[سورة النجم «١» ] سورة النجم مكية، عددها «اثنتان «٢» » وستون آية كوفى «٣» .
стр. 1649
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أقسم الله- ب «النَّجْمِ إِذا هَوى» يقول «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» وهي أول سورة أعلنها «١» النبي- ﷺ بمكة فلما بلغ آخرها سجد وسجد من «بحضرته «٢» » من مؤمني الإنس والجن والشجر وذلك أن كفار مكة قالوا: إن محمدا يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه، فأقسم الله بالقرآن فقال: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى - ١- يعني من السماء إلى محمد- ﷺ مثل قوله «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «٣» » وكان القرآن إذا نزل إنما ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع ونحو ذلك والسورة والسورتان فأقسم الله بالقرآن فقال: مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد وَما غَوى - ٢- وما تكلم بالباطل وَما يَنْطِقُ محمد هذا القرآن عَنِ الْهَوى - ٣- من تلقاء نفسه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى - ٤- إليه يقول ما هذا القرآن إلا وحي من الله- تعالى- يأتيه به جبريل- ﷺ ، فذلك قوله:
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى - ٥- يعني القوة في كل شيء يعني جبريل، ثم قال:
ذُو مِرَّةٍ يعني جبريل- ﵇ يقول ذو قوة فَاسْتَوى - ٦- يعني سويا حسن الخلق وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى - ٧- يعنى من قبل المطلع
стр. 1650
ثُمَّ دَنا الرب- تعالى- من محمد فَتَدَلَّى- ٨- وذلك ليلة أسري بالنبي- ﷺ إلى السماء السابعة فَكانَ منه قابَ قَوْسَيْنِ يعني قدر ما بين طرفي القوس من قسى «العرب «١» » أَوْ أَدْنى - ٩- يعنى بل أدنى أو أقرب من ذلك.
حدثنا عبد الله قال: سمعت أبا العباس يقول: «قَابَ قَوْسَيْنِ» يعني قدر طول قوسين من قسي العرب فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ
محمد- ﷺ مَا أَوْحى
- ١٠- ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى - ١١- يعني ما كذب قلب محمد- ﷺ ما رأى بصره من أمر ربه تلك الليلة «أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى» «٢» - ١٢- وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى - ١٣- يقول رأى محمد- ﷺ ربه بقلبه مرة أخرى، رآه عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى - ١٤- أغصانها اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة العليا «عِنْدَها» «٣» جَنَّةُ الْمَأْوى - ١٥- تأوى إليها أرواح الشهداء أحياء يرزقون [١٧٣ ب] وإنما سميت المنتهى لأنها ينتهي إليها علم كل ملك مخلوق، ولا يعلم ما وراءها أحد إلا الله- كل ورقة منها تظل أمة من الأمم على كل ورقة منها ملك يذكر الله- ولو أن ورقة منها وضعت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض نورا تحمل لهم الحلل والثمار من جميع الألوان، ولو أن رجلا ركب حقة فطاف على ساقها «٤» ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهرم وهي طوبى التي ذكر الله
стр. 1651
- تعالى- في كتابه: « ... طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ «١» » ينبع من ساق السدرة عينان أحدهما السلسبيل، والأخرى الكوثر فينفجر من الكوثر أربعة أنهار التي ذكر الله- تعالى- فى سورة محمد «٢» ﷺ الماء واللبن والعسل والخمر، ثم قال: «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى» «٣» - ١٦- ما زاغَ الْبَصَرُ يعني بصر محمد- ﷺ يعني ما مال وَما طَغى - ١٧- يعني وما ظلم، لقد صدق محمد- ﷺ بما رأى تلك الليلة لَقَدْ رَأى محمد- ﷺ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى - ١٨- وذلك أن النبي- ﷺ رأى رفرفا أخضر قد غطى الأفق، فذلك «مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى- ١٩- وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى - ٢٠- وإنما سميت اللات والعزى لأنهم أرادوا أن يسموا الله، فمنعهم الله فصارت اللات وأرادوا أن يسموا العزيز فمنعهم فصارت العزى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى - ٢١- حين قالوا إن الملائكة بنات الله تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى - ٢٢- يعنى جائزة عوجاء أن يكون لهم الذكر وله الأنثى، ثم ذكر آلهتهم فقال: إِنْ هِيَ يقول ما هي إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» «٤» بأنها آلهة من قوله «أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ «٥» » يعني كتاب فيه حجة، مثل قوله «أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً «٦» ... »
стр. 1652
يعني كتابا لهم فيه حجة إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول «ما لهم من علم «١» بأنها» آلهة إلا ظنا ما يستيفتون بأن اللات والعزى ومناة آلهة وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ يعني القلوب وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى - ٢٣- يعنى القرآن أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى- ٢٤- بأن الملائكة تشفع لهم، وذلك أن النبي- ﷺ قرأ سورة النجم، «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى «٢» » «أعلنهما «٣» » بمكة فلما بلغ «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ، وَالْعُزَّى، وَمَناةَ» نعس فألقى الشيطان على لسانه تلك «الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلا «٤» » عندها الشفاعة ترتجى «٥» يعني الملائكة ففرح كفار مكة ورجوا أن يكون للملائكة شفاعة فلما بلغ آخرها سجد وسجد المؤمنون تصديفا لله- تعالى- وسجد كفار مكة عند ذكر الآلهة غير أن الوليد بن المغيرة [١٧٤ أ] وكان شيخا كبيرا فرفع التراب إلى جبهته «فسجد عليه «٦» » فقال: يحيا كما تحيا أم أيمن وصواحباتها وكانت أم أيمن خادم النبي- ﷺ وأيمن خادم النبي- ﷺ قتل يوم خيبر.
