يَقُولُ عسى الرَّجُل يكره المرأة فيمسكها عَلَى كراهية فلعل اللَّه- يرزقه منها ولدا ويعطفه عَلَيْهَا، وعسى أن يكرهها فيطلقها فيتزوجها غيره فيجعل اللَّه للذي يتزوجها فيها خيرا كثيرا، فيرزقه منها لطفا وولدا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يَقُولُ وإن أراد الرَّجُل طلاق امرأته ويتزوج «١» أخرى غيرها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً يَقُولُ وآتيتم إحداهن من المهر قنطارا من ذهب، والقنطار «٢» ألف ومائتا دينار فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إذا أردتم طلاقها يَقُولُ فَلَيْس لَهُ أن يضربها حَتَّى تفتدى منه يَقُولُ:
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً- ٢٠- يعنى بينا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ تعظيما له [٧٣ أ] يعني المهر وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يعني به الجماع وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً- ٢١- يعني بالميثاق الغليظ ما أمروا به من قوله- ﵎ فيهن: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ «٣» والغلظ يعني الشديد وكل غليظ فِي القرآن يعني به الشديد.
وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الْأَنْصَارِيّ. وَفِي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عَدِيّ بن عَاصِم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ لأن العرب كَانَتْ تفعل ذَلِكَ قبل التحريم، وذلك أن مِحْصَن مات أبوه فشد عَلَى امرأته فتزوجها، وَهُوَ مِحْصَن بن أبي قَيْس بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج وكبشة بِنْت معن بن مَعْبَد، وَفِي شريك
стр. 247
وفى امرأته كحة إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يعني معصية وَمَقْتاً يعني وبغضا وَساءَ سَبِيلًا- ٢٢- يعني وبئس المسلك وقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثُمّ حرم النسب والصهر وَلَم يقل إِلا مَا قد سلف لأن العرب كَانَتْ لا تنكح النسب والصهر. وقال- فِي الأختين: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ «١» لأنهم كانوا يجمعون بينهما ثُمّ بين ما حرم فَقَالَ- تَعَالَى ذكره- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ فهذا النسب، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يعني جامعتم أمهاتهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ يَقُولُ إن لَمْ تكونوا جامعتم أمهاتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يقول فلا حرج عليكم فى تزويج البنات وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ يَقُولُ وحرم ما تزوج الابن الَّذِي خرج من صلب الرَّجُل- وَلَم يتبناه «٢» - فهذا الصهر وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فحرم جمعهما إِلَّا أن يَكُون إحداهما بملك فزوجها غيره فلا بأس إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ قبل التحريم إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً- ٢٣- لما كان من جماع الأختين قبل التحريم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني وكل امرأة أيضا فنكاحها حرام مَعَ ما حرم من النسب والصهر ثُمّ استثنى من المحصنات. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الحرائر مثنى وثلاث ورباع كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني فريضة اللَّه لَكُمْ بتحليل أربع وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
стр. 248
يعني ما وراء الأربع أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ لفروجهن غَيْرَ مُسافِحِينَ بالزنا علانية ثُمّ ذكر المتعة فقال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى [٧٣ ب] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً يعني أعطوهن مهورهن وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يَقُولُ لا حرج عليكم فيما زدتم من المهر وازددتم فِي الأجل بعد الأمر الأول إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ٢٤- فِي أمره نسختها آية الطلاق وآية المواريث ثُمّ إن رَسُول اللَّهِ- ﷺ نهى عن المتعة بعد نزول هَذِهِ الآية مرارا، واللَّه- تَعَالَى- يَقُولُ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١» ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا يَقُولُ من لَمْ يجد منكم سعة من المال أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يعني الحرائر فليتزوج من الإماء فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى الولائد «٢» فتزوجوا مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني الولائد «٣» . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ من غيره فيكره للعبد المسلم أن يتزوج وليدة من أَهْل الكتاب لأن ولده يصير عبدا فَإِن تزوجها وولدت لَهُ فَإنَّهُ يشتري من سيده رَضِيَ أَوْ كره، ويسعى فِي ثمنه بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يتزوج هَذَا وليدة هَذَا، وهذا وليدة هَذَا. ثم قال- سبحانه-: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يَقُولُ تزوجوا الولائد بإذن أربابهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَقُولُ وأعطوهن مهورهن بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ عفائف لفروجهن غَيْرَ مُسافِحاتٍ غَيْر معلنات بالزنا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني أخلاء فِي السر فيزني بها سرا فَإِذا أُحْصِنَّ يعني أسلمن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يَقُولُ فَإِن جئن بالزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعنى خمسين جلدة نصف
стр. 249
ما عَلَى الحرة إذا زنت «١» ذلِكَ التزويج للولائد لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم فِي دينه وَهُوَ الزنا وَأَنْ يعني ولئن تَصْبِرُوا عن تزويج الأمة خَيْرٌ لَكُمْ من تزويجهن وَاللَّهُ غَفُورٌ لتزويجه الأمة رَحِيمٌ- ٢٥- به حين رخص لَهُ فِي تزويجها إذا لَمْ يجد طولا يعني سعة فِي تزويج الحرة يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ يعني أن يبين لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
يعني شرائع هدى من كان قبلكم من الْمُؤْمِنِين من تحريم النسب والصهر وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يعنى ويتجاوز عنكم من نكاحكم يعنى من تزويجكم إياهن من قبل التحريم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- ٢٦- وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعني به الزنا وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح ابنة «٢» الأخت من الأب حلال فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً- ٢٧- فِي استحلال نكاح ابنة «٣» الأخت من الأب يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إذ رخص فى تزويج [٧٤ أ] الأمة لمن لَمْ يجد طولا لحرة، وذلك قوله- سبحانه-: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً- ٢٨- لا يصبر عن النكاح ويضعف عن تركه فلذلك أحل لهم تزويج الولائد لئلا يزنوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يَقُولُ لا تأكلوها إلا بحقها وَهُوَ الرَّجُل يجحد حق أَخِيهِ المسلم أَوْ يقتطعه بيمينه ثُمّ استثنى ما استفضل «٤» الرَّجُل من مال أَخِيهِ من التجارة فلا بأس. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ لا يقتل بعضكم بعضا لأنكم أَهْل دين واحد إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً- ٢٩- إذ نهى عن ذلك
стр. 250
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني الدماء والأموال جميعًا عُدْواناً وَظُلْماً يعني اعتداء بغير حق وظلما لأخيه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً- ٣٠- يقول كان عذابه على الله هينا. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ من أول هذه السورة إلى هذه الآية نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوب ما بين الحدين وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً- ٣١- يعني حسنا وهي الجنة لما نزلت لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قالت «١» النساء: لَم هَذَا؟ نَحْنُ أحق أن يَكُون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى عَلَى التجارة والطلب والمعيشة مِنَّا، فإذا لَمْ يفعل اللَّه ذَلِكَ بنا فإنا نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ علينا وعليهم فأنزل اللَّه فِي قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سُبْحَانَهُ-:
وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «٢» يَقُولُ فضل الرجال عَلَى النّساء فِي الميراث، ونزل فِي قولهن نرجو أن يَكُون الوزر عَلَى نحو ذَلِكَ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبُوا من الإثم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ يعني حظا مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الإثم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يعني الرجال والنساء إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ من قسمة الميراث عَلِيماً- ٣٢- به وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ يعني العصبة:
بني العم «٣» والقربى مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ كان الرَّجُل يرغب فِي الرَّجُل فيحالفه ويعاقده عَلَى أن يَكُون معه وَلَهُ من ميراثه كبعض ولده. فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية آية المواريث وَلَم يذكر أَهْل العقد فأنزل اللَّه- وَالَّذِينَ عَقَدَتْ «٤» أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقول أعطوهم
стр. 251
الَّذِي سميتم لهم من الميراث إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم شَهِيداً- ٣٣- إن أعطيتم نصيبهم أَوْ لَمْ تعطوهم فلم يأخذ هَذَا الرَّجُل شيئًا حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «١» فنسخت هذه الآية وَالَّذِينَ عَقَدَتْ «٢» أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قوله- : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [٧٤ ب]
نزلت فِي سعد بن الرَّبِيع بن عمرو من النقباء وَفِي امرأته حبيبة بِنْت «٣» زَيْد بن أَبِي زهير وهما من الأَنْصَار من بني الْحَارِث بن الخزرج وذلك أَنَّهُ لطم امرأته فأتت أهلها فانطلق أبوها معها إلى النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ:
أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لتقتص من زوجها فأتت مَعَ زوجها لتقتص منه. ثُمّ قَالَ النَّبِيّ- ﷺ :
ارجعوا هَذَا جبريل- ﵇ قَدْ أتاني
وَقَدْ أنزل اللَّه- :
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. يَقُولُ مسلطون عَلَى النّساء «٤» بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرَّجُل لَهُ الْفَضْل عَلَى امرأته فى الحق وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ يعني وفضلوا بما ساق إليها من المهر فهم مسلطون فِي الأدب والأخذ عَلَى أيديهن فَلَيْس بين الرَّجُل وَبَيْنَ امرأته قصاص إِلَّا فِي النَّفْس والجراحة.
