← Тафсир

Тафсир · id 23614

تفسير مقاتل بن سليمان

مقاتل

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

سورة غافر «١» سورة المؤمن مكية عددها خمس وثمانون آية كوفى «٢» .

стр. 1437

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ يقول قضي تنزيل الكتاب من الله الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ- ٢- بخلقه غافِرِ الذَّنْبِ يعني من الشرك «وَقابِلِ التَّوْبِ» «١» شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لم يوجده ذِي الطَّوْلِ يعني ذي الغنى عمن لا يوحده، ثم وحد نفسه- ﷻ فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ- ٣- يعني مصير العباد إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم، قوله: مَا يُجادِلُ يعني يماري فِي آياتِ اللَّهِ يعنى آيات القرآن إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الحارث بن قيس السهمي فَلا يَغْرُرْكَ يا محمد تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ- ٤- يعني كفار مكة يقول لا يغررك ما هم فيه من الخير والسعة من الرزق فإنه متاع قليل ممتعون به إلى آجالهم في الدنيا، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا فلا يكذبوا محمدا- ﷺ فقال: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ» «٢» قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ رسولهم نوحا- ﵇ وَكذبت الْأَحْزابُ يعني الأمم الخالية رسلهم مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد قوم نوح وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ يعني ليقتلوه «وَجادَلُوا» «٣» يعني وخاصموا رسلهم بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يعني ليبطلوا به الحق الذي جاءت به الرسل وجدالهم أنهم

стр. 1438

قالوا لرسلهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما نحن إلا بشر مثلكم ألا أرسل الله ملائكة فهذا جدالهم كما قالوا للنبي- ﷺ فَأَخَذْتُهُمْ بالعذاب فَكَيْفَ كانَ عِقابِ- ٥- يعنى عقابي أليس وجدوه حقا وَكَذلِكَ يعنى وهكذا عذبتهم، «وكذلك» حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول وجبت كلمة العذاب من ربك عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ- ٦- حين قال لإبليس: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» «١» . قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ فيها إضمار وهم أول من خلق الله- تعالى- من الملائكة وذلك أن الله- ﵎ قال فى سورة «حم عسق» «٢» « ... وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ... » «٣» «فاختص» «٤» في «حم» المؤمن، من الملائكة حملة العرش وَمَنْ حَوْلَهُ، يقول «ومن» «٥» حول العرش من الملائكة «واختص استغفار الملائكة بالمؤمنين» «٦» من أهل الأرض فقال: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ» يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقول يذكرون الله بأمره وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويصدقون بالله- بأنه واحد لا شريك له وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا حين قالوا: « ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ... » «٧» وقالت الملائكة: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ يعنى ملأت كل

стр. 1439

شيء من الحيوان في السموات والأرض رَحْمَةً يعني نعمة يتقلبون فيها وَعِلْماً يقول علم من فيهما من الخلق وقالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ يعني دينك وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ- ٧- رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ على ألسنة الرسل وَأدخل معهم الجنة مَنْ صَلَحَ يعني من وحد الله «من» «١» الذين آمنوا مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ من الشرك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٨- ثم قال: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يعني الشرك وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ فى الدنيا «يَوْمَئِذٍ» «٢» فَقَدْ رَحِمْتَهُ «يومئذ» : في الآخرة وَذلِكَ الذي ذكر من الثواب هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٩-. قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ- ١٠- وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة ودخلوها مقتوا أنفسهم فقالت لهم الملائكة، وهم خزنة جهنم يومئذ، لمقت الله إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى الإيمان يعني التوحيد فكفرتم أكبر من مقتكم أنفسكم. قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ يعني كانوا نطفا فخلقهم فهذه موتة وحياة، وأماتهم عند آجالهم، ثم بعثهم في الآخرة فهذه موتة وحياة أخرى، فهاتان «موتتان» «٣» وحياتان فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا بأن البعث حق

стр. 1440

فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ- ١١- قالوا فهل لنا كرة إلى الدنيا مثلها في «حم عسق» «١» قوله: ذلِكُمْ المقت في التقديم إنما كان بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ يعني إذا ذكر الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ به يعنى بالتوحيد وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا يعني وإن يعدل به تصدقوا، ثم قال: فَالْحُكْمُ يعني القضاء لِلَّهِ الْعَلِيِّ يعني الرفيع فوق خلقه الْكَبِيرِ- ١٢- يعني العظيم فلا شيء أعظم منه، قوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والليل والنهار والفلك في البحر والنبت والثمار عاما بعام وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني المطر وَما يَتَذَكَّرُ في هذا الصنع فيوحد الرب- تعالى- إِلَّا مَنْ يُنِيبُ- ١٣- إلا من يرجع، ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال- : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [١٢٨ أ] يعني موحدين لَهُ الدِّينَ يعني التوحيد وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ- ١٤- من أهل مكة، ثم عظم نفسه عن شركهم فقال- : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يقول أنا فوق السموات لأنها ارتفعت من الأرض سبع سموات ذُو الْعَرْشِ يعني هو عليه يعني على العرش «٢» يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ يقول ينزل الوحي من السماء بإذنه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من الأنبياء لِيُنْذِرَ النبيون بما في القرآن من الوعيد يَوْمَ التَّلاقِ- ١٥- يعني يوم يلتقي الخالق والخلائق، ثم ذكر ذلك اليوم فقال:

стр. 1441

يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ من قبورهم على ظهر الأرض مثل الأديم الممدود لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يقول لا يستتر عن الله- منهم أحد، فيقول الرب تبارك- وتعالى- لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يعنى يوم القيامة حين قبض على السموات والأرض في يده اليمنى فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه لِلَّهِ الْواحِدِ لا شريك له الْقَهَّارِ- ١٦- لخلقه حين أحياهم الْيَوْمَ في الآخرة تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر بِما كَسَبَتْ من خير أو شر لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ١٧- يفرغ الله- تعالى- من حسابهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، قوله- تعالى-: وَأَنْذِرْهُمْ يعني النبي- ﷺ أنذر أهل مكة يَوْمَ الْآزِفَةِ يعني اقتراب الساعة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ وذلك أن الكفار إذا عاينوا النار في الآخرة شخصت أبصارهم إليها فلا يطرفون وأخذتهم رعدة شديدة من الخوف فشهقوا شهقة فزالت قلوبهم من أماكنها فنشبت في حلوقهم فلا تخرج من أفواههم ولا ترجع إلى أماكنها أبدا، فذلك قوله تعالى: «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى» يعنى عند «الْحَنَاجِرِ» كاظِمِينَ يعني مكروبين مَا لِلظَّالِمِينَ يعني المشركين مِنْ حَمِيمٍ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ- ١٨- فيهم يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني الغمزة فيما لا يحل بعينه والنظرة فى المعصية وَما تُخْفِي الصُّدُورُ- ١٩- يعني وما تسر القلوب من الشر وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ يعني يحكم بالعدل وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ من الآلهة لا يَقْضُونَ يعني لا يحكمون بِشَيْءٍ يعني والذين يعبدون من دونه لا يقضون بشيء، يعني آلهة كفار مكة إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- ٢٠- ثم خوفهم بمثل عذاب

стр. 1442

الأمم الخالية ليحذروا فيوحدوا الرب- ﵎ فقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية عاد، وثمود، وقوم لوط، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ [١٢٨ ب] يعني من كفار مكة قُوَّةً يعني بطشا وَآثاراً فِي الْأَرْضِ يعني أعمالا وملكوا في الأرض فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ فعذبهم وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ- ٢١- يقي العذاب عنهم يقول ذلِكَ العذاب إنما نزل بهم بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان فَكَفَرُوا بالتوحيد فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بالعذاب إِنَّهُ قَوِيٌّ في أمره شَدِيدُ الْعِقابِ- ٢٢- إذا عاقب يعني عقوبة الأمم الخالية، قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني اليد والعصا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ- ٢٣- يعني وحجة بينة إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فلما رأوا اليد والعصا قالوا ليستا من الله بل موسى ساحر، في اليد حين أخرجها بيضاء، والعصا حين صارت حية «فَقالُوا ساحِرٌ» «١» كَذَّابٌ- ٢٤- حين زعم أنه رسول رب العالمين فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا يعني اليد والعصا آمنت به بنو إسرائيل ف قالُوا أي قال فرعون وحده لقومه للملأ يعني الأشراف: اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يعني مع موسى وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ يقول اقتلوا أبناءهم ودعوا البنات، فلما هموا بذلك حبسهم الله عنهم حين أقطعهم «٢»

стр. 1443

البحر، يقول الله- وَما كَيْدُ «الْكافِرِينَ» «١» إِلَّا فِي ضَلالٍ- ٢٥- يعني خسار يقول «وَمَا كَيْدُ» فرعون الذي أراد ببني إسرائيل من قتل الأبناء واستحياء النساء «إِلَّا فِي ضَلالٍ» يعني خسار. وَقالَ فِرْعَوْنُ لقومه القبط ذَرُونِي أَقْتُلْ يقول خلوا عني أقتل مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ فليمنعه ربه من القتل إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ يعني عبادتكم إياي أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر الْفَسادَ- ٢٦- يعني بالفساد أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم كما فعلتم بقومه يفعله بكم، فلما قال فرعون لقومه: «ذروني أقتل موسى» استعاذ موسى: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ يعني متعظم عن الإيمان يعني التوحيد لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ- ٢٧- يعني فرعون لا يصدق بيوم يدان بين العباد وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعني قبطي مثل فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ مائة سنة حتى سمع قول فرعون في قتل موسى- ﵇ فقال المؤمن: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اليد والعصا وَإِنْ يَكُ موسى كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله وكذبتموه يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى دينه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ- ٢٨- يعنى مشرك «مفتن» «٢» [١٢٩ ا] وقال المؤمن: يَا قَوْمِ لأنه قبطي مثلهم لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يعنى أرض مصر على

стр. 1444

أهلها فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يقول فمن يمنعنا من عذاب الله- إِنْ جاءَنا لما سمع فرعون قول المؤمن قالَ عدو الله فِرْعَوْنُ عند ذلك لقومه: مَا أُرِيكُمْ من الهدى إِلَّا مَا أَرى لنفسي وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ- ٢٩- يقول وما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى، بل يدلهم على سبيل الغي «١» وَقالَ الَّذِي آمَنَ يعني صدق بتوحيد اللَّه- يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى تكذيب موسى مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ- ٣٠- يعني مثل أيام عذاب الأمم الخالية الذين كذبوا رسلهم مِثْلَ دَأْبِ يعني مثل أشباه قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ- ٣١- فيعذب على غير ذنب، ثم حذرهم المؤمن عذاب الآخرة، فقال: وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ- ٣٢- يعني يوم ينادي أهل الجنة أهل النَّارِ « ... أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ... » «٢» وينادي أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ « ... أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... » «٣» . ثم أخبر المؤمن عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ يعني بعد الحساب إلى النار ذاهبين، كقوله: «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» «٤» يعني ذاهبين إلى عيدهم مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني من مانع يمنعكم من الله- عز

стр. 1445

وجل- وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَما لَهُ مِنْ هادٍ- ٣٣- يعني من أحد يهديه إلى دين الله- ، ثم وعظهم ليتفكروا فقال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ولم يكن رآه المؤمن قط، «من قبل» موسى «بالبينات» يعنى بينات تعبير رؤيا الملك البقرات السبع بالسنين «١» . فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ يعني مما أخبركم من تصديق الرؤيا حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني مات قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يعني هكذا يُضِلُّ اللَّهُ عن الهدى إضمار مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ يعني من هو مشرك مُرْتابٌ- ٣٤- يعني شاك في الله- ، لا يوحد الله- تعالى-، قوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ يعني بغير حجة أَتاهُمْ من الله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في المستهزئين من قريش يقول: كَذلِكَ يعني هكذا يَطْبَعُ اللَّهُ يعني يختم الله- بالكفر عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ- ٣٥- يعني قتال يعني فرعون تكبر عن عبادة الله- ، يعني التوحيد كقوله « ... إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً ... » «٢» يعنى قتالا وَقالَ فِرْعَوْنُ [١٢٩ ب] : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً يعني قصرا مشيدا من آجر لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ- ٣٦- أَسْبابَ السَّماواتِ يعني أبواب السموات السبع يعني باب كل سماء إلى السابعة فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ثم قال

