ثم قال: فَلا تَهِنُوا يقول فلا تضعفوا وَتَدْعُوا يعني نبدؤهم بالدعاء إِلَى السَّلْمِ يقول فلا تضعفوا وتدعوا العرب إلى الصلح والموادعة وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يقول وأنتم الغالبون عليهم، وكان هذا يوم أحد يقول:
وَاللَّهُ مَعَكُمْ في النصر يا معشر المؤمنين لكم وَلَنْ يَتِرَكُمْ يقول ولن يبطلكم أَعْمالَكُمْ- ٣٥- الحسنة إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يقول وإن تصدقوا بالله وحده لا شريك له وتتقوا معاصي الله يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ في الآخرة يعنى جزاءكم فى الآخرة جزاء أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ- ٣٦-
стр. 1577
ثم نزلت بعد إِنْ يَسْئَلْكُمُوها يعني الأموال فنسخت هذه الآية وَلا يَسْأَلْكُمْ أموالكم «١» ، ثم قال: فَيُحْفِكُمْ ذلك يعني كثرة المسألة تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ- ٣٧- يعني ما في قلوبكم من الحب للمال والغش والغل ولكنه فرض عليكم يَسِيراً «٢» ، ثم قال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ معشر المؤمنين تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله وَمَنْ يَبْخَلْ بالنفقة فَإِنَّما يَبْخَلُ بالخير والفضل عَنْ نَفْسِهِ في الآخرة لأنه لو أنفق في حق الله أعطاه الله الجنة في الآخرة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عما عندكم [١٥٩ ب] من الأموال وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ما عنده من الخير والرحمة والبركة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يقول تعرضوا عما افترضت عليكم من حقي يَسْتَبْدِلْ بكم قَوْماً غَيْرَكُمْ يعني أمثل منكم وأطوع لله منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ- ٣٨- في المعاصي بل يكونوا خيرا منكم وأطوع.
قوله: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» حتى يوحد «يَنْصُرْكُمْ» على عدوكم «وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» فلا تزول «عند» «٣» اللقاء «عن التوحيد» «٤» .
قَالَ، وَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : نصرت بالرعب «مسيرة» «٥» شهر فما ترك التوحيد قوم إلا سقطوا من عين الله وسلط الله عليهم السبي،
... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ... «٦» يعنى الأنصار.
[سورة الفتح «١» ] سورة الفتح مدنية عددها «تسع» «٢» وعشرون آية كوفى «٣»
стр. 1581
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحديبية فَتْحاً مُبِيناً- ١- وذلك أن الله- تعالى- أنزل بمكة على نبيه- ﷺ ... وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ... «١» ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللات والعزى ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد ولولا أنه ابتدع هذا الأمر من تلقاء نفسه لكان ربه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى بن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم؟ فأما محمد فلا علم له بما يفعل به ولا بنا إن هذا لهو الضلال كل الضلال،
فشق على المسلمين نزول هذه الآية فقال أبو بكر وعمر- ﵄ للنبي- ﷺ : ألا تخبرنا ما الله فاعل بك؟ فقال: ما أحدث الله إلي أمر بعد. فلما قدم المدينة، قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين: كيف تتبعون رجلا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين وعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن وعلم فرح المشركين من أهل مكة، وفرح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله- تعالى- بالمدينة بعد ما رجع النبي- ﷺ من الحديبية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يعني قضينا لك فَتْحاً مُبِيناً يعني قضاء بينا، يعنى الإسلام.
стр. 1582
لِيَغْفِرَ يعنى لكي يغفر لَكَ اللَّهُ بالإسلام ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني ما كان في الجاهلية وَما تَأَخَّرَ يعني وبعد النبوة وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ «١» وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ٢- يعنى دينا مستقيما وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ يقول ولكي ينصرك الله بالإسلام [١٦٠ ا] على عدوك نَصْراً عَزِيزاً- ٣- يعني منيعا فلا تذل فهذا الذي قضى الله له: المغفرة والغنيمة والإسلام والنصر فنسخت هذه الآية قوله: ... وَما «أَدْرِي» «٢» ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ... «٣» فأخبر الله- تعالى- نبيه- ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي- ﷺ فلما سمع عبد الله بن أبي رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي- ﷺ ، وَأَنَّ اللَّهَ قد غفر له ذنبه، وأنه يفتح له على عدوه، ويهديه صراطا مستقيما، وينصره نصرا عزيزا، قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله غفر له ذنبه، وينصره على عدوه، هيهات هيهات لقد بقى له من العدو أكثر وأكثر فأين فارس والروم وهم أكثر عدوا وأشد بأسا وأعز عزيزا؟ ولن يظهر عليهم محمد، أيظن محمد أنهم مثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجا، ولا علم له بما يفعل به ولا بمن اتبعه، إن هذا لهو الخلاف «المبين» «٤» .
فخرج النبي- ﷺ على أصحابه فقال: لقد نزلت على آية لهي أحب إلي مما بين السماء والأرض فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ... إلى آخر الآية،
فقال أصحابه:
стр. 1583
هنيئا مريئا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا، فنزلت سورة الأحزاب «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً «١» » يعنى عظيما وهي الجنة وأنزل «لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ... » «٢» .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني الطمأنينة لِيَزْدادُوا يعني لكي يزدادوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني تصديقا مع تصديقهم الذي أمرهم الله به في كتابه فيقروا «أن يكتبوا» «٣» باسمك اللهم، ويقروا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وذلك
أنه لما نزل النبي- ﷺ بالحديبية «بعثت قريش منهم» «٤» سهيل بن عمرو القرشي وحويطب ابن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأحنف على أن يعرضوا على النبي- ﷺ أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي قريش له مكة من العام المقبل ثلاثة أيام، ففعل ذلك النبي- ﷺ وكتبوا بينهم وبينه كتابا فقال النبي- ﷺ لعلي بن أبي طالب- ﵇: اكتب بيننا كتابا: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم. فهم أصحاب النبي- ﷺ ألا يقروا بذلك، فقال النبي- ﷺ لعلى ﵇:
стр. 1584
اكتب ما يقولون، فكتب: باسمك اللهم. ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة. فقال سهيل بن عمرو وأصحابه: لقد ظلمناك إن علمنا أنك رسول الله ونمنعك ونردك عن بيته، ولا نكتب هذا. ولكن اكتب الذي نعرف:
هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال النبي- ﷺ :
يا علي، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله. فهم المسلمون ألا يقروا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد ابن عبد الله. فأنزل الله السكينة يعني الطمأنينة عليهم. فذلك قوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ»
أن يقروا لقريش حتى يكتبوا باسمك اللهم ...
