[سورة العلق «١» ] سورة العلق مكية عددها «تسع عشرة «٢» » آية كوفى «٣» .
стр. 2070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ يعنى الواحد الَّذِي خَلَقَ- ١- يعني الإنسان، وكان أول شيء نزل من القرآن خمس آيات «أول «١» » هذه السورة خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ- ٢- وهي النطفة التي تكون عشرين ليلة، ثم تصير ماء ودما، فذلك العلق، قوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ- ٣- الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ- ٤- وذلك
أن رسول الله- ﷺ دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يقلد إلهه الذي يعبده طوقا من ذهب، وقد طيبه بالمسك، وهو يقول: يا هبل لكل شيء سكن، ولكل خير جزاء، أما وعزتك لأسرنك القابل. وذلك أنه كان ولد له في تلك السنة ألف من الإبل، وجاءه عير من الشام فربح «عشرة آلاف مثقال «٢» » «من الذهب «٣» » فجعل ذلك «الشكر «٤» » لهبل وهو صنم كان في جوف الكعبة طوله ثمانية عشر ذراعا، فقال رسول الله- ﷺ : ويحك، أعطاك إلهك وشكرت غيره، أما والله إن لله فيك نقمة، فانظر متى تكون؟ ويحك، «يا عم «٥» » أدعوك إلى الله وحده، فإنه ربك ورب آبائك الأولين، وهو خلقك ورزقك فإن اتبعتنى
стр. 2071
أصبت الدنيا والآخرة. قال له: واللات والعزى «ورب هذه البنية «١» » لئن لم تنته عن مقالتك هذه، فإن وجدتك ها هنا، وأنت تعبد غير آلهتنا لأسفعنك على ناصيتك يقول لأخرجنك «٢» على وجهك، أليس هؤلاء بناته؟ قال: وأنى يكون له ولد؟ فأنزل الله- عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
- ٥- والنبي- ﷺ يومئذ بالأراك ضحى «ثم «٣» » بين فقال: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» يعني من دم حتى تحولت النطفة دما، «اقرأ» يا محمد، ثم استأنف فقال: «وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ» الكتابة «بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ» من القرآن «ما لَمْ يَعْلَمْ» ، ثم قال: كَلَّا لا يعلم إن علمته، ثم استأنف فقال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى - ٦- في نعم الله- يعني أبا جهل بن هشام، وكان إذا أصاب مالا أشر يعني بطر في ثيابه، وفي مراكبه، وفي طعامه وشرابه، فذلك طغيانه، إذا رأى نفسه استغنى، وكان موسرا طغى، فخوفه الله الرجعة إليه فقال: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى - ٧- إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
- ٨- خوفه في القيامة في التقديم «بعد أن قال «٤» » : «وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» ، ثم هدده فيما بعد بقوله، «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ «٥» » ثم ذكر الناصية فقال. «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ «٦» «٧» .
стр. 2072
ثم قال: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى - ٩- عَبْداً إِذا صَلَّى- ١٠- وذلك أن النبي- ﷺ فرضت عليه الصلاة بمكة، فقال أبو جهل:
لئن رأيت محمدا يصلي لأضربن عنقه فقال الله- : «أرأيت» [٢٤٥ ب] «الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلَّى» - يعني النبي- ﷺ ، يقول الله- تعالى-: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ يعني محمدا عَلَى الْهُدى - ١١- أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى - ١٢- يعنى بالإخلاص أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أبو جهل بالقرآن وَتَوَلَّى- ١٣- يعني وأعرض أَلَمْ يَعْلَمْ أبو جهل بِأَنَّ اللَّهَ يَرى - ١٤- النبي- ﷺ وحده، ويرى جمع أبي جهل، ثم قال: كَلَّا لا يعلم أن الله- يرى ذلك كله، ثم خوفه فقال لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ يعني أبا جهل عن محمد، بالتكذيب والتولي لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ- ١٥- يقول لنأخذن بالناصية أخذا شديدا، ثم أخبر عنه أنه فاجر فقال: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ- ١٦- يقول إنما يجره الملك على وجهه في النار من خطيئته، ثم قال: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ- ١٧- يعني بني مخزوم، يعني ناصره «سَنَدْعُ «١» » الزَّبانِيَةَ- ١٨- فهم أشد غضبا عليه من بني مخزوم على محمد- ﷺ ، لأنه
قال لرسول الله- ﷺ لئن لم تنته ورأيتك هاهنا لأجرنك على وجهك، فأراد بذلك «أن «٢» » يذل رسول الله- ﷺ ، فأنزل فيه «يذله «٣» » فقال: لئن لم ينته عنك، وعن مقالته الشرك «لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ» ، قال رسول الله- ﷺ : رأيت أبا جهل فى
стр. 2073
«طمطام «١» » من نار يجر على وجهه في نار جهنم على جبال من جمر فيطرح في أوديتها، فيقول: بأبي محمد وأمي لقد كان ناصحا لي، وأراد بي خيرا، ولكني كنت مسيئا إلى نفسي، وأردت به شرا، رب ردني إلى قومي، فأؤمن به، وآمر بني مخزوم أن يؤمنوا به «٢» .