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ عِنْد ذَلِكَ: أردنا أمرا وأراد اللَّه أمرا وَالَّذِي أراد اللَّه خيرًا.
ثُمّ نعتهن فقال- سبحانه-: فَالصَّالِحاتُ
стр. 252
فِي الدّين قانِتاتٌ يعني مطيعات لَهُ ولأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ لغيبة أزواجهن فِي فروجهن وأموالهم بِما حَفِظَ اللَّهُ يعني بحفظ اللَّه لهن، ثُمّ قَالَ: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ يعني تعلمون عصيانهن من نسائكم يعني سعدا «١» . يَقُولُ تعلمون معصيتهن لأزواجهن فَعِظُوهُنَّ بِاللَّه فَإِن لم يقبلن العظة وَاهْجُرُوهُنَّ «٢» فِي الْمَضاجِعِ يَقُولُ لا تقربها للجماع، فَإِن رجعت إلى طاعة زوجها بالعظة والهجران وإلا وَاضْرِبُوهُنَّ «٣» ضربا غَيْر مبرح يعني غَيْر شائن فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يعنى عللا «٤» . يقول لا تكلفها من الحب لك ما لا تطيق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا يعني رفيعا فوق خلقه كَبِيراً- ٣٤- وَإِنْ خِفْتُمْ يعني علمتم شِقاقَ بَيْنِهِما يعني خلاف بَيْنَهُمَا بين سعد وامرأته، وَلَم يتفقا، وَلَم يدر من قبل من منهما النشوز من قبل الرَّجُل أَوْ من قبل المرأة؟
فَابْعَثُوا يعني الحاكم يَقُولُ للحاكم فابعثوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها فينظرون فِي أمرهما فِي النصيحة لهما. إن كان من قبل النفقة أَوْ إضرار «٥» وعظا الرَّجُل. وإن كان من قبلها وعظاها لعل اللَّه أن يصلح عَلَى أيديهما فذلك قوله- : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعنى الحكمين يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما للصلح فَإِن لَمْ يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما فِي دينهما فرق الحكمان بَيْنَهُمَا برضاهما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بحكمهما خَبِيراً- ٣٥- بنصيحتهما فِي دينهما وَاعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا اللَّه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً لأن أهل الكتاب [٧٥ أ] يعبدون اللَّه فِي غَيْر إخلاص فلذلك قَالَ الله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
стр. 253
من خلقه وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني برا بهما وَبِذِي الْقُرْبى والإحسان إلى ذِي القربى: يعني صلته (و) الإحسان إلى الْيَتامى وَالْمَساكِينِ أن تتصدقوا عليهم والإحسان إلى وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى يعني جارا بينك وبينه قرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ يعني من قوم آخرين وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يَقُولُ الرفيق فِي السَّفَر والحضر وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الضيف ينزل عليك أن تحسن إليه (و) إلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الخدم وغيره وعن علي وعبد الله قالا: الصاحب بالجنب المرأة. فأمر اللَّه- بالإحسان إلى هَؤُلاءِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا يعني بطرا مرحا فَخُوراً- ٣٦- فِي نعم اللَّه لا يأخذ ما أعطاه اللَّه- فيشكر «١» الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني رءوس اليهود وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وذلك أن رءوس اليهود كَعْب بن الأشرف وغيره كانوا يأمرون سفلة اليهود بكتمان أمر محمد- ﷺ خشية «أن يظهروه ويبينوه. ومحوه من التوراة» «٢» وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ- يعني ما أعطاهم مِنْ فَضْلِهِ فِي التوراة من أمرُ محمدٍ- ﷺ ونعتُه «٣» ثُمّ أخبر عما لهم فِي الآخرة.
فَقَالَ «٤» : وَأَعْتَدْنا يا محمد لِلْكافِرِينَ يعني لليهود عَذاباً مُهِيناً- ٣٧- يعني الهوان. ثُمّ أخبر عَنْهُمْ، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ يعني اليهود وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يَقُولُ لا يصدقون بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ، وَلا يصدقون بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال، بأنه كائن
стр. 254
وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً يعني صاحبا فَساءَ قَرِيناً- ٣٨- يعني فبئس الصاحب. ثُمّ قَالَ- : وَماذا عَلَيْهِمْ يعني وما كان عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى بالبعث وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ من الأموال فِي الْإِيمَان ومعرفته وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً- ٣٩- أنهم لن يؤمنوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا ينقص وزن أصغر من الذرة «١» من أموالهم وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً واحدة يُضاعِفْها حسنات كثيرة فلا أحد أشكر من اللَّه- وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً- ٤٠- يَقُولُ ويعطي من عنده فِي الآخرة جزاء كثيرًا وهي الجنة ثُمّ خوفهم، فَقَالَ- تَعَالَى-: فَكَيْفَ بهم إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعني نبيهم وَهُوَ شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً- ٤١- يعني كفار أمة محمد- ﷺ بتبليغ الرسالة، ثُمّ أخبر عن كفار أمة محمد- ﷺ «٢» - فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وذلك بأنهم قَالُوا فِي الآخرة: وَاللَّهِ رَبِّنَا [٧٥ ب] ما كنا مشركين، فشهدت «٣» عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عِنْد ذَلِكَ أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً- ٤٢- يعنى الجوارح حين شهدت عليهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
لما نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : قَدْ قَدَّم اللَّه- تحريم الخمر إلينا. وذلك أن عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ صنع طعاما، فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعلى وسعد بن أبى وقاص
стр. 255
- ﵏ جميعًا- فأكلوا وسقاهم خمرا فحضرت صلاة المغرب فأمهم عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- ﵁ فقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «١» . فَقَالَ فِي قراءته نَحْنُ عابدون ما عبدتم فأنزل اللَّه- فِي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- ﵁ وأصحابه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فِي صلاتكم. فتركوا شربها إِلَّا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر فيصلون الأولى وهم أصحياء «٢» ثُمّ إن رَجُلا من الأنصار يسمى عتبان ابن مَالِك دعا سعد بن أبي وَقَّاص إِلَى رأس بعير مشوي فأكلا ثُمّ شربا فسكرا فغضب الْأَنْصَارِيّ فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل اللَّه- تحريم الخمر فِي المائدة «٣» بعد غزوة الأحزاب «٤» ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ «٥» وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ثُمّ استثنى المسافر الَّذِي لا يجد الماء فقال- سبحانه-: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف أصابته جنابة وَهُوَ جريح فشق عَلَيْه الغسل وخاف منه شرًا. أو يَكُون به قرح أَوْ جدري فهو بهذه المنزلة
стр. 256
«فذاك «١» قوله» سبحانه: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» يعني به جرحا فوجدتم الماء فعليكم التيمم وإن كنتم عَلى سَفَرٍ وأنتم أصحاء نزلت فِي عَائِشَة أم الْمُؤْمِنِين «٢» ﵂ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ يعنى الخلاء أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يعني جامعتم فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا يَقُولُ الصحيح الَّذِي لا يجد الماء والمريض الَّذِي يجد الماء يتيمموا «٣» صَعِيداً طَيِّباً يعني حلالا طيبا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى الكرسوع إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا عنكم غَفُوراً- ٤٣- لما كان منكم قبل النهي عن السكر والصلاة والتيمم «بغير وضوء» «٤» وَقَدْ نزلت آية التيمم فِي أمر عَائِشَة- ﵂ بين الصلاتين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً يعني حظا ألم تر إِلَى فعل الَّذِين أعطوا نصيبا يعني حظا مِنَ الْكِتابِ يعني التوراة يَشْتَرُونَ
стр. 257
