بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ- ١- يعني مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ- ٢- يعني لم أحلها لأحد من قبلك «ولا من بعدك «١» » وإنما أحللتها لك ساعة من النهار، وذلك أن الله- لم يفتح مكة على أحد غيره، ولم يحل بها القتل لأحد، غير ما قتل النبي- ﷺ مقيس بن ضبابة الكناني وغيره، حين فتح مكة، قال الله- ﵎: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ- ٣- يعني آدم وذريته- ﵇ إلى أن تقوم الساعة، فأقسم الله- بمكة وبآدم وذريته [٢٤٠ ب] لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ- ٤- منتصبا قائما، وذلك أن الله- ﵎ خلق كل شيء على أربع قوائم- غير ابن آدم يمشي على رجلين-
نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وذلك أنه أصاب ذنبا وهو بالمدينة، فأتى رسول الله- ﷺ فقال: ما كفارته؟ فقال رسول الله- ﷺ : اذهب فاعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينا. قال: ليس غير هذا؟ قال رسول الله- ﷺ هو الذي أخبرتك. فرجع من عند رسول الله- ﷺ وهو مهموم مغموم حتى «أتى «٢» » أصحابه فقال: والله، ما أعلم إلا أني لئن دخلت فى دين
стр. 2032
محمد إن مالي «لفي «١» » نقصان من الكفارات والنفقة في سبيل «الله «٢» » ، ما يظن محمد إلا أنا وجدنا هذا المال في الطريق لقد أنفقت مالا لبدا يعني مالا كثيرا فأنزل الله- «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ»
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ- ٥- يعني بالأحد: الله- ، يعني نفسه، أيحسب هذا الإنسان أن لن يقدر الله- على أن يذهب بماله، «وإن أحرزه «٣» » «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» «٤» - ٦- ثم قال الله- تعالى- وهو يعده الخير: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ- ٧- أو يحسب هذا الإنسان أن الله- تعالى- ليس يرى ما ينفق وليس «يحصيه «٥» » ؟ وهو يخلفه «عليه «٦» » ثم ذكر النعم فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ- ٨- وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ- ٩- وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ- ١٠- يقول بينا له سبيل الخير والشر، ثم حرفه على الكفارة فقال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ- ١١- وهو مثل ضربه الله- له يقول إن الذنوب بين يديك مثل الجبل، فإذا أعتقت رقبة اقتحم ذلك الذنوب حتى تذوب وتذهب، كمثل رجل بين يديه عقبة فيقحتم فيستوي بين يديه «٧» ، وكذلك من أصاب ذنبا واستغفر ربه وكفره بصدقة تتقحم ذنوبه حتى تحطمها «تحطيما «٨» » مثل الجبل إذا خر فيستوى مع الأرض،
стр. 2033
فذلك قوله: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ» ، قال: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ- ١٢- تعظيما لها، قال: فَكُّ رَقَبَةٍ- ١٣- أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ- ١٤- يعنى مجاعة يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ- ١٥- يعني ذا قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ- ١٦- يعني فقيرا قد «التصق «١» » ظهره بالتراب من العري، وشدة الحاجة، فيستحي أن يخرج فيسأل الناس، وذلك كله
لقول رسول الله- ﷺ أعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينا «٢»
، يقول الله- أعجز أن يفعل من هذين الأمرين واحدا، وكان يظن أن الله- تعالى- لم يكن يراه إذا أنفق فيخلف عليه تلك النفقة، فذلك قوله: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ «٣» » يعني الله- ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله- تعالى- وملائكته [٢٤١ أ] وكتبه ورسله وجنته وناره وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني على فرائض الله- تعالى- ما افترض عليهم في القرآن، فإنهم «إن «٤» » لم يؤمنوا بالله، ولم يعملوا الصالحات، ولم يصبروا على الفرائض، لم أقبل منهم كفاراتهم وصدقاتهم «٥» ، ثم ذكر لرحم فقال: وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ- ١٧- يعنى «بالمرحمة «٦» » يعني بالرحم فلا يقطعونها، ثم قال: أُولئِكَ
стр. 2034
يعني الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة هم أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ- ١٨- الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم يوم القيامة، قال:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعنى بالقرآن هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ- ١٩- يعني الذين يعطون كتبهم بشمائلهم «والمشأمة» بلغة «بني غطيف»
» حي من مراد- وكل ذلك يخوف الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ- ٢٠- يعنى مطبقة وهي جهنم.
