الله عليه وسلم- بل هي لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ولآلهتهم» «١» فقال عبد الله خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى بن مريم «نبي» «٢» وتثني عليه وعلى أمه خيرا وقد علمت أن النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد والملائكة تعبد فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم فقال النبي- ﷺ : لا. فقال عبد الله أليس قد زعمت أنها لنا ولآلهتنا ولجميع الأمم وآلهتهم؟ خصمتك ورب الكعبة. فضجوا من ذلك فأنزل الله- تعالى- «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى»
يعنى الملائكة وعزيز وعيسى ومريم «أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» «٣» وأنزل «وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا» إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ- ٥٧- يعني يضجون تعجبا لذكر عيسى- ﵇، عبد الله بن الزبعري وأصحابه هم هؤلاء النفر وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعني عيسى؟ وقالوا ليس آلهتنا إن عذبت «خيرا» «٤» من عيسى بأنه يعبد «٥» يقول الله- تعالى- «بل هو» مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا يقول ما ذكروا لك عيسى إلا ليجادلونك به بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ- ٥٨- إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ يعني عيسى- ﵇ يقول ما هو إلا عبد أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ- ٥٩- يقول الله- تعالى- حين ولد من
стр. 1507
غير أب يعني آية وعبرة ليعتبروا قوله: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ- ٦٠- مكانكم فكانوا خلفا منكم، ثم رجع في التقديم إلى عيسى فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ [١٤٤ ب] «لِلسَّاعَةِ» «١» يقول نزوله من السماء علامة «للساعة» ينزل على ثنية أفيق: وهو جبل بيت المقدس يقال له أفيق، عليه ممصرتان دهين الرأس معه حربة، يقتل بها الدجال يقول نزول عيسى من السماء علامة للساعة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها يقول لا تشكوا في الساعة ولا في القيامة أنها كائنة، قوله: «وَاتَّبِعُونِ» «٢» هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ- ٦١-، ثم قال: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ عن الهدى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ- ٦٢- يعنى بين وَلَمَّا جاءَ عِيسى يعني بني إسرائيل «٣» بِالْبَيِّناتِ يعني الإنجيل قالَ لهم: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ يعني الإنجيل فيه بيان الحلال والحرام وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ من الحلال والحرام فبين لهم ما كان حرم عليهم من الشحوم واللحوم وكل ذي ظفر فأخبرهم أنه لهم حلال في الإنجيل غير أنهم يقيمون على السبت فَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تعبدوا غيره وَأَطِيعُونِ- ٦٣- فيما آمركم به من النصيحة فَإنَّهُ ليس له شريك إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يعني وحدوه هَذَا يعني هذا التوحيد صِراطٌ يعني دين مُسْتَقِيمٌ- ٦٤- فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فى الدين والأحزاب هم: النسطورية والمار يعقوبية والملكانية تحازبوا من بينهم في عيسى- ﵇ فقالت النسطورية: عيسى ابن الله. وقالت
стр. 1508
المار يعقوبية: إن الله هو المسيح بن مريم، وقالت الملكانية: إن الله ثالث ثلاثة فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني النصارى الذين قالوا في عيسى ما قالوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ- ٦٥- يعني يوم القيامة وإنما سماه أليما لشدته، ثم رجع إلى كفار قريش فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ يعنى يوم القيامة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- ٦٦- بجيئتها، ثم قال:
الْأَخِلَّاءُ في الدنيا يَوْمَئِذٍ في الآخرة بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ- ٦٧- يعني الموحدين نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وعقبة ابن أبي معيط قتلا جميعا وذلك
أن عقبة كان يجالس النبي- ﷺ ويستمع إلى حديثه، فقالت قريش: قد صبأ عقبة وفارقنا. فقال له أمية بن خلف: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا «فلم تنقل» «١» في وجهه، حتى يعلم قومك أنك غير مفارقهم، ففعل عقبة ذلك فقال النبي- ﷺ : أما أنا لله علي لئن أخذتك خارجا من الحرم لأهريقن دمك. فقال له: يا بن أبى كبشة، [١٤٥ أ] ومن أين تقدر علي خارجا من الحرم، فتكون لك مني «السوء» «٢» . فلما كان يوم بدر أسر، فلما عاينه النبي- ﷺ ذكر نذره فأمر علي بن أبي طالب- ﵁ فضرب عنقه فقال عقبة: يا معشر قريش، ما بالي أقتل من بينكم؟ فقال النبي- ﷺ بتكذيبك الله ورسوله. فقال: من لأولادى. فقال النبي
стр. 1509
- ﷺ لهم النار.