[٧٦ أ] يعنى يختارون وهم اليهود منهم إصبع «١» ، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يعني باعوا إيمانا بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمد- ﷺ بعد بعثته وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ- ٤٤- يعني أن تخطئوا قصد طريق الهدى كَمَا أخطأوا الهدى نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فِيهِ وفيهما نزلت وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ يعني بعداوتهم إياكم يعني اليهود وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا فلا ولي أفضل من اللَّه- وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً- ٤٥- فلا ناصر أفضل من اللَّه- جلَّ ذكره- وفيهما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ... إلى آخر الآيتين «٢» - نزلت فى عبد الله ابن أُبَيٍّ ومالك بن دخشم وَفِي بني حريملة مِنَ الَّذِينَ هادُوا يعنى اليهود يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ يعنى بالتحريف: نعت محمد- ﷺ عن مواضعه: عن بيانه فِي التوراة، ليا بألسنتهم- وَيَقُولُونَ للنبي- ﷺ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك فلا نطيعك وَاسْمَعْ مِنَّا يا محمد نحدثك غَيْرَ مُسْمَعٍ منك قولك يا محمد. غَيْر مقبول ما تقول وَراعِنا يعني ارعنا سمعك لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ يعني دين الْإِسْلام يقولون «٣» إن دين محمد لَيْسَ بشيء وَلَكِن الَّذِي نَحْنُ عَلَيْه هُوَ الدين. يقول الله- :
стр. 258
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك وَاسْمَعْ مِنَّا وَانْظُرْنا حَتَّى نحدثك يا محمد لَكانَ خَيْراً لَهُمْ من التحريف والطعن فِي الدّين ومن راعنا وَأَقْوَمَ يعني وأصوب من قولهم الَّذِي قَالُوا: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- ٤٦- والقليل الَّذِي آمنوا به: إذ يعلمون أن اللَّه ربهم، وَهُوَ خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد- ﷺ وبما جاء به نزلت فِي رفاعة بن زَيْد بن السّائب، ومالك بن الضيف، وكعب بن أُسَيْد، كلهم يهود مثلها فى آخر السورة. ثم خوفهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني كَعْب بن الأشرف يعني الَّذِين أعطوا التوراة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني بما أنزل اللَّه من القرآن عَلَى محمد مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يَقُولُ تصديق محمد معكم فِي التوراة أَنَّهُ نَبِيّ رسول مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً يَقُولُ نحول الملة عن الهدى والبصيرة التي- كانوا عَلَيْهَا من إيمان بمحمد- ﷺ قبل أن يبعث فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها بعد الهدى الَّذِي كانوا عَلَيْه «١» كفارا ضلالا أَوْ نَلْعَنَهُمْ يعني نعذبهم كَما لَعَنَّا يعني كما عذبنا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول فنمسخهم [٧٦ ب] قردة كَمَا فعلنا بأوائلهم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا- ٤٧- يَقُولُ أمره كائن لا بد. هَذَا وعيد إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فيموت عَلَيْه يعني اليهود وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ الشرك لِمَنْ يَشاءُ لمن مات موحدا فمشيئته- ﵎ لأهل التوحيد.
قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن ثَابِت، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عن» «٢» الهذيل عن مقاتل ابن سُلَيْمَان عن رَجُل عن مُجَاهِد أن الاستثناء لأهل التوحيد وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
стр. 259
معه غيره فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «١» - ٤٨- يَقُولُ فقد قَالَ ذنبا عظيما أَلَمْ تَرَ يعني ألم تنظر إِلَى يعني فعل الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يعنى اليهود
منهم بحرى ابن عمرو، ومرحب بن زَيْد دخلوا بأولادهم إلى النَّبِيّ- ﷺ فقالوا: أَهْل «٢» لهؤلاء ذنوب؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لا. فقالوا:
وَالَّذِي تحلف به ما نَحْنُ إِلَّا كهيئتهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه، وما من ذنب نعمله بالنهار إِلَّا غفر لنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إِلَّا غفر لنا بالنهار، فزكوا أنفسهم،
يَقُولُ اللَّه- : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ يعني يصلح من يشاء من عباده وَلا يُظْلَمُونَ يعني وَلا ينقصون من أعمالهم»
فَتِيلًا- ٤٩- يعني الأبيض الَّذِي يَكُون فِي شق النواة من الفتيل يَقُولُ اللَّه- : يا محمد انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه، وَكَفى بِهِ يعني بما قَالُوا إِثْماً مُبِيناً- ٥٠- يعني بينا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وذلك أن كَعْب بن الأشرف اليهودي وكان عربيا من طيئ، وحيى ابن أخطب انطلقا فِي ثلاثين من اليهود إلى مكة «٤» بعد قتال أحد، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان ابن حرب: إن أحبّ الناس إلينا من يعيننا عَلَى قتال هَذَا الرَّجُل حَتَّى نفنى أَوْ يفنوا، فنزل كَعْب عَلَى أَبِي سُفْيَان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود فِي دور قريش. فَقَالَ كعب لأبى سفيان: ليجيء منكم ثلاثون رَجُلا ومنا ثلاثون رَجُلا، فنلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هَذَا البيت لنجتهدن عَلَى قتال محمد، ففعلوا ذلك. قَالَ أَبُو سفيان
стр. 260
لكعب بن الأشرف: أَنْت امرؤ من أَهْل الكتاب تقرأ الكتاب فنحن أهدى أم ما عَلَيْه محمد. فَقَالَ: إلى ما يدعوكم محمد؟ قَالَ: إِلَى أن نعبد اللَّه وَلا نشرك به شيئًا. قَالَ: فأخبروني ما أمركم؟ وَهُوَ يعلم ما أمرهم. قَالُوا: ننحر الكوماء «١» ، ونقري الضيف، ونفك العاني- يعني الأسير، ونسقي الحجيج الماء، ونعمر بيت ربنا، ونصل أرحامنا، ونعبد إلهنا ونحن أهل الحرم. فقال كعب: أنتم واللَّه أهدى مما عَلَيْه محمد فأنزل اللَّه- : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَقُولُ أعطوا حظا من التوراة يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ يعنى حيى بن أخطب القرظي وَالطَّاغُوتِ [٧٧ أ] وكعب بن الأشرف وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا- ٥١- يعنى طريقا. يقول الله أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني كعبا وأصحابه وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً- ٥٢- فَلَمَّا رجع كَعْب إلى المدينة بعث النَّبِيّ- ﷺ إلى نفر من أصحابه بقتله فقتله محمد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ من بنى حارثة بن الحاراث تِلْكَ الليلة فَلَمَّا أصبح النَّبِيّ- ﷺ سار فِي الْمُسْلِمِين فحاصر أَهْل النضير حَتَّى أجلاهم من المدينة إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام أَمْ لَهُمْ تَقُولُ ألهم والميم هاهنا صلة فلو كان لهم- يعنى اليهود- نَصِيبٌ «٢» يعنى حظ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً- ٥٣- يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي فِي ظهر النواة التي ينبت منها النخلة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني النَّبِيّ- ﷺ وحده عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني ما أعطاهم من فضله، وذلك أن اليهود قَالُوا انظروا إلى هَذَا الَّذِي لا يشبع من الطعام ماله هم إلا النساء
стр. 261
يعنون النَّبِيّ- ﷺ فحسدوه عَلَى النُّبُوَّة وعلى كثرة النّساء، ولو كان نبيا ما رغب فِي النّساء يَقُولُ اللَّه- : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعنى النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً- ٥٤- وكان يُوسُف منهم عَلَى مصر وداود وسليمان منهم، وكان لداود تسعة وتسعون امرأة وكان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سرية فكيف تذكرون محمدا فِي تسع نسوة وَلا تذكرون دَاوُد وسليمان- ﵉ فكان هَؤُلاءِ أكثر نساء، وأكثر ملكا من محمد- ﷺ «١» . ومُحَمَّد أيضا من آل إبراهيم وكان إبراهيم ولوطا، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب- ﵈ يعملون بما فِي صحف إِبْرَاهِيم فَمِنْهُمْ يعني من آل إبراهيم مَنْ آمَنَ بِهِ يَقُولُ صدق بالكتاب الَّذِي جاء به وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعني أعرض عن الْإِيمَان بالكتاب وَلَم يصدق به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً- ٥٥- يَقُولُ وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إِبْرَاهِيم فلا وقود أحر من جَهَنَّم لأهل الكفر ثُمّ أخبر بمستقر الكفار. فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود بِآياتِنا يعني القرآن سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ يعنى احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها جددنا «٢» لهم جلودا غيرها وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كُلّ يوم سبع مرات عَلَى مقدار كُلّ يوم من أيام الدُّنْيَا (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) عذاب النار جديدا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً [٧٧ ب] فى نقمته حَكِيماً- ٥٦- حكم لهم النار ثم
