وأنتم ما فيها، وهي بينكم فَإِنِّي مكتوب فيها أني نَبِيّ ورسول. فأبوا ذَلِكَ فأنزل اللَّه- فيهم «١» أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ يعني التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني ليقضي بينهم ثُمَّ يَتَوَلَّى يعنى بأبى فَرِيقٌ يعني طائفة مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ- ٢٣- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ بأن العذاب واجب عليهم فيها تقديم لقولهم إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني الأربعين يومًا التي «٢» عَبْد آباؤهم فيها العجل لأنهم قَالُوا: إنهم أبناء اللَّه وأحباؤه. يقول: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ عفو الله ما كانُوا يَفْتَرُونَ- ٢٤- يعني الَّذِين كذبوا لقولهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه. خوفهم اللَّه، فَقَالَ:
فَكَيْفَ بهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ يعني يوم الْقِيَامَة لا شك فِيهِ بأنه كائن «وَوُفِّيَتْ» كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ما كَسَبَتْ من خير أَوْ شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ٢٥- فِي أعمالهم قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ وذلك أن النبي- ﷺ سَأَلَ ربه- أن يجعل لَهُ ملك فارس والروم فِي أمته فنزلت قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ
مَنْ تَشاءُ يعني محمدا- ﷺ وأمته وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ يعنى الروم وفارس وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ محمدا وأمته وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ يعني الروم وفارس بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الملك والعز والذل قَدِيرٌ- ٢٦- تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني ما تنقص فِي الليل داخل فِي النهار حَتَّى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ يعنى يسلط النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ «٣» وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة. قوله- سبحانه-: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فهو
стр. 177
الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة [٥٢ ب] وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني يَخْرُج اللَّه- هَذِهِ النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- ٢٧- يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني، أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني. قوله- سُبْحَانَهُ-: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نزلت فِي حاطب بن أَبِي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم اللَّه- عن ذَلِكَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فيتخذونهم أولياء من غَيْر قهر فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ثُمّ استثنى- تَعَالَى- فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً فيكون «١» بين أظهرهم فيرضيهم بلسانه من المخافة وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ. ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعني عقوبته فِي ولاية الكفار وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- ٢٨- فى الآخرة فيجزيكم بأعمالكم قُلْ لهم يا محمد إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني إن تسروا ما فِي قلوبكم من الولاية للكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني أَوْ تظهروا وَلايتهم يعني حاطب وأصحابه يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والعذاب قَدِيرٌ- ٢٩- نظيرها فِي آخر البقرة. ثُمّ خوفهم ورغبهم، فَقَالَ: «٢» يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعجل لها كُلّ خير عملته، وَلا يغادر منه شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعنى عقوبته فى عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- ٣٠- يعني بربهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة لما دعا النَّبِيّ- ﷺ كعبا وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن
стр. 178
أبناء اللَّه وأحباؤه، ولنحن أشد حبا للَّه مما تدعونا إِلَيْهِ، فَقَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي عَلَى ديني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ما كان فِي الشرك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣١- ذو تجاوز لما كان فِي الشرك رحيم بهم فى الإسلام قُلْ لليهود أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أعرضوا عن طاعتهما فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- ٣٢- يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً يعني اختار من الناس «١» لرسالته آدم ونوحا وَآلَ إِبْراهِيمَ يعني إِبْرَاهِيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط، ثُمّ قَالَ: وَآلَ عِمْرانَ يعني مُوسَى، وهارون، ذرِّيَّة آل عِمْرَانَ اختارهم للنبوة والرسالة عَلَى الْعالَمِينَ- ٣٣- يعني عالمي ذَلِكَ الزمان وهي:
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وكل هَؤُلاءِ من ذرِّيَّة آدم، ثُمّ من ذرية نوح، ثم من ذرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- ٣٤- لقولهم نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه ونحن [٥٣ أ] أشد حبا لله، عليم بما قالوا يعنى اليهود إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ بن ماثان اسمها «٢» حنة بِنْت فاقوز وهي أم مريم وهي حبلى، لئن نجاني اللَّه- ووضعت ما فِي بطني، لأجعلنه محررا، وبنو ماثان من ملوك بني إِسْرَائِيل من نسل دَاوُد- ﵇ والمحرر الَّذِي لا يعمل للدنيا وَلا يتزوج، ويعمل للآخرة، «٣» ويلزم المحراب فيعبد اللَّه- فِيهِ، وَلَم يَكُنْ يحرر «٤» فى ذلك
стр. 179
الزمان إِلَّا الغلمان فَقَالَ زوجها: أرأيت إن كان الَّذِي فِي بطنك أنثى؟ والأنثى عورة، كيف تصنعين؟ فاهتمت لذلك. فقالت حنة: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- ٣٥- لدعائهما العليم ببذرهما يعني بالتقبل والاستجابة لدعائهما فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى والأنثى عورة «فيها تقديم» «١» يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى- لنبيه- ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ «٢» ثم قالت حنة: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وكذلك كان اسمها عِنْد اللَّه- وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها يعني عِيسَى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ- ٣٦- يعني الملعون فاستجاب اللَّه لها فلم يقربها وَلا ذريتها شيطان وخشيت حنة ألا تقبل الأنثى محررة، فلفتها فِي خرق ووضعتها فِي بيت المَقْدِس عِنْد المحراب حيث يدرس «٣» القراء، فتساهم «٤» القوم عَلَيْهَا لأنها بِنْت إمامهم وسيدهم «٥» ، وهم الأحبار من ولد هَارُون أيهم يأخذها. قَالَ زَكَرِيّا وَهُوَ رئيس الأحبار أَنَا آخذها، أَنَا أحقكم بها، لأن أختها أمَّ يحيى عندي. فَقَالَ القراء: وإن كان فِي القوم من هُوَ أقرب إليها منك؟ فلو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنها محررة وَلَكِن هلم نتساهم عَلَيْهَا من خرج سهمه فهو أحق بها. فاقترعوا فقال الله- عز
стр. 180
وَجَلّ- لمحمد- ﷺ : «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» يعنى عندهم فتشهدهم «إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ» حين اقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفلها؟ أيهم يضمها. فقرعهم زَكَرِيّا فقبضها، ثُمّ قَالَ اللَّه- لمحمد- ﷺ : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ «١» فِي مريم فذلك قوله وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً يَقُولُ رباها «٢» تربية حسنة فِي عبادة وطاعة لربها فبنى لها زَكَرِيّا محرابا فِي بيت المَقْدِس، وَجَعَل بابه وسطه، لا يصعد إِلَيْهِ أحد إِلَّا بسلم واستأجر لها ظئرا ترضعها حتى تحركت فكان يغلق عليها [٥٣ ب] الباب ومعه المفتاح لا يأمن عَلَيْهَا أحدا، يأتيها بطعامها ومصالحها وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون مَعَ أختها أيليشفع بِنْت عِمْرَانَ- وهي مريم بِنْت عِمْرَانَ- أم يحيى «٣» فإذا طهرت ردها إلى محراب بيت المَقْدِس، وكان زَكَرِيّا يرى عندها العنب فِي الشِّتَاء الشديد البرد فيأتيها به جبريل- ﵇ من السماء وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ لها زَكَرِيّا: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا يعني من أَيْنَ هَذَا فِي غَيْر حينه قالَتْ هَذَا الرزق هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- ٣٧- فطمع عِنْد ذَلِكَ زَكَرِيّا فِي الولد فَقَالَ: إن الَّذِي يَأْتِي مريم بهذه الفاكهة فِي غَيْر حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا. فذلك قوله: هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ «٤» لِي مِنْ لَدُنْكَ يعني من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً تقيا زكيا كقوله وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا «٥» إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ- ٣٨-
