يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ يعني نضجه وبلاغه وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا على النبي- ﷺ في بيته فَإِذا طَعِمْتُمْ الطعام فَانْتَشِرُوا يعنى فقوموا من عنده وتفرقوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ وذلك أنهم كانوا يجلسون عند النبي- ﷺ قبل الطعام وبعد الطعام، وكان ذلك في بيت أم سلمة بنت أبي أمية أم المؤمنين، فيتحدثون عنده طويلا فكان ذلك يؤذيه ويستحيي أن يقول لهم قوموا وربما أخرج النبي- ﷺ وهم في بيته يتحدثون، فذلك قوله- : «وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ» إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ثم أمر الله- ﵎ نبيه بالحجاب على نسائه، فنزل الخيار والتيمم في أمر عائشة «١» .
ونزل الحجاب في أمر زينب بنت جحش فأمر الله- تعالى- المؤمنين ألا يكلموا نساء النبي إلا من وراء حجاب، فذلك قوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ من الريبة وَقُلُوبِهِنَّ وأطهر
стр. 1297
لقلوبهن من الريبة، فقال طلحة بن عُبَيْدُ اللَّهِ القرشي من بني تيم بن مرة: ينهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا يعني عائشة- ﵂ وهما من بنى تيم ابن مرة، ثم قال في نفسه: والله، لئن مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة فأنزل الله- تعالى- في قول طلحة بن عُبَيْدُ اللَّهِ «١» وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً- ٥٣- لأن الله جعل نساء النبي- ﷺ على المؤمنين في الحرمة كأمهاتهم، فمن ثم عظم الله تزويجهن على المؤمنين ثم أعلمهم الله أنه يعلم سرهم وعلانيتهم فقال: إِنْ تُبْدُوا إن تظهروا شَيْئاً من أمركم يعني طلحة لقوله يمنعنا محمد من الدخول على بنات عمنا، فأعلن هذا القول، ثم قال: أَوْ تُخْفُوهُ يعني أو تسروه في قلوبكم يعني قوله لأتزوجن عائشة بعد موت النبي- ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ من السر والعلانية عَلِيماً- ٥٤- ثم رخص في الدخول على نساء النبي- ﷺ من غير حجاب لأهل القرابة، فقال: لا جُناحَ يعني لا حرج عَلَيْهِنَّ في الدخول على نساء النبي- ﷺ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ يعني كل حرة مسلمة وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يعني عبيد نساء النبي- ﷺ أن يدخلوا عليهن من غير حجاب فلا جناح عليهن فى ذلك وحذرهن وحذر من يدخل عليهن من غير حجاب أن يكون منهن أو منهم من لا يصلح، فقال لهن: وَاتَّقِينَ اللَّهَ «في دخولهم عليكن» «٢» إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم شَهِيداً- ٥٥-
стр. 1298
لم يغب عن الله- من يدخل عليهن إن كان منهن أو منهم ما لا يصلح.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- ﷺ . أما صلاة الرب- فالمغفرة للنبي- ﷺ ، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار للنبي- ﷺ ، ثُمّ قَالَ- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ يعني استغفروا للنبي- ﷺ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً- ٥٦- فلما نزلت هذه الآية قال المسلمون: هذه لك، يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت « ... هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً» «١» إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني محمدا- ﷺ نزلت في اليهود من أهل المدينة، وكان أذاهم لله- أن زعموا أن لله ولدا، وأنهم يخلقون كما يخلق الله- يعني التماثيل والتصاوير.
وأما أذاهم للنبي- ﷺ فإنهم زعموا أن محمدا ساحر مجنون شاعر كذاب لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني باللعنة في الدنيا العذاب والقتل والجلاء، وأما في الآخرة فإن الله يعذبهم بالنار، فذلك قوله- وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً- ٥٧- يعني عذاب الهوان.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً والبهتان ما لم يكن وَإِثْماً مُبِيناً- ٥٨- يعنى بينا يقال: نزلت فى على ابن أبي طالب- ﵁ وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه
стр. 1299
ويكذبون عليه. وأن عمر بن الخطاب- ﵁ قال فى خلافته لأبى ابن كعب الأنصاري إني قرأت هذه الآية:
«وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... » إلى آخر الآية: فوقعت مني كل موقع، والله، إني لأضربهم وأعاقبهم. فقال له أبي بن كعب- ﵀:
إنك لست منهم إنك مؤدب معلم «١» .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يعني القناع الذي يكون فوق الخمار وذلك أن المهاجرين قدموا المدينة ومعهم نساؤهم فنزلوا مع الأنصار في ديارهم فضاقت الدور عنهم. وكان النساء يخرجن بالليل إلى النخل فيقضين حوائجهن يعني البراز فكان المريب يرصد النساء بالليل فيأتيها فيعرض عليها ويغمزها فإن هويت الجماع أعطاها أجرها وقضى حاجته وإن كانت عفيفة صاحت فتركها. وإنما كانوا يطلبون الولائد فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل فذكر نساء المؤمنين ذلك لأزواجهن وما يلقين بالليل من الزناة، فذكروا ذَلِكَ للنبي- ﷺ فأنزل الله- «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ» .