стр. 262
أخبر بمستقر الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ يعني البساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون، لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ يعني النّساء مُطَهَّرَةٌ يعني المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا يعني أكنان القصور ظَلِيلًا- ٥٧- يعني لا خلل فيها إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها نزلت فى عثمان ابن طَلْحَة بن عَبْد اللَّه الْقُرَشِيّ «١» ، صاحب الكعبة فِي أمر مفاتيح الكعبة وذلك
أن الْعَبَّاس بن عَبْد الْمُطَّلِب- ﵁ قَالَ للنبي- ﷺ :
اجعل فينا السقاية والحجابة، لنسود بها الناس، وَقَدْ كان أَخَذَ المفتاح من عُثْمَان حين افتتح مكة. فَقَالَ عُثْمَان بن طَلْحَة للنبي- ﷺ : «إن كُنْت تؤمن بِاللَّه واليوم الآخر فادفع إليّ المفتاح» . فدفع النَّبِيّ- ﷺ المفتاح ثُمّ أخذه ثلاث مرات ثُمّ إن النَّبِيّ- ﷺ طاف بالبيت فأنزل اللَّه- ﵎ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ لعثمان: خذه بأمانة اللَّه حين دفع إِلَيْهِ المفتاح.
فَقَالَ الْعَبَّاس- ﵁ للنبي- ﷺ : جعلت السقاية فينا والحجابة لغيرنا. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : أما ترضون
стр. 263
أني جعلت لَكُمْ ما تدرون، ونحيت عنكم ما لا تدرون، ولكم أجر ذَلِكَ. قَالَ الْعَبَّاس: بلى. قَالَ: بشرفهم بذَلِكَ أَيّ تفضلون عَلَى الناس، وَلا يفضل الناس عليكم.
ثُمّ قَالَ- : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً- ٥٨- فلا أحد أسمع منه «بصيرا» فلا أحد أبصر منه فكان من العدل أن دفع السقاية إلى الْعَبَّاس بن عَبْد الْمُطَّلِب والحجابة إلى عُثْمَان بن طَلْحَة لأنهما كانا أهلها فى الجاهلية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وذلك
أن النبي- ﷺ بعث خَالِد بن الْوَلِيد عَلَى سرية فيهم عمار بن ياسر فساروا حَتَّى دنوا من الماء فعرسوا قريبا وبلغ العدو أمرهم فهربوا، وبقي منهم رَجُل فجمع متاعه، وجاء ليلا فلقي عمارا، فَقَالَ: يا أبا اليقظان، إن القوم سمعوا بكم، فهربوا وَلَم يبق غيري، وَقَدْ أسلمت، وشهدت ألا إله إِلَّا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله فهل الْإِسْلام نافعي.
فَقَالَ عمار: ينفعك فأقم فَلَمَّا أصبح خَالِد غار بخيله، فلم يجد إلا هذا الرجل وما له.
فَقَالَ عمار: خل عن هَذَا الرَّجُل وماله فقد أسلم وَهُوَ فِي أماني. قَالَ خَالِد: فيم أَنْت تجير دوني وأنا أمير عليك «١» . فاستبا فلما رجعا إلى المدينة أجاز [٧٨ أ] النَّبِيّ- ﷺ أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية عَلَى أمير، فَقَالَ خَالِد:
يا نَبِيّ اللَّه يسبني هَذَا العبد الأجدع وشتم خَالِد عمارا. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لخالد لا تسب عمارا فَمنْ سب عمارا سب اللَّه، ومن أبغض عمارا أبغضه اللَّه، ومن لعن عمارا لعنه اللَّه، فغضب عمار، فقام فذهب. فَقَالَ النبي- صلى الله
стр. 264
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لخالد: قم فاعتذر إِلَيْهِ. فأتاه خَالِد فأخذ بثوبه، فاعتذر إِلَيْهِ، فأعرض عَنْهُ، فأنزل الله- فى عمار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يعني خَالِد بن الْوَلِيد
لأن النَّبِيّ- ﷺ كان ولاه أمرهم فأمر اللَّه- بطاعة أمراء سرايا رَسُول اللَّهِ- ﷺ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ من الحلال والحرام يعني خالدا وعمارا فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ يعنى إلى القرآن وإلى الرَّسُولَ يعني سنة النَّبِيّ- ﷺ : نظيرها فِي النور «١» ثُمّ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني تصدقون بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني باليوم الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فليفعل ما أمر اللَّه ذلِكَ الرد إليهما خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا- ٥٩- يعني وأحسن عاقبة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا يعني صدقوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَصدقوا ب ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتاب «٢» على الأنبياء وذلك
أن بشر المنافق إلى كَعْب، ثُمّ إنهما اختصما إلى النَّبِيّ- ﷺ فقضى لليهودي عَلَى المنافق «٣» . فَقَالَ المنافق لليهودي: انطلق أخاصمك إلى عُمَر بن الخَطَّاب- ﵁. فَقَالَ اليهودي لعمر- ﵁: إني خاصمته إلى محمد- ﷺ فقضى لي فلم يرض بقضائه فزعم أَنَّهُ مخاصمني إليك. فَقَالَ عُمَر- ﵁ للمنافق: أكذلك. قَالَ: نعم أحببت أن أفترق
стр. 265
عن حكمك. فَقَالَ عُمَر- ﵁: مكانك حَتَّى أخرج إليكما. فدخل عُمَر- ﵁ فأخذ السيف، واشتمل عَلَيْه، ثُمّ خرج إلى المنافق فضربه حَتَّى برد. فَقَالَ عُمَر- ﵁: هكذا أقضي عَلَى من لَمْ يرض بقضاء اللَّه- وقضاء رسوله- ﷺ وأتى جبريل- ﵇ إلى النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: يا محمد قَدْ قتل عمر الرجل «١» وفرق
стр. 266
اللَّه بين الحق والباطل فسمي عُمَر- ﵁ الفاروق فأنزل اللَّه- فِي بشر المنافق أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني كَعْب بن الأشرف وكان يتكهن وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [٧٨ ب] يعنى أن يتبرأوا من الكهنة وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ٦٠- يعني طويلا وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فى كتابه وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يعنى بشرا يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً- ٦١- يعني يعرضون عنك يا محمد إعراضا إلى غيرك مخافة أن تحيف عليهم فَكَيْفَ بهم يعنى المنافقين: إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فى أنفسهم بالقتل بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي فِي التقديم، ثُمّ انقطع الكلام، ثُمّ ذكر الكلام، فَقَالَ- عَزَّ ذكره-: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ نظيرها «١» فى سورة براءة. إِنْ أَرَدْنا ببناء مسجد القرار إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً- ٦٢- يعني إِلَّا الخير والصواب وفيهم نزلت وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى يعني إِلَّا الخير وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فِي قولهم الَّذِي حلفوا به أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ بلسانك
стр. 267
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً- ٦٣- نسختها آية السيف وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ يعني إِلَّا لكي يطاع بِإِذْنِ اللَّهِ يَقُولُ لا يطيعه أحد حَتَّى يأذن اللَّه- لَهُ فِي طاعة رسوله- ﷺ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ بالذنوب يعني حين لَمْ يرضوا بقضائك جاءوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذنوبهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً- ٦٤- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وذلك
أن الزُّبَير بن الْعَوَّام- ﵁ «وهو» «١» من بنى أسد ابن عَبْد العزى، وحاطب بن أَبِي بلتعة العنسي «٢» من مذحج وهو حليف لبنى أسد ابن عَبْد الْعُزَّى، اختصما إلى النَّبِيّ- ﷺ فِي الماء وكانت أرض الزُّبَير فوق أرض حاطب، وجاء السيل. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ للزبير: «اسق، ثُمّ أرسل الماء إلى جارك» «٣» . فغضب حاطب وقَالَ للنبي- ﷺ : أما إنَّه ابْن عمتك. فتغير وجه النَّبِيّ- ﷺ . ومر حاطب عَلَى المقداد بن الأسود الكِنْديّ، فَقَالَ: يا أبا بلتعة لمن كان القضاء، فَقَالَ: قضى لِابْن عمته، ولوي شدقه فأنزل اللَّه- فأقسم «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ» حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ يعني اختلفوا بينهم يَقُولُ لا يستحقون الْإِيمَان حَتَّى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فِيهِ من شيء ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ يَقُولُ لا يجدون فِي قلوبهم شكا مما قضيت أَنَّهُ الحق وَيُسَلِّمُوا لقضائك لهم وعليهم تَسْلِيماً- ٦٥-.