стр. 181
فاستجاب اللَّه- وكانا قَدْ دخلا فِي السن فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ فبينما هُوَ يصلي فِي المحراب حيث يذبح القربان إذا «١» برجل عَلَيْه بياض حياله وَهُوَ جبريل- ﵇ فقال: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى اشتق يحيى من أسماء اللَّه- مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني من اللَّه- وكان يحيى أول من صدق بعيسى- ﵉ وَهُوَ ابْن ثلاث سنين، قوله الأول وَهُوَ ابْن ستة أشهر «٢» فَلَمَّا شهد يحيى أن عِيسَى من الله- عجبت بنو إِسْرَائِيل لصغره، فَلَمَّا سَمِع زَكَرِيّا شهادته قام إلى عِيسَى فضمه إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي خرقة وكان يحيى أكبر من عِيسَى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة. ثُمّ قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: وَسَيِّداً
يعني حليما وَحَصُوراً لا ماء له «٣» وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ- ٣٩- والحصور الذي
стр. 182
لا حاجة له فى النساء فَلَمَّا بشر زَكَرِيّا بالولد. قَالَ لجبريل- ﵇ فى المخاطبة قالَ رَبِّ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ «١» يَقُولُ ذَلِكَ تعجبا، لأنه كان قَدْ «٢» يبس جلده عَلَى عظمه من الكبر قالَ جبريل- ﵇ كَذلِكَ يعني هكذا قال ربك إنَّه يَكُون لك ولد اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ «٣» - ٤٠- أن يجعل ولدا من الكبير والعاقر لقوله قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يعني علما للحبل قالَ آيَتُكَ إذا جامعتها عَلَى طهر فحبلت فإنك تصبح لا تستنكر من نفسك خرسا وَلا سقما، وَلَكِن تصبح لا تطيق الكلام أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً يعني إِلَّا إشارة يومئ بيده، أَوْ برأسه من غَيْر مرض وَلَم يحبس لسانه عن ذكر اللَّه- ولا عن الصلاة [٥٤ أ] فكذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ- ٤١- يَقُولُ صل بالغداة والعشي، فأتى امرأته عَلَى طهرها فحملت وكان آية الحبل أَنَّهُ وضع يده عَلَى صدرها، فحملت فاستقر الحمل فِي رحمها فحبلت بيحيى»
. فأصبح لا يستطيع الكلام فعرف أن امرأته قَدْ حبلت فولدت يحيى- ﵇ فلم يعص اللَّه قطّ وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ جبريل- ﵇ وحده يا مَرْيَمُ وهي فى المحراب إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ يعني اختارك وَطَهَّرَكِ من الفاحشة والألم وَاصْطَفاكِ يعنى واختارك عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ- ٤٢- بالولد من غير بشر
стр. 183
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ يعنى لربك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي «١» مَعَ الرَّاكِعِينَ- ٤٣- يعني مَعَ المصلين فِي بيت المَقْدِس ذلِكَ أن الَّذِي ذكر فِي هَؤُلاءِ الآيات مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني حديثًا من الغيب لَمْ تشهده يا محمد، فذلك قوله: نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ فى القرعة أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يضم مريم إلى نفسه وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يا محمد إِذْ يَخْتَصِمُونَ- ٤٤- فِي مريم يعني القراء أيهم يكفلها إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ وَهُوَ جبريل وحده- ﵇ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً يعني مكينا عِنْد اللَّه- فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فيها تقديم وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- ٤٥- عِنْد اللَّه فِي الآخرة وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ يعني حجر أُمّه فِي الخرق طفلا وَيكلمهم كَهْلًا يعني إذا اجتمع «٢» قبل أن يرفع إلى السماء وَمِنَ الصَّالِحِينَ- ٤٦- قالَتْ رَبِّ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يعني الزوج قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ويخلق من يشاء، فشاء أن يخلق وَلَدا من غَيْر بشر. لقولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ إِذا قَضى أَمْراً كان فِي علمه أن يَكُون عِيسَى فِي بطن مريم من غَيْر بشر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- ٤٧- لا يثنى وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ يعني خط الكتاب بيده بعد ما بلغ أشده، وَهُوَ ابْن ثماني عشرة سنة، والمرأة بعد ما تبلغ الحيض وَالْحِكْمَةَ يعني الحلال والحرام والسنة وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ- ٤٨- ويجعله وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بعلامة ثُمّ بين الآية أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ يعني أجعل لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً فخلق الخفاش بِإِذْنِ اللَّهِ
стр. 184
لأنه أشد الخلق إِنَّمَا هُوَ لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن اللَّه وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الَّذِي ولدته أمه أعمى الَّذِي لَمْ ير «١» النور قط [٥٤ ب] فيرد اللَّه بصره وَأبرئ الْأَبْرَصَ فيبرأ بإذن الله وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فتعيش. ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هَذَا آية من اللَّه- بأنه نَبِيّ ورسول إلى بني إِسْرَائِيل «فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن اللَّه» «٢» فقالوا لَهُ: إن هَذَا سحر فأرنا آية نعلم أنَّكَ صادق. وقَالَ عِيسَى- ﷺ :
أرأيتم إن أَنَا أخبرتكم وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ فِي بيوتكم من الطعام فيها تقديم وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ يعني وما ترفعون فِي غد تعلمون أني صادق. قَالُوا: نعم قَالَ عِيسَى- ﷺ : فُلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فُلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فُلان. فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
يَقُولُ اللَّه- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني لعلامة لَكُمْ فيما أخبرتكم به «٣» إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٤٩- يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ من اللحوم والشحوم وكل ذِي ظفر والسمك فهذا البعض الَّذِي أحل لهم غَيْر السبت فإنهم يقومون عَلَيْه فوضع عَنْهُمْ فِي الإنجيل ذلك وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بعلامة من ربكم يعني العجائب التي كان يصنعها اللَّه «٤» . فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فوحدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- ٥٠- فيما آمركم به من النصيحة فَإنَّهُ لا شريك له. وقال لهم عيسى- صلى الله
стр. 185
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يعنى فوحدوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ- ٥١- يعني هَذَا التوحيد دين مستقيم وَهُوَ الْإِسْلام فكفروا فَلَمَّا أَحَسَّ يعني فَلَمَّا رَأَى عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ يعني من بني إِسْرَائِيل كقوله- «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ «١» » يعنى هل ترى منهم من أحد فمر عِيسَى- ﷺ عَلَى الحواريين يعني عَلَى القصارين غسالى الثياب قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني من يتبعني مَعَ اللَّه. كقوله فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ «٢» يعني معي هَارُون وكقوله- سُبْحَانَهُ- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «٣» يعني مَعَ أموالكم قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ يعني بتوحيد اللَّه وَاشْهَدْ يا عِيسَى بِأَنَّا مُسْلِمُونَ- ٥٢- يعني مخلصين بتوحيد اللَّه- ثم قالوا:
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يعني صدقنا بالإنجيل الَّذِي أنزلت عَلَى عِيسَى وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ يعني عِيسَى عَلَى دينه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ- ٥٣- يَقُولُ فاجعلنا مَعَ الصادقين نظيرها فِي المائدة. هذا قول الحواريين وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وذلك أن كفار بني إِسْرَائِيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه [٥٥ أ] فجعل اللَّه شَبه عِيسَى عَلَى الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أَنَّهُ عِيسَى، ورفع اللَّه- عِيسَى إلى سماء الدُّنْيَا من بيت المَقْدِس، ليلة القدر فِي رمضان، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَمَكَرُوا بعيسى ليقتلوه يعني اليهود وَمَكَرَ اللَّهُ بهم حين قُتِل رقيبهم وصاحبهم وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ- ٥٤- يعني أفضل مكرا منهم إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ
