بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ يعني تكلمك فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي يعني وتضرع إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما يعني خولة، امرأة أوس بن الصامت، والنبي- ﷺ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ تحاوركما بَصِيرٌ- ١- وذلك أن خولة بنت ثعلبة بن مالك بن أحرم الأنصاري، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج، كانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، فلما انصرفت أرادها زوجها فأبت عليه، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، واسمه أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ابن قيس بن أحرم الأنصاري فأتت خولة النَّبِيّ- ﷺ فقالت: إن زوجي، يا رسول الله، تزوجني وأنا شابة، ذات مال، وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سنى، ووهن عظمي، جعلني عليه كظهر أمه، «ثم ندم» «١» ، فهل من شيء يجمعني وإياه، فسكت النبي- ﷺ عنها، وكان الظهار، والإيلاء، وعدد النجوم من طلاق الجاهلية، فوقت الله- تعالى- في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة، ووقت من عدد النجوم ثلاث تطليقات، فأنزل الله- تعالى- الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ
стр. 1718
يعني الظهار والمنكر من القول «الذي لا يعرف» «١» وَزُوراً يعني كذبا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ [١٨٦ ب] حين لم يعاقبه غَفُورٌ- ٢- له لتحريمه الحلال وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعني يعودون للجماع الذي حرموه على أنفسهم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني الجماع ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ فوعظهم الله في ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الكفارة خَبِيرٌ- ٣- به.
قال أبو محمد: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: «ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا» يعني لنقض ما عقدوا من الحلف «فَمَنْ» «٢» لَمْ يَجِدْ التحرير فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني الجماع فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً لكل مسكين نصف صاع حنطة ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر من الكفارة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يقول لكي تصدقوا بالله وَرَسُولِهِ إن الله قريب إذا دعوتموه في أمر الظهار، وتصدقوا محمدا- صلى الله عليه وس لم- فيما قال لكم من الكفارة حين جعل لكم مخرجا، «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» يعني تصدقوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني سنة الله وأمره في كفارة الظهار،
فلما نزلت هذه الآية دعا النبي- ﷺ زوجها، فقال: ما حملك على ما قلت؟ قال: الشيطان. فهل لي من رجعة تجمعني وإياها؟ قال النبي- ﷺ : نعم، هل عندك تحرير رقبة؟ قال: لا، إلا أن تحيط بمالي كله. قال: فتستطيع صوما فتصوم شهرين متتابعين؟ قال: يا رسول
стр. 1719
الله، إني إذا لم آكل في اليوم مرتين أو ثلاث مرات اشتد علي وكل بصري، وكان ضرير البصر. قال: فهل عندك إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، إلا بصلة منك وعون. فأعانه النبي- ﷺ «بخمسة عشر صاعا» «١»
وجاء هو بمثل ذلك فتلك ثلاثون صاعا من تمر لكل مسكين نصف صاع، ذلكم يعني أمر الكفارة توعظون به، فوعظهم- الله تعالى- فى أمر الكفارة «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ، «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» يعني سنة الله وَلِلْكافِرِينَ من اليهود والنصارى عَذابٌ أَلِيمٌ- ٤- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ يعني يعادون الله وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ يعني أخزوا كما أخزى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني القرآن فيه البيان أمره ونهيه وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ- ٥- نزلت في اليهود والمنافقين «مُهِينٌ» يعني الهوان، قوله:
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين نزلت في المنافقين في أمر المناجاة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يقول حفظ الله أعمالهم الخبيثة، ونسوا هم أعمالهم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم شَهِيدٌ- ٦- يعني شاهده، قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [١٨٧ أ] يقول أحاط علمه بذلك كله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ يعني نفر ثلاثة إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني علمه معهم إذا تناجوا وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني علمه معهم وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ يعني ولا أقل من ثلاث نفر وهما اثنان وَلا أَكْثَرَ من خمسة نفر إِلَّا هُوَ يعني إلا وعلمه
стр. 1720
مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا من الأرض ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني بما يتناجون فيه إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم عَلِيمٌ- ٧- قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني اليهود كان بينهم وبين محمد- ﷺ موادعة فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده يتناجون بينهم، فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فيترك الطريق من المخافة فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّ- ﷺ ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فقال- الله تعالى-: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى» ثُمَّ يَعُودُونَ لِما للذي نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني بالمعصية وَالْعُدْوانِ يعني الظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني حين نهاهم النبي- ﷺ عن النجوى فعصوه، ثم أخبر عنهم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وكعب بن أسيد، وأبو ياسر، وغيرهم «حَيَّوْكَ» بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يعني اليهود، قالوا انطلقوا بنا إلى محمد فنشتمه علانية كما نشتمه فى السر، فأتوه، فقالوا: السام. يعنون بالسام السآمة والفترة، ويقولون تسأمون يعني تتزكون دينكم،
فقالت عائشة- ﵂:
عليكم السام، والذام، والفان، يا إخوان القردة والخنازير، فكره النبي- ﷺ قول عائشة، وقال النبي- ﷺ : «مهلا «١» » يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما وضع في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
فقال جبريل- ﵇: إنه لا يسلمون عليك ولكنهم يشتمونك.