فقالت اليهود: قاتل اللَّه هَؤُلاءِ، ما أسفههم! يشهدون أن محمدا رسول اللَّه ويبذلون لَهُ دماءهم وأموالهم، ووطئوا عقبه، ثُمّ يتهمونه فى القضاء، فوالله لقد
стр. 268
أمرنا موسى- ﵇[٧٩ أ] فِي ذنب واحد أتيناه فقتل بعضنا بعضا فبلغت القتلى سبعين ألفا حَتَّى رضي اللَّه عنا، وما كان يفعل ذَلِكَ غيرنا، فَقَالَ:
عِنْد ذَلِكَ ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ: فوالله، إن اللَّه- ليعلم أَنَّهُ لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها. فانزل الله- في قول ثابت:
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا يَقُولُ لو أَنَا فرضنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ فكان من ذَلِكَ القليل عمار بن ياسر وعبد اللَّه بن مَسْعُود وثابت بن قَيْس، فقال عمر بن الخطاب- ﵁: واللَّه لو فعل ربنا لفعلنا.
فالحمد للَّه الذيّ لَمْ يفعل بنا ذَلِكَ.
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : وَالَّذِي نفسي بيده للإيمان أثبت فِي قلوب الْمُؤْمِنِين من الجبال الرواسي.
ثُمّ قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ من القرآن لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فِي دينهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً- ٦٦- يعني تصديقا فِي أمر اللَّه- وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا يعني من عندنا أَجْراً عَظِيماً- ٦٧- يعني الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ٦٨-
فَلَمَّا نزلت «إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : «لعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن مَسْعُود، وثابت بن الشماس من أولئك القليل» وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ نزلت فِي رَجُل من الأَنْصَار يسمى عَبْد اللَّه بن زَيْد بن عَبْد ربه الْأَنْصَارِيّ قَالَ للنبي- ﷺ «وَهُوَ الَّذِي رَأَى الأذان فِي المنام مَعَ عُمَر بن الخَطَّاب- ﵄» «١» : إذا خَرَجْنَا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حَتَّى نرجع إليك، فَذَكَرَتْ درجاتك فِي الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة «٢» . فأنزل اللَّه- وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ «٣»
стр. 269
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ بالنبوة وَالصِّدِّيقِينَ بالتصديق وهم أول من صدق بالأنبياء- ﵈ حين عاينوهم وَالشُّهَداءِ يعني القتلى فِي سبيل اللَّه بالشهادة وَالصَّالِحِينَ يعني المؤمنين أهل الجنة وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً- ٦٩- ذلِكَ يعني هَذَا الثواب هُوَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً- ٧٠- فَلَمَّا تُوُفّي النَّبِيّ- ﷺ أتاه ابنه وَهُوَ فِي حديقة لَهُ فَأَخْبَرَه بموت النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اعمني فلا أرى شيئًا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النَّبِيّ- ﷺ حبا شديدا فجعله اللَّه- مَعَ النَّبِيّ- ﷺ فى الجنة «١» .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ يعني عدتكم من السلاح فَانْفِرُوا ثُباتٍ عصبا سرايا «جماعة» «٢» إلى عدوكم أَوِ انْفِرُوا إليهم جَمِيعاً- ٧١- مَعَ النَّبِيّ- ﷺ إذا نفر [٧٩ ب] وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ يعني ليتخلفن النفر. نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيّ بن ملك بن أَبِي عَوْف بن الخزرج رأس المنافقين فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعني بلاء من العدو أَوْ شدة من العيش قالَ المنافق قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً- ٧٢- يعني شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ «٣» فَضْلٌ يعني رزق مِنَ اللَّهِ- يعني الغنيمة لَيَقُولَنَّ ندامة فِي التخلف كَأَنْ لَمْ تَكُنْ «٤» بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ فى الدين
стр. 270
والولاية يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً- ٧٣- فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا. فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فيقتل فِي سبيله أَوْ يغلب عدوه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- ٧٤- فِي الجنة
لقولهم للنبي- ﷺ : إن نقاتل فنقتل وَلا نقتل؟
فنزلت هَذِهِ الآية
فأشركهم جميعًا فِي الأجر وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وتقاتلون عن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ «١» يعني المقهورين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ المقهورين بمكة حَتَّى يتسع الأمر ويأتي إِلَى الْإِسْلام من أراد منهم ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني مكة الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يعني من عندك وليا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً- ٧٥- عَلَى أَهْل مكة والمستضعفين من الرجال يعني الْمُؤْمِنِين قَالَ ابْن عَبَّاس- ﵀: كُنْت أنا وأمي من المستضعفين من النّساء والولدان.