[سورة الشمس «١» ] سورة الشمس مكية عددها «خمس «٢» » عشرة آية كوفى «٣»
стр. 2038
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها- ١- يعني وحرها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها- ٢- يعني إذا تبعها يسير من خلفها، وله خفيف فى السماء وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها- ٣- يعني جلاها الرب- ﵎ من ظلمة الليل وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها- ٤- يعني تغشى ظلمته ضوء النهار «١» وَالسَّماءِ وَما بَناها- ٥- يعني وبالذي بناها، ثم قال: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها- ٦- يعني أقسم بالأرض، وبالذي بسطها يعني الرب- تعالى- نفسه، ثم قال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها- ٧- يعني آدم، «وَما سَوَّاها» يعني وبالذي خلقها، يعني نفسه فسوى اليدين والرجلين والعينين والأذنين فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها- ٨- يعني وعلمها الضلالة والهدى، ثم عظم الرب نفسه فقال:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها- ٩- يعني قد أسعدها الله يعني أصلحها الله- تعالى-، فإنه من أصلحه الله فقد أفلح وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها- ١٠- يعني وقد هلك من أشقاه الله- ، ثم ذكر ثمود فقال:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها- ١١- يعني الطغيان والشقاء حملها على التكذيب لأنه طغى عليهم الشقاء مرتين، مرة بما كذبوا الله- وعموا عن الإيمان به، والأخرى حين عقروا الناقة فذلك قوله: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها»
стр. 2039
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها- ١٢-، وأما قوله: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها- ١٣- يعني بالرسول صالح- ﷺ ، وهو بين لهم أمر الناقة وشربها وما يفعل الله- بهم إن كذبوا وعقروا الناقة، فذلك قوله: «فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» فَكَذَّبُوهُ بما جاء به فَعَقَرُوها يعني قتلوا الناقة فحل [٢٤١ ب] بهم العذاب، قال: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، ثم قال: بِذَنْبِهِمْ يقول إنما كان بذنبهم، بذلك أنهم لما عقروا الناقة «ابتعد «١» » الفصيل حتى صعد على جبل فصاح ثلاث مرات: يا صالح، قتلت أيم «وفزع «٢» » أهل المدينة كلهم إلى صالح، فقالوا: ما حيلتنا؟ قال: حيلتكم أن تأخذوا الفصيل فعسى الله أن يكف عنكم العذاب في شأن الفصيل، فلما صعدوا الجبل ليأخذوه فر من بين أيديهم وتوارى فلم ير، وغاب، قالوا: يا صالح، ما يفعل الله بنا؟ قال:
«كم من «٣» صيحة» صاح الفصيل؟ قالوا: ثلاث مرات، قال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك «الوعد «٤» » الذي صاح الفصيل « ... غَيْرُ مَكْذُوبٍ «٥» » يقول إنه لا يكذب فيه، قالوا: وما علامة ذلك يا صالح؟ قال: إنكم «تصفر «٦» » وجوهكم
стр. 2040
يوم الثاني وتسود وجوهكم يوم الثالث، «قال «١» : ثم» يأتيكم العذاب يوم الرابع، فلما أن كان «اليوم الأول «٢» » «اصفرت «٣» » وجوه القوم «فلم «٤» » يصدقوا وقالوا: إنما هذه الصفرة من الخوف والفرق، فلما كان اليوم الثاني «احمرت «٥» » وجوههم واستيقنوا بالعذاب، ثم إنهم عمدوا فحفروا لأنفسهم قبورا «وتحنطوا «٦» » بالمر والصبر وتكفتوا بالأنطاع، فلما أن كان اليوم الثالث اسودت وجوههم حتى لم يعرف بعضهم بعضا من شدة السواد، والتغير، فلما أن كان اليوم الرابع أصبحوا «فدخلوا «٧» » حفرهم، فلما أشرقت الشمس، وارتفع النهار لم يأتهم العذاب، «فظنوا «٨» » أن الله يرحمهم، وخرجوا من قبورهم، ودعوا بعضهم بعضا، إذ نزل جبريل- ﵇ فسد ضوء الشمس حتى دخلوا في قبورهم، فصاح بهم جبريل ﵇ فلما عاينوا جبريل- ﵇ ونظروا إلى «ضوء الشمس «٩» » شدوا حتى دخلوا في قبورهم فناموا فصاح بهم جبريل صيحة «أن «١٠» » قوموا عليكم لعنة الله، فسالت أرواحهم من أجسادهم وزلزلت بيوتهم