стр. 186
فيها تقديم يَقُولُ رافعك إليّ من الدُّنْيَا ومتوفيك حين «١» تنزل من السماء عَلَى عهد الدجال «يَقُولُ إني رافعك إلي الآن ومتوفيك بعد قتل الدجال» «٢» . يَقُولُ رافعك إليّ فِي السماء وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود وغيرهم [وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ عَلَى دينك يا عِيسَى وَهُوَ الْإِسْلام فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود وَغَيْرُهُمْ. وأهل «٣» دين عِيسَى هُم المسلمون فوق الأديان كلها إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ «٤» ] ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فِي الآخرة فَأَحْكُمُ يعني فأقضي بَيْنَكُمْ يعني بين الْمُسْلِمِين وأهل الأديان فِيما كُنْتُمْ فِيهِ من الدّين تَخْتَلِفُونَ- ٥٥- وَهُوَ الْإِسْلام فأسلمت طائفة وكفرت طائفة ثُمّ أخبر اللَّه- عن منزلة الفريقين فِي الآخرة، فَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار أَهْل الكتاب فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا يعني القتل أَو الجزية وَفى الْآخِرَةِ عذاب النار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٥٦- يعني من مانعين يمنعونهم من النار وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يعني أمة محمد- ﷺ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يعني فيوفوا أجورهم فِي الآخرة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ- ٥٧- ذلِكَ الَّذِي ذكره اللَّه- فِي هَذِهِ الآيات نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يا محمد مِنَ الْآياتِ يعني من البيان وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ- ٥٨- يعني المحكم من الباطل إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ وذلك
أن وفد نصارى نجران قدموا عَلَى النَّبِيّ- ﷺ بالمدينة منهم السيد والعاقب،
стр. 187
والأسقف، والرأس، والحارث، وقيس، وابنيه وخالد، وخليد، وعَمْرو، «١» فَقَالَ السيد والعاقب وهما سيدا أَهْل نجران: يا محمد لَمْ تشتم صاحبنا وتعيبه؟ فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : مَا صاحبكم؟ قَالُوا: عِيسَى ابْن مريم العذراء البتول. قال: أبو محمد عبيد الله بن ثَابِت. قَالَ: العذراء البتول. المنقطعة إلى اللَّه- لقوله- وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «٢» قَالُوا فأرنا فيما خلق اللَّه عبدا مثله [٥٥ ب] يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا وَلَم يقولوا بإذن اللَّه. وكل آدمي لَهُ أب وعيسى لا أب لَهُ فتابعنا فِي أن عِيسَى ابن اللَّه ونتابعك. فإما أن تجعل عِيسَى ولدا وإما إلها، فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : مُعَاذ اللَّه أن يَكُون لَهُ ولد، أَوْ يَكُون معه إله. فَقَالا للنبي- ﷺ : أَنْت أَحْمَد؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : أَنَا أحمد، وأنا محمد. فَقَالا: فيم «٣» أَحْمَد؟ قَالَ: أَحْمَد الناس عن الشرك. قَالا: فإنا نسألك عن أشياء. قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لا أخبركم حَتَّى تسلموا فتتبعوني. قَالا: أسلمنا قبلك. قَالَ النَّبِيّ-
стр. 188
- ﷺ : إنكما لَمْ تسلما حجزكما عن الْإِسْلام ثلاثة أكلكما الخنزير، وشربكما الخمر، وقولكما إن للَّه- ولدا، فغضبا عِنْد ذَلِكَ. فَقَالا: من أَبُو عِيسَى؟ ائتنا لَهُ بمثل فأنزل اللَّه- إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
- ٥٩- هَذَا الذي قَالَ الله فِي عِيسَى هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ- ٦٠- يا محمد يعني من الشاكين فِي عِيسَى أن مثله كمثل آدم. فقالوا للنبي- ﷺ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، ما هذا له بمثل. فأنزل اللَّه- :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ يعني فَمنْ خاصمك فِي عِيسَى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني من البيان من أمر عِيسَى يعني ما ذكر فِي هَذِهِ الآيات فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ يعني نخلص الدعاء إلى اللَّه- : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ- ٦١- إِنَّ هَذَا الَّذِي ذكرته فِي عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَالَّذِي تقولون هُوَ الباطل وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فِي ملكه الْحَكِيمُ- ٦٢- فِي أمره حكم عِيسَى فِي بطن أُمّه فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني فَإِن أبوا إِلَّا أن يلاعنوا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ- ٦٣- فى الأرض بالمعاصي. قَالَ اللَّه- : قُلْ لهم يا محمد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ يعني كلمة العدل وهي الإخلاص بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من خلقه وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم اتخذوا عِيسَى ربا فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني فإن أبوا التوحيد فَقُولُوا لهم أنتم اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ- ٦٤- يعني مخلصين بالتوحيد فَقَالَ العاقب: ما نصنع بملاعنته شيئا، فو الله لئن كان كاذبا ما ملاعنته بشيء، ولئن كان صادقا
стр. 189
لا يَأْتِي علينا الحول حَتَّى يهلك اللَّه الكاذبين.
قَالُوا: يا محمد نصالحك عَلَى ألا تغزونا وَلا تخيفنا وَلا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك ألف حلة [٥٦ أ] فِي صَفَر، وألف حلة فِي رجب. وعلى ثلاثين درعا من حديد عادية. فصالحهم النَّبِيّ- ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نفس محمد بيده، لولا عنوني ما حال الحول، ويحضرني منهم أحد ولأهلك اللَّه الكاذبين. قَالَ عُمَر- ﵁: لو لاعنتهم بيد من كُنْت تأخذ. قَالَ: «آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين- ﵈ وحفصة وعائشة- رحمهما الله-» «١» .
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ يعني تخاصمون فِي إِبْراهِيمَ وذلك
أن رؤساء اليهود كَعْب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إِبْرَاهِيم أولى بنا والأنبياء مِنَّا كانوا عَلَى ديننا، وما تريد إِلَّا أن نتخذك ربا كَمَا اتخذت النَّصارى عيسى ربا، وقالت النَّصارى: ما تريد
стр. 190
بأمرك إِلَّا أن نتخذك ربا كَمَا اتخذت اليهود عزيرا ربا. قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : مُعَاذ اللَّه من ذَلِكَ، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا اللَّه جميعًا، وَلا تشركوا به شيئًا،
فأنزل اللَّه- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ يعني تخاصمون «فِي إِبْرَاهِيم» فتزعمون أَنَّهُ كان عَلَى دينكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أى بعد موت إبراهيم أَفَلا تَعْقِلُونَ- ٦٥- ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ يعنى خاصمتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما جاء فِي التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ بما لَيْسَ فِي التوراة والإنجيل وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن إِبْرَاهِيم لَمْ يَكُنْ يهوديا وَلا نصرانيا وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- ٦٦- أَنَّهُ ما كان يهوديا وَلا نصرانيا، ثُمّ أخبر اللَّه- فَقَالَ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً يعني حاجا مُسْلِماً يعني مخلصا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٦٧- يعنى من اليهود ولا من النصارى، ثم قال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لقولهم إنَّه كان عَلَى دينهم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دينه واقتدوا به وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ من اتبع محمدا- ﷺ على دينه. ثم قال- : وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ- ٦٨- الَّذِين يتبعونهما عَلَى دينهما وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ يعنى يستنزلونكم عن دينكم الْإِسْلام وَما يُضِلُّونَ يعني وما يستنزلون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ- ٦٩- إنما يضلون أنفسهم نزلت فِي عمار بن ياسر، وحُذَيْفة بن اليمان وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم. وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم ونحن أهدى منكم سبيلا فنزلت وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... إلى آخر الآية.
ونزلت يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ [٥٦ ب] يعني القرآن وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ- ٧٠- أن محمدا رَسُول الله ونعته معكم فى التوراة يا أَهْلَ
стр. 191
الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَ
يعني لَمْ تخلطون الحق بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمد- ﷺ وكتموا «١» بعضا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- ٧١- أن محمدا نَبِيّ ورسول- ﷺ «٢» .