ثُمّ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني طاعة اللَّه وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ يعني فِي طاعة الشَّيْطَان ثُمّ حرض اللَّه- الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ يعني المشركين بمكة إِنَّ كَيْدَ يعني إن مكر الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً- ٧٦- يعني واهنا كقوله- سُبْحَانَهُ-:
مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ «٢» يعني مضعف كيد الكافرين. فسار النَّبِيّ- ﷺ إلى مكة ففتحها وَجَعَل اللَّه- للمستضعفين مخرجا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتال. نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف وسعد بن أَبِي وَقَّاص- ﵄ وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون
стр. 271
الْجُمَحِيّ والمقداد بن الأسود الكِنْديّ- ﵃ وذلك
أنهم استأذنوا فِي قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَإِنِّي لَمْ أومر بقتالهم، فَلَمَّا [٨٠ أ] هاجر النَّبِيّ- ﷺ إلى المدينة أمر اللَّه- بالقتال فكره بعضهم «١» فذلك قوله- : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ يعني فرض القتال بالمدينة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ نزلت فِي طَلْحَة بن عُبَيْدُ اللَّهِ- ﵁ يَخْشَوْنَ النَّاسَ يعني كفار مكة كَخَشْيَةِ اللَّهِ فلا يقاتلونهم أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ «٢» يعني لَم فرضت علينا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ هلا تركتنا حَتَّى نموت موتا وعافيتنا من القتل قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ تتمتعون فيها يسيرا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ من الدُّنْيَا يعني الجنة أفضل من الدُّنْيَا لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ من أعمالكم «٣» الحسنة فَتِيلًا- ٧٧- يعني الأبيض الَّذِي يَكُون فِي وسط النواة حَتَّى يجازوا بها ثُمّ أخبر عن كراهيتهم للقتال ذاكرا لهم أن الموت فِي أعناقكم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَيْنَما تَكُونُوا من الأرض يُدْرِكْكُمُ يعني يأتيكم الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يعني القصور الطوال المشيدة إلى السماء فِي الحصانة حين»
لا يخلص إِلَيْهِ ابْن آدم يخلص إليه الموت حين يفر منه. وقَالَ «٥» عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ- لما قتلت الأَنْصَار يوم أحد-
стр. 272
قَالَ «١» : لو أطاعونا ما قتلوا. فنزلت أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يعني القصور ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- عن المنافقين- عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه- فَقَالَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ببدر يعني نعمة وهي الفتح والغنيمة يَقُولُ هَذِهِ الحسنة من عِنْد اللَّه وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني بلية وهي القتل والهزيمة يوم أحد يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يا محمد أَنْت حملتنا عَلَى هَذَا، وَفِي سببك كان هَذَا. فَقَالَ- لنبيه- ﷺ قُلْ كُلٌّ يعني الرخاء والشدة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ يعنى المنافقين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً- ٧٨- أن الشدة والرخاء والسيئة والحسنة من اللَّه ألا يسمعون ما يحذرهم ربهم فِي القرآن؟ يعنى عبد الله بن أبى. فقال الله- لنبيه- ﷺ : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يعني الفتح والغنيمة يوم بدر فَمِنَ اللَّهِ كان وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ يعني البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد فَمِنْ نَفْسِكَ يعني فبذنبك، يعني ترك المركز، وَفِي مصحف عَبْد اللَّه بن مَسْعُود وأبي بن كَعْب «فبذنبك وأنا كتبتها عليك» وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- ٧٩- يعني فلا شاهد أفضل من اللَّه بأنك رسوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «٢» وذلك
أن النبي- ﷺ قال [٨٠ ب] فِي المدينة «من أحبني فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعنى
стр. 273
فقد أطاع اللَّه» . فَقَالَ المنافقون: ألا تسمعون إلى هَذَا الرَّجُل وما يقُولُ؟ لقَدْ قارب الشرك وَهُوَ ينهي ألا يعبد إِلَّا اللَّه، فَمَا حمله عَلَى الَّذِي قَالَ إِلَّا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كَمَا اتخذت النَّصارى عِيسَى ابْن مريم حنانا. فأنزل اللَّه- تصديقا لقوله نبيه- ﷺ
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى عرض عن طاعتهما فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً- ٨٠- يعني رقيبا ثُمّ أخبر عن المنافقين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَيَقُولُونَ طاعَةٌ للنبي- ﷺ حين أمرهم بالجهاد، وذلك أنهم دخلوا على النبي- ﷺ فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة. فإذا خرجوا من عنده «١» خالفوا. وقالوا غَيْر الَّذِي قال لهم النَّبِيّ- ﷺ فأنزل اللَّه- وَيَقُولُونَ طاعَةٌ للنبي- ﷺ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ يعني خرجوا من عندك يا محمد بَيَّتَ طائِفَةٌ يَقُولُ «٢» ألفت طائفة مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ يعني الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني الجلاس بن سُوَيْد، وعَمْرو بن زَيْد فلا تعاتبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني وثق بِاللَّه- وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ٨١- يعني وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من اللَّه- ويُقَالُ وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون، ثُمّ وعظهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ يعني أفلا يسمعون الْقُرْآنَ فيعلمون أَنَّهُ وَلَوْ «٣» كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً- ٨٢- يعني كذبا كبيرا لأن الِاخْتِلاف فِي قول الناس،
стр. 274
وقول اللَّه- لا اخْتِلاف فِيهِ وَإِذا جاءَهُمْ يعني المنافقين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ يعنى شيئا من الأمر يسر الْمُؤْمِنِين من الفتح والخير، قصروا عما جاءهم من الخير «١» . ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَوِ الْخَوْفِ يعني فَإِن جاءهم بلاء أو شدة نزلت بالمؤمنين أَذاعُوا بِهِ يعني أفشوه فإذا سَمِع ذَلِكَ المسلمون كاد أن يدخلهم الشك «٢» وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ حَتَّى يخبر الرَّسُول- ﷺ بما كان من الأمر أوردوه وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ «٣» يَقُولُ أمراء السرايا فيكونون هُم الَّذِين يخبرون ويكتبون به لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعنى الذين يتبينونه منهم يعني الخير عَلَى وجهه ويحبوا أن يعلموا ذَلِكَ فيعلمونه. ثُمّ قَالَ- سبحانه- وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ يعني ونعمته فعصمكم من قول المنافقين لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا- ٨٣-[٨١ أ] نزلت فِي أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك ثُمّ قَالَ- : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فأمره أن يقاتل بنفسه لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ يعني لَيْسَ عليك ذنب غيرك وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ يعنى وحضض عَلَى القتال يعني عَلَى قتال العدو عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ يعني قتال الَّذِينَ كَفَرُوا «٤» وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً يعني أخذا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا- ٨٤- يعني نكالا يعني عقوبة من الكفار ولو
стр. 275
لَمْ يطع النَّبِيّ- ﷺ أحدا من الكفار لكفاه اللَّه- .
وقوله- سبحانه-: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً لأخيه المسلم بخير يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها يعني حظا من الأجر من أجل شفاعته وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً وَهُوَ الرَّجُل يذكر أخاه بسوء عِنْد رَجُل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ فذلك قوله- سبحانه-:
يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثما من شفاعته وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً- ٨٥- من الحيوان، عَلَيْه قوت كُلّ دابة لمدة رزقها وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها نزلت فِي نفر بخلوا بالسلام «١» . فحيوا بأحسن منها أَوْ رُدُّوها يَقُولُ فردوا عَلَيْه أحسن مما قَالَ، قَالَ: فيقول وعليك ورحمة اللَّه وبركاته، أو يرد عَلَيْه مثل ما سلم عَلَيْه «٢» . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أمر التحية إن رددت عَلَيْهَا أحسن منها أَوْ مثلها حَسِيباً- ٨٦- يعني شهيدا. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ نزلت في قوم شكوا في البعث فأقسم اللَّه- بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك فِي البعث وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً- ٨٧- يَقُولُ فلا أحد أصدق من اللَّه حديثًا إذا حدَّث يعني فِي أمر البعث فَما لَكُمْ صرتم فِي الْمُنافِقِينَ نزلت فِي تسعة نفر- منهم- مَخْرَمَة بن زَيْد الْقُرَشِيّ- هاجروا من مكة إلى المدينة فقدموا وأرادوا الرجعة، فَقَالَ بعضهم: نخرج كهيئة البداة فإذا غفل عنا مضينا إلى مكة فجعلوا يتحولون منقلة منقلة حَتَّى تباعدوا من المدينة ثُمّ إنهم أدلجوا حَتَّى أصبحوا قَدْ قطعوا أرضا بعيدة فلحقوا بمكة فكتبوا إلى النَّبِيّ- ﷺ إنا على ما فرقناك عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخواننا بمكة،