إلى آخر القصة، وأنزل في قول أهل مكة لا نعرف أنك رسول الله ولو علمنا ذلك لقد ظلمناك حين نمنعك عن بيته.
... وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «١» أن محمد رسول الله فلا شاهد أفضل منه «٢» .
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً «٣» - ٤- عليما بخلقه، حكيما في أمره «٤» لِيُدْخِلَ «٥» الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني لكي يدخل المؤمنين والمؤمنات بالإسلام جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من تحت البساتين خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَلكي يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني يمحو عنهم ذنوبهم وَكانَ ذلِكَ الخير عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً- ٥- فأخبر الله- تعالى- نبيه «بما» «٦» يفعل بالمؤمنين، فانطلق عبد الله بن أبي رأس المنافقين فى نفر
стр. 1585
معه إلى النبي- ﷺ فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «١» يعنى وجيعا وَيُعَذِّبَ يعنى ولكي يعذب الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ من أهل المدينة عبد الله بن أبي وأصحابه وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ يعني من أهل مكة الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ وكان ظنهم حين قالوا: واللات والعزى ما نحن وهو عند الله إلا بمنزلة واحدة، وأن محمد الا ينصر فبئس حين ما ظنوا. يقول الله عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ فى الآخرة جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً- ٦- يعني وبئس المصير، وأنزل الله- تعالى- في قول عبد الله بن أبي حين قال: فأين أهل فارس والروم؟ وَلِلَّهِ جُنُودُ [١٦٠ ب] «٢» السَّماواتِ يعني الملائكة وَالْأَرْضِ يعني المؤمنين فهؤلاء أكثر من فارس والروم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً- ٧- في أمره فحكم النصر للنبي- ﷺ وأنزل في قول عبد الله بن أبي «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي» أي محمد- ﷺ وحده إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «٣» يقول أقوى وأعز من أهل فارس والروم لقول عبد الله بن أبي هم أشد بأسا وأعز عزيزا [١٦١ ا] «٤» إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد إلى هذه الأمة شاهِداً عليها بالرسالة وَأرسلناك
стр. 1586
مُبَشِّراً بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة وَنَذِيراً- ٨- من النار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني لتصدقوا بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وَرَسُولِهِ محمدا- ﷺ وَتُعَزِّرُوهُ يعني تنصروه وتعاونوه على أمره كله وَتُوَقِّرُوهُ يعني وتعظموا النبي- ﷺ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا- ٩- يعني وتصلوا لله بالغداة والعشي، وتعزروه مثل قوله في الأعراف ... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ ... «١» .
«ولما قال المسلمون للنبي- ﷺ : إنا نخشى ألا يفي المشركون بشرطهم فعند ذلك تبايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا يقول: الله رضى عنهم ببيعتهم «٢»
» .
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يوم الحديبية تحت الشجرة في الحرم وهي بيعة الرضوان، كان المسلمون يومئذ ألفا وأربعمائة رجل، فبايعوا النَّبِيّ- ﷺ عَلَى أن يقاتلوا ولا يفروا من العدو، فقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حين قالوا النبي- ﷺ إنا نبايعك على ألا نفر ونقاتل فاعرف لنا ذلك، فَمَنْ نَكَثَ البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ من البيعة فَسَيُؤْتِيهِ في الآخرة أَجْراً يعني جزاء عَظِيماً- ١٠- يعني في الجنة نصيبا وافرا سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ مخافة القتال وهم مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فى التخلف وكانت منازلهم
стр. 1587
بين مكة والمدينة فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ «بِأَلْسِنَتِهِمْ» «١» يعني يتكلمون بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ من أمر الاستغفار لا يبالون استغفر لهم النبي- ﷺ أم لا قُلْ لهم يا محمد: فَمَنْ يَمْلِكُ يعني فمن يقدر لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً نظيرها في الأحزاب «٢» إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعنى الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني الفتح والنصر يعني حين يقول: فمن يملك دفع الضر عنكم، أو منع النفع غير الله بل الله يملك ذلك كله، ثم استأنف بَلْ كانَ اللَّهُ بِما «تَعْمَلُونَ» «٣» خَبِيراً- ١١- «فى تخلفكم «٤» » وقولكم إن محمدا وأصحابه كلفوا شيئا لا يطيقونه، ولا يرجعون أبدا، وذلك أن النبي- ﷺ مر بهم فاستنفرهم، فقال بعضهم لبعض: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لأهل مكة لا يرجع هو وأصحابه أبدا فأين تذهبون؟ أتقتلون أنفسكم؟ انتظروا حتى تنظروا ما يكون من أمره، فأنزل الله- لقولهم له قالوا:
«شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا» بَلْ منعكم من السير أنكم ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يقول أن لن يرجع الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً [١٦١ ب] وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يقول فبئس ما ظنوا ظن السوء حين زين لهم في قلوبهم وأيأسهم أن محمدا وأصحابه لا يرجعون أبدا نظيرها فى الأحزاب ... وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا «٥» يعني الإياسة من النصير، فقال الله- تعالى-: وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً- ١٢- يعني هلكى بلغة عمان، مثل قوله: ... وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ «٦» أى دار الهلاك
стр. 1588
