نظيرها فى سورة «وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا «١» » يقول: «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ «٢» » يعني يحرقون، ثم قال: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا من ذلك فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ- ١٠-، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وشهدوا أن لا إله إلا الله فهو الصالحات، نظيرها حين قال الله- « ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ... «٣» » فهو الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يقول يصعد ذلك إليه كله بشهادة أن لا إله إلا الله، ولولا هذا ما ارتفع لابن آدم عمل أبدا، ثم قال: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول البساتين تجري من تحتها الأنهار وهي العيون خالدين فيها ما دامت الجنة فهم دائمون أبدا، ثم قال: ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ- ١١- يقول هذا النجاء الكبير، يقول من زحزح عن النار، وأدخل الجنة فقد نجا نجاء عظيما، ثم رجع إلى قسمه الذي كان أقسم فى أول السورة فقال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ- ١٢- يقول إن عذاب ربك لشديد يقول إذا غضب بطش، وإذا بطش أهلك، ثم عظم الرب- نفسه فقال:
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ- ١٣- يقول بدأ خلق النفس من نطفة ميتة ويحيه، ثم يعيده يوم القيامة من ذلك التراب، ثم قال: وَهُوَ الْغَفُورُ للذنوب الكبائر لمن تاب منها الْوَدُودُ- ١٤- يقول الشكور للعمل الصالح القليل إذا رضوه، يقول اشكر العمل اليسير حتى «أضاعفه «٤» » للواحد «عشرة «٥» » فصاعدا، ثم عظم الرب- ﵎ نفسه فقال: ذُو الْعَرْشِ فإنه ما خلق الله- خلقا أعظم من العرش لأن السموات «والأرض «٦» » قد «غابتا «٧» » تحت العرش [٢٣٦ أ]
стр. 1997
كالحلقة في الأرض الفلاة، ثم قال: الْمَجِيدُ- ١٥- الجواد الكريم فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ- ١٦- يقول ليس يريد شيئا إلا فعله، يقول إن العبد يفرق من سيده أن يفعل ما يشاء، والسيد يفرق من أميره الذي هو عليه، والأمير يفرق من الملك، والملك يفرق من الله- ، والله- لا يفرق من أحد أن يفعل «١» . فذلك قوله- تعالى-: «فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» هَلْ يعنى قد أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ- ١٧- في القرآن فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ- ١٨- قد عرفت ما فعل الله- بقوم فرعون، حيث ساروا في طلب موسى- ﵇ وبني إسرائيل وكانوا ألف ألف وخمسمائة ألف، فساقهم الله- تعالى- بآجالهم إلى البحر، فغرقهم الله أجمعين فمن الذي جاء يخاصمني فيهم، قال: «وَثَمُودَ» وهم قوم صالح حيث عقروا الناقة وكذبوا صالحا، «ثم «٢» » تمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فجاءهم العذاب يوم السبت غدوة حين نهضت الشمس، « ... فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ «٣» (بِذَنْبِهِمْ «٤» ) » وجبريل- ﵇ الذي كان دمدم، لأنه صرخ صرخة فوقع بيوتهم عليهم فسواها، يقول فسوى البيوت على قبورهم، لأنهم لما استيقنوا بالهلكة عمدوا فحفروا قبورا في منازلهم، وتحنطوا بالمر والصبر، قال: «فَسَوَّاها «٥» » يقول استوت على قبورهم، قال فهل جاء أحد يخاصمني فيهم، فذلك قوله: «وَلا يَخافُ عُقْباها «٦» » قال فاحذروا يا أهل مكة فأنا المجيد الحق الذي ليس فوقي أحد، ثم
стр. 1998
استأنف فقال: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ- ١٩- يقول لكن يا محمد الذين كفروا لا يؤمنون، فلما قال رسول الله- ﷺ ذلك، وقرأ عليهم سأله رجل من جلسائه عن علم الله- في عباده: «شيء «١» » بدا له من بعد ما خلقهم، أو كان قبل أن يخلقوا؟ فأنزل الله- «وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ» «٢» - ٢٠- بَلْ هُوَ يعنى لكن هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ- ٢١- يقول هو قرآن مجيد، «يقول هو كتاب مجيد «٣» » فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ- ٢٢- قبل أن يخلقوا، وأن الله- قد فرغ من علم عباده، وعلم ما يعملون قبل أن يخلقهم ولم يجبرهم على المعصية.