وقال في الأنعام: « ... لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ «٧» ... » لا شك فيه « ... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «٨» ... » ،
стр. 1653
فلما رجوا أن للملائكة شفاعة، أنزل الله- تعالى- فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى - ٢٥- يعني الدنيا والآخرة وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي يقول لا تنفع شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً، ثم استثنى فقال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ من بنى آدم فيشفع له، أوَيَرْضى - ٢٦- الله له بالتوحيد إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى - ٢٧- حين زعموا أن الملائكة إناث وأنها تشفع لهم، يقول الله: وَما لَهُمْ بِهِ بذلك مِنْ عِلْمٍ أنها إناث إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول ما يتبعون إلا الظن وما يستيقنون أنها إناث وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً- ٢٨- فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني عن من أعرض عن الإيمان بالقرآن وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا- ٢٩- ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني من مبلغ رأيهم من العلم أن الملائكة إناث وأنها تشفع لهم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني عن الهدى من غيره وَهُوَ أَعْلَمُ من غيره بِمَنِ اهْتَدى - ٣٠- منكم، ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم والملائكة وغيرهم عبيد وفى ملكه، فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا فى الآخرة «الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا» من الشرك فى الدنيا، وذلك «أنه قال «١» » فى الأنعام «٢» ، والنساء «٣» -
стр. 1654
«لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» يعني لا شك في البعث أنه كائن «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا» من الشرك في الدنيا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا التوحيد في الدنيا بِالْحُسْنَى- ٣١- وهي الجنة، ثم نعت المتقين فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ يعني كل ذنب يختم بالنار وَالْفَواحِشَ يعني كل ذنب فيه حد إِلَّا اللَّمَمَ يعني ما بين الحدين نزلت في نبهان التمار وذلك
أنه كان له حانوت يبيع فيه التمر، فأتته امرأة تريد تمرا، فقالت لها: ادخلي الحانوت، فإن فيه تمرا جيدا. فلما دخلت راودها عن نفسها، فأبت عليه، فلما رأت الشر خرجت فوثب إليها، فضرب عجزها بيده، فقال: والله، ما نلت مني حاجتك، ولا حفظت غيبة أخيك المسلم. فذهبت المرأة وندم الرجل، فأتى النَّبِيّ- ﷺ فَأَخْبَرَه بصنيعه [١٧٤ ب] . فقال له النبي- ﷺ ويحك يا نبهان، فلعل زوجها «غاز «١» » في سبيل الله، فقال: الله ورسوله أعلم. فقال: أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، فلقي أبا بكر- ﵁ فأعلمه، فقال: ويحك فلعل زوجها «غاز «٢» » في سبيل الله. فقال: الله أعلم. ثم رجع فلقي عمر بن الخطاب- ﵁ فأخبره، فقال: ويحك لعل زوجها «غاز «٣» » في سبيل الله. قال: الله أعلم. فصرعه عمر فوطئه، ثم انطلق به إلى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله، إخواننا غزاة في سبيل الله تكسر الرماح في صدورهم يخلف هذا ونحوه أهليهم بسوء، فاضرب عنقه.
стр. 1655
فضحك النبي- ﷺ فقال أرسله يا عمر فنزلت فيه «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ»
يعني ضربه عجزيتها بيده إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ لمن تاب، ثم قال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ من غيره إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني خلقكم من تراب وَهو أعلم بكم إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ يعنى جنين الذي يكون فى بطن أمه فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال وقال ناس من المسلمين: صلينا وصمنا وفعلنا فزكوا أنفسهم، فقال الله- تعالى-: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى - ٣٢- أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى- ٣٣- عن الحق يعني الوليد بن المغيرة وَأَعْطى قَلِيلًا من الخير بلسانه وَأَكْدى - ٣٤- يعني قطع أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ بأن الله لا يبعثه فَهُوَ يَرى - ٣٥- الإقامة على الكفر نظيرها في الطور، «١» وفي ن «أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ «٢» » .
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ يعنى يحدث بِما فِي صُحُفِ مُوسى - ٣٦- يعنى التوراة كتاب موسى وَصحف إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى- ٣٧- لله بالبلاغ وبلغ قومه ما أمره الله- تعالى- أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى - ٣٨- يقول لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ فى الآخرة إِلَّا ما سَعى - ٣٩- يعني إلا ما عمل في الدنيا وَأَنَّ سَعْيَهُ يعني عمله في الدنيا سَوْفَ يُرى - ٤٠- في الآخرة حين ينظر إليه ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى - ٤١- يوفيه جزاء عمله في الدنيا كاملا، ثم أخبر عن هذا الإنسان
стр. 1656
الذي قال «له «١» » فقال: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى - ٤٢- ينتهى إليه بعمله، ثم أخبره عن صنعه فقال: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى «٢» - ٤٣- يقول أضحك واحدا وأبكى آخر، وأيضا أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ الأحياء وَأَحْيا- ٤٤- الموتى وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الرجل والمرأة كل واحد منهما زوج بالآخر الذَّكَرَ وَالْأُنْثى - ٤٥- خلقهما مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى - ٤٦- يعني «إذا تدفق «٣» » المني وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى - ٤٧- يعني الخلق الآخر يعني البعث في الآخرة «بعد الموت «٤» » وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى - ٤٨- يقول مول وأرضى هذا الإنسان بما أعطى «ثم قال» : «٥» وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى - ٤٩- قال مُقَاتِلُ: الشعرى اليمانية النيرة الجنوبية كوكب مضيء وهي التي تتبع «الجوزاء «٦» » ويقال لها المزن والعبور، كان «أناس «٧» » من الأعراب من خزاعة، وغسان، وغطفان، يعبدونها وهي الكوكب «الذي «٨» » يطلع بعد الجوزاء،
стр. 1657
قال الله- تعالى- أنا ربها فاعبدوني «١» وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى - ٥٠- بالعذاب، وذلك أن أهل عاد وثمود وأهل السواد وأهل الموصل وأهل العال كلها من ولد «إرم «٢» » بن سام بن نوح- ﵇ فمن ثم قال «أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى» يعنى قوم هود بالعذاب.
