إِلَّا بِعِلْمِهِ ثم قال- جل وعز-: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ يعني من قل عمره أو كثر فهو إلى أجله الذي كتب له، ثم قال- جل وعز-: وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ كل يوم حتى ينتهي إلى أجله إِلَّا فِي كِتابٍ اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلقه إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ- ١١- الأجل حين كتبه الله- جل وعز- في اللوح المحفوظ وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ يعني الماء العذب والماء المالح هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ يعني طيب سائِغٌ شَرابُهُ يسيغه الشارب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مر لا ينبت وَمِنْ كُلٍّ من الماء المالح والعذب تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً يعني اللؤلؤ تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ يعني «بالمواخر» «١» أن سفينتين تجريان إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة بريح واحدة، تستقبل إحداهما الأخرى لِتَبْتَغُوا في البحر مِنْ فَضْلِهِ من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «٢» - ١٢- يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ: انتقاص كل واحد منهما من الآخر حتى يصير أحدهما إلى تسع ساعات والآخر إلى خمس عشرة ساعة وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لبنى آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى كلاهما دائبان يجريان إلى يوم القيامة ثم دل [١٠٣ أ] على نفسه فقال- جل وعز ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده بصنعه ثم عاب الآلهة فقال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ الذين تعبدون مِنْ دُونِهِ الأوثان ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ- ١٣- قشر النوى الذي يكون على النوى الرقيق، ثم أخبر عن الآلهة اللات والعزى ومناة، فقال-: سبحانه إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ
стр. 1332
يقول لو أن الأصنام سمعوا ما استجابوا لكم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يقول إن الأصنام يوم القيامة يتبرءون من عبادتكم إياها فتقول للكفار ما أمرناكم بعبادتنا، نظيرها في يونس «فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ» «١» ثم قال للنبي- ﷺ :
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ- ١٤- يعني الرب نفسه- سبحانه- فلا أحد أخبر منه.
قوله- : يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني كفار مكة أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى ما عند الله- تعالى- وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ- ١٥- عند خلقه إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس بالهلاك إذا عصيتم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ- ١٦- غيركم أمثل منكم وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ- ١٧- إن فعل ذلك هو على الله هين وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ من الوزر إِلى حِمْلِها من الخطايا أن يحمل عنها لا يُحْمَلْ مِنْهُ من وزرها «٢» شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى ولو كان بينهما قرابة ما حملت عنها شيئا من وزرها إِنَّما تُنْذِرُ المؤمنين الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ آمنوا به ولم يروه وَأَقامُوا الصَّلاةَ أتموا الصلاة المكتوبة وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ومن صلح فصلاحه لنفسه وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- ١٨- فيجزي بالأعمال في الآخرة ثم ضرب مثل المؤمن والكافر فقال- جل وعز-: «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» «٣» - ١٩-
стр. 1333
وما يستويان في الفضل والعمل «الأعمى» عن الهدى يعني الكافر «والبصير» بالهدى: المؤمن وَلَا تستوي «١» الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ- ٢٠- يعني بالظلمات الشرك والنور يعني الإيمان وَلَا الظِّلُّ يعني الجنة وَلَا الْحَرُورُ- ٢١- يعني النار وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ المؤمنين وَلَا الْأَمْواتُ يعني الكفار، والبصير، والظل، والنور، والأحياء، فهو مثل المؤمن.
والأعمى والظلمات والحرور والأموات، فهو مثل الكافر، ثم قال- جل وعز- إِنَّ اللَّهَ [١٠٣ ب] يُسْمِعُ الإيمان مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ يا محمد بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ- ٢٢- وذلك أن الله- جل وعز- شبه الكافر من الأحياء حين دعوا إلى الإيمان فلم يسمعوا، بالأموات أهل القبور الذين لا يسمعون الدعاء، ثم قال للنبي- ﵇ حين لم «يجيبوه» «٢» إلى الإيمان إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ- ٢٣- ما أنت إلا رسول إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ لم نرسلك رسولا باطلا لغير شيء بَشِيراً لأهل طاعته بالجنة وَنَذِيراً من النار لأهل معصيته، ثم قال: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ وما من أمة فيما مضى إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ- ٢٤- إلا جاءهم رسول غير أمة محمد فإنهم لم يجئهم رسول قبل محمد- ﷺ ولا يجيئهم إلى يوم القيامة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يعزي نبيه- ﷺ ليصبر فلست بأول رسول كذب فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية جاءَتْهُمْ «٣» رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالآيات التي كانوا يصنعون ويخبرون بها وَبِالزُّبُرِ وبالأحاديث التي كانت قبلهم من المواعظ
стр. 1334
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ- ٢٥- المضيء الذي فيه أمره ونهيه ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ- ٢٦- تغييري الشر أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها بيض وحمر وصفر وَمِنَ الْجِبالِ أيضا جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال منها أبيض وأحمر وَمنها غَرابِيبُ سُودٌ- ٢٧- يعني الطوال السود «١» ثم قال- جل وعز-: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ بيض وحمر وصفر وسود مُخْتَلِفٌ «أَلْوانُهُ» «٢» اختلاف ألوان الثمار، ثم قال- جل وعز-: كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فيها تقديم يقول أشد الناس لله- خيفة أعلمهم بالله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ- ٢٨- لذنوب المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ فى مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ- ٢٩- لن تهلك، هؤلاء قوم من المؤمنين أثنى الله- جل وعز- عليهم. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ليوفر لهم أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ على أعمالهم من الجنة مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ للذنوب العظام شَكُورٌ- ٣٠- لحسناتهم وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يقول إن قرآن محمد- ﷺ يصدق ما قبله من الكتب التي أنزلها اللَّه- على [١٠٤ أ] الأنبياء- ﵈ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بأعمالهم بَصِيرٌ
стр. 1335
