وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يوم لَكُمْ ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين. بديل للكافرين من الْمُؤْمِنِين ويبتلى الْمُؤْمِنِين بالكافرين وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ يعني وليرى إيمان الَّذِينَ آمَنُوا منكم عِنْد البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا فِي دينهم أم لا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ- ١٤٠- يعنى المنافقين وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالبلاء ليرى صبرهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ- ١٤١- يعني ويذهب دعوة الكافرين الشرك يعني المنافقين فيبين «١» نفاقهم وكفرهم ثُمّ بين للمؤمنين أَنَّهُ نازل بهم الشدة والبلاء فِي ذات اللَّه- فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ يعني أحسبتم وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فَإِن محمدا لو كان نبيا لَمْ يسلط عَلَيْه القتل. قَالَ المؤمنون: بلى من قُتِل مِنَّا دخل الجنة. فَقَالَ المنافقون: لَمْ تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل اللَّه- تَعَالَى- أَمْ حَسِبْتُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ يعني ولما يرى اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ فى سبيل الله وَلما يَعْلَمِ يعني يرى الصَّابِرِينَ- ١٤٢- عِنْد البلاء. وليمحص أَيّ يَقُولُ إذا جاهدوا وصبروا رَأَى ذَلِكَ منهم، وإذا لَمْ يفعلوا لَمْ ير ذَلِكَ منهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ وذلك حين أخبر اللَّه- عن قتلى بدر وما هُمْ فِيهِ من الخير. قَالُوا: يا نَبِيّ اللَّه أرنا يومًا كيوم بدر. فأراهم اللَّه- يوم أحد فانهزموا فعاتبهم اللَّه- فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعني القتال من قبل أن تلقوه فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ- ١٤٣- وقالوا يومئذ إن محمدا- ﷺ قَدْ قُتِل. فَقَالَ بشر بن النَّضْر الْأَنْصَارِيّ- وَهُوَ عم أنس بن مَالِك-: إن كان محمدا- ﷺ قَدْ قتل فإن رب
стр. 212
محمد حي، أفلا تقاتلون عَلَى ما قاتل عَلَيْه رَسُول اللَّهِ- ﷺ حَتَّى تلقوا اللَّه- . ثُمّ قَالَ النَّضْر: اللَّهُمَّ إني أعتذر إليك مما يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبرأ إليك مما جاء به هَؤُلاءِ ثُمّ شد عليهم بسيفه فقتل منهم من قتل. وقَالَ المنافقون يومئذ: ارجعوا إلى إخوانكم فاستأمنوهم، فارجعوا إلى دينكم الأول. فَقَالَ النَّضْر عند قول المنافقين تلك المقالة «١» [٦٣ أ] فأنزل اللَّه- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ يَقُولُ وهل محمد- ﵇ لو قُتِل إِلَّا كَمَن قُتِل قبله من الْأَنْبِيَاء أَفَإِنْ ماتَ محمد أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ يعني رجعتم إلى دينكم الأول الشرك. ثُمّ قال: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ يَقُولُ ومن يرجع إِلَى الشرك بعد الْإِيمَان فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً بارتداده من الْإِيمَان إلى الشرك إِنَّمَا يضر بذلك نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- ١٤٤- يعني الموحدين للَّه فِي الآخرة وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ يعنى أن تقتل إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ حتى يأذن الله فى موته كِتاباً مُؤَجَّلًا فِي اللوح المحفوظ وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يعني الَّذِين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة. وقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها الَّذِين ثبتوا مَعَ أميرهم عَبْد اللَّه بن جُبَيْر الْأَنْصَارِيّ من بني عمرو حَتَّى قتلوا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ- ١٤٥- يعني الموحدين فِي الآخرة ثُمّ أخبر بما لقيت الْأَنْبِيَاء والمؤمنون قبلهم يعزيهم ليصبروا، فقال- سبحانه-:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ وكم من نَبِيّ «قاتَلَ مَعَهُ قبل محمد» «٢» رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ يعني الجمع الكثير فَما وَهَنُوا يعني فَمَا عجزوا لما نزل بهم من قبل أنبيائهم وأنفسهم
стр. 213
لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا يعني خضعوا لعدوهم وَمَا اسْتَكانُوا يعني وما استسلموا يعني الخضوع لعدوهم بعد قَتْل نبيهم فصبروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ- ١٤٦- وَما كانَ قَوْلَهُمْ عِنْد قَتْل أنبيائهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا يعني الخطايا الكبار فِي أعمالنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عِنْد اللقاء حَتَّى لا تزل وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
- ١٤٧- أفلا تقولون كَمَا قَالُوا، وتقاتلون كَمَا قاتلوا، فتدركون من الثواب فِي الدُّنْيَا والآخرة مثل ما أدركوا، فذلك قوله- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا يَقُولُ أعطاهم النصر والغنيمة فِي الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ جنة اللَّه ورضوانه فَمنْ فعل ذَلِكَ فقد أحسن. فذلك قوله- : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- ١٤٨- وأنزل اللَّه- فِي قول المنافقين للمؤمنين، عِنْد الهزيمة:
ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين فِي الرجوع إلى أَبِي سُفْيَان يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ كفارا بعد الإيمان فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- ١٤٩-[٦٣ ب] إلى دينكم الأول بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ «١» يعني يَقُولُ فأطيعوا اللَّه مولاكم يعني وليكم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ- ١٥٠- من أبي سُفْيَان وأصحابه ومن معه من كفار العرب يوم أحد سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فانهزموا إلى مكة من غَيْر شيء بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني ما لَمْ ينزل به كتابا فِيهِ حجة لهم بالشرك وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ- ١٥١- يعني مأوى المشركين النار وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ يعنى ضعفتم عن ترك المركز
стр. 214
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقَالَ بعضهم: لا نبرح المركز كَمَا أمرنا رَسُول اللَّهِ- ﷺ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من النصر عَلَى عدوكم فقتل أصحاب الألوية من المشركين مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا الَّذِين طلبوا الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الَّذِين ثبتوا فِي المركز حَتَّى قتلوا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ من بعد أن أظفركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ حيث لَمْ تقتلوا جميعًا عقوبة بمعصيتكم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ فِي عقوبته عَلَى الْمُؤْمِنِينَ- ١٥٢- حيث لَمْ يقتلوا جميعًا إِذْ تُصْعِدُونَ من الوادي إلى أحد وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يعني بأحد النَّبِيّ- ﷺ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يعني يناديكم من ورائكم يا مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أَنَا رَسُول اللَّه. ثُمّ قَالَ: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذَلِكَ من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خَالِد بن الْوَلِيد عليهم من الشعب فِي الخيل، فَلَمَّا أن عاينوه ذعرهم «١» ذَلِكَ وأنساهم ما كانوا فِيهِ من الغم الأول والحزن. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ١٥٣- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يعني من بعد غم الهزيمة أمنة نعاسا، وذلك أن اللَّه- ألقى عَلَى بعضهم النعاس فذهب غمهم، فذلك قوله- : يَغْشى النعاس طائِفَةً مِنْكُمْ نزلت فِي سبعة نفر، فى أبى بكر [٦٤ أ] الصِّدِّيق، وعمر بن الخَطَّاب، وعلي بن أَبِي طَالِب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-