قال: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ- ١٩- لأنهم كانوا يبدؤون بالسجود، ثم بعد السجود بالركوع، ثم بعد الركوع بالقيام، فكانوا يقومون، ويطلبون المسألة من آلهتهم فأمر الله- تعالى- أن يسجدوا ويقتربوا، فكان رسول الله- ﷺ يسجد، ثم يركع، ثم يقوم، فيدعو الله- تعالى- ويحمده فخالف الله- تعالى- على المشركين بعد ذلك، فأمر النَّبِيّ- ﷺ أن يبدأ بالقيام، ثم بالركوع، ثم بالسجود.
قال: «فَلْيَدْعُ نادِيَهُ» يعني ناصره «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ» يعني خزنة جهنم أرجلهم في الأرضين السفلى ورءوسهم فى السماء «كَلَّا لا تُطِعْهُ» يقول للنبي- ﷺ لا تطع أبا جهل في أن تترك الصلاة، «وَاسْجُدْ» يقول:
وصل لله- «وَاقْتَرِبْ» إليه بالطاعة، فلما سمع أبو جهل ذكر الزبانية قال قد جاء وعد الله وانصرف عن النبي- ﷺ ، وقد كان هم به، فلما رجع قالوا له: يا أبا الحكم خفته؟ قال: لا، ولكني خفت الزبانية.
[سورة القدر «١» ] سورة القدر مدنية عددها خمس آيات كوفى «٢»
стр. 2077
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يعني القرآن أنزله الله- من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى السفرة وهم الكتبة من الملائكة، وكان ينزل تلك الليلة من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل- ﵇ على النبي- ﷺ في السنة كلها إلى مثلها من قابل حتى نزل القرآن كله فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- ١- من شهر رمضان من السماء، ثم قال: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ- ٢- تعظيما لها، ثم أخبر عنها، فقال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ- ٣- يقول العمل فيها خير من العمل في ألف شهر فيما سواها ليس فيها ليلة القدر «١» تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها في تلك الليلة عند غروب الشمس بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني بأمر ربهم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ- ٤- ينزلون فيها بالرحمة، وبكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة، ينزلون فيها ما يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، ثم أخبر عن تلك الليلة فقال: «سَلامٌ هِيَ» «٢» هي سلام وبركة كلها وخير حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ- ٥-.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ أنس بن مالك، عن مقاتل
[سورة البينة»
] سورة «لم يكن «٢» ... » مدنية عددها «ثماني «٣» » آيات كوفى «٤» .
стр. 2082
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ يعني مشركي العرب مُنْفَكِّينَ يعني منتهين عن الكفر والشرك، وذلك أن أهل الكتاب «قالوا «١» » : «متي يبعث الذي نجده في كتابنا «٢» » ، «وقالت «٣» » العرب: «لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ «٤» » فنزلت: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» يعني اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ يعني مشركي العرب مُنْفَكِّينَ يعني منتهين عن الكفر والشرك، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ- ١- محمد- ﷺ فبين لهم ضلالتهم وشركهم، ثم أخبر الله- عن النبي- ﷺ فقال: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً [٢٤٦ ب] مُطَهَّرَةً- ٢- يعني يقرأ صحفا مطهرة، يعني كتابا لأنها جماعة فيها «خصال «٥» » كثيرة، من كل نحو، مطهرة
стр. 2083
من الكفر والشرك يقول يقرأ كتابا ليس فيه كفر ولا شرك، وكل شيء فيه كتاب «فإنه يسمى «١» » صحفا «٢» .