стр. 1446

فرعون لهامان: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني إني لأحسب موسى كاذِباً فيما يقول: إن في السماء إلها، وَكَذلِكَ يقول وهكذا زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ أن يطلع إلى إله موسى قال: «وَصُدَّ» «١» عَنِ السَّبِيلِ يقول وصد فرعون الناس حين قال لهم ما أريكم إلا ما أرى فصدهم عن الهدى وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ- ٣٧- يقول وما قول فرعون إنه يطلع إلى إله موسى إلا فى خسار، ثم نصح المؤمن لقومه: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ- ٣٨- يعني طريق الهدى يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ قليل وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ- ٣٩- يقول تمتعون في الدنيا قليلا، ثم «استقرت» «٢» الدار الآخرة بأهل الجنة وأهل النار، يعني بالقرار لا زوال عنها، ثم أخبر بمستقر الفريقين جميعا «٣» ، فقال- تعالى-: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً يعنى الشرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها فجزاء الشرك النار «وهما» «٤» عظيمان كقوله: «جَزاءً وِفاقاً» «٥» وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ- ٤٠- يقول بلا تبعة في الجنة فيما يعطون فيها من الخير، ثم قال: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ من النار إضمار يعني التوحيد وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ- ٤١- يعنى إلى الشرك تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ

стр. 1447

بأن له شريكا وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ في نقمته من أهل الشرك الْغَفَّارِ- ٤٢- لذنوب أهل التوحيد، ثم زهدهم في عبادة الآلهة فقال: لا جَرَمَ يعني حقا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من عبادة الآلهة لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ مستجابة إضمار تنفعكم يقول ليس بشيء فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ يعني مرجعنا بعد الموت إلى الله في الآخرة وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ يعني المشركين هُمْ أَصْحابُ النَّارِ- ٤٣- يومئذ فردوا عليه نصيحته، فقال المؤمن: فَسَتَذْكُرُونَ إذا نزل بكم العذاب ما أَقُولُ لَكُمْ من النصيحة فأوعدوه، فقال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- ٤٤- واسمه «حزبيل بن برحيال» «١» . فهرب المؤمن إلى الجبل فطلبه رجلان فلم «يقدرا» «٢» عليه، فذلك قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا يعني ما أرادوا به من الشر وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ- ٤٥- يقول ووجب [١٣٠ ا] بآل القبط وكان فرعون قبطيا مثلهم، شدة العذاب: يعني الغرق، قوله- تعالى-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها وذلك أن أرواح آل فرعون، وروح كل كافر تعرض على «منازلها» «٣» كل يوم مرتين غُدُوًّا وَعَشِيًّا ما دامت الدنيا، ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعنى القيامة «يقال» «٤» أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ- ٤٦- يعني أشد عذاب المشركين، ثم أخبر عن خصومتهم فى النار، فقال:

стр. 1448

وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ يعني يتخاصمون «فَيَقُولُ» «١» الضُّعَفاءُ وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن الإيمان وهم القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في دينكم فَهَلْ أَنْتُمْ يا معشر القادة مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ- ٤٧- باتباعنا إياكم قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة للضعفاء: إِنَّا كُلٌّ فِيها نحن وأنتم إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ يعني قضى بَيْنَ الْعِبادِ- ٤٨- قد أنزلنا منازلنا في النار «وأنزلكم منازلكم فيها» «٢» «وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ» » فلما ذاق أهل النار شدة العذاب قالوا: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا «رَبَّكُمْ» «٤» يعني سلوا لنا ربكم يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً من أيام الدنيا إضمار مِنَ الْعَذابِ- ٤٩- فردت عليهم الخزنة ف قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ يعني رسل منكم بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان قالُوا بَلى قد جاءتنا الرسل «قالُوا» «٥» قالت لهم الخزنة: فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ- ٥٠- إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني بالنصر في الدنيا الحجة التي معهم إلى العباد وَنصرهم فى الآخرة يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ- ٥١- يعني الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ ويشهدون على الكفار بتكذيبهم والنصر للذين آمنوا: أن الله

стр. 1449

- ﵎ أنجاهم مع الرسل من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ يعنى المشركين مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ يعنى العذاب وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ- ٥٢- الضلالة نار جهنم وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى يعني أعطيناه الْهُدى يعني التوراة هدى من الضلالة وَأَوْرَثْنا من بعد موسى بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ- ٥٣- هُدىً من الضلالة وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ- ٥٤- يعني تفكرا لأهل اللب والعقل، قوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وذلك أن الله- ﵎ وعد النبي- ﷺ فى آيتين من القرآن أن يعذب كفار مكة في الدنيا فقالوا للنبي- ﷺ متى يكون هذا الذي «تعدنا» «١» ؟ يقولون ذلك استهزاء وتكذيبا بأنه غير كائن، فأنزل الله [١٣٠ ب] يعزي نبيه- ﷺ ليصبر عَلَى تكذيبهم إياه بالعذاب، فَقَالَ: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» في العذاب أنه نازل بهم القتل ببدر، وضرب الملائكة الوجوه والأدبار، وتعجيل أرواحهم إلى النار، فهذا العذاب وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ- ٥٥- يعني وصل بأمر ربك بالغداة يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ وذلك أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان يعنون الدجال ماء البحر إلى ركبته والسحاب فوق رأسه فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ» يعني يمارون في آيات الله لأن الدجال آية من آيات الله- «بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ» يعني بغير حجة «أتتهم» «٢» من الله، إضمار بأن