стр. 215
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني الَّذِين لَمْ يلق عليهم النعاس يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كذبا يَقُولُ المؤمنون إن محمدا- ﷺ قَدْ قُتِل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُ كظن جهال المشركين أَبُو سُفْيَان «١» وأصحابه وذلك أنهم قَالُوا إن محمدا قَدْ قُتِل يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ هَذَا قول معتب بن قشير يعني بالأمر النصر يَقُولُ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ يعني النصر كُلَّهُ لِلَّهِ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ «يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» «٢» يقول يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم وَالَّذِي أخفوا فِي أنفسهم أنهم قَالُوا: لو كُنَّا فِي بيوتنا ما قتلناها هنا، قَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قُلْ لهم يا محمد: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ كَمَا تقولون لخرج من البيوت الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ فَمنْ كتب عَلَيْه القتل لا يموت أبدا ومن كتب عَلَيْه الموت لا يقتل أبدا. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ١٥٤- يَقُولُ اللَّه عليم بما فِي القلوب من الْإِيمَان والنفاق والذين أخفوا فِي أنفسهم قولهم إن محمدا قَدْ قُتِل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا «٣» هاهنا، يعني هَذَا المكان فهذا الَّذِي قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ- لهم: قل لهم يا محمد لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا تقولون لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يعني انهزموا عن عدوهم مدبرين منهزمين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الْمُؤْمِنِين وجمع المشركين يوم أحد إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ يعنى استفزهم الشيطان بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
стр. 216
من الذنوب يعني بمعصيتهم النَّبِيّ- ﷺ وتركهم المركز منهم عُثْمَان بن عَفَّان، ورافع بن المعلى، وخارجة بن زَيْد، وحذيفة ابن عُبَيْد بن رَبِيعَة، وعثمان بن عُقْبة وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حين لَمْ يقتلوا جميعًا عقوبة بمعصيتهم النَّبِيّ- ﷺ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ- ١٥٥- عَنْهُمْ فِي هزيمتهم فلم يعاقبهم ثُمّ وعظ اللَّه الْمُؤْمِنِين ألا يشكوا كشك المنافقين. فقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا فِي القول كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، وذلك أَنَّهُ قَالَ يوم أحد لعبد اللَّه بن رباب «١» الْأَنْصَارِيّ وأصحابه: إِذا ضَرَبُوا يعني ساروا فِي الْأَرْضِ [٦٤ ب] تجارا أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز «٢» لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا يعني التجار وَما قُتِلُوا يعني الغزاة قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ ذَلِكَ حين انهزم المؤمنون وقتلوا. يَقُولُ اللَّه- : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القتل حَسْرَةً يعني حزنا فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي الموتى وَيُمِيتُ الأحياء لا يملكهما غيره، وليس ذلك بأيديهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ- ١٥٦- وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ فى غير قتل لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «٣» - ١٥٧- من الأموال ثُمّ حذرهم الْقِيَامَة فَقَالَ: وَلَئِنْ مُتُّمْ فِي غير قتل أَوْ قُتِلْتُمْ فِي سبيله لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ- ١٥٨- فيجزيكم بأعمالكم فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ فبرحمة اللَّه كان «٤» إذ لنت لهم فِي القول، وَلَم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد
стр. 217
يعنى المنافقين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا باللسان غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لتفرقوا عنك يعني المنافقين فَاعْفُ عَنْهُمْ يَقُولُ اتركهم وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ لما كان منهم يوم أحد وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وذلك أن العرب فِي الْجَاهِلِيَّة كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم وَلَم «١» يشاورهم شق ذَلِكَ عليهم. فأمر اللَّه- النبي- ﷺ أن يشاورهم فِي الأمر إذا أراد فَإِن ذَلِكَ أعطف لقلوبهم عَلَيْه، وأذهب لضغائنهم فَإِذا عَزَمْتَ يَقُولُ فإذا فرق اللَّه «٢» لك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك فَتَوَكَّلْ «٣» عَلَى اللَّهِ يَقُولُ فثق بِاللَّه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ- ١٥٩- عَلَيْه يعني الَّذِين يثقون به إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنى يمنعكم فَلا غالِبَ لَكُمْ يعني لا يهزمكم أحد وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ يعني يمنعكم من بعد الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- ١٦٠- وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يعني أن يخون فِي الغنيمة يوم أحد وَلا يجور فِي قسمته فِي الغنيمة
نزلت فِي الَّذِين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يَقُولُ النَّبِيّ- ﷺ من أَخَذَ شيئًا فهو له ونحن هاهنا وقوف فَلَمَّا رآهم النَّبِيّ- ﷺ قَالَ: ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حَتَّى يأتيكم أمري. قَالُوا: تركنا بَقِيَّة إخواننا وقوفا فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : ظننتم أَنَا نغل فنزلت وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ
ثُمّ خوف اللَّه- من يغل فَقَالَ: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ما كَسَبَتْ من خير أَوْ شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- ١٦١- فى أعمالهم. ثُمّ قال- سُبْحَانَهُ-: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
стр. 218
يعنى رضى ربه- وَلَم يغلل كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [٦٥ أ] يعني استوجب السخط من اللَّه- فِي الغلول «ليسوا سواء ثُمّ بين مستقرهما «١» فَقَالَ: وَمَأْواهُ يعني ومأوى من غل جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ- ١٦٢- يعني أَهْل الغلول» «٢» .