وَأهلك ثَمُودَ بالعذاب فَما أَبْقى - ٥١- منهم أحد وَأهلك قَوْمَ نُوحٍ بالغرق مِنْ قَبْلُ هلاك عاد وثمود إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى - ٥٢- من عاد وثمود وذلك أن نوحا دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يجيبوه، حتى إن الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه فينطلق به إلى نوح- ﵇ فيقول له: احذر هذا، فإنه كذاب، فإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك، فحذرني منه فاحذره فيموت الكبير على الكفر وينشؤ الصغير على وصية أبيه، فنشأ قرن بعد قرن على الكفر، هم كانوا أظلم وأطغى فبقي من نسلهم، بعد عاد أهل السواد، وأهل الجزيرة، وأهل العال، فمن ثم قال: «عاداً الْأُولى» ، ثم قال: وَأهلك الْمُؤْتَفِكَةَ يعني الكذبة أَهْوى - ٥٣- يعني «قرى «٣» » قوم لوط، وذلك أن جبريل- ﵇ أدخل جناحه تحتها فرفعها إلى السماء حتى «سمعت «٤» » ملائكة سماء الدنيا أصوات الديكة، ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة قال: فَغَشَّاها ما غَشَّى
стр. 1658
- ٥٤- يعني الحجارة التي غشاها من كان خارجا من القرية، أو كان في زرعه، أو فى ضرعه، ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ يعني بأي نعمة ربك تَتَمارى - ٥٥- يعني يشك فيها ابن آدم «١» هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى - ٥٦- فيها تقديم، يقول هذا الذي أخبر عن هلاك الأمم الخالية يعني قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، يخوف كفار مكة ليحذروا معصيته أَزِفَتِ الْآزِفَةُ- ٥٧- يعنى اقتربت الساعة [١٧٥ ب] لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ- ٥٨- يقول لا يكشفها أحد إلا الله يعني الساعة لا يكشفها أحد من الآلهة إلا الله- تعالى- الذي يكشفها أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن تَعْجَبُونَ- ٥٩- تكذيبا به وَتَضْحَكُونَ استهزاء وَلا تَبْكُونَ- ٦٠- يعني كفار مكة مما فيه من الوعيد وَأَنْتُمْ سامِدُونَ- ٦١- يعني لاهون عن القرآن- بلغة اليمن- فَاسْجُدُوا لِلَّهِ يعني «صلوا «٢» » الصلوات الخمس وَاعْبُدُوا- ٦٢- يعني وحدوا الرب- تعالى-.
[سورة القمر «١» ] سورة القمر مكية عددها خمس وخمسون آية «٢» .
стр. 1662
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يعني القيامة، «ومن علامة ذلك «١» » خروج النبي- ﷺ ، والدخان، وانشقاق القمر، وذلك أن كفار مكة سألوا النبي- ﷺ أن يريهم آية فانشق القمر نصفين فقالوا: هذا عمل السحرة.
يقول الله- تعالى-: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» «٢» - ١- وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ- ٢- يعني سحر ذاهب، فاستمر، ثم التأم القمر بعد ذلك، يقول الله- تعالى-: وَكَذَّبُوا بالآية يعنى بالقمر أنه ليس من الله- تعالى- وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ هذا وعيد مُسْتَقِرٌّ- ٣- يعني لكل حديث منتهى وحقيقة، يعني العذاب في الدنيا القتل ببدر، ومنه في الآخرة عذاب النار وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يعني جاء أهل مكة من حديث القرآن ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ- ٤- يعني موعظة لهم، وهو النهي عن المعاصي جاءهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ يعني القرآن نظيرها في يونس: « ... وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ «٣» » يقول أرسلت إليهم وأنذرتهم فكفروا بما جاءهم من البيان فَما تُغْنِ النُّذُرُ- ٥- فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني فأعرض عن كفار مكة إلى يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ وهو
стр. 1663
إسرافيل ينفخ الثانية «قائما «١» » على صخرة بيت المقدس إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ- ٦- يعنى إلى أمر فظيع «خُشَّعاً» «٢» يعني ذليلة خافضة أَبْصارُهُمْ عند معاينة النار يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعنى القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ- ٧- حين انتشر من معدنه فشبه الناس بالجراد إذا خرجوا من قبورهم مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يعني مقبلين سراعا إذا خرجوا من القبور إلى صوت إسرافيل القائم على الصخرة التي ببيت المقدس، فيهون على المؤمنين الحشر، كأدنى صلاتهم، والكفار يكبون على وجوههم، فلا يقومون مقاما، ولا يخرجون مخرجا إلا عسر عليهم في كل موطن شدة ومشقة، فذلك قوله: يَقُولُ الْكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ- ٨- كَذَّبَتْ «قَبْلَهُمْ» «٣» قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا [١٧٦ أ] وَقالُوا لنوح: مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ- ٩- يعني استطار القلب منه وأوعدوه بالقتل وضربوه فَدَعا رَبَّهُ «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ» «٤» - ١٠- بعد ما كان يضرب في كل يوم مرتين حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال:
«اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» .