«ولما» «١» كان يوم القيامة وقع الخوف، فقال: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ يقول رفع الله الخوف عن المؤمنين الْيَوْمَ يعنى يوم القيامة وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- ٦٨- فإذا سمعوا النداء رفعوا رءوسهم، فلما قال: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ- ٦٩- يقول الذين صدقوا بالقرآن وكانوا مخلصين بالتوحيد، نكس أهل الأوثان والكفر رءوسهم، ثم نادى الذين آمنوا وكانوا يتقون المعاصي فلم يبق صاحب كبيرة إلا نكس رأسه، ثم قال: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يا أهل التوحيد أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ يعني وحلائلكم تُحْبَرُونَ- ٧٠- يعني تكرمون وتنعمون يُطافُ عَلَيْهِمْ بأيدي الغلمان بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ من فضة يعني الأكواب التي ليس لها عرى مدورة الرأس في صفاء القوارير، ثم قال:
وَفِيها «مَا تَشْتَهِيهِ» «٢» الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ- ٧١- لا تموتون وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٧٢- لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ- ٧٣- ثم قال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني المشركين المسرفين فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ- ٧٤- يعنى لا يموتون لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ العذاب طرفة عين وَهُمْ فِيهِ يعني في العذاب مُبْلِسُونَ- ٧٥- يعني آيسون من كل خير مستيقنين بكل عذاب مبشرين بكل سوء زرق الأعين سود الوجوه، ثم قال: وَما ظَلَمْناهُمْ فنعذب على غير ذنب وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ- ٧٦- وَنادَوْا فى النار يا مالِكُ
стр. 1510
وهو خازن جهنم، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ فيسكت عنهم مالك «فلا» «١» يجيبهم مقدار أربعين سنة، ثم «يوحي» «٢» الله- تعالى- إلى مالك بعد أربعين «أن يجيبهم» «٣» ، فرد عليهم مالك: «قالَ» «٤» إِنَّكُمْ ماكِثُونَ- ٧٧- في العذاب يقول مقيمون فيها فقال مالك: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ في الدنيا يعني التوحيد وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ- ٧٨-، قوله: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ- ٧٩- يقول أم أجمعوا أمرا.
وذلك أن نفرا من قريش منهم أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو [١٤٥ ب] ، وأبو البختري بن هشام، وأمية بن أبي معيط، وعيينة بن حصن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، - بعد موت أبي طالب- اجتمعوا في دار الندوة بمكة ليمكروا بالنبي- ﷺ سرا عند انقضاء المدة فأتاهم إبليس في صورة شيخ كبير فجلس إليهم، فقالوا له: ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا؟ قال عدو الله:
أنا رجل من أهل نجد، وقدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة ريحكم، فأردت أن أسمع حديثكم، وأشير عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من بينكم.
فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد ليس من أهل مكة فلا بأس عليكم منه. فتكلموا بالمكر بالنبي- ﷺ .
стр. 1511
فقال أبو البختري بن هشام- من بني أسد بن عبد العزى-: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا- ﷺ فتجعلوه في بيت وتسدوا عليه بابه، «وتجعلوا» «١» له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت.
فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم تعمدون إلى رجل له فيكم صغو، قد سمع به من حولكم، تحبسونه في بيت، وتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عنه ويفسد جماعتكم ويسفك دماءكم. قالوا: صدق والله الشيخ.
فقال هشام بن عمرو- من بنى عامر بن لوى-: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير، فتخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء ويليه غيركم.
فقال إبليس: بئس الرأي، رأيتم تعمدون إلى رجل قد أفسد عليكم جماعتكم، وتبعه طائفة منكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك بالله أن يميل بهم عليكم. فقال أبو جهل: صدق والله الشيخ.
فقال أبو جهل بن هشام: أما أنا فأرى أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش فتأخذون من كل بطن منهم رجلا، فتعطون كل رجل منهم سيفا فيضربونه جميعا فلا يدري قومه من يأخذون به، وتؤدي قريش ديته، فقال إبليس: صدق والله الشاب. إن الأمر لكما.
قال: فتفرقوا عن قول أبي جهل فنزل جبريل- ﵇ فأخبر النبي- ﷺ «بما ائتمروا به» «٢» وأمره بالخروج فخرج النبي- ﷺ من ليلته إلى الغار. وأنزل الله- تعالى- فى شرهم
стр. 1512
الذي أجمعوا عليه «أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ» يقول أم أجمعوا أمرهم على محمد- ﷺ بالشر فإنا مجمعون أمرنا على ما يكرهون فعندها قتل هؤلاء النفر ببدر، يقول: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ الذي بينهم وَنَجْواهُمْ الذي أجمعوا عليه «ليثبتوك» «١» في بيت، أو يخرجوك من مكة، أو يقتلوك، بَلى نسمع ذلك منهم وَرُسُلُنا الملائكة الحفظة لَدَيْهِمْ يعني «عندهم» «٢» يَكْتُبُونَ- ٨٠- قُلْ يا محمد [١٤٦ أ] :
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ يعني ما كان للرحمن ولد فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ- ٨١- وذلك أن النضر بن الحارث- من بني عبد الدار بن قصي- قال:
إن الملائكة بنات الله. فأنزل الله- «قُلْ» يا محمد «إن كان للرحمن» يقول ما كان للرحمن «ولد فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» يعني الموحدين من أهل مكة بأن لا ولد، ونزه الرب نفسه عما كذبوا بالعذاب: سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ- ٨٢- يعني عما يقولون من الكفر بربهم، يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة، وذلك أن الله- تعالى- وعدهم في الدنيا على ألسنة الرسل أن العذاب كائن نازل بهم فَذَرْهُمْ يقول خل عنهم يَخُوضُوا في باطلهم وَيَلْعَبُوا يعني يلهوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ في الآخرة الَّذِي يُوعَدُونَ «٣» - ٨٣- العذاب فيه. ثم قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
стр. 1513
فعظم نفسه عما قالوا، فقال: وهو الذي يوحد في السماء، ويوحد في الأرض وَهُوَ الْحَكِيمُ في ملكه الخبير بخلقه الْعَلِيمُ- ٨٤- بهم، ثم عظم نفسه عن شركهم فقال: وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني القيامة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- ٨٥- يعني تردون في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ يقول لا تقدر الملائكة الذين يعبدونهم من دون الله الشفاعة، وذلك أن النضر ابن الحارث ونفرا معه قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة من محمد- ﷺ فأنزل الله «وَلا يَمْلِكُ» يقول ولا يقدر «الذين يدعون من دونه» وهم الملائكة الشَّفَاعَةَ، يقول لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله على الشفاعة لأحد، ثم استثنى فقال:
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ يعني بالتوحيد من بني آدم، فذلك قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ٨٦- أن الله واحد لا شريك له فشفاعتهم لهؤلاء قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ يعني أهل مكة: كفارهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وذلك أنه لما «نزلت» «١» فى أول هذه السورة «خلق» «٢» السموات والأرض «٣» نزلت في آخرها «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»
فقال لهم النبي- ﷺ : من خلقكم ورزقكم وخلق السموات والأرض؟ فقالوا: الله خالق الأشياء كلها، وهو خلقنا.