ومثل قوله: ... تِجارَةً لَنْ تَبُورَ «١» يعني لن تهلك وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني بصدق بتوحيد الله وَرَسُولِهِ «٢» محمدا- ﷺ فَإِنَّا أَعْتَدْنا فى الآخرة لِلْكافِرِينَ سَعِيراً- ١٣- يعني وقودا، فعظم نفسه وأخبر أنه غني عن عباده، فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوب المؤمنين رَحِيماً- ١٤- بهم سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ عن الحديبية مخافة القتل إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعنى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ إلى خيبر، وكان الله- تعالى- وعد نبيه- ﷺ بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، «ونهاه عن أن يسير» «٣» معه أحد من المتخلفين فلما رجع النبي- ﷺ من الحديبية يريد خيبر قال المخلفون: ذرونا نتبعكم فنصيب معكم من الغنائم. فقال الله- تعالى-: يُرِيدُونَ أَنْ «يُبَدِّلُوا» «٤» كَلامَ اللَّهِ يعني أن «يغيروا» كلام الله الذي أمر النبي- ﷺ ، «وهو» «٥» ألا يسير معه أحد منهم قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ يعنى هكذا قالَ اللَّهُ بالحديبية مِنْ قَبْلُ خيبر أن لا تتبغونا فَسَيَقُولُونَ «٦» للمؤمنين إن الله لم ينهكم بَلْ تَحْسُدُونَنا بل منعكم الحسد أن نصيب معكم الغنائم، ثم قال: بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ النهى من الله إِلَّا قَلِيلًا- ١٥- منهم، ثم قال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ عن الحديبية مخافة القتل سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني أهل اليمامة يعني بني حنيفة: مسيلمة بن حبيب الكذاب الحنفي وقومه،
стр. 1589
دعاهم أبو بكر- ﵁ إلى قتال أهل اليمامة يعني هؤلاء الأحياء الخمسة جهينة ومزينة وأشجع وغفار وأسلم تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا أبا بكر إذا دعاكم إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً في الآخرة يعني جزاء كريما في الجنة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يعني تعرضوا عن قتال أهل اليمامة كَما تَوَلَّيْتُمْ يعني كما أعرضتم مِنْ قَبْلُ عن قتال الكفار يوم الحديبية يُعَذِّبْكُمْ الله في الآخرة عَذاباً أَلِيماً- ١٦- يعني وجيعا.
حدثنا [١٦٢ أ] عبد اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْهُذَيْلِ، قَالَ: قال مُقَاتِلُ: خلافة أبي بكر- ﵁ فى هذه الآية مؤكدة، ثم عذر أهل الزمانة فقال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في تخلفهم عن الحديبية، يقول من تخلف عن الحديبية من هؤلاء المعذورين فمن شاء منهم أن يسير معكم فليسر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني يعرض عن طاعتهما في التخلف من غير عذر يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً- ١٧- يعني وجيعا لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بالحديبية يقول رضي ببيعتهم إياك فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقاتلوا ولا يفروا في أمر البيعة «فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» «١» وَأَثابَهُمْ يعني وأعطاهم فَتْحاً قَرِيباً- ١٨- يعني مغانم خيبر وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً يعني منيعا حَكِيماً- ١٩- في أمره فحكم على أهل خيبر القتل والسبي، ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها مع النبي- صلى
стр. 1590
الله عليه وسلم- ومن بعده إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني غنيمة خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعنى خلفاء أهل خيبر أسد وغطفان جاءوا لينصروا أهل خيبر، وذلك أن مالك بن عوف النضري، وعيينة بن حصن الفزاري ومن معهما من أسد وغطفان جاءوا لينصروا أهل خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا عنهم، فذلك قوله: «وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» يعني أسد وغطفان وَلِتَكُونَ يعني ولكي تكون هزيمتهم من غير قتال آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ٢٠- يعني تزدادون بالإسلام تصديقا مما ترون من عدة الله في القرآن من الفتح والغنيمة كما قال نظيرها في المدثر ... وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ... «١» يعني تصديقا بمحمد- ﷺ وبما جاء به فى خزنة جهنم، قوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني قوى فارس والروم وغيرها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ علمه بِها أن يفتحها على يدي المؤمنين وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من القرى قَدِيراً- ٢١- على فتحها قال: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- ٢٢- يعنى ولا مانعا يمنعهم من الهزيمة يقول كذلك كان «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ [١٦٢ ب] مِنْ قَبْلُ» «٢» كفار مكة حين هزموا ببدر فهؤلاء بمنزلتهم «٣» وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
стр. 1591
- ٢٣- يعنى تحويلا، ثم قال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني كفار مكة يوم الحديبية بِبَطْنِ مَكَّةَ يوم الحديبية يعني ببطن أرض مكة كلها والحرم كله مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وقد كانوا خرجوا يقاتلون النبي- ﷺ فهزمهم النبي- ﷺ بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً- ٢٤- ثم قال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن تطوفوا به وَصدوا الْهَدْيَ فى عمرتكم يوم الحديبية مَعْكُوفاً يعني محبوسا وكان النبي- ﷺ أهدى عام الحديبية في عمرته مائة بدنة ويقال سبعين بدنة فمنعوه أَنْ يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ يعني منحره، ثم قال:
وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون أَنْ تَطَؤُهُمْ بالقتل بغير علم تعلمونه منهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ «بِغَيْرِ عِلْمٍ» «١» يعني فينالكم من قتلهم عنت فيها تقديم، لأدخلكم من عامكم هذا مكة «لِيُدْخِلَ» «٢» لكي يدخل اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ منهم عياش بن أبي ربيعة، وأبو جندل ابن سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام بن المغيرة، كلهم من قريش وعبد الله بن أسد الثقفي يقول: لَوْ تَزَيَّلُوا يقول لو اعتزل «المؤمنون «٣» » الذين بمكة من كفارهم لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني كفار مكة عَذاباً أَلِيماً- ٢٥- يعني وجيعا وهو القتل بالسيف، قوله: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك
стр. 1592
أن النبي- ﷺ قدم عام الحديبية في ذي القعدة معتمرا ومعه الهدى، فقال كفار مكة: قتل آباءنا وإخواننا ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا ونساءنا، وتقول العرب: إنه دخل على رغم آنافنا، والله لا يدخلها أبدا علينا، فتلك الحمية التي في قلوبهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ «١» يعني أمة محمد- ﷺ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني كلمة الإخلاص وهي- لا إله إلا الله- وَكانُوا أَحَقَّ بِها من كفار مكة وَكانوا أَهْلَها في علم الله- وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً- ٢٦- بأنهم كانوا أهل التوحيد في علم الله- .
قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ وذلك أن الله- أرى النبي- ﷺ في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر النَّبِيّ- ﷺ بِذَلِك أصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوه [١٦٣ أ] في عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي- ﷺ حق. فردهم الله- عن دخول المسجد الحرام إلى غنيمة خيبر، فقال المنافقون عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رسل، ورفاعة ابن التابوه: والله، ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام. فأنزل الله- تعالى- «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ» لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعنى العام المقبل إِنْ شاءَ اللَّهُ يستثنى على نفسه مثل قوله: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» «٢» ويكون ذلك «تأديبا للمؤمنين» «٣» ألا يتركوا الاستثناء، فى رد المشيئة
стр. 1593
إلى الله- تعالى- آمِنِينَ من العدو مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ من أشعاركم لا تَخافُونَ عدوكم فَعَلِمَ الله أنه يفتح عليهم خيبر قبل ذلك «فعلم» ما لَمْ تَعْلَمُوا فذلك قوله: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ يعني قبل ذلك الحلق والتقصير فَتْحاً قَرِيباً- ٢٧- يعني غنيمة خيبر وفتحها، فلما كان في العام المقبل بعد ما رجع من خيبر أدخله الله هو وأصحابه المسجد الحرام، فأقاموا «بمكة» «١» ثلاثة أيام فحلقوا وقصروا تصديق رؤيا النبي- ﷺ .
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ «رَسُولَهُ محمدا- ﷺ بِالْهُدى من الضلالة» «٢» وَدِينِ الْحَقِّ يعني دين الإسلام لأن كل دين باطل غير الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني على ملة أهل الأديان كلها، ففعل الله ذلك به حتى قتلوا وأقروا بالخراج، وظهر الإسلام على أهل كل دين ... وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «٣» يعني العرب، ثم قال وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- ٢٨- فلا شاهد أفضل من الله- تعالى- بأن محمدا- ﷺ رسول الله، فلما كتبوا الكتاب يوم الحديبية، وكان كتبه علي بن أبي طالب- ﵇ فقال سهيل بن عمرو وحو يطب بن عبد العزى: لا نعرف أنك رسول الله، ولو عرفنا ذلك لقد ظلمناك إذا حين نمنعك عن دخول بيته. فلما أنكروا أنه رسول الله، أنزل الله- تعالى- «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى» من الضلال «وَدِينِ الْحَقِّ ... » إلى آخر السورة، ثم قال- تعالى- للذين أنكروا أنه رسول
стр. 1594
الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاءُ يعني غلظاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يقول متوادين بعضهم لبعض تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يقول إذا رأيتهم تعرف أنهم أهل ركوع وسجود في الصلوات يَبْتَغُونَ فَضْلًا يعني رزقا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني يطلبون رضى ربهم سِيماهُمْ يعني علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ الهدى والسمت الحسن مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يعني من أثر الصلاة ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يقول ذلك الذي ذكر من نعت أمة محمد- ﷺ فِي التوراة، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني الحلقة وهو النبت الواحد في أول ما يخرج فَآزَرَهُ يعني فأعانه أصحابه يعني «الوابلة» «١» التي تنبت حول الساق فآزره كما آزر «الحلقة «٢» [١٦٣ ب] والوابلة» بعضه بعضا فأما شطأه فهو محمد- ﷺ خرج وحده كما خرج النبت وحده، وأما الوابلة التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت فهم المؤمنون كانوا في قلة كما كان أول الزرع دقيقا، ثم زاد نبت الزرع فغلظ فآزره فَاسْتَغْلَظَ كما آزر المؤمنون بعضهم بعضا حتى إذا استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ هذا الزرع فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ فكما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائما على سوقه، فكذلك يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم، ثم قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال مِنْهُمْ مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً- ٢٩- يعني به الجنة.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قال الْهُذَيْلُ عن محمد بن إسحاق:
قال: المعرة. الدية. ويقال الشين.
[سورة الحجرات «١» ] سورة الحجرات مدنية.
عددها ثماني عشرة آية كوفى «٢» .
