- ١- راى مقاتل فى المحكم والمتشابه
ان الأساس فى هذا الموضوع هو ان كلمة آيات متشابهات قد وردت فى القرآن الكريم فى مقابل آيات محكمات «١» وذلك فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ «٢» .
«وقد اتفق المفسرون على ان فى هذه الآية روايتين مشهورتين بالنسبة للوقف» «٣» .
فقد روى الوقف على كلمة (الله) فى قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وهذه الرواية تقتضي التفويض عند الجمهور، والا يخوض الناس فيها والا يحاولوا إدراكها، وانه لا يحاول التأويل الا الذين يتبعون الزيغ.
والرواية الاخرى عطف قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ على لفظ الجلالة. وهذا يقتضى ان يعلم التأويل الراسخون فى العلم ايضا..
وقد سار مقاتل فى تفسير هذه الآية على ان الآيات المحكمات هي ثلاث آيات فى سورة الانعام تبدا من قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.... «٤» .
وإنما تسمين أم الكتاب لأنهن مكتوبات فِي جميع الكتب التي أنزلها اللَّه ﵎ على جميع الأنبياء، وليس من دين الا وهو يوصى بهن.
اما الآيات المتشابهات: فهي كلمات اربع، فى فواتح السور هي: «الم» .
«المص» ، «المر» ، «الر» ،
стр. 2347
وسميت متشابهات لأنها شبهت على اليهود كم تملك امة محمد من السنين «٥» .
قال مقاتل: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) فهم اليهود فيتبعون ما تشابه «منه» من أوائل السور ابتغاء تكفير المؤمنين وتاويل هذه الأحرف بما يبين منتهى ما يكون وكم يكون ملك امة محمد.
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ اى لا يعرف كم تملك من السنين الا الله. فانها ستملك الى يوم القيامة باستثناء ايام الفتنة بالدجال. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، اى المتدارسون علم التوراة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه مؤمنو اهل التوراة يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ يعنى قليله وكثيره كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ «٦» .
فالمتشابه عند مقاتل هو أوائل السور.
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هم الذين يؤولونها بحسب حروف الجمل.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هم من آمن من اليهود دخل فى الإسلام.
- ٢- متشابه الصفات عند مقاتل
متشابه الصفات او آيات الصفات هي الآيات المشكلة التي وردت فى شان الله تعالى، كالآيات التي أضافت الوجه واليد والعين الى الله مثل: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ «٧» ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ «٨» ، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي «٩» .
وقد كان منهج مقاتل سليما فى تفسيره لبعض آيات الصفات فلم يخرج عن طريقة السلف او طريقة الخلف. لكن تفسيره لبعضها الآخر يشعر بالتجسيم والتشبيه.
فقد فسر الاستواء والعرش تفسيرا ماديا فى قوله تعالى
стр. 2348
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «١٠» ، فذكر ان الله استقر فوق العرش، والاستقرار انما يكون بعد اضطراب سابق، وتحديد الفوقية يستلزم التحيز والجسمية، والتجزؤ والحركة، وغيرها من اعراض الحدوث.
والثابت بالادلة القطعية ان الله تعالى ليس جسما، ولا متحيزا، ولا متجزئا، ولا متركبا، ولا محتاجا لأحد، ولا الى مكان او زمان. وقد جاء القرآن بهذا فى محكم آياته إذ يقول تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «١١» ويقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «١٢» .
- ٣- الرأي السديد فى متشابه الصفات
علماؤنا أجزل الله مثوبتهم- قد اتفقوا على ثلاثة امور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها.
فأول ما اتفقوا عليه هو صرفها عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد ان هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا.
وثانيه انه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين، ويرد طعن الطاعنين.
وثالثه ان المتشابه ان كان له تاويل واحد يفهم منه فهما قريبا، وجب القول به اجماعا، وذلك كقوله سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ «١٣» فان الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا. وليس لها بعد ذلك الا تاويل واحد، هو الكينونة معهم بالاحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وارادة «١٤» .
- ٤- ثلاثة مذاهب فى متشابه الصفات
واما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب:
المذهب الاول مذهب السلف، ويسمى مذهب المفوضة (بكسر الواو) وهو تفويض معاني هذه المتشابهات الى الله وحده، بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة.