قال الله- تعالى- لنبيه- ﷺ قل لهم: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ- ٨٧- يقول من أين يكذبون بأنه
стр. 1514
واحد لا شريك له، وأنتم مقرون أن الله خالق الأشياء وخلقكم، ولم يشاركه أحد في ملكه فيما خلق؟ فكيف تعبدون غيره؟ فلما قال النبي- ﷺ يا رب [١٤٦ ب] وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ يعنى كفار مكة قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ- ٨٨- يعني لا يصدقون، وذلك أنه لما قال أيضا في الفرقان: « ... إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» «١» قال الله- تعالى- يسمع قوله «٢» ، فيها تقديم «يا رب إن هؤلاء» يعنى كفار مكة «قوم لا يؤمنون» يعني لا يصدقون بالقرآن أَنَّهُ من اللَّه- يقول الله- تعالى- لنهيه- ﷺ : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ يعني فأعرض عنهم فيها تقديم وَقُلْ سَلامٌ أردد عليهم معروفا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ- ٨٩- هذا وعيد حين ينزل بهم العذاب فنسخ آية السيف الإعراض والسلام، وذكر وعيدهم وفي «حم» المؤمن فقال: «إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ» «٣» .
سورة الدخان «١» سورة الدخان مكية عددها تسع وخمسون آية كوفى «٢» .
стр. 1518
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- وَالْكِتابِ الْمُبِينِ- ٢- يعني البين ما فيه إِنَّا أَنْزَلْناهُ يعني القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى السفرة من الملائكة وهم الكتبة، وكان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدر فينزل الله- من القرآن إلى السماء الدنيا، على قدر ما ينزل به جبريل- ﵇ في السنة إلى مثلها من العام المقبل حتى نزل القرآن كله فى ليلة القدر «١» ، «فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» «٢» : وهي ليلة مباركة، قال، وقال مُقَاتِلُ:
نزل القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى السفرة في ليلة واحدة ليلة القدر فقبضه جبريل- ﷺ من السفرة في عشرين شهرا، وأداه إلى النَّبِيّ- ﷺ فِي عشرين سنة وسميت ليلة القدر «ليلة مباركة» «٣» لما فيها من البركة والخير، ثم قال: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ- ٣- يعني بالقرآن فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ- ٤- يقول يقضي الله في ليلة القدر كل أمر محكم من الباطل ما يكون في السنة كلها إلى مثلها من العام المقبل من الخير والشر والشدة والرخاء والمصائب، يقول الله- تعالى-: كان أَمْراً مِنْ عِنْدِنا يقول
стр. 1519
كان أمرا منا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ- ٥- يعني منزلين هذا القرآن أنزلناه رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لمن آمن به إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم الْعَلِيمُ- ٦- به رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ- ٧- بتوحيد الرب- تعالى-،: وحد نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ يقول يحيي الموتى ويميت الأحياء، هو رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ- ٨- بَلْ هُمْ لكن هم فِي شَكٍّ من هذا القرآن يَلْعَبُونَ- ٩- يعني لاهون عنه، قوله: فَارْتَقِبْ وذلك
أن النبي- ﷺ دعا الله- على كفار قريش فقال:
اللهم أعني عليهم بسبع سنين كسى «١» يوسف، فأصابتهم شدة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف من شدة الجوع، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء الدخان من الجوع،
فذلك قوله: «فَارْتَقِبْ» يقول فانتظر يا محمد يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ- ١٠- يَغْشَى النَّاسَ يعني أهل مكة هَذَا الجوع عَذابٌ أَلِيمٌ- ١١- يعني وجيع. ثم إن أبا سفيان بن حرب، وعتبة ابن ربيعة، والعاص بن وائل، والمطعم بن عدي، وسهيل بن عمرو، وشيبة ابن ربيعة، كلهم من قريش، أتوا النبي- ﷺ فقالوا: يا محمد، استسق لنا، فقالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ يعني الجوع إِنَّا مُؤْمِنُونَ- ١٢- يعني إنا مصدقون بتوحيد الرب وبالقرآن أَنَّى لَهُمُ «٢» الذِّكْرى
стр. 1520
يقول من أين لهم التذكرة يعني الجوع الذي أصابهم بمكة وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ يعني محمدا- ﷺ مُبِينٌ- ١٣- يعني هو بين أمره، جاءهم بالهدى ثُمَّ تَوَلَّوْا «عَنْهُ» «١» يقول ثم أعرضوا عن محمد- ﷺ إلى الضلالة وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ- ١٤- قال ذلك عقبة بن أبي معيط إن محمدا مجنون، وقالوا إنما يعلمه جبر غلام عامر ابن الحضرمي، وقالوا: لئن لم ينته جبر غلام عامر بن الحضرمي «فأوعدوه» «٢» لنشترينه من سيده، ثم لنصلينه حتى ينظر هل ينفعه محمد أو يغني عنه شيئا، «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ» «٣» يقول بل هم من القرآن في شك لاهون،
فدعا النبي- ﷺ فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا عاما طبقا مطبقا غدقا ممرعا مريا عاجلا غير ريث نافعا غير ضار، فكشف الله- تعالى- عنهم العذاب،
فذلك قوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ يعني الجوع قَلِيلًا إلى يوم بدر إِنَّكُمْ عائِدُونَ- ١٥- إلى الكفر فعادوا فانتقم الله منهم ببدر فقتلهم، فذلك قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعنى العظمى فكانت البطش في المدينة يوم بدر أكثر مما أصابهم من الجوع بمكة، فذلك قوله:
إِنَّا مُنْتَقِمُونَ- ١٦- بالقتل وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجل الله أرواحهم الى النار.