[سورة الطارق «١» ] سورة الطارق مكية عددها «سبع عشرة «٢» » آية كوفى «٣» .
стр. 2002
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ- ١- وَما أَدْراكَ يا محمد مَا الطَّارِقُ- ٢- فسرها له؟ فقال: النَّجْمُ الثَّاقِبُ- ٣- يعنى المضيء إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ- ٤- وذلك أن الله- خلق [٢٣٦ ب] النجوم ثلاثة «نجوم «١» » يهتدى بها، ونجوم رجوم للشياطين، ونجوم مصابيح الأرض، فأقسم الله- بها، فقال: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ» ما من نفس «لَمَّا «٢» عَلَيْها حافِظٌ» من الملائكة يكتبون حسناته وسيئاته، قال: فإن «لا «٣» » يصدق هذا الإنسان بالبعث فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ- ٥- قال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ- ٦- ثم فسر الماء الدافق، فقال: إنه خلق من ماء الرجل، والمرأة «والتصق «٤» » بعضه على بعض فخلق منه يَخْرُجُ ذلك الماء مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ- ٧- يقول من بين صلب الرجل وترائب المرأة، والترائب موضع القلادة فأما ماء الرجل فإنه أبيض غليظ منه العصب والعظم، «وأما «٥» » ماء المرأة فإنه أصفر رقيق منه اللحم والدم والشعر إِنَّهُ الرب- ﵎ الذي خلقه من ماء دافق «عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ» «٦» - ٨- قادر على أن يبعثه يوم القيامة يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
стр. 2003
- ٩- يوم تختبر السرائر كل سريرة من الذنوب عملها ابن آدم، فلم يطلع عليها أحد إلا الله من الصوم، والصلاة، والاغتسال من الجنابة، والري سرا فيخبره فيفتضح يومئذ صاحبه فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ: يمتنع من الله بقوته وَلا له ناصِرٍ- ١٠- ينصره من الله- تعالى-، ثم أقسم الله- تعالى- فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ- ١١- ذات المطر وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ- ١٢- بالنبات إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ- ١٣- يقول إن الذي وصفته فى هذه السورة لقول فصل، يقول لهو قول الحق، ثم قال: وَما هُوَ بِالْهَزْلِ- ١٤- يقول وما هو باللعب، ثم انقطع الكلام، وأما قوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً- ١٥- وَأَكِيدُ كَيْداً- ١٦- فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً- ١٧-
فإنهم لما رأوا النبي- ﷺ قد أظهر الإيمان، وآمن عمر بن الخطاب- ﵁، فلما آمن عمر، قال بعضهم لبعض: ما نرى أمر محمد إلا يزداد يوما بيوم، ونحن في نقصان لا شك، لأنه والله يفوق جمعنا وجماعتنا، ويكثر ونقل ولا شك، إلا أنه سيغلبنا فيخرجنا من أرضنا، ولكن قوموا بنا حتى نستشير فى أمره فدخلوا دار الندوة منهم عتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، وأبو البختري بن هشام، وعمرو بن عمير بن مسعود الثقفي، فلما دخلوا دخل معهم إبليس في صورة رجل شيخ فنظروا إليه فقالوا: يا شيخ من أدخلك علينا؟
ومن أنت؟ قد علمت أنا قد دخلنا هاهنا في أمر ما نريد أن يعلم به أحد. قال إبليس: إني والله، لست من أرض تهامة، وإني رجل من الأزد، ويقال من نجد قدمت من اليمن، وأنا أريد العراق، في طلب حاجة، ولكني رأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة رائحتكم فأحببت أن أستريح وأسمع من أحاديثكم [٢٣٧ أ] .
فقال بعضهم لبعض: لا بأس علينا منه إنه والله، ليس من أرض تهامة. قالوا:
стр. 2004
يا شيخ، أغلق الباب واجلس.