стр. 1598
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ نزلت في ثلاثة نفر وذلك أن رسول الله- ﷺ بعث سرية إلى ناحية أرض تهامة، وكانوا سبعة وعشرين رجلا منهم عروة بن أسماء السلمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وبشير الأنصاري، واستعمل عليهم المنذر ابن عمرو الأنصاري من النقباء وكتب صحيفة ودفعها إلى حرام بن ملحان ليقرأها على العدو، فكان طريقهم على بني سليم وبينهم وبَيْنَ النَّبِيّ- ﷺ موادعة، ودس المنافقون إلى بني عامر بن صعصعة «وهم حرب على المسلمين «١» » إن أصحاب محمد مغرورون يختلفون من بين ثلاثة وأربعة فأرصدوهم وهم على بئر معوتة، وهو ماء لبني عامر فسار القوم ليلا، وأضل أربعة منهم بعيرا لهم منهم بشير الأنصاري، فأقاموا حتى أصبحوا، وسار المسلمون حتى أتوا على بني عامر «وهم حول الماء» «٢» وعليهم عامر بن الطفيل العامري، فدعاهم المنذر ابن عمرو إلى الإسلام وقرأ عليهم حرام الصحيفة، فأبوا فاقتتلوا قتالا شديدا فلما عرفوا أنهم مقتولون، قالوا: اللهم، إنك تعلم أن رسولك أرسلنا، وإنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك غيرك، فأقرءه منا السلام فقد رضينا بحسن قضائك لنا. وحمل عامر
стр. 1599
ابن الطفيل على حرام فطعنه فقتله، وقتل بقيتهم غير المنذر بن عمرو، فإنه كان دارعا [١٦٤ أ] مقنعا وعروة بن أسماء السلمي، فقتل المنذر بعد ذلك فقالوا لعروة:
لو شئنا لقتلناك، فأنت آمن فإن شئت فارجع إلينا، وإن شئت فاذهب إلى غيرنا، فأنت آمن.
قال عروة: إني عاهدت رسول الله- ﷺ ألا أضع يدي في يد مشرك ولا أتخذه وليا. وجعل يحمل عليهم، ويضربونه بعرض رماحهم ويناشدونه، ويأبى عليهم فرموه بالنبل حتى قتلوه، وأتى جبريل النبي- ﷺ فأخبره بحالهم، فنعاهم النبي- ﷺ لأصحابه وقال: أرسل إخوانكم يقرءونكم السلام فاستغفروا لهم. ووجد الأربعة بعيرهم حين أصبحوا، فساروا فلما دنوا من ماء بني عامر لقيتهم وليدة لبني عامر فقالت: أمن أصحاب محمد أنتم؟ فقالوا: نعم، رجاء أن تسلم، فقالت: إن إخوانكم قد قتلوا حول الماء، النجاء النجاء. ألا ترون إلى النسور والعقبان قد تعلقن بلحومهم. فقال بشير الأنصاري: دونكم بعيركم أنظر لكم. فسار نحوهم فرأى إخوانهم مقتلين كأمثال البدن حول الماء فرجع إلى أصحابه فأخبرهم وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى النبي- ﷺ فنخبره الخبر. فقال بشير: لكني لا أرجع والله، حتى أتغدى من غداء القوم. فاقرءوا على النبي- ﷺ مني السلام ورحمة الله، ثم أتاهم فحمل عليهم، فناشدوه أن ارجع فأبى وحمل عليهم، فقتل منهم ثم قُتِلَ بعد، فرجع الثلاثة يسلون بعيرهم سلا «١» . فأتوا المدينة عند جنوح الليل، فلقوا رجلين من بني سليم جائين من عند رسول الله- ﷺ
стр. 1600
فقالوا: من أنتما؟ قالا: من بني عامر. لأنهم كانوا «قريبا» «١» من بني عامر بالمدينة ولا يشعران بصنيع بنى عامر. فقالوا: «هذان» «٢» من الذين قاتلوا إخواننا، فقتلوهما وسلبوهما، ثم دخلوا عَلَى النَّبِيّ- ﷺ ليخبروه فوجدوا الخبر قد سبق إليه، ثم قالوا: يا نبي الله، غشينا المدينة عند المساء فلقينا رجلين من بني عامر فقتلناهما، وهذا سلبهما. فقال النبي- ﷺ : بل هما من بني سليم من حلفائي بئسما صنعتما، هذان رجلان من بني سليم كانا جاءا في أمر الموادعة. فنزلت فيهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» يقول لا تعجلوا بقتل أحد، ولا بأمر حتى تستأمروا النبي- ﷺ فوعظهم في ذلك، وأقبل قوم السلميين، فقالوا للنبي- ﷺ :
إن صاحبينا قتلا عندك. فقال النبي- ﷺ : إن صاحبيكم اعتزيا إلى عدونا فقتلا جميعا، وأخبرهم الخبر ولكنا سنعقل عن صاحبيكم لكل واحد منهما مائة [١٦٤ ب] من الإبل فجعل دية المشرك المعاهد كدية الحر المسلم،
قال:
وَاتَّقُوا اللَّهَ في المعاصي إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتكم عَلِيمٌ- ١- بخلقه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ يعنى كلامكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ يعني فوق كلام النبي- ﷺ يقول: احفظوا الكلام عنده، نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وشماس الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج وكان في أذنيه وقر، وكان إذا تكلم عند النبي- ﷺ رفع صوته، ثم قال: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ وفيه نزلت هذه الآية
стр. 1601
«لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «١» ... » يقول لا تدعوه باسمه يا محمد ويا بن عبد الله كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يقول كما يدعو الرجل منكم باسمه يا فلان ويا بن فلان، ولكن عظموه ووقروه وفخموه وقولوا له: يا رسول الله، ويا نبي الله، يؤدبهم أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ يعني أن تبطل حسناتكم إن لم تحفظوا أصواتكم عند النبي- ﷺ وتعظموه وتوقروه وتدعوه باسم النبوة، فإنه يحبط أعمالكم وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ- ٢- أن ذلك يحبطها، فلما نزلت هذه الآية أقام ثابت بن قيس في منزله مهموما حزينا مخافة أن يكون حبط عمله، وكان بدريا فانطلق جاره سعد ابن عبادة الأنصاري إلى النَّبِيّ- ﷺ فَأَخْبَرَه بقول ثابت بن قيس، بأنه قد حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وهو في النار.