стр. 1521
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بموسى- صلى الله عليه- حتى ازدروه كما ازدرى أهل مكة النبي- ﷺ لأنه ولد فيهم فازدروه فكان النبي- ﷺ فتنة لهم، كما كان موسى- صلى الله عليه- فتنة لفرعون وقومه، فقالت قريش: أنت أضعفنا وأقلنا حيلة فهذا حين ازدروه كما ازدروا موسى- ﵇ حين قالوا: « ... أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا» [١٤٧ ب] «وليدا ... » «١» فكانت فتنة لهم من أجل ذلك ذكر فرعون دون الأمم، نظيرها في المزمل: «إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا ... » «٢» ، قوله: «وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ» كما فتنا قريشا بمحمد- ﷺ ، لأنهما ولدا في قومهما وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ- ١٧- يعني الخلق كان يتجاوز ويصفح يعني موسى حين سأل ربه أن يكشف عن أهل مصر الجراد والقمل، فقال موسى لفرعون: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ يعني أرسلوا معي بني إسرائيل يقول: وخل سبيلهم فإنهم أحرار ولا تستعبدهم إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ- ١٨- فيما بيني وبين ربكم وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ يعني لا تعظموا على الله أن توحدوه إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ- ١٩- يعني حجة بينة كقوله: «ألا تعلوا على (الله) » يقول ألا تعظموا على الله «إِنِّي آتيكم بسلطان مبين» يعني حجة بينة وهي اليد والعصا فكذبوه، فقال فرعون في «حم» المؤمن: « ... ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ... » «٣» فاستعاذ موسى فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ
стр. 1522
يعني فرعون وحده أَنْ تَرْجُمُونِ- ٢٠- يعني أن تقتلون وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ- ٢١- يقول وإن لم تصدقوني، يعني فرعون وحده، «فاعتزلون» فلا تقتلون، فدعا موسى ربه في يونس فقال: «وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» «١» يعني «نجنى» «٢» وبني إسرائيل «وأرسل» «٣» العذاب على أهل مصر، «قوله- تعالى-: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ يعني أهل مصر» «٤» قَوْمٌ مُجْرِمُونَ- ٢٢- فلا يؤمنون فاستجاب الله له فأوحى الله- تعالى- إليه: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ- ٢٣- يقول يتبعكم فرعون وقومه وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً وذلك أن بني إسرائيل لما قطعوا البحر قالوا لموسى- صلى الله عليه- فرق لنا البحر كما كان فإنا نخشى أن يقطع فرعون وقومه آثارنا فأراد موسى- ﵇ أن يفعل ذلك كان الله- تعالى- أوحى إلى البحر أن يطيع موسى- ﵇ فقال الله لموسى: «وَاتْرُكِ البحر رهوا» يعني صفوفا، ويقال ساكنا «إِنَّهُمْ» «٥» إن فرعون وقومه جُنْدٌ مُغْرَقُونَ- ٢٤- فأغرقهم الله في نهر مصر وكان عرضه يومئذ فرسخين، فقال الله- تعالى-: كَمْ تَرَكُوا من بعدهم يعني فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ يعني بساتين وَعُيُونٍ- ٢٥- يعني الأنهار الجارية وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ- ٢٦- يعنى ومساكن حسان وَنَعْمَةٍ
стр. 1523
من العيش كانُوا فِيها فاكِهِينَ- ٢٧- يعني أرض مصر معجبين كَذلِكَ يقول هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر، ثم قال:
وَأَوْرَثْناها يعني أرض مصر قَوْماً آخَرِينَ- ٢٨- يعني بني إسرائيل فردهم الله إليها بعد الخروج منها، ثم قال: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وذلك أن المؤمن إذا مات بكى عليه معالم سجوده من الأرض، ومصعد عمله من السماء أربعين يوما وليلة، ويبكيان على الأنبياء ثمانين يوما وليلة، ولا يبكيان على الكافر [١٤٨ أ] ، فذلك قوله: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ» لأنهم لم يصلوا لله في الأرض ولا كانت لهم أعمال صالحة تصعد إلى السماء لكفرهم وَما كانُوا مُنْظَرِينَ- ٢٩- لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى عذبوا بالغرق وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ- ٣٠- يعني الهوان وذلك أن بني إسرائيل آمنت بموسى وهارون، فمن ثم قال فرعون: « ... اقْتُلُوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ... » فلما هم بذلك قطع الله بهم البحر مع ذرياتهم وذراريهم، وأغرق فرعون ومن معه من القبط، «وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ» يعني الهوان من فرعون من قتل الأبناء، واستحياء النساء يعني البنات، قبل أن يبعث الله- موسى رسولا مخافة أن يكون هلاكهم في سببه من فرعون، للذي أخبره به الكهنة أنه يكون، وأنه يغلبك على ملكك، ثم قال: مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً عن التوحيد مِنَ الْمُسْرِفِينَ- ٣١- يعني من المشركين، ثم رجع إلى بني إسرائيل فقال: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ علمه الله- منهم عَلَى الْعالَمِينَ- ٣٢- يعني عالم ذلك الزمان وَآتَيْناهُمْ
стр. 1524
يقول وأعطيناهم مِنَ الْآياتِ حين فلق لهم البحر وأهلك عدوهم فرعون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن السلوى، والحجر والعمود والتوراة، فيها بيان كل شيء، فكل هذا الخير ابتلاهم الله به فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله:
«وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ» ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ- ٣٣- يعني النعم «البينة» «١» .