فلما خرجت اليهود من عِنْد النَّبِيّ- ﷺ «قال «٢» » بعضهم
стр. 1721
لبعض: إن كان محمد لا يعلم ما نقول له، فالله يعلمه، ولو كان نبيا لأعلمه الله ما نقول، ولعاقبنا
، فذلك قوله وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ لنبيه وأصحابه يقول الله حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ شدة عذابها يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ- ٨- يعني بئس المرجع إلى النار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ يعني الذين أقروا باللسان، وهم المنافقون منهم عبد الله بن أبى، بو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، وغيرهم كان نجواهم أنهم كانوا يخبرون عن [١٨٧ ب] «سرايا «١» » النبي- ﷺ ما يشق «على «٢» » من أقام من المؤمنين، وبلغنا أن ذلك كان في سرية جعفر بن أبى طالب، وزيد بن حادثة، وعبد الله بن رواحة، قتلوا يوم مؤتة، ولعل حميم أحدهم في السرية فإذا رأوه تناجوا بينهم فيظن المسلم أن حميمه قد قتل فيحزن، لذلك، فنهاهم النبي- ﷺ عن النجوى: فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعني المعصية والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ لأن النَّبِيّ- ﷺ كان نهاهم عن ذلك، ثم قال: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني الطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- ٩- بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم، ثم قال: إِنَّمَا النَّجْوى يعني نجوى المنافقين مِنَ تزيين الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا أن يأذن الله في ضره وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- ١٠- يعني بالله فليثق المصدقون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ وذلك
أن النبي- ﷺ جلس فى صفة ضيقة، ومعه أصحابه
стр. 1722
فجاء نفر من أهل بدر، منهم: ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، فسلموا على النبي- ﷺ ، فرد عليهم، ثم سلموا على القوم، فردوا عليهم، وجعلوا ينتظرون ليوسع لهم فلم يفعلوا، فشق قيامهم على النبي- ﷺ وكان يكرم أهل بدر وذلك يوم الجمعة، فقال رسول الله- ﷺ قم يا فلان، وقم يا فلان. لمن لم يكن من أهل بدر، بعدد القيام من أهل بدر، فعرف النبي- ﷺ الكراهية في وجه من أقيم منهم، فقال رسول الله- ﷺ : رحم الله رجلا تفسح لأخيه، فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك، فقال المنافقون للمسلمين: أتزعمون أن صاحبكم يعدل بين الناس، فو الله، ما عدل على هؤلاء، إن قوما سبقوا فأخذوا مجلسهم وأحبوا قربه فأقامهم، وأجلس من أبطأ عن الخير، فو الله، إن أمر صاحبكم كله فيه اختلاف. فأنزل- الله تعالى- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي (الْمَجالِسِ «١» ) »
يعني أوسعوا في «المجالس» «٢» فَافْسَحُوا يقول أوسعوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يقول وإذا قال لكم نبيكم: ارتفعوا عن المجلس فارتفعوا فإن الله يأجركم إذا أطعتم النبي- ﷺ ، ثم قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يعني أهل بدر وَيرفع الله الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ منكم فيها تقديم يعني بالقرآن دَرَجاتٍ يعني الفضائل إلى الجنة على من سواهم ممن لا يقرأ القرآن من المهاجرين والتابعين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- ١١- فى أمر المجلس وغيره.
стр. 1723
«حدثنا عبد الله: حدثني أبي: حدثنا الهذيل: قال مُقَاتِلُ بن سليمان» «١» : إذا انتهى المؤمنون إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة بعملك الصالح، ويقال للعالم قم على باب الجنة، فاشفع للناس يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ يعني النبي- ﷺ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يعنى الصدقة خَيْرٌ لَكُمْ من إمساكه وَأَطْهَرُ لذنوبكم نزلت في الأغنياء فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الصدقة على الفقراء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ١٢- لمن لا يجد الصدقة، وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي- ﷺ ويغلبون الفقراء على مجالس النبي- ﷺ ، وكان النبي- ﷺ يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلما أمرهم بالصدقة عند المناجاة انتهوا عند ذلك، وقدرت الفقراء على كلام النبي- ﷺ ومجالسته ولم يقدم أحد من أهل الميسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب- ﵁ قدم دينارا، وكلم النبي- ﷺ عشر «٢» كلمات فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أنزل الله- تعالى-:
أَأَشْفَقْتُمْ يقول أشق عليكم أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ يعني أهل الميسرة ولو فعلتم لكان خيرا لكم، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول وتجاوز الله عنكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ لمواقيتها وَآتُوا الزَّكاةَ لحينها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فنسخت الزكاة الصدقة التي كانت عند المناجاة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٣- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقول ألم تنظر يا محمد إلى الذين ناصحوا اليهود بولايتهم فهو عبد
стр. 1724
الله بن نتيل المنافق، يقول الله- تعالى-: مَا هُمْ يعني المنافقين عند الله مِنْكُمْ يا معشر المسلمين وَلا مِنْهُمْ يعني من اليهود في الدين والولاية فقال النبي- ﷺ لعبد الله بن نتيل: إنك تواد اليهود فحلف عبد الله بالله أنه لم يفعل وأنه ناصح، فأنزل الله- تعالى- وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- ١٤- أنهم كذبة أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فى الآخرة عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ يعني بئس ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ١٥- اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ يعني حلفهم جُنَّةً من القتل فَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الله الإسلام فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- ١٦- فقال رجل من المنافقين:
إن محمدًا يزعم أنا لا ننصر يوم القيامة، لقد شقينا إذًا، إنا لأذل من البعوض، والله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة، فأما اليوم فلا نبذلها، ولكن نبذلها يومئذ لكي ننصر، فأنزل الله- تعالى- لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يوم القيامة أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- ١٧-[١٨٨ ب] يعنى مقيمين فى النار لا يموتون، قوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني المنافقين فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا قالوا شيئا «أو عملوا» «١» شيئا، وأرادوه، سألهم المؤمنون عن ذلك، فيقولون: والله لقد أردنا الخير فيصدقهم المؤمنون بذلك، فإذا كان يوم القيامة «سئلوا» «٢» عن أعمالهم الخبيثة فاستعانوا بالكذب كعادتهم في الدنيا، فذلك قوله يحلفون لله في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين فان يغني عنهم ذلك من الله شيئا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ- ١٨-
стр. 1725
فى قولهم اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ يقول غلب عليهم الشيطان فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ يعنى شيعة الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ يعنى شيعة الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ- ١٩- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ يعني يعادون الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ- ٢٠- يعني في الهالكين كَتَبَ اللَّهُ يعني قضى الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي يعني النبي- ﷺ ، وذلك أن الْمُؤْمِنِين قَالُوا للنبي- ﷺ لئن فتح الله علينا مكة وخيبر وما حولها فنحن «نرجو أن يظهرنا الله» «١» ما عاش النبي- ﷺ على أهل الشام وفارس والروم. فقال عبد الله بن أبي للمسلمين: أتظنون بالله أن أهل الروم وفارس كبعض أهل هذه القرى التي غلبتموهم عليها، كلا والله لهم أكثر جمعا، وعددا.