стр. 1450

الدجال كما يقولون، يقول الله- : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ يقول ما في قلوبهم إلا عظمة مَا هُمْ بِبالِغِيهِ إلى ذلك الكبر لقولهم إن الدجال يملك الأرض فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يا محمد من فتنة الدجال إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم يعني اليهود الْبَصِيرُ- ٥٦- به، ثم قال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ يعني بالناس في هذا الموضع الدجال وحده يقول «خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس» يقول هما أعظم خلقا من خلق الدجال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٥٧- يعنى اليهود. «١» ثم ضرب مثل المؤمن ومثل الكافر، فقال- تعالى-: وَما يَسْتَوِي في الفضل الْأَعْمى يعني الكافر وَالْبَصِيرُ يعني المؤمن وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني وما يستوي في الفضل المؤمن المحسن ولا الكافر المسيء قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ- ٥٨-، قوله: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها يعني كائنة لا شك فيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ- ٥٩- يعني كفار مكة أكثرهم لا يصدقون بالبعث وَقالَ رَبُّكُمُ لأهل اليمن: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، ثم ذكر كفار مكة فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي يعنى عن التوحيد سَيَدْخُلُونَ في الآخرة جَهَنَّمَ داخِرِينَ- ٦٠- يعني صاغرين، ثم ذكر النعم فقال- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً لابتغاء الرزق فهذا فضله، فذلك قوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني كفار مكة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ- ٦١-

стр. 1451

ربهم فى نعمه فيوحدونه، ثم دلهم على نفسه [١٣١ أ]- تعالى- بصنعه ليوحد فقال: ذلِكُمُ اللَّهُ الذي جعل الليل والنهار هو رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ثم وحد نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ- ٦٢- يقول من أين تكذبون بأنه ليس بواحد لا شريك له؟ كَذلِكَ يُؤْفَكُ يعني هكذا يكذب بالتوحيد الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني آيات القرآن يَجْحَدُونَ- ٦٣- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ في الأرحام يعني خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على خلقة الدواب والطير وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني من غير رزق الدواب والطير، ثم دل على نفسه فقال: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ الذي خلق الأرض والسماء وأحسن الخلق ورزق الطيبات فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ - ٦٤- هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثم أمره بتوحيده فقال- تعالى-: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ يعني موحدين لَهُ الدِّينَ يعني له التوحيد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٥- قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن كفار مكة من قريش قالوا للنبي- ﷺ : ما يحملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى مَلَّة أبيك عبد الله، وجدك عبد المطلب، وإلى سادة قومك يعبدون اللات والعزى ومناة فتأخذ به فما يحملك عَلَى ذَلِكَ إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا، فأمروه بترك عبادة الله- تعالى- فأنزل الله «قل» يا محمد لكفار مكة «إنى نهبت أن أعبد الَّذِينَ تَدْعُونَ» يعني تعبدون «مِنْ دُونِ اللَّهِ» من الآلهة لَمَّا جاءَنِي يعني حين جاءني الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ يعني أخلص التوحيد لِرَبِّ الْعالَمِينَ- ٦٦- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ وذلك أن كفار مكة كذبوا بالبعث

стр. 1452

فأخبرهم الله عن بدء خلقهم ليعتبروا في البعث فقال- تعالى-: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ» يعني آدم- ﵇ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يعنى ذريته ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يعني مثل الدم ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ يعني «ثماني عشرة سنة» «١» فهو في الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الأربعين سنة ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً يعني لكي تكونوا شيوخا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أن يكون شيخا وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى يعني الشيخ والشاب جميعا وَلَعَلَّكُمْ يعني ولكي تَعْقِلُونَ- ٦٧- يقول لكي تعقلوا «آثار» «٢» ربكم في خلقكم بأنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم، ثم قال: هُوَ الله الَّذِي يُحْيِي الموتى وَيُمِيتُ الأحياء فَإِذا قَضى أَمْراً [١٣١ ب] كان في علمه يعني البعث فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- ٦٨- مرة واحدة لا يثني قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعنى آيات القرآن أنه ليس من الله- أَنَّى يُصْرَفُونَ- ٦٩- يقول من أين يعدلون عنه إلى غيره يعنى كفار مكة، ثم أخبر عنهم فقال- تعالى-: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ يعنى بالقرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يعني محمدا- ﷺ أرسل بالتوحيد، فأوعدهم في الآخرة. فقال: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٧٠- هذا وعيد، ثم أخبر عن الوعيد. فقال: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ- ٧١- على الوجوه فِي الْحَمِيمِ يعني حر النار ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ- ٧٢- يعني يوقدون فصاروا وقودها. ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ قبل دخول النار يعنى تقول

стр. 1453

لهم الخزنة: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ- ٧٣- يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ فهل يمنعونكم من النار يعنى الآلهة. وقالُوا ضَلُّوا عَنَّا ضلت عنا الآلهة بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً يعني لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا إن الذي كنا نعبد كان باطلا لم يكن شيئا كَذلِكَ يعني هكذا يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ- ٧٤- ذلِكُمْ السلاسل والأغلال والسحب بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ يعني تبطرون من الخيلاء والكبرياء بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ- ٧٥- يعني تعصون في الأرض «ادْخُلُوا» «١» أَبْوابَ جَهَنَّمَ السبع خالِدِينَ فِيها لا تموتون فَبِئْسَ مَثْوَى يعنى فبئس مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ- ٧٦- عن الإيمان فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وذلك أن النبي- ﷺ أخبر كفار مكة أن العذاب نازل بهم فكذبوه فأنزل الله- يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب فقال: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» في العذاب أنه نازل بهم ببدر «فَإِمَّا» «٢» نُرِيَنَّكَ فى حياتك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في الدنيا القتل ببدر وسائر العذاب بعد الموت نازل بهم، ثم قال: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يا محمد قبل عذابهم في الدنيا فَإِلَيْنا في الآخرة يُرْجَعُونَ- ٧٧- يعني يردون فنجزيهم بأعمالهم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ذكرهم وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ وذلك أن كفار مكة سألوا النبي- ﷺ أن يأتيهم بآية يقول الله- تعالى- «وما كان