كقوله: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» «٢» يعني النعم «البينة» «٣» . قوله:
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ- ٣٤- يعني «كفار مكة» «٤» إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وذلك
أن النبي- ﷺ قال لهم إنكم تبعثون من بعد الموت فكذبوه، فقالوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ- ٣٥- يعني بمبعوثين من بعد الموت، ثم قال: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٣٦- أنا نحيا من بعد الموت، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال في الرعد يا محمد إن كنت نبيا فابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان صادقا، وكان إمامهم «٥» فنسألهم فيخبرونا عن ما هو كائن بعد الموت أحق ما تقول أم باطل؟ إن كنت صادقا بأن البعث حق، نظيرها في الجاثية قوله: «وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ... » «٦» وَمَا البعث بحق. فخوفهم الله- تعالى- بمثل عذاب الأمم الخالية
стр. 1525
فقال: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ لأن قوم تبع أقرب [١٤٨ ب] في الهلاك إلى كفار مكة وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية أَهْلَكْناهُمْ بالعذاب إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ- ٣٧- يعني مذنبين مقيمين على الشرك منهمكين عليه، قوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ- ٣٨- يعني عابثين لغير شيء يقول لم أخلقهما باطلا ولكن خلقتهما لأمر هو كائن «مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» «١» وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني كفار مكة لا يَعْلَمُونَ- ٣٩- أنهما لم يخلقا باطلا، ثم خوفهم فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ يعني يوم «القضاء» «٢» مِيقاتُهُمْ يعني ميعادهم أَجْمَعِينَ- ٤٠- يَوْمَ يعني يوم القيامة يقول: يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون «وهم يوم الجمعة» هذه الأمة وسواهم من الأمم الخالية، ثم نعت الله- تعالى- ذلك اليوم فقال: «يَوْمَ» لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وهم الكفار يقول يوم لا يغني ولي عن وليه يقول لا يقدر قريب لقرابته الكافر شيئا من المنفعة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
- ٤١- يقول ولا هم يمنعون من العذاب ثم استثنى المؤمنين فقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ من المؤمنين فإنه يشفع لهم إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم الرَّحِيمُ- ٤٢- بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية، قوله: إِنَّ «شَجَرَةَ» «٣» الزَّقُّومِ- ٤٣- طَعامُ الْأَثِيمِ- ٤٤- يعني الآثم بربه فهو أبو جهل بن هشام وفي قراءة ابن مسعود «طعام الفاجر» كَالْمُهْلِ يعني الزقوم أسود غليظ كدردي
стр. 1526
الزيت يَغْلِي فِي الْبُطُونِ- ٤٥- كَغَلْيِ الْحَمِيمِ- ٤٦- يعني الماء الحار بلسان بربر وأفريقية الزقوم يعنون التمر والزبد، زعم ذلك عبد الله بن الزبعري السهمي، وذلك أن أبا جهل قال لهم: إن محمدا يزعم أن النار تنهت الشجر وإنما النار تأكل الشجر، فما الزقوم عندكم؟ فقال عبد الله بن الزبعري:
التمر والزبد. فقال أبو جهل بن هشام: يا جارية، ابغنا تمرا وزيدا. فقال: تزقموا.