стр. 1300
يعنى القناع فوق الخمار ذلِكَ أَدْنى يعنى أجدر أَنْ يُعْرَفْنَ فى زيهن أنهن لسن «بمربيات» «١» وأنهن عفايف فلا يطمع فيهن أحد فَلا يُؤْذَيْنَ بالليل وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً في تأخير العذاب عنهم رَحِيماً- ٥٩- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، ثم أوعدهم فقال للنبي- ﷺ : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الفجور وهم الزناة، ثم نعتهم بأعمالهم الخبيثة فقال: وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يعني المنافقين كانوا يخبرون المؤمنين بالمدينة بما يكرهون من عدوهم يقول لئن لم ينتهوا عن الفجور والإرجاف والنفاق لَنُغْرِيَنَّكَ يا محمد بِهِمْ يقول لنحملنك على قتلهم ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا- ٦٠- ونجعلهم مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا فأوجب لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا- ٦١- يقول خذوهم واقتلوهم قتالا، فانتهوا عن ذلك مخافة القتل. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ هكذا كانت سنة الله في أهل بدر «القتل» «٢» وهكذا سنة الله في هؤلاء الزناة وفي المرجفين القتل، إن لم ينتهوا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا- ٦٢- يعني تحويلا لأن قوله- حق فى أمر القتل يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ يعني القيامة، وذلك أن النبي- ﷺ كان يخطب، فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله- إلى النبي- ﷺ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ يعنى القيامة تَكُونُ قَرِيباً- ٦٣- إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ يعنى كفار مكة وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً- ٦٤-
стр. 1301
يعني وقودا خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يعنى قريبا يمنعهم وَلا نَصِيراً- ٦٥- يعنى ولا مانعا يمنهم من العذاب يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا- ٦٦- يعني محمدا- ﷺ .
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فهذا قول الأتباع من مشركي العرب من أهل مكة قالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا، نزلت في اثني عشر رجلا وهم المطعمون يوم بدر فيهم أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكبراءنا، يعني ذوي الأسنان منا فى الكفر فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا- ٦٧- يعني المطعمين في غزوة بدر والمستهزئين من قريش «فأضلونا عن سبيل الهدى يعنى عن التوحيد» «١» . ثم قال الأتباع: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ يعنون القادة والرءوس من كفار قريش وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً- ٦٨- يعني عظيما يعني اللعن على أثر اللعن. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى وذلك أن الله- وعظ المؤمنين ألا يؤذوا محمدا فيقولون زيد بن محمد فإن ذلك للنبي- ﷺ أذى كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر. وذلك أن موسى- ﵇ كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل في نهر ولا غيره إلا وعليه إزار. «وكان» «٢» بنو إسرائيل يغتسلون عراة. فقالوا:
ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق موسى- ﵇ ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة ووضع ثيابه عليها ففرت الصخرة
стр. 1302
بثيابه وأتبعها موسى- ﵇ متجردا فلحقها فضربها بعصاه «وكان موسى- ﵇ لا يضع العصا من يده حيث ما كان» «١» وقال لها: ارجعي إلى مكانك فقالت: إنما أنا عبد مأمور لم تضربني فردها إلى مكانها. فنظرت إليه بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن الناس خلقا وأعدلهم صورة وكان «سليما» «٢» ليس الذي قالوا «٣» ، فذلك قوله- فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا إنه آدر وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً- ٦٩- يعنى مكينا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً- ٧٠- يعني قولا عدلا وهو التوحيد يُصْلِحْ لَكُمْ يعني يزكي لكم أَعْمالَكُمْ بالتوحيد وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ محمدا- ﷺ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً- ٧١- يقول قد نجا بالخير وأصاب منه نصيبا وافرا إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ وهي الطاعة عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ على الثواب والعقاب إن أحسنت جوزيت وإن عصت عوقبت فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها يعني الطاعة على الثواب والعقاب فلم يطقنها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وأشفقن من العذاب مخافة ترك الطاعة فقيل لآدم- ﵇ أتحملها بما فيها، قال آدم: وما فيها يا رب؟ قال: إن أطعت جوزيت وإن عصيت عوقبت. قال آدم: قد حملتها بما فيها. قال الله- فلم يلبث في الجنة إلا قليلا يعني ساعتين من يومه حتى عصى ربه- وخان الأمانة، فذلك قوله- : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعنى
стр. 1303
آدم- ﵇ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه بخطيئته جَهُولًا- ٧٢- بعاقبة ما تحمل من الطاعة على الثواب والعقاب.
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ يقول عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل، ونقضوا الميثاق الذي أقروا به على أنفسهم، يوم أخرجهم من ظهر آدم- ﵇ حين قال- « ... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ... » «١»
فنقضوا هذه المعرفة وتركوا للطاعة يعنى التوحيد وَيَتُوبَ اللَّهُ يقول ولكي يتوب الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بما وفوا بالأمانة ولم ينقضوا الميثاق وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً- ٧٣- بهم.
سورة سبإ «١» سورة سبإ مكية عددها أربع وخمسون آية كوفية «٢» .
стр. 1307
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وذلك أن كفار مكة لما كفروا بالبعث، حمد الرب نفسه قال- «الْحَمْدُ لِلَّهِ» الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ يعني يحمده أولياؤه في الآخرة إذا دخلوا الجنة فقالوا: « ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ ... » «١» ، « ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ... » «٢» وَهُوَ الْحَكِيمُ حكم البعث الْخَبِيرُ- ١- به [٩٧ أ] يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من المطر وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من المطر وَما يَعْرُجُ فِيها يعني وما يصعد في السماء من الملائكة وَهُوَ الرَّحِيمُ حين لا يعجل عليهم بالعذاب «الْغَفُورُ» «٣» - ٢- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أبو سفيان لكفار مكة واللات والعزى لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ أبدا فلما حلف أبو سفيان بالأصنام حلف النبي- ﷺ بالله- ، فقال- الله- : قُلْ يا محمد بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ الساعة عالِمِ الْغَيْبِ غيب الساعة لا يَعْزُبُ عَنْهُ من مِثْقالُ ذَرَّةٍ وزن أصغر النمل فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ولا أقل من ذلك المثقال وَلا أَكْبَرُ منه ولا أعظم من المثقال إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ- ٣- إلا هو بين في اللوح المحفوظ لِيَجْزِيَ لكي يجزى
стр. 1308
في الساعة الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «بالقسط» «١» :
بالعدل أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ حسنا فى الجنة، ثم ذكر كفار مكة فقال- : وَالَّذِينَ سَعَوْا عملوا فِي آياتِنا يعنى القرآن مُعاجِزِينَ مثبطين الناس عن الإيمان بالقرآن مثلها في الحج «أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» «٢» - ٥- نظيرها في الجاثية «٣» .