فقال النبي- ﷺ لسعد: اذهب فأخبره، أنك لم تعن بهذه الآية، ولست من أهل النار، بل أنت من أهل الجنة وغيرك من أهل النار. يعني عبد الله بن أبي المنافق، فاخرج إلينا فرجع سعد إلى ثابت فأخبره بقول النبي- ﷺ ففرح وخرج إلى النبي- ﷺ . فقال النبي- ﷺ حين رآه: مرحبا برجل يزعم أنه من أهل النار بل غيرك من أهل النار، يعني عبد الله بن أبي- وكان جاره-، وأنت من أهل الجنة.
فكان ثابت بعد ذلك إذا كان عند النبي- ﷺ خفض صوته فلا يسمع من يليه، فنزلت فيه بعد الآية الأولى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ
يعني يخفضون كلامهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ يعني أخلص الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ يعني جزاء عَظِيمٌ- ٣- يعني الجنة، فقال ثابت بعد ذلك: ما يسرني أني لم أجهر بصوتى
стр. 1602
عند رسول الله- ﷺ ، وأني لم أخفض صوتي «إذا» «١» امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة لذنوبي وجعل لي أجرا عظيما يعني الجنة. فلما كان على عهد أبي بكر الصديق- ﵁[١٦٥ أ] غزا ثابت إلى اليمامة فرأى المسلمين قد انهزموا. فقال لهم: أف لكم، ولما تصنعون، اللهم إني أعتذر إليك من صنيع هؤلاء. ثم نظر إلى المشركين فقال: أُفٍّ لَكُمْ، وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء، ثم قاتلهم حتى قتل- رحمة الله عليه- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- ٤- نزلت في تسعة رهط ثمانية منهم من بني تميم، ورجل من قيس، فمنهم الأقرع بن حابس المجاشعي، وقيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر الهذلي، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام النهشليين، والقعقاع بن معبد، وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع من بنى دارم، وعيينة ابن حصن الفزاري، وذلك أن النبي- ﷺ أصاب طائفة من ذراري بني العنبر، «فقدموا» «٢» المدينة في الظهيرة «لفداء» «٣» ذراريهم فتذكروا ما كان من أمرهم فبكت الذراري إليهم فنهضوا إلى المسجد والنبي- ﷺ في منزله فاستعجلوا الباب لما أبطأ عليهم النبي- ﷺ فنادى أكثرهم من وراء الحجرات: يا محمد. مرتين ألا تخرج إلينا فقد جئنا في الفداء،
فقال النبي- ﷺ : ويلك مالك حداك
стр. 1603
المنادي «١» فقال: أما والله إن حمدي لك زين وإن ذمي لك شين. فقال النبي- ﷺ : ويلكم ذلكم الله- تعالى- فلم يصبروا حتى يخرج إليهم- ﷺ
فذلك قوله وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني بالخير لو أنهم صبروا «حتى تخرج إليهم لأطلقتهم من غير فداء» «٢» . ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٥- لقولهم يا محمد ألا تخرج إلينا قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وذلك
أن النبي- ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي إلى بني المصطلق وهم حي من خزاعة، ليقبض صدقة أموالهم فلما بلغهم ذلك فرحوا واجتمعوا ليتلقوه فبلغ الوليد ذلك فخافهم على نفسه وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية من أجل شيء كانوا أصابوه فرجع إلى النبي- ﷺ ، فقال: طردوني ومنعونى الصدقة وكفوا بعد إسلامهم فلما قال ذلك انتدب المسلمون لقتالهم «٣» ، فقال النبي- ﷺ : إلا حتى أعلم العلم. فلما بلغهم أن الوليد رجع من عندهم بعثوا وفدا من وجوههم فقدموا على النبي- ﷺ المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنك أرسلت إلينا من يأخذ صدقاتنا فسررنا بذلك، وأردنا أن نتلقاه فذكر لنا أنه رجع من بعض الطريق فحفنا أنه إنما [١٦٥ ب] رده غضب علينا وإنا تعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، والله ما رأيناه ولا أتانا ولكن حمله على ذلك شيء كان بيننا وبينه في الجاهلية فهو يطلب يدخل الجاهلية، فصدقهم
стр. 1604
النبي- ﷺ
فأنزل الله- تعالى- في الوليد ثلاث آيات متواليات بفسقه وبكذبه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» يقول إن جاءكم كاذب بحديث كذب فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قتل قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم جهال بأمرهم يعني بني المصطلق فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ- ٦- يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ يقول لو أطاعكم النبي- ﷺ حين انتدبتم لقتالهم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني لأثمتم في دينكم، ثم ذكرهم النعم، فقال وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعنى التصديق وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ للثواب الذي وعدكم وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ يعني الإثم وَالْعِصْيانَ يعني بغض إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله فمن عمل بذلك منكم وترك ما نهاه عنه أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ- ٧- يعنى المهتدين فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يقول الإيمان الذي حببه إليكم فضلا من الله ونعمة يعنى ورحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ- ٨- فى أمره، قوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وذلك
أن النبي- ﷺ وقف على حمار له يقال له يعفور قبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي للنبي- ﷺ : خل للناس «مسيل» «١» الريح من نتن هذا الحمار. ثم قال: أف وأمسك بأنفه فشق على النبي- ﷺ قوله. فانصرف النبي- ﷺ فقال: عبد الله بن أبي رواحة، ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره، والله، لهو أطيب ريح «عرض» «٢» منك. فلجا في القول فاجتمع قوم عبد الله بن رواحة، الأوس، وقوم عبد الله بن أبى الخزرج، فكان بينهم
стр. 1605
ضرب بالنعال والأيدي والسعف فرجع النبي- ﷺ إليهم فأصلح بينهم، فأنزل الله- تعالى- «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»
