[سورة الأحقاف «١» ] [١٥١ ب] سورة الأحقاف مكية عددها خمس وثلاثون آية كوفى «٢» .
стр. 1544
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم- ١- تَنْزِيلُ الْكِتابِ يقول قضاء نزول الكتاب يعني القرآن مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ- ٢- في أمره ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح إِلَّا بِالْحَقِّ لم أخلقهما باطلا عبثا لغير شيء خلقتهما لأمر هو كائن، ثم قال:
وَأَجَلٍ مُسَمًّى يقول خلقتهم «١» لأجل مسمى ينتهي إليه يعني يوم القيامة فهو الأجل المسمى. ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة عَمَّا أُنْذِرُوا في القرآن من العذاب مُعْرِضُونَ- ٣- فلا يتفكرون قُلْ يا محمد لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة يعني الملائكة أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني الأرض كخلق الله إن كانوا آلهة، ثم قال:
أَمْ لَهُمْ يقول ألهم شِرْكٌ مع الله فِي ملك السَّماواتِ كقوله ... ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ ... «٢» ولا فى سلطانه ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يقول أو رواية «تعلمونها» «٣» من الأنبياء قبل هذا القرآن بأن له شريكا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ٤- يعني اللات والعزى ومناة بأنهن له شركاء وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا يقول فلا أحد أضل من يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة
стр. 1545
مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ أبدا إذا دعاه يقول لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثم قال: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ- ٥- يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها فى الدنيا، ثم أخبر في الآخرة فقال: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ في الآخرة يقول إذا جمع الناس في الآخرة كانُوا لَهُمْ أَعْداءً يقول كانت الآلهة أعداء لمن يعبدها وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ- ٦- يقول تبرأت الآلهة من عبادتهم إياها، فذلك قوله:
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ... إلى قوله: ... لَغافِلِينَ فى يونس «١» ، قوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا يعني القرآن بَيِّناتٍ يقول بيان الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لِلْحَقِّ لَمَّا «جاءَهُمْ» «٢» هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ- ٧- يقول القرآن حين جاءهم قالوا هذا سحر مبين أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي- ﷺ ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك؟ أيعجز الله أن يبعث نبيا غيرك؟ - وأنت أحقرنا وأصغرنا وأضعفنا ركنا [١٥٢ أ] وأقلنا حلية- أو يرسل ملكا، إن هذا الذي جثت به لأمر عظيم فقال الله- لنبيه- ﷺ قُلْ لهم: يا محمد، إِنِ افْتَرَيْتُهُ من تلقاء نفسي فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً «يقول لا تقدرون أن تردوني» «٣» من عذابه هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ يقول الله أعلم بما تقولون في القرآن كَفى بِهِ شَهِيداً يقول فلا شاهد أفضل من
стр. 1546
الله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأن القرآن جاء من الله وَهُوَ الْغَفُورُ في تأخير العذاب عنهم الرَّحِيمُ- ٨- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، وأنزل في قول كفار مكة أما وجد الله رسولا غيرك، «قوله- تعالى «١» -» قُلْ لهم يا محمد:
مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
فقال لهم النبي- ﷺ : ما أنا بأول رسول بعث، قد بعث قبلي رسل كثير
وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أيرحمني وإياكم، أو يعذبني وإياكم؟ إِنْ أَتَّبِعُ يقول: ما أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ من القرآن يقول إذا أمرت بأمر فعلته ولا أبتدع ما لم أومر به «وَما» «٢» أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ- ٩- يعني نذير بين هي منسوخة نسختها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ... «٣» إلى آخر الآيات «٤» قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وذلك
أن خمسين رجلا من اليهود أتوا النَّبِيّ- ﷺ وعنده عبد الله بن سلام، من وراء الستر لا يرونه، قد آمن بالنبي- ﷺ ، فقال النبي- ﷺ لليهود: «ألستم» «٥» تعلمون أن عبد الله بن سلام سيد كم وأعلمكم؟ قالوا: بلى ومنه نقتبس، وإنا لا نؤمن بك
стр. 1547
حتى «يتبعك» «١» عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سلام يسمع فقال النبي- ﷺ : أرأيتم إن اتبعني عبد الله بن سلام وآمن بي أفتؤمنون بي؟ فقال بعضهم: نعم. قال النبي- ﷺ : فمن أعلمكم بعد عبد الله ابن سلام؟ فقالوا: سلام بن صوريا الأعور. فأرسل إليه النبي- ﷺ فأتاه، فقال: أنت أعلم اليهود. فقال عبد الله: أعلم مني. قال:
فمن أعلم اليهود بعد عبد الله؟ فسكت، فقال النبي- ﷺ : أنت أعلم اليهود بعد عبد الله. قال: كذلك يزعمون. قال النبي- ﷺ : فإني أدعوكم إلى الله وإلى عبادته ودينه. «قالوا» «٢» : لن نتبعك وندع دين موسى، فخرج عبد الله بن سلام من الستر. فقال النبي- ﷺ : هذا عبد الله قد آمن بي. فجادلهم عبد الله بن سلام مليا، فجعل يخبرهم ببعث النبي- ﷺ وصفته في التوراة،
فقال ابن صوريا:
إن عبد الله بن سلام شيخ كبير قد ذهب عقله ما يتكلم إلا بما يجيء على لسانه، فذلك قوله:
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ» [١٥٢ ب] وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني عبد الله بن سلام عَلى مِثْلِهِ يعني على مثل ما شهد عليه يامين بن يامين، كان أسلم قبل عبد الله بن سلام وكان يا مين من بني إسرائيل من أهل التوراة فَآمَنَ بالنبي «٣» ﷺ يقول فأمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ يقول صدق ابن سلام بالنبي- ﷺ
стр. 1548
واستكبرتم أنتم عن الهدى «وعن» «١» الإيمان يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ١٠- يعني اليهود إلى الحجة مثلها في براءة «٢» ، ثم رجع إلى كفار مكة فقال: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لِلَّذِينَ آمَنُوا لخزاعة: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وذلك أنهم قالوا لو كان الذي جاء به محمد حقا: أن القرآن من الله ما سبقونا يقول ما سبقنا إلى الإيمان به أصحاب محمد- ﷺ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا هم بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا القرآن إِفْكٌ يعني كذب قَدِيمٌ- ١١- من محمد- ﷺ يقول الله- تعالى-: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ومن قبل هذا القرآن كذبوا بالتوراة لقولهم ... إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ «٣» في القصص، ثم قال: إِماماً لمن اهتدى به وَرَحْمَةً من العذاب لمن اهتدى به وَهذا القرآن كِتابٌ مُصَدِّقٌ للكتب التي كانت قبله «لِساناً عَرَبِيًّا» «٤» يقول أنزلناه قرآنا «عربيا» «٥» ليفقهوا ما فيه «لِيُنْذِرَ» «٦» بوعيد القرآن الَّذِينَ ظَلَمُوا من كفار مشركي مكة وَهذا القرآن بُشْرى لما فيه من الثواب لمن آمن به «لِلْمُحْسِنِينَ» «٧» - ١٢- يعني الموحدين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ فعرفوا ثُمَّ اسْتَقامُوا على المعرفة بالله ولم
стр. 1549
يرتدوا عنها فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ١٣- من الموت، ثم أخبر بثوابهم فقال: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها لا يموتون جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٤-.
قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً يعني برا بهم نزلت فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ ابن أبي قحافة، وأم أبى بكر بن أبي قحافة واسمها أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يعني حملته في مشقة ووضعته في مشقة وَحَمْلُهُ في البطن تسعة أشهر وَفِصالُهُ من اللبن «واحدا وعشرين «١» شهرا» فهذا ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ثماني عشرة سنة وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فهو في القوة والشدة من ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، صدق بالنبي- ﷺ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي يقول ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالإسلام وَعَلى والِدَيَّ يعنى أبا قحافة ابن عمرو بن كعب بن سعد [١٥٣ ا] ابن تيم بن مرة وأمه: أم الخير بنت صخر بن عمرو، ثم قال: وَألهمنى أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي يقول واجعل أولادي مؤمنين فأسلموا أجمعين نظيرها في المؤمن «٢» قوله: ... وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ ... «٣» يقول: من آمن، ثم قال أبو بكر: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ من الشرك وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ- ١٥- يعنى من المخلصين بالتوحيد،
стр. 1550
ثم نعت المسلمين فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا يقول نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم، والكفار يجزيهم بإساءتهم ويبطل إحسانهم لأنهم عملوا ما ليس بحسنة، ثم رجع إلى المؤمنين فقال: وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ولا يفعل ذلك بالكفار فِي يعني مع أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ يعني وعد الحق وهو الجنة الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ- ١٦- وعدهم الله- تعالى- الجنة في الآخرة على ألسنة الرسل فى الدنيا، «وقوله» «١» : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ فهو عبد الرحمن بن أبي بكر وأمه رومان «بنت عمرو» «٢» بن عامر الكندي دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه: أُفٍّ لَكُما يعني قبحا لكما الرديء من الكلام أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ من الأرض يعني أن «يبعثني» «٣» بعد الموت وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي يعنى الأم الخالية فلم أر أحدا منهم يبعث، فأين عبد الله بن جدعان؟ وأين عثمان بن عمرو؟
وأين عامر بن عمرو؟ كلهم من قريش وهم أجداده، فلم أر أحدا منهم أتانا.