وَيَرَى ويعلم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالله- يعني مؤمني أهل الكتاب وهي قراءة ابن مسعود «ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل» الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني النبي- ﷺ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ يعنى القرآن وَيَهْدِي إِلى صِراطِ ويدعو إلى دين الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ- ٦- في خلقه. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبعث أبو سفيان، قال لكفار مكة: هَلْ نَدُلُّكُمْ ألا ندلكم عَلى رَجُلٍ يعني النبي- ﷺ يُنَبِّئُكُمْ يخبركم أنكم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يخبركم أنكم إذا تفرقتم في الأرض وذهبت «اللحوم والعظام» «٤» وكنتم ترابا «إِنَّكُمْ» «٥» لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ- ٧- يعني البعث بعد الموت، ثم قال أبو سفيان:
أَفْتَرى محمد- ﷺ عَلَى اللَّهِ كَذِباً حين يزعم أنا نبعث
стр. 1309
بعد الموت أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يقول: «أم بمحمد جنون» «١» فرد الله- جل وعز- عليهم فقال: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال هم أكذب وأشد فرية من محمد- ﷺ حين كذبوا بالبعث، ثم قال- جل وعز: هم فِي الْعَذابِ فى الآخرة وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ- ٨- الشقاء الطويل نظيرها في آخر «اقتربت الساعة» «٢» .
ثم خوفهم فقال- جل وعز-: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ [٩٧ ب] أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ثم بين ما هو فقال- جل وعز- مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ «فتبتلعهم» «٣» أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ يعني جانبا من السماء فنهلكهم بها «إِنَّ فِي ذلِكَ» «٤» لَآيَةً يعنى عبرة «٥» لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ- ٩- مخلص بالتوحيد وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ أعطينا داود مِنَّا فَضْلًا النبوة كقوله- للنبي- ﷺ فى سورة النساء: « ... (وَكانَ فَضْلُ
«٦» لَّهِ) عَلَيْكَ عَظِيماً «٧» » يعنى النبوة والكتاب، فذلك قوله
стр. 1310
- « (وَلَقَدْ آتَيْنا «١» ) داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» النبوة والزبور وما سخر له من الجبل والطير والحديد ثم بين ما أعطاه فقال- : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ سبحي معه مع داود- ﵇ يقول اذكري الرب مع داود وهو التسبيح، ثم قال- : وَسخرنا له الطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ- ١٠- فكان داود- ﵇ يضفر الحديد ضفر العجين من غير نار فيتخذها دروعا طوالا، فذلك قوله- : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ الدروع الطوال وكانت الدروع قبل داود إنما هي صفائح الحديد مضروبة فكان داود- ﵇ يشد الدروع بمسامير ما يقرعها بحديد ولا يدخلها النار فيقرع من الدروع في بعض النهار وبعض الليل بيده ثمن ألف درهم»
قال لداود:
وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ يقول قدر المسامير في الخلق ولا تعظم المسامير فتنقصم «٣» ولا تضفر المسامير فتسلس. ثم قال الله- لآل داود: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني قولوا «الحمد لله إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» «٤» - ١١- ثم ذكر ابنه سليمان- ﵉ وما أعطاه الله- من الخير والكرامة فقال- : وَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ يعني مسيرة شهر فتحملهم الريح من بيت المقدس إلى إصطخر وتروح بهم «ذابلستان» «٥» وَرَواحُها شَهْرٌ
стр. 1311
يعنى مسيرة فنحملهم إلى بيت المقدس لا تحول طيرا من فوقهم ولا ورقة من تحتهم ولا تثير ترابا ثم قال- جل وعز- وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ يعني أخرجنا لسليمان عين الصفر ثلاثة أيام تجري مجرى الماء بأرض اليمن وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ وسخرنا لسليمان من الجن من يعمل بَيْنَ يَدَيْهِ بين يدي سليمان بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني رب سليمان- وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ ومن يعدل منهم «عَنْ أَمْرِنا» «١» عن أمر سليمان- ﵇ نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ- ١٢- الوقود في الدنيا كان ملك بيده سوط من نار من يزغ عن أمر سليمان ضربه بسوط من نار فذلك عذاب السعير «٢» يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ يعنى الجن لسليمان مِنْ مَحارِيبَ [٩٨ أ] المساجد وَتَماثِيلَ من نحاس ورخام من «الأرض» «٣» المقدسة وإصطخر من غير أن يعبدها أحد، ثم قال- جل وعز-: وَجِفانٍ «كَالْجَوابِ» «٤» وقصاع في العظم كحياض الإبل بأرض اليمن من العظم يجلس على كل قصعة واحدة ألف رجل يأكلون منها بين يدي سليمان وَقُدُورٍ عظام لها قوائم لا نتحرك راسِياتٍ ثابتات نتخذ من الجبال والقدور وعين الصفر بأرض اليمن، وكان ملك سليمان ما بين مصر وكابل، ثم قال- جل وعز-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً بما أعطيتم من الخير يقول الرب- : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ- ١٣- لربهم «٥» فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ
стр. 1312
على سليمان «١» الْمَوْتَ وذلك أن سليمان- ﵇ كان دخل في السن وهو في بيت المقدس ما دَلَّهُمْ ما دل الجن عَلى مَوْتِهِ على موت سليمان إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ يعني «الأرضة» «٢» وذلك أن الجن كانوا يخبرون الإنس أنهم يعلمون الغيب الذي يكون في غد فابتلوا بموت سليمان ببيت المقدس وكان داود أسس بيت المقدس موضع فسطاط موسى- ﵇ فمات قبل أن يبني فبناه سليمان بالصخر والقار، فلما حضره الموت قال لأهله: لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس. «وكان قد بقي منه عمل سنة» «٣» ، فلما حضره الموت وهو متكئ على عصاه، وقد أوصى أن يكتم موته، وقال: لا تبكوا علي سنة لئلا يتفرق الجن عن بناء بيت المقدس. ففعلوا «فلما بنوا سنة» «٤» وفرغوا من بنائه سلط الله- عليه الأرضة عند رأس الحول على أسفل عصاه فأكلته، فذلك قوله- : تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أسفل العصا فخر عند ذلك سليمان ميتا فرأته الجن فتفرقت، فذلك قوله- : فَلَمَّا خَرَّ سليمان تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ يعنى تبينت الإنس أَنْ لَوْ كانُوا الجن يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ يعنى غيب موت سليمان ما لَبِثُوا حولا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ- ١٤- والشقاء والنصب في بيت المقدس وإنما سموا الجن لأنهم استخفوا من الإنس فلم يروهم.