- ٣١- بها ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ قرآن محمد- ﷺ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا اخترنا مِنْ عِبادِنا من هذه الأمة فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أصحاب الكبائر من أهل التوحيد وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ عدل فى قوله وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة وتصديق الأنبياء بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر الله- ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ- ٣٢- دخول الجنة ثم أخبره بثوابهم فقال- جل وعز-: جَنَّاتُ عَدْنٍ تجري من تحتها الأنهار يَدْخُلُونَها هؤلاء الأصناف الثلاثة يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ بثلاث «١» أسورة وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ- ٣٣- وقد حبس- الظالم- بعد هؤلاء الصنفين: السابق والمقتصد، ما شاء الله من أجل ذنوبهم «٢» الكبيرة، ثم غفرها لهم وتجاوز عنهم فأدخلوا الجنة فلما دخلوها، واستقرت بهم الدار حمدوا ربهم من المغفرة ودخول الجنة وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ لأنهم لا يدرون ما يصنع الله- بهم إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ للذنوب العظام شَكُورٌ- ٣٤- للحسنات وإن قلت، وهذا قول آخر شكور للعمل الضعيف القليل، فهذا قول أهل الكبائر من أهل التوحيد، ثم قالوا: الحمد لله الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ يعني دار الخلود أقاموا فيها أبدا لا يموتون ولا يتحولون عنها أبدا مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ لا يصيبنا في الجنة مشقة في أجسادنا وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ- ٣٥- ولا يصيبنا في الجنة عيا لما كان يصيبهم في الدنيا من النصب في العبادة وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ
стр. 1336
هكذا نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ- ٣٦- بالإيمان وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها يعني يستغيثون فيها والاستغاثة أنهم ينادون فيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشرك، ثم قيل لهم أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فى الدنيا ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ فى العمر مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ الرسول محمد- ﷺ فَذُوقُوا العذاب فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ- ٣٧- ما للمشركين من مانع يمنعهم من الله- إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يعلم ما يكون فيهما وغيب ما في قلوبهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
- ٣٨- بما في القلوب هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ من بعد الأمم الخالية فَمَنْ كَفَرَ بتوحيد الله فَعَلَيْهِ عاقبة كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ [١٠٤ ب] كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً يقول: الكافر لا يزداد في طول العمل إلا ازداد الله- جل وعز- «له» «١» بغضا، ثم قال- جل وعز-: وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً- ٣٩-: لا يزداد «الكافرون» «٢» في طول العمل إلا ازدادوا بكفرهم خسارا قُلْ يا محمد لكفار مكة أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ مع الله يعني الملائكة الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يقول ماذا خلقت الملائكة في الأرض كما خلق الله- أن كانوا آلهة أَمْ لَهُمْ يعني أم لهم: الملائكة شِرْكٌ مع الله- في سلطانه «فِي السَّماواتِ» «٣» أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ
стр. 1337
«يقول: هل أعطينا كفار مكة» «١» فهم على بينة منه «٢» بأن مع الله- شريكا من الملائكة، ثم استأنف فقال: «بَلْ» «٣» إِنْ يَعِدُ ما يعد الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً- ٤٠- ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الملائكة لهم في الآخرة إلا باطلا، ثم عظم نفسه- تعالى- عما قالوا من الشرك، فقال- جل ثناؤه-: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا يقول ألا تزولا عن موضعهما وَلَئِنْ زالَتا ولئن أرسلهما فزالتا إِنْ أَمْسَكَهُما فمن يمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ الله يقول لا يمسكهما من أحد من بعده، ثم قال في التقديم إِنَّهُ كانَ حَلِيماً عنهم عن قولهم الملائكة بنات الله- تعالى- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة غَفُوراً- ٤١- ذو تجاوز وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ يعني كفار مكة في الأنعام حين قالوا «لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ... «٤» » «جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» «٥» بجهد الأيمان لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ يعني رسولا لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ يعني من اليهود والنصارى، يقول الله- : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وهو محمد- ﷺ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً- ٤٢- ما زادهم الرسول ودعوته إلا تباعدا عن الهدى عن الإيمان. «اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ» «٦» وَمَكْرَ السَّيِّئِ قول الشرك وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ ولا يدور قول الشرك إِلَّا بِأَهْلِهِ
стр. 1338
كقوله- وَحاقَ بِهِمْ ... ودرا بهم الآية «١» ، ثم خوفهم، فقال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ ما ينظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ مثل عقوبة الأمم الخالية ينزل بهم العذاب ببدر كما نزل بأوائلهم فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ فى العذاب تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا- ٤٣- لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم، ثم قال- جل وعز- يعظهم: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ [١٠٥ أ] مِنْ قَبْلِهِمْ عاد، وثمود، وقوم لوط، وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً بطشا، فأهلكناهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ ليفوته مِنْ شَيْءٍ من أحد، كقوله- : «وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ «٢» ... » وقوله- جل وعز- فى يس: « ... ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ ... » «٣» يعني من أحد، يقول لا يسبقه من أحد كان فِي السَّماواتِ «وَلا فِي الْأَرْضِ» «٤» فيفوته أحد كان في السموات أو في الأرض حتى يجزيه بعمله إِنَّهُ كانَ عَلِيماً بهم «قَدِيراً» «٥» - ٤٤- فى نزول
стр. 1339
العذاب بهم إذا شاء وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ كفار مكة بِما كَسَبُوا من الذنوب وهو الشرك لعجل لهم العقوبة، فذلك قوله- : مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ فوق الأرض من دابة لهلكت الدواب من قحط المطر وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى الوقت الذي في اللوح المحفوظ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ «وقت نزول العذاب بهم في الدنيا» «١» «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ» «٢» بَصِيراً- ٤٥- لم يزل الله- بعباده بصيرا.
سورة يس «١» سورة يس مكية.
عدد آياتها ثلاث وثمانون آية كوفية «٢» .