فأنزل الله- تعالى- في قول عبد الله بن أبى « ... وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» ... » وأنزل «كتب الله كتابا وأمضاه» «٣» «لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي» يعني النبي- ﷺ وحده إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ- ٢١- يقول أقوى، وأعز من أهل الشام والروم وفارس.
قوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدقون بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ، ويصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني يناصحون من عادى الله ورسوله، نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة
стр. 1726
العنسي حين كتب إلى أهل مكة، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ الذين لم يفعلوا ذلك كَتَبَ يقول جعل فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ يعني التصديق نظيرها في آل عمران « ... فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «١» ... » يعني فاجعلنا مع الشاهدين. وقال أيضا في الأعراف: « ... فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ «٢» ... » يعنى فسأجعلها وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يقول قواهم برحمة من الله عجلت لهم في الدنيا وَيُدْخِلُهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ يعني بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مطردة خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين في الجنة لا يموتون ﵃ بأعمالهم الحسنة وَرَضُوا عَنْهُ يعني عن الله بالثواب والفوز أُولئِكَ الذين ذكر حِزْبُ اللَّهِ يعني شيعة الله أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني ألا إن شيعة الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٢٢- يعنى «الفائزين» «٣» .
[سورة الحشر «١» ] سورة الحشر مدنية عددها أربع «٢» وعشرون آية كوفى «٣» .
стр. 1730
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يقول ذكر الله مَا فِي السَّمَوَاتِ من الملائكة، وَمَا فِي الأرض من الخلق وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ- ١- في أمره هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني يهود بني النضير مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بعد قتال أحد أخرجهم مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ يعنى القتال والحشر الثاني القيامة، وهو الجلاء من المدينة إلى الشام وأذرعات مَا ظَنَنْتُمْ يقول للمؤمنين ما حسبتم أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا يعني وحسبوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يعني من قبل قتل كعب بن الأشرف، ثم قال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بقتل كعب بن الأشرف أرعبهم الله بقتله لأنه كان رأسهم وسيدهم قتله محمد بن مسلمة الأنصاري وكان أخاه من الرضاعة، وغيره، «١» وكان مع محمد ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليلى، وعتبة كلهم من الأنصار، قوله: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وذلك
أن المنافقين دسوا وكتبوا إلى اليهود ألا يخرجوا من الحصن، «وأن يدربوا» «٢» على الأزقة وحصونها، فإن قاتلتم محمدا فنحن معكم لا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، فلما سار النبي- ﷺ إليهم وجدهم ينوحون
стр. 1731
على كعب بن الأشرف. قالوا: يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، ونائحة أعلى أثر نائحة. قال: نعم. قالوا: فذرنا نبكي شجونا، ثم نأتمر لأمرك.
فقال النبي- ﷺ : اخرجوا من المدينة. قالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك. فتنادوا الحرب، واقتتلوا وكان المؤمنون إذا ظهروا على درب من دروبهم تأخروا إلى الذي يليه فنقبوه من دبره، ثم حصنوها ويخرب المسلمون ما ظهروا عليه من نقض بيوتهم، فيبنون «دوربا» «١» على أفواه الأزقة،
فذلك قوله: «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ- ٢- يعني المؤمنين أهل البصيرة في أمر الله، وأمر النضير، ثم قال: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ [١٨٩ ب] يعني قضى الله، نظيرها في المجادلة «قوله» «٢» :
«كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ ... » «٣» يعني قضى الله عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ من المدينة لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل بأيديكم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ- ٣- ذلِكَ الذي نزل بهم من الجلاء بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني عادوا الله ورسوله وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ ورسوله يعني ومن يعادي الله ورسوله فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- ٤- إذا عاقب، نظيرها في هود « ... لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي ... » «٤»
يعنى عداوتي « ... وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ «٥» » يعنى وليهن اليهود، وذلك أن النبي
стр. 1732
- ﷺ أمر بقطع ضرب من النخيل من أجود التمر يقال له اللين شديد الصفرة ترى النواة من اللحى «١» من أجود التمر بغيب فيه الضرس، النخلة أحب إلى أحدهم من وصيف، «فجزع» «٢» أعداء الله لما رأوا ذلك الضرب من النخيل يقطع. فقالوا: يا محمد، أوجدت فيما أنزل الله عليك الفساد في الأرض أو الإصلاح في الأرض، فأكثروا القول ووجد المسلمون ذمامة من قطعهم النخيل خشية أن يكون فسادا، فأنزل الله- تعالى- مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وكانوا «قطعوا» «٣» أربع نخلات كرام عن أمر النبي- ﷺ غير العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها هو كله «فَبِإِذْنِ «٤» » اللَّهِ يعني بأمر الله وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ- ٥- لكي يخزي الفاسقين وهم اليهود بقطع النخل، فكان قطع النخل ذلالهم وهوانا.
قال أبو محمد: قال الفراء: كل شيء من النخيل سوى العجوة فهو اللين.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ الْفَرَّاءُ: حَدَّثَنِي حَسَّانٌ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ- ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ كُلِّهِ إِلا الْعَجْوَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى الْعَجْوَةِ فَهُوَ اللِّينُ.
وقال أبو محمد: وقال أبو عبيدة: اللين ألوان النخل سوى العجوة والبرني، واحدتها لينة.