ثُمّ ذكر- سُبْحَانَهُ- من لا يغل فَقَالَ: هُمْ يعني لهم دَرَجاتٌ يعني لهم فضائل عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ- ١٦٣- من غل منكم ومن لَمْ يغل فهو بصير بعمله لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يعني القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يعني ويصلحهم وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني المواعظ التي فِي القرآن من الحلال والحرام والسنة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث محمدا- ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- ١٦٤- يعني بين مثلها فِي الجمعة «٣» أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ وذلك أن سبعين رَجُلا من الْمُسْلِمِين قتلوا يوم أحد يوم السبت فِي شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقُتِل من المشركين قبل ذَلِكَ بسنة فِي سبع عشرة ليلة خلت من رمضان ببدر سبعين رجلا، وأسروا سبعين رَجُلا من المشركين. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها من المشركين يوم بدر بمعصيتكم النَّبِيّ- ﷺ وترككم المركز «قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» «٤» إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ١٦٥- من النصرة والهزيمة قدير وَما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة بأحد
стр. 219
الَّذِين قتلوا ببدر فأنزل اللَّه- تَعَالَى- وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني قتلى بدر أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ- ١٦٩- الثمار فِي الجنة وذلك أن اللَّه- تَعَالَى- جعل أرواح الشهداء طيرا خضرا ترعى فِي الجنة لها قناديل معلقة بالعرش تأوي إلى قناديلها فاطلع اللَّه- عليهم فَقَالَ- سبحانه-: هل تستزيدونى شيئا فأزيدكم؟ قالوا: أو لسنا نسرح فِي الجنة حيث نشاء ثُمّ اطلع عليهم أخرى فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: هَلْ تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ ثُمّ اطلع الثالثة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- هَلْ تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟
قَالُوا: ربنا نريد أن ترد أرواحنا فِي أجسادنا فنقاتل فِي سبيلك مرة أخرى، لما نرى من كرامتك إيانا ثُمّ قَالُوا فيما بينهم: ليت إخواننا الَّذِين فِي دار الدُّنْيَا يعلمون ما نَحْنُ فِيهِ من الكرامة والخير والرزق فَإِن شهدوا قتالا سارعوا بأنفسهم إلى الشهادة: فسمع اللَّه- كلامهم [٦٦ أ] فأوحى إليهم أني منزل عَلَى نبيكم ومخبر إخوانكم بما أنتم فِيهِ فاستبشروا بِذَلِك فأنزل اللَّه- يحبب الشهادة إلى الْمُؤْمِنِين وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ من الثمار. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ يعني راضين بما أعطاهم اللَّه مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ يعني من بعدهم من إخوانهم فِي الدُّنْيَا أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم. ثم قال- سبحانه-: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ١٧٠- عند الموت يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني رحمة من اللَّه وَفَضْلٍ «١» ورزق وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ- ١٧١- يعنى أجر المصدقين بتوحيد الله
стр. 220
- الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وذلك
أن المشركين انصرفوا يوم أحد ولهم الظفر فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ إني سائر فِي أثر القوم.
وكان النَّبِيّ- ﷺ يوم أحد عَلَى بغلة شهباء فدب المنافقون إلى الْمُؤْمِنِين. فقالوا: أتوكم فِي دياركم فوطئوكم قتلا، وكان لَكُم النصر يوم بدر، فكيف تطلبونهم وهم اليوم عليكم أجرأ، وأنتم اليوم أرعب. فوقع فِي أنفس الْمُؤْمِنِين قول المنافقين، فاشتكوا ما بهم من الجراحات فأنزل اللَّه- إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ... إلى آخر الآية «١» . وأنزل اللَّه- تَعَالَى- إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ ... - يعني تتوجعون من الجراحات إلى آخر الآية «٢» . فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ لأطلبنهم ولو بنفسي. فانتدب مَعَ النَّبِيّ- ﷺ سبعون رَجُلا من المهاجرين والأنصار حَتَّى بلغوا صفراء بدر الصغرى «٣» فبلغ أبا سُفْيَان «٤» أن النَّبِيّ- ﷺ يطلبه فأمعن عائدا «٥» إلى مكة مرعوبا ولقي أَبُو سُفْيَان «٦» نُعَيْم بن مَسْعُود الأشْجَعيّ، وَهُوَ يريد المدينة. فَقَالَ: يا نُعَيْم: بلغنا أن محمدا فِي الأثر فَأَخْبَرَه أن أَهْل مكة قَدْ جمعوا جمعا كثيرًا من قبائل العرب لقتالكم، وأنهم لقوا أبا سُفْيَان فلاموه بكفه عنكم، بعد الهزيمة حَتَّى هموا به، فردوه فَإِن رددت عنا محمدا فلك عشر ذود من الإبل إذا رجعت إلى مكة فسار نُعَيْم فلقي النَّبِيّ- ﷺ فى الصفراء.
стр. 221
فَقَالَ: ما وراءك يا نُعَيْم؟ فَأَخْبَرَه بِقَوْلِ أَبِي سُفْيَان. ثُمّ قَالَ: أتاكم الناس. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نعم الملتجأ ونعم الحرز فأنزل اللَّه- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
يعنى الجراحات لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ الفعل وَاتَّقَوْا معاصيه أَجْرٌ عَظِيمٌ- ١٧٢- وَهُوَ الجنة «١» ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعنى نعيم بن مسعود وحده [٦٦ ب] إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع لقتالكم فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً يعني تصديقا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ- ١٧٣- يعني النبي- ﷺ وأصحابه- ﵃ فأصابوا فَانْقَلَبُوا يعني فرجعوا إلى المدينة بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ يعني الرزق وذلك أنهم أصابوا سرية فِي الصفراء، وذلك فِي ذِي القعدة لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من عدوهم فِي وجوههم وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ يعنى رضى اللَّه فِي الاستجابة للَّه- وللرسول- ﷺ فِي طلب المشركين يَقُولُ اللَّه- سُبْحَانَهُ-:
[وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ- ١٧٤- على أهل طاعته] . «٢»
стр. 222
قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثابت، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا هُذَيْل:
قَالَ مُقَاتِلٌ: فنزلت هَذِهِ الآيات فِي ذِي القعدة بذي الحليفة حين انصرفوا عن طلب أَبِي سُفْيَان وأصحابه بعد قتال أحد إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ وذلك أن النبي- ﷺ ندب الناس يوم أحد فِي طلب المشركين فَقَالَ المنافقون للمسلمين: قَدْ رأيتم ما لقيتم لَمْ ينقلب إِلَّا شريد، وأنتم فِي دياركم تصحرون «١» وأنتم أكلة رأس، واللَّه لا ينقلب منكم أحد، فأوقع الشَّيْطَان قول المنافقين فِي قلوب الْمُؤْمِنِين. فأنزل اللَّه- : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يعني يخوفهم بكثرة أوليائه من المشركين فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ فى ترك أمرى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ١٧٥- يعني إذ كنتم يَقُولُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تخافوهم. ثُمّ قَالَ: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يعني المشركين يوم أحد إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يقول لن ينقصوا اللَّه شيئًا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم «٢» فِي الكفر، إنما يضرون أنفسهم بِذَلِك يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ يعني نصيبا فِي الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- ١٧٦- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- يعنيهم: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ يعني باعوا الْإِيمَان بالكفر لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ يعني لن ينقصوا اللَّه من ملكه وسلطانه شَيْئاً حين باعوا الْإِيمَان بالكفر إِنَّمَا ضروا أنفسهم بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٧٧- يعنى وجيع وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أبا سُفْيَان وأصحابه يوم أحد أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ حين ظفروا خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ فِي الكفر لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- ١٧٨- يعني الهوان مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ يا مَعْشَر الكفار عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
