلى الشام، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- ١٣٧- لقولهم للمؤمنين كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ثُمّ قَالَ العليم بما قَالُوا قل لَهُمْ صِبْغَةَ اللَّهِ التي صبغ الناس عليها وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً يعني الْإِسْلام لقولهم للمؤمنين اتبعوا ديننا فَإنَّهُ ليس دين إلا ديننا [٢٣ ب] يَقُولُ اللَّه- دين اللَّه ومن أحسن من اللَّه دينا يعني الْإِسْلام وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ- ١٣٨- يعني موحدون قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ يَقُولُ أتخاصموننا فِي اللَّه وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، فَقَالَ لهم: وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ- ١٣٩- يقول لنا
стр. 74
ديننا ولكم دينكم يعني أن يهود أَهْل المدينة ونصارى أَهْل نجران، قَالُوا للمؤمنين:
إن أنبياء اللَّه كانوا مِنَّا من بني إِسْرَائِيل فكانوا عَلَى ديننا فأنزل اللَّه- يكذبهم أَمْ تَقُولُونَ «١» إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ وإنما سموا الأسباط لأنه وُلِد «٢» لكل واحد منهم أمة من الناس «٣» كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ لهم يا محمد أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بدينهم أَمِ اللَّهُ ثُمّ قَالَ- : وَمَنْ أَظْلَمُ يَقُولُ فلا أحد أظلم مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ- ١٤٠- فكتموا تِلْكَ الشهادة التي عندهم وذلك أن الله- بين أمر محمد في التوراة والإنجيل وكتموا تلك الشهادة التي عندهم وذلك قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ «٤» لِلنَّاسِ.
يعني أمر محمد- ﷺ فَلَمَّا قَالُوا: إن إِبْرَاهِيم وبنيه ويعقوب وبنيه كانوا عَلَى ديننا، قَالَ اللَّه «٥» - تَعَالَى- تِلْكَ أُمَّةٌ يعني عصبة يعني إِبْرَاهِيم وبنيه ويعقوب وبنيه قَدْ خَلَتْ يعني قَدْ مضت لَها ما كَسَبَتْ يعني من العمل يعني من الدّين وَلَكُمْ مَعْشَر اليهود والنصارى ما كَسَبْتُمْ من العمل يعني من الدّين وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٤١- أولئك. سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ وذلك
أن النبي- ﷺ وأصحابه كانوا بمكة يصلون ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، فلما عرج بالنبي- ﷺ إلى السماء ليلا أمر بالصلوات «٦» الخمس، فصارت الركعتان للمسافر، وللمقيم أربع
стр. 75
ركعات، فَلَمَّا هاجر إلى المدينة لليلتين خلتا من ربيع الأول أمر أن يصلي نحو بيت المَقْدِس لئلا يكذب به أَهْل الكتاب إذا صلى «إلى غَيْر) قبلتهم «١» مَعَ ما يجدون من نعته فِي التوراة فصلى النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه قبل بيت المَقْدِس من أول مقدمه المدينة سبعة عشر شهرا وصلت الأَنْصَار قبل بيت المَقْدِس سنتين قبل هجرة النَّبِيّ- ﷺ وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النَّبِيّ- ﷺ . فَقَالَ لجبريل- ﵇ وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فَقَالَ جبريل- ﵇ إِنَّمَا أَنَا عَبْد مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذَلِكَ، وصعد جبريل إلى السماء، وَجَعَل النَّبِيّ- ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل- ﵇ بما سَأَلَ.
فأنزل اللَّه- فِي رجب عِنْد صلاة الأولى قبل قتال بدر بشهرين- قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «٢» - ولما صرفت القبلة إلى الكعبة قَالَ مشركو مكة: قَدْ تردد عَلَى أمره واشتاق إلى مولد آبائه. وَقَدْ توجه إليكم وَهُوَ راجع إلى دينكم، فكان قولهم هَذَا سفها منهم فأنزل اللَّه- سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ يعني مشركي مكة ما وَلَّاهُمْ يَقُولُ ما صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الأولى الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ يا محمد لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ١٤٢- يعني دين الْإِسْلام يهدي اللَّه نبيه والمؤمنين لدينه وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وذلك أن اليهود منهم مرحب، ورافع، وربيعة، قالوا لمعاذ:
стр. 76
ما ترك محمد قبلتنا إِلَّا حسدا وإن قبلتنا قبلة الْأَنْبِيَاء، ولقد علم محمد أَنّا عدل بين الناس. فَقَالَ مُعَاذ «١» : إنا عَلَى حق وعدل، فأنزل اللَّه- فِي قول مُعَاذ وَكَذلِكَ يعني وهكذا جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً يعني عدلا نظيرها فِي ن والقلم قوله- سُبْحَانَهُ: قالَ أَوْسَطُهُمْ «٢» يعني أعدلهم وقوله سبحانه-: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ «٣» يعني أعدل فقول اللَّه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً يعني أمة محمد تشهد بالعدل فِي الآخرة بين الْأَنْبِيَاء وَبَيْنَ أممهم لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يعني عَلَى الرسل هَلْ بلغت الرسالة عن ربها إلى أممهم «٤» وَيَكُونَ الرَّسُولُ يعني محمد- ﷺ عَلَيْكُمْ شَهِيداً يعني على أمته أَنَّهُ بلغهم الرسالة وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها «٥» يعني بيت المَقْدِس إِلَّا لِنَعْلَمَ إِلَّا لنرى مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ يعني محمدا- ﷺ عَلَى دينه فِي القبلة ومن يخالفه من اليهود مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ يَقُولُ ومن يرجع إلى دينه الأول وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً يعني القبلة حين صرفها عن بيت المقدس إلى الكعبة عظمت عَلَى اليهود، ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ «٦» فَإنَّهُ لا يكبر عليهم ذَلِكَ.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وذلك أن حيي بن أخطب اليهودي وأصحابه، قَالُوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المَقْدِس، أكانت هدى أم ضلالة فواللَّهِ لئن كَانَتْ هدى، لَقَدْ تحولتم عَنْهُ. ولئن كَانَتْ ضلالة لقد دنتم الله بها فتقربتم
стр. 77
إليه بها، وإن من مات منكم عَلَيْهَا مات على الضلالة. فَقَالَ المسلمون: إِنَّمَا الهدى ما أمر اللَّه- به، والضلالة ما نهى اللَّه عَنْهُ. قَالُوا: فَمَا شهادتكم عَلَى من مات منكم عَلَى قبلتنا، وكان قَدْ مات «١» قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة أسعد بن زُرَارَة بن عدس بن عُبَيْد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مالك بن النجار ابن مالك بن الخزرج من بني النَّجّار «٢» ، ومات الْبَرَاء بن معرور بن صخر بن سِنَان بن عُبَيْد بن عدى بن سلمة بن سعد «٣» [٢٤ ب] بْن علِي بن شاردة بن زَيْد بن جشم ابن الخزرج من بني «٤» سَلَمَة، وكانا من النقباء. ومات رجال فانطلقت عشائرهم فقالوا للنبي- ﷺ : توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وَقَدْ صرفك «٥» اللَّه- إلى قبلة إِبْرَاهِيم ﵇ فكيف بإخواننا فأنزل اللَّه- وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. يعني إيمان صلاتكم نحو بيت المَقْدِس يَقُولُ لقد تقبّلت منهم إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ يعني يرق لهم رَحِيمٌ- ١٤٣- حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة. قَدْ نَرى تَقَلُّبَ «٦» وَجْهِكَ فِي السَّماءِ يعنى نرى أنك تديم نظرك إلى [٢٤ أ] السماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ يعني لنحولنك إلى قِبْلَةً تَرْضاها لأن الكعبة كَانَتْ أحبّ إلى النَّبِيّ- ﷺ من بيت المَقْدِس فَوَلِّ يعني فحول وَجْهَكَ شَطْرَ يعني تلقاء الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ من الأرض فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ يعني فحولوا وجوهكم فِي الصَّلاة تلقاءه، وقد كان النبي- صلى الله عليه
стр. 78
وَسَلَّمَ- يصلي «١» فِي مَسْجِد بني سَلَمَة فصلى ركعة ثُمّ حولت القبلة إلى الكعبة وفرض اللَّه صيام رمضان، وتحويل القبلة، والصلاة إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. وحرم الخمر قبل الخندق «٢» .