ثم قال: فِيها «٣» يعني في صحف محمد- ﷺ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ- ٣- يعني كتابا مستقيما على الحق ليس فيه عوج ولا اختلاف، وإنما سميت «كتب «٤» » لأن فيها أمورا شتى كثيرة مما ذكر الله- في القرآن، ثم قال: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود والنصارى فِي أمر محمد- ﷺ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ- ٤- يعني البيان يقول الله- تعالى- لم يزل الذين كفروا مجتمعين على تصديق محمد- ﷺ حتى بعث لأن نعته معهم فى كتبهم فلما بعث الله- من غير ولد إسحاق اختلفوا فيه فآمن بعضهم: عبد الله بن سلام وأصحابه من أهل التوراة، ومن أهل الإنجيل أربعون رجلا منهم بحيري، وكذب به سائر أهل الكتاب، يقول الله- : وَما أُمِرُوا يقول ما أمرهم محمد- ﷺ إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني به التوحيد حُنَفاءَ يعني مسلمين غير مشركين وَأمرهم أن يُقِيمُوا الصَّلاةَ الخمس المكتوبة وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ المفروضة وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ- ٥- يعني الملة المستقيمة، ثم ذكر الله- المشركين يوم القيامة، فقال:
стр. 2084
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها يقول: يقيمون فيها لا يموتون، ثم قال: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ- ٦- يعني شر الخليقة من أهل الأرض، ثم ذكر مستقر من صدق بالنبي- ﷺ فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ- ٧- يعني خير الخليقة من أهل الأرض جَزاؤُهُمْ يعني ثوابهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخرة جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون ﵃ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ- ٨- في الدنيا وكل شيء خلق من التراب فإنه يسمى البرية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها- ١- يقول تزلزلت يوم القيامة من شدة صوت إسرافيل- ﵇ يعني تحركت، فتفطرت حتى تكسر كل شيء عليها بزلزالها من شدة الزلزلة، ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، أو بناء، أو شجر، فيدخل فيها كل شيء خرج منها، «وزلزلت «١» » الدنيا فلا تلبث حتى تسكن «٢» ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها- ٢- يقول «تحركت «٣» » فاضطربت، وأخرجت ما في جوفها من الناس، والدواب، والجن، وما عليها من الشياطين، فصارت خالية ليس فيها شيء، وتبسط الأرض جديدة بيضاء «٤» [٢٤٧ أ] كأنها الفضة، أو كأنها خامة ولها شعاع كشعاع الشمس، لم يعمل عليها ذنب، ولم «يهرق «٥» » فيها الدماء وذلك «أنه «٦» » إذا جاءت النفخة الأولى، «يموت «٧» » الخلق كلهم، «ثم تجيء النفخة الثانية «٨» » .
стр. 2089
فأما الأولى فينادي من تحت العرش من فوق السماء السابعة، وأما الأخرى فمن بيت المقدس، «يقعد إسرافيل على صخرة بيت المقدس «١» » فيقول: أيتها العظام البالية، والعروق المتقطعة، واللحوم المتمزقة اخرجوا إلى فصل القضاء، لتجازوا بأعمالكم، قال: فيخرجون من قبورهم إلى الأرض الجديدة، وتسمى الساهرة، فذلك قوله- تعالى-: «فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ «٢» » ، وأيضا «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» أخرجت ما فيها من الموتى والأموال.
وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها «٣» - ٣- قال الكافر جزعا ما لها تنطق بما عمل عليها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها- ٤- يقول تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر، تقول الأرض وحد الله على ظهري، وصلى علي، وصام، وحج، واعتمر، وجاهد، وأطاع ربه، فيفرح المؤمن. بذلك وتقول للكافر أشرك على ظهري، وزنى، وسرق، وشرب الخمر، وفعل، وفعل، فتوبخه في وجهه، وتشهد عليه أيضا الجوارح، والحفظة من الملائكة، مع علم الله- فيه، وذلك اخزى العظيم، فلما سمع الإنسان المكذب عمله قال جزعا: «مَا لَها» يعني للأرض تحدث بما عمل عليها، فذلك قوله: «وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها» في التقديم، يقول له: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» يقول تشهد على أهلها بما عملوا عليها من خير أو شر، فلما سمع الكافر «يومئذ» . قال: ما لها تنطق؟ قال الملك الذي كان موكلا به في الدنيا يكتب حسناته وسيئاته، قال: هذا
стр. 2090
الكلام الذي تسمع «إنما «١» » شهدت على أهلها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها- ٥- «وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها» يعني الكافر، يقول: يوحي الله إليها بأن تحدث أخبارها، وأيضا أن ربك أوحى لها بالكلام، فذلك قوله: «أَوْحى لَها» ، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ «٢» » أَشْتاتاً يعني يرجع الناس من بعد العرض والحساب إلى منازلهم من الجنة والنار متفرقين، كقوله: « ... يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ «٣» » يعني يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
(وذكر فيما تقدم «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» ثم ذكر هنا أن الناس أخرجوا «٤» ) لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ- ٦- الخير والشر، يعني لكي يعاينوا أعمالهم، وأيضا «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً» يقول «انتصف «٥» » الناس فريقين والأشتات الذين لا يلتقون أبدا، قال ليروا أعمالهم، ثم قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ- ٧- يقول من يعمل في الدنيا مثقال ذرة، يعني وزن نملة أصغر النمل الأحمر التي لا تكاد نراها من صغرها، خيرا في التقديم [٢٤٧ ب] يره يومئذ:
يوم القيامة في كتابه أيضا «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ- ٨- في صحيفته، وذلك أن العرب كانوا لا يتصدقون
стр. 2091
بالشيء القليل، وكانوا لا يرون بالذنب الصغير بأسا، فزهدهم الله- في الذنب الحقير، ورغبهم في الصدقة «القليلة «١» » ، فقال: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» في كتابه والذرة أصغر النمل وهي النملة الصغيرة، وأيضا فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة- قدر نملة شرا يره يوم القيامة في كتابه، نزلت في رجلين بالمدينة، كان أحدهما إذا أتاه السائل «يستقل «٢» » أن يعطيه الكسرة أو التمرة، ويقول ما هذا بشيء إنما نؤجر على «ما نعطي ونحن نحبه «٣» » .
وقد قال الله- : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ... «٤» » فيقول ليس هذا مما يحب، فيستقل ذلك ويرى أنه لا يؤجر عليه، فيرد المسكين صفرا، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقول ليس على من فعل هذا شيء إنما وعد الله النار أهل الكبائر. فأنزل الله- يرغبهم فى القليل من الخير أن يعطوه لله فإنه يوشك أن «يكثر ويحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر «٥» » فالذنب الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال الرواسي، ولجميع محاسنه التي عملها في دار الدنيا أصغر في عينه من حسنة واحدة.
стр. 2092
حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حدثنا الْهُذَيْلُ عن أبي روق فى قوله: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ... «١» » قال لمن جاء بشرائع الإسلام فله الجنة «وعدلا» على أهل التكذيب فلهم النار.
أسماء من دفن بالبصرة «٢» من أصحاب رسول الله- ﷺ ، ورحمة الله عليهم، عمران بن حصين، وطلحة، والزبير، وزيد بن صوحان، وأنس بن مالك.