стр. 1733
فلما «يأس» «١» اليهود أعداء الله من عون المنافقين رعبوا رعبا شديدا بعد قتال إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح فصالحهم النَّبِيّ- ﷺ عَلَى أن يؤمنهم على دمائهم وذراريهم وعلى أن لكل ثلاثة منهم بعيرا يحملون عليه ما شاءوا من عيال أو متاع «وتعيد» «٢» أموالهم «فيئا» «٣» للمسلمين، فساروا قبل الشام إلى أذرعات وأريحا، وكان ما تركوا من الأموال «فيئا» «٤» للمسلمين، فسأل الناس النبي- ﷺ الخمس كما خمس يوم بدر، ووقع فى أنفسهم حين لم يخمس فأنزل الله- تعالى- وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ «٥» يعني أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ يعني على الفيء مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يعني الإبل يقول لم تركبوا فرسا، ولا بعيرا، ولكن مشيتم مشيا حتى فتحتموها [١٩٠ أ] غَيْر أن النَّبِيّ- ﷺ ركب حمارا له، فذلك قوله:
«وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ يعنى النبي- ﷺ ، يعنيهم» «٦» وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من النصر وفتحها قَدِيرٌ- ٦- قوله: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني، قريظة والنضير، وخيبر، وفدك، وقريتي عرينة فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى يعنى قرابة
стр. 1734
النبي- ﷺ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً يعني يكون المال دولة بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ يعني لئلا يغلب الأغنياء الفقراء على الفيء فيقسمونه بينهم، فأعطى النبي- ﷺ الفيء للمهاجرين: ولم يعط الأنصار غير رجلين، منهم سهل بن حنيف، وسماك بن خرشة، أعطاهما النبي- ﷺ أرضا من أرض النضير، وإنما سموا المهاجرين لأنهم هجروا المشركين وفارقوهم، قوله:
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ يقول ما أعطاكم الرسول محمد- ﷺ من الفيء فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ يخوفهم الله من المعاصي، ثم خوفهم فقال: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ- ٧- إذا عاقب أهل المعاصي، ثم ذكر الفيء فقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ أخرجهم كفار مكة يَبْتَغُونَ يعني يطلبون فَضْلًا مِنَ اللَّهِ يعني رزقا من الله في الجنة وَرِضْواناً يعنى رضى ربهم وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ محمدا- ﷺ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ- ٨- في إيمانهم وليسوا بكاذبين في إيمانهم كالمنافقين، ثم ذكر الأنصار فأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء، إذ جعل «المهاجرين» «١» دونهم، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ يعني «أوطنوا» «٢» دار المدينة من قبل هجرة المؤمنين، إليهم بسنين، ثم قال: وَتبؤوا الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ من قبل هجرة المهاجرين، ثم قال للأنصار: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ من المؤمنين وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ يعنى قلوبهم حاجَةً مِمَّا أُوتُوا يعني مما أعطى إخوانهم المهاجرين من الفيء
стр. 1735
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يقول لا تضيق وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني الفاقة فآثروا المهاجرين بالفيء على أنفسهم، ثم قال: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني ومن يقيه الله حرص نفسه يعني الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء لإخوانهم فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- ٩- فقد ذهب صنفان المهاجرون والأنصار وبقي صنف واحد وهم التابعون الذين دخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد المهاجرين والأنصار فدخلوا في الإسلام إلى يوم القيامة [١٩٠ ب] وهم التابعون يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الماضين من المهاجرين والأنصار فهذا استغفار، ثم قال التابعون: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- ١٠-.
وأنزل في دس المنافقين إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج فقال:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا نزلت فى عبد الله بن نتيل، وعبد الله بن أبى رافع ابن يزيد، كلهم من الأنصار يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ «الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» «١» من اليهود منهم حيي بن أخطب، وجدي وأبو ياسر، ومالك ابن الضيف، وأهل قريظة، «لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ» «٢» لئن أخرجكم محمد من المدينة كما أخرج أهل النضير لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً يقول لا نطيع في خذلانكم أحدا أَبَداً يعني بأحد النَّبِيّ- ﷺ وحده وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يعني لنقاتلن معكم، فكذبهم الله- تعالى- فقال:
стр. 1736
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- ١١- لَئِنْ أُخْرِجُوا كما أخرج أهل النضير من المدينة لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا يعني لئن قاتلهم المسلمون لا يَنْصُرُونَهُمْ يعني لا يعانوهم يقول الله- تعالى- وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ يعني ولئن عاونوهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ- ١٢- فغرهم المنافقون فلزموا الحصن، حتى قتلوا وأسروا فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم، فقتل منهم أربعمائة وخمسين رجلا، وسبى سبعمائة وخمسين رجلا، فذلك قوله في الأحزاب: « ... فَرِيقاً تَقْتُلُونَ» يعنى المقاتلة الأربعمائة وخمسين وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً «١» يعنى السبعمائة وخمسين، ثم قال: لَأَنْتُمْ معشر المسلمين أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ يعني قلوب المنافقين ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ- ١٣- فيعتبرون لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ «بَأْسُهُمْ» «٢» بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يقول الله- تعالى- لنهيه- ﷺ تَحْسَبُهُمْ يا محمد جَمِيعاً المنافقين واليهود وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يعني متفرقة مختلفة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ- ١٤- عن الله فيوحدونه كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعنى قبل أهل بدر، كان قبل ذلك «بستين» «٣» ، فذلك قوله: قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعني جزاء ذنبهم، ذاقوا القتل ببدر وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٥- ثم ضرب مثلا للمنافقين حين «غروا» «٤» اليهود