فقال أبواه: اللهم اهده، اللهم «أقبل بقلبه «٤» إليك» اللهم تب عليه، فذلك قوله: وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يعني يدعوان الله له بالهدى، أن يهديه ويقبل بقلبه، ثم يقولان: وَيْلَكَ آمِنْ صدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال «إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» «٥» فَيَقُولُ عبد الرحمن:
стр. 1551
ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ- ١٧- ما هذا الذي تقولان إلا كأحاديث الأولين وكذبهم «١» يقول الله- تعالى-: أُولئِكَ النفر الثلاثة الَّذِينَ ذكرهم عبد الرحمن حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ يقول وجب عليهم العذاب فِي أُمَمٍ يعني مع أمم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ من كفار الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ- ١٨-. «وقوله» «٢» - تعالى-: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعنى فضائل بأعمالهم وَلِيُوَفِّيَهُمْ مجازاة أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ١٩- فى أعمالهم. «وقوله» «٣» : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار مكة عَلَى النَّارِ حين كشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها يعني كفار مكة فيقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ يعني الرزق والنعمة التي كنتم فيها فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ولم تؤدوا [١٥٣ ب] شكرها وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
يعني بالطيبات فلا نعمة لكم «فَالْيَوْمَ» «٤» تُجْزَوْنَ في الآخرة بأعمالكم الخبيثة عَذابَ الْهُونِ يعني عذاب الهوان بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ يعني بما كنتم تتكبرون فِي الْأَرْضِ عن الإيمان فتعملون فيها بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني بالمعاصي وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ- ٢٠- يعنى تعصون. «وقوله» «٥» :
وَاذْكُرْ يا محمد لأهل مكة أَخا عادٍ في النسب وليس بأخيهم في الدين
стр. 1552
يعنى «هود» «١» النبي- ﷺ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ والأحقاف الرمل عند «دك «٢» الرمل» باليمن في حضرموت وَقَدْ خَلَتِ يعني مضت النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يعني الرسل من بين يديه وَمِنْ خَلْفِهِ يقوله قد مضت الرسل إلى قومهم من قبل هود، كان منهم نوح- ﵇ وإدريس جد أبي نوح، ثم قال ومن بعد هود، يعني قد مضت الرسل إلى قومهم:
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يقول لم يبعث الله رسولا من قبل هود، ولا بعده إلا أمر بعبادة الله- جل وعز- إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- ٢١- فى الدنيا لشدته «٣» . قالُوا اليهود: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا يعني لتصدنا وتكذبنا عَنْ عبادة آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- ٢٢- بأن العذاب نازل بنا، فرد عليهم هود قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعنى نزول العذاب بكم عليه عند الله إذا شاء أنزله وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم من نزول العذاب بكم وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ- ٢٣- العذاب فَلَمَّا رَأَوْهُ: العذاب عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ والعارض بعض السحابة التي لم تطبق السماء التي يرى ما فيها من المطر قالُوا لهود: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا لأن المطر كان حبس عنهم وكانت
стр. 1553
السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي مطروا، قال هود: ليس هذا العارض ممطركم بَلْ هُوَ «ولكنه» «١» مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ لكم فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ- ٢٤- يعنى وجيع وكان استعجالهم حين قالوا: يا هود، ... فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «٢» وكانوا أهل عمود سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة «آدم» «٣» بن شيم بن سام بن نوح وكانوا «أصهاره «٤» » وكان طول أحدهم اثنى عشر ذراعا وكان فيهم الملك فلما كذبوا هودا حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين فلما دنا هلاكهم أوحى الله إلى الخزان، خزان الريح أن أرسلوا عليهم من الريح مثل منخر الثور، فقالت الخزان: يا رب، إذا تنسف الريح الأرض ومن عليها. قال [١٥٤ ا] : أرسلوا عليهم مثل خرق الخاتم، يعني على قدر حلقة الخاتم، ففعلوا فجاءت ريح باردة شديدة تسمى الدبور من وراء دكاوك الرمل «وكان المطر يأتيهم» «٥» من تلك الناحية فيما مضى فمن ثم: «قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» فعمد هو فحط على نفسه، وعلى المؤمنين خطا إلى أصل شجرة ينبع من ساقها عين فلم يدخل عليهم «من» «٦» الريح إلا النسيم الطيب «وجعلت الريح شدتها تجئ بالطعن بين السماء والأرض «٧» » فلما رأوا أنها ريح قالوا: يا هود
стр. 1554