стр. 2041
حتى وقعت على قبورهم إلى يوم القيامة، فأصبحوا كأن لم يكن بمدينتهم شيء، فذلك قوله: «كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ... «١» » ، وذلك قوله: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ» فَسَوَّاها- ١٤- يعني فسوى بيوتهم على قبورهم، قوله:
وَلا يَخافُ عُقْباها- ١٥-.
قال فى التقديم: «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» ، «وَلا يَخافُ عُقْباها» عاقر الناقة من الله- .
وإنما كان أصحاب الشراب تسعة نفر منهم قدار بن قديرة «٢» وهو عاقر الناقة وسالف، وجدع، وقيل، وحريل، وهذيل وجمال بن مالك، «وحبابة «٣» » ابن «أذاذ «٤» » ، «وجميل بن جواد «٥» » .
فذلك قوله- تعالى-: «وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ «٦» » .
قال أبو صالح [٢٤٢ أ] بعض هؤلاء «المسمين «٧» » يوافق تسمية عاقري الناقة فى سورة النمل «٨» وهذا قول قوم وأولئك قول قوم آخرين والله أعلم.
[سورة الليل «١» ] سورة الليل مكية عددها «إحدى «٢» » وعشرون آية «٣» .
стр. 2045
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى - ١- وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى- ٢- أقسم الله- بالليل إذا غشى ظلمته ضوء النهار، والنهار إذا تجلى عن ظلمة الليل، فقال: «إِنَّ سَعْيَكُمْ» إن أعمالكم «لَشَتَّى «١» » يا أهل مكة، قوله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى - ٣- يعنى آدم وحواء وما هاهنا صلة، فأقسم الله- بنفسه وبهؤلاء الآيات فقال: «والذي خلق الذكر والأنثى» نظيرها فى «والشمس وضحاها «٢» » إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى- ٤- يا أهل مكة، يقول إن أعمالكم مختلفة في الخير والشر «٣» ، ثم قال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى المال في حق الله- وَاتَّقى - ٥- نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق- رحمة الله عليه- وذلك أنه مر على أبي سفيان، وهو صخر ابن حرب، وإذا هو يعذب بلالا على إسلامه، وقد وضع حجرا على صدره فهو يعذبه عذابا شديدا، فقال له أبو بكر الصديق- رحمة الله عليه-: أتعذب عبدا على معرفة ربه؟ قال أبو سفيان: أما والله، إنه لم يفسد هذا العبد الأسود غيركم، أنت وصاحبك، يعني رسول الله- ﷺ . قال له أبو بكر- ﵁: هل لك أن أشتريه منك؟ قال: نعم. قال أبو بكر:
والله ما أجد لهذا العبد ثمنا. قال له صخر بن حرب: والله إن جبلا من شعر أحب
стр. 2046
إلي منه، فقال له الصديق أبو بكر: والله إنه خير من ملء الأرض ذهبا. قال له أبو سفيان: اشتره مني! قال له أبو بكر: قد اشتريت هذا العبد الذي على ديني، بعبد مثله على دينك، فرضي أبو سفيان، فاشترى أبو بكر بلالا- ﵁ فأعتقه. قال أبو سفيان لأبي بكر- ﵁: أفسدت مالك ومال أبي قحافة. قال: أرجو بذلك المغفرة من ربي. قال: متى هذا؟ قال أبو بكر- ﵁: يوم تدخل سقر تعذب. قال: أليس تعدني هذا بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فضحك الكافر واستلقى. وقال: يا عتيق أتعدنى البعث بعد الموت؟ وتأمرني أن «أرفض «١» » مالي إلى ذلك اليوم؟ لقد خسرت واللات والعزى إن مالك قد ضاع، وإنك لا تصيب مثله أبدا. قال له أبو بكر- رضى الله عنه-[٢٤٢ ب] : والله، لأذكرنك هذا اليوم يا أبا سفيان.