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ وهو زجل بن يشخب بن يعرب بن قحطان فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، ثم قال: جَنَّتانِ أحدهما عَنْ يَمِينٍ الوادي وَالأخرى عن
стр. 1313
شِمالٍ الوادي، واسم الوادي العرم، يقول الله- لأهل تلك الجنتين: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ الذي فى الجنتين وَاشْكُرُوا لَهُ لله فيما رزقكم ثم قال: أرض سبأ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ بأنها أخرجت ثمارها وَربكم إن شكرتم فيما رزقكم [٩٨ ب] رَبٌّ غَفُورٌ- ١٥- للذنوب كانت المرأة تحمل مكتلا على رأسها فتدخل البستان فيمتلئ مكتلها من ألوان الفاكهة والثمار من غير أن تمس شيئا بيدها، وكان أهل سبأ إذا أمطروا يأتيهم السيل من مسيرة أيام كثيرة إلى العرم، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالصخر والقار فاستد زمانا، وارتفع الماء على حافتي الوادي فصار فيهما ألوان الفاكهة والأعناب فعصوا ربهم فلم يشكروه فذلك قوله- : فَأَعْرَضُوا عن الحق فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
والسيل هو الماء، والعرم اسم الوادي سلط الله- «الفأرة» «١» على البناء الذي بنوه «وتسمى الخلد» «٢» فنقبت الردم ما بين الجبلين فخرج الماء ويبست جناتهم وأبدلهم الله- مكان الفاكهة والأعناب:
«وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ» «٣» أُكُلٍ خَمْطٍ وهو الأراك وَأَثْلٍ يعني شجرة تسمى الطرفاء يتخذون منها الأقداح النضار وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ- ١٦- وثمره السدر النبق ذلِكَ الهلاك جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا كافأناهم بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ- ١٧- وهل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله- في نعمه.
стр. 1314
ثم: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين أهل سبإ وَبَيْنَ الْقُرَى قرى «الأرض» «١» المقدسة: الأردن وفلسطين الَّتِي بارَكْنا فِيها بالشجر والماء قُرىً ظاهِرَةً متواصلة وكان متجرهم من أرض اليمن إلى أرض الشام على كل ميل قرية وسوق، لا يحلون عنده حتى يرجعوا «إلى اليمين» «٢» من الشام، فذلك قوله- : وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ- ١٨- من الجوع والعطش والسباع فلم يشكروا ربهم «وسألوا» «٣» ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ للناس وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يقول الله- وفرقناهم في كل وجه فلما خرجوا من أرض سبأ، ساروا فأما الأزد فنزلوا البحرين وعمان، وأما خزاعة فنزلوا بمكة، وأما الأنصار وهم الأوس والخزرج، فنزلوا بالمدينة، وأما غسان فنزلوا بالشام فهذا تمزقهم، فذلك قوله- : «فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ «يعني في هلاك جنتيهم وتفريقهم عبرة» «٤» لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ- ١٩- يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء إذا ابتلى لما ابتلي أهل سبأ ثم قال: «شكور» لله- في نعمه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين [٩٩ أ] ، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب
стр. 1315
الطين فقال « ... لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ ... » «١» الآية. فمن ثم صدق ظنه يقول الله- : فَاتَّبَعُوهُ ثم استثنى عباده المخلصين فقال- جل وعز-: إِلَّا فَرِيقاً طائفة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- ٢٠- لم يتبعوه في الشرك، وهم الذين قال الله: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ... » «٢» ،
ثم قال: وَما كانَ لَهُ لإبليس عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ من ملك أن يضلهم عن الهدى إِلَّا لِنَعْلَمَ لنرى مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ليبين المؤمن من الكافر وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإيمان والشك حَفِيظٌ- ٢١- رقيب: قُلِ لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم آلهة يعني الملائكة الذين عبدتموهم فليكشفوا الضر الذي نزل بكم من الجوع من السنين السبع نظيرها في بني إسرائيل فأخبر الله- عن الملائكة أنهم لا يَمْلِكُونَ لا يقدرون على مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعنى أصغر وزن النمل فِي السَّماواتِ فى خلق السموات «وَلا فِي الْأَرْضِ» «٣» فكيف يملكون كشف الضر عنكم وَما لَهُمْ فِيهِما فى خلق السموات والأرض مِنْ شِرْكٍ يعنى الملائكة وَما لَهُ مِنْهُمْ من الملائكة مِنْ ظَهِيرٍ- ٢٢- يعني عونا على شيء، ثم ذكر الملائكة الذين رجوا منافعهم، فقال- جل وعز-: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ شفاعة الملائكة عِنْدَهُ لأحد إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع من أهل التوحيد، ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خروا سجدا من مخافة الساعة، فكيف يعبدون من هذه منزلته؟ فهلا يعبدون من تخافه الملائكة؟ قال: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
стр. 1316
وذلك أن أهل السموات من الملائكة لم يكونوا سمعوا صوت الوحي ما بين زمن عيسى ومحمد- ﷺ وكان بينهما قريب من ستمائة عام، فلما نزل الوحي على محمد- ﷺ سمعوا صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، فخروا سجدا مخافة القيامة، إذ هبط جبريل على أهل كل سماء فأخبرهم أنه الوحي، فذلك قوله- : «حتى إذا فزع عن قلوبهم» تجلى الفزع عن قلوبهم قاموا من السجود قالُوا فتسأل الملائكة بعضها بعضا مَاذَا قالَ جبريل عن رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ يعنى الوحى وَهُوَ الْعَلِيُّ الرفيع الْكَبِيرُ- ٢٣- العظيم فلا أعظم منه قُلْ لكفار مكة الذين يعبدون الملائكة مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات فردوا في سورة يونس قالوا: « ... اللَّهُ ... » «١» يرزقنا إضمار قال النبي- ﷺ : قُلِ اللَّهُ يرزقكم، ثم انقطع الكلام، وأما قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٢٤- قال كفار مكة للنبي- ﷺ : تعالوا ننظر فى [٩٩ ب] معايشنا من أفضل دنيا نحن أم أنتم يا أصحاب محمد- ﷺ : إنكم لعلى ضلالة، - فرد عليهم النبي- ﷺ ما نحن وأنتم على أمر واحد إن أحد الفريقين لعلى هدى، يعني النبي- ﷺ نفسه وأصحابه أو في ضلال مبين يعنى كفار مكة الألف ها هنا صلة، مثل قوله