يعني الأوس والخزرج اقتتلوا. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بكتاب الله- فإن كره بعضهم الصلح، قال الله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ولم ترجع إلى الصلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي بالسيف يعني التي لم ترجع حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يعنى حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر فَإِنْ فاءَتْ يعني فإن رجعت إلى الصلح فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا يعنى وأعدلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- ٩- يعنى الذين يعدلون بين الناس، ثم قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [١٦٦ أ] . يعني الأوس والخزرج وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه، لما كان بينكم، قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- ١٠- يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا لما كان بينكم، قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ يقول لا يستهزئ الرجل من أخيه، فيقول: إنك ردئ المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك مما ينقصه به من أمر دنياه، ولعله خير منه عند الله- تعالى- فأما الذين استهزءوا فهم الذين نادوا النبي- ﷺ من وراء «الحجرات» «١» «وقد استهزءوا «٢» » من الموالي عمار ابن ياسر، وسلمان الفارسي، وبلال المؤذن، وخباب بن الأرت، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قال: «وإن سالم مولى أبي حذيفة كان معه راية المسلمين يوم اليمامة» «٣» فقالوا له: إنا نخشى عليك. فقال سالم: بئس
стр. 1606
حامل القرآن أنا إذًا، فقاتل حتى قُتِلَ ثم قال: عَسى أَنْ يَكُونُوا «١» خَيْراً مِنْهُمْ «عند الله» «٢» وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ «عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ» «٣» نزلت في عائشة «بنت» «٤» أبي بكر- ﵄ استهزأت من قصر أم سلمة بنت أبي أمية، ثم قال: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يقول لا يطعن بعضكم على بعض فإن ذلك معصية وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ وذلك
أن كعب بن مالك الأنصاري كان يكون على المقسم فكان بينه وبين عبد الله بن الحدرد الأسلمي بعض الكلام، فقال له:
يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي. ثم انطلق عبد الله فأخبر النبي- ﷺ فقال «له» «٥» النبي- ﷺ لعلك قلت له: يا يهودي؟
قال: نعم قد قلت له ذلك إذا لقبني أعرابيا وأنا مهاجر، فقال له النبي- ﷺ : لا تدخلا علي حتى ينزل الله توبتكما فأوثقا أنفسهما إلى سارية المسجد إلى جنب المنبر، فأنزل الله- تعالى- فيهما «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ»
يقول لا يعير الرجل أخاه المسلم بالملة التي كان عليها قبل الإسلام ولا يسميه بغير أهل دينه فإنه بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يعني بئس الاسم هذا، أن يسميه باسم الكفر بعد الإيمان يعنى بعد ما تاب وآمن بالله- تعالى- وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
стр. 1607
- ١١- فلما أنزل الله- تعالى- توبتهما وبين أمر هما تابا إلى الله- تعالى- من قولهما وحلا أنفسهما من الوثائق. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يقول لا تحققوا الظن وذلك أن الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه أخوه المسلم أو يسمعه فيظن به سوءا فلا بأس ما لم يتكلم به فإن تكلم به أثم، فذلك قوله: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا يعني لا يبحث الرجل عن عيب أخيه المسلم فإن ذلك معصية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً نزلت في «فتير» «١» ويقال فهير خادم النبي- ﷺ وذلك أنه قيل له [١٦٦ ب] إنك وخيم ثقيل بخيل، والغيبة أن يقول الرجل المسلم لأخيه ما فيه من العيب، فإن قال ما ليس فيه فقد بهته ثم ضرب للغيبة مثلا، فقال: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً يقول إذا غاب عنك المسلم، فهو حين تذكره بسوء بمنزلة الشيء الميت لأنه لا يسمع بعيبك إياه فكذلك الميت لا يسمع ما قلت له، فذلك قوله: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» فَكَرِهْتُمُوهُ يعني كما كرهتم أكل لحم الميت فاكرهوا الغيبة لإخوانكم وَاتَّقُوا اللَّهَ في الغيبة فلا تغتابوا الناس إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ على من تاب رَحِيمٌ- ١٢- بهم بعد التوبة، والغيبة أن تقول لأخيك ما فيه من العيب فإن قلت ما ليس فيه فقد بهته، وإن قلت ما بلغك فهذا الإفك قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعني آدم وحواء نزلت في بلال المؤذن وقالوا في سلمان الفارسي وفي أربعة نفر من قريش، فى عتاب بن أسيد ابن أبي العيص، والحارث بن هشام، وسهيل بن
стр. 1608
عمرو، وأبي سفيان بن حرب، كلهم من قريش وذلك
أن النبي- ﷺ لما فتح مكة أمر بلالا فصعد ظهر الكعبة وأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما صعد بلال وأذن. قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: عجبت لهذا العبد الحبشي أما وجد رسول الله- ﷺ إلا هذا الغراب الأسود وقال سهيل بن عمرو:
إن يكره الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول، فإني لو قلت شيئا لتشهدن عليّ السماء ولتخبرن عني الأرض- فنزل جبريل على النبي- ﷺ فأخبره بقولهم فدعاهم النبي- ﷺ فقال: كيف قلت يا عتاب؟ قال قلت: الحمد لله الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم. قال: صدقت.
ثم قال للحارث بن هشام: كيف قلت؟ قال: عجبت لهذا العبد الحبشي أما وجد رسول الله- ﷺ إلا هذا الغراب الأسود. قال: صدقت.