стр. 2349
والمذهب الثاني مذهب الخلف، ويسمى مذهب المؤولة (بتشديد الواو وكسرها) . وهم فريقان:
فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى، زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين. وينسب هذا الى ابى الحسن الأشعري.
وفريق يؤولها بصفات او بمعان نعلمها على التعيين، فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة، ويليق بالله عقلا وشرعا، وينسب هذا الرأي الى ابن برهان «١٥» ، وجماعة من المتأخرين.
والمذهب الثالث مذهب المتوسطين، وقد نقل السيوطي هذا المذهب فقال:
(وتوسط ابن دقيق العيد فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر، او بعيدا توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به، مع التنزيه. وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف، كما فى قوله تعالى: يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ «١٦» فنحمله على حق الله وما يجب له) «١٧» .
(ومنشأ الخلاف بين السلف والخلف هو انه: هل يجوز ان يكون فى القرآن شيء لا يعلم معناه؟ فعند المفوضة يجوز، ولهذا منعوا التأويل، واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله. وعند المؤولة لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه) «١٨» .
وقد سار مقاتل فى تفسيره على انه لا متشابه فى القرآن تمتنع معرفته الا اخبار الغيب، كصفة الآخرة وأحوالها، فمنهجه فى ذلك موافق لراى ابن قتيبة (فى ان الله لم ينزل شيئا من القرآن الا لينفع به عباده، ويدل به على معنى اراده) «١٩» .
стр. 2350
- ٥- تفسير مقاتل فى ضوء هذه المذاهب
كان تفسير مقاتل لبعض آيات الصفات لا يخرج عن هذه المذاهب الثلاثة، ففي تفسيره للوجه جمع بين منهج الخلف والسلف. وفى تفسيره لليد كان سلفيا، وفى تفسيره للعين كان متوسطا «٢٠» .
ولكن مقاتلا خرج على هذه المذاهب الثلاثة وكان مجسما فى تفسيره لاشياء احصيناها عليه وهي: الاستواء، والعرش والكرسي، والساق، واليمين، والمجيء.
فقد فسر الاستواء بالاستقرار.
وفسر العرش تفسيرا ماديا وذكر ان الله فوق العرش.
وفسر الكرسي تفسيرا يشعر بالتجسيم، اعتمادا على حديث رواه وهب بن منبه وهو من رواة الاسرائيليات، وعلى حديث الأوعال، وقد بينا ان فيه عللا قادحة.
كما ذكر ان الله يكشف عن ساقه يوم القيامة فتضيء الأرض بنور ساقه، وانه يمسك السماء والأرض بقبضة يمينه، وقد نسب تفسيره للساق الى ابن مسعود، كما نسب تفسيره لليمين الى ابن عباس) «٢١» .
كما فسر المجيء فى قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا «٢٢» بقوله:
فيجيء الله كما قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «٢٣» .
وقد نسبت كتب الفرق الى مقاتل القول: «بان الله جسم، وانه جثة، وانه على صورة الإنسان، لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد، ورجل، وراس وعينين، مصمت، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره» «٢٤» .
بيد ان هذا القول لم يرد له اثر فى تفسيره الكامل للقرآن الكريم، وقد أخذت
стр. 2351
السبيل لتصوير جميع مؤلفات مقاتل بن سليمان، بغية التثبت من نسبة هذا القول اليه، من كلامه هو لا من كلام الناس عنه «٢٥» .
- ٦- الاستواء على العرش فى ضوء المذاهب
إذا أردنا تطبيق المذاهب الثلاثة على قوله سبحانه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٢٦» - وجدنا ان الجميع من سلف وخلف يتفقون على ان ظاهر الاستواء على العرش، وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل، لان الادلة القاطعة تنزه الله عن ان يشبه خلقه، او يحتاج الى شيء مثلهم، سواء أكان مكانا يحل فيه ام غيره، وكذلك اتفق السلف والخلف على ان هذا الظاهر غير مراد لله قطعا، لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه، واثبت لنفسه الغنى عنهم، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٢٧» وقال هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «٢٨» ، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا.
ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم، فراى السلف ان يفرضوا تعيين معنى الاستواء الى الله، فهو اعلم بما نسبه الى نفسه واعلم بما يليق به.