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني أَهْل التوراة وهم اليهود منهم الحميس بن عمرو قَالَ: يا محمد ما أمرت بهذا الأمر، وما هذا إلا شيء ابتدعته، يعني فِي أمر القبلة فأنزل اللَّه- وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني أَهْل التوراة لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ بأن القبلة هِيَ الكعبة فأوعدهم اللَّه، فَقَالَ:
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ- ١٤٤- يعني عما يعملون من كفرهم بالقبلة وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود ينحوم «٣» بن سُكَيْن، ورافع بن سُكَيْن، ورافع بن حريملة، ومن النَّصارى أَهْل نجران السيد والعاقب. فقالوا للنبي- ﷺ : ائتنا بآية نعرفها كَمَا كَانَت الْأَنْبِيَاء تأتي بها فأنزل اللَّه- وَلَئِنْ أَتَيْتَ يَقُولُ ولئن جئت يا محمد الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يعنى الكعبة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ يعني بيت المَقْدِس ثُمّ قَالَ: وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ يَقُولُ إن اليهود يصلون قبل المغرب لبيت المَقْدِس والنصارى قبل المشرق فأنزل اللَّه- يحذر نبيه- ﷺ ويخوفه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ فصليت إلى قبلتهم مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعنى البيان إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ- ١٤٥- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يعنى اليهود منهم
стр. 79
أَبُو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف «١» وكعب بن أسيد، وسلام بن صوريا، وكنانة بن أَبِي الحقيق، ووهب بن يهوذا. وأَبُو نَافِع،
فقالوا للنبي- ﷺ [٢٥ أ] لَمْ تطوفون بالكعبة وإنما هِيَ حجارة مبنية. فقال النبي- ﷺ : إنكم لتعلمون أن الطواف بالبيت حق «٢» ، فَإنَّهُ هُوَ القبلة مكتوب فِي التوراة والإنجيل، ولكنكم تكتمون ما في كتاب اللَّه من الحق وتجحدونه.
فَقَالَ ابْن صوريا: ما كتمنا شيئًا مما فِي كتابنا فأنزل اللَّه- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَقُولُ أعطيناهم التوراة يَعْرِفُونَهُ أَي يعرفون «٣» البيت الحرام أَنَّهُ القبلة كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ يعني طائفة من هَؤُلاءِ الرءوس لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ يعني أمر القبلة وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ١٤٦- أن البيت هُوَ القبلة ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يا محمد إن القبلة التي وليناكها هِيَ القبلة فَلا يعني لئلا تَكُونَنَّ يا محمد مِنَ الْمُمْتَرِينَ- ١٤٧- يعنى من الشاكين أن البيت الحرام هو «٤» القبلة لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
يَقُولُ لكل أَهْل مَلَّة قبلة هُمْ مستقبلوها، يريدون بها الله- : اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
يَقُولُ سارعوا فِي الصالحات من الأعمال يْنَ ما تَكُونُوا
من الأرض أنتم وأهل الكتاب أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يوم القيامةنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- ١٤٨- من البعث وغيره قدير وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ يَقُولُ ومن أَيْنَ توجهت من الأرض فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يَقُولُ فحول وجهك فِي الصَّلاة تلقاء المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ- ١٤٩- وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
стр. 80
يعني الحرم كله فَإنَّهُ مَسْجِد كله وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ من الأرض فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ يعني فحولوا وجوهكم تلقاءه، ثُمّ قَالَ:
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعني اليهود [فِي] أن الكعبة هِيَ القبلة وَلا حجة لهم عليكم فِي انصرافكم إليها ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني من الناس يعني مشركي «١» العرب وذلك أن مشركي مكة قَالُوا: إن الكعبة هِيَ القبلة «٢» فَمَا بال محمد تركها وكانت لهم فِي ذَلِكَ حجة. يَقُولُ اللَّه- : فَلا تَخْشَوْهُمْ أن يَكُون لهم عليكم حجة فِي شيء غيرها وَاخْشَوْنِي فِي ترك أمري فِي أمر القبلة، ثُمّ قَالَ- : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي انصرافكم إلى الكعبة، وهي القبلة وَلَعَلَّكُمْ ولكي تَهْتَدُونَ- ١٥٠- من الضلالة فَإِن الصَّلاة قبل بيت المَقْدِس بعد ما نسخت الصَّلاة إِلَيْهِ ضلالة «قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ الْهُذَيْلُ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ ابن أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ مَرْثَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَالرُّومِيَّةَ وحمقلة. قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد الله، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الْهُذَيْلُ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ عن عبد الله بن عمرو [٢٥ ب] قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ رُومِيَّةَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهَا فَادْخُلُوا كَنِيسَتَهَا الشَّرْقِيَّةَ فَعُدُّوا سَبْعَ بَلاطَاتٍ وَاقْلَعُوا الثَّامِنَةَ وَهِيَ بَلاطَةٌ حَمْرَاءُ فَإِنَّ تَحْتَهَا عَصَا مُوسَى وَإِنْجِيلَ عِيسَى وَحُلِيَّ إِيلِيَاءَ. يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ هَذَا خِزْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عن الْهُذَيْلِ بن حبيب عن مُقَاتِلٍ، قَالَ: كُلّ من ملك القبط يسمى قبطوس وكل من ملك الروم يسمى
стр. 81
قيصر، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى» «١» كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يعنى محمدا- ﷺ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ «٢» آياتِنا القرآن وَيُزَكِّيكُمْ يعنى ويطهركم من الشرك والكفر وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ يعني القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني الحلال والحرام وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ- ١٥١- إذا فعلت ذَلِكَ بكم «٣» فَاذْكُرُونِي يَقُولُ فاذكروني بالطاعة أَذْكُرْكُمْ بخير وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ- ١٥٢- يَقُولُ اشكروا اللَّه- فِي هَذِهِ النعم لا تكفروا بها «٤» لقوله كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ إلى آخر الآية.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ يَقُولُ استعينوا عَلَى طلب الآخرة بالصبر عَلَى الفرائض والصلوات الخمس فِي مواقيتها نحو الكعبة، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ- ١٥٣- عَلَى الفرائض والصلاة وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ نزلت فِي قتلى بدر من الْمُسْلِمِين وهم أربعة عشر رَجُلا من الْمُسْلِمِين. ثمانية من الأَنْصَار، وستة من المهاجرين فَمن المهاجرين عُبَيْدة بن الْحَارِث بن عَبْد الْمُطَّلِب، وعمير بن نضلة، وعقيل بن بكير، ومهجع بن عبد اللَّه مَوْلَى عُمَر بن الخَطَّاب- ﵁ وصفوان بن بيضاء، فهؤلاء ستة من المهاجرين، ومن الأنصار سعد بن خيثمة بن الْحَارِث بن النخاط بن كَعْب بن غَنْم بن أسلم بن مَالِك بن الأوس، ومبشر
стр. 82
ابن عَبْد الْمُنْذِر ويزيد بن الْحَارِث، وعمر بن الحمام، ورافع بن المعلى، وحارثة ابن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء وهما ابنا الحارث بن مالك ابن سَوَّار، فهؤلاء ثمانية من الأَنْصَار.