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف اليهوديان لسفلة اليهود آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالقرآن وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أول النهار يعني صلاة الغداة. وإذا كان العشي قولوا لهم نظرنا فِي التوراة فإذا النعت الَّذِي فِي التوراة لَيْسَ بنعت محمد- ﷺ فذلك قوله- سبحانه-: وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني صلاة العصر فلبسوا عليهم دينهم لعلهم يشكون فِي دينهم. فذلك قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ- ٧٢- يعني لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم وقالا لسفلة اليهود:
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ فَإنَّهُ لن يؤتي أحد من الناس مثل ما أوتيتم من الْفَضْل والتوراة والمن والسلوى والغمام والحجر اثبتوا عَلَى دينكم. وقالوا لهم:
لا تخبروهم بأمر محمد- ﷺ فيحاجوكم يعني فيخاصموكم عِنْد ربكم. قَالُوا «٣» : ذَلِكَ حسدا لمحمد- ﷺ لأن تكون النُّبُوَّة فِي غيرهم فأنزل اللَّه- قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ «٤» قُلْ يا محمد إِنَّ الْفَضْلَ يعني الْإِسْلام والنبوة
стр. 192
بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ لذلك عَلِيمٌ- ٧٣- بمن يؤتيه الْفَضْل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ [٥٧ أ] يعني بتوبته مَنْ يَشاءُ فاختص اللَّه- به الْمُؤْمِنِين وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ يعني الْإِسْلام الْعَظِيمِ- ٧٤- عَلَى الْمُؤْمِنِين وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني أَهْل التوراة مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
يعني كفار اليهود يعني كَعْب بن الأشرف وأصحابه، يَقُولُ منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته عَلَى دينار لا يؤده إليك إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً عِنْد رأسه مواظبا عَلَيْه تطالبه بحقك ذلِكَ استحلالا للأمانة بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ يعنى فى العرب سَبِيلٌ وذلك أن الْمُسْلِمِين باعوا «١» اليهود فِي الْجَاهِلِيَّة «٢» . فَلَمَّا تقاصهم المسلمون فِي الْإِسْلام، قَالُوا: لا حرج علينا فِي حبس أموالهم لأنهم ليسوا عَلَى ديننا يزعمون أن ذَلِكَ حلال لهم فِي التوراة، فذلك قوله- : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ٧٥- أنهم كذبة وأن فِي التوراة تحريم الدماء والأموال إِلَّا بحقها، وَلكن أمرهم بالإسلام، وأداء الأمانة، وأخذ عَلَى ذَلِكَ ميثاقهم، فذلك قوله- سبحانه-: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ الَّذِي أخذه اللَّه عَلَيْه فِي التوراة وأدى الأمانة وَاتَّقى محارمه فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ- ٧٦- يَقُولُ الَّذِين يتقون استحلال المحارم إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضا من الدُّنْيَا يسيرا يعني رءوس اليهود أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ يعني لا نصيب لهم فِي الآخرة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ بعد العرض والحساب
стр. 193
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٧٧- يعني وجيع وَإِنَّ مِنْهُمْ يعني من اليهود لَفَرِيقاً يعني طائفة منهم يعنى كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأَبُو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ يعني باللَّيِّ التحريفَ بالألسن فِي أمر محمد- ﷺ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ يعني التوراة يَقُولُ اللَّه- وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ كتبوا يعنى من التوراة غَيْر نعت محمد- ﷺ ومحوا نعته وَيَقُولُونَ هُوَ هَذَا النعت مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ولكنهم كتبوه وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ٧٨- أنهم كذبة وليس ذلك نعت محمد- ﷺ مَا كانَ لِبَشَرٍ يعني عِيسَى ابن مريم- ﷺ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ يعني أن يعطيه اللَّه الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل وَالْحُكْمَ يعني الفهم وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ يعني بني إِسْرَائِيل كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يَقُولُ لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ يعني متعبدين للَّه- [٥٧ ب] بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ- ٧٩- يعني تقرءون وَلا «١» يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً يعني عِيسَى وعزير ولو أمركم بِذَلِك لكان كفرا. فذلك قوله: أَيَأْمُرُكُمْ «٢» بِالْكُفْرِ يعني بعبادة الملائكة والنبيين بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ «٣» مُسْلِمُونَ- ٨٠- يعني مخلصين لَهُ بالتوحيد فَقَالَ: الإصبغ بن زَيْد، وكردم بن قَيْس، أيأمرنا «٤» بالكفر بعد الْإِيمَان فأنزل اللَّه- : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ على أن يعبدوا الله،
стр. 194
ويبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين اللَّه- فبعث اللَّه مُوسَى ومعه «١» التوراة إلى بني إِسْرَائِيل، فكان مُوسَى أول رسول بعث إلى بني إِسْرَائِيل وَفِي التوراة بيان أمر محمد- ﷺ فأقروا به لَما يعني للذي آتَيْتُكُمْ يعني بني إِسْرَائِيل مِنْ كِتابٍ يعني التوراة وَحِكْمَةٍ يعني ما فيها من الحلال والحرام ثُمَّ جاءَكُمْ يعني بني إِسْرَائِيل رَسُولٌ يعني محمدا- ﷺ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ يعني تصديق محمد- ﷺ لما معكم فِي التوراة لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ يعني لتصدقن به إن بعث وَلَتَنْصُرُنَّهُ إذا خرج يَقُولُ- لهم قالَ أَأَقْرَرْتُمْ بمحمد فِي التوراة بتصديقه ونصره وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي يَقُولُ وقبلتم عَلَى الْإِيمَان بمحمد عهدي، وميثاقي فِي التوراة قالُوا أَقْرَرْنا يَقُولُ اللَّه: قالَ فَاشْهَدُوا عَلَى أنفسكم بالإقرار. يَقُولُ اللَّه- وَأَنَا مَعَكُمْ أَي إقراركم بمحمد- ﷺ مِنَ الشَّاهِدِينَ- ٨١- ثُمّ قَالَ: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ «٢» يعني فَمنْ أعرض عن الْإِيمَان بمحمد- ﷺ بعد إقراره فِي التوراة فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- ٨٢- يعني العاصين أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني الملائكة وَالْأَرْضِ يعني الْمُؤْمِنِين طَوْعاً ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَرْهاً يعني أَهْل الأديان يقولون اللَّه هُوَ ربهم وَهُوَ خلقهم، فذلك إسلامهم وهم فى ذلك مشركون «٣» وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ- ٨٣- ثُمّ أنزل اللَّه- فِي آل عمران «إن لم يؤمن
стр. 195
أَهْل الكتاب» بهذه الآية التي فِي البقرة «١» . وأمر الْمُؤْمِنِين أن يقرءوها فنزل قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ»
يعني صدقنا بتوحيد اللَّه وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني الإقرار بمحمد- ﷺ وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى «٣» يعني وما أعطى مُوسَى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- ٨٤- يعني مخلصين وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٨٥- نزلت فِي طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ من الأوس من بني صقر، ارتد عن الْإِسْلام ولحق بكفار مكة كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ يعني البيان وَاللَّهُ لا يَهْدِي إلى دينه الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ٨٦- أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَلعنة الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ- ٨٧- يعني والعالمين كلهم خالِدِينَ فِيها فِي اللعنة مقيمين فيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ- ٨٨- يعني لا يناظر بهم العذاب نزلت فِي اثني عشر رَجُلا ارتدوا عن الْإِسْلام وخرجوا من المدينة كهيئة البداة «٤» ثُمّ انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة منهم طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد اللَّه بن أَنَس بن خطل من بنى ثيم ابن مرة الْقُرَشِيّ. ووجوج بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ، وأَبُو عامر بن النعمان الراهب،
стр. 196