فقال أبو جهل بن هشام، ما تقولون في هذا الرجل الذي قد خالف ديننا وسب آلهتنا، ويدعو إلى غير ديننا وليس يزداد أمره إلا كثرة ونحن في قلة وينبغي لنا أن نحتال؟
ثم قال: يا عمرو بن عمير ما تقول فيه؟
قال عمرو: رأيي فيه أن نردفه على بعير فنشد وثاقه فنخرجه من الحرم فيكون شره على غيرنا.
قال إبليس: عند ذلك بئس الرأي رأيت يا شيخ، تعمد إلى رجل قد ارتكب منكم ما قد ارتكب وهو أمر عظيم فتطردونه فلا شك أنه يذهب فيجمع جموعا فيخرجكم من أرضكم.
قالوا: ما تقول يا أبا البختري؟ قال: أما والله، إن رأيي فيه ثابت.
قالوا: ما هو؟. قال: ندخله في بيت فنسد بابه عليه، ونترك له ثلمة قدر ما يتناول «منه «١» » طعامه وشرابه ونتربص به إلى أن يموت.
«قال «٢» » إبليس عند ذلك: بئس والله، الرأي رأيت يا شيخ تعمدون إلى رجل هو عدو لكم فتربونه «٣» فلا شك أن يغضب له قومه فيقاتلونكم حتى يخرجوه من أيديكم فما لكم وللشر؟ قالوا: صدق والله فما تقول يا أبا جهل؟ قال:
تعمدون إلى كل بطن من قريش فنختار منهم رجالا فنمكنها من السيوف ويمشون
стр. 2005
كلهم بجماعتهم فيضربونه حتى يقتلوه «فلا يستطيع «١» » بنو هاشم أن «تعادي «٢» » قريشا كلهم، وتؤدون ديته. قال إبليس: صدق والله، الشاب فخرجوا على ذلك القول راضين بقتله. وسمع عمه أبو طالب واسمه عبد العزى بن عبد المطلب فلم يخبر محمدا لعله أن يجزع من القتل فيهرب فيكون مسبة عليهم، فأنزل الله- «أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ «٣» » يقول أم أجمعوا أمرا على قتل محمد- ﷺ فإنا مجمعون أمرا على قتلهم ببدر، وقال: «أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ «٤» » وقال: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» .
قال فسمع أبو طالب ما سمع، قال: يا بن أخى ما هذه الهينمة؟ قال:
أما نعلم يا عم ما أرادت قريش؟ قال: قد سمعت ما سمعته يا بن أخي. قال:
نعم. قال: ومن أخبرك بذلك؟ قال: ربى. قال: أما والله، يا بن أخي إن ربك بك لحفيظ فامض لما أمرت يا بن أخى، فليس عليك غضاضة «٥» .
[سورة الأعلى «١» ] سورة الأعلى مكية عددها «تسع عشرة «٢» » آية كوفى «٣» .