«يقول» «١» الله- للخزنة: خُذُوهُ يعني أبا جهل فَاعْتِلُوهُ يقول فادفعوه على وجهه إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ- ٤٧- يعني وسط الجحيم وهو الباب السادس من النار، ثم قال: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ أبي جهل وذلك أن الملك من خزان جهنم يضربه على رأسه بمقمعة من حديد فينقب عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه، ثم يقول له الملك: ذُقْ العذاب أيها المتعزز المتكرم، يونجه ويصغره، بذلك فيقول: إِنَّكَ زعمت في الدنيا أَنْتَ الْعَزِيزُ يعني المنيع الْكَرِيمُ- ٤٩- يعني المتكرم، قال: فكان أبو جهل يقول في الدنيا أنا أعز قريش وأكرمها، فلما [١٤٩ أ] ذاق شدة العذاب في الآخرة قال له الملك: إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ- ٥٠- يعني تشكون في الدنيا أنه غير كائن فهذا مستقر الكفار، ثم ذكر مستقر المؤمنين فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ- ٥١- فى مساكن آمنين من الخوف والموت ي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
- ٥٢- يعني بساتين وأنهار جارية يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ يعني الديباج مُتَقابِلِينَ- ٥٣- في الزيارة كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ
стр. 1527
يعني بيض الوجوه عِينٍ- ٥٤- يعني حسان العيون، ثم أخبر عنهم فقال:
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ من ألوان الفاكهة آمِنِينَ- ٥٥- من الموت لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ أبدا إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى التي كانت في الدنيا وَوَقاهُمْ يعني الرب- تعالى- عَذابَ الْجَحِيمِ- ٥٦- ذلك الذي ذكر في الجنة كان: فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ٥٧- يعني الكبير يعني النجاة «العظيمة» «١» ، قوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ يعني القرآن يقول هوناه على لسانك لَعَلَّهُمْ يقول لكي يَتَذَكَّرُونَ- ٥٨- فيؤمنوا بالقرآن فلم يؤمنوا به يقول الله- تعالى- فَارْتَقِبْ يقول انتظر بهم العذاب إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ- ٥٩- يعني «منتظرون» «٢» بهم العذاب.
سورة الجاثية»
سورة الجاثية مكية عددها سبع وثلاثون آية كوفى «٢» .
стр. 1531
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ- ٢- في أمره إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهما خلقان عظيمان لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ- ٣- يعني المصدقين بتوحيد الله- «وَفِي خَلْقِكُمْ يعني وفي خلق أنفسكم إذ كنتم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما لحما، ثم الروح «١» وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ يقول وما يخلق من دابة آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ- ٤- «بتوحيد الله» «٢» وَفى اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وهما آيتان وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ يعني المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فأنبتت وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ في الرحمة والعذاب ففي هذا كله آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- ٥- بتوحيد الله- ثم رجع إلى أول السورة فى التقديم فقال: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يعني تلك آيات القرآن نَتْلُوها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِّ فإن لم يؤمنوا بهذا القرآن فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ يعنى بعد توحيد الله وَبعد آياتِهِ يعني بعد آيات القرآن يُؤْمِنُونَ- ٦- يعني يصدقون.
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ يعني كذاب أَثِيمٍ- ٧- يقول آثم بربه، وكذبه أنه قال إن القرآن أساطير الأولين يعنى حديث رستم واسفندباز يعنى
стр. 1532
النضر بن الحارث القرشي [١٤٩ ب] من بني عبد الدار يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ يعنى القرآن تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً يعني يصر يقيم على الكفر بآيات القرآن فيعرض عنها متكبرا يعني عن الإيمان بآيات القرآن كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني آيات القرآن وما فيه فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- ٨- يعني وجيع، فقتل ببدر، ثم أخبر عن النضر بن الحارث فقال: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً
يقول إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتَّخَذَها هُزُواً يعني استهزاء بها، وذلك أنه زعم أن حديث القرآن مثل حديث رستم واسفندباز أُولئِكَ لَهُمْ يعني النضر بن الحارث وأصحابه وهم قريش عَذابٌ مُهِينٌ- ٩- يعني القرآن في الدنيا يوم بدر، ثم قال: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ يعني النضر بن الحارث يقول لهم في الدنيا القتل ببدر ومن بعده أيضا لهم جهنم في الآخرة وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً يقول لا تغني عنهم أموالهم التي جمعوها من جهنم شيئا وَلا يغني عنهم من جهنم مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يقول ما عبدوا من دون الله من الآلهة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ١٠- يعني كبير لشدته هَذَا هُدىً يقول هذا القرآن بيان يهدي من الضلالة وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني القرآن لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ- ١١- يقول لهم عذاب من العذاب الوجيع في جهنم، ثم ذكرهم النعم فقال: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ يقول لكي تجري السفن في البحر بِأَمْرِهِ يعني بإذنه «وَلِتَبْتَغُوا» «١» ما في البحر مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق وَلَعَلَّكُمْ يعني ولكي تَشْكُرُونَ- ١٢- الله فى
стр. 1533