قال أبو محمد: قال أبو العباس: «وَازْدُجِرَ» : دفع عما أراد منهم.
فأجابه الله- تعالى- فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ أربعين يوما بِماءٍ مُنْهَمِرٍ- ١١- يعني منصب كثير وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ أربعين يوما عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ- ١٢- وذلك أن ماء السماء وماء الأرض قدر الله
стр. 1664
- تعالى- كليهما، فكانا سواء لم يزد ماء السماء على ماء الأرض، وكان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض جارا مثل الحميم، فذلك قوله: «عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» لأن الماء ارتقع فوق كل جبل ثلاثين يوما، ويقال أربعين ذراعا، فكان الماء الذي على الأرض، والذي على رءوس الجبال سواء فابتلعت الأرض ماءها، وبقي ماء السماء أربعين يوما «لم تشربه الأرض «١» » فهذه البحور التي على الأرض منها وَحَمَلْناهُ نوحا عَلى ذاتِ أَلْواحٍ يعني ألواح السفينة وهي من ساج، ثم قال: وَدُسُرٍ- ١٣- يعني مسامير من حديد تشد به السفينة، كان بابها في عرضها تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يقول تجري السفينة في الماء بعين الله- تعالى- فأغرق الله قوم نوح، فذلك الغرق جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ- ١٤- يعني نوحا المكفور به وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً يعني السفينة كانت عبرة وآية لمن بعدهم من الناس، نظيرها في الحاقة «٢» ، وفي الصافات «٣» ، وفى العنكبوت «٤» .
стр. 1665
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- ١٥- يقول هل من يتذكر؟ فيعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف عقوبة الله- تعالى- «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» «١» - ١٦- وَلَقَدْ يَسَّرْنَا يقول هونا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يعني ليتذكروا فيه فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- ١٧- يعنى فيتذكر فيه ولولا أن الله- تعالى- يسر القرآن للذكر ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله- تعالى- ولكن الله- تعالى- يسره على خلقه فيقرءونه على كل حال كَذَّبَتْ عادٌ هودا بالعذاب فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- ١٨- يقول الذي أنذر قومه «ألم يجدوه «٢» » حقا؟
ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعنى باردة شديدة فِي يَوْمِ نَحْسٍ يعني شديد مُسْتَمِرٍّ- ١٩- يقول استمرت عليهم الريح لا تفتر عنهم سبع ليال، وثمانية أيام حسوما دائمة تَنْزِعُ الريح أرواح النَّاسَ من أجسادهم فتصرعهم، ثم شبههم فقال: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ يعني أصول النخل «مُنْقَعِرٍ» «٣» - ٢٠- يقول «انعقرت» «٤» النخلة من أصلها فوقعت [١٧٦ ب] وهو «المنقطع «٥» » .
стр. 1666
فشبههم حين وقعوا من شدة العذاب «بالنخيل «١» » الساقطة التي ليست لها رءوس وشبههم «بالنخيل «٢» » لطولهم، كان طول كُلّ رَجُل منهم «اثنى «٣» » عشر ذراعا فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- ٢١- وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- ٢٢- كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ- ٢٣- يعني بالرسل فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ يعنون صالحا إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ- ٢٤- يعني لفي شقاء وعناء إن تبعنا صالحا أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ يعني أنزل عليه الوحي مِنْ بَيْنِنا يعنون صالحا- صلى الله عليه-، ونحن أفضل منه عند الله منزلة، فقالوا: بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ- ٢٥- يعني بطر مرح، قال صالح: سَيَعْلَمُونَ غَداً عند نزول العذاب مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ- ٢٦- فهذا وعيد أنا أم أنتم إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ لنبتليهم بها فَارْتَقِبْهُمْ يعني انتظرهم فإن العذاب نازل بهم وَاصْطَبِرْ- ٢٧- على الأذى وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ يوم للناقة ويوم لأهل القرية كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ- ٢٨- يعني اليوم والناقة يقول إذا كان يوم «الناقة» «٤» حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم فَنادَوْا صاحِبَهُمْ بعد ما كانوا منعوا الماء وكان القوم على شراب لهم ففني الماء، فبعثوا رجلا ليأتيهم بالماء ليمزجوا به الخمر، فوجدوا الناقة على الماء، فرجع، وأخبر أصحابه، فقالوا لقدار بن سالف اعقروها. وكانوا ثمانية فأخذ قدار السيف
стр. 1667
فعقرها، وهو عاقر الناقة. فذلك قوله: فَتَعاطى فَعَقَرَ- ٢٩- فتناول الناقة بالسيف فعقرها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ- ٣٠- يعني الذي أنذر قومه «ألم يجدوه «١» ؟» حقا فلما أيقن بالهلاك تكفنوا بالأنطاع وتطيبوا بالمر، ثم دخلوا حفرهم صبيحة يوم الرابع، ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً من جبريل- ﵇ وذلك أنه قام فى ناحية القرية فصاح صيحة فحمدوا أجمعين فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ- ٣١- شبههم في الهلاك بالهشيم البالي يعني الحظيرة من القصب ونحوها تحظر على الغنم، أصابها ماء السماء وحر الشمس حتى بليت من طول الزمان، قال أبو محمد: قال أبو العباس أحمد بن يحيى «٢» : الهشيم النبت الذي أتى عليه حر الشمس وطول المدة فإذا مسسته لم تجده شيئا وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- ٣٢- كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- ٣٣- يعنى بالرسل، ثم أخبر عن عذابهم فقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يعني الحجارة من فوقهم، ثم استثنى فقال: إِلَّا آلَ لُوطٍ «ابنتيه ريثا وزعونا «٣» » نَجَّيْناهُمْ من العذاب بِسَحَرٍ- ٣٤- يعني بقطع من آخر الليل، وكان ذلك نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا على آل لوط حين «أنجى» «٤» الله- تعالى- آل لوط كَذلِكَ يعني هكذا نَجْزِي بالنجاة مَنْ شَكَرَ- ٣٥-[١٧٧ أ] يعني من وحد الله- تعالى- وصدق بما جاءت به الرسل لم يعذب مع المشركين فى الدنيا، كقوله: « ... وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» «٥» يعنى الموحدين، ثم قال وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ
стр. 1668
لوط بَطْشَتَنا يعني العذاب فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ- ٣٦- يقول شكوا في العذاب بأنه غير نازل بهم الدنيا وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ جبريل- ﷺ ومعه ملكان فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يقول فحولنا أبصارهم إلى العمى، وذلك أنهم كسروا الباب، ودخلوا على الرسل يريدون منهم ما كانوا يعملون بغيرهم، فلطمهم جبريل بجناحه فذهبت أبصارهم فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ- ٣٧- يقول هذا الذي أنذروا «ألم يجدوه «١» » حقا وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ- ٣٨- يقول استقر بهم العذاب بكرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ- ٣٩- يقول هذا الذي أنذروا «ألم يجدوه «٢» » حقا؟
«وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» «٣» - ٤٠- وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ- ٤١- يعنى الرسل موسى و «هارون» «٤» ﵉ يعني بآل فرعون القبط، وكان فرعون قبطيا يقول:
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني بالآيات التسع: اليد، والعصا، والطمس، والسنين، والطوفان، والجراد، والقمل والضفادع، والدم فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ فى انتقامه مُقْتَدِرٍ- ٤٢- على هلاكهم، ثم خوف كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني أكفار أمة محمد- ﷺ خير من كفار الأمم الخالية الذين ذكرهم فى هذه السورة يقول أليس أهلكتهم بالعذاب بتكذيبهم الرسل، فلستم خيرا منهم إن كذبتم
стр. 1669
محمدا- ﷺ أن يهلككم بالعذاب أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ- ٤٣- يعني في الكتاب يقول ألكم براءة من العذاب في الكتاب أنه لن يصيبكم من العذاب ما أصاب الأمم الخالية؟، فعذبهم الله ببدر بالقتل أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ- ٤٤- من عدونا يعني محمدا- ﷺ وأصحابه يقول الله- تعالى- لنبيه- ﷺ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ يعني جمع أهل بدر وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ- ٤٥- يعني الأدبار لا يلوون على شيء، وقتل عبد الله بن مسعود أبا جهل بن هشام بسيف أبي جهل، وأخبر النبي- ﷺ أنه رأى في جسده مثل لهب النار، قال ذلك ضرب الملائكة، وأجهز على أبي جهل عوف ومعوذ ابنا عفراء، ثم أوعدهم فقال: بَلِ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة مَوْعِدُهُمْ بعد القتل وَالسَّاعَةُ يعني والقيامة أَدْهى يعنى أقطع وَأَمَرُّ- ٤٦- من القتل يقول القتل يسير ببدر ولكن عذاب جهنم أدهى وأمر عليهم من قتل بدر، ثم أخبر عنهم [١٧٧ ب] فقال إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في الدنيا فِي ضَلالٍ يعني في شقاء وَسُعُرٍ- ٤٧- يعني وعناء، ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة فقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ بعد العرض تسحبهم الملائكة وتقول الخزنة: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ- ٤٨- يعني عذاب سقر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ- ٤٩- يقول قدر الله لهم العذاب ودخول سقر وَما أَمْرُنا في الساعة إِلَّا واحِدَةٌ يعني إلا مرة واحدة لا مثنوية لها كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ- ٥٠- يعنى كجنوح الطرف وَلَقَدْ أَهْلَكْنا بالعذاب أَشْياعَكُمْ يعنى عذبنا إخوانكم أهل ملتكم، يا أهل مكة، يعنى الأمم الحالية حين كذبوا رسلهم فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ- ٥١- يقول فهل من متذكر فيعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف فلا يكذب محمدا- ﷺ ،
стр. 1670
ثم قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ- ٥٢- يعني الأمم الخالية، قال كل شيء عملوه مكتوب في اللوح المحفوظ «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» «١» - ٥٣- إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ يعني البساتين وَنَهَرٍ يعني الأنهار الجارية، ويقال «السعة» «٢» مثل قوله في الكهف « ... وَفَجَّرْنا خِلالَهُما «٣» نَهَراً» فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ- ٥٥- على ما يشاء وذلك أن أهل الجنة يدخلون على ربهم- تعالى- على مقدار كل يوم جمعة، فيجلسون إليه على قدر أعمالهم في الدنيا وبقدر ثوابهم في الآخرة فيعطون في ذلك المجلس ما يحبون من «شيء» «٤» ، ثم يعطيهم الرب- تعالى- ما لم يسألوه من الخير من جنة عدن ما لم تره عين، ولم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر.
