[سورة القارعة «١» ] سورة القارعة مكية عددها «إحدى عشرة «٢» » آية كوفى «٣»
стр. 2103
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: الْقارِعَةُ- ١- ثم بين لهم: مَا الْقارِعَةُ- ٢- فقال يقرع الله- أعداءه بالعذاب، ثم قال للنبي- ﷺ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ- ٣- تعظيما لها لشدتها، وكل شيء [٢٤٩ أ] في القرآن «وَما أَدْراكَ» فقد أخبر به النبي- ﷺ ، وكل شيء فى القرآن، «وَما يُدْرِيكَ» فما لم يخبر به، وفي الأحزاب « ... وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً «١» » وقال فى هذه السورة «وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ» ، ثم أخبر عنها فقال: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ- ٤- يقول إذا خرجوا من قبورهم «تجول «٢» » بعضهم في بعض، فشبههم بالفراش المبثوث، وشبههم في الكثرة بالجراد المنتشر، فقال: « ... كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ «٣» » ، ثم قال: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ- ٥- يقول تكون الجبال يومئذ بعد القوة والشدة كالصوف المندوف عرقها في الأرض السفلى، ورأسها في السماء، يقول هو جبل فإذا مسسته فهو لا شيء من شدة الهول: فما حالك يومئذ يا بن آدم، قال: كالصوف المنفوش في الوهن، أوهن ما يكون الصوف إذا نفش فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ- ٦- يقول من رجحت موازينه بحسناته فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ- ٧- ولا يثقل الميزان إلا قول: لا إله إلا الله بقلوب المخلصين في الأعمال وهم «الموحدون «٤» » يعنى فى عيش فى
стр. 2104
الجنة برضاه وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ- ٨- «بسيئاته «١» » وهو الشرك لأنه لا يرى شيئا مما كسب إلا صار كالرماد، فاشتدت به الريح في يوم شديد الريح «٢» ، وكما أنه ليس في الأرض شيء «أخبث «٣» » من الشرك فهكذا ليس شيء أخف من الشرك في الميزان، ولا إله إلا الله «ثقيلة «٤» » «وصاحبها «٥» » ثقيل كريم رزين عند الله- فيأتي صاحب التوحيد بأعماله الصالحة فيثقل ميزانه، ويأتي صاحب الشرك بأعماله الطالحة فلا تكون له حسنة توزن معه فهو خفيف «٦» «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» وهي الجنة، يعني براضية أنه لا يسخط بعد دخولها أبدا، «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» وهو الشرك فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ- ٩- يقول لا تحمله الأرض، ولا تظله السماء، ولا شيء إلا النار، فذلك قوله: «فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» يعنى أصله هاوية، كقوله: « ... أُمَّ الْقُرى «٧» ... » يعني أصل القرى يعني مكة، ثم قال: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ- ١٠- نارٌ حامِيَةٌ- ١١- يقول نار حامية تحمي ستة أبواب من جهنم، «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» يقول خفت موازينه «بسيئاته «٨» » وحق لميزان لا يقع فيه الحق أن يخف لأن الحق ثقيل مرئ، والباطل خفيف «وبيء «٩» » «وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ» تعظيما لشدتها، ثم أخبر عنها، فقال هي: «نارٌ حامِيَةٌ» يقول انتهى حرها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ يعني شغلكم التكاثر، وذلك أن حيين من قريش من بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو بن مرة بن كعب كان بينهم لحاء فافتخروا، «فتعادى «١» » السادة والأشراف فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم شرفا، وأمنع جانبا، وأكثر عددا، فقال بنو سهم لبني عبد مناف:
مثل ذلك، «فكاثرهم «٢» » بنو عبد مناف بالأحياء، ثم قالوا: تعالوا نعد أمواتنا حتى أتوا المقابر «يعدونهم «٣» » فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان «فعد «٤» » هؤلاء وهؤلاء موتاهم، «فكاثرهم «٥» » بنو سهم بثلاثة أبيات، لأنهم كانوا أكثر عددا «٦» في الجاهلية من بني عبد مناف، فأنزل الله في الحيين «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» يقول شغلكم التكاثر عن ذكر الآخرة، فلم تزالوا كذلك، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ- ٢- كلكم يقول إلى أن أتيتم المقابر، ثم أوعدهم الله- فقال: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ- ٣- هذا وعيد: «ما نحن «٧» » فاعلون بذلك إذا نزل بكم الموت، ثم قال: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ- ٤-