فأنزل الله- «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى» وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى - ٦- يقول بعدة الله- أن يخلفه في الآخرة خيرا، إذا أعطى في حق الله- فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى - ٧- يعني نيسره للعودة إلى أن يعطي فسنيسره للخير وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى - ٨- عن الله- تعالى- في نفسه وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى - ٩- يعني بعدة الله بأن يخلفه خيرا منه فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى - ١٠- يقول نعسر عليه أن يعطى خيرا وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الذي بخل به في الدنيا إِذا تَرَدَّى- ١١- يعنى إذا مات، وتريد في النار، يعني أبا سفيان، يقول الله- تعالى-: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى - ١٢- يعني بيان الهدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى - ١٣- يعنى الدنيا والآخرة
стр. 2047
فَأَنْذَرْتُكُمْ يا أهل مكة نَارًا تَلَظَّى- ١٤- يعني تتوقد وتشتعل لا يَصْلاها يعني النار إِلَّا الْأَشْقَى- ١٥- «يعني هؤلاء النفر من أهل مكة «١» » «الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى» «٢» - ١٦- الذين كذبوا بالقرآن «وتولى» يعني وأعرض عن الإيمان. وَسَيُجَنَّبُهَا يعني النار، يقول يجنب الله النار الْأَتْقَى- ١٧- يعني أبا بكر الصديق الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى- ١٨- يعني «يتصلح «٣» » وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى - ١٩- وأيضا، «وذلك «٤» » أن أبا بكر- ﵁ وأرضاه مر على بلال المؤذن، وسيده أمية بن خلف الجمحي يعذبه على الإسلام، ويقول لا أدعك حتى تترك دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد. فقال أبو بكر- رحمة الله عليه-: أتعذب عبد الله، على الإيمان بالله- ؟ فقال سيده أمية: أما إنه لم يفسده علي إلا أنت وصاحبك. يعني النبي- ﷺ ، فاشتره مني.
قال: نعم. قال سيده أمية: بماذا؟ قال أبو بكر: بعبد مثله على دينك. فرضي فعمد أبو بكر- ﵁ إلى عبد فاشتراه، وقبض أبو بكر بلالا- رحمة الله عليهما- وأعتقه، فقال أمية لأبي بكر- ﵁:
لو أبيت إلا أن تشتريه بأوقية من ذهب «لأعطيتكها «٥» » قال أبو بكر- ﵁: وأنت لو أبيت إلا أربعين أوقية من ذهب لأعطيتكها،
стр. 2048
فكره أبو قحافة عتقه، فقال لأبي بكر: أما علمت أن مولى القوم من أنفسهم، فإذا أعتقت فأعشق من له منظر «وقوة «١» » وكان «بلال «٢» » أسود الوجه، فأنزل الله- في أبي بكر- ﵁ «وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى» يقول يجزيه لذلك، ولكن إنما يعطي ماله «إِلَّا «٣» » ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى - ٢٠- الرفيع فوق خلقه وَلَسَوْفَ يَرْضى - ٢١- هذا العبد يعني أبا بكر الصديق- ﵁، وأن أبا بكر- ﵁ اشترى تسعة نفر يعذبون على الإسلام، منهم بلال المؤذن، وعامر بن فهيرة وأخته، «وزنيرة «٤» » وابنتها، «وحارثة «٥» » بن عمر، وأم كياس والنهدية «٦» وابنتها، كانت لامرأة من بني عبد الدار تضربها على الإسلام، فأعتقهم أبو بكر الصديق- ﵇.