والحارث بن سُوَيْد بن الصَّامِت الْأَنْصَارِيّ من بني عمرو بن عَوْف، أخو الجلاس بن سُوَيْد بن الصَّامِت، ثُمّ أن الْحَارِث ندم فرجع تائبا من ضرار «١» ثُمّ أرسل إلى أَخِيهِ الجلاس إني قَدْ رجعت تائبا فسل النَّبِيّ- ﷺ هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام فانطلق الجلاس إلى النَّبِيّ- ﷺ فَأَخْبَرَه فلم يرد عَلَيْه شيئًا فأنزل اللَّه- فِي الْحَارِث فاستثنى إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فلا يعذبون مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني من بعد الكفر «٢» وَأَصْلَحُوا فِي العمل فيما بقي فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لكفره رَحِيمٌ- ٨٩- به فيما بقي «٣» فبلغ أمر الْحَارِث الأحد عشر الَّذِين بمكة. فقالوا: نقيم بمكة ما أقمنا ونتربص بمحمد الموت، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا ما نزل فِي الْحَارِث ويقبل مِنَّا ما يقبل منه. فأنزل اللَّه- فيهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قَالُوا: نقيم بمكة كفارا، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا كَمَا نزل فِي الْحَارِث لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ- ٩٠- ثُمّ أخبرهم عَنْهُمْ وعن الكفار وما لهم فِي الآخرة. فَقَالَ- : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فيود أحدهم أن يَكُون لَهُ ملء الأرض ذهبا، يقدر عَلَى أن يفتدى به نفسه من العذاب لافتدى به فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ ما قبل منه أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلَهُ عذاب وجميع نظيرها فِي المائدة «٤» وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٩١- يعني من مانعين يمنعونهم من العذاب. قوله- سبحانه-:
стр. 197
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا يَقُولُ لن تستكملوا التقوى حَتَّى تنفقوا فِي الصدقة مِمَّا تُحِبُّونَ من الأموال وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ «١» يعني من صدقة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ- ٩٢- يعنى عالم به يعنى بنياتكم [٥٨ ب] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ «٢» مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وذلك أن يَعْقُوب بن إسحاق خرج ذات ليلة، ليرسل الماء فِي أرضه، فاستقبله ملك فظن أَنَّهُ لص يريد أن يقطع عَلَيْه الطريق فعالجه فِي المكان الَّذِي كان يقرب فِيهِ القربان يدعى شانير «٣» فكان أوّل قربان قربه بأرض المَقْدِس. فَلَمَّا أراد الملك أن يفارقه، غمز فخذ يَعْقُوب برجليه ليريه أَنَّهُ لو شاء لصرعه، فهاج به عرق النساء، وصعد الملك إلى السماء، ويعقوب ينظر إِلَيْهِ فلقي منها البلاء، حَتَّى لَمْ ينم الليل من وجعه، وَلا يؤذيه بالنهار، فجعل يَعْقُوب للَّه- تحريم لحم الإبل وألبانها- وكان من أحبّ الطعام والشراب إِلَيْهِ- لئن شفاه اللَّه. قَالَت اليهود جاء هَذَا التحريم من اللَّه- «فِي التوراة قَالُوا:
حرم اللَّه عَلَى يَعْقُوب وذريته» «٤» لحوم الإبل وألبانها. قَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ لليهود فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها فاقرءوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٩٣- بأن تحريم لحوم الإبل فِي التوراة فلم يفعلوا. يَقُولُ اللَّه- يعيبهم فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
بأن اللَّه حرمه فِي التوراة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
البيان فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
- ٩٤- قُلْ صَدَقَ اللَّهُ وذلك
стр. 198
حين قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ- مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ... إلى آخر الآية «١»
وقالت اليهود والنصارى: كان إِبْرَاهِيم والأنبياء عَلَى ديننا، فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ فقد كان إِبْرَاهِيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذَلِكَ فلم تكفرون بآيات اللَّه يعني بالحج
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- «قُلْ صَدَقَ اللَّهُ» فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعنى حاجا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- ٩٥- يَقُولُ لَمْ يَكُنْ يهوديا وَلا نصرانيا.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ يعني أول مَسْجِد وُضِعَ لِلنَّاسِ يعني للمؤمنين لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وإنما سمي بكة لأنه يبك الناس بعضهم بعضا فِي الطواف. ومباركا فِيهِ البركة: مغفرة للذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ- ٩٦- يعني الْمُؤْمِنِين من الضلالة لمن صلى فِيهِ. وضلالة لمن صلى قبل بيت المَقْدِس. وذلك أن الْمُسْلِمِين واليهود اختصموا فِي أمر القبلة. فَقَالَ المسلمون: القبلة الكعبة. وقالت اليهود:
القبلة بيت المَقْدِس. فأنزل اللَّه- أن الكعبة أول مَسْجِد كان فِي الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض ثُمّ قَالَ- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ يعني علامة واضحة أثر مقام إِبْرَاهِيم- ﷺ وَمَنْ دَخَلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة كانَ آمِناً حَتَّى يَخْرُج منه وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ يعني الْمُؤْمِنِين حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا يعنى [٥٩ أ] بالاستطاعة الزاد والراحلة وَمَنْ كَفَرَ من أَهْل الأديان بالبيت وَلَم يحج واجبا، فقد كفر. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: «وَمَنْ كَفَرَ» فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ- ٩٧- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعنى بالقرآن «٢» وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ- ٩٨- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى
стр. 199
اليهود لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أهل الإيمان نزلت في حذيفة، وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم. فقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلا. فقال- : «لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» عن دين الْإِسْلام مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً يعني بملة الْإِسْلام زيغا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ «١» أن الدّين هُوَ الْإِسْلام وأن محمدا رَسُول اللَّهِ ونبى وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ- ٩٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني طائفة من الَّذِين أوتوا الكتاب يعني أعطوا التوراة يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ- ١٠٠- وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ يعني القرآن وَفِيكُمْ رَسُولُهُ يعني محمدا- ﷺ بين أظهرهم وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ يعنى يحترز بِاللَّه فيجعله ثقته فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ١٠١- يعنى إلى دين الإسلام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعنى الأنصار اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَهُوَ أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، نسختها «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» «٢» وذلك أَنَّهُ «٣» كان بين الأوس والخزرج عداوة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي دم شمير وحاطب فقتل بعضهم بعضا حينا فَلَمَّا هاجر النَّبِيّ- ﷺ إلى المدينة أصلح بينهم فلما كان بعد ذلك افتخر منهم رجلان أَحَدهمَا ثَعْلَبَة بن غنيمة من الأوس، والآخر سعد بن زُرَارَة من بني الخزرج، من بني سَلَمَة بن جشم، فجرى الحديث بينهما فغضبا. فقال الخزرجي: أما واللَّه لو تأخر الْإِسْلام عنا وقدوم رَسُول اللَّهِ- ﷺ علينا لقتلنا سادتكم، واستعبدنا أبناءكم، ونكحنا نساءكم، بغير مهر.
فَقَالَ الأوسي: قَدْ كان الْإِسْلام متأخرا زمانا طويلا فهلا فعلتم فقد ضربناكم بالمرهفات حَتَّى أدخلناكم الديار. وذكرا الأشعار والموتى، وافتخرا وانتسبا
стр. 200
حَتَّى كان بَيْنَهُمَا دفع وضرب بالأيدي والسعف «١» والنعال، فغضبا فناديا فجاءت الأوس إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج بالسلاح وأسرع بعضهم إلى بعض بالرماح فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّ- ﷺ فركب حمارا، وأتاهم فَلَمَّا أن عاينهم ناداهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [٥٩ ب]
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- ١٠٢- يعنى معتصمين بالتوحيد وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ يعنى بدين الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا يعني وَلا تختلفوا فِي الدّين كَمَا اختلف أهل الكتاب وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فِي الْجَاهِلِيَّة يقتل بعضكم بعضا فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يعني برحمته إخوانا فِي الْإِسْلام وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها يَقُولُ للمشركين الميت منكم فِي النار، والحي منكم عَلَى حرف النار. إن مات دخل النار. «فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» يعني من الشرك إلى الْإِيمَان كَذلِكَ يعني هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني علاماته فِي هَذِهِ النعمة: أعداء فِي الْجَاهِلِيَّة إخوانا فِي الْإِسْلام لَعَلَّكُمْ لكي تَهْتَدُونَ- ١٠٣- فتعرفوا علاماته فِي هَذِهِ النعمة.