стр. 1737
فتبرءوا منهم عند الشدة وأسلموهم، فقال: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ وذلك أنه كان «راهبا» «١» في بني إسرائيل «اسمه برصيصا» «٢» وكان فى صومعته أربعين عاما، يعبد الله، ولا يكلم أحدا، ولا يشرف على أحد، وكان لا يكل من ذكر الله- ، وكان الشيطان لا يقدر عليه مع ذكره لله- تعالى-، فقال الشيطان [١٩١ أ] لإبليس: قد غلبني برصيصا، ولست أقدر عليه. فقال إبليس: اذهب، فانصب له ما نصبت لأبيه من قبل. وكانت جارية ثلاثة من بني إسرائيل عظيمة الشرف جميلة من أهل بيت صدق، ولها إخوة فجاء الشيطان إليها، فدخل في جوفها فخنقها حتى ازبدت، فالتمس إخوتها لها الأطباء، وضربوا لها ظهروا وبطنا ويمينا وشمالا، فأتاهم الشيطان في منامهم، فقال: عليكم ببرصيصا الراهب، فليدع لها فإنه مستجاب الدعاء، فلما أصبحوا قال بعضهم لبعض: انطلقوا بأختنا إلى برصيصا الراهب فليدع لها، فإنا نرجو البركة في دعائه، فانطلقوا بها إليه، فقالوا: يا برصيصا أشرف علينا، وكلمنا، فإنا بنو فلان، وإنما جئنا لباب حسنة، وأجر. فأشرف فكلمهم وكلموه، فلما رد عليها وجد الشيطان خللا فدخل في جوفه ووسوس إليه. فقال: يا برصيصا هذا باب حسنة وأجر، تدعو الله لها فيشفيها. فأمرهم أن يدخلوها الخربة وينطلقوا هم فأدخلوها الحربة ومضوا، وكان برصيصا لا يتهم في بني إسرائيل، فقال له الشيطان: يا برصيصا انزل فضع يدك على بطنها، وناصيتها، وادع لها فما زال به حتى أنزله من صومعته، فلما نزل خرج منه فدخل فى جوف الجارية
стр. 1738
فاضطربت، وانكشفت فلما رأى ذلك، ولم يكن له عهد بالنساء وقع بها، قال الشيطان: يا برصيصا يا أعبد بني إسرائيل ما صنعت؟ الزنا بعد العبادة يا برصيصا؟ إن هذه تخبر إخوتها بما أتيت لها فتفتضح في بني إسرائيل فاعمد إليها، فاقتلها وادفنها في التراب، ثم اصعد إلى صومعتك، وتب إلى الله، وتعبد فإذا جاء إخوتها، فسألوا عنها، فأخبرهم أنك دعوت لها، وأن الجني طار عنها، وأنهم طاروا بها، فمن هذا الذي يتهمك في بني إسرائيل، فقتلها ودفنها فى الخربة، فلما جاء إخوتها، قالوا: أين أختنا؟ فقال: أختكم طارت بها الجن، فرجعوا وهم لا يتهمونه، فأتاهم الشيطان في المنام، فقال: إن برصيصا قد فضح أختكم، فلما أصبحوا جعل كل واحد منهم يكلم صاحبه بما رأى، فتكلم بما رأى. فقال الآخر: لقد رأيت مثل ما رأيت. فقال الثالث:
مثل ذلك، فلم يرفعوا بذلك رأسا حتى رأوا ثلاث ليال، فانطلقوا إلى برصيصا، فقالوا: أين أختنا؟ فقال: لا أدري طارت بها الجن، فدخلوا الخربة، فإذا هم بالتراب ناتئ في الخربة فضربوه بأرجلهم فإذا هم بأختهم فأتوه، فقالوا:
يا عدو الله، قتلت أختنا. فانطلقوا إلى الملك فأخبروه، فبعث إليه فاستنزله، من صومعته، ونحتوا له خشبة، فأوثقوه عليها فأتاه الشيطان [١٩١ ب] فقال: أتعرفني يا برصيصا. قال: لا. قال: أنا الذي أنزلتك هذه المنزلة، فإن فعلت ما آمرك به استنقذتك، مما أنت فيه وأطلعتك إلى صومعتك؟ قال:
وبماذا؟ قال: أنمثل لك في صورتي، فتسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما هنا؟ قال: نعم. فتمثل له الشيطان في صورته فسجد له وكفر بالله، فانطلق الشيطان، وتركه، وقتل برصيصا، فذلك قوله: «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ» قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
стр. 1739
- ١٦- فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني الشيطان والإنسان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها الشيطان والراهب وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ- ١٧- يقول هكذا ثواب المنافقين واليهود النار، ثم حذر المؤمنين ولاية اليهود، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ يعنى ولتعلم نفس ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني ما عملت لغد يعني ليوم القيامة وَاتَّقُوا اللَّهَ يحذرهم ولاية اليهود إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٨- من الخير والشر، ومن معاونة اليهود، ثم وعظ المؤمنين ألا يتركوا أمره «ولا يكونوا» «١» بمنزلة أهل الكتاب، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني تركوا أمر الله فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أن يقدموا لها خيرا أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- ١٩- يعنى العاصين، ثم ذكر مستقر الفريقين فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ يوم القيامة في الثواب والمنزلة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ- ٢٠- يعني هم الناجون من النار، وأصحاب النار هم فى النار خالدون فيها أبدا، ثم وعظهم فقال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ الذي فيه أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحرامه وحلاله عَلى جَبَلٍ وحملته إياه لَرَأَيْتَهُ يا محمد خاشِعاً يعني خاضعا مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فكيف لا يرق هذا الإنسان ولا يخشى الله فأمر الله الناس الذين «هم» «٢» أضعف من الجبل الأصم الذي عروقه في الأرض السابعة ورأسه في السماء أن يأخذوا القرآن بالخشية والشدة، والتخشع، فضرب الله لذلك مثلا فقال:
стр. 1740
«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ» «١» لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَتَفَكَّرُونَ- ٢١- فِي أمثال اللَّه فيعتبروا فى الربوبية، فوحد الرب نفسه فقال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ يعني غيب ما كان وما يكون وَالشَّهادَةِ يعني شهادته بالحق في كل شيء هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- ٢٢- اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، فلما ذكر «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» قال مشركون العرب ما نعرف الرحمن الرحيم إنما اسمه الله، فأراد الله- تعالى- أن يخبرهم أن له أسماء كثيرة فقال:
«هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» اسم الرب- تعالى- هو الله وتفسير الله: «اسم» «٢» «الربوبية» «٣» القاهر لخلقه [١٩٢ أ] وسائر أسمائه على فعاله «٤» هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فوحد نفسه، فقال لنفسه: الْمَلِكُ يعني يملك كل شيء دونه الْقُدُّوسُ يعني الطاهر السَّلامُ يسلم عباده من ظلمه الْمُؤْمِنُ يؤمن أولياؤه من عذابه الْمُهَيْمِنُ يعني الشهيد على عباده بأعمالهم من خير أو شر، كقوله « ... وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ «٥» ... » كقوله: « ... شاهِداً عَلَيْكُمْ «٦» ... » على عباده بأعمالهم من خير أو شر