[سورة الرحمن «١» ] سورة الرحمن مكية عددها ثمان وسبعون آية كوفى «٢» .
стр. 1674
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: الرَّحْمنُ- ١- وذلك أنه لما نزل ... اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ ... «١»
قَالَ كفار مكة: ... وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ... «٢» فأنكروا الرحمن وقالوا: لا نعرف الرحمن، فأخبر الله- تعالى- عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف، فيوحد فقال: «الرَّحْمَنُ» الذي أنكروه هو الذي: عَلَّمَ الْقُرْآنَ- ٢- خَلَقَ الْإِنْسانَ- ٣- يعنى آدم- ﵇ عَلَّمَهُ الْبَيانَ- ٤- يعني بيان كل شيء الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ- ٥- مطالعهما ومغاربهما ثمانين ومائة مطلع، وثمانين ومائة مغرب «لتعلموا «٣» » بها عدد السنين والحساب، ثم قال: وَالنَّجْمُ يعني كل نبت ليس له ساق وَالشَّجَرُ كل نبت له ساق يَسْجُدانِ- ٦- يعني سجودهما ظلهما «٤» طرفي النهار حين نزول الشمس، وعند طلوعها إذا تحول ظل الشجرة فهو سجودها، ثم قال: وَالسَّماءَ رَفَعَها من الأرض «مسيرة «٥» » خمسمائة عام [١٧٨ أ] وَوَضَعَ الْمِيزانَ- ٧- الذي يزن به الناس وضعه الله عدلا بين الناس أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ- ٨-
стр. 1675
يعني ألا تظلموا في الميزان وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يعني اللسان بالعدل وَلا تُخْسِرُوا يعني ولا تنقصوا الْمِيزانَ- ٩- وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ- ١٠- يعني للخليقة من أهل الأرض فِيها يعني فى الأرض فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ- ١١- يعني ذات الأجواف، مثل قوله: « ... وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها ... «١» » يعنى الكفرى موقر «طلعها «٢» » وَالْحَبُّ فيها يعني في الأرض أيضا، الحب: يعني البر والشعير ذُو الْعَصْفِ يعني ورق الزرع الذي يكون فيه الحب وَالرَّيْحانُ- ١٢- يعني الرزق نظيرها في الواقعة «فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ ... » «٣» يعني الرزق بلسان حمير الذي يخرج من الحب من دقيق أو سويق أو غيره فذكر ما خلق من «النعم» «٤» ، فقال فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ١٣- يعني الجن والإنس يعني فبأي نعماء ربكما تكذبان بأنها ليست من الله- تعالى- ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني آدم- ﵇ مِنْ صَلْصالٍ يعني من تراب الرمل ومعه من الطين الحر، «قال «٥» » ابن عباس الصلصال: الطين الجيد إذا ذهب عنه الماء «فتشقق «٦» » فإذا تحرك تقعقع، وأما قوله: كَالْفَخَّارِ- ١٤- يعني هو بمنزلة الفخار من قبل أن يطبخ، يقول كان ابن آدم من قبل أن ينفخ فيه الروح بمنزلة الفخار أجوف وَخَلَقَ الْجَانَ
стр. 1676
يعنى إبليس مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ- ١٥- يعني من لهب النار صاف ليس له دخان، وإنما سمي الجان لأنه من حي من الملائكة يقال لهم الجن، «فالجن الجماعة، والجان الواحد «١» » وكان حسن خلقهما من النعم، فمن ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ١٦- رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق أطول يوم في السنة وهو خمس عشرة ساعة، ومشرق أقصر يوم في السنة وهو تسع ساعات وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ- ١٧- يعني مغاربهما يعني مغرب أطول ليلة ويوم في السنة وأقصر ليلة ويوم في السنة فهما يومان في السنة، ثم جمعها فقال: « ... بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ «٢» ... » فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ١٨- أنها ليست من الله- تعالى- قوله مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني خلع البحرين ماء المالح وماء العذب خلع أحدهما على الآخر يَلْتَقِيانِ- ١٩-.
قال أبو محمد: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: «مرج» يعني خلق.
وقال الفراء: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ» يعني أرسلهما.