стр. 2009
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى- ١- يقول- سبحانه- نزه اسم ربك الأعلى، يقول نزهه من الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: «الأَعْلَى» ، قال: الَّذِي خَلَقَ الإنسان في بطن أمه مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مضغة، قال: فَسَوَّى- ٢- يقول فسوى خلقه وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى - ٣- يقول الذي قدر الولد في بطن أمه تسعة أشهر، فلما بلغ الوقت هداه للخروج من بطن أمه، وأيضا قوله: «قَدَّرَ فَهَدى» يعني قدر الذكر والأنثى فعلمه، كيف يأتيها؟ وكيف تأتيه؟ وأما قوله: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى - ٤- فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى - ٥- بصنعه يقول الذي أخرج الحشيش والكلأ في الشتاء، فتراه رطبا فيجعله بعد الرطوبة والخضرة إلى اليبوسة «١» ، قوله: سَنُقْرِئُكَ القرآن يا محمد نجمعه في قلبك فَلا تَنْسى - ٦- فلا تنساه أبدا، ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يعني إلا ما شاء الله فينسخها، ويأت بخير منها، ثم قال: «إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى» »
- ٧- «يَعْلَمُ الْجَهْرَ» من القول والفعل «وَما يَخْفى» منهما.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى - ٨- يقول ونبدلك مكان آية بأيسر منها، ثم قال:
فَذَكِّرْ يا محمد يقول اذكر بشهادة أن لا إله إلا الله إِنْ يعني قد نَفَعَتِ الذِّكْرى - ٩- شهادة أن لا أن لا إله إلا الله، الذين من قبلك قال: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
стр. 2010
- ١٠- يقول سيوحد الله من يخشاه، يقول من يخشاه غفر له ولم يؤاخذه يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
- ١١- يقول ويتهاون بها يعني بالتوحيد الأشقى الَّذِي قد سبق علم الله «فيه «١» » بالشقاء الذي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى - ١٢- وهي نار جهنم، قال: ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى - ١٣- يقول لا يموت في النار فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة، ولكنه في بلاء «ما دام في النار «٢» » يأتيه الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ «ويحترق «٣» » كل يوم سبع مرات، ثم يعاد إلى العذاب «ليس له طعام «٤» » إلا من لحمه، فذلك قوله: «وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
«٥» » يأكل النار وتأكله وهو في النار، لباسه النار، وعلى رأسه نار، وفي عنقه نار، وفي كل مفصل منه سبعة ألوان من ألوان العذاب، لا يرحم أبدا، ولا يشبع أبدا، ولا يموت أبدا، ولا يعيش معيشة طيبة أبدا، الله عليه غضبان، والملائكة غضاب، وجهنم غضبانة، قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى- ١٤- وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى- ١٥- يقول قد أفلح من أدى الزكاة، وشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الصلوات الخمس، قوله:
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا- ١٦- يقول بل تختارون الحياة الدنيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى - ١٧- إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى - ١٨- يقول الكتب الأولى «صُحُفِ «٦» » إِبْراهِيمَ: كتب إبراهيم وَكتاب مُوسى - ١٩- وهي التوراة. فأما صحف إبراهيم فقد رفعت.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «١» - ١- يعني قد أتاك حديث أهل «النار «٢» » من قوله: «تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ «٣» » وكل شيء في القرآن «هَلْ أَتاكَ» يقول: قد أتاك، ثم أخبر عن حالهم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ- ٢- يعني ذليلة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ- ٣- يعني عاملة في النار، النار تأكله ويأكل من النار، يعني ناصبة للعذاب صاغرة تَصْلى نَارًا حامِيَةً- ٤- تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ- ٥- يعني من عين قد انتهى حرها، وذلك أن جهنم تسعر عليهم منذ يوم خلقت إلى يوم يدخلونها، وهي عين تخرج من أصل جبل طولها مسيرة «سبعين عاما «٤» » ، «ماؤها «٥» » أسود كدردي الزيت، كدر غليظ كثير الدعاميص، تسقيه «الملائكة «٦» » بإناء من حديد من نار «فيشربه «٧» » فإذا قرب الإناء من فيه أحرق شدقيه، وتناثرت أنيابه وأضراسه، فإذا بلغ صدره «نضج «٨» » قلبه فإذا بلغ بطنه «غلى «٩» »
стр. 2015
كما يغلي الحميم من شدة الحر حتى يذوب كما يذوب الرصاص إذا أصابه النار، «فيدعو «١» » الشقي بالويل، فذلك قوله: «تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» ، ثم أخبر عن طعام الشقي، فقال:
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ- ٦- وهي شجرة تكون بمكة كثيرة الشوك لا تقربها دابة في الأرض من شوكها، ولا يستطيع أحد أن يمسها من كثرة شوكها، وتسميها قريش وهي رطبة في الربيع «الشبرق «٢» » وتصيب الإبل من ورقها في الربيع ما دامت رطبة، فإذا يبست لم تقربها الإبل، وما من دابة في الأرض من الهوام والسباع وما يؤذي بني آدم إلا مثلها في النار سلطها الله- على أهلها، لكنها من نار وما خلق الله شيئا في النار إلا من النار، ثم قال: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ- ٧- «فإنهم لا يطعمون من أجل الجوع، وإنما من أجل العذاب «٣» » . ثم ذكر أولياء من أهل طاعته، فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ- ٨- يعني فرحة شبه الله- وجوههم بوجوه قوم فرحين، إذا أصابوا الشراب طابت أنفسهم، فاجتمع الدم في وجوههم، فاجتمع فرح القلوب وفرح الشراب، فهو ضاحك الوجه «مبتسم «٤» » طيب النفس، ثم قال: لِسَعْيِها راضِيَةٌ- ٩- يعني قد رضي الله- عمله فأثابه الله- ذلك بعمله، قال: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ- ١٠- وإنما سماها عالية لأن جهنم أسفل منها وهي دركات، والجنة درجات، ثم قال: «لا تَسْمَعُ «٥» » فِيها لاغِيَةً- ١١- يقول لا يسمع
стр. 2016
بعضهم من بعض غيبة، ولا كذب، لا شتم، قوله: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ- ١٢- يعني في الجنة لأنها فيها تجري الأنهار فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ- ١٣- منسوجة بقضبان الدر والذهب عليها سبعون فراشا، كل فراش قدر غرفة من غرف الدنيا، فذلك قوله: «سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ» وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ- ١٤- يعني مصفوفة وهي أكواب من فضة، وهي فى الصفاء مثل القوارير مدورة «الرءوس «١» » ليس لها عرى «ولا خراطيم «٢» » ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ- ١٥- يعني الوسائد الكبار العظام مصفوفة على الطنافس، وهي بلغة قريش خاصة «٣» » ثم قال: وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ- ١٦- يعني طنافس مبسوطة بعضها على بعض، يذكرهم الله- صنعه ليعتبر عباده فيحرصوا عليها، ويرغبوا فيها، ويحذروا النار فإن عقوبته على قدر سلطانه وكرامته قدر سلطانه، ثم ذكر عجائبه، فقال: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ لأن العرب لم يكونوا رأوا الفيل، وإنما ذكر لهم ما أبصروا، ولو أنه قال أفلا ينظرون إلى الفيلة كَيْفَ خُلِقَتْ- ١٧- لم يتعجبوا لها لأنهم لم يروها وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ- ١٨- من فوقهم خمسمائة عام «وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ» «٤» - ١٩- على الأرض أوتادا لئلا تزول بأهلها. ثم قال: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ- ٢٠- يعني كيف بسطت من تحت الكعبة مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: فَذَكِّرْ أهل مكة يا محمد إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ- ٢١- كالذين من قبلك لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ- ٢٢- يقول لست عليهم بملك، ثم نسختها آية السيف
стр. 2017
في براءة «١» ، ثم قال: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى يعني أعرض وَكَفَرَ- ٢٣- بالإيمان «فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ في الآخرة «٢» الْعَذابَ الْأَكْبَرَ- ٢٤- وإنما سماه الله الأكبر لأن الله كان أوعدهم القتل والجوع في الدنيا، فقال الأكبر لأنه أكبر من الجوع والقتل، وهو عذاب جهنم، ثم قال: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ- ٢٥- يعنى مصيرهم ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ- ٢٦- يعنى جزاءهم على الله هين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ- ١- يعني غداة جمع يوم النحر «١» وَلَيالٍ عَشْرٍ- ٢- فهي عشر ليال قبل الأضحى، وأما سماها الله- ليال عشر لأنها تسعة أيام وعشر ليال وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ- ٣- أما الشفع: فهو آدم وحواء- ﵉، وأما الوتر فهو الله- وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ- ٤- يعني إذا أقبل، وهي ليلة الأضحى، فأقسم الله بيوم النحر، والعشر، وبآدم وحواء، وأقسم بنفسه، فلما فرغ منها قال: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ- ٥- يعني إن في ذلك القسم كفاية لذي اللب، يعنى ذا عقل، فيعرف عظم هذا القسم، فأقسم الله «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ «٢» » .