стр. 1317
- « ... وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً «١» ... » «قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» «٢» - ٢٥- قُلْ يا محمد لكفار مكة:
يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا فى الآخرة وأنتم ثُمَّ يَفْتَحُ يقضى بَيْنَنا بِالْحَقِّ بالعدل وَهُوَ الْفَتَّاحُ القضاء الْعَلِيمُ- ٢٦- بما يقضي قُلْ لكفار مكة: أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ يعني بالله- شُرَكاءَ من الملائكة هل خلقوا شيئا يقول الله- : كَلَّا ما خلقوا شيئا ثم استأنف بَلْ هُوَ اللَّهُ الذي خلق الأشياء كلها «٣» الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٢٧- «العزيز» في ملكه «الحكيم» في أمره، نظيرها فى الأحقاف «٤» وَما أَرْسَلْناكَ يعنى يا محمد إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ عامة للناس بَشِيراً بالجنة لمن أجابه وَنَذِيراً من النار لمن عصاه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني أهل مكة لا يَعْلَمُونَ- ٢٨- وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا يا محمد «٥» إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٢٩- إن كنت صادقا بأن العذاب نازل بنا فى الدنيا قُلْ لَكُمْ مِيعادُ ميقات في العذاب يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ عن الميعاد ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ- ٣٠- يعنى لا تتباعدون عنه ولا نتقدمون، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الأسود بن عبد يغوث، وثعلب وهما أخوان ابنا
стр. 1318
الحارث بن السباق من بني عبد الدار بن قصي لَنْ نُؤْمِنَ لك لا نصدق بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب التي نزلت قبل القرآن، «بين يديه» التوراة والإنجيل والزبور وَلَوْ تَرى يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ يعني مشركي مكة مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخرة يَرْجِعُ يرد بَعْضُهُمْ «إِلى» «١» بَعْضٍ الْقَوْلَ ثم أخبر عن قولهم: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا الذين تكبروا عن الإيمان وهم القادة في الكفر لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ- ٣١- لولا أنتم- معشر الكبراء- لكنا مؤمنين يعني مصدقين بتوحيد الله- فردت القادة وهم الكبراء على الضعفاء وهم الأتباع: «قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» «٢» أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى يعني أنحن منعناكم عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ- ٣٢- فردت الضعفاء على الكبراء فقالوا: «وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» «٣» بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «بل قولهم [١٠٠ أ] كذب بالليل والنهار» «٤» إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ بتوحيد الله- وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً يعني وتأمرونا أن نجعل له شريكا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ فى أنفسهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ حين عاينوا العذاب في الآخرة وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ «الَّذِينَ «٥» كَفَرُوا» وذلك أن الله- يأمر خزنة جهنم أن يجعلوا
стр. 1319
الأغلال في أعناق الذين كفروا بتوحيد الله- ، «وقالت» «١» لهم الخزنة: «هَلْ يُجْزَوْنَ» «٢» فى الآخرة إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٣٣- من الكفر في الدنيا وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ من رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها أغنياؤها وجبابرتها للرسل إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ بالتوحيد كافِرُونَ- ٣٤- وَقالُوا أيضا لفقراء المسلمين أهؤلاء خير منا أم هم أولى بالله منا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ- ٣٥- يقول الله- : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ويقتر على من يشاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ كفار مكة لا يَعْلَمُونَ- ٣٦- أن البسط والقتر بيد الله- وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى يعنى قربة إِلَّا مَنْ آمَنَ صدق بالله «وَعَمِلَ صالِحاً» «٣» «فَأُولئِكَ لَهُمْ» «٤» جَزاءُ الضِّعْفِ «بِما عَمِلُوا» «٥» من الخير نجزي بالحسنة الواحدة عشرة فصاعدا، ثم قال- : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ غرف الجنة آمِنُونَ- ٣٧- من الموت وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ يقول عملوا بالتكذيب بالقرآن مثبطين عن الإيمان بالقرآن أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ- ٣٨- النار قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يوسع الرزق على من يشاء مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ويقتر وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ بقول الله- جل وعز-
стр. 1320
أخلفه لكم وأعطاكموه وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- ٣٩- مثل قوله- :
« ... وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ «١» ... » وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يعنى الملائكة ومن عبدها يعني يجمعهم جميعا في الآخرة ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ- ٤٠- يعني عن أمركم عبدوكم فنزهت الملائكة ربها- عن الشرك ف قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ونحن منهم «براء» «٢» إضمار «٣» ما أمرناهم بعبادتنا بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ بل أطاعوا الشيطان فى عبادتهم وأَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ- ٤١- مصدقين بالشيطان فَالْيَوْمَ في الآخرة لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا [١٠٠ ب] لا تقدر الملائكة على أن تسوق إلى من عبدها نفعا، ولا تقدر على أن تدفع عنهم سوءا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يأمر الله الخزنة أن تقول للمشركين من أهل مكة: «ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ» «٤» «الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ «٥» - ٤٢- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا وإذا قرى عليهم القرآن بَيِّناتٍ ما فيه من الأمر والنهى قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يعنون النبي- ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب مُفْتَرىً افتراه محمد- ﷺ
стр. 1321
من تلقاء نفسه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ «يعنون» «١» القرآن حين جاءهم إِنْ هَذَا القرآن إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ- ٤٣- يقول الله- : وَما آتَيْناهُمْ يعني وما أعطيناهم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها يعني يقرءونها بأن مع الله شريكا نظيرها فى الزخرف «أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً ... » الآية «٢» ونظيرها فى الملائكة «٣» وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ يعنى أهل مكة قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ- ٤٤- يا محمد من رسول لم ينزل كتاب، ولا رسول قبل محمد- ﷺ إلى العرب، ثم قال- جل وعز-: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأمم الخالية كذبوا رسلهم قبل كفار مكة وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ وما بلغ الكفار مكة، عشر الذي أعطينا الأمم الخالية من الأموال والعدة والعمر والقوة فَكَذَّبُوا رُسُلِي فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا حين كذبوا الرسل فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- ٤٥- تغييرى الشر فاحذروا، يا أهل مكة، مثل عذاب الأمم الخالية قُلْ لكفار مكة إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ بكلمة واحدة كلمة الإخلاص أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ الحق مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ألا يتفكر الرجل وحده ومع صاحبه فيعلم ويتفكر في خلق السموات والأرض وما بينهما أن الله- جل وعز- خلق هذه الأشياء وحده وأن محمدا لصادق وما به جنون إِنْ هُوَ يعني النبي- ﷺ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ
стр. 1322
مبين «١» يعني بينا بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ- ٤٦- في الآخرة قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وذلك أن النبي- ﷺ سأل كفار مكة ألا يؤذوه حتى يبلغ عن الله- الرسالة فقال بعضهم لبعض ما سألكم شططا كفوا عنه، فسمعوا النبي- ﷺ يوما يذكر اللات والعزى في القرآن فقالوا ما ينتهي هذا الرجل عن عيب آلهتنا سألنا ألا تؤذيه فقد فعلنا، وسألناه ألا يؤذينا في آلهتنا فلم يفعل، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله [١٠١ أ] «قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ» جعل «فهو لكم» إِنْ أَجْرِيَ ما جزائي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- ٤٧- بأني نذير وما بي من جنون قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يتكلم بالوحي عَلَّامُ الْغُيُوبِ- ٤٨- عالم كل غيب، وإذا قال- جل وعز- عالم الغيب فهو غيب واحد قُلْ جاءَ الْحَقُّ الإسلام وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ- ٤٩- يقول ما يبدئ الشيطان الخلق فيخلقهم وما يعيد خلقهم في الآخرة فيبعثهم بعد الموت والله- جل وعز- بفعل ذلك قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي- ﷺ لقد ضللت حين تركت دين آبائك فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي إنما ضلالتي على نفسي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي من القرآن «٢» إِنَّهُ سَمِيعٌ الدعاء قَرِيبٌ- ٥٠- الإجابة.
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ يقول إذا فزعوا عند معاينة العذاب «٣» ، نزلت
стр. 1323
في السفياني «وذلك أن السفياني يبعث ثلاثين ألف رجل من الشام مقاتلة إلى الحجاز عليهم رجل اسمه بحير بن بجيلة فإذا انتهوا إلى البيداء خسف بهم» «١» فلا ينجو منهم أحد غير رجل من جهينة اسمه ناجية يفلت وحده، مقلوب وجهه وراء ظهره، يرجع القهقري فيخبر الناس بما لقي أصحابه «٢» .
قال: وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ- ٥١- من تحت «أرجلهم» «٣» وَقالُوا آمَنَّا بِهِ حين رأوا العذاب يقول الله- تعالى-: «وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ» «٤» التوبة عند معاينة العذاب مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ- ٥٢- الرجعة إلى التوبة بعيد منهم لأنه لا يقبل منهم «٥» وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ بالقرآن مِنْ قَبْلُ نزول العذاب حين بعث اللَّه- محمدا- ﷺ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ يقول: «ويتكلمون بالإيمان» «٦» مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ- ٥٣- يقول التوبة تباعد منهم فلا يقبل منهم وقد غيب عنهم الإيمان عند نزول العذاب فلم يقدروا عليه عند نزول العذاب بهم في الدنيا وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ من أن تقبل التوبة «٧» منهم عند العذاب كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ يقول كما عذب أوائلهم من
стр. 1324
الأمم الخالية من قبل هؤلاء إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ من العذاب بأنه غير نازل بهم في الدنيا مُرِيبٍ- ٥٤- يعنى بمريب أنهم لا يعرفون شكهم «ويقال كان هذا العذاب بالسيف يوم بدر «١» وقالوا آمنا به يعنى بالقرآن.