وراى الخلف ان يؤولوا. لأنه يبعد كل البعد ان يخاطب الله عباده بما لا يفهمون، وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل فالتأويل واجب.
بيد انهم افترقوا فى هذا التأويل فرقتين:
فطائفة الاشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون: ان المراد من الآية اثبات ان الله تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين، تسمى صفة الاستواء «٢٩» .
وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون:
ان المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر، من غير معاناة ولا تكلف، لان اللغة تتسع لهذا المعنى، ومنه قول الشاعر العربي:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
стр. 2352
اى استولى وقهر وحكم، فكذلك يكون معنى النص الكريم: الرحمن استولى على عرش العالم، وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته.
وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل ان رآه قريبا، ويتوقف ان رآه بعيدا.
- ٧- الاستواء عند مقاتل وعند المفسرين
قال السيوطي والزركشي..
١- «حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس ان استوى بمعنى استقر، فمعنى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٣٠» اى استقر، وهذا ان صح يحتاج الى تاويل، فان الاستقرار يشعر بالتجسيم» «٣١» .
أقول: وقد صح عن مقاتل القول: بان استوى بمعنى استقر.
٢- وعن المعتزلة بمعنى استولى وقهر. ورد بوجهين:
أحدهما: ان الله تعالى مسئول عن الكونين والجنة والنار وأهلهما، فأي فائدة فى تخصيص العرش؟.
والثاني: ان الاستيلاء انما يكون بعد قهر وغلبة، والله تعالى منزه عن ذلك.
٣- انه بمعنى صعد، ورد بان الله تعالى منزه عن الصعود.
٤- ان التقدير الرحمن علا اى ارتفع من العلو، والعرش له استوى، حكاه إسماعيل الضرير «٣٢» فى تفسيره، ورد بوجهين:
أحدهما: انه جعل علا فعلا وهي حرف هنا باتفاق، فلو كانت فعلا لكتبت بالألف كقوله عَلا فِي الْأَرْضِ والثاني انه رفع العرش وهو مجرور عند جميع القراء بلا استثناء.
٥- ان الكلام تم عند قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ، ثم ابتدا بقوله اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.
ورد بانه يزيل الآية عن نظمها ومرادها، ولا يتأتى له فى قوله ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
стр. 2353
٦- ان معنى استوى اقبل وعمد الى خلقه، كقوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ اى قصد وعمد الى خلقها، قاله الفراء «٣٣» والأشعري وجماعة من اهل المعاني.
وقال إسماعيل الضرير انه الصواب. ويبعده تعديته بعلى. ولو كان كما ذكروه لتعدى بإلى كما فى قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ.
٧- ان الاستواء المنسوب اليه تعالى بمعنى اعتدل اى قام بالعدل، كقوله تعالى قائِماً بِالْقِسْطِ. والعدل هو استواؤه. ويرجع معناه الى انه اعطى بعته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة، قاله ابن اللبان «٣٤» .
- ٨- بين التشبيه والتعطيل
رويت لك سبعة آراء فى تفسير الاستواء على العرش بعضها بالغ فى التشبيه كتفسير مقاتل، وبعضها بالغ فى التعطيل كتفسير المعتزلة، وبين هذا وذاك آراء مختلفة بعضها مردود وبعضها مقبول.
وارى انه لا مناص من سلوك طريق التأويل فى هذه الآية وأمثالها.
كما يتضح لنا من مقارنة آراء المفسرين فى آيات الصفات ان البون ليس شاسعا بين المشبهة والمعطلة، فليس هناك مشبهة خلص ولا معطلة خلص، فان كلا منهما سلك أمثل الطرق فى نظره لتعظيم الله.
فالسلفيون اختاروا طريق التثبت المستند الى التنزيل ولم يقولوا بالتعطيل والمعتزلة اختارت طريق التنزيه، ولم يكن هناك حد جامع مانع لكل من الفريقين، فالإمام احمد بن حنبل الحجة الثبت بين السلفيين لم يجد مناصا من تاويل الآيات القائلة بوجود الله مع خلقه فى سورة المجادلة حيث يقول سبحانه (فى الآية ٧) :
وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا «٣٥» . وفى سورة طه يقول سبحانه فى الآية ٤٦: قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٣٦» .