[سورة الضحى «١» ] سورة الضحى مكية عددها إحدى عشرة آية كوفى «٢» .
стр. 2052
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: وَالضُّحى - ١- وَاللَّيْلِ إِذا سَجى - ٢- أقسم الله- فقال: «والضحى» يعني حر الشمس وهي أول ساعة من النهار حين تطلع الشمس، وبالليل إذا سجى، يعني إذا غطى بهيمه ضوء النهار، فأقسم الله- ببدو الليل والنهار فقال: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ يا محمد وَما قَلى - ٣- يعني وما مقتك، وذلك
أن جبريل- ﵇ لم ينزل على محمد- ﷺ أربعين يوما، ويقال ثلاثة أيام، فقال مشركو العرب من أهل مكة: لو كان من الله «لتتابع عليه الوحي، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء «١» » ، فقد ودعه الله وتركه صاحبه، فما يأتيه.
فقال المسلمون: يا رسول الله، فما نزل عليك الوحي؟ قال: كيف ينزل على الوحي، وأنتم لا تنقون براجمكم «٢» ، ولا تقلمون أظفاركم، قال: أقسم الله بهما، يعني بالليل والنهار، فقال: «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ» يا محمد فتركك «وَما قَلى» يقول وما مقتك، لقولهم قد ودعه ربه وقلاه، فلما نزل عليه جبريل- ﵇ قال له النبي- ﷺ : يا جبريل، ما جئت حتى اشتقت إليك. فقال جبريل- ﵇: أنا كنت إليك أشد شوقا لكرامتك على الله- ولكني عبد مأمور،
«وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا»
стр. 2053
من الدنيا «وَما خَلْفَنا» من الآخرة «وَما بَيْنَ ذلِكَ» يعنى بين الدنيا والآخرة بين النفختين، وهي «أربعون «١» » سنة، ثم قال: «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا «٢» » يقول لم ينسك ربك يا محمد. وَلَلْآخِرَةُ يعنى الجنة خَيْرٌ لَكَ مِنَ «الْأُولى» «٣» - ٤- يعني من الدنيا، يعني أنه قد دنت القيامة والآخرة خير لك من الدنيا «٤» وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ في الآخرة «وهو الخير «٥» » «فَتَرْضى» «٦» - ٥- يعني حتى ترضى، ثم ترضى، بما يعطيك، ثم أخبره الله- عن حاله التي كان عليها، «وذكره «٧» » ، النعم فقال له جبريل- ﵇:
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى - ٦- يقول
فضمك إلى عمك أبي طالب، «فكفاك المؤنة «٨» » فقال النبي- ﷺ من علي ربي وهو أهل المن،
فقال جبريل- ﵇: وَوَجَدَكَ ضَالًّا عن الدلالة فَهَدى - ٧- فهداك لدينه،
فقال النبي- ﷺ من علي ربي وهو أهل المن،
فقال جبريل- ﵇: وَوَجَدَكَ عائِلًا يعني فقيرا فَأَغْنى - ٨-
فقال النبي- ﷺ من علي ربي وهو أهل [٢٤٣ ب] المن،
ثم وصاه الله- فقال:
стр. 2054
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ- ٩- يقول لا تنهره، ولا تعبس في وجهه، فقد كنت يتيما وَأَمَّا السَّائِلَ يعني الفقير المسكين فَلا تَنْهَرْ- ١٠- لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرا وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ- ١١- يعني اشكر الله «على «١» » ما ذكر في هذه السورة، وما صنع الله- بك من الخير، إذ قال:
ألم تكن كذا ففعلت بك كذا أنزلت هاتين السورتين جميعا بمكة: «والضحى «٢» » ، «والليل «٣» » ، و «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «٤» » فجعل النبي- ﷺ يحدث بهما سرا إلى من يطمئن إليه، ثم أتاه جبريل- ﵇»
- بأعلى مكة فدفع الأرض بيديه فانفجرت «عين ماء «٦» » فتوضأ جبريل- ﵇ ليرى النبي- ﷺ وضوء الصلاة، ثم توضأ النبي- ﷺ فصلى به جبريل- ﵇، فلما انصرف أخبر خديجة ثم صلت مع النبي- ﷺ «٧» .