وقال أبو عبيدة مجازه مرجت الدابة أي خلعت عنقها بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يعني حاجزا حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته ف لا يَبْغِيانِ- ٢٠- يعني لا يبغي أحدهما على الآخر [١٧٨ ب] فلا يختلطان ولا يتغير «طعمهما «٣» » وكان هذا من النعم، فلذلك قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما يعني فبأي نعماء ربكما تُكَذِّبانِ- ٢١- أنها ليست من الله- تعالى- يَخْرُجُ مِنْهُمَا من الماءين جميعا، ماء الملح وماء العذب ومن ماء السماء اللُّؤْلُؤُ الصغار وَالْمَرْجانُ- ٢٢- يعنى الدر
стр. 1677
العظام فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٢٣- فهذا من النعم، قوله: وَلَهُ الْجَوارِ يعني السفن الْمُنْشَآتُ يعني المخلوقات فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ- ٢٤- يعني كالجبال يشبه السفن في البحر كالجبال في البر، «فكانت» «١» السفن من النعم، ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٢٥- يعني نعماء ربكما تكذبان، قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ- ٢٦- يعني «من «٢» » على الأرض من الحيوان فان يعني هالك وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ- ٢٧- فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٢٨- فلما نزلت هذه الآية قلت الملائكة الذين في السماء هلك أهل الأرض العجب لهم كيف تنفعهم المعيشة حتى أنزل الله- تعالى- في القصص « ... كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... «٣» » يعني كل شيء من الحيوان في السموات والأرض يموت إلا وجهه يقول إلا «٤» الله، فأيقنوا عند ذلك كلهم بالهلاك، قوله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني يسأل أهل الأرض الله الرزق، وتسأل الملائكة أيضا لهم الرزق والمغفرة كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ- ٢٩- وذلك أن اليهود قالت:
إن الله لا يقضى يوم السبت شيئا فأنزل الله- تعالى- «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» يوم السبت وغيره، وشأنه أنه يحدث في خلقه ما يشاء من خلق، أو عذاب، أو شدة، أو رحمة، أو رخاء، أو رزق، أو حياة، أو موت. فمن مات محى اسمه من
стр. 1678
اللوح المحفوظ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٣٠- يعني نعماء ربكما تكذبان أنها ليست من الله- تعالى- سَنَفْرُغُ لَكُمْ «أَيُّهَ» «١» الثَّقَلانِ- ٣١- يعني سنفرغ لحساب الإنس والجن ولم يعن به الشياطين لأنهم هم أغووا الإنس والجن، وهذا من كلام العرب يقول سأفرغ لك، وإنه لفارغ قبل ذلك وهذا «تهديد «٢» » والله- تعالى- لا يشغله شيء يقول سيفرغ الله في الآخرة «لحسابكم «٣» » «أيها «٤» » الثقلان يعني الجن والإنس.
حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبي قال: قال أبو صالح: قال سعيد بن جبير:
فى قوله: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» يقول سأقصد لحسابكم «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٥» - ٣٢- قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قد جاء آجالكم فهذا وعيد من الله- تعالى-، يقول: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٦» ... »
لأن الشياطين أضلوهما فبعث فيهم رسلا منهم، «قال «٧» » : إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا [١٧٩ أ] مِنْ أَقْطارِ يعنى من قطري السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هربا من الموت فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ يعني لا تنفذوا إِلَّا بِسُلْطانٍ- ٣٣- يعني إلا بملكي حيثما توجهتم فثم ملكي فأنا آخذكم بالموت فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما يعنى نعماء ربكما
стр. 1679
تُكَذِّبانِ- ٣٤- أن أحدا يقدر على هذا غير الله- تعالى-، قوله- تعالى-: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني كفار الجن والإنس في الآخرة شواظ من نار يعني لهب النار ليس له دخان وَنُحاسٌ يعني الصفر الذائب وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار أنهار الدنيا فَلا تَنْتَصِرانِ- ٣٥- يعني فلا تمتنعان من ذلك، فذلك قوله فى سورة النحل: « ... زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ... » «١» يعني الأنهار الخمس بما كانوا يفسدون فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٣٦- فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني انفرجت من المجرة، وهو البياض الذي يرى في وسط السماء وهو شرج السماء لنزول من فيها، يعني الرب- تعالى- والملائكة فَكانَتْ يعني فصارت من الخوف وَرْدَةً كَالدِّهانِ- ٣٧- شبه لونها في «التغير «٢» » والتلون «بدهان «٣» » الورد «الصافي «٤» » .
قال أبو صالح: شبه لونها بلون دهن الورد، ويقال بلون الفرس الورد يكون في الربيع كميتا أشقر، وفي الشتاء أحمر، فإذا اشتد البرد كان أغير فشبه لون السماء في اختلاف أحوالها بلون الفرس في الأزمنة المختلفة.
وقال الفراء: في قوله «وَرْدَةً كَالدِّهانِ» أراد بالوردة الفرس الورد يكون في الربيع «وردة» «٥» إلى الصفرة فإذا اشتد البرد كانت حمراء، فإذا كان بعد ذلك
стр. 1680
كانت وردة إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن لاختلاف ألوانه. ويقال كدهان الأديم يعني لونه «١» «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٢» - ٣٨- فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعنى عن عمله إِنْسٌ وَلا جَانٌّ- ٣٩- لأن الرب- تعالى- قد أحصى عليه عمله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٤٠-.
قوله: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ بعد الحساب يعني بسواد الوجوه وزرقة الأعين فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ- ٤١- وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ثم يجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم من ظهورهم، ثم يدفعونهم في النار على وجوههم فإذا دنوا منها قالت لهم الخزنة:
«هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ «٣» » فى الدنيا. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٤٢- قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ- ٤٣- يعني الكافرين في الدنيا يَطُوفُونَ بَيْنَها يعني جهنم شواظا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ- ٤٤- شواظا يعني بالحميم الماء الحار الذي قد انتهى غليانه «يعنى الذي غلى حتى انتهى حره «٤» » لا يستريحون ساعة من غم يطاف عليهم في ألوان عذابهم، فذلك قوله: «ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ» من الزقوم والحميم يعني الشراب، «لَإِلَى الْجَحِيمِ «٥» » ، فيذهب به
стр. 1681
مرة إلى الزقوم، ثم إلى الجحيم، ثم إلى منازلهم في جهنم، فذلك قوله: «يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ» «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «١» - ٤٥-[١٧٩ ب] .
قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يوم القيامة في الآخرة جَنَّتانِ- ٤٦- يعني جنة عدن، وجنة النعيم، «وهما للصديقين «٢» » والشهداء والمقربين والسابقين وهو الرجل يهم بالمعصية فيذكر «مقامه بين يدي الله «٣» » فيخاف فيتركها فله جنتان.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «قَالَ «٤» » أَبُو صَالِحٍ عَنْ «مُقَاتِلٍ «٥» » عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْجَنَّتَانِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: هما بستانان فى ريض الجنة كل واحد منهما مسيرة خمسمائة عَامٍ، فِي وَسَطِ كُلِّ بُسْتَانٍ دَارٌ فِي دَارٍ مِنْ نُورٍ عَلَى نُورٍ، لَيْسَ مِنْهُمَا بستان إلا يهتز بِنِعْمَةٍ وَخُضْرَةٍ قَرَارُهَا «ثَابِتٌ «٦» » وَفَرْعُهَا «ثَابِتٌ» وَشَجَرُهَا نابت
«فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٧» - ٤٧-، ثم نعت الجنتين فقال:
ذَواتا أَفْنانٍ- ٤٨- يعني ذواتا أغصان يتماس أطراف شجرها «بعضه «٨» » بعضا كالمعروشات «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٩» - ٤٩- فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ
стр. 1682
- ٥٠- في عين أخدود من ماء غير آسن «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «١» - ٥١- فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ من كل لون من ألوان الفاكهة زَوْجانِ- ٥٢- يعني صنفان فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٥٣- مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ يعني ظاهرها من الديباج الأخضر فوق الفرش الديباج وهي بلغة فارس، نظيرها في آخر السورة «مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ «٢» ... » يعني «المحابس «٣» » الخضر على الفرش، ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ- ٥٤- يعني ثمره، وجنى الشجر في الجنتين دان، يقول ما يجتني في الجنتين دان يقول طول الشجر لهذا المجتنى قريب «يتناوله «٤» » الرجل إن شاء جالسا، وإن شاء أو «متكئا «٥» » أو قائما، فَبِأَيِّ آلاءِ يعني نعماء رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٥٥- فِيهِنَّ يعني في هذه الجنان الأربع في التقديم: جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى، ففي هذه الجنان الأربع جنان كثيرة في الكثرة مثل ورق الشجر ونجوم السماء يقول: «فيهن» قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني النساء يقول حافظات النظر عن الرجال، لا ينظرن إلى أحد غير أزواجهن ولا يشتهين، غيرهم لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ- ٥٦- لأنهن خلقن في الجنة مع شجر الجنة يعني لم يطمثهن إنس قبل أهل الجنة، ولا جان يعنى جن.
стр. 1683
حدثنا عبد الله قال: قَالَ أَبِي: قَالَ أَبُو صَالِح، قَالَ مُقَاتِل: «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ» لم يدميهن. قال أبو محمد، وقال الفراء: الطمث الدم يقال «طمثتها أدميتها «١» » «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٢» - ٥٧-، ثم نعتهن فقال: كَأَنَّهُنَّ في الشبه في صفاء الْياقُوتُ الأحمر «وَ» «٣» فى بياض الْمَرْجانُ- ٥٨- يعني الدر العظام «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٤» - ٥٩-، ثم قال:
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ فى لدنيا إِلَّا الْإِحْسانُ- ٦٠- فى الآخرة يعنى هل جزاء أهل التوحيد فى الآخرة إلا الجنة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٦١-[١٨٠ أ] ثم ذكر جنات أصحاب اليمين، فقال: وَمِنْ دُونِهِما يعني ومن دون جنتي المقربين والصديقين، والشهداء في الفضل جَنَّتانِ- ٦٢- وهما جنة الفردوس، وجنة المأوى «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» «٥» - ٦٣-، ثم نعتهما فقال: مُدْهامَّتانِ- ٦٤- سوداوان من الري «والخضرة «٦» » فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٦٥-يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
- ٦٦-: «مملوءتان «٧» » من كل خير لا ينتقصان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٦٧- فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ-
стр. 1684
٦٨- فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» - ٦٩-، ثم قال: وفِيهِنَّ يعنى فى الجنان الأربع خَيْراتٌ حِسانٌ- ٧٠- يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٧١-، ثم نعتهن، فقال: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ- ٧٢- يعنى بالحور البيضاء، وبالمقصورات المحبوسات على أزواجهن في الخيام، يعني الدر المجوف الدرة الواحدة مثل القصر العظيم جوفاء على قدر ميل في السماء طولها فرسخ، وعرضها فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، فذلك قوله- تعالى-: « ... وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ «٢» » فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٧٣-، ثم قال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ- ٧٤- لأنهن خلقن في الجنة، يعني لم يطأهن إنس قبل أهل الجنة، ولا جان يعني ولا جني فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٧٥- مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ يعني المحابس فوق الفرش وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ- ٧٦- يعني الزرابي، وهي الطنافس المخملة وهي الحسان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ- ٧٧- تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ يعني بالجلال العظيم وَالْإِكْرامِ- ٧٨- يعني الكريم فلا أكرم منه، يمدح الرب نفسه- ﵎.