فَلَمَّا سَمِع القوم القرآن من النَّبِيّ- ﷺ تحاجزوا ثُمّ عانق بعضهم بعضا وتناول بخدود بعض بالتقبيل والالتزام. يَقُولُ جَابِر بن عَبْد اللَّه وَهُوَ فِي القوم: لقَد اطلع إلينا رَسُول اللَّهِ- ﷺ وما أحد هُوَ أكره طلعة إلينا منه لما كنا هممنا به فَلَمَّا انتهى إليهم النَّبِيّ- ﷺ قَالَ: اتقوا اللَّه وأصلحوا ذات بينكم.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يعني عصبة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ١٠٤- فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا، وَلا يختلفوا كفعل أَهْل الكتاب، فَقَالَ: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فى الدين
стр. 201
بعد موسى فصاروا أديانا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ يعنى البيان وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ١٠٥- يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- ١٠٦- وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ يعني فِي جَنَّة اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ١٠٧- يعني لا يموتون تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ- ١٠٨- فيعذب عَلَى غَيْر ذنب وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ- ١٠٩- يعني تصير أمور العباد إِلَيْهِ فِي الآخرة. وافتخرت الأَنْصَار، فقالت الأوس «١» :
مِنَّا خُزَيْمة بن ثَابِت صاحب «٢» الشهادتين، ومنا حَنْظَلة غسيل الملائكة، ومنا عَاصِم بن ثَابِت بن الأفلح الَّذِي حمت رأسه الدبر، يعنى الزنابير، ومنا سعد ابن مُعَاذ الَّذِي اهتز العرش لموته، ورضي اللَّه- بحكمه، والملائكة فِي أَهْل قريظة وقالت الخزرج: منا أربعة [٦٠ أ] أحكموا القرآن، أبىّ ابن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثَابِت، وأَبُو زَيْد. ومنا سعد بن عبادة صاحب راية الأنصار وخطيبهم الَّذِي ناحت الجن عَلَيْه فقالوا:
نَحْنُ قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... فرميناه بسهمين فلم تخط فؤاده «٣»
стр. 202
قوله سُبْحَانَهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يعني خير الناس للناس وذلك أن مَالِك بن الضيف، ووهب بن يهوذا، قَالا لعبد اللَّه بن مَسْعُود، ومعاذ بن جبل، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة: إن ديننا خير مما تدعونا إِلَيْهِ فأنزل اللَّه- فيهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فِي زمانكم كَمَا فضل بني إِسْرَائِيل فِي زمانهم تَأْمُرُونَ الناس بِالْمَعْرُوفِ يعني بالإيمان وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بتوحيد الله وتنهوهم عن الظلم وأنتم خير الناس للناس وغيركم من أَهْل الأديان لا يأمرون أنفسهم وَلا غَيْرهم بالمعروف وَلا ينهونهم عن المنكر «١» ، ثُمّ قَالَ: وَلَوْ آمَنَ يعني ولو صدق أَهْلُ الْكِتابِ يعني اليهود بمحمد- ﷺ وما جاء به من الحق لَكانَ خَيْراً لَهُمْ من الكفر. ثم قال: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ- ١١٠- يعني العاصين يعني اليهود لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وذلك أن رؤساء اليهود كَعْب بن مَالِك، وشعبة «٢» ، وبحري «٣» ، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نَافِع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا. عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم وهم عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه. فأنزل اللَّه- «لَنْ يَضُرُّوكُمْ» اليهود «إِلَّا أَذىً» باللسان «٤» وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ- ١١١- ثُمّ أخبر عن اليهود، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يعنى المذلة أَيْنَ ما ثُقِفُوا يعني وجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ لا يأمنوا حيث ما توجهوا إِلَّا بعهد من الله، وعهد من
стр. 203
الناس يعني النَّبِيّ- ﷺ وحده وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يعني استوجبوا الغضب من اللَّه وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والْمَسْكَنَةُ يعني الذل والفقر ذلِكَ الَّذِي نزل بهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ الذي أصابهم بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ- ١١٢- فى دينهم بما خبر عنهم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وذلك أن اليهود قَالُوا لِابْن سلام وأصحابه: لقَدْ خسرتم حين استبدلتم بدينكم «دينا غيره» «١» وَقَدْ «٢» عاهدتم اللَّه بعهد ألا تدينوا إِلَّا بدينكم، فَقَالَ اللَّه- «لَيْسُوا سَواءً» يَقُولُ لَيْسَ كفار اليهود، والذين فِي الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم [٦٠ ب] عَلَى دين اللَّه منهم أُمَّةٌ عصابة قائِمَةٌ بالحق عَلَى دين اللَّه عادلة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني يقرءون كلام اللَّه آناءَ اللَّيْلِ يعني ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ- ١١٣- يعني يصلون بالليل يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدقون بتوحيد اللَّه والبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يعني إيمانا بمحمد- ﷺ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني عن تكذيب بمحمد- ﷺ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يعنى شرائع الإسلام وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ- ١١٤- وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ فلن يضل عَنْهُمْ بل يشكر ذَلِكَ لهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ- ١١٥- يعنى ابن سلام وأصحابه، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ١١٦- ثُمّ ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار عَلَى رءوس اليهود كَعْب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة فضرب
стр. 204
الله- مثلا لنفقاتهم، فقال: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا
وهم كفار يعنى سفلة اليهودمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
يعنى بردا شديداصابَتْ
الريح الباردةرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
فلم يبق منه شيئًا كَمَا أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك اللَّه «نفقات» سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة فلم تنفعهم نفقاتهم، فذلك قوله- : ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
حين أهلك نفقاتهم فلم تتقبل منهم لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
- ١١٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني المنافقين عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم الْأَنْصَارِيّ، وأصحابه دعاهم اليهود إلى دينهم منهم إصبغ ورافع ابني حَرْمَلَة وهما رءوس اليهود فزينوا لهما ترك الْإِسْلام حَتَّى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل اللَّه- يحذرهما ولاية اليهود «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً «١» يعني اليهود مِنْ دُونِكُمْ يعني من دون المؤمنين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا يعنى غيا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ يعني ما أثمتم لدينكم فِي دينكم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ يعني ظهرت البغضاء مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني قَدْ ظهرت العداوة بألسنتهم وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ يعنى ما تسر قلوبهم من الغش
стр. 205
أَكْبَرُ مما بدت بألسنتهم قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يَقُولُ فَفِي هَذَا بيان لَكُمْ منهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- ١١٨- ثم قال- سبحانه-: ها أَنْتُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ تحبون هَؤُلاءِ اليهود- فِي التقديم- لما أظهروا من الْإِيمَان بمحمد- ﷺ وبما جاء به وَلا يُحِبُّونَكُمْ [٦١ أ] لأنهم ليسوا عَلَى دينكم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ كتاب محمد- ﷺ والكتب كلها التي كَانَتْ قبله وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بمحمد- ﷺ وبما جاء به، وهم كذبة يعني اليهود مثلها فى المائدة- وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ... إلى آخر الآية «١» ثُمّ قَالَ: وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ الَّذِي فِي قلوبهم ودوا لو وجدوا ريحا يركبونكم بالعداوة قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ١١٩- يعني يعلم ما فِي قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين ثُمّ أخبر عن اليهود. فَقَالَ- سبحانه-: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ يعني الفتح والغنيمة يوْم بدر تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ القتل والهزيمة يوْم أحد يَفْرَحُوا بِها ثُمّ قَالَ للمؤمنين: وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى أمر اللَّه وَتَتَّقُوا معاصيه لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يعني قولهم إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ- ١٢٠- أحاط علمه بأعمالهم وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ عَلَى راحلتك يا محمد يوْم الأحزاب تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ يعني «٢» توطن لهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فِي الخندق قبل أن يستبقوا إِلَيْهِ ويستعدوا للقتال وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- ١٢١- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