стр. 2055
سورة الشّرح
стр. 2056
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
تفسير مقاتل بن سليمان ج ٤- م ٤٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ- ١- يقول ألم نوسع لك صدرك بعد ما كان ضيقا لا يلج فيه الإيمان حتى هداه الله- وذلك «قوله «١» » :
«وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «٢» » ، وقوله: «مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ «٣» » ، وذلك أن أربعمائة رَجُل «من أصحاب النَّبِيّ- ﷺ من أصحاب الصفة «٤» » كانوا قوما مسلمين «فإذا تصدقوا «٥» عليهم شيئا أكلوه» وتصدقوا ببعضه على المساكين وكانوا يأوون في مسجد رسول الله- ﷺ ، ولم يكن لهم بالمدينة قبيلة، ولا عشيرة، ثم إنهم خرجوا «محتسبين «٦» » يجاهدون المشركين وهم بنو سليم كان بينهم وبين المسلمين حرب فخرجوا يجاهدونهم، فقتل منهم سبعون رجلا، فشق ذلك على النبي- ﷺ وعلى المسلمين، ثُمّ إن رَسُول اللَّهِ- ﷺ كان يدعو «عليهم «٧» » في دبر كل صلاة الغداة «٨» «يقنت فيها «٩» » ويدعو عليهم «أن يهلكهم «١٠» » الله.
стр. 2059
فقال اللَّه- تَعَالَى-: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «١» » ثم عظم الرب- تعالى- نفسه فقال: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» » في تأخير العذاب عنهم، لعلم قد سبق فيهم أن يسلموا، «وأنزل «٣» » الله- «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» يعنى ألم نوسع لك صدرك، يعني بالإيمان يقول بالتوحيد حتى تقولها، قول: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ- ٢- يقول وحططنا عنك ذنبك [٢٤٤ أ] الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ- ٣- يقول للنبي- ﷺ كان أثقل ظهرك فوضعناه عنك، لقوله:
«إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً «٤» » يا محمد وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ- ٤- في الناس علما، كلما ذكر الله- تعالى- ذكر معه رَسُول اللَّهِ- ﷺ حَتَّى في خطبة النساء فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً- ٥- إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً- ٦- يقول إن مع الشدة الرخاء،
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ عِنْد ذلك لن يغلب- إن شاء الله- عسر واحد يسرين أبدا،
ثم قال: فَإِذا فَرَغْتَ يا محمد من الصلاة المكتوبة بعد التشهد والقراءة والركوع والسجود، وأبت جالس قبل أن تسلم فَانْصَبْ- ٧- وَإِلى رَبِّكَ بالدعاء فَارْغَبْ- ٨- إليه في المسألة فنهاه عن القنوت فى صلاة الغداة «٥» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ- ١- أقسم الله- بالتين الذي يؤكل، والزيتون الذي يخرج منه الزيت وَطُورِ سِينِينَ- ٢- يعني الجبل الحسن وهو بالنبطية، وهو الجبل الذي كلم الله- تعالى- عليه موسى- ﵇ يوم أخذ التوراة، وكل جبل لا يحمل الثمر لا يقال له سيناء وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ- ٣- يعني مكة يأمن فيه كل خائف، وكل أحد فى الجاهلية والإسلام ولا تقام فيه الحدود فأقسم الله- بهؤلاء الآيات الأربع، فقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ- ٤- يعني يمشي على رجلين وغيره يمشي على أربع، وأحسن التقويم الشباب وحسن الصورة، ثُمَّ رَدَدْناهُ بعد الشباب والصورة الحسنة