سورة فاطر «١» سورة الملائكة «٢» مكية.
عددها خمس وأربعون آية كوفية «٣» .
стр. 1328
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الشكر لله فاطِرِ يعني خالق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا منهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والكرام الكاتبين- ﵈، ثم قال- جل وعز-: الملائكة أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يقول من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولإسرافيل ستة أجنحة، ثم قال- جل وعز-: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ وذلك أن في الجنة نهرا يقال له نهر الحياة يدخله كل يوم جبريل- ﵇ بعد ثلاث ساعات من النهار يغتسل فيه [١٠٢ أ] وله جناحان ينشرهما في ذلك النهر ولجناحه سبعون ألف ريشة فيسقط من كل ريشة قطرة من ماء فيخلق الله- جل وعز- منها ملكا يسبح «١» الله- تعالى- إلى يوم القيامة، فذلك قوله- : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ» إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من خلق الأجنحة من الزيادة قَدِيرٌ- ١- يعني يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة، ما يشاء مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ الرزق نظيرها في بني إسرائيل ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ يعني الرزق فَلا مُمْسِكَ لَها لا يقدر أحد على حبسها وَما يُمْسِكْ وما يحبس من الرزق فَلا مُرْسِلَ لَهُ يعنى الرزق مِنْ بَعْدِهِ فلا معطي من بعد الله وَهُوَ الْعَزِيزُ فى ملكه الْحَكِيمُ- ٢- فى أمره
стр. 1329
يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني أهل مكة: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم أخبرهم بالنعمة فقال- جل وعز-: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات ثم وحد نفسه- ﷻ فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- ٣- وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يعزي النبي- ﷺ ليصبر على تكذيبهم إياه فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ «قَبْلِكَ» «١» وَإِلَى «اللَّهِ» «٢» تُرْجَعُ الْأُمُورُ- ٤- أمور العباد تصير إلى الله- جل وعز- فى الآخرة يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني كفار مكة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في البعث أنه كائن فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإسلام وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ- ٥- الباطل وهو الشيطان ثم قال- جل وعز-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ حين أمركم بالكفر بالله فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يقول فعادوه بطاعة الله- ، ثم قال- جل وعز-: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ إنما يدعو شيعته إلى الكفر بتوحيد الله- لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ- ٦- يعني الوقود ثم بين مستقر الكفار، ومستقر المؤمنين فقال- جل وعز-: الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا: صدقوا بتوحيد الله- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أدوا الفرائض لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم يعني جزاءهم عند ربهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ- ٧- في الجنة أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ نزلت في أبي جهل بن هشام فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ عن الهدى مَنْ يَشاءُ فلا يهديه إلى الإسلام وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لدينه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
стр. 1330
يعني النبي- ﷺ يقول فلا تقتل نفسك ندامة عليهم يعني أهل مكة «إِنَّ» «١» اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ- ٨- وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ فسقنا السحاب إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [١٠٢ ب] يعني بالميت أنه ليس عليه نبت فَأَحْيَيْنا بِهِ بالماء الْأَرْضَ فتنبت بَعْدَ مَوْتِها بعد إذ لم يكن عليها نبت كَذلِكَ النُّشُورُ- ٩- هكذا يحيون يوم القيامة بالماء كما يحيي الأرض بعد موتها مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ المنعة بعبادة الأوثان فليعتز بطاعة الله- جل وعز- فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً جميع من يتعزز فإنما يتعزز بإذن الله- إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ العمل الحسن يقول إلى الله- يصعد في السماء التوحيد وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يقول شهادة ألا إله إلا الله ترفع العمل الصالح إلى الله- في السماء، ذكروا عن ابن عباس أنه قال: «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» الله إليه، ثم ذكر- جل ثناؤه- من لا يوحده، فقال- جل ثناؤه-: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ الذين يقولون الشرك لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة، ثم أخبر عن شركهم فقال- جل وعز-:
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ- ١٠- وقولهم الشرك يهلك فى الآخرة، ثم دل- جل وعز- على نفسه فقال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ يعني بدأ خلقكم مِنْ تُرابٍ يعني آدم- ﵇ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يعني نسله ثُمَّ جَعَلَكُمْ ذرية آدم أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى يقول لا تحمل المرأة الولد وَلا تَضَعُ الولد
стр. 1331
إِلَّا بِعِلْمِهِ ثم قال- جل وعز-: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ يعني من قل عمره أو كثر فهو إلى أجله الذي كتب له، ثم قال- جل وعز-: وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ كل يوم حتى ينتهي إلى أجله إِلَّا فِي كِتابٍ اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلقه إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ- ١١- الأجل حين كتبه الله- جل وعز- في اللوح المحفوظ وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ يعني الماء العذب والماء المالح هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ يعني طيب سائِغٌ شَرابُهُ يسيغه الشارب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مر لا ينبت وَمِنْ كُلٍّ من الماء المالح والعذب تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً يعني اللؤلؤ تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ يعني «بالمواخر» «١» أن سفينتين تجريان إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة بريح واحدة، تستقبل إحداهما الأخرى لِتَبْتَغُوا في البحر مِنْ فَضْلِهِ من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «٢» - ١٢- يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ: انتقاص كل واحد منهما من الآخر حتى يصير أحدهما إلى تسع ساعات والآخر إلى خمس عشرة ساعة وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لبنى آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى كلاهما دائبان يجريان إلى يوم القيامة ثم دل [١٠٣ أ] على نفسه فقال- جل وعز ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده بصنعه ثم عاب الآلهة فقال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ الذين تعبدون مِنْ دُونِهِ الأوثان ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ- ١٣- قشر النوى الذي يكون على النوى الرقيق، ثم أخبر عن الآلهة اللات والعزى ومناة، فقال-: سبحانه إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ
стр. 1332
يقول لو أن الأصنام سمعوا ما استجابوا لكم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يقول إن الأصنام يوم القيامة يتبرءون من عبادتكم إياها فتقول للكفار ما أمرناكم بعبادتنا، نظيرها في يونس «فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ» «١» ثم قال للنبي- ﷺ :
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ- ١٤- يعني الرب نفسه- سبحانه- فلا أحد أخبر منه.