إن ريحك هذه لا تزيل أقدامنا وقالوا من أشد منا قوة يعنى بطشا فقاموا صفونا فاستقبلوها بصدورهم فأزالت الريح أقدامهم. فقالوا: يا هود، إن ريحك هذه تزيل أقدامنا فألقتهم الريح لوجوههم ونسفت عليهم الرمل حتى إنه يسمع أنين أحدهم من تحت الرمل، فذلك قوله: ... أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ... «١» وقال لهم هود حين جاءتهم الريح إنها تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها يعني تهلك كل شيء من عاد بأمر ربها «٢» من الناس والأموال والدواب، بإذن ربها يقول الله- تعالى- لمحمد- ﷺ فَأَصْبَحُوا «لا يُرى» «٣» إِلَّا مَساكِنُهُمْ بالشجر ولم يبق لهم شيء كَذلِكَ يقول هكذا نَجْزِي بالعذاب الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ- ٢٥- بتكذيبهم وهاجت الريح غدوة وسكنت بالعشي اليوم الثامن عند غروب الشمس، فذلك قوله:
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ «٤» وقبضت أرواحهم يوم الثامن، فذلك قوله:
وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ... «٥» يعني كاملة دائمة متتابعة
قال النبي- ﷺ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، ثم بعث الله طيرا سودا
стр. 1555
فالتقطتهم حتى ألقتهم فى البحر، ثم خوف كفار مكة
فقال: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ يعنى عادا «فِيما» «١» إِنْ مَكَّنَّاكُمْ يا أهل مكة فِيهِ يعني في الذي أعطيناكم في الأرض من الخير والتمكن في الدنيا يعني مكناكم فى الأرض يا أهل مكة وَجَعَلْنا لَهُمْ في الخير والتمكين في الأرض سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً يعنى القلوب كما جعلنا لكم يا أهل مكة فَما أَغْنى عَنْهُمْ من العذاب سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ يقول لم تغن عنهم ما جعلنا من العذاب إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني عذاب الله- تعالى- وَحاقَ بِهِمْ يعني ووجب لهم سوء العذاب ب ما كانُوا بِهِ يعنى العذاب يَسْتَهْزِؤُنَ- ٢٦- هذا مثل ضربه الله [١٥٤ ب] لقريش حين قالوا «إنّه» «٢» غير كائن، قوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا بالعذاب مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني القرون قوم نوح، وقوم صالح، وقوم لوط، فأما قوم لوط فهم بين المدينة والشام، وأما عاد فكانوا باليمن قوله: وَصَرَّفْنَا الْآياتِ في أمور شتى يقول نبعث مع كل نبي إلى أمته آية ليست لغيرهم لَعَلَّهُمْ يقول لكي يَرْجِعُونَ- ٢٧- من الكفر إلى الإيمان فلم يتوبوا فأهلكهم الله بالعذاب قوله: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً يقول فهلا منعتهم آلهتهم من العذاب الذي نزل بهم بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ يعني بل ضلت عنهم الآلهة فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم وَذلِكَ إِفْكُهُمْ يعني كذبهم بأنها آلهة وَما كانُوا يَفْتَرُونَ- ٢٨- فى قولهم من الشرك،
стр. 1556
قوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ يعني وجهنا إليك يا محمد نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ نفرا من الجن تسعة نفر من أشراف الجن وساداتهم من أهل اليمن من قرية يقال لها نصيبين «١» ورسول الله- ﷺ ببطن نخلة يقرأ القرآن في صلاة الفجر، «فَلَمَّا حَضَرُوهُ» «٢» فلما حضروا النبي- ﷺ «قالُوا» «٣» قال بعضهم لبعض: أَنْصِتُوا للقرآن، «وكادوا» «٤» أن يرتكبوه من الحرص، فذلك قوله: ... كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً «٥» فَلَمَّا قُضِيَ يقول فلما فرغ النبي- ﷺ من صلاته وَلَّوْا يعني انصرفوا إِلى قَوْمِهِمْ يعني الجن مُنْذِرِينَ- ٢٩- يعني مؤمنين قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا محمدا- ﷺ «يتلوه» «٦» كِتاباً يعني يقرأ محمد- ﷺ كتابا يعني شيئا عجبا يعني قرآنا أُنْزِلَ على محمد- ﷺ مِنْ بَعْدِ مُوسى ﵇ وكانوا مؤمنين بموسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يقول يصدق كتاب محمد- ﷺ الكتب التي كانت أنزلت على الأنبياء يَهْدِي يعني يدعو كتاب محمد- ﷺ إِلَى الْحَقِّ يعني إلى الهدى وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ- ٣٠- يعنى يدعو إلى الدين المستقيم وهو الإسلام فلما أتوا قومهم قالوا لهم: يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ
стр. 1557
يقول أجيبوا محمدا- ﷺ إلى الإيمان وصدقوا به يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ- ٣١- يعني ويؤمنكم من عذاب وجيع وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ يعني محمدا- ﷺ إلى الإيمان فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ يقول فليس بسابق الله فيفوته هربا فى الأرض حتى يجزيه بعمله [١٥٥ ا] الخبيث وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يعني ليس «له» «١» أقرباء يمنعونه من الله- أُولئِكَ الذين «لا يجيبون «٢» » إلى الإيمان فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ٣٢- يعني بين هذا قول الجن التسعة
فأقبل إلى النبي- ﷺ من الذين أنذروا مع التسعة «٣» تكملة سبعين رجلا من الجن من العام المقبل فلقوا النبي- ﷺ بالبطحاء، فقرأ النبي- ﷺ القرآن وأمرهم ونهاهم، وقال النبي- ﷺ تلك الليلة قبل أن يلقاهم- لأصحابه: ليقم معي منكم رجل ليس فى قلبه مثقال حبة خردل من شك. فقام عبد الله بن مسعود ومعه إداوة فيها نبيذ، فقال النبي- ﷺ لابن مسعود: قم مكانك. وخط النبي- ﷺ «خطا» «٤» .