стр. 2354
- ٩- راى شترتمان فيهما
«الى انه من الصعب التفرقة بين اهل السنة. ويذهب شترثمان وأخذهم بظاهر اللفظ من جهة وبين المعتزلة وقولهم بالتأويل من جهة اخرى» «٣٧» ثم يقول:
«وليست المسالة من اليسر بحيث نستطيع ان نجلوها فى عبارات عامة، فنقول انها تنازع بين وجهتين إحداهما: ان الله ذات روحانية خالصة، والاخرى ان له تعالى وجودا مشخصا. فإذا كانت المسالة كذلك فأين نضع الأشعري اذن؟» «٣٨» .
ثم يقول: «ان المسلمين كانوا فى حيرة بين الحدين التشبيه والتعطيل» «٣٩» .
«ان مذهب المسلمين فى الذات الالهية أساس دينهم، وان القرآن يؤكد وحدانية الله، ولكنه يصفه مع ذلك فى بساطة وصفا تشبيهيا، فيجعل له وجها وعينا ويدا ويتحدث عن كلامه واستوائه» «٤٠» .
- ١٠- مناقشة هذا الرأي
(ا) وارى ان شترثمان قد أخطأ فى حديثه عن التشبيه، وان المسلمين ليسوا فى حيرة، وانما الحيرة حقيقة هي حيرة المثقف المسيحي الذي يلقن ان الأب والابن وروح القدس اله واحد، فان التعدد مدعاة الفساد والخلاف والعلو، ولا سيما ان شان الالوهية الكبرياء والعظمة. وايضا فلو استقل احد المتعددين بالتصرف تعطلت صفات الآخرين، ولو اشتركوا تعطلت بعض صفات كل منهم، وتعطيل صفات الالوهية يتنافى مع جلالها وعظمتها، فلا بد ان يكون الإله واحدا لا رب غيره.
ثم ان التعدد من شان الحوادث والإله منزه عن الحدوث والبنوة واعراضها، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
(ب) اما غمز شترثمان فى وحدانية الذات عند المسلمين- ففيه تعصب بالغ مكشوف، - فالوحدانية شعار الإسلام وخاصيته، ولا يعد مسلما من لا يكون موحدا، والوحدانية فى الإسلام تتجه الى ثلاثة معان كل واحد جزء من حقيقتها، وهي مجموعها وأركانها، فلا تتوافر الوحدانية ان لم تتوافر معانيها:
وأولها- وحدة الخالق، فهو الخالق المبدع وحده.
وثانيها- وحدانية المعبود، فلا يعبد الا رب العالمين ولا يشرك العابد بربه أحدا، فليس لبشر ولا حجر، ولا لكائن فى الوجود ان يعبد مع رب العالمين.
стр. 2355
وثالثها- الوحدانية فى الذات، فالله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، وذاته الكريمة وحدة ليست مركبة من اجزاء كسائر الناس.
موضع الاتفاق وهو اللب:
والوحدانية فى الذات يقر بها المسلمون أجمعون، ويتفقون على اصل المعنى فيها من غير نكير من احد على احد، ولا اختلاف فيها عند اهل القبلة، وهي فى مرتبة البديهيات المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يمترى فيها عالم من العلماء ولا فرقة من الفرق، ولا مذهب من المذاهب الاسلامية «٤١» .
(ج) اختلاف الفرق فى معنى توحيد الذات:
اختلفت فرق المسلمين فى وصف الذات العلية بالصفات الكمالية، وقد قال فى ذلك ابن تيمية:
(لفظ التوحيد والتنزيه والتجسيم ألفاظ قد دخلها الاشتراك بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم، فكل طائفة تعنى بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرهم.
فالمعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى جميع الصفات. وبالتجسيم او التشبيه اثبات شيء منها، حتى ان من قال ان الله يرى او ان له علما فهو عندهم مجسم.
وكثير من الطوائف المتكلمة بصفاته يريدون بالتوحيد والتنزيه نفى الصفات الخبرية «٤٢» او بعضها، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها او بعضها) «٤٣» .