стр. 2109
وهو وعيد: إذا دخلتم قبوركم، ثم قال: كَلَّا لا يؤمنون بالوعيد، ثم استأنف فقال: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ- ٥- لا شك فيه «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ» «١» - ٦- لعلمتم أنكم سترون الجحيم في الآخرة ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ- ٧- لا شك فيه، يقول لترون الجحيم في الآخرة معاينة، «والجحيم «٢» » ما عظم من النار، يقينها رؤية العين،: سنعذبهم مرتين «مرة عند الموت، ومرة عند القبر «٣» » ثم يردون إلى عذاب عظيم ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ فى الآخرة يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ- ٨- يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، وأيضا فذلك قوله: « ... أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها.. «٤» » وقال: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» وذلك أن الله- إذا جمع الكفار فى النار صرخوا: يا مالك، أنضجت لحومنا وأحرقت جلودنا، «وجاعت «٥» » وأعطشت أفواهنا، وأهلكت أبداننا، فهل إلى خروج يوم واحد من سبيل من النار، فيرد عليهم مالك فيقول: لا، قالوا: ساعة من النهار. «قال «٦» » :
لا. قالوا: فردنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، قال فينادي مالك- خازن النار-[٢٥٠ أ] بصوت غليظ جهير، قال: فإذا نادى حسرت النار من فرقه، وسكن أهلها، فيقول: أبشروا فيرجون أن تكون عافية قد أتتهم، ثم
стр. 2110
يناديهم: يا أهل النار، فيقولون: لبيك، فيقول: يا أهل البلاء، فيقولون:
لبيك. فيقول: « ... أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها، (فَالْيَوْمَ «١» ) تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ... «٢» » يا أهل الفرش والوسائد والنعمة في دار الدنيا، كيف تجدون مس سقر؟ قالوا: يأتينا العذاب من كل مكان، فهل إلى أن نموت ونستريح، قال فيقول: وعزة ربي لا أزيدكم إلا عذابا، قال فذلك قوله: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» يعني الشكر للنعيم الذي أعطاه الله- ، فلم يهتد ولم يشكر، يعني الكافر.
[سورة العصر «١» ] سورة العصر مكية عددها ثلاث آيات كوفى «٢» .
стр. 2114
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ- ١- قسم، أقسم الله- بعصر النهار، وهو آخر ساعة من النهار، وأيضا «العصر» سميت العصر حين «تصوبت «١» » الشمس للغروب وهو عصر النهار، فأقسم الله- بصلاة العصر.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ- ٢- نزلت في أبي لهب اسمه عبد العزى بن عبد المطلب يعني أنه لفي ضلال أبدا حتى يدخل النار، ثم استثنى فقال:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فليسوا في خسران، ثم نعتهم فقال:
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ يعني بتوحيد الله- وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ- ٣- يعني «على «٢» » أمر الله- فمن فعل هذين كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فليسوا من الخسران في شيء، ولكنهم فى الجنان مخلدون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اعتابه من خلفه لُمَزَةٍ- ١- يعني الطاغي إذا رآه طغى عليه في وجهه، نزلت في الوليد ابن المغيرة المخزومي، كان يغتاب النبي- ﷺ إذا غاب، وإذا رآه «طغى فى «١» » وجهه، ثم نعته فقال: الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ- ٢- يقول الذي «استعد «٢» » مالا [٢٥٠ ب] ليشتري به الخدم والحيوان، يقول: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ- ٣- من الموت، فلا يموت حتى يفنى ماله، يقول الله- كَلَّا لا يخلده ماله وولده، ثم استأنف فقال: لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ- ٤- يقول ليتركن في الحطمة وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ- ٥- تعظيما لشدتها، تحطم العظام، وتأكل اللحم حتى «تهجم «٣» » على القلب، ثم أخبر عنها فقال: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ- ٦- على أهلها لا تخمد، ثم نعتها فقال: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ- ٧- يقول تأكل اللحم والجلود حتى يخلص حرها إلى القلوب، ثم تكسى لحما جديدا، ثم تقبل عليه وتأكله حتى يصير إلى منزلته الأولى، إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ- ٨- يعنى مطبقة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ- ٩- يقول طبقت الأبواب ثم «شدت «٤» » بأوتاد