وذلك أن الرَّجُل كان يقتل فِي سبيل اللَّه فيقولون مات فُلان فأنزل اللَّه- وَلا تَقُولُوا مَعْشَر الْمُؤْمِنِين لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ مرزوقون فِي الجنة عِنْد اللَّه، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ- ١٥٤- بأنهم أحياء مرزوقون. ومساكن أرواح الشهداء سدرة المنتهى فِي جنة المأوى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ «١» بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ يعني القحط «٢» وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ يعني قحط المطر وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ- ١٥٥- عَلَى هَذِهِ البلية بالجنة [٢٦ أ] ثُمّ نعت أَهْل المصيبة، فَقَالَ: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يعني فيما ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الآية قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- ١٥٦- أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ يعني مغفرة كقوله سُبْحَانَهُ: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ يعني استغفر لهم إِنَّ صَلاتَكَ يعني استغفارك سَكَنٌ لَهُمْ «٣» من ربهم وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ- ١٥٧- للاسترجاع «٤» .
«قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا الكتاب من أوله إلى آخره من هذيل أَبِي صَالِح عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان، ببغداد فى درب السدرة فى المدينة سنة تسعين ومائة، وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عَلَيْه فى سنة أربعين
стр. 83
ومائتين ومات وهو ابن خمس وثمانين. قال أبو عمرو: وسمعت هذا الكتاب من عبد الله بن ثابت سنة أربع وثمانين ومائتين» «١» إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وذلك أن الخمس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، قَالُوا: ليست الصفا والمروة من شعائر اللَّه، وكان عَلَى الصفا صنم يُقَالُ لَهُ نائلة، وعلى المروة صنم يُقَالُ لَهُ يسَاف فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالُوا، إنَّه حرج علينا فِي الطواف بَيْنَهُمَا «٢» . فكانوا لا يطوفون بَيْنَهُمَا فأنزل اللَّه- إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ يَقُولُ هما من أمر المناسك التي أمر اللَّه بها فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما يَقُولُ لا حرج عَلَيْه أن يطوف بَيْنَهُمَا «٣» لقولهم إن علينا حرجا فِي الطواف بَيْنَهُمَا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بعد الفريضة فزاد فِي الطواف «٤» فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ- ١٥٨- لأعمالكم عليم بها وَقَدْ طاف إِبْرَاهِيم الخليل- ﵇ بين الصفا والمروة إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وذلك أن مُعَاذ بن جبل، وسعد بن مُعَاذ، وحارثة بن زَيْد، سألوا اليهود عن أمر محمد- ﷺ وعن الرجم وغيره فكتموهم يعني اليهود، منهم كَعْب بن الأشرف، وابن صوريا، ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني ما بين اللَّه- فِي التوراة يعني الرجم والحلال والحرام وَالْهُدى يعني أمر محمد- ﷺ في التوراة فكتموه الناس يقول الله- سبحانه-:
стр. 84
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ يعني أمر محمد- ﷺ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ يعني لبني إِسْرَائِيل فِي التوراة وذلك قوله- سبحانه- فى العنكبوت: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أَي بمحمد «١» ﷺ إِلَّا الظَّالِمُونَ «٢» يعني المكذبون بالتوراة وهم أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- ١٥٩- وذلك أن الكافر يضرب فِي قبره فيصيح ويسمع صوته الخليقة كلهم غَيْر الجن والإنس فيقولون: إِنَّمَا كان يحبس عنا الرزق بذنب هَذَا فتلعنهم الخليقة فهم اللاعنون. ثُمّ استثنى مؤمني أَهْل التوراة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر وَأَصْلَحُوا العمل وَبَيَّنُوا أمر محمد- ﷺ للناس فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ يعني أتجاوز عَنْهم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- ١٦٠- ثُمّ ذَكَرَ مَنْ مات من اليهود عَلَى الكفر، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ [٢٦ ب] لعنة الْمَلائِكَةِ وَلعنة النَّاسِ أَجْمَعِينَ- ١٦١- يعني الْمُؤْمِنِين جميعًا خالِدِينَ فِيها يعني فِي اللعنة واللعنة النار لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ- ١٦٢- لا يناظر بهم حَتَّى يعذبوا «٣» ثُمّ قَالَ لأهل الكتاب: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يَقُولُ ربكم رب واحد فوحد نفسه تبارك اسمه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- ١٦٣- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن كفار مكة قَالُوا لرسول اللَّه- ﷺ : ائتنا بآية: اجعل لنا الصفا ذهبا. فَقَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي يعني السفن التي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ فِي معايشهم وَما أَنْزَلَ «٤» اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ يعنى بالماء
стр. 85
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يبسها «١» وَبَثَّ فِيها يعني وبسط «٢» مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ فِي العذاب والرحمة وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ١٦٤- فيما ذُكِرَ مَنْ صنعه فيوحدوه وَمِنَ النَّاسِ يعني مشركي العرب مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يعني شركاء وهي الآلهة يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ يَقُولُ، يحبون آلهتهم كَمَا يحب الَّذِين آمنوا ربهم ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ منهم لآلهتهم ثُمّ أخبر عَنْهُمْ، فَقَالَ: وَلَوْ يَرَى «٣» محمد يوم الْقِيَامَة الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني مشركي العرب ستراهم يا محمد فِي الآخرة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ فيعلمون حينئذ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ- ١٦٥- ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- عَنْهُمْ، فَقَالَ: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا يعني القادة مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا يعني الأتباع وَرَأَوُا الْعَذابَ يعني القادة والأتباع وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ- ١٦٦- يعني المنازل والأرحام التي كانوا يجتمعون عَلَيْهَا من معاصي اللَّه ويتحابون «٤» عَلَيْهَا فِي غَيْر عبادة اللَّه انقطع عَنْهُمْ ذَلِكَ وندموا وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَي الأتباع لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني رجعة إلى الدُّنْيَا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ من القادة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا فِي الآخرة وذلك قوله سُبْحَانَهُ: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ يعني يتبرأ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً «٥» كَذلِكَ يَقُولُ هكذا يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني القادة والأتباع
стр. 86
حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ يعني ندامة وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ- ١٦٧- يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً يعني مما حرموا من الحرث والأنعام نزلت فِي ثقيف، وَفِي بني عامر بن صعصعه، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر، والحارث ابني عَبْد مناة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني تزيين الشَّيْطَان فِي تحريم الحرث والأنعام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ١٦٨- يعني بين إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ يعني بالإثم وَالْفَحْشاءِ [٢٧ أ] يعني وبالمعاصي لأنه لَكُمْ عدو مبين وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ بأنه حرم عليكم ما لا تَعْلَمُونَ
- ١٦٩- أنتم أَنَّهُ حرمه. ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن فِي تحليل ما حرموه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من أمر الدّين فَإِن آباءنا أمرونا أن نعبد ما كانوا يعبدون. قل يا محمد:
أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدّين وَلا يَهْتَدُونَ- ١٧٠- به أفتتبعونهم «١» . ثُمّ ضرب لهم مثلا فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ يعني الشاة والحمار بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً يعني مثل الكافر كمثل البهيمة إن أمرت أن تأكل أَوْ تشرب سَمِعَت صوتا وَلا تعقل ما يُقَالُ لها فكذلك الكافر الَّذِين يسمع الهدى والموعظة إذا دعي إليها فلا يعقل وَلا يفهم بمنزلة البهيمة يَقُولُ: صُمٌّ فلا يسمعون الهدى بُكْمٌ فلا يتكلمون بالهدى عُمْيٌ فلا يبصرون الهدى فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ- ١٧١- الهدى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ من تحليل الحرث والأنعام يعني بالطيب الحلال «٢» وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ- ١٧٢- ولا تحرموا ما أحل اللَّه لَكُمْ من الحرث والأنعام ثُمّ بين ما حرم فَقَالَ: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
стр. 87
يَقُولُ وما ذبح للأوثان فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء مما حرم اللَّه غَيْرَ باغٍ استحلاله وَلا عادٍ يعنى ولا متعديا لَمْ يضطر إِلَيْهِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أكله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام فِي الاضطرار رَحِيمٌ- ١٧٣- إذ رخص لهم فِي الاضطرار مثلها فِي الأنعام «١» «والمضطر» يأكل عَلَى قدر قوته.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني التوراة أنزلت فِي رءوس اليهود منهم كَعْب بن الأشرف، وابن صوريا، كتموا أمر محمد- ﷺ في التوراة وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضا من الدُّنْيَا ويختارون عَلَى الكفر بمحمد ثمنا قليلا يعني عرضا من الدُّنْيَا يسيرا مما يصيبون من سفلة اليهود من المآكل كُلّ عام ولو تابعوا محمدا لحبست عَنْهُمْ تِلْكَ المآكل.