أسماء من حفظ القرآن من أصحاب رسول الله- ﷺ ، أبو الدرداء، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
قال مُقَاتِلُ- ﵀: شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم، أيوب بن تارح بن عيصو داود بن أشي بن عويذ بن قارص بن يهوذا بن يعقوب، إسحاق بن إبراهيم، هود وهو عابر صالح بن أرفحشد بن سام بن نوح إبراهيم اسمه إبرخيم، وفي الإنجيل أبو الأمم، لوط بن حران بن آزر وهو ابن أخي إبراهيم، وسميت حران به
стр. 2093
سارة أخت لوط بنت حران أخي إبراهيم وهي امرأته، قال مُقَاتِلُ: الحسن عشرة أجزاء خمسة لحواء، وثلاثة لسارة، وواحد ليوسف، وواحد لسائر الناس.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا الهذيل، قال:
حَدَّثَنِي الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «قَالَتِ «١» » الْمَلائِكَةُ، نَحْنُ الْمُقَرَّبُونَ مِنَّا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَمِنَّا الْحَفَظَةُ الْكِرَامُ «الْكَاتِبُونَ «٢» » .
جَعَلْتَ الدُّنْيَا لِبَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَفْرَحُونَ فَاجْعَلْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ لا أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ، قَالَ الْمُسَيَّبُ: ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ- «أُولَئِكَ «٣» هم خير البرية «٤» » يَعْنِي الْخَلِيقَةَ.
«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ «٥» » ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قال الهذيل: حدثني خالد الحذاء عن شيبان، عن بشر بن سعاف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ- لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ آدَمَ- ﵇. قَالَ:
فَقُلْتُ: وَلا مِنْ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، ﵉. فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ مَحْمُولُونَ عَلَى شَيْءٍ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ أَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ- مِنَ السَّاجِدِ.
[سورة العاديات «١» ] سورة العاديات مكية عددها «إحدى عشرة «٢» » آية كوفى «٣» :
стр. 2097
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله وَالْعادِياتِ ضَبْحاً- ١- وذلك أن النبي- ﷺ بعث سرية إلى «حنين «١» » من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء، فغابت فلم يأت النبي- ﷺ خبرها، فأخبره الله- عنها فقال: «وَالْعادِياتِ ضَبْحاً» يعني الخيل، «وقيل «٢» » إن رسول الله- ﷺ بعث سرية إلى أرض تهامة، وأبطأ عليه الحبر فجعلت اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من الأنصار أو من المهاجرين تناجوا يأمره، فكان الرجل يظن أنه قد مات، أو قتل أخوه، أو أبوه، أو عمه، وكان يجد من ذلك أمرا عظيما، فجاءه جبريل- ﵇ يوم الجمعة عند وقت الضحى، فقال: «وَالْعادِياتِ ضَبْحاً» يقول غدت الخيل إلى الغزوة حتى أصبحت فعلت أنفاسها بأفواهها، فكان لها ضباح كضباح الثعلب، ثم قال: فَالْمُورِياتِ قَدْحاً- ٢- يقول يقدحن بحوافرهن في الحجارة نارا كنار «أبي حباحب «٣» » ، وكان «شيخا «٤» »
стр. 2098
من مصر فى الجاهلية له نويرة نقدح مرة وتخمد مرة لكيلا يمر به ضيف فشبه الله- ضوء وقع حوافرهن في أرض حصباء بنويرة أبي حباحب، وأيضا «فَالْمُورِياتِ قَدْحاً» قال كانت تصيب حوافرهن الحجارة فتقدح منهن النار، ثم قال: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً- ٣- وذلك أن الحيل صبحت العدو بغارة يقول غارت عليهم صبحا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً- ٤- يقول فأثرن بجريهن يعني بحوافرهن «نقعا «١» » في التراب.
«حدثنا عبد الله بن ثابت، قال الفراء «٢» » : النقع: الغبار، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً- ٥- يعني بعدوهن، يقول حين تعدو الخيل جمع القوم يعني العدو، فأقسم الله- «بالعاديات ضبحا «٣» » وحدها: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ- ٦- وأيضا «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» يقول فوسطن بذلك «الغبار «٤» » جمعا، يقول حمل المسلمون عليهم، فهزموهم، فضرب بعضهم بعضا، حتى ارتفع الوهج «الذي كان ارتفع «٥» » من حوافر الحيل إلى السماء، فهزم الله المشركين وقتلهم، فأخبره الله- بعلامات الخيل، والغبار، وكيف فعل بهم؟
فقال رسول الله- ﷺ : يا جبريل، ومتى كان هذا؟ قال:
اليوم. فخرج رسول الله- ﷺ فأخبر المسلمين بذلك، وقرأ عليهم كتاب الله- ففرحوا واستبشروا، وأخرى الله-
стр. 2099
اليهود والمنافقين
«إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» يعني لكفور نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، وهو الرجل الذي أكل وحده، وأشبع بطنه وأجاع عبده، ومنع رفده، ولم يعط قومه شيئا، يسمى بلسان بني مالك بن كنانة «الكنود» ثم قال: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ- ٧- يقول إن الله- على كفر قرط لشهيد، ثم أخبر عنه فقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ- ٨- يعني المال، ثم خوفه فقال: أَفَلا يَعْلَمُ يعني فهلا يعلم إِذا بُعْثِرَ يعني «بعث «١» » ما فِي الْقُبُورِ- ٩- من الموتى وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ- ١٠- من الخير والشر، يعني تميز ما في القلوب إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة لَخَبِيرٌ- ١١- بالصالح منهم والطالح.