وأما قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ- ٦- يعني بقوم هود، وإنما سماهم قوم هود، لأن أباهم كان اسمه ابن «سمل «٣» » بن لملك بن سام بن نوح مثل ما تقول العرب ربيعة ومضر وخزاعة وسليم [٢٣٩ أ] وكذلك عاد وثمود، ثم ذكر قبيلة من قوم عاد، فقال: إِرَمَ وهي قبيلة من قبائلهم اسمها إرم، ثم قال: ذاتِ الْعِمادِ- ٧- يعني ذات الأساطين وهي أساطين «الرهبانيين «٤» » التي تكون في الفيافي والرمال، فشبه الله- طولهم
стр. 2022
إذ كانوا قياما في البرية «بأنه «١» » مثل العماد، وكان طول أحدهم ثمانية عشر ذراعا ويقال اثني «عشر «٢» » ذراعا في السماء مثل أعظم أسطوانة تكون، قال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ- ٨- يقول ما خلق الله- مثل قوم عاد في الآدميين، ولا مثل «إرم «٣» » في قوم عاد، ثم ذكر ثمود فقال: وَثَمُودَ وهو أبوهم، وبذلك سماهم، وهم قوم صالح، فقال: الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ- ٩- يقول الذين نقبوا الصخر «بالوادي «٤» » وذلك أنهم كانوا يعمدون إلى أعظم جبل «فيثقبونه «٥» » فيجعلونه بيتا، ويجعلون بابه منها، وغلقه منها «٦» ، فذلك قوله: «وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ «٧» » ثم ذكر فرعون واسمه مصعب بن جبر، ويقال الوليد بن مصعب فقال: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ- ١٠- وذلك أنه أوثق الماشطة على أربع قوائم مستلقية، ثم سرح عليها الحيات والعقارب، فلم يزلن يلسعنها ويلدغنها «٨» ، ويدخلون من «قبلها «٩» » ويخرجون من فيها حتى ذابت كما يذوب الرصاص لأنها تكلمت بالتوحيد، وذلك أنها كانت تمشط هيجل بنت فرعون، فوقع المشط من يدها فقالت: باسم الله «وخيبة «١٠» » لمن كفر بالله فقالت «ابنة «١١» » فرعون. وأي إله هذا الذي
стр. 2023
تذكرين؟ قالت: إله موسى. فذهبت، فأخبرت أباها، فكان من أمرها ما كان، فذلك قوله: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ» يقول إنه أوثق امرأة على أربع قوائم من أجل أنها عرفتني، ثم جمع «عادا «١» » وثمود وفرعون، فقال الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ- ١١- يعني الذين عملوا فيها بالمعاصي فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ- ١٢- يقول فأكثروا فيها المعاصي، فلما كثرت معصيتهم «فَصَبَّ «٢» » عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ- ١٣- يعني نقمته «وكانت «٣» » نقمته عذابا، ثم رجع إلى قسمه الأول، فقال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ- ١٤- يعني بالصراط، وذلك أن جهنم عليها سبع قناطر، كل قنطرة مسيرة سبعين عاما، على كل قنطرة ملائكة قيام، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، «بأيديهم «٤» » «المحاسر «٥» » «والمحاجن «٦» » والكلاليب يسألون في أول قنطرة عن الإيمان، وفي الثانية، يسألون عن الصلوات الحمس، وفي الثالثة، يسألون عن الزكاة، وفي الرابعة، يسألون عن صوم رمضان، وفي الخامسة، يسألون عن حج البيت، وفي السادسة، يسألون عن العمرة، وفي السابعة، يسألون عن مظالم الناس، فذلك قوله: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» ، وأما قوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ [٢٣٩ ب] إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ- ١٥- نزلت الآية في أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن نفيل، أتاه يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويذكره
стр. 2024