فَقَالَ اللَّه- تَعَالَى ذكره-: أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ يَقُولُ وَلا يزكي لهم أعمالهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٧٤- يعني وجيع ثُمّ اخبر عَنْهُمْ، فَقَالَ- سبحانه-:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى يعنى باعوا الهدى الَّذِي كانوا فِيهِ من إيمان بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث بالضلالة التي دخلوا فيها بعد ما بعث محمد ثُمّ قَالَ: وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أَي اختاروا العذاب «٢» عَلَى المغفرة.
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ- ١٧٥- يَقُولُ أَي شيء جرأهم عَلَى عمل يدخلهم
стр. 88
النار فما أصبرهم عليها [٢٧ ب] إِلَّا أعمالهم الخبيثة ذلِكَ العذاب الَّذِي نزل بهم فِي الآخرة «١» بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ يعني القرآن بِالْحَقِّ يَقُولُ لَمْ ينزل باطلا لغير شيء فلم يؤمنوا به وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ يعني فِي القرآن لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ- ١٧٦- يعني لفي ضلال بعيد يعني طويل «٢» .
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ يعني لَيْسَ التقوى أن تحولوا وجوهكم فِي الصَّلاة قِبَلَ يعني تلقاء الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فلا تفعلوا ذَلِكَ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يعني صدق باللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني وصدق بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال. بأنه كائن وَالْمَلائِكَةِ أَي وصدق بالملائكة وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ يعني وأعطى المال عَلى حُبِّهِ لَهُ أعطى ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ يعنى والضيف نازل عليك وَأعطى السَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ فهذا تطوع. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَأَقامَ الصَّلاةَ المكتوبة وَآتَى «٣» وأعطى الزَّكاةَ المفروضة وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبَيْنَ الناس وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يعني الفقر والضراء يعني البلاء وَحِينَ الْبَأْسِ يعني وعند القتال هُمْ صابرون أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فى إيمانهم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ- ١٧٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى إذا كان عمدا وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلام بقليل، وكانت بينهم قتلى وجرحى، حَتَّى قُتِل العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض الأموال حَتَّى أسلموا، وكان أحد الحيين لَهُ طول على الآخر «٤» فى العدد والأموال، فحلفوا ألا نرضى حَتَّى يقتل بالعبد مِنَّا الحر منهم،
стр. 89
وبالمرأة مِنَّا الرَّجُل منهم، فأنزل اللَّه- الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فسوى بينهم فِي الدماء وأمرهم بالعدل فرضوا فصارت منسوخة نسختها الآية التي فِي المائدة قوله- سُبْحَانَهُ- وَكَتَبْنا فيما قضينا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «١» يعني: النَّفْس: المسلم الحر بالنفس: المسلم الحر، والمسلمة الحرة بالمسلمة الحرة فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ثُمّ رجع إِلَى أول الآية فِي قوله- سبحانه-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى إذا كان عمدا إذا عفى وَلِي المقتول عن أَخِيهِ القاتل ورضي بالدية فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعني الطالب ليطلب ذَلِكَ فِي رفق ثُمّ قَالَ للمطلوب: وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ يَقُولُ ليؤدي الدية إلى الطالب عفوا فِي غَيْر مشقة وَلا أذى ذلِكَ العفو والدية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إذ جعل فى قتل [٢٨ أ] العمد العفو والدية «٢» ثُمّ قَالَ: وَرَحْمَةٌ يعني وتراحموا وكان اللَّه- حكم عَلَى أَهْل التوراة أن يقتل القاتل، وَلا يعفى عَنْهُ، وَلا يقبل منه الدية، وحكم عَلَى أَهْل الإنجيل العفو، وَلا يقتل القاتل بالقصاص، وَلا يأخذ وَلِيّ المقتول الدية ثُمّ جعل اللَّه- التخفيف لأمة محمد- ﷺ إن شاء وَلِيّ المقتول قَتَل القاتل، وإن شاء عفا عَنْهُ، وإن شاء أَخَذَ منه الدية.
فكان لأهل التوراة أن يقتل قاتل الخطأ والعمد فرخص اللَّه- لأمة محمد- ﷺ فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي الأعراف: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ «٣» من التشديدات (وهي أن) يقتل قاتل
стр. 90
العمد وَلا يعفي عَنْهُ وَلا يؤخذ منه الدية، ثُمّ قَالَ: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٧٨- يعني وجيع فَإنَّهُ يقتل، وَلا يؤخذ منه دية،
قَالَ «١» النَّبِيّ- ﷺ : لا عفو عمن قَتَل القاتل بعد أَخَذَ الدية. وَقَدْ جعل اللَّه لَهُ عذابا أليما.