стр. 223
من الكفر حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فِي علمه حَتَّى يميز أَهْل الكفر من أهل الإيمان [٦٧ أ] نظيرها فِي الأنفال «١» . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وذلك أن الكفار قَالُوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن مِنَّا، ومن يكفر. فأنزل الله- : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ يعني ليطلعكم عَلَى غيب ذَلِكَ إِنَّمَا الوحي إلى الْأَنْبِيَاء بِذَلِك.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يستخلص مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيجعله رسولا فيوحي إِلَيْهِ ذَلِكَ لَيْسَ الوحي إلا إلى الأنبياء فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني صدقوا بتوحيد اللَّه- تَعَالَى- وبرسالة محمد- ﷺ وَإِنْ تُؤْمِنُوا يعني تصدقوا بتوحيد اللَّه- تَعَالَى- وَتَتَّقُوا الشرك فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ- ١٧٩- وَلا يَحْسَبَنَّ «٢» الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بما أعطاهم اللَّه من فضله يعني من الرزق وبخلوا بالزكاة أن ذَلِكَ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ البخل هُوَ «٣» شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وذلك أن كنز أحدهم يتحول شجاعا أقرع ذكر، ولفيه زبيبتان كَأَنَّهما جبلان فيطوق به فِي عنقه فينهشه فيتقيه بذراعيه فيلتقمهما «٤» حَتَّى يقضى بين الناس فلا يزال معه حَتَّى يساق إلى النار ويغل، وذلك قوله- سُبْحَانَهُ-
стр. 224
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» » ، ثم قال- سبحانه-: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ إن بخلوا بالزكاة فالله يرثهم ويرث أَهْل السموات وأهل الأرضين فيهلكون ويبقى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ «٢» خَبِيرٌ- ١٨٠- يعني فِي ترك الصدقة يعني اليهود لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وذلك أن النبي- ﷺ كتب مَعَ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصَّلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللَّه قرضا حسنا. قَالَ فنحاص اليهودي:
إن اللَّه فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء. وَيَقُولُ اللَّه- سَنَكْتُبُ ما قالُوا فأمر الحفظة أن تكتب «٣» كُلّ ما قَالُوا وَتكتب قَتْلَهُمُ «٤» الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ «٥» أَي تَقُولُ لهم خزنة جَهَنَّم فِي الآخرة ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ- ١٨١- ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- ١٨٢- فيعذب على غير ذنب، ثُمّ أخبر عن اليهود حين دعوا إلى الْإِيمَان فَقَالَ- ﵎: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فَقَالَ- لنبيه- ﷺ [٦٧ ب] قُلْ لهم
стр. 225
قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ يعني التبيين بالآيات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من أمر القربان فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ فلم قتلتم «١» أنبياء اللَّه من قبل محمد- ﷺ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ١٨٣- بما تقولون فَإِنْ كَذَّبُوكَ يا محمد يعزي نبيه- ﷺ ليصبر على تكذيبهم فلست بأول رسول كذب. فذلك قوله- سبحانه-: فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ يعني بالآيات وَالزُّبُرِ يعني بحديث ما كان قبلهم والمواعظ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ- ١٨٤- يعني المضيء البين الذي فيه أمره ونهيه، ثُمّ خوفهم فَقَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يعني جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ يعني صرف عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ يعني فقد نجى. ثُمّ وعظهم فَقَالَ: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ- ١٨٥- يعني الفاني الَّذِي لَيْسَ بشيء لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ نزلت في النبي- ﷺ وأبي بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ يعني بالبلاء والمصيبات وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حين قَالُوا: إن اللَّه فقير. ثُمّ قَالَ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي العرب أَذىً كَثِيراً باللسان والفعل وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ الأذى وَتَتَّقُوا معصيته فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ- ١٨٦- يعني ذَلِكَ الصَّبْر والتقوى من خير الأمور التي أمر اللَّه- بها وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى أعطوا التوراة وَلا تَكْتُمُونَهُ «٢» أَي أمره وأن تتبعوه فَنَبَذُوهُ يعني فجعلوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ بكتمان أمر محمد- ﷺ ثَمَناً قَلِيلًا وذلك أن
стр. 226
سفلة اليهود كانوا يعطون رءوس اليهود من ثمارهم وطعامهم عِنْد الحصاد. ولو تابعوا محمدا- ﷺ لذهب عَنْهُمْ ذَلِكَ المأكل. يَقُولُ اللَّه- فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ- ١٨٧- لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وذلك أن اليهود قالوا للنبي- ﷺ حين دخلوا عَلَيْه: نعرفك نصدقك وليس ذَلِكَ فِي قلوبهم. فَلَمَّا خرجوا من عِنْد النَّبِيّ- ﷺ قَالَ لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قَالُوا: عرفناه وصدقناه. فَقَالَ المسلمون: أحسنتم بارك اللَّه فيكم. وحمدهم المسلمون عَلَى ما أظهروا من الْإِيمَان بالنَّبِيّ- ﷺ [٦٨ أ] فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا يا محمد فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ١٨٨- يعنى وجيع ثُمّ عظم اللَّه نفسه فَقَالَ: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا من الخلق عبيده وَفِي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ١٨٩- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقين عظيمين وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ- ١٩٠- يعني أهل اللب والعقل ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سبحانه-:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا يَقُولُ عبثا لغير شيء لقَدْ خلقتهما لأمر قد كان سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ- ١٩١- رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ يعني من خلدته فِي النار فقد أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ- ١٩٢- يعني وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار. قَالُوا: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ فهو محمد- ﷺ داعيا يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ يعني صدقوا بتوحيد ربكم فَآمَنَّا أَي فأجابه المؤمنون فقالوا: ربنا آمنا «١» يعنى