ذلك، فقال له أمية بن خلف: ويحك أليس الله يقول: « (ذَلِكَ «١» ) بِأَنَّ اللَّهَ (مَوْلَى «٢» ) الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ «٣» » قال عبد الله بن نفيل: نعم. قال: فماله أغناني وأفقرك؟ قال: كذلك أراد الله. قال أمية: بل أغناني الله لكرامتي عليه، وأفقرك لهوانك عليه. قال عبد الله بن خطل عند ذلك: لخليق أن يكون الله «فعل «٤» » ذلك، فأنزل الله- تعالى- «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ- ١٦- قال «٥» : يقول كلا ما أغنيت هذا الغني لكرامته، ولا أفقرت هذا الفقير لهوانه علي، ولكن كذلك أردت أن أحسن إلى هذا الغني في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال فى سورة أخرى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً «٦» » يقول ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة، ثم انقطع الكلام، ثم ذكر أمية بن خلف الجمحي، وذكر مساوئه فقال: كَلَّا ما الأمر كما قال أمية بن خلف بَلْ يعني لكن لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ- ١٧- وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ- ١٨- لأنهم لا يرجون بها الآخرة وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا- ١٩- يعني تأكلون الميراث أكلا شديدا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا- ٢٠- ويجمعون المال جمعا كثيرا، وهي بلغة مالك بن كنانة، ثم قال:
كَلَّا ما يؤمنون بالآخرة وهو وعيد، وأما قوله: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا- ٢١- يعني إذا تركت فاستوت الجبال مع الأرض الممدودة، ثم قال:
стр. 2025
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا- ٢٢- وذلك أنه تنشق السموات والأرض، فتنزل ملائكة كل سماء، وتقوم ملائكة كل سماء على حدة، فيجيء الله- ﵎ كما قال: «هَلْ (يَنْظُرُونَ «١» ) إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ... «٢» » ، وكما قال:
«هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ «٣» ... » «قياما صفوفا «٤» » ، قال:
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يجاء بها «من «٥» » مسيرة خمسمائة عام، عليها «سبعون ألف زمام «٦» » على كل زمام سبعون ألف ملك، متعلقون بها يحبسونها عن الخلائق، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، فإذا تكلم أحدهم «تناثرت «٧» » من فيه النار بيد كل ملك منهم مرزبة، عليها ألفان وسبعون رأسا كأمثال الجبال، «وهي «٨» » أخف في «يده «٩» » من الريش، ولها «سبعة «١٠» » رءوس كرءوس الأفاعي، وأعينهم زرق، «تنظر «١١» » إلى الخلائق من شدة الغضب تريد أن تنفلت على الخلائق من غضب الله- ، ويجاء بها حتى تقام على ساق العرش، ثم قال: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ يعني أمية بن خلف الجمحي إذا عاين الغار والملائكة، ثم قال: وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
стр. 2026
- ٢٣- يعني ومن أين [٢٤٠] له التذكرة في الآخرة؟ وقد كفر بها في الدنيا، ثم قال يخبر عن حالهم، وما يقولون في الآخرة إذا عاينوا النار، فقال: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي- ٢٤- في الدنيا لآخرتي يقول الله- تعالى-: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أي لا يعذب كعذاب الله أَحَدٌ- ٢٥- يعني ليس أعظم من الله- تعالى- سلطانه على قدر عظمته، وعذابه مثل سلطانه، ثم قال: وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ- ٢٦- يعني ولا يوثق كوثاق الله- أحد، قوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ- ٢٧- يعني المطمئنة بالإيمان ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً لعملك مَرْضِيَّةً- ٢٨- بما أعطاك الله- من الخير والجزاء فَادْخُلِي فِي عِبادِي- ٢٩- يعني في رحمتي وَادْخُلِي من رحمتي في جَنَّتِي- ٣٠- نظيرها في «طس «١» » النمل قول سليمان بن داود- ﵉ « ... وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ «٢» » نزلت هذه الآية في حبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه نحو المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك «خير «٣» » فحول وجهي نحو «قبلتها «٤» » فحول الله- وجهه نحو هذه القبلة من غير أن يحوله أحد، «فلم يستطع أن يحوله عنها أحد «٥» » .
[سورة البلد «١» ] سورة البلد مكية عددها عشرون آية كوفى «٢» .