стр. 1343
قال للنبي- ﷺ ، ما أرسل الله إلينا رسولا، وما أنت برسول وتابعه كفار مكة على ذلك فأقسم الله- بالقرآن الحكيم يعني المحكم من الباطل: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- ٢- إِنَّكَ يا محمد لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- ٣- عَلى صِراطٍ على طريق مُسْتَقِيمٍ- ٤- دِين الْإِسْلام لأن غير دِين الْإِسْلام لَيْسَ بمستقيم، ثم قال: هذا القرآن هو تَنْزِيلَ من الْعَزِيزِ في ملكه الرَّحِيمِ- ٥- بخلقة لِتُنْذِرَ قَوْماً بما في القرآن من الوعيد ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ الأولون فَهُمْ غافِلُونَ- ٦- لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ لقوله لإبليس: « ... لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ... » «١» لقد حق القول لقد وجب العذاب على أكثر أهل مكة فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ- ٧- لا يصدقون بالقرآن إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ- ٨- وذلك أن أبا جهل بن هشام حلف لئن رأى النبي- ﷺ ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه الحجر فرفع الحجر ليدمغ النبي [١٠٥ ب] ﷺ فيبست يده «والتصق» «٢» الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه خلصوا يده فسألوه فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل آخر من بنى المغيرة المخزومي، أنا أقتله. فأخذ الحجر، فلما دنا من من النبي- ﷺ طمس الله- على بصره فلم ير النبي- ﷺ وسمع قراءته «٣» فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فذلك قوله- : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا حين لم يروا
стр. 1344
النبي- ﷺ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ- ٩- حين لم ير أصحابه فسألوه ما صنعت، فقال: لقد «سمعت» «١» قراءته وما رأيته فأنزل الله- في أبي جهل- «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ» يعني بالأذقان الحنك فوق «الغلصمه» «٢» ، يقول رددنا أيديهم في أعناقهم «فَهُمْ مُقْمَحُونَ» يعني أن يجمع يديه إلى عنقه، وأنزل الله- في الرجل الآخر «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا» يعني ظلمة فلم ير النبي- ﷺ «وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا» فلم ير أصحابه، الآية «٣» ، وكان معهم الوليد بن المغيرة وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ يا محمد لا يُؤْمِنُونَ- ١٠- بالقرآن بأنه من الله- فلم يؤمن أحد من أولئك الرهط من بنى مخزوم، ثم نزل في أبي جهل «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلَّى» «٤» ثم قال- جل وعز-: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ وخشي عذاب الرحمن بِالْغَيْبِ ولم يره فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ لذنوبهم وَأَجْرٍ كَرِيمٍ- ١١- وجزاء حسنا فى الجنة إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى فى الآخرة وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا في الدنيا في حياتهم من خير أو شر عملوه وَآثارَهُمْ ما استنوه من سنة، خير أو شر فاقتدى به من بعد موتهم، «وإن كان خيرا فله» «٥» مثل أجر من عمل به، ولا ينقص من أجورهم
стр. 1345
شيء، وإن كان شرا فعليه مثل وزر من عمل به ولا ينقص من أوزارهم شيء، فذلك قوله- : «يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»
«١» ، ثم قال- جل وعز-: وَكُلَّ شَيْءٍ من الأعمال أَحْصَيْناهُ بيانه فِي إِمامٍ مُبِينٍ- ١٢- كل شيء عملوه في اللوح المحفوظ «٢» وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا وصف لهم- يا محمد- شبها لأهل مكة في الهلاك أَصْحابَ الْقَرْيَةِ أنطاكية إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ- ١٣- إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ «اثْنَيْنِ» «٣» تومان ويونس فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فقوينا يعني فشددنا الرسولين بثالث حين صدقهما بتوحيد الله وحين أحيا الجارية وكان اسمه شمعون وكان من الحواريين وكان وصى عيسى بن مريم فَقالُوا [١٠٦ أ] إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ- ١٤- فكذبوهما ولو فعلت ذلك بكم يا أهل مكة لكذبتم، فقال شمعون للملك: أشهد أنهما رسولان أرسلهما ربك الذي في السماء، فقال الملك لشمعون: أخبرني بعلامة ذلك فقال شمعون: إن ربي أمرني أن أبعث لك ابنتك، فذهبوا إلى قبرها، فضرب القبر برجله. فقال: قومي بإذن إلهنا الذي في السماء، الذي أرسلنا إلى هذه القرية واشهدي لنا على والدك فخرجت الجارية من قبرها، فعرفوها فقالت يا أهل القرية آمنوا بهؤلاء الرسل، وإنى أشهد أنهم أرسلوا إليكم، فإن سلمتم يغفر لكم ربكم، وإن أبيتم ينتقم الله منكم. ثم قالت لشمعون: ردني إلى مكاني فإن القوم لن يؤمنوا لكم، فأخذ شمعون قبضة من تراب قبرها فوضعها على
стр. 1346
رأسها، ثم قال عودي مكانك، فعادت، فلم يؤمن منهم غير حبيب النجار، كان من بني إسرائيل، وذلك أنه حين سمع بالرسل جاء مسرعا فآمن وترك عمله، وكان قبل إيمانه مشركا قالُوا فقال القوم للرسل: مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ- ١٥- وكان «فعل» «١» شمعون من الحواريين فقال شمعون: «إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ» أرسلنا إليكم ربكم الذي في السماء «ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا» ما نرى لكم علينا من فضل في شيء «وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ» وما أرسل الرحمن من أحد يعني لم يرسل رسولا الآية، «قالُوا» «٢» فقالت الرسل رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ- ١٦- فإن كذبتمونا «وَما» «٣» عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ- ١٧- ما علينا إلا أن نبلغ، ونعلمكم ونبين لكم أن الله واحد لا شريك فقال القوم للرسل: «قالُوا» «٤» إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ يقول تشاء منا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا أصابنا هذا الشر يعنون قحط المطر من قبلكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ لئن لم تسكتوا عنا لنقتلنكم وَلَيَمَسَّنَّكُمْ يعنى وليصيبنكم مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٨- يعني وجيعا «قالُوا» «٥» فقالت الرسل: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ الذي أصابكم كان مكتوبا فى أعناقكم أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ أئن وعظتم بالله- تطيرتم بنا بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ- ١٩- قوم مشركون والشرك أسرف الذنوب وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى على رجليه اسمه حبيب
стр. 1347
ابن «أبريا «١» أعور نجار» من بني إسرائيل كان في غار يعبد الله- فلما سمع بالرسل أتاهم وترك عمله: «قالَ» «٢» يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ- ٢٠- الثلاثة تومان ويونس وشمعون [١٠٦] اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ- ٢١- فأخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له برئت منا واتبعت عدونا فقال:
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي خلقني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٢٢- أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً لا تقدر الآلهة أن تشفع لي فتكشف الضر عني شفاعتها وَلا يُنْقِذُونِ- ٢٣- من الضر إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٢٤- لفي خسران بين أن اتخذت من دون الله- جل وعز- آلهة فوطئ حتى خرجت معاه من دبره فلما أمر بقتله قال: يا قوم، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ- ٢٥- فقتل، ثم ألقي في البئر وهي الرس، وهم أصحاب «الرس» «٣» وقتل الرسل الثلاثة قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ فلما ذهبت روح حبيب إلى الجنة ودخلها وعاين ما فيها من النعيم تمنى فى قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ- ٢٦- بني إسرائيل بِما بأي شيء غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ- ٢٧- باتباعى المرسلين فلو علموا لآمنوا بالرسل فنصح لهم في حياته، وبعد موته، يقول الله- : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ «يعني من بعد قتل حبيب النجار» «٤» مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ- ٢٨- الملائكة إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً من جبريل- ﵇ ليس لها مثنوية فَإِذا هُمْ خامِدُونَ- ٢٩-
стр. 1348
موتى مثل النار إذا طفئت لا يسمع لها صوت،
وقال النبي- ﷺ : «إن صاحب يس اليوم في الجنة ومؤمن آل فرعون ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون»
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يا ندامة للعباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا، ثم قال- : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- ٣٠-، ثم خوف كفار مكة فقال: «أَلَمْ» «١» يَرَوْا ألم يعلموا كَمْ أَهْلَكْنا بالعذاب قَبْلَهُمْ قبل كفار مكة مِنَ الْقُرُونِ الأمم: عاد وثمود وقوم لوط، فيرى أهل مكة من هلاكهم أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الحياة الدنيا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ- ٣٢- عندنا في الآخرة، ثم وعظ كفار مكة فقال- : وَآيَةٌ لَهُمُ وعلامة لهم الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها بالمطر فتنهت وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا البر والشعير الحبوب كلها فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ- ٣٣- وَجَعَلْنا «فِيها» «٢» في الأرض جَنَّاتٍ بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ- ٣٤- الجارية لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ يقول [١٠٧ أ] لم يكن ذلك من صنع أيديهم ولكنه من فعلنا أَفَلا يَشْكُرُونَ- ٣٥- رب هذه النعم فيوحدوه سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مما تخرج الأرض من ألوان النبات والشجر وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ الذكر والأنثى وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ- ٣٦- من الخلق، ثم قال- جل وعز-: وَآيَةٌ لَهُمُ يقول من علامة الرب لأهل مكة إذ لم يروه اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ «ننزع» «٣»
стр. 1349
منه النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ- ٣٧- بالليل، مثل قوله- :
« ... الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ «١» مِنْها ... » وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها لوقت لها إلى يوم القيامة،
قال أبو ذر الغفاري: غربت الشمس يوما، فسألت النبي- ﷺ أين تغرب الشمس؟ فقال النبي- ﷺ تغرب في عين حمئة وطينة سوداء، ثم تخر ساجدة تحت العرش فتستأذن فيأذن لها فكأن قد قيل لها ارجعي إلى حيث تغربين «٢» .
ذلِكَ الذي ذكر من الليل والنهار، والشمس والقمر يجري في ملكه بما قدر من أمرهما وخلقهما تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ- ٣٨- ثم قال- :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ فى السماء يزيد، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ حتى عاد مثل الخيط كما يكون أول ما استهل فيه «كالعرجون» يعني العذق اليابس المنحني الْقَدِيمِ- ٣٩- الذي أتى عليه الحول. ثم قال- جل وعز-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ فتضيء مع ضوء القمر، «لأن» «٣» الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، ثم قال- : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يقول «ولا يدرك» «٤» سواد الليل
стр. 1350
ضوء النهار فيغلبه على ضوئه وَكُلٌّ الليل والنهار فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ- ٤٠- في دوران يجرون يعني الشمس والقمر يدخلان تحت الأرض من قبل المغرب فيخرجان من تحت الأرض، حتى يخرجا من قبل المشرق، ثم يجريان في السماء حتى يغربا قبل المغرب، فهذا دورانهما فذلك قوله- :
«وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» يقول وكلاهما في دوران يجريان إلى يوم القيامة وَآيَةٌ لَهُمْ وعلامة لهم يعني كفار مكة أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ذرية أهل مكة في أصلاب آبائهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- ٤١- يعنى الموقر من الناس والدواب وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ وجعلنا لهم من شبه سفينة نوح مَا يَرْكَبُونَ- ٤٢- فيها وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فى الماء فَلا صَرِيخَ لَهُمْ لا مغيث لهم [١٠٧ ب] وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ- ٤٣- من الغرق إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا إلا نعمة منا حين لا نغرقهم وَمَتاعاً إِلى حِينٍ- ٤٤- وبلاغا إلى آجالهم وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ يقول لا يصيبكم منا عذاب الأمم الخالية «قبلكم» «١» وَما خَلْفَكُمْ واتقوا ما بعدكم من عذاب الأمم فلا تكذبوا محمدا- ﷺ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- ٤٥- لكي ترحموا وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» «٢» - ٤٦- فلا يتفكروا وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا وذلك أن المؤمنين قالوا بمكة لكفار قريش، لأبي سفيان وغيره أنفقوا على المساكين «من» «٣» الذي زعمتم أنه لله وذلك أنهم كانوا يجعلون نصيبا لله من الحرث والأنعام بمكة، للمساكين، فيقولون هذا لله بزعمهم،
стр. 1351
ويجعلون «للآلهة» »