وقال: لا تبرح حتى أرجع إليك إن شاء الله، ثم قال: إن سمعت صوتا أو جلبة أو شيئا يفزعك فلا تخرج من مكانك فوقف عبد الله حتى أصبح، ودخل النبي- ﷺ الشعب، وقال له: لا تخرج من الخط فإن أنت
стр. 1558
خرجت اختطفت الليلة، وانطلق النبي- ﷺ يقرأ عليهم القرآن ويعلمهم ويؤدبهم واختصم رجلان منهم في دم إلى رَسُول اللَّهِ- ﷺ فرفعوا أصواتهم فسمع ابن مسعود الصوت فقال: والله، لآتينه فلعل كفار قريش أن يكونوا مكروا به فلما أراد الخروج من الخط ذكر وصية رسول الله- ﷺ فلم يخرج ووقف عبد الله حتى أصبح، والنبي- ﷺ في الشعب يعلمهم ويؤدبهم حتى أصبح فانصرف الجن وأتى النبي- ﷺ ابن مسعود فقال عبد الله: يا نبي الله، ما زلت قائما حتى رجعت إلي، وقد سمعت أصواتا مرتفعة حتى هممت بالخروج، فذكرت قولك فأقمت، فقال النبي- ﷺ : اختصموا في قتلى لهم كانوا أصابوها في الجاهلية فقضيت بينهم. ثم قال: أمعك طهور؟ قال:
نعم نبيذ في إداوة فقال: «ثمرة» «١» طيبة وماء طهور عذب، صب علي: فصب عليه ابن مسعود، فتوضأ منه النبي- ﷺ فلما أراد أن يصليا أقبل الرجلان اللذان اختصما في الدم حتى وقفا عليه فلما رآهما النبي- ﷺ ظن أنهما رجعا يختصمان في «الدم» «٢» فقال: «ما لكما» «٣» ألم أقض بينكما؟ قالا: يا رسول الله، إنا جئنا نصلي معك ونقتدي بك فقام النبي- ﷺ إلى الصلاة، «وقام» «٤» ابن مسعود والرجلان من الجن وراء النبي- ﷺ فصلوا معه فذلك قوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً «٥» من حبهم [١٥٥ ب] إياه، ثم انصرفوا
стр. 1559
من عنده مؤمنين فلم يبعث الله- نبيا إلى الإنس والجن قبل محمد- ﷺ فقالوا: يا رسول الله، مر لنا برزق حتى نتزود في سفرنا؟ فقال لهم النبي- ﷺ فإن لكم أن «يعود» «١» العظم لحما والبعر حبا هذا لكم إلى يوم القيامة فلا يحل للمسلم أن يستنجى بالعظم ولا بالبعر ولا بالرجيع يعني رجيع الدواب ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد- ﷺ
وقال ابن مسعود: لقد رأيت رجالا مستنكرين طولا سودا كأنهم من أزد شنوءة لو خرجت من ذلك الخط لظننت أنى سأختطف، قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا يقول أو لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
نزلت فى أبى بن خلف الجمحي عمد فأخذ عظما «حائلا» «٢» نخرا فأتى به النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: يا محمد، أتعدنا إذا بليت عظامنا، وكنا رفاتا أن الله يبعثنا خلقا جديدا، وجعل يفت العظم ويذريه في الريح، ويقول:
يا محمد، من يحيي هذا؟ قال النبي- ﷺ : يحيي الله هذا، ثم يميتك، ثم يبعثك في الآخرة ويدخلك النار، فأنزل الله- تعالى- يعظه ليعتبر في خلق الله فيوحده أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ أو لم يعلموا أن الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لأنهم مقرون أن الله الذي خلقهما وحده
وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى في الآخرة، وهما «٣» أشد خلقا من خلق الإنسان بعد أن يموت ولم يعي بخلقهن إذ خلقهن يعنى كيف يعيى عن بعث الموتى نظيرها
стр. 1560
في يس «١» ، ثُمّ قَالَ لنبيه- ﷺ : بَلى ببعثهم إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من البعث وغيره قَدِيرٌ- ٣٣- فلما كفر أهل مكة بالعذاب أخبرهم الله بمنزلتهم فى الآخرة فقال: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعني إذا كشف الغطاء عنها لهم فنظروا إليها، فقال الله لهم: أَلَيْسَ هَذَا العذاب الذي ترون بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أنه الحق قالَ الله- تعالى-: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- ٣٤- بالعذاب بأنه غير كائن قوله: فَاصْبِرْ يا محمد على الأذى والتكذيب يعزي نبيه- ﷺ ليصبر كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ يعني أولو الصبر مِنَ الرُّسُلِ يعني إبراهيم، وأيوب، وإسحاق، ويعقوب، ونوح- ﵈ نزلت هذه الآية يوم أحد «٢» فأمره أن يصبر على ما أصابه ولا يدعو على قومه مثل قوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً «٣» - «ثم ذكر «٤» له» صبر الأنبياء «وأولي» «٥» العزم من قبله من الرسل على البلاء منهم إبراهيم- خليل الرحمن ﵇ حين ألقي فى النار، ونوح- ﵇
стр. 1561
على تكذيب قومه وكان يضرب حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون شيئا، وإسحاق في أمر الذبح، ويعقوب في ذهاب بصره من حزنه على يوسف حين ألقي في الجب والسجن، وأيوب- ﵇ في صبره على البلاء، ويونس بن متى- ﵇ في بطن الحوت وغيرهم صبروا على البلاء، ومنهم اثنا عشر نبيا ببيت المقدس، فأوحى الله- تعالى- إليهم أني منتقم من بني إسرائيل بما صنعوا بيحيى بن زكريا فإن شئتم أن تختاروا أن أنزل بكم النقمة وأنجي بقية بنى إسرائيل وإن كرهتم أنزلت تلك النقمة والعقوبة بهم وأنجيتكم فاستقام رأيهم على أن ينزل بهم العقوبة وهم اثنا عشر وينجي قومهم فدعوا ربهم أن ينزل بهم العقوبة وينجي بني إسرائيل فسلط عليهم ملوك أهل الأرض فأهلكوهم فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من سلخ رأسه ووجهه ومنهم من رفع على الخشب ومنهم من أحرق بالنار ومنهم من شدخ رأسه وأمر نبيه- ﷺ أن يصبر كما صبر هؤلاء فإنه قد نزل بهم ما لم ينزل بك ثم قال: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ وذلك أن كفار مكة، حين أخبرهم النبي- ﷺ بالعذاب سألوه متى هذا الوعد الذي تعدنا يقول الله- تعالى- لنبيه- ﷺ ولا تستعجل لهم بالعذاب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا ولم يروها إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يوم واحد من أيام الدنيا بَلاغٌ يعني تبليغ فيها يقول هذا الأمر بلاغ لهم فيها فَهَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ- ٣٥- يعنى العاصون الله- فيما أمرهم من أمره ونهيه ويقال هذا الأمر هو بلاغ لهم بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عذاب أليم يعني وجيع لقولهم لهود:
стр. 1562
.. فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «١» ، قوله الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
»
يعني صلاتك مع المصلين في جماعة، «الذي» «٣» استخدجك من أصلاب الرجال وأرحام النساء وأخرجك من صلب عبد الله طيبا.