[سورة القارعة «١» ] سورة القارعة مكية عددها «إحدى عشرة «٢» » آية كوفى «٣»
стр. 2103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: الْقارِعَةُ- ١- ثم بين لهم: مَا الْقارِعَةُ- ٢- فقال يقرع الله- أعداءه بالعذاب، ثم قال للنبي- ﷺ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ- ٣- تعظيما لها لشدتها، وكل شيء [٢٤٩ أ] في القرآن «وَما أَدْراكَ» فقد أخبر به النبي- ﷺ ، وكل شيء فى القرآن، «وَما يُدْرِيكَ» فما لم يخبر به، وفي الأحزاب « ... وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً «١» » وقال فى هذه السورة «وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ» ، ثم أخبر عنها فقال: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ- ٤- يقول إذا خرجوا من قبورهم «تجول «٢» » بعضهم في بعض، فشبههم بالفراش المبثوث، وشبههم في الكثرة بالجراد المنتشر، فقال: « ... كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ «٣» » ، ثم قال: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ- ٥- يقول تكون الجبال يومئذ بعد القوة والشدة كالصوف المندوف عرقها في الأرض السفلى، ورأسها في السماء، يقول هو جبل فإذا مسسته فهو لا شيء من شدة الهول: فما حالك يومئذ يا بن آدم، قال: كالصوف المنفوش في الوهن، أوهن ما يكون الصوف إذا نفش فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ- ٦- يقول من رجحت موازينه بحسناته فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ- ٧- ولا يثقل الميزان إلا قول: لا إله إلا الله بقلوب المخلصين في الأعمال وهم «الموحدون «٤» » يعنى فى عيش فى
стр. 2104
الجنة برضاه وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ- ٨- «بسيئاته «١» » وهو الشرك لأنه لا يرى شيئا مما كسب إلا صار كالرماد، فاشتدت به الريح في يوم شديد الريح «٢» ، وكما أنه ليس في الأرض شيء «أخبث «٣» » من الشرك فهكذا ليس شيء أخف من الشرك في الميزان، ولا إله إلا الله «ثقيلة «٤» » «وصاحبها «٥» » ثقيل كريم رزين عند الله- فيأتي صاحب التوحيد بأعماله الصالحة فيثقل ميزانه، ويأتي صاحب الشرك بأعماله الطالحة فلا تكون له حسنة توزن معه فهو خفيف «٦» «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» وهي الجنة، يعني براضية أنه لا يسخط بعد دخولها أبدا، «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» وهو الشرك فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ- ٩- يقول لا تحمله الأرض، ولا تظله السماء، ولا شيء إلا النار، فذلك قوله: «فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» يعنى أصله هاوية، كقوله: « ... أُمَّ الْقُرى «٧» ... » يعني أصل القرى يعني مكة، ثم قال: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ- ١٠- نارٌ حامِيَةٌ- ١١- يقول نار حامية تحمي ستة أبواب من جهنم، «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» يقول خفت موازينه «بسيئاته «٨» » وحق لميزان لا يقع فيه الحق أن يخف لأن الحق ثقيل مرئ، والباطل خفيف «وبيء «٩» » «وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ» تعظيما لشدتها، ثم أخبر عنها، فقال هي: «نارٌ حامِيَةٌ» يقول انتهى حرها.