стр. 1454

لرسول» يعني «وما ينبغي» «١» لرسول «أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ» إلى قومه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا بأمر الله [١٣٢ أ] فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بالعذاب يعني القتل ببدر فيها تقديم قُضِيَ العذاب بِالْحَقِّ يعني لم يظلموا حين عفوا وَخَسِرَ هُنالِكَ يعني عند ذلك الْمُبْطِلُونَ- ٧٨- يعني المكذبين بالعذاب في الدنيا بأنه غير كائن، ثم ذكرهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال- سبحانه-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ يعني الإبل والبقر «لِتَرْكَبُوا مِنْها» «٢» وَمِنْها تَأْكُلُونَ- ٧٩- يعنى الغنم وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ في ظهورها، وألبانها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يعني في قلوبكم وَعَلَيْها يعني الإبل والبقر وَعَلَى الْفُلْكِ يعني السفن تُحْمَلُونَ- ٨٠- ثم قال: يُرِيكُمْ آياتِهِ فهذا الذي ذكر من الفلك والأنعام من آياته فاعرفوا توحيده بصنعه وإن لم تروه، ثم قال: َيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ - ٨١- أنه ليس من الله- ، ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا، فيوحدوه، فقال- تعالى-: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني قبل أهل مكة من الأمم الخالية يعني عادا وثمود وقوم لوط كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ من أهل مكة عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً يعني بطشا وَآثاراً فِي الْأَرْضِ يعني أعمالا وملكا في الأرض فكان عاقبتهم العذاب فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ- ٨٢- في الدنيا حين نزل بهم العذاب يقول ما دفع عنهم العذاب أعمالهم الخبيثة فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بخبر العذاب أنه نازل بهم فَرِحُوا

стр. 1455

في الدنيا يعني رضوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فقالوا لن نعذب وَحاقَ بِهِمْ يعني وجب العذاب لهم ب ما كانُوا بِهِ بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٨٣- أنه غير كائن يقول- تعالى-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا يعني عذابنا في الدنيا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ لا شريك له وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ- ٨٤- يقول الله- : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا يعني عذابنا في الدنيا يقول لم يك ينفعهم تصديقهم بالتوحيد حين رأوا عذابنا سُنَّتَ اللَّهِ «الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ» «١» : بالعذاب في الذين خلوا من قبل يعني في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب لم ينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس فإنه رفع عنهم العذاب وَخَسِرَ هُنالِكَ يقول غبن عند ذلك الْكافِرُونَ- ٨٥- بتوحيد الله- فاحذروا يا أهل مكة سنة الأمم الخالية فلا تكذبوا محمدا- ﷺ . [١٣٢ ب] قال مُقَاتِلُ: فرعون أول من طبخ الآجر وبنى به. وقال: قتل جعفر ذو الجناحين وابن رواحة وزيد بن حارثة بموته قتلهم غسان، وقتل خالد بن الوليد يوم فتح مكة من بني جذيمة سبعين رجلا. قال مُقَاتِلُ: عاد وثمود ابنا عم، وموسى وقارون ابنا عم، وإلياس واليسع ابنا عم، ويحيى وعيسى ابنا خالة.

стр. 1456

قال مُقَاتِلُ: أم عبد المطلب سلمى بنت زيد بن عدى «من بنى عدى ابن النجار» «١» وأم النبي- ﷺ آمنة بنت وهب «من بني عبد مناف ابن زهرة» «٢» .

стр. 1457

سورة فصّلت

стр. 1458

[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٥٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا مَا جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)

стр. 1459

سورة فصلت «١» سورة السجدة مكية عددها أربع خمسون آية كوفية «٢» .

стр. 1460

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم «١» - ١- تَنْزِيلٌ حم يعني ما حم في اللوح المحفوظ يعني ما قضي من الأمر مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ٢- اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر «الرَّحْمَنِ» يعني المسترحم على خلقه «والرَّحِيمِ» أرق من الرحمن «الرَّحِيمِ» اللطيف بهم، قوله: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ليفقهوه ولو كان غير عربي ما علموه، فذلك قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- ٣- ما فيه، ثم قال: القرآن: بَشِيراً بالجنة وَنَذِيراً من النار فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ يعني أكثر أهل مكة عن القرآن فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- ٤- الإيمان به وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ «مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» «٢» وذلك أن أبا جهل [١٣٣ ب] ابن هشام، وأبا سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، دخلوا على علي بن أبي طالب ورسول الله- ﷺ عنده فقال لهم رسول الله- ﷺ : قولوا: لا إله إلا الله. فشق ذلك عليهم «وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ» يقولون عليها الغطاء فلا تفقه ما «تقول» «٣» وَفِي آذانِنا وَقْرٌ يعني ثقل فلا تسمع ما تقول، ثم إن أبا جهل بن هشام

стр. 1461

جعل ثوبه بينه وبين النبي- ﷺ ثم قال: يا محمد أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ يعني ستر وهو الثوب الذي رفعه أبو جهل فَاعْمَلْ يا محمد لإلهك الذي أرسلك إِنَّنا عامِلُونَ- ٥- لآلهتنا التي «١» نعبدها، ثم قال- تعالى-: قُلْ يا محمد لكفار مكة: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لقولهم لرسول الله- ﷺ اعمل أنت لإلهك، ونحن لآلهتنا، ثم قال رسول الله- ﷺ : فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ بالتوحيد وَاسْتَغْفِرُوهُ من الشرك، ثم أوعدهم إن لم يتوبوا من الشرك فقال: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ- ٦- يعني كفار قريش الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني لا يعطون الصدقة ولا يطعمون الطعام وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال هُمْ كافِرُونَ- ٧- بها بأنها غير «كائنة» «٢» ، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالتوحيد وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ- ٨- يعنى غير منقوص فى الآخرة قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالتوحيد وَبِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم قال: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً يعني شركا ذلِكَ الذي خلق الأرض في يومين هو رَبُّ الْعالَمِينَ- ٩- يعني الناس أجمعين، ثم قال: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها يعني جعل الجبل من فوق الأرض أوتادا للأرض لئلا تزول بمن عليها وَبارَكَ فِيها يعنى فى الأرض والبركة: الزرع والثمار