стр. 227
صدقنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا يعني امح عنا خطايانا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ- ١٩٣- يعني المطيعين قَالُوا: رَبَّنا وَآتِنا يعني وأعطنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يَقُولُ أعطنا من الجنة ما وعدتنا عَلَى ألسنة رسلك وَلا تُخْزِنا يعني وَلا تعذبنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ- ١٩٤- فأخبر اللَّه- بفعلهم وبما أجابهم. وأنجز اللَّه- لهم موعوده فذلك قوله- سبحانه- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فَقَالَ: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ فِي الخير مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وذلك أن كفار مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي يعني فِي سبيل دين الْإِسْلام وَقاتَلُوا المشركين وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ يعني لأمحون عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني خطاياهم وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني بجنات البساتين، ذَلِكَ الَّذِي ذكر كان ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ- ١٩٥- يعني الجنة نزلت فِي أم سَلَمَة- أم الْمُؤْمِنِين ﵂ ابنة أبي أمية المخزومي حين قالت:
مالنا مَعْشَر النساء عِنْد اللَّه خير وما يذكرنا بشيء ففيها «١» نزلت
стр. 228
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فى الأحزاب إلى آخر الآية «١» [٦٨ ب] فأشرك اللَّه- الرجال مَعَ النّساء فِي الثواب كَمَا شاركن الرجال فِي الأعمال الصالحة فى الدنيا لا يَغُرَّنَّكَ يا محمد- ﷺ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ- ١٩٦- نزلت فِي مشركي العرب وذلك أن كفار مكة كانوا فِي رخاء ولين عيش حسن فَقَالَ بعض الْمُؤْمِنِين: أعداء اللَّه فيما ترون من الخير وَقَدْ أهلكنا الجهد. فأخبر اللَّه- بمنزلة الكفار فِي الآخرة، وبمنزلة الْمُؤْمِنِين فِي الآخرة، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا يَغُرَّنَّكَ يا محمد- ﷺ ما فِيهِ الكفار من الخير والسعة فَإِنَّمَا هُوَ مَتاعٌ قَلِيلٌ يمتعون بها إلى آجالهم ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ- ١٩٧- فبين الله- تعالى- مصيرهم ثُمّ بين منازل الْمُؤْمِنِين فِي الآخرة، فَقَالَ- سبحانه-: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وحدوا ربهم لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون كان ذَلِكَ نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ- ١٩٨- يعنى المطيعين وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى ابن سلام لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ «٢» يعنى يصدق بالله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني أمة محمد- ﷺ من القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: خاشِعِينَ لِلَّهِ يعني متواضعين للَّه لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضا يسيرا من الدُّنْيَا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عِنْد الحصاد ثُمّ قَالَ يعني»
مؤمني أَهْل التوراة
стр. 229
ابن سلام وأصحابه أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني جزاؤهم فِي الآخرة عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- ١٩٩- يقول كأنه قد جاء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على أمر اللَّه- وفرائضه وَصابِرُوا مَعَ النَّبِيّ- ﷺ فِي المواطن وَرابِطُوا العدو فِي سبيل اللَّه حَتَّى يدعوا دينهم لدينكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوا ومن يفعل ذَلِكَ فقد أفلح فذلك قوله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- ٢٠٠-.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يُحَدِّثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- ﵁ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ. هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ لأَهْلِ نَجْرَانَ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ، وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ فَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذلك كله على ألفى حلة كل حُلَلِ الأَلْوَانِ «١» فِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ «وَفِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ» «٢» فَمَا زَادَ مِنْ حلل الخراج [٦٩ أ] عَلَى الأَوَاقِ فَبِحِسَابِهِ، وَمَا قَصُرَ مِنْ دِرْعٍ أَوْ حُلَّةٍ أَوْ خَيْلٍ «٣» أَوْ رِكَابٍ أَوْ عِرْضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِحِسَابِهِ، وَعَلَى نَجْرَانَ مَثُوبَةُ رُسُلِ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَلا تَحْبِسُ رَسُولِي فَوْقَ شَهْرٍ وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةُ ثَلاثِينَ دِرْعًا وَثَلاثِينَ فَرَسًا وَثَلاثِينَ بَعِيرًا إِذَا كَانَ «كُبِّدَ «٤» بِالْيَمَنِ» ذُو مَعْذِرَةٍ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ- وَذِمَّةُ محمد رسول الله- ﷺ «٥» علي أنفسهم
بسم الله الرحمن الرحيم [سورة النساء] «١» مدنية وهي مائة وستة وسبعون آية كوفية
стр. 235
والنهى عن حماية الخائنين، وإيقاع الصلح بين الأزواج والزوجات وإقامة الشهادات، ومدح العدل (آية ١٣٥) .
وذم المنافقين. وذم اليهود، وذكر قصدهم من قتل عيسى- ﵇ فى الآيات (١٤١- ١٦١) .
وفضل الراسخين فى العلم وإظهار فساد اعتقاد النصارى وافتخار الملائكة والمسيح بمقام العبودية، وذكر ميراث الكلالة.
(بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي، مع كتب التفسير وعلوم القرآن، وينبغي الإمساك بالمصحف عند قراءة المقصد الإجمالى للسورة) .
стр. 236
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ يخوفهم يقول اخشوا ربكم الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها «١» يعني من نفس آدم من ضلعه حواء، وإنما سميت حواء لأنها خلقت من حي آدم. قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً «٢» يَقُولُ وخلق من آدم وحواء رجالا كثيرًا ونساء، هُمْ ألف أمة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ يَقُولُ تسألون بِاللَّه بعضكم ببعض الحقوق والحوائج واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ١- يعنى حفيظا لأعمالكم وَآتُوا الْيَتامى يعني الأوصياء يعني أعطوا اليتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ يَقُولُ وَلا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحلال من أموالكم، ولا تذرو الحلال وتأكلوا الحرام وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعني مع أموالكم، كقوله- سُبْحَانَهُ-: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ «٣»
стр. 237
يعني معي «١» هَارُون إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ٢- يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وَقَدْ كان أَهْل الْجَاهِلِيَّة يسمون الحوب الإثم.
نزلت فِي رَجُل من غطفان، يُقَالُ لَهُ المنذر بن رِفَاعة، كان معه مال كبير ليتيم وَهُوَ ابْن أَخِيهِ، فَلَمَّا بلغ طلب ماله، فمنعه فخاصمه إلى النَّبِيّ- ﷺ فأمر، أن يرد عَلَيْه ماله، وقرأ عَلَيْه الآية. فَلَمَّا سمعها قَالَ: أطعنا اللَّه وأطعنا الرَّسُول، ونعوذ بِاللَّه من الحوب الكبير. فدفع إِلَيْهِ ماله فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : «هكذا من يطع ربه- ويوق شح نفسه فَإنَّهُ يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتن ماله أنفقه فى سبيل الله [٧٠ أ] قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : «ثبت الأجر وبقي الوزر» .