стр. 1741
المصدق بكتابه الذي أنزله عَلَى محمد- ﷺ الْعَزِيزُ يعني المنيع بقدرته فى ملكه الْجَبَّارُ يعنى القاهر على ما أراد بخلقه الْمُتَكَبِّرُ يعني المتعظم على كل شيء سُبْحانَ اللَّهِ نزه الرب نفسه عن قولهم البهتان عَمَّا يُشْرِكُونَ- ٢٣- معه فنزه الرب نفسه أن يكون له شريك فقال:
«سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» معه غيره أن يكون له شريك، ثم «قال عن نفسه» »
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ يعني خالق كل شيء خلق النطفة والمضغة، ثم قال:
الْبارِئُ الأنفس حين «برأها» «٢» بعد مضغة إنسانا فجعل له العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، ثم قال: الْمُصَوِّرُ في الأرحام، كيف يشاء ذكر وأنثى، أبيض وأسود، سوي وغير سوي، ثم قال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني الرحمن الرحيم العزيز الجبار المتكبر ... ونحوها من الأسماء يعني هذه الأسماء التي ذكرها فى هذه السورة، ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى يذكره: «يوحده» «٣» ما فى السموات والأرض «وما فيهما» «٤» ، من الخلق وغيره وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ- ٢٤- فى أمره، قوله: «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» الرحيم أرق من الرحمن يعني المترحم يعني المتعطف بالرحمة على خلقه.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: وَحَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بُشَيْرٍ: عَنْ قَتَادَةَ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ : وَبِإِسْنَادِهِ عن
стр. 1742
مُقَاتِلٍ: عَنْ قَتَادَةَ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ: «إِنَّ للَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا فِي الْقُرْآنِ فَمَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن المسيب:
قال «سُبْحانَ اللَّهِ» : «انصاف» «١» لله من السوء.
وقال علي بن أبي طالب- ﵁: «سُبْحانَ اللَّهِ» كلمة رضيها الله لنفسه.
وقال الْهُذَيْلُ: قال مُقَاتِلُ: «سُبْحانَ اللَّهِ» كل شيء في القرآن «٢» تنزيه نزه نفسه. من السوء إلا أول بني إسرائيل «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ» «٣» يقول عجب، و «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ»
«٤» يعني عجب الذي خلق الأزواج، وقوله: «فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ» «٥» يقول صلوا لله.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن هشيم عن داود ابن أبي هند: عن مطرف بن الشخير قال: إن الله- تعالى- لم يكلنا في القرآن على القدر.
[سورة الممتحنة] «١» سورة الامتحان «٢» مدنية عددها ثلاث «٣» عشرة آية كوفية.
стр. 1746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ وذلك
أن النبي- ﷺ أمر الناس بالجهاد وعسكر، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. إن محمدا قد عسكر، وما أراه ألا يريدكم فخذوا حذركم وأرسل بالكتاب مع سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم وكانت قد جاءت من مكة إلى المدينة فأعطاها حاطب بن أبي بلتعة عشرة دنانير على أن تبلغ كتابه أهل مكة وجاء جبريل، فأخبر النبي- ﷺ بأمر الكتاب، وأمر حاطب فبعث رسول الله- ﷺ علي بن أبي طالب- ﵇، والزبير بن العوام، وقال لهما: إن أعطتكما الكتاب عفوا خليا سبيلها، وإن أبت فاضربا عنقها. فسارا حتى أدركا بالحجفة وسألاها عن الكتاب فخلفت، ما معها كتاب، وقالت: لأنا إلى خيركم أفقر منى إلى غير ذلك.
فابتحثاها، فلم يجدا معها شيئا، فقال الزبير لعلي بن أبي طالب- ﵄ ارجع بنا، فإنا لا نرى معها شيئا. فقال علي: والله لأضربن عنقها، والله ما كذب رسول الله- ﷺ «ولا كذبنا» «١» فقال الزبير:
صدقت اضرب عنقها. فسل على سيفه، فلما عرفت الجد منهما أخذت
стр. 1747
عليهما المواثيق، أإن أعطيتكما الكتاب لا تقتلاني، ولا تسبياني، ولا ترداني إلى محمد- ﷺ ، ولتخليان سبيلي فأعطياها المواثيق، فاستخرجت الصحيفة من ذؤابتها «ودفعتها» «١» فخليا سبيلها «وأقبلا» «٢» بالصحيفة فوضعاها في يدي رسول الله- ﷺ «فقرأها» «٣» . فأرسل إلى حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن تنذر بنا عدونا؟ قال حاطب اعف عني عفا الله عنك، فو الذي أنزل عليك الكتاب ما كفرت منذ أسلمت «ولا كذبتك» «٤» منذ صدقتك، ولا أبغضتك منذ أحببتك، ولا واليتهم منذ عاديتهم، وقد علمت أن كتابي لا ينفعهم ولا يضرك فاعذرني، جعلني الله فداك فإنه ليس من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع ماله وعشيرته غيري وكنت حليفا ولست من أنفس القوم، وكان حلفائي قد هاجروا كلهم، وكنت كثير المال والضيعة بمكة فخفت المشركين [١٩٣ أ] على مالي فكتبت إليهم لأتوسل إليهم بها وأتخذها عندهم مودة لأدفع عن مالي، وقد علمت أن الله منزل بهم خزيه ونقمته وليس كتابي يغني عنهم شيئا، فعرف رسول الله- ﷺ أنه قد صدق فيما قال، فأنزل الله- تعالى- عظة للمؤمنين أن يعودوا لمثل صنيع حاطب بن أبى بلتعة، فقال- تعالى-:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ»
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
стр. 1748
يعني الصحيفة وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يعني القرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ من مكة وَإِيَّاكُمْ قد أخرجوا من دياركم يعني من مكة أَنْ تُؤْمِنُوا يعني بأن آمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي فلا تلقوا إليهم بالمودة تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني بالصحيفة فيها النصيحة وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ يعني بما أسررتم في أنفسكم من المودة والولاية وَما أَعْلَنْتُمْ لهم من الولاية وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ يعني ومن يسر بالمودة إلى الكفار فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ- ١- يقول فقد أخطا قصد طريق الهدى، وفي حاطب نزلت هذه الآية «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... » إلى آخر الآية «١» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حدثنا الهذيل عن الْمُسَيِّبِ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ سَارَّةُ مَوْلاةُ أَبِي عَمْرِو بن صيفي بن هاشم ابن عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ- ﷺ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ قَالَ: مَالَكِ، يَا سَارَّةُ؟ أَمُسْلِمَةً جِئْتِ؟ قَالَتْ: لا. قَالَ: أَفَمُهَاجِرَةً جِئْتِ؟ قَالَتْ: لا.