«بينما يقرر السلفيون ان الأخذ بظاهر القرآن والسنة لا يقتضى التشبيه او التجسيم لان ما يثبت لله بنصهما ليس من جنس ما يثبت للحوادث، بل يثبت «٤٤» صفات واحوال تليق بذاته الكريمة، وبما يجب له سبحانه من تنزيه ووحدانية، فالتشابه فى الاسم لا يقتضى التشابه فى الحقيقة، والمنفي ليس هو التشابه فى الحقائق، وان الله مخالف للحوادث فى ذلك تمام المخالفة» «٤٥» .
стр. 2356
(د) بين السلف والخلف:
ذكرنا ان مذهب السلف فى الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله ﵎ ان يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها او تأويلها. وان مذهب الخلف ان يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله ﵎ عن مشابهة خلقه.
وقد حدث خلاف شديد بين اهل الرأيين، حتى ادى بهما الى التنابز بالألقاب العصبية «٤٦» .
ولو نظرنا للأمر من زاوية أوسع افقا، وارحب صدرا- لوجدنا ان الاتفاق بين الفريقين اكثر من الاختلاف، وبيان ذلك من عدة وجوه:
الاول: اتفق الفريقان على تنزيه الله ﵎ عن المشابهة لخلقه.
والثاني: كل منهما يقطع بان المراد بألفاظ هذه النصوص فى حق الله ﵎ غير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ فى حق الخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفى التشبيه.
والثالث: كل من الفريقين يعلم ان الألفاظ توضيع للتعبير عما يجول فى النفوس، او يقع تحت الحواس، مما يتعلق باصحاب اللغة وواضعيها. وان اللغات مهما اتسعت، لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله ﵎ من هذا القبيل. فاللغة اقصر من ان تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق، فالتحكم فى تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير.
إذا تقرر هذا، فقد اتفق السلف والخلف على اصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما فى ان الخلف زادوا تحديد المعنى المراد، حينما ألجأتهم ضرورة التنزيه الى ذلك، حفظا لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا اعناتا ولا حيرة وليس بعيدة الشقة كما يذكر شترثمان «٤٧» .
ان صدر الإسلام أوسع من هذا كله، وقد لجا أشد الناس تمسكا براى السلف- رضوان الله عليهم- الى التأويل فى عدة مواطن، وهو الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه، من ذلك تأويله لحديث: «الحجر الأسود يمين الله فى ارضه» «٤٨» .
وقوله ﷺ : «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» «٤٩» ،
وقوله
стр. 2357
صلى الله عليه وسلم: «انى لأجد نفس الرحمن من جانب اليمين» «٥٠» .
وقد روى حنبل ابن أخي الامام احمد انه سمعه يقول: (احتجوا على يوم المناظرة فقالوا تجيء يوم القيامة سورة البقرة وتجيء سورة تبارك قال: «فقلت لهم انما هو الثواب» . قال الله جل ذكره: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» وانما تأتي قدرته) «٥١» وهذا بلا شك تفسير للمجيء بمجاز الحذف.
وقد ذكر ابن حزم الظاهري فى الفصل ان احمد بن حنبل قال فى قوله تعالى:
«وجاء ربك» انما معناه وجاء امر ربك فابن حنبل سلفي من اهل التفويض والتنزه والتوقف «٥٢» ومع هذا لجا الى التأويل فى المجاز الظاهر.
«وقد رأيت للإمام النووي رضى الله عنه ما يفيد قرب مسافة الخلاف بين راى السلف والخلف مما لا يدع مجالا للنزاع والجدال، ولا سيما وقد قيد الخلف أنفسهم فى التأويل بجوازه عقلا وشرعا، بحيث لا يصطدم بأصل من اصول الدين» «٥٣» .
وقال الرازي فى كتابه (أساس التقديس) :
ثم ان جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وان لم نجز التأويل فوضنا العلم بها الى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلى المرجوع اليه فى جميع المتشابهات، وبالله التوفيق» .
(هـ) وخلاصة هذا البحث ان السلف والخلف قد اتفقا على ان المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تاويل فى الجملة. واتفقا كذلك على ان كل تاويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز.
فانحصر الخلاف فى تاويل الألفاظ بما يجوز فى الشرع، وهو هين كما ترى، وليس موجبا للحيرة. ولا مبعدا لشقة الخلاف بين المسلمين كما ادعى شترثمان.