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يعني بقاء يحجز بعضكم عن بعض يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني من كان لَهُ لب أَوْ عقل فذكر القصاص فيحجزه الخوف عن القتل لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَتَّقُونَ- ١٧٩- الدماء مخافة القصاص. كُتِبَ عَلَيْكُمْ يعني فرض عليكم، نظيرها كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ «٢» يعنى فرض، نظيرها أيضا ما كَتَبْناها يعني ما فرضناها عَلَيْهِمْ «٣» يعني الرهبانية. إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ بعد موته خَيْراً يعني المال الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ يعني تفضيل الوالدين عَلَى الأقربين فِي الوصية، وليوص للأقربين بالمعروف، والذين لا يرثون يَقُولُ اللَّه- تِلْكَ الوصية حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ- ١٨٠- فَمنْ لَمْ يوص لقرابته عِنْد موته فقد ختم عمله بالمعصية، ثُمّ نزلت «٤» آية الميراث بعد هَذِهِ الآية فنسخت للوالدين «٥» ، وبقيت «٦» الوصية للأقربين الَّذِين لا يرثون: ما بينه وبين ثلث ما له فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ يَقُولُ من بدل وصية الميت يعني الوصي والولي بعد ما سمعه من الميت فلم يمض وصيته فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ يعنى الوصي والولي وبرىء منه الميت إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصية الميت عَلِيمٌ- ١٨١- بها. ثُمّ قَالَ فَمَنْ خافَ يعني الوصي مِنْ مُوصٍ يعني الميت جَنَفاً ميلا عن الحق خطأ أَوْ إِثْماً
стр. 91
تعمدا للجنف «١» أَي إن جار الميت فِي وصيته عمدا أَوْ خطأ، فلم يعدل فخاف الوصي أَو الولي من جور وصيته فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الورثة بالحق والعدل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ حين خالف جور [٢٨ ب] الميت إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمصلح رَحِيمٌ- ١٨٢- به إذا رخص فى مخالفة «٢» جور الميت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وذلك
أن لبيد الْأَنْصَارِيّ من بني عَبْد الأشهل كبر فعجز عن الصوم، فَقَالَ للنَّبِيّ- ﷺ : ما علي من عجز عن الصوم فأنزل اللَّه- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
يعني فرض عليكم نظيرها كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم القتال «٣» كَما كُتِبَ يعني كما فرض عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني أَهْل الإنجيل لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ- ١٨٣- يعني لكي تتقون الطعام والشراب والجماع فَمنْ صلى العشاء الآخرة أَوْ نام قبل أن يصلي العشاء الآخرة حرم عَلَيْه ما يحرم عَلَى الصائم.. وكان ذَلِكَ «٤» عَلَى الَّذِين من قبلنا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وهي دون الأربعين فإذا كَانَتْ فوق الأربعين فلا يقال لها معدودات «٥» فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ أَي ومن كان يطيق الصوم، وليس بمريض ولا مسافر،
стр. 92
فَإِن شاء صام وإن شاء أفطر وعليه فدية «١» ، طَعامُ مِسْكِينٍ «٢» لكل مسكين نصف صاع حنطة فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد عَلَى مسكين فأطعم مسكينين أَوْ ثلاثة «٣» مكان كُلّ يوم فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من أن يطعم مسكينا واحدًا، ثُمّ قَالَ: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ يعني ولأن تصوموا خير لَكُمْ من الطعام إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ١٨٤- وكان المؤمنون قبل رمضان يصومون عاشوراء وَلا يصومون غيره. ثُمّ أنزل «٤» اللَّه- صوم رمضان بعد. فنسخ الطعام «٥» ، وثبت الصوم إِلَّا عَلَى من لا يطيق الصوم فليفطر وليطعم مكان كُلّ يوم مسكينا نصف صاع حنطة ثُمّ بين لهم أي شهر يصومون، فَقَالَ- : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ من اللوح المحفوظ فِي عشرين شهرا وأنزل به جبريل- ﵇ عشرين سنة، ثُمّ قَالَ- سبحانه-: هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى «٦» وَالْفُرْقانِ يعني فِي الدّين من الشبهة والضلالة نظيرها فى آل عمران الآية ٤ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ من قبل يعني المخرج من الشبهات فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فواجب عَلَيْه الصِّيَام. وَلا يطعم «٧» وَمَنْ كانَ منكم مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فلم يصم فإذا برىء المريض من مرضه فَعِدَّةٌ فليصم عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إن شاء صام متتابعا وإن شاء متقطعا وهكذا المسافر يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ يعني الرفق فِي أمر دينكم حين رخص للمريض والمسافر فِي الفطر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يعنى الضيق فى
стр. 93
الدّين فلو لَمْ يرخص للمريض والمسافر كان عسرا [٢٩ أ] ثُمّ قَالَ- :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يعني تمام الأيام المعدودات وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ يعني لكي تعظموا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ من أمر دينه وَلَعَلَّكُمْ يعني لكي تَشْكُرُونَ- ١٨٥- ربكم فِي هَذِهِ النعم إذ هداكم لأمر دينه، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أَنَّهُ كان فِي الصوم الأول أن الرَّجُل إذا صلى العشاء الآخرة أو نام قبل أن يصليها حرم عَلَيْه الطعام والشراب والجماع كَمَا يحرم بالنهار عَلَى الصائم ثُمّ إن عُمَر بن الخَطَّاب- ﵁ صلى العشاء الآخرة ثُمّ جامع امرأته «١» فَلَمَّا فرغ
стр. 94
ندم وبكا فَلَمَّا أصبح أتى النَّبِيّ- ﷺ فأخبره، فَقَالَ:
يا نَبِيّ اللَّه، إني أعتذر إلى اللَّه- ثُمّ إليك من نفسي هَذِهِ الخاطئة واقعت أهلي بعد الصَّلاة، فهل تجد لي رخصة، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ- ﷺ : لَمْ تك جديرا بِذَلِك يا عُمَر، فرجع حزينا: ورأى النَّبِيّ- ﷺ صرمة بن أنس بن صرمة بن مَالِك من بني عَدِيّ بن النَّجّار «١» عِنْد العشاء، فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : يا أبا قَيْس، مَالِك طليحا، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، ظللت «٢» أمس فِي حديقتي فَلَمَّا أمسيت أتيت أهلي، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئًا سخنا، فأبطأت «٣» علي بالطعام، فرقدت فأيقظتني وَقَدْ حرم عَلَي الطعام، فأمسيت وَقَدْ أجهدني الصوم. واعترف رجال من الْمُسْلِمِين عِنْد ذَلِكَ بما كانوا يصنعون بعد العشاء فقالوا: بتنا ومخرجنا مما عملنا فأنزل اللَّه- وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ «٤» أَي فأعلمهم أني قريب منهم فى
стр. 95
الاستجابة أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة وَلْيُؤْمِنُوا بِي يعني وليصدقوا بي فَإِنِّي «١» قريب سريع الإجابة أجيبهم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ- ١٨٦- يعني لكي يهتدون، ثم قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ رخصة للمؤمنين بعد صنيع عُمَر- ﵁ الرَّفَثُ يعني الجماع إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ يَقُولُ هن سكن لَكُمْ وأنتم سكن لهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ يعني عمر بن الخطاب- ﵁ فِي جماع امرأته فَتابَ عَلَيْكُمْ يعني فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ قوله سُبْحَانَهُ-: تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ بالمعصية نظيرها فَخانَتاهُما «٢» فخالفتاهما يعني بالمعصية. وكقوله- سُبْحَانَهُ-:
وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ «٣» يعني عَلَى معصية وَعَفا عَنْكُمْ يَقُولُ ترككم فلم يعاقبكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يعني جامعوهن من حيث أحللت لَكُم الجماع الليل كله وَابْتَغُوا من نسائكم ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ من الولد يعني واطلبوا ما قضى لَكُمْ وأنزل فِي صرمة بن أنس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [٢٩ ب] حَتَّى يتبين لَكُمْ وجه الصبح، يعني بياض النهار من سواد الليل مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ والخيط الأبيض يعني أول بياض الصبح: الضوء المعترض قبل المشرق، والخيط الأسود أول سواد الليل وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ نزلت فِي عَلِيّ بْن أبي طَالِب- ﵁ وعمار بن ياسر، وأبي عُبَيْدة بن الجراح، كان أحدهم يعتكف فإذا أراد الغائط من السحر رجع إلى أهله بالليل، فيباشر ويجامع امرأته ويغتسل ويرجع إلى المسجد، فأنزل اللَّه- وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يقول
стр. 96
لا تجامعوا النساء ليلا ولا نهارا ما دمتم معتكفين. ثُمّ قَالَ- : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ المباشرة تِلْكَ معصية اللَّه فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ «١» يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ يعني أمره لِلنَّاسِ وأمر الاعتكاف لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَّقُونَ- ١٨٧- المعاصي فِي الاعتكاف وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني ظلما وذلك أن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الْحَضْرَمِيّ اختصما فِي أرض فكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب فلم يَكُنْ لعبدان بينة وأراد امرؤ القيس أن يحلف، فقرأ النَّبِيّ- ﷺ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا «٢» يعني عرضا يسيرا من الدُّنْيَا إلى آخر الآية فَلَمَّا سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف «٣» وَلَم يخاصمه فِي أرضه وحكمه فِيهَا فأنزل اللَّه- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ يَقُولُ لا يدلين أحدكم بخصومة فِي استحلال مال أَخِيهِ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ مبطل. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً يعني طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ١٨٨- أنكم تدعون الباطل
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : إِنَّمَا أَنَا بشر مثلكم، فلعل بعضكم أَعْلَم بحجته، فأقضى لَهُ وَهُوَ مبطل، ثُمّ قَالَ- ﵇:
أيما رَجُل قضيت لَهُ بمال امرئ مُسْلِم. فَإِنَّمَا هِيَ قطعة من نار جهنم أقطعها فلا تأكلوها.