стр. 2119
من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح، ولا يخرج منها غم آخر الأبد، وأيضا «لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» فأما «الهمزة» فالذي ينم الكلام إلى الناس وهو النمام، وأما «اللمزة» فهو الذي يلقب الرجل بما يكره، وهو الوليد بن المغيرة، كان رجلا «نماما «١» » وكان يلقب الناس «٢» من التجبر «٣» والعظمة وكان يستهزئ بالناس، وذلك أنه أنزل على رسول الله- ﷺ . «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً «٤» » وكان له حديقتان، حديقة بمكة وحديقة بالطائف، وكان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا، فذلك قوله « ... مالًا مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً «٥» » يعني أرباب البيوت، وكان له سبعة بنين قال: «وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً
«٦» » يقول بسطت له في المال كل البسط «ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً «٧» » قال: والله، لو قسمت مالي يمينا وشمالا على قريش ما دمت حيا ما فنى، فكيف «تعدني «٨» » الفقر؟ قال أما والله، إن الذي أعطاك، قادر على أن يأخذه منك، فوقع في قلبه من ذلك شيء ثم عمد إلى ماله فعده، ما كان من ذهب أو فضة أو أرض أو حديقة أو رقيق فعده وأحصاه،
стр. 2120
فقال: يا محمد «تعدني «١» » الفقر والله «لو كان «٢» » هذا «خبزا «٣» » ما فني فأنزل الله- «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلَّا» لا يخلده، ثم استأنف فقال: «لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ» تعظيما لها، فقال: «إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» وذلك أن الشقي إذا دخل النار «طاف «٤» » به الملك في أبوابها في ألوان العذاب «وفتح «٥» » له باب الحطمة وهي باب من أبواب جهنم، وهي نار تأكل النار من شدة حرها، وما خمدت من يوم خلقها الله- إلى يوم يدخلها، فإذا فتح ذلك الباب «وقعت «٦» » [٢٥١ أ] النار عليه فأحرقته، فتحرق الجلد واللحم والعصب والعظم ولا تحرق القلب «ولا العين «٧» » وهو ما يعقل به ويبصر، فذلك قوله- تعالى-: «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ «٨» » «ثم تلا «٩» » وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا هُوَ بميت، يقول ليس في جسده موضع شعرة إلا والموت يأتيه من ذلك المكان، ثم قال: «إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» وذلك أنه إذا خرج الموحدون من الباب الأعلى وهي
стр. 2121
جهنم، قال أهل «تلك «١» » السبعة الأبواب وهي أسفل درك من النار لأهل الباب السادس، «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» يقول ما أدخلكم في سقر، «قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ... «٢» » إلى آخر الآيات، ثم يقولون تعالوا حتى نجزع، فيجزعون حقبا من الدهر فلا ينفعهم شيئا، ثم يقولون تعالوا حتى نصرخ فيصرخون حقبا من الدهر فلا يغني عنهم شيئا، ثم يقولون تعالوا حتى نصبر فلعل الله الله- إذا صبرنا «وسكتنا «٣» » أن يرحمنا فيصبرون حقبا من الدهر فلا يغني عنهم شيئا فيقولون: « ... سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ «٤» » ثم ينادون «أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ «٥» » فينادى رب العزة من فوق العرش « ... اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «٦» » فتصم آذانهم ويختم على قلوبهم وتغلق عليهم أبوابها «فيطبق كل واحدة على صاحبه «٧» » . بمسامير من حديد من نار كأمثال الجبال، فلا يلج فيها روح، «ولا يخرج منها حر النار»
» ، ويأكلون من النار ولا يسمع فيها إلا الزفير والشهيق. «نسأل الله المعافاة منها بفضله وجوده ورحمته «٩» » .