стр. 276
ثُمّ إنهم خرجوا تجارا إلى الشام واستبضعهم أَهْل مكة بضائعهم، فقالوا لهم: أنتم عَلَى دين محمد- ﷺ وأصحابه فلا بأس عليكم فساروا وبلغ الْمُسْلِمِين «أمرهم» «١» ، فَقَالَ بعضهم لبعض: اخرجوا إلى هَؤُلاءِ فنقاتلهم، ونأخذ ما معهم فإنهم تركوا دار الهجرة وظاهروا عدونا. وقال آخرون [٨١ ب] :
ما حلت دماؤهم وَلا أموالهم ولكنهم فتنوا، ولعلهم يرجعوا للتوبة والنبي- ﷺ ساكت، فأنزل اللَّه- يخبر عن التسعة رهط ويعظ الْمُؤْمِنِين ليكون أمرهم جميعًا عليهم. فَقَالَ اللَّه- : «فَما لَكُمْ» صرتم «فِي الْمُنافِقِينَ» فِئَتَيْنِ تختصمون وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ «٢» يعني أضلهم فردهم إلى الكفر بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا- ٨٨- ثُمّ أخبر عن التسعة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً أنتم وهم عَلَى الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني حَتَّى يهاجروا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِن أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ يعني أَيْنَ وَجَدْتُمُوهُمْ من الأرض فِي الحل والحرم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- ٨٩- يعني وَلا ناصرا. ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ يعني التسعة المرتدين إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني عهد خزاعة وبني خُزَيْمة وفيهم نزلت إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «٣» إن وصل هَؤُلاءِ التسعة إلى أهل عهدكم وهم خزاعة منهم: هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جشم
стр. 277
وبنو مدلج وبنو جذيمة «١» وهما حيان من كنانة. فلا تقتلوا التسعة لأن النَّبِيّ- ﷺ صَالَح هَؤُلاءِ عَلَى أن من يأتيهم من الْمُسْلِمِين فهو آمن. يَقُولُ:
إن وصل هَؤُلاءِ وغيرهم إلى أهل عهدكم فإن لهم مثل الَّذِي لحلفائهم. ثُمّ قَالَ- أَوْ جاؤُكُمْ يعني بني جذيمة حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ يعني ضيقة قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ يعني ضاقت قلوبهم أن يقاتلوكم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ من التسعة ثُمّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ يخوف الْمُؤْمِنِين ثُمّ قَالَ:
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ يعني الصلح يعني هلالا وقومه خزاعة فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا- ٩٠- فِي قتالهم سَتَجِدُونَ آخَرِينَ
منهم أسد غطفان أتوا النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ لهم النَّبِيّ- ﷺ : أجئتم مهاجرين؟ قَالُوا: بل جئنا مسلمين- فإذا رجعوا إلى قومهم قَالُوا آمنا بالعقرب والخنفساء إذ تعود، فَقَالَ: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ» يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ
يعني يأمنوا فيكم مَعْشَر الْمُؤْمِنِين بأنهم مقرون بالتوحيد وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ المشركين لأنهم عَلَى دينهم كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يعني كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يَقُولُ عادوا فِي الشرك فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ فى القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ يعني الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ [٨٢ أ] يعنى: أأسروهم واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني أدركتموهم من الأرض فِي الحل والحرم وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً- ٩١- يعنى حجة بيّنة ثم صارت منسوخة وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ يعني عَيَّاش بن أَبِي رَبِيعَة بن المغيرة المخزومي يقول ما كان
стр. 278
ينبغي لمؤمن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً يعني الْحَارِث بن يزيد بن أَبِي أنيسة من بنى عامر ابن لؤي إِلَّا خَطَأً وذلك أن الْحَارِث أسلم فِي موادعة أَهْل مكة فقتله عَيَّاش خطأ وكان عَيَّاش قَدْ حلف عَلَى الْحَارِث بن يَزِيد ليقتلنه وكان الْحَارِث يومئذ مشرك فأسلم الْحَارِث وَلَم يعلم به عَيَّاش فقتله بالمدينة «١» وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي التي قَدْ صلت للَّه ووحدت اللَّه وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أى المقتول إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يَقُولُ إِلَّا أن يصدق أولياء المقتول بالدية عَلَى القاتل فهو خير لَهمْ فَإِنْ كانَ هذا المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ من أَهْل الحرب وَهُوَ يعني المقتول مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ نزلت فى مرداس بن عُمَر القَيْسيّ «٢» وَلا دية لَهُ [وَإِنْ كانَ هَذَا المقتول وكان ورثته مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعنى عهد فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ «٣» ] أَيّ إلى أهل المقتول يعني إلى ورثته بمكة وكان بين النَّبِيّ- ﷺ وبَيْنَ أَهْل مكة يومئذ عهد. وَعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الدية فعليه فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ تِلْكَ الكفارة تجاوز من اللَّه فِي قتل الخطأ لهذه الأمة لأن الْمُؤْمِن كان يقتل بالخطأ فِي التوراة عَلَى عهد مُوسَى- ﵇ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ٩٢- حكم الكفارة والرقبة وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً نزلت فِي مقيس بن ضبابة الكناني، ثُمّ الليثي قتل رَجُلا من قريش يُقَالُ لَهُ عمر ومكان أَخِيهِ هِشَام بن ضبابة، وذلك
أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلا فِي الأَنْصَار فِي بني النَّجّار، فانطلق إلى النَّبِيّ- ﷺ فَأَخْبَرَه بِذَلِك فأرسل النَّبِيّ- صلى الله
стр. 279
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الأنصار رَجُلا من بني فهر مَعَ مقيس فَقَالَ: ادفعوا إلى مقيس قاتل أَخِيهِ، إن علمتم ذَلِكَ، وإلا فادفعوا إِلَيْهِ ديته. فَلَمَّا جاءهم الرَّسُول، قَالُوا:
السمع والطاعة للَّه ولرسوله واللَّه ما نعلم لَهُ قاتلا، ولكنا نؤدي ديته، ودفعوا «١» إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فَلَمَّا انصرف مقيس عمد إلى رسول رَسُول اللَّهِ- ﷺ فقتله وفر «٢» وارتد عن الْإِسْلام «ورحل من المدينة» «٣»
وساق معه الدية ورجع «٤» إلى مكة كافرا، وَهُوَ يَقُولُ فِي شعره [٨٢ ب] :
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النَّجّار أرباب فارع
وأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فنزلت فِيهِ بعد ما قتل النَّفْس وارتد عن الْإِسْلام وساق معه الدية إلى مكة نزلت فِيهِ الآية «٥» وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً يعني الفهري مُتَعَمِّداً لقتله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً- ٩٣- وافر الانقطاع لَهُ بقتله النَّفْس، وبأخذه الدية «٦» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وذلك أن النبي- ﷺ بعث سرية، وبعث عَلَيْهَا غالب بن عَبْد اللَّه الليثي أخا ثميلة بن عَبْد اللَّه. فَلَمَّا أصبحوا رأوا رَجُلا يسمى مِرْداس بن عمرو «٧» بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أَهْل فدك معه غنيمة لَهُ، فَلَمَّا رَأَى الخيل ساق غنيمته حَتَّى أحرزها فِي الجبل- وكان قَدْ أسلم من الليل وأخبر أهله بِذَلِك- فَلَمَّا دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فَقَالَ: سلام عليكم، إنى مؤمن.
стр. 280
فحمل عَلَيْه أُسَامَة بن زَيْد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فَقَالَ مِرْداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
فطعنه أُسَامَة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه.
فَلَمَّا قدِم المدينة أخبر أُسَامَة النَّبِيّ- ﷺ . فلامه النَّبِيّ ملامة شديدة. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ قتلته وَهُوَ يَقُولُ لا إله إِلَّا اللَّه؟ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فَقَالَ: فلا صدقته بلسانه وَلا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فَقَالَ: استغفر لي يا رسول الله. قَالَ: فكيف لك بلا إله إِلَّا اللَّه يَقُولُ ذَلِكَ ثلاث مرات.
فاستغفر لَهُ النَّبِيّ- ﷺ الرابعة.
قَالَ أُسَامَة فِي نفسه: وددت أني لَمْ أسلم حَتَّى كان يومئذ فأمره النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم- أن يعتق رقبة. قَالَ مُقَاتِلٌ- ﵀: فعاش أُسَامَة زمن أَبِي بَكْر وعمر وعثمان- ﵃ حَتَّى أدرك عَلِيّ بْن أبي طَالِب- ﵁ فدعاه علي- ﵀ إلى القتال. فَقَالَ أُسَامَة: ما أحد أعز علي منك، وَلَكِن لا أقاتل مسلما بعد قول النَّبِيّ- ﷺ :
كيف لك بلا إله إِلَّا اللَّه؟
«فَإِن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قَالَ السيف: هَذَا مُسْلِم. وإن ضربت به كافرا، قَالَ لي: هَذَا كافر، قاتلت معك. فَقَالَ لَهُ علي» «١» : اذهب حيث شئت. فانزل الله- : «٢» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 281
«١»
: يعني سرتم غزاة فِي سبيل اللَّه. فَتَبَيَّنُوا من تقتلوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ يعني مِرْداس وذلك أَنَّهُ قَالَ لهم: السَّلام عليكم إني مؤمن لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني غَنْم مِرْداس فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فِي الآخرة والجنة كَذلِكَ يعني هكذا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ الهجرة بمنزلة مِرْداس تأمنون فِي قومكم بالتوحيد من أصحاب النَّبِيّ- ﷺ إذا لقوكم.
فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بِمِثْلِهِ قبل هجرتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة فهاجرتم فَتَبَيَّنُوا إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- ٩٤- فَقَالَ أسامة واللَّه لا أقتل رَجُلا بعد هذا يقول لا إله إلّا الله. وقوله- سبحانه-: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الغزو مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعني عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ، وابن أم مَكْتُوم من أَهْل العذر «٢» .
قَالَ أَبُو محمد «٣» : هُمْ ثلاثة منهم عَبْد اللَّه بن جحش، عقد لَهُ النَّبِيّ- ﷺ وعُبَيْدُ اللَّهِ مات نصرانيا، وعبد اللَّه بن جحش هُوَ الضرير الَّذِي نزل فِيهِ قوله- : «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» «٤» .
стр. 282
يَقُولُ «١» -: : لا يَسْتَوِي فِي الْفَضْل القاعد الَّذِي لا عذر لَهُ، والمجاهد بنفسه وماله فِي سبيل اللَّه. وهي غزوة تبوك قَالَ-: :
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ من أَهْل العذر دَرَجَةً يعني فضيلة عَلَى القاعدين وَكُلًّا يعني المجاهد والقاعد المعذور وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى يعني الجنة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ الَّذِين لا عذر لهم أَجْراً عَظِيماً- ٩٥- دَرَجاتٍ مِنْهُ يعني فضائل من اللَّه فِي الجنة سبعين درجة بين كُلّ درجتين مسيرة سبعين سنة وَمَغْفِرَةً لذنوبهم وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ٩٦- يعني أبا لبابة، وأوس بن حزام، ووداعة بن ثعلب، وكعب بن مَالِك، وهلال بن أُمَيَّة، ومرارة بن رَبِيعَة من بني عمرو ابن عَوْف كلهم من الأَنْصَار إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ وذلك أنه كان نفر أسلموا بمكة مَعَ النَّبِيّ- ﷺ منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عُقْبة بن رَبِيعَة بن عبد شمس، وعمرو بن أمية ابن سُفْيَان بن أُمَيَّة بن عَبْد شمس، والعلاء «٢» بن أُمَيَّة بن خلف الْجُمَحِيّ ثُمّ إنهم أقاموا عن «٣» الهجرة وخرجوا مَعَ المشركين إلى قتال بدر، فَلَمَّا رأوا قلة الْمُؤْمِنِين شكوا فى النبي- ﷺ [٨٣ ب] وقالوا: غر هَؤُلاءِ دينهم، وكان بعضهم نافق بمكة فَلَمَّا قُتِل هَؤُلاءِ ببدر قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم وَهُوَ ملك الموت وحده: فِيمَ كُنْتُمْ؟ يَقُولُ فِي أَيّ شيء كنتم قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ يعني كُنَّا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان،
стр. 283
قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً من الضيق يعني أرض اللَّه المدينة فَتُهاجِرُوا فِيها؟ يعني إليها ثُمّ انقطع الكلام فَقَالَ- : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً- ٩٧- يعني وبئس المصير صاروا، ثُمّ استثنى أَهْل العذر فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فليس مأواهم جهنم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً يَقُولُ لَيْسَ لهم سعة للخروج إلى المدينة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا- ٩٨- يعني وَلا يعرفون طريقا إلى المدينة فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ والعسى من اللَّه واجب وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا عَنْهُمْ غَفُوراً- ٩٩- فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة فِي عذر. فَقَالَ ابْن عَبَّاس- ﵁: أَنَا يومئذ من الولدان، وأمي من النّساء.
فبعث النَّبِيّ- ﷺ بهذه الآية إلى مسلمي مكة. فَقَالَ جُنْدُب ابن حمزة الليثي ثُمّ الجندعي لبنيه: احملوني فَإِنِّي لست من المستضعفين وإني لهاد بالطريق ولو مت لنزلت فِي الآية «١» . وكان شيخا كبيرا «٢» فحمله بنوه عَلَى سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب النَّبِيّ- ﷺ موته، فقالوا: لو لحق بنا لأتم اللَّه أجره فأراد اللَّه- أن يعلمهم أَنَّهُ لا يخيب من التمس رضاه فأنزل اللَّه- : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٣» يعني في طاعة الله إِلَى المدينة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يعنى
стр. 284
متحولا عن الكفر وَسَعَةً فِي الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ١٠٠- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا ضَرَبْتُمْ يعني سرتم فِي الْأَرْضِ يعني غزوة بني أنمار ببطن مكة فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أن يقتلكم. كقوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ «١» يعني أن يقتلكم الَّذِين «٢» كفروا من أَهْل مكة فيصيبوا منكم طائفة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً- ١٠١- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ يعني النَّبِيّ- ﷺ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حذرهم من عدوهم وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ [٨٤ أ] يعنى تذرون عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ يعني فيحملون عَلَيْكُمْ جميعًا مَيْلَةً واحِدَةً يعني حملة واحدة يعني كرجل واحد عِنْد غفلتكم ثُمّ رخص لهم فِي وضع السلاح عِنْد المطر أَو المرض «٣» فَقَالَ: وَلا جُناحَ يعني لا حرج عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
من عدوكم عِنْد وضع السلاح إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً- ١٠٢- يعنى الهوان. وكان «٤» تقصير الصَّلاة بعسفان «٥» - بين مكة والمدينة- والنبي- ﷺ بإزاء الَّذِين خافوه وهم غطفان فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ يعني صلاة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
стр. 285
إذا أقمتم فِي بلادكم فأقيموا الصَّلاة يعني فأتموا الصَّلاة كاملة وَلا تقصروا إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً- ١٠٣- يعني فريضة معلومة كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ «١» يعني فرض عليكم القتال.
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ يَقُولُ وَلا تعجزوا: كقوله: فَما وَهَنُوا «٢» يعني فَمَا عجزوا فِي طلب أَبِي سُفْيَان وأصحابه يوم أحد بعد القتل بأيام فاشتكوا إلى النَّبِيّ- ﷺ الجراحات فأنزل الله- إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ يعنى تتوجعون فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ يعني يتوجعون كَمَا تتوجعون وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ من الثواب والأجر ما لا يَرْجُونَ يعني أبا سُفْيَان وأصحابه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ١٠٤- فِي أمره. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وذلك أن يهوديا يسمى زَيْد بن السمين، كان استودع طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ- من الأوس من بني ظفر بن الْحَارِث- درعا «٣» من حديد ثُمّ إن زَيْدا اليهودي طلب درعه فجحده طعمة، فَقَالَ زَيْد لقومه:
قَدْ ذكر لي أن الدرع عنده فانطلقوا حَتَّى نلتمس داره فاجتمعوا ليلا فأتوا داره، فَلَمَّا سَمِع جلبة القوم أحس «٤» قلبه أن القوم إِنَّمَا جاءوا من أجل الدرع فرمى به فِي دار أَبِي مليك فدخل القوم داره فلم يجدوا الدرع فاجتمع الناس، ثُمّ إن طعمة اطلع فِي دار أَبِي مليك «٥» ، فَقَالَ: هَذَا درع فِي دار أَبِي مليك، فلا أدري: هِيَ لَكُمْ أم لا؟ فأخذوا الدرع ثُمّ إن قوم طعمة- قَتَادَة بن النُّعْمَان وأصحابه- قَالُوا:
انطلقوا بنا إلى النَّبِيّ- ﷺ فلنبرئ صاحبنا، ونقول إنهم أتونا