فقالوا للنبي- ﷺ : «قَدْ عرفنا ثبت الأجر فكيف بقي الوزر، وَهُوَ ينفق فِي سبيل اللَّه؟ فَقَالَ: الأجر للغلام والوزر عَلَى والده
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى نزلت فِي خميصة «٢» بن الشمردل وذلك أن اللَّه- :
أنزل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً يعني بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «٣» فخاف المؤمنون الحرج فعزلوا كُلّ شيء لليتيم من طعام أَوْ لبن أَوْ خادم أَوْ ركوب فلم يخالطوهم فِي شيء منه فشق ذَلِكَ عليهم وعلى اليتامى فرخص اللَّه- من أموالهم فِي الخلطة «٤» ، فَقَالَ: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فنسخ من ذَلِكَ الخلطة «٥» فسألوا النَّبِيّ- ﷺ عما لَيْسَ به بأس وتركوا أن يسألوه عما هُوَ أعظم منه، وذلك أنه كان يكون عند
стр. 238
الرَّجُل سبع نسوة أو ثمان أَوْ عشر حرائر لا يعدل بينهن، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يَقُولُ ألا تعدلوا فِي أمر اليتامى فخافوا الإثم فِي أمر النّساء، واعدلوا بينهن فذلك قوله- : فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ يعني ما يحل لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ وَلَم يطب «١» فوق الأربع. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَإِنْ خِفْتُمْ الإثم أَلَّا تَعْدِلُوا فى الاثنتين والثلاث والأربع فِي القسمة والنفقة فَواحِدَةً يَقُولُ فتزوج واحدة، وَلا تأثم فَإِن خفت أن لا تحسن إلى تِلْكَ الواحدة أَوْ مَا «٢» مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الولائد فاتخذ منهن ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا- ٣- يَقُولُ ذَلِكَ أجدر ألا تميلوا عن الحق فِي الواحدة وَفِي إتيان الولائد بعضهم عَلَى بعض، ولما نزلت مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
كان يومئذ تحت قَيْس بن الْحَارِث ثمان نسوة، فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فَقَالَ للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وذلك أن الرَّجُل كان يتزوج بغير مهر. فيقول: أرثك وترثيني وتقول المرأة: نعم فأنزل اللَّه- وَآتُوا النِّساءَ يعني أعطوا الأزواج «٣» النّساء صَدُقاتِهِنَّ يعني مهورهن نِحلة يعني فريضة فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يعني أحللن لَكُمْ يعني الأزواج عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ [٧٠ ب] يعنى المهر نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً- ٤- يعني حلالا مريئا يعني طيبا وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ يعني الجهال بموضع الحق فِي الأموال يعني لا تعطوا نساءكم وأولادكم أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يعني قواما لمعاشكم «٤» فإنهن سفهاء يعني جهالا بالحق نظيرها فى البقرة
стр. 239
سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً «١» وَلا يدري الصغير ما عَلَيْه من الحق فِي ماله وَلَكِن وَارْزُقُوهُمْ فِيها يَقُولُ أعطوهم منها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً- ٥- يعني العدة الحسنة «٢» أني سأفعل، وكنت أَنْت القائم على مالك «٣» . وَابْتَلُوا الْيَتامى يَقُولُ اختبروا عقولهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعنى الحلم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً معشر الأولياء والأوصياء صلاحا فِي دينهم وحفظا لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً يعني بغير حق وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا يَقُولُ يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله، ثُمّ رخص للذي معه مال اليتيم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ عن أموالهم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى بالفرض فَإِن أيسر رد عَلَيْه، وإلا فلا إثم عَلَيْه فَإِذا دَفَعْتُمْ يعني الأولياء والأوصياء إِلَيْهِمْ يعني إلى اليتامى أَمْوالَهُمْ إذا احتلموا فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بالدفع إليهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً- ٦- يعني شهيدا فلا شاهد أفضل من اللَّه بينكم وبينهم، نزلت فِي ثَابِت بن رِفَاعة وعمه وذلك أن رِفَاعة تُوُفّي وترك ابنه ثَابِت فولي ميراثه، فنزلت فيه وَابْتَلُوا الْيَتامى يقول واختبروا يعني به عم ثابت بن رفاعة «اليتامى» يعني ثَابِت بن رِفَاعة. الآية كلها حَتَّى قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً وقوله- سُبْحَانَهُ-: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ نزلت فِي أوس بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري تُوُفّي وترك امرأته أم كحة الأنصارية، وترك ابنتين إحداهن صفية «٤» وترك ابني عمّه عرفطة وسويد ابني الحارث «فلم يعطياها
стр. 240
وَلا ولداها شيئًا «١» » من الميراث. وكان أهل الْجَاهِلِيَّة لا يورثون النّساء وَلا الولدان الصغار شيئًا ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النَّبِيّ- ﷺ فقالت: إن أباهن تُوُفّي، وإن سُوَيْد بن الْحَارِث، وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث. فأنزل اللَّه- فِي أم كحة وبناتها لِلرِّجالِ نَصِيبٌ يعنى حظا [٧١ أ] وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ يعنى حظا مِمَّا قَلَّ مِنْهُ يعني من الميراث أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً- ٧- يعني حظا مفروضا يعني معلوما فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين وبقيته لسويد وعرفطة وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث فيها تقديم «٢» .
وإذا حضر أُولُوا الْقُرْبى يعني قرابة الميت وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ قسمة المواريث فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يعني فأعطوهم من الميراث وإن قل وليس بموقت «٣» هَذِهِ قبل قسمة المواريث وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً- ٨- يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- إن كَانَت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هَذِهِ القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم- وإن ماتوا وورثناهم وأعطيناكم حقكم فهذا القول المعروف يعني العدة الحسنة، ثُمّ قَالَ- :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً فهو الرَّجُل يحضر الميت فيقول لَهُ قدِم لنفسك أوص لفلان وفلان حَتَّى يوصي بعامة ماله فيزيد عَلَى الثلث فنهى اللَّه- عن ذَلِكَ فَقَالَ: وليخش الَّذِين يأمرون الميت بالوصية بأكثر من الثلث، فليخش عَلَى ورثة الميت الفاقة والضيعة، كَمَا يخشى عَلَى ذريته الضعيفة
стр. 241
من بعده، فكذلك لا يأمر الميت بما يؤثمه فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً يعني عجزة لا حيلة لهم نظيرها فِي البقرة «١» .
خافُوا عَلَيْهِمْ الضيعة فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا إذا جلسوا إلى الميت قَوْلًا سَدِيداً- ٩- يعني عدلا فليأمره بالعدل فِي الوصية فلا يحرفها وَلا يجر فيها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً- ١٠- وذلك أن خازن النار يأخذ شفتيه وهما أطول من مشفري البعير وطول شفتيه أربعون ذراعا إحداهما بالغة عَلَى منخره، والأخرى عَلَى بطنه فيلقمه جمر جَهَنَّم ثُمّ يقول كُل بأكلك أموال اليتامى ظلما. فنسخت هَذِهِ الآية وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
«٢» ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٣» فرخص فِي المخالطة وَلَم يرخص فِي أكل أموال اليتامى ظلما. ثُمّ بين قسمة المواريث بين الورثة. فَقَالَ- يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يعني بنات أم كحة فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ ابنة واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [٧١ ب] الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
стр. 242
وبقية المال للأب فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وما بقي فللأب مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني إلى الثلث أَوْ دين عَلَيْه فَإنَّهُ يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثُمّ الوصية بعد ذَلِكَ ثُمّ الميراث.