[سورة الفيل «١» ] سورة الفيل مكية عددها خمس آيات كوفى «٢» .
стр. 2125
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ ألم تعلم يا محمد كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ- ١- يعني أبرهة بن الأشرم اليماني، وأصحابه، وذلك أنه كان بعث أبا يكسوم بن أبرهة اليماني الحبشي وهو ابنه، في جيش كثيف إلى مكة ومعهم الفيل ليخرب البيت الحرام، ويجعل الفيل مكان البيت بمكة، ليعظم ويعبد كتعظيم الكعبة، وأمره أن يقتل من حال بينه وبين ذلك، فسار أبو يكسوم بمن معه حتى نزل «بالمعمس «١» » وهو واد دون الحرم بشيء يسير، فلما أرادوا أن يسوقوا الفيل إلى مكة لم يدخل الفيل الحرم، وبرك، فأمر أبو يكسوم أن يسقوه الخمر، فسقوه الخمر «ويردونه «٢» » [٢٥١ ب] في سياقه، فلما أرادوا أن يسوقوه برك الثانية، ولم يقم، وكلما خلوا سبيله ولى راجعا إلى الوجه الذي جاء منه يهرول، ففزعوا من ذلك وانصرفوا عامهم ذلك، فلما أن كان بعده بسنة أو «بسنتين «٣» » خرج قوم من قريش في تجارة إلى أرض النجاشي، حتى دنوا من ساحل البحر في «سند «٤» » حقف من أحقافها ببيعة النصارى وتسميها قريش الهيكل، ويسميها النجاشي وأهله أرضة «ما سر حسان «٥» »
стр. 2126
«فنزل «١» » القوم فى سندها فجمعوا حطبا فأوقدوا نارا، وشووا لحما، فلما أرادوا أن يرتحلوا تركوا النار، كما هي في يوم عاصف، فعجبت الريح «واضطرم الهيكل نارا «٢» » فانطلق الصريخ إلى النجاشي وجاءه الخبر «فأسف «٣» » عند ذلك غضبا للبيعة وسمعت بذلك ملوك العرب الذين هم بحضرته، فأتوا النجاشي منهم حجر بن شرحبيل، وأبو يكسوم الكنديان، وأبرهة بن الصباح الكندي، فقالوا: أيها الملك، لا تكاد ولا تغلب نحن مؤازرون لك على كعبة قريش التي بمكة، فإنها فخرهم ومعتزهم على من بحضرتهم من العرب فننسف بناءها. ونبيح دماءها، وننتهب أموالها، «وتمنح «٤» » حفائرها من شئت من سوامك، ونحن لك على ذلك مؤازرون فاعزم إذا شئت أو أحببت، أيها الملك. فأرسل الملك الأسود بن مقصود، فأمر عند ذلك بجنوده «من «٥» » «مزارعي «٦» » الأرض، فأخرج كتائبه جماهير معهم الفيل، واسمه محمود، فسار بهم وبمن معه من ملوك العرب تلقاء مكة في جحافل تضيق عليهم الطرق، فلما ساروا مروا بخيل لعبد المطلب، جد النبي- ﷺ ، مسومة وإبل، فاستاقها، فركب الراعي فرسا له أعوجيا «٧» كان يعده لعبد المطلب فأمعن في السير حتى دخل مكة، فصعد إلى الصفا فوقى عليه، ثم نادى بصوت رفيع: يا صباحاه، يا صباحاه أتتكم السودان معها فيلها، يريدون أن يهدموا كعبتكم، ويدعوا عزكم، ويبيحوا