[سورة محمد «١» ] سورة محمد- ﷺ مدنية عددها ثمان وثلاثون آية كوفية «٢»
стр. 1566
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله يعني كفار مكة وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول [١٥٦ ب] منعوا الناس عن دين الله الإسلام أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ- ١- يقول أبطل الله أعمالهم يعني نفقتهم فى غزاة بدر ومسيرهم ومكرهم أبطل الله ذلك كله في الآخرة، «أبطل أعمالهم» «١» التي عملوا في الدنيا لأنها كانت في غير إيمان نزلت في اثنى عشر رجلا من قريش وهم المطعمون من كفار مكة في مسيرهم إلى قتال النبي- ﷺ ببدر منهم أبو جهل، والحارث ابنا هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وربيعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل، ثم وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الصالحة وَآمَنُوا يعني وصدقوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ- ﷺ مِنْ القرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني القرآن مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ يقول محا عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني ذنوبهم الشرك وغيرها بتصديقهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ- ٢- يقول أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق، نزلت في بني هاشم وبنى المطلب، ثم رجع إلى الاثني عشر المطعمين يوم بدر فيها تقديم ذلِكَ يقول هذا الإبطال كان بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله اتَّبَعُوا الْباطِلَ
стр. 1567
يعني عبادة الشيطان، ثم قال: وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني به القرآن كَذلِكَ يقول هكذا يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ- ٣- حين أضل أعمال الكفار، وكفر سيئات المؤمنين، ثم علم المؤمنين كيف يصنعون بالكفار؟ فقال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب بتوحيد الله- تعالى- فَضَرْبَ الرِّقابِ يعنى الأعناق حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعنى قهر تموهم بالسيف وظهرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني الأسر فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني عتقا بعد الأسر فيمن عليهم وَإِمَّا فِداءً يقول فيفتدي نفسه بماله ليقوى به المسلمون على المشركين، ثم نسختها آية السيف في براءة، وهي قوله: ... فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... «١» يعني مشركي العرب خاصة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني ترك الشرك، حتى لا يكون في العرب «مشرك» «٢» وأمر ألا يقبل منهم إلا الإسلام «٣» ، ثم استأنف فقال: ذلِكَ يقول هذا أمر الله في المن والفداء.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حدثني الْهُذَيْلِ، قال: قال مُقَاتِلُ:
إذا أسلمت العرب وضعت الحرب أوزارها، وقال فى سورة الصف ... فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ «٤» [١٥٧ أ] بمحمد- ﷺ حين أسلمت العرب، فقال: وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ يقول لانتقم منهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا يعنى يبتلى بقتال الكفار بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «٥»
стр. 1568
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى قتلى بدر فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ- ٤- يعنى لن يبطل أعمالهم الحسنة سَيَهْدِيهِمْ إلى الهدى يعني التوحيد في القبر وَيُصْلِحُ بالَهُمْ- ٥- يعني حالهم في الآخرة وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ- ٦- يعني عرفوا منازلهم في الجنة، كما عرفوا منازلهم في الآخرة، يذهب كل رجل إلى منزله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يقول إن تعينوا الله ورسوله حتى يوحد يَنْصُرْكُمْ يقول يعينكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ- ٧- للنصر فلا تزول عند الثبات وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني فنكسا لهم وخيبة يقال وقحا لهم عند الهزيمة وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ- ٨- يعني أبطلها ذلِكَ الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا الإيمان ب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن على النبي- ﷺ يعني الكفار الذين قتلوا من أهل مكة فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ- ٩- لأنها لم تكن في إيمان، ثم عرف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا، فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني كفار مكة فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الخالية عاد وثمود وقوم لوط دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بألوان العذاب، ثم قال: وَلِلْكافِرِينَ من هذه الأمة أَمْثالُها- ١٠- يقول مثل عذاب الأمم الخالية ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يقول هذا النصر ببدر في القديم إنما كان بأن الله مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يقول ولي الذين صدقوا بتوحيد الله- حين نصرهم وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ- ١١- يقول لا ولي لهم في النصر، ثم ذكر مستقر المؤمنين والكافرين فى الآخرة، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين تجري من تحتها الأنهار وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ لا يلتفتون إلى الآخرة كَما
стр. 1569
تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