نصيبا فإن لم يزك «٢» ما جعلوه للآلهة من الحرث والأنعام وزكا ما جعلوه لله- ليس للآلهة شيء «وهي» «٣» تحتاج إلى نفقة، فأخذوا ما جعلوه لله، قالوا لو شاء الله لأزكي نصيبه ولا يعطون المساكين شيئا مما زكى لآلهتهم، فقال المؤمنون لكفار قريش: أنفقوا «مِمَّا «٤» رَزَقَكُمُ اللَّهُ» قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا فقالت كفار قريش: أَنُطْعِمُ المساكين الذي للآلهة مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يعنى رزقه لو شاء الله لأطعمه وقالوا لأصحاب النبي- ﷺ : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٤٧- وَيَقُولُونَ مَتى هذَا «الْوَعْدُ» «٥» إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٤٨- بأن العذاب نازل بنا في الدنيا يقول الله- مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً لا مثنوية لها تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ- ٤٩- وهم يتكلمون في الأسواق والمجالس وهم أعز ما كانوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يقول أعجلوا عن التوصية فماتوا وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ- ٥٠- يقول ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق فأخبر الله- بما يلقون في الأولى. ثم أخبر بما يلقون في الثانية إذا بعثوا، فذلك قوله- : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ من القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ- ٥١- يخرجون إلى الله- من قبورهم أحياء فلما رأوا العذاب ذكروا قول الرسل فى الدنيا: أن البعث حق
стр. 1352
قالُوا يَا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا وذلك أن أرواح الكفار كانوا يعرضون على منازلهم من النار طرفي النهار كل يوم فلما كان بين النفختين رفع عنهم العذاب فرقدت تلك الأرواح بين النفختين، فلما بعثوا في النفخة الأخرى وعاينوا في القيامة ما كذبوا به فى الدنيا [١٠٨ أ] من البعث والحساب فدعوا بالويل «قَالُوا يَا ويلنا من بعثنا من مرقدنا» فى قراءة ابن مسعود «من ميتنا» ، قال حفظتهم من الملائكة هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ على ألسنة الرسل، فذلك قوله- وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ- ٥٢- وذكر النفخة الثانية فقال- سبحانه-: إِنْ يعني ما كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً من إسرافيل فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ الخلق كلهم لَدَيْنا عندنا مُحْضَرُونَ- ٥٣- «بالأرض» «١» المقدسة فلسطين لنحاسبهم فَالْيَوْمَ في الآخرة لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٥٤- من الكفر جزاء الكافر النار، ثم قال- جل وعز-: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فى الآخرة فِي شُغُلٍ يعني شغلوا بالنعيم، بافتضاض العذارى عن ذكر أهل النار فلا يذكرونهم ولا يهتمون بهم، ثم قال- جل وعز-: فاكِهُونَ- ٥٥- فكهون يعني معجبين بما هم فيه شغل النعيم والكرامة هُمْ وَأَزْواجُهُمْ يعني الحور العين حلائلهم فِي ظِلالٍ ومن قرأ «فاكهون» «٢» يعني ناعمين في ظلال كبار القصور عَلَى الْأَرائِكِ على السرر عليها الحجال مُتَّكِؤُنَ- ٥٦- لَهُمْ فِيها في الجنة فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ- ٥٧- يتمنون ما شاءوا من الخير سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ- ٥٨- وذلك أن الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل باب يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وَامْتازُوا
стр. 1353
واعتزلوا الْيَوْمَ فى الآخرة أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ- ٥٩- وذلك حين اختلط الإنس والجن والدواب دواب البر والبحر والطير فاقتص بعضهم من بعض ثم قيل لهم كونوا ترابا فكانوا ترابا فبقي الإنس والجن خليطين إذ بعث الله- إليهم مناديا أن امتازوا اليوم يقول اعتزلوا اليوم- أيها المجرمون- من الصالحين أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ الذين أمروا بالاعتزال يا بَنِي آدَمَ فى الدنيا أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ يعني إبليس وحده ولا تطيعوه في الشرك إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٦٠- بين العداوة وَأَنِ اعْبُدُونِي يقول وحدونى هذا التوحيد صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ- ٦١- دِين الْإِسْلام لأن غير دِين الْإِسْلام لَيْسَ بمستقيم وَلَقَدْ أَضَلَّ إبليس مِنْكُمْ عن الهدى جِبِلًّا خلقا «كَثِيراً» «١» أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ- ٦٢- فلما دنوا من النار قالت لهم خزنتها هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ- ٦٣- في الدنيا فلما ألقوا في النار قالت لهم الخزنة:
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ في الآخرة بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- ٦٤- فى الدنيا الْيَوْمَ نَخْتِمُ وذلك أنهم سئلوا [١٠٨ ب] أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون فقالوا:
والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله- جل وعز- «٢» على أفواههم وتتكلم «٣» أيديهم وأرجلهم بشركهم، فذلك قوله- تعالى-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ «٤»
стр. 1354
وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ «أَرْجُلُهُمْ» «١» بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ٦٥- بما كانوا يقولون من الشرك وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ نزلت فى كفار مكة بقول لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى «فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ» «٢» ولو طمست الكفر لاستبقوا الصراط يقول لأبصروا طريق الهدى، ثم قال- جل وعز-: فَأَنَّى يُبْصِرُونَ- ٦٦- فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الضلالة، ثم خوفهم فقال- جل وعز-: وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ يقول- تعالى- لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ- ٦٧- يقول لا يتقدمون ولا يتأخرون وَمَنْ نُعَمِّرْهُ «فنطول عمره» «٣» نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ- ٦٨- وما علمناه الشعر نزلت في عقبة بن أبي معيط وأصحابه قالوا إن القرآن شعر وَما يَنْبَغِي لَهُ أن يعلمه إِنْ هُوَ يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ تفكر وَقُرْآنٌ مُبِينٌ- ٦٩- بين لِيُنْذِرَ يعني «لتنذر يا محمد بما في القرآن» «٤» من الوعيد مَنْ كانَ حَيًّا من كان مهديا في علم الله- وَيَحِقَّ الْقَوْلُ ويجب العذاب عَلَى الْكافِرِينَ- ٧٠- بتوحيد الله- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا من فعلنا أَنْعاماً الإبل والبقر والغنم فَهُمْ لَها مالِكُونَ- ٧١- ضابطين وَذَلَّلْناها كقوله- : « ... وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا «٥» ... » «وذللناها» فيحملون
стр. 1355