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً «١» يعني فِي الآخرة فيكون معه فِي درجته، وذلك أن الرَّجُل يَكُون عمله دون عمل ولده أَوْ يَكُون عمله دون عمل والده، فيرفعه اللَّه- فِي درجته لتقر أعينهم. ثُمّ قَالَ فِي التقديم لهذه القسمة فَرِيضَةً ثابتة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً- ١١- فِي الميراث «حَكِيماً» حكم قسمته. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إذا متن إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ عليهم. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ بعد الموت من الميراث إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ثُمّ قَالَ- : وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ فيها تقديم يُورَثُ كَلالَةً والكلالة الميت يموت، وليس لَهُ وَلَد وَلا والد وَلا جد وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ فهم الإخوة لأم والذكر والأنثى فِي الثلث سواء وَلا يوصي لوارث وَلا يقر بحق لَيْسَ عَلَيْه مضارة للورثة فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني هَذِهِ القسمة فريضة من اللَّه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالضرار يعني من يضار فِي أمر الميراث حَلِيمٌ- ١٢- حين لا يعجل عليهم بالعقوبة تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني هَذِهِ القسمة فريضة من اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى قسمة
стр. 243
المواريث يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ١٣- وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي قسمة المواريث فلم يقسمها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يعني يخالف أمره وقسمته إلى غيرها يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ- ١٤- يعني الهوان. فَلَمَّا فرض اللَّه- لأم كحة وبناتها انطلق سُوَيْد وعرفطة وعيينة بن حصن إلى النَّبِيّ- ﷺ [٧٢ أ] ، فقالوا: إن المرأة لا تركب فرسا وَلا تجاهد، وليس عِنْد الصبيان الصغار منفعة فِي شيء. فأنزل اللَّه- فِي ذَلِكَ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعني ما بين فِي قسمة المواريث فِي أول السورة ويفتيكم فِي بنات أم كحة فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ (مَا كُتِبَ لَهُنَّ) «١» وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ... إلى قوله- سُبْحَانَهُ-: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً «٢» .
قوله- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ يعني المعصية وهي الزنا وهي المرأة الثيب تزني ولها زوج فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ عدولا فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ وإن كان لها زوج وَقَدْ زنت أَخَذَ الزوج المهر منها من غَيْر طلاق وَلا حد وَلا جماع وتحبس فِي السجن حَتَّى تموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا- ١٥- يعني مخرجا من الحبس وَهُوَ الرجم يعني الحد فنسخ الحد فى سورة النور الحبس
стр. 244
فِي البيوت. ثُمّ ذكر البكرين اللذين لَمْ يحصنا فقال- :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الفاحشة وَهُوَ الزنا منكم فَآذُوهُما باللسان يعني بالتعيير والكلام القبيح، بما عملا وَلا حبس عليهما لأنهما بكران فيعيران ليندما ويتوبا يَقُولُ اللَّه- : فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بقي فَأَعْرِضُوا عَنْهُما يعني فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً- ١٦- ثُمّ أنزل اللَّه- فِي البكرين فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ «١» فنسخت هَذِهِ الآية «٢» التي فِي النور الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ «٣»
فَلَمَّا أمر اللَّه- بالجلد قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : اللَّه أكبر، جاء اللَّه بالسبيل البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم «٤» بالحجارة، فأخرجوا من البيوت فجلدوا مائة، وحدوا فلم يحبسوا «٥» .
فذلك قوله- أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا يعنى مخرجا من الحبس «يجلد البكر ورجم المحصن» «٦» إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ يعني التجاوز عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ فكل ذنب يعمله الْمُؤْمِن فهو جهل منه ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يعني قبل الموت فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني يتجاوز عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ١٧- وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني الشرك حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
стр. 245
فلا توبة له عند الموت وَلَا توبة الَّذِينَ «١» يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً- ١٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [٧٢ ب]
نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج، وَفِي امرأته هند بِنْت صبرة، وَفِي الأسود ابن خلف الجزاعى، وَفِي امرأته حبيبة بِنْت أَبِي طَلْحَة، وَفِي منظور بن يسار الفزاري وفى امرأته ملكة بِنْت خَارِجَة بن يَسَار المري، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت وكان الرَّجُل من الأَنْصَار «إذا مات لَهُ حميم» «٢» عمد الَّذِي يرث الميت وألقى عَلَى امرأة الميت ثوبا فيرث تزويجها رضيت أَوْ كرهت عَلَى مثل مهر الميت فأن ذهب المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عَلَيْهَا ثوبا فهي أحق بنفسها فأتين النَّبِيّ- ﷺ فقلن: يا رَسُول اللَّهِ، ما يدخل بنا، وَلا ينفق علينا، لا نترك أن نتزوج. فأنزل اللَّه- فِي هَؤُلاءِ النفر لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
يعنى وهن كارهات، ولكن تزوجوهن برضى منهن، وكان أحدهم يَقُولُ: أنا أرثك لأني ولي زوجك، فأنا أحق بك. ثُمّ انقطع الكلام.
ثُمّ قَالَ اللَّه- : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ كان الرَّجُل يفر بامرأته لتفتدى منه، وَلا حاجة لَهُ فيها يَقُولُ لا تحبسوهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يَقُولُ ببعض ما أعطيتموهن من المهر ثُمّ رخص واستثنى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني العصيان البين وَهُوَ النشوز فقد حلت الفدية إذا جاء العصيان من قبل المرأة. ثُمّ قَالَ- ﵎: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ صاحبوهن بإحسان فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وأردتم فراقهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً- ١٩- يعنى فى الكره خيرا كثيرا
стр. 246
يَقُولُ عسى الرَّجُل يكره المرأة فيمسكها عَلَى كراهية فلعل اللَّه- يرزقه منها ولدا ويعطفه عَلَيْهَا، وعسى أن يكرهها فيطلقها فيتزوجها غيره فيجعل اللَّه للذي يتزوجها فيها خيرا كثيرا، فيرزقه منها لطفا وولدا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يَقُولُ وإن أراد الرَّجُل طلاق امرأته ويتزوج «١» أخرى غيرها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً يَقُولُ وآتيتم إحداهن من المهر قنطارا من ذهب، والقنطار «٢» ألف ومائتا دينار فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إذا أردتم طلاقها يَقُولُ فَلَيْس لَهُ أن يضربها حَتَّى تفتدى منه يَقُولُ:
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً- ٢٠- يعنى بينا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ تعظيما له [٧٣ أ] يعني المهر وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يعني به الجماع وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً- ٢١- يعني بالميثاق الغليظ ما أمروا به من قوله- ﵎ فيهن: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ «٣» والغلظ يعني الشديد وكل غليظ فِي القرآن يعني به الشديد.
وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الْأَنْصَارِيّ. وَفِي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عَدِيّ بن عَاصِم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ لأن العرب كَانَتْ تفعل ذَلِكَ قبل التحريم، وذلك أن مِحْصَن مات أبوه فشد عَلَى امرأته فتزوجها، وَهُوَ مِحْصَن بن أبي قَيْس بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج وكبشة بِنْت معن بن مَعْبَد، وَفِي شريك
стр. 247
وفى امرأته كحة إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يعني معصية وَمَقْتاً يعني وبغضا وَساءَ سَبِيلًا- ٢٢- يعني وبئس المسلك وقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثُمّ حرم النسب والصهر وَلَم يقل إِلا مَا قد سلف لأن العرب كَانَتْ لا تنكح النسب والصهر. وقال- فِي الأختين: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ «١» لأنهم كانوا يجمعون بينهما ثُمّ بين ما حرم فَقَالَ- تَعَالَى ذكره- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ فهذا النسب، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يعني جامعتم أمهاتهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يَقُولُ إن لَمْ تكونوا جامعتم أمهاتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يقول فلا حرج عليكم فى تزويج البنات وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ يَقُولُ وحرم ما تزوج الابن الَّذِي خرج من صلب الرَّجُل- وَلَم يتبناه «٢» - فهذا الصهر وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فحرم جمعهما إِلَّا أن يَكُون إحداهما بملك فزوجها غيره فلا بأس إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ قبل التحريم إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً- ٢٣- لما كان من جماع الأختين قبل التحريم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني وكل امرأة أيضا فنكاحها حرام مَعَ ما حرم من النسب والصهر ثُمّ استثنى من المحصنات. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الحرائر مثنى وثلاث ورباع كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني فريضة اللَّه لَكُمْ بتحليل أربع وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
стр. 248
يعني ما وراء الأربع أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ لفروجهن غَيْرَ مُسافِحِينَ بالزنا علانية ثُمّ ذكر المتعة فقال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى [٧٣ ب] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً يعني أعطوهن مهورهن وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يَقُولُ لا حرج عليكم فيما زدتم من المهر وازددتم فِي الأجل بعد الأمر الأول إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ٢٤- فِي أمره نسختها آية الطلاق وآية المواريث ثُمّ إن رَسُول اللَّهِ- ﷺ نهى عن المتعة بعد نزول هَذِهِ الآية مرارا، واللَّه- تَعَالَى- يَقُولُ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١» ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا يَقُولُ من لَمْ يجد منكم سعة من المال أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يعني الحرائر فليتزوج من الإماء فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى الولائد «٢» فتزوجوا مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني الولائد «٣» . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ من غيره فيكره للعبد المسلم أن يتزوج وليدة من أَهْل الكتاب لأن ولده يصير عبدا فَإِن تزوجها وولدت لَهُ فَإنَّهُ يشتري من سيده رَضِيَ أَوْ كره، ويسعى فِي ثمنه بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يتزوج هَذَا وليدة هَذَا، وهذا وليدة هَذَا. ثم قال- سبحانه-: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يَقُولُ تزوجوا الولائد بإذن أربابهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَقُولُ وأعطوهن مهورهن بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ عفائف لفروجهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ غَيْر معلنات بالزنا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني أخلاء فِي السر فيزني بها سرا فَإِذا أُحْصِنَّ يعني أسلمن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يَقُولُ فَإِن جئن بالزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعنى خمسين جلدة نصف
стр. 249
ما عَلَى الحرة إذا زنت «١» ذلِكَ التزويج للولائد لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم فِي دينه وَهُوَ الزنا وَأَنْ يعني ولئن تَصْبِرُوا عن تزويج الأمة خَيْرٌ لَكُمْ من تزويجهن وَاللَّهُ غَفُورٌ لتزويجه الأمة رَحِيمٌ- ٢٥- به حين رخص لَهُ فِي تزويجها إذا لَمْ يجد طولا يعني سعة فِي تزويج الحرة يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ يعني أن يبين لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
يعني شرائع هدى من كان قبلكم من الْمُؤْمِنِين من تحريم النسب والصهر وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يعنى ويتجاوز عنكم من نكاحكم يعنى من تزويجكم إياهن من قبل التحريم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٢٦- وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعني به الزنا وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح ابنة «٢» الأخت من الأب حلال فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً- ٢٧- فِي استحلال نكاح ابنة «٣» الأخت من الأب يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إذ رخص فى تزويج [٧٤ أ] الأمة لمن لَمْ يجد طولا لحرة، وذلك قوله- سبحانه-: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً- ٢٨- لا يصبر عن النكاح ويضعف عن تركه فلذلك أحل لهم تزويج الولائد لئلا يزنوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يَقُولُ لا تأكلوها إلا بحقها وَهُوَ الرَّجُل يجحد حق أَخِيهِ المسلم أَوْ يقتطعه بيمينه ثُمّ استثنى ما استفضل «٤» الرَّجُل من مال أَخِيهِ من التجارة فلا بأس. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ لا يقتل بعضكم بعضا لأنكم أَهْل دين واحد إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً- ٢٩- إذ نهى عن ذلك
стр. 250
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني الدماء والأموال جميعًا عُدْواناً وَظُلْماً يعني اعتداء بغير حق وظلما لأخيه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً- ٣٠- يقول كان عذابه على الله هينا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ من أول هذه السورة إلى هذه الآية نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوب ما بين الحدين وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً- ٣١- يعني حسنا وهي الجنة لما نزلت لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قالت «١» النساء: لَم هَذَا؟ نَحْنُ أحق أن يَكُون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى عَلَى التجارة والطلب والمعيشة مِنَّا، فإذا لَمْ يفعل اللَّه ذَلِكَ بنا فإنا نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ علينا وعليهم فأنزل اللَّه فِي قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سُبْحَانَهُ-:
وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «٢» يَقُولُ فضل الرجال عَلَى النّساء فِي الميراث، ونزل فِي قولهن نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبُوا من الإثم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الإثم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يعني الرجال والنساء إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ من قسمة الميراث عَلِيماً- ٣٢- به وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ يعني العصبة:
بني العم «٣» والقربى مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ كان الرَّجُل يرغب فِي الرَّجُل فيحالفه ويعاقده عَلَى أن يَكُون معه وَلَهُ من ميراثه كبعض ولده. فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية آية المواريث وَلَم يذكر أَهْل العقد فأنزل اللَّه- وَالَّذِينَ عَقَدَتْ «٤» أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقول أعطوهم