стр. 1462

والنبات وغيره «١» ، ثم قال: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يقول وقسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم سَواءً لِلسَّائِلِينَ- ١٠- يعني عدلا لمن يسأل الرزق من السائلين ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ قبل ذلك فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً عبادتي ومعرفتي يعني أعطيا الطاعة طيعا أَوْ كَرْهاً وذلك أن الله- تعالى- حين خلقهما عرض عليهما الطاعة بالشهوات واللذات على الثواب والعقاب فأبين أن يحملها من المخافة، فقال لهما الرب ائتيا المعرفية لربكما والذكر له على غير ثواب ولا عقاب طوعا أو كرها قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ- ١١- يعنى [١٣٤ أ] أعطيناه طائعين فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يقول فخلق السموات السبع فِي يَوْمَيْنِ الأحد والاثنين وَأَوْحى يقول وأمر فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها الذي أراده قال وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا يقول لأنها أدنى السموات من الأرض بِمَصابِيحَ يعني الكواكب وَحِفْظاً بالكواكب يعني ما يرمي الشياطين بالشهاب لئلا «يستمعوا» «٢» إلى السماء، يقول: ذلِكَ الذي ذكر من صنعه في هذه الآية تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ- ١٢- بخلقه فَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإيمان يعني التوحيد فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً فى الدنيا مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ- ١٣- يقول مثل عذاب عاد وثمود وإنما خص عادا وثمود من بين الأمم لأن كفار مكة قد عاينوا هلاكهم باليمن والحجر. قال مُقَاتِلُ: كل من يموت من عذاب أو سقم أو قتل فهو مصعوق.

стр. 1463

ثم قال: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني من قبلهم ومن بعدهم، فقالوا لقومهم: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يقول وحدوا الله قالُوا للرسل لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فكانوا إلينا رسلا فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ يعني بالتوحيد كافِرُونَ- ١٤- لا نؤمن به فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا يعني فتكبروا عن الإيمان وعملوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فخوفهم هود العذاب وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً يعني بطشا قال كان الرجل منهم ينزع الصخرة من الجبل لشدته وكان طوله اثنا عشر ذراعا ويقال «ثمانية عشر ذراعا» «١» وكانوا باليمن فى حضر موت «٢» . أَوَلَمْ يَرَوْا يقول أو لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يعني بطشا وَكانُوا بِآياتِنا يعني بالعذاب يَجْحَدُونَ- ١٥- أنه لا ينزل بهم فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم، فذلك قوله- تعالى-: فَأَرْسَلْنا فأرسل الله عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعنى باردة فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ يعني شدادا وكانت ريح الدبور فأهلكتهم، فذلك قوله: لِنُذِيقَهُمْ يعني لكي نعذبهم عَذابَ الْخِزْيِ يعنى الهوان فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فهو الريح وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى يعني أشد وأكثر إهانة من الريح التي أهلكتهم فى الدنيا وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ- ١٦- يعني لا يسمعون من العذاب. قال عبد الله: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: الصرصر الريح الباردة التي لها صوت.

стр. 1464

ثم ذكر ثمود، فقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ يعني بينا لهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى يقول اختاروا الكفر على الإيمان فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ يعني صيحة جبريل- ﵇ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ١٧-[١٣٤ ب] يعني يعملون من الشرك، ثم قال: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالتوحيد من العذاب الذي نزل بكفارهم وَكانُوا يَتَّقُونَ- ١٨- الشرك، قوله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ- ١٩- نزلت في صفوان بن أمية الجمحي، وفي ربيعة، وعبد بالليل ابني عمرو الثقفيين «.........» إلى خمس آيات، ويقال «إن الثلاثة نفر» «١» صفوان بن أمية، وفرقد بن ثمامة، وأبو فاطمة «فَهُمْ يُوزَعُونَ» يعني يساقون إلى النار تسوقهم خزنة جهنم حَتَّى إِذا ما جاؤُها يعني النار وعاينوها قيل لهم أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون في الدنيا؟ قالوا عند ذلك « ... وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» «٢» فختم الله على أفواهم وأوحى إلى الجوارح فنطقت بما كتمت الألسن من الشرك، فذلك قوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ وأيديهم وأرجلهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٢٠- من الشرك فلما شهدت عليهم الجوارح، «وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ» «٣» : قالت الألسن للجوارح لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا يعني الجوارح قالوا أبعدكم الله إنما كنا نجاحش عنكم فلم شهدتم علينا بالشرك ولم تكونوا تتكلمون في الدنيا قالُوا قالت الجوارح للألسن: أَنْطَقَنَا اللَّهُ اليوم الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ

стр. 1465

من الدواب وغيرها وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني هو أنطقكم أول مرة من قبلها في الدنيا، قبل أن ننطق نحن اليوم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٢١- يقول إلى الله تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم في التقديم «١» وذلك أن هؤلاء النفر الثلاثة كانوا في ظل الكعبة يتكلمون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ فقال الثاني: إن خفضنا لم يعلم، وإن رفعنا علمه. فقال الثالث: إن كان الله يسمع إذا رفعنا فإنه يسمع إذا خفضنا. فسمع قولهم عبد الله بن مسعود، فأخبر بقولهم النبي- ﷺ فأنزل الله في قولهم: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يعني تستيقنون، وقالوا تستكتمون أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ يعني حسبتم أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ- ٢٢- يعني هؤلاء الثلاثة قول بعضهم لبعض هل يعلم الله ما نقول، لقول الأول والثاني والثالث، يقول حسبتم «أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ» «٢» . وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ يقول يقينكم الذي أيقنتم بربكم وعلمكم بالله بأن الجوارح لا تشهد عليكم، ولا تنطق وأن الله [١٣٥ أ] لا يخزيكم بأعمالكم الخبيثة أَرْداكُمْ يعني أهلككم سوء الظن فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٢٣- بظنكم السيئ كقوله لموسى: « ... فَتَرْدى» «٣» يقول فتهلك «فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ» يعني من أهل النار فَإِنْ يَصْبِرُوا على النار فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ يعني فالنار مأواهم وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا في الآخرة فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ- ٢٤- يقول وإن يستقيلوا ربهم في الآخرة، فما هم من المقالين لا يقبل ذلك منهم، ثم قال: وَقَيَّضْنا لَهُمْ في الدنيا قُرَناءَ من الشياطين يقول