قوله- سبحانه-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ نزلت فِي مُعَاذ بن جبل، وثعلبة بن غَنْمة وهما من الأَنْصَار فَقَالَ مُعَاذ: يا رَسُول اللَّهِ، ما بال الهلال
стр. 97
يبدو مثل الخيط ثُمّ يَزِيد حَتَّى يمتلئ فيستوي ثُمّ لا يزال ينقص حَتَّى يعود كما بدأ «١» فأنزل الله- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ فِي أجل دينهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم والشروط التي بينهم إلى أجل. ثُمّ قَالَ- : وَالْحَجِّ يَقُولُ وقت حجهم والأهلة مواقيت لهم. وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وذلك أن الأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام كانوا إذا [٣٠ أ] أحرم أحدهم بالحج أَوْ بالعمرة، وَهُوَ من أَهْل المدن وَهُوَ مقيم فِي أهله لَمْ يدخل منزله من باب الدار، وَلَكِن يوضع لَهُ سلم إلى ظهر البيت فيصعد فِيهِ، وينحدر منه أَوْ يتسور من الجدار، وينقب بعض بيوته، فيدخل منه ويخرج منه، فلا يزال كذلك حَتَّى يتوجه إلى مكة محرما. وإذا كان من أهل الوبر دخل وخرج من وراء بيته
وأن النَّبِيّ- ﷺ دخل يومًا نخلا لبني النجار، ودخل معه قطبة بن عامر ابن حديدة» الْأَنْصَارِيّ من بني سَلَمَة «٣» بن جشم من قبل الجدار، وَهُوَ محرم فَلَمَّا خرج النَّبِيّ- ﷺ من الباب وَهُوَ محرم خرج قطبة من الباب. فَقَالَ رَجُل هَذَا قطبة خرج من الباب وَهُوَ محرم فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ :
مَا حملك أن تخرج من الباب وأنت محرم. قال: يا نبى رأيتك خرجت من الباب وأنت محرم فخرجت معك، وديني دينك. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ :
стр. 98
خرجت لأني من أحمس. فَقَالَ قطبة للنبي- ﷺ : إن كُنْت أحمسيا فَإِنِّي أحمسي «١» ، وَقَدْ رضيت بهديك «٢» ودينك، فاستننت بسنتك.
فأنزل اللَّه فِي قول قطبة بن عامر للنبي- ﷺ لَيْسَ الْبِرُّ يعني التقوى بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى اللَّه واتبع أمره ثُمّ قَالَ- : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه يحذركم (لَعَلَّكُمْ) . يَقُولُ لكي تُفْلِحُونَ- ١٨٩- والحمس قريش، وكنانة، وخزاعة وعامر بن صَعْصَعَة، الَّذِين لا يسلون السمن «٣» وَلا يأكلون الأقط ولا يبنون الشعر والوبر. وقوله- سُبْحَانَهُ-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وذلك أن اللَّه- نهى النَّبِيّ- ﷺ والمؤمنين عن الشهر الحرام أن يقاتلوا فِي الحرم إِلَّا أن يبدأهم المشركون بالقتال، وأن النَّبِيّ- ﷺ بينا هُوَ وأصحابه معتمرون إلى مكة فِي ذِي القعدة، وهم محرمون عام الحديبية، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة رَجُل. فصدهم مشركو مكة عن المسجد الحرام وبدأوهم بالقتال، فرخص اللَّه فِي القتال. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا فتبدءوا بقتالهم فِي الشهر الحرام وَفِي الحرم فَإنَّهُ عدوان إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- ١٩٠- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني أَيْنَ أدركتموهم فِي الحل والحرم وَأَخْرِجُوهُمْ من مكة مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعني من مكة وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [٣٠ ب]
стр. 99
يعني الشرك أعظم «١» عِنْد اللَّه- جرما من القتل نظيرها أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا «٢» يعني فِي الكفر وقعوا فَلَمَّا نزلت وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أنزل اللَّه- بعد وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني أرض الحرم كله فنسخت هَذِهِ الآية «٣» ثُمّ رخص لهم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ يعني حَتَّى يبدءوا «٤» بقتالكم فِي الحرم فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ- ١٩١- إن بدأوا بالقتال فِي الحرم أن يقاتلوا فِيهِ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم ووحدوا ربهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لشركهم رَحِيمٌ- ١٩٢- بهم فِي الْإِسْلام. نظيرها فِي الأنفال وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ إلى آخر الآية «٥» . ثم قال: وَقاتِلُوهُمْ أبدا حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ يَقُولُ حَتَّى لا يَكُون «٦» فيهم شرك فيوحدوا ربهم وَلا يعبدوا غيره يعني مشركي العرب خاصة وَيَكُونَ يعني ويقوم الدِّينُ لِلَّهِ فيوحدوه وَلا يعبدوا غيره فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك ووحدوا ربهم فَلا عُدْوانَ يعني فلا سبيل إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ- ١٩٣- الَّذِين لا يوحدون ربهم نظيرها فِي القصص فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ «٧» يعني فلا سبيل علي «٨» .
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وذلك أن النبي- ﷺ والمسلمين ساروا إلى مكة محرمين بعمره، ومن كان معه عام الحديبية، لست
стр. 100
سنين من هجرته إلى المدينة. فصدهم مشركو مكة. وأهدى «١» أربعين بدنة «ويُقَالُ مائة بدنة» «٢» فردوه وحبسوه شهرين لا يصل إلى البيت وكانت بيعة الرضوان عامئذ فصالحهم النَّبِيّ- ﷺ عَلَى أن ينحر الهدي مكانه فِي أرض الحرم ويرجع فلا يدخل مكة، فإذا كان العام المقبل خرجت قريش من مكة وأخلوا لَهُ مكة ثلاثة أيام. لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِين «٣» سلاح إِلَّا في غمده فرجع النَّبِيّ- ﷺ ثُمّ توجه من فوره ذَلِكَ إلى خيبر، فافتتحها فِي المحرم ثُمّ رجع إلى المدينة فَلَمَّا كان العام المقبل. وأحرم النبي (ص) وأصحابه بعمرة «٤» فِي ذِي القعدة وأهدوا ثُمّ أقبلوا من المدينة فأخلى «٥» لهم المشركون مكة ثلاثة أيام. وأدخلهم اللَّه- مكة فقضوا عمرتهم ونحروا البدن فأنزل اللَّه- الشَّهْرُ الْحَرامُ الَّذِي دخلتم فِيهِ مكة هَذَا العام بِالشَّهْرِ الْحَرامِ يعني الَّذِي صدوكم فِيه العام الأول وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يعني اقتصصت لك منهم فِي الشهر الحرام يعني فِي ذِي القعدة كَمَا صدوكم فِي الشهر الحرام وذلك أنهم فرحوا وافتخروا حين صدوا النَّبِيّ- ﷺ عن المسجد الحرام، فأدخله اللَّه- من قابل، ثُمّ «٦» قَالَ سُبْحَانَهُ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ وذلك أن أصحاب النَّبِيّ- ﷺ أهلوا إلى مكة محرمين بعمرة
стр. 101
فخافوا ألا يفي لهم المشركون بدخول المسجد الحرام وأن يقاتلوهم عنده «١» فأنزل اللَّه- فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فقاتلكم فِي الحرم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ يَقُولُ فقاتلوهم فِيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فِيهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني الْمُؤْمِنِين وَلا تبدءوهم بالقتال فِي الحرم فَإِن بدأ المشركون فقاتلوهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ «٢» فِي النصر مَعَ الْمُتَّقِينَ- ١٩٤- الشرك فخبرهم أنه ناصرهم. قوله- سبحانه: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وذلك أن النبي- ﷺ والمسلمين ساروا من المدينة إلى مكة محرمين بعمرة فِي العام الَّذِي أدخله اللَّه- مكة، فَقَالَ ناس من العرب منازلهم حول المدينة: والله مالنا زاد، وما يطعمنا أحد، فأمر اللَّه- بالصدقة عليهم. فَقَالَ سُبْحَانَهُ-: «٣» وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَي وَلا تكفوا أيديكم عن الصدقة فتهلكوا.