ثم قال لسهيل بن عمرو: كيف قلت؟ قال: قلت إن يكره الله شيئا يغيره. قال:
صدقت. ثم قال لأبي سفيان: كيف قلت؟ قال: قلت أما أنا فلا أقول شيئا فإني لو قلت شيئا لتشهدن عليّ السماء ولتخبرن عني الأرض. قال: صدقت، فأنزل الله- تعالى- فيهم «يا أَيُّهَا النَّاسُ»
يعنى بلالا وهؤلاء الأربعة «إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى» وعنى آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً يعني رءوس القبائل ربيعة ومضر وبنو تميم والأزد وَقَبائِلَ يعني الأفخاذ بنو سعد، وبنو عامر، وبنو قيس، ونحوه لِتَعارَفُوا فى النسب [١٦٧ أ] ، ثم قال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ يعني «بلالا» «١» عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ- ١٣- «يعنى أن أتقاكم بلال «٢» » .
стр. 1609
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا نزلت في أعراب جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، «كانت» «١» منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا النبي- ﷺ قالوا آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذ من قال «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» يأمن على نفسه وماله فمر بهم خالد بن الوليد في سرية للنبي- ﷺ فقالوا آمنا فلم يعرض لهم، ولا لأموالهم، فلما سار النبي- ﷺ إلى الحديبية واستنفرهم معه. فقال بعضهم لبعض:
إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لأهل مكة، وإنهم كلفوا شيئا لا يرجعون عنه أبدا فأين تذهبون تقتلون أنفسكم؟ انتظروا حتى ننظر ما يكون من أمره، فذلك قوله في الفتح: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ... إلى آخر الآية «٢» فنزلت فيهم قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا يعنى صدقنا، قل لهم: يا محمد لَمْ تُؤْمِنُوا لم تصدقوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني قولوا أقررنا باللسان، واستسلمنا لتسلم لنا أموالنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ يعني ولما يدخل التصديق فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قتال أهل اليمامة حيث قال في سورة الفتح: ... سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ... «٣» يعنى قتال مسيلمة بين حبيب الكذاب وقومه بني حنيفة، وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إذا دعيتم إلى قتالهم لا يَلِتْكُمْ يعني لا ينقصكم مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً الحسنة يعنى جهاد أهل ايمامة
стр. 1610
حين دعاهم أبو بكر- ﵁ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يعني ذو تجاوز لما كان قبل ذلك يوم الحديبية رَحِيمٌ- ١٤- بهم إذا فعلوا ذلك نظيرها فى الفتح، ثم أخبر عن المؤمنين فنعتهم، لقول هؤلاء الأعراب آمنا، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ:
المصدقون في إيمانهم الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك له «وَرَسُولِهِ» «١» محمد- ﷺ أنه نبي رسول وكتابه الحق ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا يعني لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان «وَجاهَدُوا» العدو مع النبي- ﷺ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعني باشروا القتال بأنفسهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «٢» يعني في طاعة الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ- ١٥- فى إيمانهم قُلْ: يا محمد، لجهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ حين قالوا آمنا بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبرهم أنه يعلم ما في قلوبهم «وما في قلوب» «٣» أهل السموات فقال:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ غيب ما فِي السَّماواتِ يعني ما في قلوب أهل السموات من الملائكة وَما فِي الْأَرْضِ يعني ويعلم غيب ما في قلوب أهل [١٦٧ ب] الأرض من التصديق وغيره وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مما في قلوبهم من التصديق وغيره عَلِيمٌ- ١٦- يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في أناس من الأعراب:
بني أسد بن خزيمة قدموا على النبي- ﷺ فقالوا: جئناك وأتيناك بأهلنا طائعين عفوا على غير قتال، وتركنا الأموال والعشائر وكل قبيلة فى العرب
стр. 1611
قاتلوك حتى أسلموا، فلنا عليك حق فاعرف لنا ذلك. فنزلت فيهم «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ» يا محمد «أَنْ أَسْلَمُوا» قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ يعنى التصديق إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ١٧- فى أيمانكم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ يعني غيب ما في قلوب أهل السموات من الملائكة وَالْأَرْضِ يعني يعلم ما في قلوب أهل الأرضين التصديق وغيره، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٨- من التصديق وغيره.
[سورة ق «١» ] سورة ق مكية:
عددها خمس وأربعون آية كوفية «٢» :
стр. 1615
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ- ١- وقاف جبل من زمردة خضراء محيط بالعالم، فخضرة السماء منه ليس من الخلق شيء على خلقه «وتنبت» «١» الجبال منه، وهو وراء الجبال وعروق الجبال كلها من قاف، فإذا أراد الله- تعالى- زلزلة أرض أوحى إلى الملك الذي عنده أن يحرك عرقا من الجبل، فتتحرك الأرض «التي» «٢» يريد وهو أول جبل خلق، ثم أبو قبيس بعده وهو الجبل الذي الصفا تحته ودون قاف بمسيرة سنة، جبل تغرب فيه الشمس يقال له الحجاب، فذلك قوله- تعالى- ... حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٣» يعني بالجبل، وهو من وراء الحجاب وله وجه كوجه الإنسان وقلب كقلوب الملائكة في الخشية لله- تعالى- وهو من وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه، والحجاب دون قاف بمسيرة سنة وما بينهما ظلمة والشمس تغرب من وراء الحجاب في أصل الجبل، فذلك قوله ... حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ يعني بالجبل، وذلك قوله في مريم فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ...
«٤» يعنى جبلا. «وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» يعنى والقرآن الكريم. فأقسم الله- تعالى- بهما «٥» ، ثم استأنف بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعنى محمدا