هذه النعم فتوحدوه وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ يعني من الله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ- ١٣- في صنع الله فيوحدونه قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا يعني يتجاوزوا نزلت في عمر بن الخطاب- ﵁ وذلك أن رجلا من كفار مكة شئتم عمر بمكة، فهم عمر أن يبطش به فأمره الله بالعفو والتجاوز فقال: «قُلْ لِلَّذِينَ آمنوا» يعني عمر «يَغْفِرُوا» يعني يتجاوزوا «لِلَّذِينَ» «١» لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ يعني لا يخشون عقوبات الله مثل عذاب الأمم الخالية فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله، يقول جزاؤه على الله، ثم نسخ العفو والتجاوز آية السيف في براءة « ... فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «٢» ... » ، قوله: «٣» لِيَجْزِيَ بالمغفرة قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- ١٤- يعنى يعملون فى الخير مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ العمل فَعَلَيْها يقول إساءته على نفسه ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ [١٥٠ أ] تُرْجَعُونَ- ١٥- في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا يعنى أعطينا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني التوراة وَالْحُكْمَ يعني الفهم الذي في التوراة والعلم وَالنُّبُوَّةَ وذلك أنه كان فيهم ألف نبي أولهم موسى، وآخرهم عيسى- ﵈ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعنى الحلال من الرزق: المن والسلوى وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ- ١٦- يعني عالمي ذلك الزمان بما أعطاهم الله من التوراة فيها تفصيل كل شيء، والمن والسلوى،
стр. 1534
والحجر، والغمام، وعمودا كان يضيء لهم إذا ساروا بالليل، وأنبت معهم ثيابهم لا تبلى، ولا تخرق، وظللنا عليهم الغمام وفضلناهم على العالمين في ذلك الزمان، ثم قال: وَآتَيْناهُمْ آيات بَيِّناتٍ واضحات مِنَ الْأَمْرِ يعني أبين لهم فى التوراة من الحلال والحرام والسنة وبيان ما كان قبلهم، ثم اختلفوا في الدين بعد يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم «فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا» «١» مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني البيان بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ- ١٧- يعني في الدين يختلفون، «قوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني بينات من الأمر وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي- ﷺ ارجع إلى ملة أبيك عبد الله، وجدك عبد المطلب، وسادة قومك، فأنزل الله «ثُمَّ جعلناك على شريعة من الأمر» يعني بينة من الأمر يعني الإسلام فَاتَّبِعْها يقول الله- تعالى- لنبيه- ﷺ اتبع هذه الشريعة وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ- ١٨- توحيد الله يعني كفار قريش فيستزلونك عن أمر الله» «٢» قوله- تعالى-: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يوم القيامة يعني مشركي مكة بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ- ١٩- الشرك هَذَا القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ يقول هذا القرآن بصيرة للناس من الضلالة وَهو هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لمن آمن به لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ- ٢٠- بالقرآن أنه من الله- تعالى-
стр. 1535
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
وذلك أن الله أنزل أن للمتقين عند ربهم في الآخرة جنات النعيم، فقال كفار مكة بنو عبد شمس بن عبد مناف بمكة لبني هاشم ولبني عبد المطلب بن عبد مناف للمؤمنين منهم: إنا نعطى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون، فقال الله- تعالى-: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ» يعني الذين عملوا الشرك يعني كفار بني عبد شمس أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
من بني هاشم، وبني المطلب، منهم حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وعمر بن الخطاب سَواءً مَحْياهُمْ
في نعيم الدنيا
وَسواء مَماتُهُمْ
فى نعيم الآخرة ساءَ ما يَحْكُمُونَ
- ٢١- يقول بئس ما يقضون من الجور «حين يرون» «١» أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين، في الآخرة الدرجات في الجنة ونعيمها «للمؤمنين» «٢» ، والكافرون فى النار يعذبون «٣» [١٥٠ ب] .
قوله: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يقول لم أخلقهما عبثا لغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن وَلِتُجْزى يقول ولكي تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني بما عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ٢٢- في أعمالهم يعني لا ينقصون من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم.
قوله أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ يعني الحارث بن قيس السهمي اتخذ إلهه هوى، وكان من المستهزئين وذلك أنه هوى الأوثان فعبدها وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
стр. 1536
علمه فيه وَخَتَمَ يقول وطبع عَلى سَمْعِهِ فلا يسمع الهدى وَعلى قَلْبِهِ فلا يعقل الهدى وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً يعني الغطاء فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ إذ أضله الله أَفَلا يعني أفهلا تَذَكَّرُونَ- ٢٣- فتعتبروا في صنع الله فتوحدونه وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا يعني نموت نحن، ويحيا آخرون، فيخرجون من أصلابنا، فنحن كذلك فما نبعث أبدا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ يقول وما يميتنا إلا طول العمر، وطول اختلاف الليل والنهار، ولا نبعث يقول الله- تعالى-:
وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ بأنهم لا يبعثون إِنْ هُمْ يقول ما هم إِلَّا يَظُنُّونَ- ٢٤- ما يستيقنون وبالظن تكلموا على غيرهم أنهم لا يبعثون وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا يعني القرآن بَيِّناتٍ يعني واضحات «من الحلال والحرام» «١» ما كانَ حُجَّتَهُمْ حين خاصموا النبي- ﷺ في الرعد حين قالوا سير لنا الجبال، وسخر لنا الرياح، وابعث لنا رجلين أو ثلاثة من قريش من آبائنا، منهم قصي بن كلاب فإنه كان صدوقا وكان إمامهم، فنسألهم عما تخبرنا به أنه كائن بعد الموت، فذلك قوله- تعالى-: «مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ» إِلَّا أَنْ قالُوا للنبي- ﷺ : ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٢٥- هذا قول أبي جهل للنبي- ﷺ قال: ابعث لنا رجلين أو ثلاثة إن كنت من الصادقين بأن البعث حق، قال الله- تعالى- قُلِ لهم يا محمد اللَّهُ يُحْيِيكُمْ حين كانوا نطفة
стр. 1537