стр. 2127
دماءكم، وينتهبوا أموالكم، ويستأصلوا بيضتكم، فالنجاء النجاء. ثم قصد إلى عبد المطلب، فأخبره بالأمر كله، فركب عبد المطلب فرسه، ثم أمعن جادا في السير حتى هجم على عسكر القوم، فاستفتح له أبرهة بن الصباح، وحجر بن شراحيل، وكانا خلين فقالا:
لعبد المطلب ارجع إلى قومك، فأخبرهم وأنذرهم أن هذا قد جاءكم «حميا آتيا «١» » فقال عبد المطلب: واللات، والعزى، لا أرجع حتى أرجع معي بخيلي، ولقاحي، فلما عرفا أنه غير راجع [٢٥٢ أ] ونازع عن قوله قصدا به إلى النجاشي، فقالا: كهيئة المستهزئين يستهزئان به: أيها الملك، اردد عليه إبله وخيله فإنما هو وقومه لك بالغداة، فأمر بردها. فقال عبد المطلب للنجاشي: «هل لك «٢» » إلى أن أعطيك أهلي ومالي، وأهل قومي، وأموالهم، «ولقاحهم «٣» » على أن تنصرف عن كعبة الله؟ قال: لا.
فسار عبد المطلب بإبله وخيله حتى أحرزها، ونزل النجاشي ذا المجاز، «موضع «٤» » سوق الجاهلية، ومعه من العدد والعدة كثير، وانذعرت قريش وأعروا مكة «فلحقوا «٥» » بجبل حراء وثبير وما بينها من الجبال، وقال عبد المطلب لقريش: واللات، والعزى، لا أبرح البيت حتى يقضي الله قضاءه، فقد نبأني أجدادي أن للكعبة ربا يمنعها، ولن تغلب النصرانية، وهذه الجنود جنود الله، وبمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي جد المختار، وكان مكفوف البصر، «يقيظ «٦» » بالطائف، ويشتو بمكة، وكان
стр. 2128
رجلا نبيلا، «تستقيم «١» » الأمور برأيه، وهو أول فاتق، وأول راتق، وكان خلا لعبد المطلب، فقال له عبد المطلب: يا أبا مسعود، ماذا عندك هذا يوم لا يستغنى عن رأيك، قال له أبو مسعود: اصعد بنا الجبل حتى نتمكن فيه، فصعدا الجبل فتمكنا فيه، فقال أبو مسعود لعبد المطلب: اعمد إلى ما ترى من إبلك فاجعلها حرما لله، وقلدها نعالا، ثم أرسلها في حرم الله، فلعل بعض هؤلاء السودان أن «يعقروها «٢» » ، فيغضب رب هذا البيت، فيأخذهم عند غضبه. ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها، فقال عبد المطلب عند ذلك- وهو يبكي-:
يا رب إن العبد يمنع رح ... له فامنع حلالك
«لا يغلبن «٣» » صليبهم ومحا ... لهم عدوا محالك
«فإن كنت «٤» تاركهم» وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك
«فلم أسمع بأرجس من رجال ... أرادوا «٥» ، العز فانتهكوا حرامك
ثم دعا عليهم فقال:
اللهم أخز الأسود بن مقصود.
الآخذ الهجمة بعد التقليد.
قبلها إلى طماطم سود.
стр. 2129
بين ثبير فالبيد.
والمروتين والمشاعر السود.
ويهدم البيت الحرام «المصمود «١» » .