قوله- : يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني كفار مكة أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى ما عند الله- تعالى- وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ- ١٥- عند خلقه إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس بالهلاك إذا عصيتم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- ١٦- غيركم أمثل منكم وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ- ١٧- إن فعل ذلك هو على الله هين وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ من الوزر إِلى حِمْلِها من الخطايا أن يحمل عنها لا يُحْمَلْ مِنْهُ من وزرها «٢» شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى ولو كان بينهما قرابة ما حملت عنها شيئا من وزرها إِنَّما تُنْذِرُ المؤمنين الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ آمنوا به ولم يروه وَأَقامُوا الصَّلاةَ أتموا الصلاة المكتوبة وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ومن صلح فصلاحه لنفسه وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- ١٨- فيجزي بالأعمال في الآخرة ثم ضرب مثل المؤمن والكافر فقال- جل وعز-: «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» «٣» - ١٩-
стр. 1333
وما يستويان في الفضل والعمل «الأعمى» عن الهدى يعني الكافر «والبصير» بالهدى: المؤمن وَلَا تستوي «١» الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ- ٢٠- يعني بالظلمات الشرك والنور يعني الإيمان وَلَا الظِّلُّ يعني الجنة وَلَا الْحَرُورُ- ٢١- يعني النار وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ المؤمنين وَلَا الْأَمْواتُ يعني الكفار، والبصير، والظل، والنور، والأحياء، فهو مثل المؤمن.
والأعمى والظلمات والحرور والأموات، فهو مثل الكافر، ثم قال- جل وعز- إِنَّ اللَّهَ [١٠٣ ب] يُسْمِعُ الإيمان مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ يا محمد بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ- ٢٢- وذلك أن الله- جل وعز- شبه الكافر من الأحياء حين دعوا إلى الإيمان فلم يسمعوا، بالأموات أهل القبور الذين لا يسمعون الدعاء، ثم قال للنبي- ﵇ حين لم «يجيبوه» «٢» إلى الإيمان إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ- ٢٣- ما أنت إلا رسول إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ لم نرسلك رسولا باطلا لغير شيء بَشِيراً لأهل طاعته بالجنة وَنَذِيراً من النار لأهل معصيته، ثم قال: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ وما من أمة فيما مضى إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ- ٢٤- إلا جاءهم رسول غير أمة محمد فإنهم لم يجئهم رسول قبل محمد- ﷺ ولا يجيئهم إلى يوم القيامة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يعزي نبيه- ﷺ ليصبر فلست بأول رسول كذب فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية جاءَتْهُمْ «٣» رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالآيات التي كانوا يصنعون ويخبرون بها وَبِالزُّبُرِ وبالأحاديث التي كانت قبلهم من المواعظ
стр. 1334
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ- ٢٥- المضيء الذي فيه أمره ونهيه ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- ٢٦- تغييري الشر أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها بيض وحمر وصفر وَمِنَ الْجِبالِ أيضا جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال منها أبيض وأحمر وَمنها غَرابِيبُ سُودٌ- ٢٧- يعني الطوال السود «١» ثم قال- جل وعز-: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ بيض وحمر وصفر وسود مُخْتَلِفٌ «أَلْوانُهُ» «٢» اختلاف ألوان الثمار، ثم قال- جل وعز-: كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فيها تقديم يقول أشد الناس لله- خيفة أعلمهم بالله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ- ٢٨- لذنوب المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ فى مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ- ٢٩- لن تهلك، هؤلاء قوم من المؤمنين أثنى الله- جل وعز- عليهم. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ليوفر لهم أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ على أعمالهم من الجنة مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ للذنوب العظام شَكُورٌ- ٣٠- لحسناتهم وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يقول إن قرآن محمد- ﷺ يصدق ما قبله من الكتب التي أنزلها اللَّه- على [١٠٤ أ] الأنبياء- ﵈ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بأعمالهم بَصِيرٌ
стр. 1335
- ٣١- بها ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ قرآن محمد- ﷺ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا اخترنا مِنْ عِبادِنا من هذه الأمة فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أصحاب الكبائر من أهل التوحيد وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ عدل فى قوله وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة وتصديق الأنبياء بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر الله- ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ- ٣٢- دخول الجنة ثم أخبره بثوابهم فقال- جل وعز-: جَنَّاتُ عَدْنٍ تجري من تحتها الأنهار يَدْخُلُونَها هؤلاء الأصناف الثلاثة يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ بثلاث «١» أسورة وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ- ٣٣- وقد حبس- الظالم- بعد هؤلاء الصنفين: السابق والمقتصد، ما شاء الله من أجل ذنوبهم «٢» الكبيرة، ثم غفرها لهم وتجاوز عنهم فأدخلوا الجنة فلما دخلوها، واستقرت بهم الدار حمدوا ربهم من المغفرة ودخول الجنة وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ لأنهم لا يدرون ما يصنع الله- بهم إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ للذنوب العظام شَكُورٌ- ٣٤- للحسنات وإن قلت، وهذا قول آخر شكور للعمل الضعيف القليل، فهذا قول أهل الكبائر من أهل التوحيد، ثم قالوا: الحمد لله الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ يعني دار الخلود أقاموا فيها أبدا لا يموتون ولا يتحولون عنها أبدا مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ لا يصيبنا في الجنة مشقة في أجسادنا وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ- ٣٥- ولا يصيبنا في الجنة عيا لما كان يصيبهم في الدنيا من النصب في العبادة وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