قَالَ: فَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: كُنْتُمُ الأصل والموالي وَالْعَشِيرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ مَوَالِيَّ، وَقَدِ احْتَجْتُ حَاجَةً شَدِيدَةً فَقَدِمْتُ عَلَيْكُمْ لِتَكْسُونِي وَتُنْفِقُوا عَلَيَّ وَتَحْمِلُونِي. فَقَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْ شَبَابِ أَهْلِ مَكَّةَ- وَكَانَتِ امْرَأَةً مغنية نائحة- فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا طَلَبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مُنْذُ كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ «قَالَ» «٢» فَحَثَّ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ بنى عبد المطلب وبنى
стр. 1749
هَاشِمٍ فَكَسَوْهَا وَأَعْطَوْهَا نَفَقَةً وَحَمَلُوهَا، فَلَمَّا أَرَادَتِ الخروج إلى مكة أتاها حاطب ابن أبى بلتعة رجل من أهل اليمن حليف لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَجَعَلَ لَهَا جَعْلا عَلَى أن تبلغ كتابه إلى آخر الحديث.
ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً يقول إن يظهروا عليكم وأنتم على دينكم الإسلام مفارقين لهم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني الشتم وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ- ٢- إن ظهروا عليكم يعني إن ترجعوا إلى دينهم فإن فعلتم ذلك [١٩٣ ب] لَنْ تَنْفَعَكُمْ يعني لا تغني عنكم أَرْحامُكُمْ يعني أقرباءكم وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بالعدل وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ٣- به.
قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة كَفَرْنا بِكُمْ يقول تبرأنا منكم وَبَدا يعني وظهر بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ يعني تصدقوا بالله وحده إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ «١» يقول الله تبرءوا من كفار قومكم «فقد كانت» «٢» لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم وليس لكم أسوة حسنة في الاستغفار للمشركين يقول إبراهيم لأستغفرن
стр. 1750
لك، وإنما كانت موعدة وعدها أبو إبراهيم إياه أنه يؤمن فلما تبين له عند موته أنه عدو لله تبرأ منه حين مات على الشرك، وحجب عنه الاستغفار، ثم قال إبراهيم: «وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» «١» - ٤- رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا تقتر علينا بالرزق، وتبسط لهم في الرزق، فنحتاج إليهم فيكون ذلك فتنة لنا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ٥- وفي قراءة ابن مسعود: «إنك أنت الغفور الرحيم» ، نظيرها فى آخر المائدة «٢» .
قوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ يعني في إبراهيم والذين معه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فى الاقتداء بهم لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ يقول لمن كان يخشى الله، ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال وَمَنْ يَتَوَلَّ يقول ومن يعرض عن الحق فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عباده الْحَمِيدُ- ٦- فى سلطانه عنه خلقه.
قوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ «مِنْهُمْ» «٣» من كفار مكة مَوَدَّةً وذلك أن الله- تعالى- حين أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة والبراءة منهم، وذكر لهم فعل إبراهيم والذين معه في البراءة من قومهم، فلما أخبر «ذلك «٤» » عادوا أقرباءهم وأرحامهم وأظهروا لهم العداوة، وعلم الله شدة وجد
стр. 1751
المؤمنين في ذلك، فأنزل الله- تعالى- «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً» فلما أسلم أهل مكة خالطهم المسلمون وناكحوهم، وتزوج النبي- ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان فهذه المودة التي ذكر الله- تعالى-. يقول الله- تعالى- لنبيه- ﷺ وَاللَّهُ قَدِيرٌ على المودة وَاللَّهُ غَفُورٌ لذنوب كفار مكة لمن تاب منهم وأسلم رَحِيمٌ- ٧- بهم بعد الإسلام، ثم رخص في صلة الذين لم يناصبوا الحرب للمسلمين، ولم يظاهروا عليهم المشركين، فذلك قوله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ صلة الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ من مكة مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ يقول أن تصلوهم [١٩٤ أ] وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ بالعدل يعني توفوا إليهم بعهدهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- ٨- الذين يعدلون بين الناس، نزلت في خزاعة منهم هلال بن عويمر، وبني خزيمة وبني مدلج منهم سراقة بن مالك، وعبد يزيد بن عبد مناة، والحارث بن عبد مناة، ثم قال:
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ صلة الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يعني كفار مكة أخرجوا النَّبِيّ- ﷺ وأصحابه من مكة كراهية الإسلام وَظاهَرُوا يقول وعاونوا المشركين عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بأن توالوهم وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٩- ثم نسخت براءة هاتين الآيتين- « ... فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» ... » - قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ
стр. 1752
وذلك