عليها ويسوقونها حيث شاءوا ولا تمتنع منها فَمِنْها رَكُوبُهُمْ حمولتهم الإبل والبقر وَمِنْها يَأْكُلُونَ- ٧٢- يعني الغنم وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ في الأنعام ومنافع في الركوب عليها، والحمل عليها، وينتفعون بأصوافها وأوبارها، وأشعارها، ثم قال- جل وعز-: وَفيها مَشارِبُ ألبانها أَفَلا يَشْكُرُونَ- ٧٣-، ثم قال- جل وعز: - وَاتَّخَذُوا يعني كفار مكة مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يعني اللات والعزى ومناة لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ- ٧٤- لكي تمنعهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ لا تقدر الآلهة أن تمنعهم من العذاب، ثم قال- جل وعز: - وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ- ٧٥- يقول كفار مكة للآلهة حزب «يغضبون لها ويحضرونها فى الدنيا» «١» فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ كفار مكة إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من التكذيب وَما يُعْلِنُونَ- ٧٦- يظهرون من القول بألسنتهم حين قالوا للنبي- ﷺ كيف يبعث الله هذا العظم علانية، نزلت فى أبى بن خلف [١٠٩ أ] الجمحي في أمر العظم، «وكان قد أضحكهم» «٢» بمقالته فهذا الذي «أعلنوا» «٣» وذلك أن أبا جهل، والوليد بن المغيرة، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، وعقبة، والعاص بن وائل، كانوا جلوسا فقال لهم أبي بن خلف،
قال لهم في النفر من قريش: إن محمدا يزعم أن الله يحيي الموتى، وأنا آتيه بعظم فأسأله: كيف يبعث الله هذا؟ فانطلق أبي ابن خلف فأخذ عظما باليا، حائلا نخرا، فقال: يا محمد، تزعم أن الله يحيى
стр. 1356
الموتى بعد إذ بليت عظامنا وكنا ترابا تزعم أن الله يبعثنا خلقا جديدا. ثم جعل يفت العظم ثم يذريه في الريح، ويقول يا محمد: من يحيي هذا؟ فقال النبي- ﷺ يحيي الله- هذا ثم يميتك، ثم يبعثك، ثم يدخلك، نار جهنم، فأنزل الله- في أبي بن خلف أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ
يعني أولم يعلم الإنسان أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ- ٧٧- بين الخصومة فيما يخاصم النبي- ﷺ عن البعث ثم قال، وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وصف لنا شبها في أمر العظم وَنَسِيَ خَلْقَهُ وترك المنظر في بدء خلق نفسه إذ خلق من نطفة، ولم يكن قبل ذلك شيئا ف قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ- ٧٨- يعني بالية قُلْ يا محمد لأبي يُحْيِيهَا يوم القيامة الَّذِي أَنْشَأَها خلقها أَوَّلَ مَرَّةٍ في الدنيا ولم تك شيئا «١» وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ- ٧٩- عليم بخلقهم في الدنيا عليم بخلقهم في الآخرة بعد الموت خلقا جديدا الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا «٢» «فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» «٣» - ٨٠- فالذي يخرج من الشجر الأخضر النار فهو قادر على البعث، ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من خلق الإنسان، فقال- جل وعز-: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ هذا أعظم خلقا من خلق الإنسان بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ في الأرض مِثْلَهُمْ مثل خلقهم في الدنيا، ثم قال لنفسه- تعالى-:
«بَلى» «٤» قادر على ذلك وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ- ٨١- بخلقهم فى الآخرة
стр. 1357
العليم ببعثهم إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أمر البعث وغيره أَنْ يَقُولَ لَهُ مرة واحدة كُنْ فَيَكُونُ- ٨٢- لا يثني قوله، ثم عظم نفسه عن قولهم فقال- : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ خلق كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٨٣- إلى الله- بعد الموت لتكذيبهم.
[سورة الصافات «١» ] سورة الصافات مكية.
وعددها مائة واثنتان وثمانون آية كوفية «٢» .
стр. 1361
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا- ١- يعني- صفوف الملائكة فَالزَّاجِراتِ زَجْراً- ٢- الملائكة يعني به الرعد، وهو ملك اسمه الرعد يزجر السحاب بصوته يسوقه إلى البلد الذي أمر أن يمطره، والبرق مخاريق من نار يسوق بها السحاب، فإذا صف السحاب بعضه إلى بعض سطع منه نار فيصيب الله به من يشاء وهي الصاعقة التي ذكر الله- في الرعد فَالتَّالِياتِ ذِكْراً- ٣- يعني به الملائكة وهو جبريل وحده- ﵇ يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو، الملقيات ذكرا، يلقي الذكر على الأنبياء، وذلك أن كفار مكة قالوا يجعل محمد- ﷺ الآلهة إلها واحدا فأقسم الله بهؤلاء الملائكة إِنَّ إِلهَكُمْ يعني أن ربكم لَواحِدٌ- ٤- ليس له شريك، ثم عظم نفسه عن شركهم فقال- : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يقول أنا رب ما بينهما من شيء من الآلهة وغيرها وَأنا رَبُّ الْمَشارِقِ- ٥- «يعني» «١» مائة وسبعة وسبعين مشرقا في السنة كلها، والمغارب مثل ذلك، «٢» ثم قال: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا لأنها أدنى السماء من الأرض وأقربها
стр. 1362
بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ- ٦- وهي معلقة في السماء بهيئة القناديل وَحِفْظاً يعنى «زينة» «١» السماء بالكواكب مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ- ٧- متمرد على الله- في المعصية لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة وكانوا قبل النبي- ﷺ يسمعون كلام الملائكة وَيُقْذَفُونَ ويرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ- ٨- من كل ناحية دُحُوراً يعني طردا بالشهب من الكواكب، ثم ترجع الكواكب إلى أمكنتها وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ- ٩- يعني دائم للشياطين من يستمع منهم، ومن لم يستمع عذاب دائم في الآخرة والكواكب تجرح ولا تقتل، نظيرها في تبارك «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ» «٢» إِلَّا مَنْ خَطِفَ من الشياطين الْخَطْفَةَ يخطف من الملائكة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ- ١٠- من الملائكة الكواكب، «يعني بالشهاب الثاقب» «٣» «نارا» «٤» مضيئة. كقول موسى: « ... (أَوْ آتِيكُمْ «٥» ) بِشِهابٍ قَبَسٍ «٦» ... » يعنى «بنار «٧» » مضيئة، فيها تقديم «٨» قال- جل وعز-: فَاسْتَفْتِهِمْ يقول سلهم: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً نزلت
стр. 1363
في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن «خلف» «١» «الجمحي» «٢» . وإنما كنى [١١٠ أ] أبا الأشدين لشدة بطشه وفي «ركانة» «٣» بن عبد يزيد بن هشام ابن عبد مناف يقول سل هؤلاء أهم أشد خلقا بعد موتهم لأنهم كفروا بالبعث أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني خلق السموات والأرض وما بينهما والمشارق، لأنهم يعلمون أن الله- جل وعز- خلق هذه الأشياء، ثم أخبر عن خلق الإنسان فقال- جل وعز-: إِنَّا خَلَقْناهُمْ يعني آدم مِنْ طِينٍ لازِبٍ- ١١- يعني لازب بعضه في البعض فهذا أهون خلقا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض وما بينهما والمشارق، ونزلت في أبى الأشدين أيضا «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً» بعثا بعد الموت «أَمِ السَّماءُ بَناها» «٤» ثم قال- جل وعز-:
بَلْ عَجِبْتَ يا محمد من القرآن حين أوحي إليك نظيرها في الرعد «وَإِنْ تَعْجَبْ» من القرآن: «فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ «٥» ... » فاعجب من قولهم بتكذيبهم بالبعث، ثم قال- جل وعز- وَيَسْخَرُونَ- ١٢- يعني كفار مكة سخروا من النبي- ﷺ حين سمعوا منه القرآن، ثم قال: وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ- ١٣- وإذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون وَإِذا رَأَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر بمكة فصار نصفين يَسْتَسْخِرُونَ- ١٤- سخروا فقالوا هذا عمل السحرة، فذلك قوله
стр. 1364
- : «وَقالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» «١» - ١٥- نظيرها فى «اقتربت الساعة» «٢» « ... وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» «٣» أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا «تُراباً» «٤» وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ- ١٦- بعد الموت أَوَيبعث آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ- ١٧- قالوا ذلك تعجبا، يَقُولُ اللَّه- لنبيه- ﷺ : قُلْ لكفار مكة: نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ- ١٨- وأنتم صاغرون، ثم أخبر عنهم- : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ صيحة واحدة من إسرافيل لا مثنوية لها فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ- ١٩- إلى البعث الذي كذبوا به فلما نظروا وعاينوا البعث ذكروا قول الرسل إن البعث حق «وَقالُوا» «٥» يَا وَيْلَنا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ- ٢٠- يوم الحساب الذي أخبرنا به النبي- ﷺ فردت عليهم الحفظة من الملائكة هذا يَوْمُ الْفَصْلِ «٦» يوم القضاء الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ- ٢١- بأنه كائن احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا الذين أشركوا من بني آدم وَأَزْواجَهُمْ قرناءهم من الشياطين الذين أظلوهم وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة وَما كانُوا يَعْبُدُونَ- ٢٢- مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني إبليس وجنده نزلت في كفار قريش نظيرها فى يس «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ... » الآية « ... أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ... » «٧» يعنى إبليس وحده فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ يعنى ادعوهم
стр. 1365
إلى طريق الْجَحِيمِ- ٢٣-[١١٠ ب] ، والجحيم ما عظم الله- من النار «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» «١» - ٢٤- فلما سيقوا إلى النار حبسوا فسألهم خزنة جهنم ألم تأتكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين يقول الخازن: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ- ٢٥- نظيرها في الشعراء « ... هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ «٢» ... » يقول الكفار ما لشركائكم الشياطين لا يمنعونكم من العذاب يقول اللَّه- لمحمد- ﷺ : بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ- ٢٦- للعذاب وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ- ٢٧- يتكلمون «قالُوا» «٣» : قال قائل من الكفار لشركائهم الشياطين: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ- ٢٨- يعنون من قبل الحق، نظيرها في الحاقة «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» «٤» بالحق وقالوا للشياطين أنتم زينتم لنا ما نحن عليه فقلتم إن هذا الذي نحن عليه هو الحق قالُوا قالت لهم الشياطين: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ- ٢٩- مصدقين بتوحيد الله- وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ من ملك فنكرهكم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ- ٣٠- عاصين، ثم قالت الشياطين: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا يوم قال لإبليس: « ... لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ... » «٥» الآية إِنَّا لَذائِقُونَ- ٣١- فَأَغْوَيْناكُمْ يعني أضللناكم عن الهدى «إِنَّا كُنَّا غاوِينَ» «٦» - ٣٢- ضالين يقول الله- : فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 1366
للكفار والشياطين فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ- ٣٣- «إِنَّا كَذلِكَ» «١» نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ- ٣٤- ثم أخبر عنهم فقال- جل وعز-: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ- ٣٥- يتكبرون عن الهدى نزلت في الملأ من قريش الذين مشوا إلى أبي طالب، فقال لهم النبي- ﷺ : قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم العجم بها، «وَيَقُولُونَ» «٢» أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ- ٣٦- فقال- جل وعز-: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ يعني محمدا- ﷺ : جاء بالتوحيد وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ- ٣٧- قبله إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ- ٣٨- يعني الوجيع وَما تُجْزَوْنَ في الآخرة إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٣٩- في الدنيا من الشرك، جزاء الشرك النار، ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ- ٤٠- بالتوحيد لا يذوقون العذاب، فأخبر ما أعد لهم فقال- جل وعز-: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ- ٤١- يعني بالمعلوم حين يشتهونه يؤتون به، ثم بين الرزق فقال- ﵎: فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ- ٤٢- فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ- ٤٣- عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ- ٤٤- «في الزيارة» «٣» يُطافُ عَلَيْهِمْ يعني يتقلب عليهم بأيدي الغلمان الخدم بِكَأْسٍ يعني الخمر مِنْ مَعِينٍ- ٤٥-[١١١ أ] يعنى الجاري بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ- ٤٦- لا فِيها غَوْلٌ لا غائلة عليها يرجع منها الرأس كفعل خمر الدنيا وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ- ٤٧- يعنى يسكرون فتنزف عقولهم كخمر الدنيا
стр. 1367
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حافظات النظر من الرجال غير أزواجهن لا يرون غيرهم من العشق، ثم قال- جل وعز-: عِينٌ- ٤٨- يعنى حسان الأعين ثم شبهن «١» ببياض البيض الذي الصفرة في جوفه، فقال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ- ٤٩- «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» «٢» يَتَساءَلُونَ- ٥٠- أي أهل الجنة حين يتكلمون، يكلم بعضهم بعضا يقول: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ- ٥١- وذلك أن أخوين من بني إسرائيل اسم أحدهما فطرس والآخر سلخا ورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فأما أحدهما فأنفق ماله في طاعة الله- ، والمشرك الآخر أنفق ماله في معصية الله- ومعيشة الدنيا، وهما اللذان «٣» ذكرهما «٤» الله- فى سورة الكهف «٥» .