стр. 2031
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ- ١- يعني مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ- ٢- يعني لم أحلها لأحد من قبلك «ولا من بعدك «١» » وإنما أحللتها لك ساعة من النهار، وذلك أن الله- لم يفتح مكة على أحد غيره، ولم يحل بها القتل لأحد، غير ما قتل النبي- ﷺ مقيس بن ضبابة الكناني وغيره، حين فتح مكة، قال الله- ﵎: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ- ٣- يعني آدم وذريته- ﵇ إلى أن تقوم الساعة، فأقسم الله- بمكة وبآدم وذريته [٢٤٠ ب] لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ- ٤- منتصبا قائما، وذلك أن الله- ﵎ خلق كل شيء على أربع قوائم- غير ابن آدم يمشي على رجلين-
نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وذلك أنه أصاب ذنبا وهو بالمدينة، فأتى رسول الله- ﷺ فقال: ما كفارته؟ فقال رسول الله- ﷺ : اذهب فاعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينا. قال: ليس غير هذا؟ قال رسول الله- ﷺ هو الذي أخبرتك. فرجع من عند رسول الله- ﷺ وهو مهموم مغموم حتى «أتى «٢» » أصحابه فقال: والله، ما أعلم إلا أني لئن دخلت فى دين
стр. 2032
محمد إن مالي «لفي «١» » نقصان من الكفارات والنفقة في سبيل «الله «٢» » ، ما يظن محمد إلا أنا وجدنا هذا المال في الطريق لقد أنفقت مالا لبدا يعني مالا كثيرا فأنزل الله- «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ»
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ- ٥- يعني بالأحد: الله- ، يعني نفسه، أيحسب هذا الإنسان أن لن يقدر الله- على أن يذهب بماله، «وإن أحرزه «٣» » «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» «٤» - ٦- ثم قال الله- تعالى- وهو يعده الخير: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ- ٧- أو يحسب هذا الإنسان أن الله- تعالى- ليس يرى ما ينفق وليس «يحصيه «٥» » ؟ وهو يخلفه «عليه «٦» » ثم ذكر النعم فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ- ٨- وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ- ٩- وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ- ١٠- يقول بينا له سبيل الخير والشر، ثم حرفه على الكفارة فقال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ- ١١- وهو مثل ضربه الله- له يقول إن الذنوب بين يديك مثل الجبل، فإذا أعتقت رقبة اقتحم ذلك الذنوب حتى تذوب وتذهب، كمثل رجل بين يديه عقبة فيقحتم فيستوي بين يديه «٧» ، وكذلك من أصاب ذنبا واستغفر ربه وكفره بصدقة تتقحم ذنوبه حتى تحطمها «تحطيما «٨» » مثل الجبل إذا خر فيستوى مع الأرض،
стр. 2033
فذلك قوله: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ» ، قال: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ- ١٢- تعظيما لها، قال: فَكُّ رَقَبَةٍ- ١٣- أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ- ١٤- يعنى مجاعة يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ- ١٥- يعني ذا قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ- ١٦- يعني فقيرا قد «التصق «١» » ظهره بالتراب من العري، وشدة الحاجة، فيستحي أن يخرج فيسأل الناس، وذلك كله
لقول رسول الله- ﷺ أعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينا «٢»
، يقول الله- أعجز أن يفعل من هذين الأمرين واحدا، وكان يظن أن الله- تعالى- لم يكن يراه إذا أنفق فيخلف عليه تلك النفقة، فذلك قوله: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ «٣» » يعني الله- ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله- تعالى- وملائكته [٢٤١ أ] وكتبه ورسله وجنته وناره وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني على فرائض الله- تعالى- ما افترض عليهم في القرآن، فإنهم «إن «٤» » لم يؤمنوا بالله، ولم يعملوا الصالحات، ولم يصبروا على الفرائض، لم أقبل منهم كفاراتهم وصدقاتهم «٥» ، ثم ذكر لرحم فقال: وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ- ١٧- يعنى «بالمرحمة «٦» » يعني بالرحم فلا يقطعونها، ثم قال: أُولئِكَ
стр. 2034
يعني الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة هم أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ- ١٨- الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم يوم القيامة، قال:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعنى بالقرآن هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ- ١٩- يعني الذين يعطون كتبهم بشمائلهم «والمشأمة» بلغة «بني غطيف»
» حي من مراد- وكل ذلك يخوف الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ- ٢٠- يعنى مطبقة وهي جهنم.