: يقول: ليس «لهم» «١» هم إلا الأكل والشرب في الدنيا «٢» ، ثم قال: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ- ١٢- يقول هي مأواهم، ثم خوفهم ليحذروا فقال وَكَأَيِّنْ يقول وكم مِنْ قَرْيَةٍ قد مضت فيما خلا كانت هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني أشد بطشا وأكثر عددا مِنْ قَرْيَتِكَ يعني مكة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني أهل مكة حين أخرجوا النبي- ﷺ ثم رجع إلى الأمم الخالية في التقديم فقال: أَهْلَكْناهُمْ بالعذاب حين كذبوا رسلهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ- ١٣- يقول فلم يكن لهم مانع يمنعهم من العذاب [١٥٧ ب] الذي نزل بهم، قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يعني على بيان من ربه وهو النبي- ﷺ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ الكفر وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- ١٤- نزلت في نفر من قريش، في أبي جهل بن هشام، وأبى حذيفة ابن المغيرة المخزوميين، فليسا بسواء، لأن النبي- ﷺ مصيره إلى الجنة، وأبو حذيفة وأبو جهل مخلدان فى النار، ثم قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الشرك يقول شبه الجنة في الفضل والخير كشبه النار في الشدة وألوان العذاب، ثم ذكر ما أعد لأهل الجنة من الشراب، وما أعد لأهل النار من الشراب فقال: فِيها يعني في الجنة أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ يقول لا يتغير كما يتغير ماء أهل الدنيا فينتن وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ كما يتغير لبن أهل الدنيا عن حاله الأولى فيمخض وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا يصدون عنها ولا يسكرون كخمر الدنيا تجري لذة للشاربين وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا فهذه الأنهار الأربعة تفجر من
стр. 1570
الكوثر إلى سائر أهل الجنة، قوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ لذنوبهم مِنْ رَبِّهِمْ فهذا للمتقين الشرك في الآخرة، ثم ذكر مستقر الكفار فقال: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني أبا جهل بن هشام، وأبا حذيفة المخزوميين وأصحابهما في النار وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً يعني شديد الحر الذي قد انتهى حره تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السماوات والأرض فَقَطَّعَ الماء أَمْعاءَهُمْ- ١٥- في الخوف من شدة الحر وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني إلى حديثك بالقرآن يا محمد حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ منهم رفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو، وحليف بن زهرة، وذلك أن النبي- ﷺ خطب يوم الجمعة، فعاب المنافقين وكانوا في المسجد، فكظموا عند النبي- ﷺ فلما خرجوا يعني المنافقين من الجمعة قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهو الهدى، يعني القرآن يعني عبد الله ابن مسعود الهذلي مَاذَا قالَ محمد: آنِفاً وقد سمعوا قول النبي- ﷺ فلم يفقهوه، يقول الله- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني ختم الله على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- ١٦- في الكفر، ثم ذكر المؤمنين فقال:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا من الضلالة زادَهُمْ هُدىً بالمحكم الذي نسخ الأمر الأول وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ- ١٧- يقول «وبين لهم التقوى يعنى عملا [١٥٨ أ] بالمحكم حتى عملوا بالمحكم» «١» ثم خوف أهل مكة فقال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ
стр. 1571
يعنى القيامة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعنى فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني أعلامها يعني انشقاق القمر وخروج الدجال وخروج النبي- ﷺ فقد عاينوا هذا كله يقول فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ- ١٨- فيها تقديم يقول من أين لهم التذكرة والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها؟
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلذنوب المؤمنين والمؤمنات» «١» يعني المصدقين بتوحيد الله والمصدقات لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ يعني منتشركم بالنهار وَمَثْواكُمْ- ١٩- يعني مأواكم بالليل وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعنى صدقوا بالقرآن لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك أن المؤمنين اشتاقوا إلى الوحي فقالوا هلا نزلت سورة؟ يقول الله- تعالى-: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يعني بالمحكمة ما فيها من الحلال والحرام وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ وطاعة الله والنبي- ﷺ وقول معروف حسن فرح بها المؤمنون، فيها تقديم، ثم ذكر المنافقين فذلك قوله:
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك في القرآن منهم عبد الله ابن أبي، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ غما وكراهية لنزول القرآن يقول الله- تعالى-: فَأَوْلى لَهُمْ- ٢٠- فهذا وعيد «طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ «٢» . فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ يعني جد الأمر عند دقائق الأمور فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في النبي- ﷺ وما جاء به لَكانَ خَيْراً لَهُمْ- ٢١- من الشرك فَهَلْ عَسَيْتُمْ يعني منافقي اليهود إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي
стр. 1572
وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ- ٢٢- قال وكان بينهم وبين الأنصار قرابة أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ. فلم يسمعوا الهدى وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ- ٢٣- فلم يبصروا الهدى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، يقول أفلا يسمعون القرآن أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها- ٢٤- يعنى الطبع على القلوب. ثم ذكر اليهود فقال: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عن إيمان بمحمد- ﷺ بعد المعرفة عَلى أَدْبارِهِمْ يعني أعقابهم كفارًا مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني أمر النبي- ﷺ يبين لهم فى التوراة أنه نبى رسول الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني زين لهم ترك الهدى، يعني إيمانا بمحمد- ﷺ وَأَمْلى الله لَهُمُ- ٢٥- ذلِكَ فيها تقديم وأمهل الله لهم حين قالوا: ليس محمد بنبي! فلم يعجل عليهم، ثم انتقم منهم حين قتل [١٥٨ ب] أهل قريظة، وأجلى أهل النضير يقول ذلك الذي أصابهم من القتل والجلاء بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا يعني تركوا الإيمان يعني المنافقين مَا نَزَّلَ اللَّهُ من القرآن سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قالت اليهود للمنافقين فى تكذيب بمحمد- ﷺ وهو بعض الأمر قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فذلك قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ- ٢٦- يعنى اليهود والمنافقين، ثم خوفهم فقال: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ- ٢٧- عند الموت ذلِكَ الضرب الذي أصابهم عند الموت بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ من الكفر بالنبي محمد- ﷺ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يقول وتركوا رضوان الله في إيمان بمحمد- ﷺ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ- ٢٨- التي عملوها في غير إيمان ثم رجع إلى عبد الله بن أبي، ورفاعة بن زيد،