стр. 206
يعني ترك المركز: منهم بنو حارثة بن الْحَارِث، ومنهم أَوْس بن قيظي، وأَبُو عربة بن أَوْس بن يامين، وبنو سَلَمَة بن جشم، وهما حيان من الأَنْصَار وَاللَّهُ وَلِيُّهُما حين عصمها فلم يتركا المركز وقالوا: ما يسرنا أَنَا لَمْ نهم بالذي هممنا إذا كان اللَّه ولينا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- ١٢٢- يعني فليثق المؤمنون به وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ وأنتم قليل يذكرهم النعم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ١٢٣- ربكم فِي النعم إِذْ تَقُولُ يا محمد لِلْمُؤْمِنِينَ يوم أحد أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ- ١٢٤- عليكم من السماء وذلك حين سألوا المدد فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
بَلى يمددكم ربكم بالملائكة إِنْ تَصْبِرُوا لعدوكم وَتَتَّقُوا معاصيه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يعني من وجههم هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فزادهم ألفين مُسَوِّمِينَ- ١٢٥- يعني معلمين بالصوف الأبيض فِي نواصي الخيل، وأذنابها عَلَيْهَا البياض معتمين بالبياض وَقَدْ أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يَقُولُ وما جعل المدد من الملائكة إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ يعني ولكي تسكن قُلُوبُكُمْ «١» بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ النصر لَيْسَ بقلة العدد وَلا بكثرته وَلَكِن النصر من عِنْد اللَّه الْعَزِيزِ يعني المنيع في ملكه الْحَكِيمِ- ١٢٦- في أمره [٦١ ب] حكم النصر للمؤمنين، نظيرها فِي الأنفال «٢» ، لِيَقْطَعَ لكي يقطع طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة أَوْ يَكْبِتَهُمْ يعني يخزيهم فَيَنْقَلِبُوا إلى مكة خائِبِينَ- ١٢٧- لم يصيبوا
стр. 207
ظفرا، ولا خيرا فلم يصبر المؤمنون وتركوا المركز، وعصوا فرفع عَنْهُم المدد، وأصابتهم الهزيمة بمعصيتهم، فيها تقديم لَيْسَ لَكَ يا محمد مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وذلك أن سبعين رَجُلا من أصحاب الصفة فقراء، كانوا إذا أصابوا طعاما فشبعوا منه تصدقوا «١» بفضله، ثُمّ إنهم خرجوا إلى الغزو محتسبين إلى قتال قبيلتين من بني سُلَيْم: عصبة وذكوان، فقاتلوهم فقتل السبعون جميعًا فشق عَلَى النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه قتلهم. فدعا عليهم النَّبِيّ- ﷺ أربعين يومًا فِي صلاة الغداة فأنزل اللَّه- تَعَالَى- «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» «٢» أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيهديهم لدينه أَوْ يُعَذِّبَهُمْ على كفرهم فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ- ١٢٨- ثُمّ عظم نفسه تَعَالَى فَقَالَ: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وفى ملكه
стр. 208
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٢٩- فِي تأخير العذاب عن «١» هذين الحيين من بنى سليم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وذلك أن الرَّجُل كان إذا حل ماله طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب أخر عني وأزيدك عَلَى مَالِك، فيفعلون ذَلِكَ، فوعظهم اللَّه- تَعَالَى- وقَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- ١٣٠- ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ- ١٣١- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- ١٣٢- يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا ثُمّ رغبهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَسارِعُوا بالأعمال الصالحة إِلى مَغْفِرَةٍ لذنوبكم مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يقول عرض الجنة كعرض سبع سماوات وسبع أرضين جميعًا لو ألصق بعضها إلى بعض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ- ١٣٣- ثُمّ نعتهم، فَقَالَ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يعني فِي «اليسر» «٢» والعسر «٣» وَفِي الرخاء والشدة وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَهُوَ الرَّجُل يغضب فِي أمر فإذا فعله وقع فِي معصية، فيكظم الغيظ ويغفر. فذلك قوله:
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ومن يفعل هَذَا فقد أحسن فذلك قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- ١٣٤-
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : إني أرى هَؤُلاءِ فِي أمتي قليلا «٤» ، وكانوا أكثر فِي الأمم الخالية
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً وذلك
أن رَجُلا خرج غازيا وخلف رَجُلا فِي أهله وولده، فعرض لَهُ الشَّيْطَان فِي أهله، فهوى المرأة فكان منه ما ندم، فأتى أبا بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ فقال:
هلكت. قال: وما هلاك. قال: ما من شيء يناله الرجل [٦٢ أ] من المرأة إلا وَقَدْ نلته غَيْر الجماع فَقَالَ أَبُو بَكْر- رضى الله عنه-: ويحك أما علمت
стр. 209
أن اللَّه- يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثُمّ لقي عُمَر- ﵁ فَأَخْبَرَه. فَقَالَ لَهُ مثل مقالة أَبِي بَكْر- ﵁ ثُمّ أتى النبي- ﷺ فقال له، مثل مقالتهما فأنزل اللَّه- فِيهِ «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً» يعنى الزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما كان نال منها «١» دون الزنا ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا يقيموا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ١٣٥- أنها معصية فَمنْ استغفر ف أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين فِي الجنان لا يموتون وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ- ١٣٦- يعني التائبين من الذنوب. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ :
ظلمت نفسك، فاستغفر الله، وتب إِلَيْهِ. فاستغفر الرَّجُل، واستغفر لَهُ النَّبِيّ- ﷺ
نزلت هَذِهِ الآية فِي عُمَر بن قَيْس «٢» ويكنى أبا مقبل.
وذلك حين أقبل إلى النَّبِيّ- ﷺ وَقَدْ صدمه حائط، وإذا الدم يسيل عَلَى وجهه عقوبة لما فعل. فانتهى إلى النَّبِيّ- ﷺ فأذن بلال بالصلاة: صلاة الأولى. فسأل أَبُو مقبل النَّبِيّ- ﷺ ما توبته فلم يجبه ودخل المسجد وصلى الأولى، ودخل
стр. 210
أَبُو مقبل، وصلى معه، فنزل جبريل- ﵇ بتوبته وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يعني الصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «١» يعني الذنوب التي لَمْ تختم «٢» بالنار وليس عَلَيْه حد فِي الزنا «٣» وما بين الحدين فهو اللمم والصلوات الخمس تكفر هَذِهِ الذنوب وكان ذنب أَبِي «٤» مقبل من هَذِهِ الذنوب فَلَمَّا صلى النَّبِيّ- ﷺ قَالَ لأبي مقبل: أما توضأت قبل أن تأتينا. قَالَ: بلى. قَالَ: أما شهدت معنا الصَّلاة. قَالَ: بلى. قَالَ فَإِن الصَّلاة قَدْ كفرت ذنبك، وقرأ النَّبِيّ- ﷺ هَذِهِ الآية «٥» .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ يعني عذاب الأمم الخالية فخوف هَذِهِ الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه قوله- سُبْحَانَهُ-: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ- ١٣٧- للرسل بالعذاب كان عاقبتهم الهلاك ثُمّ وعظهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: هَذَا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ من العمى وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ من الجهل لِلْمُتَّقِينَ- ١٣٨- وَلا تَهِنُوا وَلا تضعفوا عن عدوكم وَلا تَحْزَنُوا عَلَى ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني العالين إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٣٩-[٦٢ ب] يعنى إن كنتم مصدقين ثُمّ عزاهم فَقَالَ: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يعني إن تصبكم «٦» جراحات يوم أحد فقد مس القوم يعني كفار قريش قرح مثله يَقُولُ قَدْ أصاب المشركين جراحات مثله يوم بدر «٧» وذلك قوله- سبحانه-:
стр. 211