стр. 1466

وهيأنا لهم قرناء في الدنيا فَزَيَّنُوا لَهُمْ يقول فحسنوا لهم كقوله: « ... كَذلِكَ زُيِّنَ «١» ... » يقول حسن ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني من أمر الآخرة وزينوا لهم التكذيب بالبعث والحساب والثواب والعقاب أن ذلك ليس بكائن وَزينوا لهم ما خَلْفَهُمْ من الدنيا فحسنوه في أعينهم، وحببوها إليهم حتى لا يعملوا خيرا وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ يعني وجب عليهم العذاب فِي أُمَمٍ يعني مع أمم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني من قبل كفار مكة مِنْ كفار الْجِنِّ وَالْإِنْسِ من الأمم الخالية إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ- ٢٥- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى الكفار «٢» لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ...... إلى ثلاث آيات، هذا قول أبي جهل وأبي سفيان لكفار قريش قالوا لهم إذا سمعتم القرآن من محمد- ﷺ وأصحابه فارفعوا أصواتكم بالأشعار والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم قولهم فيسكتون، فذلك قوله: وَالْغَوْا فِيهِ بالأشعار والكلام لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ- ٢٦- يعني لكي تغلبونهم فيسكتون، فأخبر الله- تعالى- بمستقرهم في الآخرة، فقال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً يعني أبا جهل وأصحابه وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ- ٢٧- من الشرك ذلِكَ العذاب جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ يعني أبا جهل وأصحابه لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ لا يموتون جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يعني بآيات القرآن يَجْحَدُونَ- ٢٨- أنه ليس من الله- تعالى- وقد عرفوا أن محمدا- ﷺ

стр. 1467

صادق في قوله ونزل في أبي جهل بن هشام وأبي بن خلف «إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ ... » الآية «١» وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لأنهما أول من أقاما على المعصية من الجن إبليس، ومن الإنس ابن آدم قاتل هابيل رأس الخطيئة نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يعنى من أسفل منا [١٣٥ ب] فى النار لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ- ٢٩- في النار، ثم أخبر عن المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ فعرفوه ثُمَّ اسْتَقامُوا على المعرفة ولم يرتدوا عنها تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ في الآخرة من السماء وهم الحفظة أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا «وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» «٢» - ٣٠- وذلك أن المؤمن إذا خرج من قبره، فينفض رأسه، وملكه قائم على رأسه يسلم عليه، فيقول الملك للمؤمن أتعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا الذي كنت أكتب عملك الصالح فلا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد، وذلك أن الله وعدهم على السنة الرسل- فى الدنيا- الجنة «٣» ، وتقول الحفظة يومئذ للمؤمنين نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ونحن أولياؤكم اليوم: وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها يعني في الجنة مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ - ٣١- يعني ما تتمنون، هذا الذي أعطاكم الله كان نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ- ٣٢-، قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ يعني التوحيد وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1468

- ٣٣- يعني المخلصين يعني النبي- ﷺ قوله: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» «١» وذلك أن أبا جهل كان يؤذي النبي- ﷺ وكان النبي «٢» مبغضا له يكره رؤيته فأمر بالعفو والصفح يقول إذا فعلت ذلك فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ يعني أبا جهل كَأَنَّهُ وَلِيٌّ لك في الدين حَمِيمٌ- ٣٤- لك في النسب الشفيق عليك، ثم أخبر نبيه- ﵇: وَما يُلَقَّاها يعني لا يؤتاها يعني الأعمال الصالحة العفو والصفح إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على كظم الغيظ وَما يُلَقَّاها يعني لا يؤتاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ- ٣٥- نصيبا وافرا في الجنة فأمره الله بالصبر والاستعاذة من الشيطان في أمر أبي جهل وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني يفتننك في أمر أبي جهل والرد عنه مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني فتنة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ بالاستعاذة الْعَلِيمُ- ٣٦- بها، نظيرها في «حم» المؤمن « ... إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبالِغِيهِ «٣» ... » ، وفي الأعراف «٤» أمر أبي جهل. وَمِنْ آياتِهِ أن يعرف التوحيد بصنعه وإن لم تروه اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ

стр. 1469

يعني الذي خلق هؤلاء الآيات إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ- ٣٧- فسجد النبي- ﷺ والمؤمنون يومئذ، فقال كفار مكة عند ذلك: بل نسجد للات والعزى ومناة، يقول الله- تعالى-: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا [١٣٦ أ] عن السجود لله فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ- ٣٨- يعني لا يملون من الذكر له والعبادة وليست لهم فترة ولا سآمة وَمِنْ آياتِهِ أن يعرف التوحيد بصنعه وإن لم تروه أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً متهشمة غبراء لا نبت فيها فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ يعني على الأرض المطر فصارت حية فأنبتت واهْتَزَّتْ بالخضرة وَرَبَتْ يقول وأضعفت النبات، ثم قال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها بعد موتها لَمُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة ليعتبر من يشك في البعث إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ٣٩- من البعث وغيره، قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا يعني أبا جهل يميل عن الإيمان بالقرآن- بالأشعار والباطل «١» لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا يعني أبا جهل، وأخبر الله- تعالى- بمستقره في الآخرة فقال: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ يعني أبا جهل خير أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني النبي- ﷺ ثم قال لكفار مكة: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ هذا وعيد إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٤٠- من الشرك وغيره إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى أبا جهل بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ يعني به القرآن حين جاءهم وهو أبو جهل وكفار مكة وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ- ٤١- يقول وإنه لقرآن منيع من الباطل، فلا يستذل، لأنه كلام الله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ

стр. 1470

يقول لا يأتي القرآن بالتكذيب بل يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت قبله: التوراة والإنجيل والزبور، «١» ثم قال: وَلا يأتيه الباطل مِنْ خَلْفِهِ يقول لا يجيئه «٢» من بعده كتاب يبطله فيكذبه بل هو تَنْزِيلٌ يعني وحي مِنْ حَكِيمٍ في أمره حَمِيدٍ- ٤٢- عند خلقه، ثم قال: ما يُقالُ لَكَ يا محمد من التكذيب بالقرآن أنه ليس بنازل عليك إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ من قومهم من التكذيب لهم أنه ليس العذاب بنازل «٣» بهم يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على الأذى والتكذيب إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ يقول ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى الوقت حين سألوا العذاب في الدنيا وإذا جاء الوقت وَذُو عِقابٍ فهو ذو عقاب أَلِيمٍ- ٤٣- يعني وجيع كقوله: « ... إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ... » «٤» إن كنتم تتوجعون، قوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا وذلك أن كفار قريش كانوا إذا رأوا النبي- ﷺ يدخل على يسار أبي فكيهة اليهودي، وكان أعجمي اللسان غلام عامر بن الحضرمي القرشي يحدثه [١٣٦ ب] قالوا: ما يعلمه إلا يسار أبو فكيهة، فأخذه سيده فضربه، وقال له: إنك تعلم محمدا- ﷺ فقال يسار: بل هو يعلمني، فأنزل الله- «وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا» يقول بلسان العجم لَقالُوا لقال كفار

стр. 1471

مكة: لَوْلا فُصِّلَتْ يقول هلا بينت آياتُهُ بالعربية حتى نفقه ونعلم ما يقول محمدءَ أَعْجَمِيٌّ «١» : ولقالوا إن القرآن أعجمي أنزل على محمد وَوهو عَرَبِيٌّ قُلْ نزله الله عربيا لكي يفقهوه ولا يكون لهم علة، يقول الله- تعالى-: «هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا» «٢» هُدىً من الضلالة وَشِفاءٌ لما في القلوب للذي فيه من التبيان، ثم قال: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرة يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ يعني ثقل فلا يسمعون الإيمان بالقرآن «٣» وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى يعني عموا عنه يعني القرآن فلم «يبصروه» «٤» ولم يفقهوه أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ- ٤٤- إلى الإيمان بأنه غير كائن لأنهم صمٌّ عنه وعميٌ وفي آذانهم وقر، قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يقول أعطينا موسى التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ يقول فكفر به بعضهم وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي كلمة الفصل بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى يعني يوم القيامة يقول لولا ذلك الأجل لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني بين الذين آمنوا وبين الذين اختلفوا «وكفروا» «٥» بالكتاب، لولا ذلك الأجل لنزل بهم العذاب فى الدنيا وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعنى من الكتاب مُرِيبٍ- ٤٥- يعنى أنهم

стр. 1472

لا يعرفون شكهم، ثم قال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ العمل فَعَلَيْها يقول إساءته على نفسه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- ٤٦- إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وذلك أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ أخبرنا عن الساعة، فإن كنت رسولا كما زعمت علمتها وإلا علمنا أنك لست برسول، ولا نصدقك، قال النبي- ﷺ «لا يعلمها إلا الله أرد علمها إلى الله، فقال الله- للنبي- ﷺ » «١» - فإن كنت «رددت» «٢» علمها، يعني علم الساعة إلى الله فإن الملائكة والخلق كلهم ردوا علم الساعة يعني القيامة إلى الله- وَيعلم ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها يعنى من أجوافها يعنى الطلع وَيعلم ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى ذكرا أو أنثى «سويا وغير سوي» «٣» يقول وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يقول لا تحمل المرأة الولد ولا تضعه إلا بعلمه وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ يقول أسمعناك كقوله: «وَأَذِنَتْ لِرَبِّها ... » «٤» يقول سمعت لربها ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ- ٤٧-[١٣٧ أ] يشهد بأن لك شريكا فتبرءوا يومئذ من أن يكون مع الله شريك، يقول وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَدْعُونَ يقول يعبدون يقول «ما عبدوا في الدنيا مِنْ قَبْلُ» وَظَنُّوا «٥» يعنى وعلموا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ- ٤٨- يعنى من فرار من

стр. 1473

النار لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ يقول لا يمل الكافر مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يقول لا يزال يدعو ربه الخير والعافية وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ يعنى البلاء وشدة فَيَؤُسٌ من الخير قَنُوطٌ- ٤٩- من الرحمة، ثم قال: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا يقول ولئن آتيناه خير وعافية مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يعني بعد بلاء وشدة أصابته لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي يقول أنا أحق بهذا، يقول: وَما أَظُنُّ يقول ما أحسب السَّاعَةَ قائِمَةً يعني القيامة كائنة، ثم قال الكافر: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي في الآخرة إن كانت آخرة إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعني الجنة كما أعطيت في الدنيا يقول الله- تعالى- فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا من أعمالهم الخبيثة وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ- ٥٠- يعني شديد لا يقتر عنهم، وهم فيه مبلسون، ثم قال: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بالخير والعافية أَعْرَضَ عن الدعاء فلا يدعو ربه وَنَأى بِجانِبِهِ يقول وتباعد بجانبه عن الدعاء فى الرخاء وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ بلاء أو شدة إصابته فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ- ٥١- يعني دعاء كبير يسأل ربه أن يكشف ما به من الشدة في الدعاء ويعرض عن الدعاء في الرخاء قُلْ يا محمد لكفار مكة: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ هذا القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ وذلك أنهم قالوا للنبي- ﷺ ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك أما وجد الله رسولا غيرك وأنت أحقرنا وأنت أضعفنا ركنا وأقلنا جندا، أو يرسل ملكا، إن هذا الذي جئت به لأمر عظيم، يقول الله: مَنْ أَضَلُّ يقول فلا أحد أضل مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ- ٥٢- يعني في ضلال طويل، ثم خوفهم فقال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا يعني عذابنا فِي الْآفاقِ يعني في البلاد ما بين اليمن والشام، عذاب قوم عاد، وثمود، وقوم لوط كانوا

стр. 1474

تمرون عليهم، ثم قال: وَنريهم العذاب فِي أَنْفُسِهِمْ فهو القتل ببدر حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يعني أن هذا القرآن «الحق» «١» من الله- أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ «شاهدا» «٢» أن هذا القرآن جاء من الله- أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- ٥٣- كقوله في الأنعام: « ... قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٣» ... » أَلا إِنَّهُمْ فِي [١٣٧ ب] مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ يعني في شك من البعث وغيره أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ- ٥٤-.

стр. 1475

سورة الشّورى
следующие страницы →