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند أجالكم ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أولكم وآخركم لا رَيْبَ فِيهِ يقول لا شك فيه يعني البعث أنه كائن وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- ٢٦- أنهم يبعثون في الآخرة، ثم عظم الرب نفسه عما قالوا، أنه لا يقدر على البعث، فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعنى يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ- ٢٧- يعني المكذبين بالبعث وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً على الركب عند الحساب يعني كل نفس كُلَّ أُمَّةٍ [١٥١ أ] تُدْعى إِلى كِتابِهَا الذي عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر، ثم يجزون بأعمالهم، فذلك قوله: الْيَوْمَ يعني في الآخرة تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٢٨- في الدنيا هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ من اللوح المحفوظ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ٢٩- قبل أن تعملونها.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا تَكُونُ نُسْخَةٌ إِلا مِنْ كِتَابٍ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ «رَبُّهُمْ» «١» فِي رَحْمَتِهِ يَعْنِي فِي جَنَّتِهِ ذلِكَ الدُّخُولُ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ- ٣٠- وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقول لهم الرب- تعالى: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي يعني القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ «يقول» «٢» تقرأ عليكم فَاسْتَكْبَرْتُمْ يعنى تكبرتم عن الإيمان بالقرآن
стр. 1538
وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ- ٣١- يعني مذنبين مشركين قوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ قال لهم النبي- ﷺ : إن البعث حق وَالسَّاعَةُ يعني القيامة لا رَيْبَ فِيها يعني لا شك فيها أنها كائنة قُلْتُمْ يا أهل مكة مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ يعني ما نظن إِلَّا ظَنًّا على غير يقين «وَما نَحْنُ» «١» بِمُسْتَيْقِنِينَ- ٣٢- بالساعة أنها كائنة وَبَدا لَهُمْ يقول وظهر لهم في الآخرة سَيِّئاتُ يعني الشرك مَا عَمِلُوا في الدنيا حين شهدت عليهم الجوارح وَحاقَ يقول ووجب العذاب بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ بالعذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٣٣- أنه غير كائن وقال لهم الخزنة في الآخرة:
وَقِيلَ «الْيَوْمَ» «٢» نَنْساكُمْ يقول نترككم في العذاب كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يقول كما تركتم إيمانا بهذا اليوم يعني البعث وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ- ٣٤- يعنى ما نعين من النار ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ يقول إنما نزل بكم العذاب في الآخرة بأنكم اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ يعني كلام الله هُزُواً يعني استهزاء حين قالوا ساحر، وشاعر، وأساطير الأولين وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإسلام فَالْيَوْمَ في الآخرة لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ- ٣٥-.
قوله: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ يقول الشكر لله رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ- ٣٦- يعني «القيامة» «٣» وَلَهُ الْكِبْرِياءُ يعني العظمة
стр. 1539
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ- ٣٧- في أمره وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ يعني العظمة والسلطان، والقوة والقدرة فى السموات والأرض وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه- الْحَكِيمُ- في أمره الذي حكم.
تم بحمد الله الجزء الثالث من تفسير مقاتل بن سليمان ويليه الجزء الرابع وأوله تفسير سورة الأحقاف
[سورة الأحقاف «١» ] [١٥١ ب] سورة الأحقاف مكية عددها خمس وثلاثون آية كوفى «٢» .
стр. 1544
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- تَنْزِيلُ الْكِتابِ يقول قضاء نزول الكتاب يعني القرآن مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ- ٢- في أمره ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح إِلَّا بِالْحَقِّ لم أخلقهما باطلا عبثا لغير شيء خلقتهما لأمر هو كائن، ثم قال:
وَأَجَلٍ مُسَمًّى يقول خلقتهم «١» لأجل مسمى ينتهي إليه يعني يوم القيامة فهو الأجل المسمى. ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة عَمَّا أُنْذِرُوا في القرآن من العذاب مُعْرِضُونَ- ٣- فلا يتفكرون قُلْ يا محمد لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة يعني الملائكة أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني الأرض كخلق الله إن كانوا آلهة، ثم قال:
أَمْ لَهُمْ يقول ألهم شِرْكٌ مع الله فِي ملك السَّماواتِ كقوله ... ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ ... «٢» ولا فى سلطانه ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يقول أو رواية «تعلمونها» «٣» من الأنبياء قبل هذا القرآن بأن له شريكا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٤- يعني اللات والعزى ومناة بأنهن له شركاء وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا يقول فلا أحد أضل من يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة
стр. 1545
مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ أبدا إذا دعاه يقول لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثم قال: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ- ٥- يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها فى الدنيا، ثم أخبر في الآخرة فقال: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ في الآخرة يقول إذا جمع الناس في الآخرة كانُوا لَهُمْ أَعْداءً يقول كانت الآلهة أعداء لمن يعبدها وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ- ٦- يقول تبرأت الآلهة من عبادتهم إياها، فذلك قوله:
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ... إلى قوله: ... لَغافِلِينَ فى يونس «١» ، قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا يعني القرآن بَيِّناتٍ يقول بيان الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لِلْحَقِّ لَمَّا «جاءَهُمْ» «٢» هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ- ٧- يقول القرآن حين جاءهم قالوا هذا سحر مبين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي- ﷺ ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك؟ أيعجز الله أن يبعث نبيا غيرك؟ - وأنت أحقرنا وأصغرنا وأضعفنا ركنا [١٥٢ أ] وأقلنا حلية- أو يرسل ملكا، إن هذا الذي جثت به لأمر عظيم فقال الله- لنبيه- ﷺ قُلْ لهم: يا محمد، إِنِ افْتَرَيْتُهُ من تلقاء نفسي فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً «يقول لا تقدرون أن تردوني» «٣» من عذابه هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ يقول الله أعلم بما تقولون في القرآن كَفى بِهِ شَهِيداً يقول فلا شاهد أفضل من