وقَالَ رَجُل من الفقراء: يا رسول اللَّه ما نجد ما نأكل، فبأي شيء نتصدق.
فأنزل اللَّه- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «٤» فَإِن أمسكتم عَنْهَا فهي التهلكة. وَأَحْسِنُوا النفقة فِي سبيل اللَّه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- ١٩٥- يعني من أحسن فِي أمر النفقة فِي طاعة الله. وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ «٥» من المواقيت وَلا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم. فريضتان واجبتان.
стр. 102
ويُقَالُ العمرة هِيَ الحج الأصغر، وتمام الحج والعمرة المواقيت والإحرام خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدُّنْيَا وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يشركون فِي إحرامهم. فأمر «١» اللَّه- النَّبِيّ- ﷺ والمسلمين أن يتموهما للَّه فَقَالَ «٢» : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَهُوَ ألّا يخلطوهما «٣» بشيء ثُمّ خوفهم أن يستحلوا «٤» منهما ما لا ينبغي «٥» فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- فِي آخر الآية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٦» فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقول فإن حسبتم كقوله- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ «٧» اللَّهِ يعني حبسوا. نظيرها أيضا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً «٨» يعني محبسا. يَقُولُ إن حبسكم فِي إحرامكم بحج أَوْ بعمرة كسر»
أَوْ مرض أَوْ عدو عن المسجد الحرام فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يعني فليقم محرما مكانه ويبعث ما استيسر من الهدى أَوْ بثمن الهدى فيشتري لَهُ الهدى. فإذا نحر الهدى عَنْهُ فَإنَّهُ يحل من إحرامه مكانه. ثُمّ قَالَ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ فى الإحرام حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يعني حَتَّى يدخل الهدى مكة، فإذا نحر الهدى حل من إحرامه فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً «١٠» وذلك
أن كَعْب بن عُجْرة الْأَنْصَارِيّ كان محرما بعمرة عام الحديبية فرأى النَّبِيّ- ﷺ عَلَى مقدم رأسه قملا كثيرًا، فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ [٣١ ب] : يا كَعْب، أيؤذيك هوام رأسك. قَالَ: «١١» نعم، يا نبى الله.
стр. 103
فأمره رَسُول اللَّهِ «١» ﷺ أن يحلق.
فأنزل اللَّه- فِي كعب فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فحلق رأسه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ «٢» فعليه فدية صيام ثلاثة أيام إن شاء متتابعا وإن شاء متقطعا أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة أَوْ نُسُكٍ يعني شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا ينحره ثُمّ يطعمه المساكين بمكة، وَلا يأكل منه، وَهُوَ بالخيار إن شاء ذبح شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا. فأما كَعْب فذبح بقرة فَإِذا أَمِنْتُمْ من الحبس من العدو عن البيت الحرام فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يَقُولُ وَهُوَ يريد الحج فَإِن دخل مكة وَهُوَ محرم بعمرة فِي غرة «٣» شوال، أَوْ ذِي القعدة، أَوْ فِي عشر من ذِي الحجة فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ «٤» يعني شاة فَمَا فوقها يذبحها «٥» فيأكل منها ويطعم. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة، وسلمان، وأَبُو العرباض للنبي- ﷺ : إنا لا نجد الهدي، فلنصم ثلاثة أيام. فأنزل اللَّه- فيهم فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فليصم فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ فِي عشر الأضحى فِي أول يَوم من العشر إلى يَوْم عرفة فَإِن كان يوم عرفة يوم الثالث تَمَّ صومه ثُمّ قَالَ وَسَبْعَةٍ «٦» يعني ولتصوموا سبعة أيام إِذا رَجَعْتُمْ من منى إلى أهليكم تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ فَمنْ شاء صام فِي الطريق ومن «٧» شاء صام فِي أهله إن شاء متتابعا، وإن شاء متقطعا، ثُمّ قَالَ:
ذلِكَ التمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- ١٩٦- يعني من لَمْ يَكُنْ منزله فِي أرض الحرم كله فمن كان
стр. 104
أهله فِي أرض الحرم فلا متعة عَلَيْه وَلا صوم. ثُمّ قَالَ- : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ يَقُولُ من أحرم بالحج فليحرم فِي شوال أَوْ فِي ذِي القعدة «١» أَوْ فِي عشر ذِي الحجَّة فَمنْ أحرم فِي سوى هَذِهِ الأشهر فقد أخطأ السنة، وليجعلها عَمْرَة، ثُمّ قَالَ: فَمَنْ فَرَضَ يَقُولُ فَمنْ أحرم فِيهِنَّ الْحَجَّ «٢» أَي الحج فَلا رَفَثَ يعني فلا جماع. كقوله- سُبْحَانَهُ- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ يعني الجماع إِلى نِسائِكُمْ «٣» وَلا فُسُوقَ يعني ولا سباب وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ «٤» يعني وَلا مراء كقوله- سُبْحَانَهُ-: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ «٥» يعني ما يماري حَتَّى يغضب وَهُوَ محرم، أَوْ يغضب صاحبه وَهُوَ محرم، فَمنْ فعل ذَلِكَ فليطعم مسكينا، وذلك
أن النَّبِيّ- ﷺ أمر فِي حجة الوداع فَقَالَ: من «٦» لَمْ يَكُنْ معه هدى، فليحل من إحرامه، وليجعلها عَمْرَة،
فقالوا للنبي- ﷺ : إنا أهللنا بالحج فذلك جدالهم للنبي- ﷺ ثُمّ قَالَ- : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يعنى مما نهى [٣٢ أ] من ترك «٧» الرفث والفسوق والجدال يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجزيكم به ثُمّ قَالَ- :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى «٨» وذلك أن ناسا من أَهْل اليمن وَغَيْرُهُمْ كانوا يحجون
стр. 105
بغير زاد وكانوا يصيبون من أَهْل الطريق ظلما فأنزل اللَّه- وَتَزَوَّدُوا من الطعام ما تكفون به وجوهكم عن الناس وطلبهم وخير الزاد التقوى.