قد أجمعوا ألا يكون لك عمود «٢» «اخفرهم «٣» » ربى فأنت محمود [٢٥٣ أ] فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ربا يمنعه منعة عظيمة ونحن له «فلا ندري «٤» » ما منعه، فقد «نزل «٥» » تبع ملك انيمن بصحن هذا البيت، وأراد هدمه، فمنعه الله عن ذلك، وابتلاه «وأظلم «٦» » عليهم ثلاثة أيام، فلما رأى ذلك تبع كساء الثياب البيض من «الشطرين «٧» » وعظمه، «ونحر له جزرا «٨» » ثم قال أبو مسعود لعبد المطلب: انظر نحو البحر ما ترى؟ فقال: أرى طيرا بيضا قد انساب مع شاطى البحر. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: أراها قد «أزرت «٩» » على رءوسنا. فقال: هل تعرفها؟ قال: لا، والله، ما أعرفها
стр. 2130
ما هي بنجدية، ولا تهامية، ولا غربية، ولا شرقية، ولا يمانية، ولا شامية، وإنها تطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب في مناقيرها الحصى «كأنها «١» » حصى الخذف قد أقلبت، وهي طيرا أبابيل «٢» يتبع بعضها بعضا أمام كل «رفقة «٣» » منها طائر يقودها أحمر المنقار، أسود الرأس، طويل العنق، حتى إذا جازت بعسكر القوم ركدن فوق رءوسهم فلما توافتها «الرعال كلها «٤» » هالت الطير ما في مناقيرها من الحجارة على من تحتها، يقال إنه كان مكتوبا على كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها عادت راجعة من حيث جاءت. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل إلى الأرض فمشيا ربوة أو ربوتين فلم يؤنسا أحدا، ثم دنوا فمشيا ربوة أو ربوتين أيضا، فلم يسمعا همسا. فقالا: عند ذلك بات القوم سامدين فأصبحوا نياما لا يسمع لهم ركزا، وكانا قبل ذلك يسمعان صياحهم، وجلبة في أسواقهم، فلما دنيا من عسكرهم، فإذا هم خامدون، يقع الحجر في بيضة الرجل فيخرقها حتى يقع في دماغه، ويخرق الفيل والدابة حتى يغيب في الأرض من شدة وقعه فعمد عبد المطلب فأخذ فأسا من فئوسهم فخفر حتى عمق في الأرض وملأه من الذهب الأحمر والجوهر الجيد، وحفر أيضا لصاحبه فملأه من الذهب والجوهر، ثم قال لأبي مسعود: هات خاتمك، واختر أيهما شئت، خذ إن شئت حفرتي، وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك، فقال أبو مسعود: اختر لي. فقال عبد المطلب: إنى لم أعل أجود المتاع فى حفرتي
стр. 2131
وهي لك، وجلس كل واحد منهما على حفرة صاحبه، ونادى عبد المطلب في الناس، فتراجعوا فأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا، وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطوه «المقادة «١» » فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود [٢٥٣ ب] وأهلوهما في غنى من ذلك المال. ودفع الله- عن كعبته وقبلته وسلط عليهم جنودا لا قبل لهم بها، وكان لهم بالمرصاد والأخذة الرابية، وأنزل فيهم «أَلَمْ تَرَ» يعني يخبر نبيه- ﷺ «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» يعني الأسود بن مقصود، ومن معه من الجيش وملوك العرب، ثم أخبر عنهم فقال: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ- ٢- «الذي «٢» » أرادوا، من خراب الكعبة «واستباحة «٣» » أهلها، «فِي تَضْلِيلٍ» يعني خسار وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ- ٣- يعني متتابعة كلها تترى بعضها على إثر بعض تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- ٤- يعني بحجارة خلطها الطين فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ- ٥- فشبههم بورق الزرع المأكول يعني البالي، وكان أصحاب الفيل قبل مولد النبي- ﷺ بأربعين سنة، وهلكوا عند أدنى الحرم، ولم يدخلوه قط.