أن النبي- ﷺ صالح أهل مكة يوم الحديبية، وكتب بينه وبينهم كتابا فكان في الكتاب أن من لحق أهل مكة من المسلمين، فهو لهم، ومن لحق منهم بالنبي- ﷺ رده عليهم، وجاءت امرأة إلى النبي- ﷺ اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية- في الموادعة- وكانت تحت صيفي بن الراهب من كفار مكة فجاء، زوجها «يطلبها» «١» فقال للنبي- ﷺ : ردها علينا فإن بيننا وبينك شرطا. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : إِنَّمَا كان الشرط في الرجال، ولم يكن في النساء، فأنزل الله- تعالى- «إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ» فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني سبيعة فامتحنها النبي- ﷺ فقال: بالله، ما أخرجك من قومك حدثا، ولا كراهية لزوجك، ولا بغضا له، ولا خرجت إلا حرصا على الإسلام ورغبة فيه، ولا تريدين غير ذلك؟ فهذه المحنة
يقول الله- تعالى- «اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ «٢» » فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ من قبل المحنة يعني سبيعة فَلا تَرْجِعُوهُنَّ يعنى فلا تردوهن إِلَى أزواجهن الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ يقول لا تحل مؤمنة لكافر، ولا كافر لمؤمنة. قال: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يقول أعطوا أزواجهم الكفار ما أنفقوا «عليهن «٣» » من المهر يعنى يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيئا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ
стр. 1753
يعني ولا حرج عليكم أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ يقول إذا أعطيتموهن أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ يعني بعقد الكوافر يقول لا تعتد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة يقول هذا الذي يتزوج هذه المهاجرة، وذلك أن المرأة الكافرة تكون في موضع من قومها، ولها أهل كثير فيمسكها إرادة أن يتعزز بأهلها وقومها من الناس، «فتزوجها «١» » عمر بن الخطاب [١٩٤ ب] ويقال تزوجها «أبو السنابل «٢» » بن بعكك بن السباق بن عبد الدار بن قصي، وفيه نزلت هذه الآية وفي أصحابه، وكانت امرأة عمر بن الخطاب- ﵂ بمكة واسمها قريبة بنت أبي أمية، وهشام بن العاص بن وائل، وامرأته هند بنت أبي جهل، وعياض بن شداد الفهري وامرأته أم الحكم بنت أبي سفيان، وشماس بن عثمان المخزومي وامرأته يربوع بنت عاتكة، وعمرو بن عبد عمرو- وهو ذو اليدين- وامرأته هند بنت عبد العزى، فتزوج امرأة عمر بن الخطاب أبو سفيان بن حرب، فقال الله- تعالى- فى المحاطبة: «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ... » إلى آخر الآية، هذا محكم لم ينسخ، ونسخت براءة النفقة «٣» .
وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ «٤» يقول إن ذهبت امرأة أحدكم إلى الكفار فاسألوا الذي يتزوجها أن يرد مهرها على زوجها المسلم والنفقة، ثم قال: (وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) من المهر يقول إن جاءت امرأة من أهل مكة مهاجرة إليهم فليرد الذي يتزوجها
стр. 1754
مهرها على زوجها الأول، فإن تزوجت إحدى المرأتين «١» «اللتان جاءتا» مسلمة ولحقت «بكم «٢» » ولم تتزوج الأخرى فليرد الذي تزوجها مهرها على زوجها وليس لزوج المرأة الأخرى مهر حتى تتزوج امرأته فإن لم يعط كفار مكة المهر طائعين فإذا ظهرتم عليهم فخذوا منهم المهر وإن كرهوا، كان هذا لأهل مكة خاصة موادعة، فذلك قوله: ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يعني بين المسلمين والكافرين في أمر النفقة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ- ١٠- في أمره حين حكم النفقة، ثم نسخ هذا كله آية السيف في براءة «٣» ، غير هذين الحرفين «لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» ثم قال في النفقة: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ وهي أم الحكم بنت أبي سفيان تركت زوجها عياض بن غنم بن شداد القرشي ثم الفهري من بني عامر بن لؤي ثم أتت الطائف فتزوجت رجلا من ثقيف «٤» .
«وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ» يعنى أحد من أزواجكم «إِلَى الْكُفَّارِ» يعني إن لحقت امرأة مؤمنة إلى الكفار يعني كفار الحرب الذين ليس بينكم وبينهم عهد وزوجها مسلم (فَعاقَبْتُمْ) يقول فإن غنمتم، وأعقبكم الله مالا مالا فَآتُوا وأعطوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا يعني المهر ما أصبتم من الغنيمة قبل أن تخمس الخمس، ثم يرفع الخمس ثم تقسم الغنيمة بعد
стр. 1755
الخمس بين المسلمين، ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه فيما أمركم به الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ- ١١- يعني بالله مصدقين، وكل هؤلاء الآيات نسختها فى براءة آية السيف «١» . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وذلك يوم فتح مكة،
لما فرغ النبي- ﷺ من بيعة الرجال [١٩٥ أ] وهو جالس على الصفا، وعمر بن الخطاب- ﵁ أسفل منه، فقال النبي- ﷺ أبايعكن «على أن لا تشركن بالله شيئا» وكانت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة مع النساء فرفعت رأسها، فقالت: والله، إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال، فقد أعطيناكه. فقال النبي- ﷺ : وَلا يَسْرِقْنَ فقالت. والله، إني لأصيب من مال أبي سفيان هنات، فما أدري أتحلهن لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: نعم، ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال. فقال النبي- ﷺ : وإنك لهند بنت عتبة.
فقالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك.
ثم قال: وَلا يَزْنِينَ قالت:
وهل تزني الحرة؟ ثم قال: وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى، ويقال إن النبي- ﷺ ضحك من قولها، ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ والبهتان أن تقذف المرأة ولدا من غير زوجها على زوجها، فتقول لزوجها هو منك وليس منه. قالت:
والله إن البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل، وما تأمر إلا بالرشد ومكارم