يَقُولُ اللَّه- تبارك اسمه- التقوى خير زاد من غيره، وَلا تظلمون من تمرون عَلَيْه وَاتَّقُونِ وَلا تعصون يا أُولِي الْأَلْبابِ- ١٩٧- يعنى يا أهل اللُّبِّ والعقل
فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : تزودوا ما تكفون به
стр. 106
وجوهكم عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يحجون منهم الحاج والتاجر فَلَمَّا أسلموا قَالُوا للنبي- ﷺ : إن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تقوم قبل الحج وبعد الحج فهل يصلح لنا البيع والشراء «١» في أيام حجنا قبل الحج وبعد الحج، فأنزل اللَّه- لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج يعنى النجارة فرخص اللَّه- سُبْحَانَهُ- فِي التجارة فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بعد غروب فَاذْكُرُوا اللَّهَ تِلْكَ الليلة عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ فإذا أصبحتم يعني بالمشعر حيث يبيت الناس بالمزدلفة فاذكروا اللَّه وَاذْكُرُوهُ «٢» كَما هَداكُمْ لأمر دينه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل أن يهديكم لدينه لَمِنَ الضَّالِّينَ- ١٩٨- عن الهدى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وذلك الحمس، قريش، وكنانة، وخزاعة، وعامر بن صعصعه كانوا يبيتون بالمشعر الحرام، وَلا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا وكانوا لا يقفون بعرفات: فأنزل اللَّه- فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات فَقَالَ لهم:
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني رَبِيعَة، واليمن كانوا يفيضون منْ عرفات قبل غروب الشمس، ويفيضون من جمع «٣» إذا طلعت الشمس فخالف النَّبِيّ- ﷺ فى الإفاضة وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوب الْمُؤْمِنِين رَحِيمٌ- ١٩٩- بهم فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ بعد أيام التشريق فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا فرغوا من المناسك وقفوا بين مَسْجِد منى وبَيْنَ الجبل يذكر كل واحد منهم أباه
стр. 107
ومحاسنه ويذكر صنائعه «١» فِي الجاهلية أَنَّهُ كان من أمره كذا وكذا، ويدعو لَهُ بالخير. فَقَالَ اللَّه- : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [٣٢ ب] كذكر «٢» الأبناء الآباء فَإِنِّي أَنَا فعلت ذَلِكَ الخير إلى آبائكم الَّذِين تثنون عليهم ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ-: أَوْ أَشَدَّ يعني أكثر ذِكْراً للَّه منكم لآبائكم وكانوا إذا قضوا مناسكهم، قَالُوا: اللهم أكثر أموالنا، وأبناءنا، ومواشينا، وأطل بقاءنا، وأنزل علينا الغيث، وأنبت لنا المرعى، واصحبنا فِي سفرنا، وأعطنا الظفر عَلَى عدونا، وَلا يسألون ربهم عن أمر آخرتهم شيئًا. فأنزل اللَّه- تَعَالَى- فيهم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا يعني أعطنا فِي الدُّنْيا يعني هَذَا الَّذِي ذكر. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ- ٢٠٠- يعني من نصيب نظيرها فِي براءة فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ «٣» يعني بنصيبهم فهؤلاء مشركو العرب فَلَمَّا أسلموا وحجوا دعوا ربهم. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ «٤» - ٢٠١- أَي دعوا ربهم أن يؤتيهم فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الرزق الواسع وأن يؤتيهم فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً فيجعل ثوابهم الجنة وأن يقيهم عَذابَ النَّارِ.
ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا يَقُولُ حظ من أعمالهم الحسنة وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ- ٢٠٢- يَقُولُ كأَنَّه قَدْ كان. فهؤلاء المؤمنون. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ إذا رميتم الجمار يعني أيام التشريق «والأيام المعلومات يعني يوم النحر ويومين من أيام التشريق «٥» » بعد النحر فكان
стр. 108
عُمَر- ﵁ يكبر فِي قبته «١» بمنى، فيرفع صوته فيسمع أَهْل مَسْجِد منى فيكبرون كلهم حَتَّى يرتج منى «٢» تكبيرا، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يعني بعد يوم النحر بيومين، يَقُولُ من تعجل فنفر قبل غروب الشمس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ فلا ذنب عَلَيْه يَقُولُ ذنوبه مغفورة فَمنْ لَمْ ينفر حَتَّى تغرب الشمس فليقم إلى الغد يوم الثالث فيرمي الجمار ثُمّ ينفر مَعَ الناس. قَالَ: وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى يوم الثالث حَتَّى ينفر الناس فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يَقُولُ لا ذنب عَلَيْه «٣» . يَقُولُ ذنوبه مغفورة. ثُمّ قَالَ:
لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصيد «٤» وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا»
قتل الصيد فِي الإحرام وَاعْلَمُوا يخوفهم أَنَّكُمْ «٦» إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٢٠٣- فِي الآخرة فيجزيكم بأعمالكم نظيرها فِي المائدة وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ «٧» فيجزيكم بأعمالكم. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق بن عمرو بن وَهْب بن أَبِي سَلَمَة الثَّقَفيّ، وأُمّه اسمها ريطة بِنْت عَبْد اللَّه بن أَبِي قيس الْقُرَشِيّ من بني عامر بن لؤي، وكان عديد بنى زهرة «٨» وكان يأتى النبي [٣٣ أ] ﷺ فيخبره «٩» أَنَّهُ يحبه ويحلف بِاللَّه عَلَى ذَلِكَ ويخبره «١٠» أَنَّهُ يتابعه عَلَى دينه فكان النَّبِيّ- ﷺ «يعجبه ذلك» «١١»
стр. 109
ويدنيه فِي المجلس، وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ فأنزل اللَّه- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما يَقُولُ يعني يمينه التي حلف بِاللَّه وما فِي قَلْبِهِ أن الَّذِي يَقُولُ حق وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ- ٢٠٤- يَقُولُ جدلا بالباطل كقوله- سبحانه: - وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «١» يعني جدلاء خصماء ثُمّ أخبر نبيه- ﷺ فَقَالَ: وَإِذا تَوَلَّى يعني إذا توارى وكان رَجُلا مانعا جريئا «٢» عَلَى القتل سَعى فِي الْأَرْضِ بالمعاصي لِيُفْسِدَ فِيها يعني فِي الأرض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يعني كُلّ دابة وذلك أَنَّهُ عمد إلى كديس بالطائف إلى رَجُل مُسْلِم فأحرقه وعقر دابته وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ- ٢٠٥- وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ يعنى الحمية نظيرها فى ص (آية ٢) قوله- سُبْحَانَهُ- بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ يعني حمية بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ شدة عذاب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ- ٢٠٦- وكان الْأَخْنَس يسمى «٣» أبي بن شريق من بنى زهرة ابن كَعْب بن لؤي بن غالب. وإنما سمي الأخنس لأنه يوم بدر رد ثلاثمائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ- ﷺ وقَالَ لهم: إن محمدا ابْن أختكم وأنتم أحق من كف عَنْهُ، فَإِن كان نَبِيّا لَمْ نقتله وإن كان كذابا كنتم أحق من كف عَنْهُ فخنس بهم فَمنْ ثُمّ سمي الْأَخْنَس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة أخذوا عمارا وبلالا وخبابا وصهيبا فعذبوهم لإسلامهم حَتَّى يشتموا النَّبِيّ- ﷺ فأما صُهَيْب بن سِنَان مَوْلَى عَبْد اللَّه بن جدعان الْقُرَشِيّ وكان شخصا ضعيفا فَقَالَ لأهل مكة: لا تعذبونى، هل
стр. 110
لَكُمْ إليّ خير؟ قَالُوا: وما هُوَ؟ قَالَ: أَنَا شيخ كبير لا يضركم إن كُنْت معكم، أَوْ مَعَ غيركم، لئن كُنْت معكم لا أنفعكم، ولئن كُنْت مَعَ غيركم لا أضركم، وإن لي عليكم لحقا لخدمتي وجواري إياكم. فقد علمت أنكم إِنَّمَا تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي واتركوني وديني غَيْر راحلة. فَإِن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فَقَالَ بعضهم «١» لبعض: صدق خذوا ماله فتعاونوا به عَلَى عدوكم.
ففعلوا ذَلِكَ فاشترى نفسه بماله كله غَيْر راحلة، واشترط ألا يمنع عن صلاة وَلا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمّ ركب راحلته نهارا حَتَّى أتى المدينة مهاجرا فلقبه أبو بكر الصديق- ﵁ فَقَالَ: ربح البيع يا صُهَيْب.
فَقَالَ: وبيعك لا يخسر. فَقَالَ أَبُو بَكْر- ﵁: قَدْ أنزل اللَّه [٣٣ ب] فيك وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- ٢٠٧- يعني للفعل فعل الرومي صُهَيْب بن سنان «٢» مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن سَعِيد بن تيم بن مرة بن كَعْب بن لؤي بن غالب الْقُرَشِيّ «قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَذَا الكتاب من أوله إلى آخره من الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان ببغداد درب السدرة سنة تسعين ومائة. قَالَ: وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عَلَيْه «٣» فِي المدينة فِي سنة أربع ومائتين وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة رحمنا الله وإياهم» «٤» . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام، وسلام بن قَيْس، وأسيد وأسد ابنا كَعْب، ويامين بن يامين، وهم مؤمنو أَهْل التوراة استأذنوا