قال عكرمة بن خالد:
«حبست «٤» » رب الجيش والأفيال ... «وقد رعوا بمكة الأجبال «٥» »
«قد خشينا منهم القتال «٦» » ... كل كريم ما جد بطال
стр. 2132
يمشي يجر المجد والأذيال ... ولا يبالي «حيلة «١» » المحتال
تركتهم ربي بشر حال ... وقد لقوا أمرا له فعال
وقال صفوان بن أمية المخزومي:
يا واهب الحي الحلال الأحمس ... وما لهم من «طارف «٢» » ومنفس
أنت العزيز ربنا لا تدنس ... أنت حبست الفيل بالمعمس
حبست فإنه «هكروس «٣» » «وقال ابن أبي الصلت «٤» :
إن آيات ربنا بينات ... لا يماري بهن إلا الكفور
حابس الفيل بالمعمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور
وأسقى حلقه الحراب كما ... قطر من ضحر كبكب محدور
حوله من ملوك كندة فتيا ... ن «ملاويث «٥» » في الهياج صقور
حالفوه ثم «انذعروا «٦» » عنه ... عظمه خلف ساقه مكسور
كل دين يوم القيامة عند الل ... هـ إلا دين الحنيفة بور
[سورة قريش «١» ] سورة قريش مكية عددها أربع آيات «٢» :
стр. 2136
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ- ١- وذلك أن قريشا كانوا تجارا يختلفون إلى الأرض ثم سميت «قريش «١» » ، وكانوا يمتارون «٢» في الشتاء من الأردن وفلسطين لأن ساحل البحر «أدفأ «٣» » ، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشتاء والبحر من أجل الحر، وأخذوا إلى اليمن للميرة فشق عليهم الاختلاف، فأنزل الله- تعالى- «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» يقول لا اختلاف لهم «ولا تجارة «٤» » قد قطعناها عنهم فذلك: «إِيلافِهِمْ «٥» » رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ- ٢- فقذف الله- في قلوب الحبشة أن «يحملوا «٦» » الطعام في السفن إلى مكة للبيع، فحملوا إليهم فجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والحمير، فيشترون الطعام على مسيرة يومين من مكة، «وتتابع «٧» » ذلك عليهم سنين، فكفاهم الله مؤنة الشتاء والصيف، ثم قال: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
- ٣- لأن رب هذا البيت كفاهم مؤنة الخوف والجوع، فليألفوا العبادة له، كما ألفوا الحبشة ولم يكونوا يرجونهم،
стр. 2137
«الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» «١» حين قذف في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم الطعام في السفن وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ- ٤- يعني القتل والسبي، وذلك أن العرب في الجاهلية كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض: فكان الله- يدفع عن أهل الحرم، ولا يسلط عليهم عدوا، فذلك قوله:
«وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» .
وأيضا «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» يقول لا ميرة لقريش، ولا اختلاف، وذلك أن قريشا «كانت «٢» » لا تأتيهم التجار، ولا يهتدون إليهم، فكانت قريش تمتار «لأهلها»
» الطعام من الشام في الشتاء، «ومن اليمن في الصيف «٤» » وذلك أنهم كانوا في الشتاء ينطلقون إلى الشام ليتماروا الطعام لأهلهم، فإذا جاء «الصيف «٥» » انطلقوا إلى اليمن فكانت لهم «رحلتان «٦» » في الشتاء والصيف فرحمهم الله- فقذف في قلوب الحبش أن يحملوا إليهم الطعام في السفن فكانوا يخرجون على مسيرة ليلة إلى جدة، فيشترون الطعام وكفاهم الله مؤنة الشتاء والصيف، فأنزل الله
стр. 2138
- يذكرهم النعم فقال: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ، رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» والإيلاف من المؤنة والاختلاف، ثم قال: َلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ»
يقول أخلصوا العبادة له «الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» حين قذف في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم الطعام في السفن، ثم قال: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» يعني القتل والسبي «لأن العرب «١» » «كانت «٢» » يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، وهم «آمنون «٣» » فى الحرم.