وقد لجا بعض السلف الى التأويل، واثر ذلك عن الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه.
والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.
стр. 2358
الباب الرابع فواتح السور
١- فواتح السور.
٢- معاني هذه الفواتح.
٣- مقاتل يرى انها من حساب الجمل.
٤- الطبري وراى مقاتل.
٥- حديث حساب الجمل.
٦- ابن كثير وحساب الجمل.
٧- المحقق احمد محمد شاكر ينقد حساب الجمل ويضعف روايات أحاديثه.
٨- راى أراه فى الحديث.
٩- قول الزركشي والسيوطي فى حساب الجمل.
١٠- راى السيد رشيد رضا فى فواتح السور.
١١- راى الشيخ طنطاوي جوهرى فى حساب الجمل.
١٢- راى الباحث.
стр. 2359
- ١- فواتح السور
استفتح الله بعض سور كتابه الحكيم ببعض الحروف الهجائية التي لا تكون كلمات. فبعضها ابتدئ بحرف واحد مثل: ص، ق، ن. وبعضها ابتدئ بحرفين مثل: حم، طه، يس. وبعضها بثلاثة أحرف مثل: الم، الر، طسم. ومن بينها سور بدئت باربعة أحرف مثل: المص، المر، ومنها ما بدئ بخمسة أحرف مثل: كهيعص، ومنها المبدوء بستة أحرف مثل: حم عسق.
وقد تكرر بعض هذه الحروف فى اكثر من سورة كما تشاهد فى الجدول الآتي اسم الحرف/ السور التي فتحت به حم/ سورة غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان الجاثية، الأحقاف (من سورة ٤٠ حتى سورة ٤٦) الم/ البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة (وأرقامها ٢، ٣، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢) الر/ يونس، هود، يوسف، ابراهيم، الحجر. (أرقامها ١٠، ١١، ١٢، ١٤، ١٥) .
طسم/ الشعراء، القصص (أرقامها ٢٦، ٢٨)
- ٢- معاني هذه الفواتح
عدد السور التي بدئت بهذه الفواتح تسع وعشرون سورة، كلها من القسم المكي الذي عنى بتقرير التوحيد والرسالة والبعث، ما عدا سورتي البقرة وآل عمران فهما مدنيتان، تضمنتا مناقشة اهل الكتاب.
وليس لهذه الفواتح فى اللغة العربية معان مستقلة، ولم يرد من طريق صحيح عن النبي ﷺ بيان للمراد منها.
بيد انه قد اثرت عن السلف آراء متعددة فى معاني هذه الفواتح.
стр. 2360
وهذه الآراء على كثرتها ترجع الى رأيين اثنين:
أحدهما: انها جميعا مما استأثر الله به، ولا يعلم معناه احد سواه، وهذا راى كثير من الصحابة والتابعين «١» .
وثانيها: ان لها معنى، وقد ذهبوا فى معناها مذاهب شتى:
١- فمنهم من قال انها اسماء للسور التي بدئت بها «٢» ، او ان كلا منها علامة على انتهاء سورة والشروع فى اخرى.
٢- ومنهم من قال انها رموز لبعض اسماء الله تعالى او صفاته، فنسب الى ابن عباس فى (كهيعص) ان الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء من العزيز والصاد من المصور.
ونسب اليه اشارة الى: كاف، هاد، أمين، عالم، صادق، وروى عنه فيها ايضا: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق «٣» .
وروى عن الضحاك فى معنى، الر: انا الله ارفع «٤» .
٣- ومنهم من قال انها قسم اقسم الله به «٥» ، لبيان شرف هذه الحروف وفضلها، إذ هي مباني كتابه المنزل على رسوله.
٤- ومنهم من قال ان المقصود منها هو تنبيه السامعين وايقاظهم.
٥- ومنهم من قال: ان المقصود منها سياسة النفوس المعرضة عن القرآن واستدراجها الى الاستماع اليه. والمعروف ان اعداء الإسلام فى صدر الدعوة كانوا يتواصون بعدم الاستماع للقرآن ويقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
فلما أنزلت السور المبدوءة بحروف الهجاء، وقرع اسماعهم ما لم يألفوا، التفتوا، وإذا هم امام آيات بينات استهوت قلوبهم، واستمالت عقولهم، فآمن من أراد هدايته، وشارف الايمان من شاء الله تأخيره، وقامت الحجة فى وجه الطغاة المكابرين «٦» .