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يوم لَكُمْ ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين. بديل للكافرين من الْمُؤْمِنِين ويبتلى الْمُؤْمِنِين بالكافرين وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ يعني وليرى إيمان الَّذِينَ آمَنُوا منكم عِنْد البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا فِي دينهم أم لا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ- ١٤٠- يعنى المنافقين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالبلاء ليرى صبرهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ- ١٤١- يعني ويذهب دعوة الكافرين الشرك يعني المنافقين فيبين «١» نفاقهم وكفرهم ثُمّ بين للمؤمنين أَنَّهُ نازل بهم الشدة والبلاء فِي ذات اللَّه- فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ يعني أحسبتم وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فَإِن محمدا لو كان نبيا لَمْ يسلط عَلَيْه القتل. قَالَ المؤمنون: بلى من قُتِل مِنَّا دخل الجنة. فَقَالَ المنافقون: لَمْ تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل اللَّه- تَعَالَى- أَمْ حَسِبْتُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ يعني ولما يرى اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ فى سبيل الله وَلما يَعْلَمِ يعني يرى الصَّابِرِينَ- ١٤٢- عِنْد البلاء. وليمحص أَيّ يَقُولُ إذا جاهدوا وصبروا رَأَى ذَلِكَ منهم، وإذا لَمْ يفعلوا لَمْ ير ذَلِكَ منهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ وذلك حين أخبر اللَّه- عن قتلى بدر وما هُمْ فِيهِ من الخير. قَالُوا: يا نَبِيّ اللَّه أرنا يومًا كيوم بدر. فأراهم اللَّه- يوم أحد فانهزموا فعاتبهم اللَّه- فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعني القتال من قبل أن تلقوه فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ- ١٤٣- وقالوا يومئذ إن محمدا- ﷺ قَدْ قُتِل. فَقَالَ بشر بن النَّضْر الْأَنْصَارِيّ- وَهُوَ عم أنس بن مَالِك-: إن كان محمدا- ﷺ قَدْ قتل فإن رب
стр. 212
محمد حي، أفلا تقاتلون عَلَى ما قاتل عَلَيْه رَسُول اللَّهِ- ﷺ حَتَّى تلقوا اللَّه- . ثُمّ قَالَ النَّضْر: اللَّهُمَّ إني أعتذر إليك مما يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبرأ إليك مما جاء به هَؤُلاءِ ثُمّ شد عليهم بسيفه فقتل منهم من قتل. وقَالَ المنافقون يومئذ: ارجعوا إلى إخوانكم فاستأمنوهم، فارجعوا إلى دينكم الأول. فَقَالَ النَّضْر عند قول المنافقين تلك المقالة «١» [٦٣ أ] فأنزل اللَّه- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ يَقُولُ وهل محمد- ﵇ لو قُتِل إِلَّا كَمَن قُتِل قبله من الْأَنْبِيَاء أَفَإِنْ ماتَ محمد أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ يعني رجعتم إلى دينكم الأول الشرك. ثُمّ قال: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ يَقُولُ ومن يرجع إِلَى الشرك بعد الْإِيمَان فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً بارتداده من الْإِيمَان إلى الشرك إِنَّمَا يضر بذلك نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- ١٤٤- يعني الموحدين للَّه فِي الآخرة وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ يعنى أن تقتل إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ حتى يأذن الله فى موته كِتاباً مُؤَجَّلًا فِي اللوح المحفوظ وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يعني الَّذِين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة. وقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها الَّذِين ثبتوا مَعَ أميرهم عَبْد اللَّه بن جُبَيْر الْأَنْصَارِيّ من بني عمرو حَتَّى قتلوا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ- ١٤٥- يعني الموحدين فِي الآخرة ثُمّ أخبر بما لقيت الْأَنْبِيَاء والمؤمنون قبلهم يعزيهم ليصبروا، فقال- سبحانه-:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ وكم من نَبِيّ «قاتَلَ مَعَهُ قبل محمد» «٢» رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ يعني الجمع الكثير فَما وَهَنُوا يعني فَمَا عجزوا لما نزل بهم من قبل أنبيائهم وأنفسهم
стр. 213
لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا يعني خضعوا لعدوهم وَمَا اسْتَكانُوا يعني وما استسلموا يعني الخضوع لعدوهم بعد قَتْل نبيهم فصبروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ- ١٤٦- وَما كانَ قَوْلَهُمْ عِنْد قَتْل أنبيائهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا يعني الخطايا الكبار فِي أعمالنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عِنْد اللقاء حَتَّى لا تزل وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
- ١٤٧- أفلا تقولون كَمَا قَالُوا، وتقاتلون كَمَا قاتلوا، فتدركون من الثواب فِي الدُّنْيَا والآخرة مثل ما أدركوا، فذلك قوله- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا يَقُولُ أعطاهم النصر والغنيمة فِي الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ جنة اللَّه ورضوانه فَمنْ فعل ذَلِكَ فقد أحسن. فذلك قوله- : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- ١٤٨- وأنزل اللَّه- فِي قول المنافقين للمؤمنين، عِنْد الهزيمة:
ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين فِي الرجوع إلى أَبِي سُفْيَان يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ كفارا بعد الإيمان فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- ١٤٩-[٦٣ ب] إلى دينكم الأول بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ «١» يعني يَقُولُ فأطيعوا اللَّه مولاكم يعني وليكم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ- ١٥٠- من أبي سُفْيَان وأصحابه ومن معه من كفار العرب يوم أحد سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فانهزموا إلى مكة من غَيْر شيء بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني ما لَمْ ينزل به كتابا فِيهِ حجة لهم بالشرك وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ- ١٥١- يعني مأوى المشركين النار وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ يعنى ضعفتم عن ترك المركز
стр. 214
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقَالَ بعضهم: لا نبرح المركز كَمَا أمرنا رَسُول اللَّهِ- ﷺ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من النصر عَلَى عدوكم فقتل أصحاب الألوية من المشركين مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا الَّذِين طلبوا الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الَّذِين ثبتوا فِي المركز حَتَّى قتلوا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ من بعد أن أظفركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ حيث لَمْ تقتلوا جميعًا عقوبة بمعصيتكم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ فِي عقوبته عَلَى الْمُؤْمِنِينَ- ١٥٢- حيث لَمْ يقتلوا جميعًا إِذْ تُصْعِدُونَ من الوادي إلى أحد وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يعني بأحد النَّبِيّ- ﷺ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يعني يناديكم من ورائكم يا مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنَا رَسُول اللَّه. ثُمّ قَالَ: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذَلِكَ من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خَالِد بن الْوَلِيد عليهم من الشعب فِي الخيل، فَلَمَّا أن عاينوه ذعرهم «١» ذَلِكَ وأنساهم ما كانوا فِيهِ من الغم الأول والحزن. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٥٣- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يعني من بعد غم الهزيمة أمنة نعاسا، وذلك أن اللَّه- ألقى عَلَى بعضهم النعاس فذهب غمهم، فذلك قوله- : يَغْشى النعاس طائِفَةً مِنْكُمْ نزلت فِي سبعة نفر، فى أبى بكر [٦٤ أ] الصِّدِّيق، وعمر بن الخَطَّاب، وعلي بن أَبِي طَالِب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-
стр. 215
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني الَّذِين لَمْ يلق عليهم النعاس يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كذبا يَقُولُ المؤمنون إن محمدا- ﷺ قَدْ قُتِل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُ كظن جهال المشركين أَبُو سُفْيَان «١» وأصحابه وذلك أنهم قَالُوا إن محمدا قَدْ قُتِل يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ هَذَا قول معتب بن قشير يعني بالأمر النصر يَقُولُ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ يعني النصر كُلَّهُ لِلَّهِ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ «يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» «٢» يقول يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم وَالَّذِي أخفوا فِي أنفسهم أنهم قَالُوا: لو كُنَّا فِي بيوتنا ما قتلناها هنا، قَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ لهم يا محمد: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ كَمَا تقولون لخرج من البيوت الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ فَمنْ كتب عَلَيْه القتل لا يموت أبدا ومن كتب عَلَيْه الموت لا يقتل أبدا. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ١٥٤- يَقُولُ اللَّه عليم بما فِي القلوب من الْإِيمَان والنفاق والذين أخفوا فِي أنفسهم قولهم إن محمدا قَدْ قُتِل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا «٣» هاهنا، يعني هَذَا المكان فهذا الَّذِي قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ- لهم: قل لهم يا محمد لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا تقولون لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يعني انهزموا عن عدوهم مدبرين منهزمين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الْمُؤْمِنِين وجمع المشركين يوم أحد إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ يعنى استفزهم الشيطان بِبَعْضِ ما كَسَبُوا