стр. 1573
والحارث بن عمرو فقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني الشك بالقرآن وهم المنافقون أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ- ٢٩- يعني أن لن يظهر الله الغش الذي فى قلوبهم للمؤمنين «وَلَوْ» «١» نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعنى لأعلمناكهم، كقوله: ... بِما أَراكَ اللَّهُ ... «٢» يعنى بما أعلمك الله فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بعلامتهم الخبيثة وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني في كذبهم عند النبي- ﷺ فلم يخف على النبي- ﷺ منافق بعد هذه الآية، ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ- ٣٠- من الخير والشر وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالقتال يعني لنبتلينكم- معشر المسلمين- بالقتال حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ يعني كي نرى من يجاهد منكم وَمن يصبر من الصَّابِرِينَ على أمر الله وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ- ٣١- يعنى ونختبر أعمالكم، ثم استأنف إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الله الإسلام وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني وعادوا نبي اللَّهِ- ﷺ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ في التوراة الْهُدى بأنه نبي رسول، يعني بالهدى أمر محمد- ﷺ ف لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ يقول فلن ينقصوا الله من ملكه وقدرته شَيْئاً حين شاقوا الرسول وصدوا الناس عن الإسلام إنما يضرون أنفسهم وَسَيُحْبِطُ في الآخرة أَعْمالَهُمْ- ٣٢- التي عملوها في الدنيا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وذلك أن أناسا من أعراب بني أسد بن خزيمة قدموا على
стр. 1574
النبي- ﷺ بالمدينة، فقالوا للنبي- ﷺ :
أتيناك بأهلينا طائعين عفوا بغير قتال وتركنا الأموال والعشائر «١» ، وكل قبيلة [١٥٩ ا] في العرب قاتلوك حتى أسلموا كرها فلنا عليك حق، فاعرف ذلك لنا فأنزل تعالى في الحجرات ... يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... إلى آيتين «٢» . وأنزل الله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ- ٣٣- بالمن ولكن أخلصوها لله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيد الله وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ- ٣٤- وذلك
أن المسلم كان يقتل ذا رحمه على الإسلام فقالوا: يا رسول الله، أين آباؤنا وإخواننا الذين قاتلوا فقتلوا؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : هُمْ في النار. فقال رجل من القوم: أين والده وهو عدي بن حاتم؟ فقال النبي- ﷺ في النار. فولى الرجل وله بكاء فدعاه النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ مالك؟
فقال: يا نبي الله أجدني أرحمه وأرثى له، فقال النبي- ﷺ :
فإن والدي ووالد إبراهيم ووالدك في النار فليكن لك أسوة فيّ وفي إبراهيم خليله فذهب بعض وجده. فقال: يا نبي الله، وأين المحاسن التي كان يعملها؟ قال:
стр. 1575
يخفف الله عنه بها من العذاب فأنزل الله فيهم «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يغفر الله لهم» «١» .
стр. 1576
ثم قال: فَلا تَهِنُوا يقول فلا تضعفوا وَتَدْعُوا يعني نبدؤهم بالدعاء إِلَى السَّلْمِ يقول فلا تضعفوا وتدعوا العرب إلى الصلح والموادعة وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يقول وأنتم الغالبون عليهم، وكان هذا يوم أحد يقول:
وَاللَّهُ مَعَكُمْ في النصر يا معشر المؤمنين لكم وَلَنْ يَتِرَكُمْ يقول ولن يبطلكم أَعْمالَكُمْ- ٣٥- الحسنة إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يقول وإن تصدقوا بالله وحده لا شريك له وتتقوا معاصي الله يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ في الآخرة يعنى جزاءكم فى الآخرة جزاء أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ- ٣٦-
стр. 1577
ثم نزلت بعد إِنْ يَسْئَلْكُمُوها يعني الأموال فنسخت هذه الآية وَلا يَسْأَلْكُمْ أموالكم «١» ، ثم قال: فَيُحْفِكُمْ ذلك يعني كثرة المسألة تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ- ٣٧- يعني ما في قلوبكم من الحب للمال والغش والغل ولكنه فرض عليكم يَسِيراً «٢» ، ثم قال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ معشر المؤمنين تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله وَمَنْ يَبْخَلْ بالنفقة فَإِنَّما يَبْخَلُ بالخير والفضل عَنْ نَفْسِهِ في الآخرة لأنه لو أنفق في حق الله أعطاه الله الجنة في الآخرة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عما عندكم [١٥٩ ب] من الأموال وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ما عنده من الخير والرحمة والبركة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يقول تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي يَسْتَبْدِلْ بكم قَوْماً غَيْرَكُمْ يعني أمثل منكم وأطوع لله منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ- ٣٨- في المعاصي بل يكونوا خيرا منكم وأطوع.
قوله: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» حتى يوحد «يَنْصُرْكُمْ» على عدوكم «وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» فلا تزول «عند» «٣» اللقاء «عن التوحيد» «٤» .
قَالَ، وَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : نصرت بالرعب «مسيرة» «٥» شهر فما ترك التوحيد قوم إلا سقطوا من عين الله وسلط الله عليهم السبي،
... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ... «٦» يعنى الأنصار.