стр. 2361
٦- ومنهم من ذهب الى ان هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان اعجاز القرآن وان الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن مع انه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها «٧» .
وفى هذا دلالة على انه ليس من صنع بشر، بل تنزيل من حكيم حميد. وقد لاحظ اصحاب هذا الرأي ان فواتح السور مكونة فى جملتها من اربعة عشر حرفا هي نصف حروف الهجاء، كما انها حوت فوق ذلك من كل جنس من الحروف نصفه فقد حوت نصف الحروف المهموسة «٨» ، ونصف المجهورة «٩» ، ونصف الشديدة «١٠» ، ونصف الرخوة «١١» ، ونصف المطبقة «١٢» ، ونصف المنفتحة «١٣» .
«وقال القاضي ابو بكر: انما جاءت على نصف حروف المعجم، كأنه قيل:
من زعم ان القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي، ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن. وقد علم ذلك بعض ارباب الحقائق» «١٤» .
والرأي الأخير قد انتصر له الزمخشري (ت ٥٣٨، هـ) فى كشافه أتم انتصار، ومال اليه ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) فى مقدمة تفسيره «١٥» وضعف ما عداه، ونقل ابن كثير عن بعضهم انه لخص فى هذا المقام كلاما فقال: (لا شك ان هذه الحروف لم ينزلها عبثا ولا سدى، ومن قال من الجهلة ان فى القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطا كبيرا، فتعين ان لها معنى فى نفس الأمر، فان صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، والا وقفنا حيث وقفنا وقلنا (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)
стр. 2362
، ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وانما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، والا فالوقف حتى يتبين) «١٦» .
وقريب من هذا ما ذهب اليه ابن قتيبة (المتوفى سنة ٢٧٦ هـ) : (من ان الله لم ينزل شيئا من القرآن الا لينفع به عباده، ويدل به على معنى اراده. ثم يقول ابن قتيبة: وبعد. فانا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه الا الله، بل أمروه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة فى أوائل السور) «١٧» .
- ٣- مقاتل يرى انها من حساب الجمل
ذهب مقاتل الى انها حروف من حساب الجمل. (وذَكَر مُقَاتِلٌ حساب الجمل فَقَالَ: يبدأ بحروف ابى جاد) «١٨» . ثم ذكر جميع الحروف الابجدية، والحقها بعد ابى جاد.
فالالف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال باربعة وهكذا.. الى القاف والراء بمائتين. وهكذا الى الغين بألف كما ستراه فى الجدول الآتي:
الحرف/ قيمته فى حساب الجمل/ الحرف/ قيمته فى حساب الجمل/ الحرف/ قيمته فى حساب الجمل ا/ ١/ ك/ ٢٠/ ر/ ٢٠٠ ب/ ٢/ ل/ ٣٠/ ش/ ٣٠٠ ج/ ٣/ م/ ٤٠/ ت/ ٤٠٠ د/ ٤/ ن/ ٥٠/ ث/ ٥٠٠ هـ/ ٥/ س/ ٦٠/ خ/ ٦٠٠ و/ ٦/ ع/ ٧٠/ ذ/ ٧٠٠ ز/ ٧/ ف/ ٨٠/ ض/ ٨٠٠ ح/ ٨/ ص/ ٩٠/ ظ/ ٩٠٠ ط/ ٩/ ق/ ١٠٠/ غ/ ١٠٠٠ ى/ ١٠
стр. 2363
- ٤- الطبري وراى مقاتل
وقد أورد ابن جرير الطبري فى تفسيره آراء العلماء فى فواتح السور، ونسب كل راى الى قائله. بيد انه حين ذكر راى مقاتل فى انها حروف من حساب الجمل- كره ان يصرح بنسبته الى مقاتل، لان ابن جرير تعمد الا يدخل فى تفسيره شيئا لمقاتل. قال الطبري: (وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجمل- كرهنا ذكر الذي حكى ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن انس «١٩» .