стр. 1368
فلما صارا إلى الآخرة أدخل المؤمن الجنة، وأدخل المشرك النار، فلما أدخل الجنة المؤمن ذكر أخاه، فقال لإخوانه من أهل الجنة: «إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ» يعنى «صاحب» «١» يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ- ٥٢- بالبعث أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ- ٥٣- يعنى «المحاسبين» «٢» في أعمالنا ثم قالَ المؤمن لإخوانه في الجنة: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ- ٥٤- إلى النار فتنظرون منزلة أخي فردوا عليه أنت أعرف به منا، فاطلع أنت، ولأهل الجنة في منازلهم كوى فإذا شاءوا نظروا إلى أهل النار فَاطَّلَعَ المؤمن فَرَآهُ فرأى أخاه فِي سَواءِ يعني في وسط الْجَحِيمِ- ٥٥- أسود الوجه أزرق العينين مقرونا مع شيطانه في سلسلة قالَ المؤمن: «تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ» «٣» - ٥٦- لتغوين فأنزل منزلتك فى النار وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي يقول لولا ما انعم الله علي بالإسلام لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ- ٥٧- النار، ثم انقطع الكلام، ثم أقبل المؤمن على أصحابه فقال: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ- ٥٨- عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى التي كانت في الدنيا «٤» «وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» «٥» - ٥٩- فقيل له «إنك لا تموت فيها» «٦» فقال عند ذلك: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٦٠- ثم انقطع كلام المؤمن، يقول الله- :
لِمِثْلِ هَذَا النعيم الذي ذكر قبل هذه الآية في قوله: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ
стр. 1369
معلوم «١» » فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ- ٦١- فليسارع المسارعين يقول الله- : أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا للمؤمنين أَمْ نزل الكافر شَجَرَةُ الزَّقُّومِ- ٦٢- وهي النار للذين استكبروا عن لا إله إلا الله حين أمرهم [١١١ ب] النبي- ﷺ بها، ثم قال- جل وعز-: إِنَّا جَعَلْناها يعني الزقوم فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ- ٦٣- يعنى لمشركي مكة منهم عبد الله ابن الزبعري، وأبو جهل بن هشام، والملأ من قريش الذين مشوا إلى أبي طالب، وذلك أن ابن الزبعري قال: إن الزقوم بكلام اليمن التمر والزبد. فقال أبو جهل: يا جارية، ابغنا تمرا وزبدا، ثم قال لأصحابه: تزقموا من هذا الذي يخوفنا به محمد. يزعم أن النار تنبت الشجر والنار تحرق الشجر، فكان الزقوم فتنة لهم، فأخبر الله- أنها لا تشبه النخل، ولا طلعها كطلع النخل، فقال- ﵎: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ تنبت فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ- ٦٤- طَلْعُها تمرها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ- ٦٥- فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها من ثمرتها فَمالِؤُنَ مِنْهَا من ثمرها الْبُطُونَ- ٦٦- ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً يعني لمزاجا مِنْ حَمِيمٍ- ٦٧- يشربون على إثر الزقوم الحميم الحار الذي قد انتهى حره ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ بعد الزقوم وشرب الحميم لَإِلَى الْجَحِيمِ- ٦٨- وذلك قوله- : «يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ «٢» » إِنَّهُمْ أَلْفَوْا وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ- ٦٩- عن الهدى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ- ٧٠- يقول «يسعون «٣» » في مثل أعمال آبائهم وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل أهل مكة
стр. 1370
أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ- ٧١- من الأمم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ- ٧٢- رسلا ينذرونهم العذاب فكذبوا الرسل فعذبهم الله- في الدنيا، فذلك قوله- : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ- ٧٣- يحذر كفار مكة لئلا يكذبوا محمدا- ﷺ فينزل بهم العذاب في الدنيا، ثم استثنى فقال- جل وعز-: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
- ٧٤- الموحدين فإنهم نجوا من العذاب بالتوحيد وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فى «اقتربت «١» ... » :
« ... أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «٢» » وفي الأنبياء «٣» .
فأنجاه ربه فغرقهم بالماء، فذلك قوله- : فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ- ٧٥- يعني الرب نفسه- تعالى- وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ- ٧٦- الهول الشديد وهو الغرق وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ ولد نوح هُمُ الْباقِينَ- ٧٧- وذلك أن أهل السفينة ماتوا ولم يكن لهم نسل غير ولد نوح وكان الناس من ولد نوح، فلذلك قال «هُمُ الْباقِينَ» فقال النبي- ﷺ سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ- ٧٨- يقول ألقينا على نوح بعد موته ثناء حسناء، يقال له من بعده في الآخرين خير، فذلك قوله- : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ- ٧٩- يعنى بالسلام الثناء الحسن الذي ترك عليه من بعده فى الناس.