أَسْفَلَ سافِلِينَ- ٥- يعني من الصورة لأنه يسقط حاجباه، ويذهب شبابه، وعقله، وقوته، وصوته، وصورته، فلا يكون «شيئا «١» » أقبح منه، وما خلق الله شيئا أحسن من الشباب، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ- ٦-[٢٤٤ ب] يعني غير منقوص، لا يمن به عليهم، يقول ليس الأجر في «الهرم «٢» » إلا للمؤمنين، وذلك أن المؤمن إذا كبر ومرض كتب له حسناته في كبره وما كان يعمل فى شبابه وصحته لا ينقصه، ولا يمن به عليه، وأما الكافر
стр. 2065
فإنه إذا شاخ وكبر ختم له بالشرك، ووجبت له النار فيموت والله- ﵎ عليه غضبان والملائكة والسموات والأرض «١» .
قوله: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ يقول ما يكذبك، أيها الإنسان، يعني عدي ابن ربيعة بالدين، يعني بالبعث بعد الصورة الحسنة والشباب، وبعد الهرم، وفيه نزلت هذه الآية، يقول: يكذبك بالقيامة، فيقول «الله «٢» » : الذي فعل ذلك به قادر على أن يبعثه فيحاسبه، ثم قال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ- ٨- على أن يحكم بينك وبين أهل مكة، قال رسول الله- ﷺ :
بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين يا أحكم الحاكمين. يعني يا أفصل الفاصلين، يقول يفصل بينك يا محمد وبين أهل التكذيب، وكل شيء في القرآن «أَلَيْسَ اللَّهُ» يقول «أَنَا اللَّهُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ، حَدَّثَنَا مُقَاتِلٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَنْ شَابَ رَأْسُهُ فِي الإِسْلامِ، وَلِحْيَتُهُ كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، «وَصَارَتْ «٣» » كُلُّ شَعْرَةٍ «فِيهِ «٤» » نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ، عَنْ خَالِدٍ الزَّيَّاتِ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ قَالَ: الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ، مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، وَمَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ الْمَلَكَانِ
[سورة العلق «١» ] سورة العلق مكية عددها «تسع عشرة «٢» » آية كوفى «٣» .
стр. 2070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ يعنى الواحد الَّذِي خَلَقَ- ١- يعني الإنسان، وكان أول شيء نزل من القرآن خمس آيات «أول «١» » هذه السورة خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ- ٢- وهي النطفة التي تكون عشرين ليلة، ثم تصير ماء ودما، فذلك العلق، قوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ- ٣- الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ- ٤- وذلك
أن رسول الله- ﷺ دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يقلد إلهه الذي يعبده طوقا من ذهب، وقد طيبه بالمسك، وهو يقول: يا هبل لكل شيء سكن، ولكل خير جزاء، أما وعزتك لأسرنك القابل. وذلك أنه كان ولد له في تلك السنة ألف من الإبل، وجاءه عير من الشام فربح «عشرة آلاف مثقال «٢» » «من الذهب «٣» » فجعل ذلك «الشكر «٤» » لهبل وهو صنم كان في جوف الكعبة طوله ثمانية عشر ذراعا، فقال رسول الله- ﷺ : ويحك، أعطاك إلهك وشكرت غيره، أما والله إن لله فيك نقمة، فانظر متى تكون؟ ويحك، «يا عم «٥» » أدعوك إلى الله وحده، فإنه ربك ورب آبائك الأولين، وهو خلقك ورزقك فإن اتبعتنى