وبعد ان ذكر الطبري عددا من الآراء فى فواتح السور- بدا يوجه كل راى ويذكر حجة أصحابه، فوجه راى مقاتل وشرحه اكثر من مقاتل نفسه «٢٠» .
ومن العجيب انه اختاره مع اولى الآراء بالصواب، وأورد الأحاديث التي احتج بها مقاتل «٢١» .
- ٥- حديث حساب الجمل
واستدل مقاتل على صحة ما ذهب اليه بحديث أورده فى أول تفسيره، وقد حكاه الطبري وأورد سنده، وفيه الكلبي عن ابى صالح، ومعلوم ان رواية الكلبي عن ابى صالح ضعيفة.
стр. 2364
وهذا الحديث الذي يستدل به مقاتل على صحة ما ذهب اليه قد أورده الطبري مع غيره من الآراء، ثم قال الطبري:
(والصواب عندي فى تاويل مفاتح السور، التي هي حروف المعجم، ان الله ابتدا بها السور للدلالة بكل حرف على معان كثيرة، لا على معنى واحد) «٢٢» .
«فهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن» .
«وهن مما اقسم الله بهن» .
«وهن من حروف حساب الجمل» .
«وهن للسور التي افتتحت بهن شعار واسماء» «٢٣» .
- ٦- ابن كثير وحساب الجمل ابن كثير وراى مقاتل:
وقد نقل ابن كثير ما حكاه ابن جرير الطبري من الآراء فى فواتح السور، كما نقل اختياره الجمع بين هذه الآراء، وانها مقصودة جميعها من هذه الحروف- بما فيها حساب الجمل-، ثم خالف الطبري فيما ذهب اليه، فأنكر ان يكون المراد بالحرف الواحد، معاني متعددة فى وقت واحد، «اما لفظ الامة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة فى الاصطلاح فانما دل فى القرآن فى كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام» «٢٤» .
ولم يرتض ابن كثير دلالة هذه الحروف على حساب الجمل، وضعف الحديث الذي استدل به مقاتل، قال ابن كثير:
(واما من زعم انها دلالة على معرفة المدد، وانه يستخرج من ذلك اوقات الحوادث والفتن والملاحم- فقد ادعى ما ليس له، وطار فى غير مطاره. وقد ورد فى ذلك حديث ضعيف. وهو مع ذلك ادل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن اسحق عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس.
стр. 2365
(وساق الحديث السابق الذي يدل على ان المراد بفواتح السور حساب الجمل) «٢٥» .
ثم قال: (فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك ان كان صحيحا ان يحسب ما لكل حرف من الحروف الاربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وان حسبت مع التكرار فأطم وأعظم والله اعلم) «٢٦» .
- ٧- المحقق احمد محمد شاكر ينقد حساب الجمل، ويضعف روايات أحاديثه
ذكرنا ان الطبري أورد عدة آراء فى فواتح السور، من بينها انهن من حروف حساب الجمل، وذكرنا كذلك انه اختار ان هذه الأحرف تحوى سائر المعاني، ثم ساق الحديث الذي أورده مقاتل.
وفى تعليق المحقق المرحوم الشيخ احمد محمد شاكر على هذا الحديث ضعف اسناده، وتعجب من احتجاج الطبري بهذه الروايات المتهافتة، ورضائه بالتأويل المستنكر بحساب الجمل.
وقد ذكر ان الحديث الذي أورده الطبري فى حساب الجمل فى اسناده محمد بن السائب الكلبي وهو ضعيف جدا رمى بالكذب. وقال ابو حاتم «الناس مجتمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث» وساق المحقق عدة روايات للحديث كلها ضعيف مضطرب «٢٧» .
- ٨- راى أراه فى الحديث
أسلفنا ان المحقق الشيخ احمد محمد شاكر- ﵀ قد ذهب الى ضعف الحديث واضطرابه، ولا شك ان لهذا المحقق قدما ثابتة فى معرفة الرجال والأحاديث، فقد ساق أسانيد ثلاثة رواها البخاري فى التاريخ الكبير «٢٨» .
ثم جرح الاسناد الاول لان فيه مجهولا، وجرح الاسناد الثاني لان فيه
стр. 2366
اضطرابا «٢٩» ، اما الاسناد الثالث فذهب الى انه أشدها ضعفا، لأنه من رواية الكلبي عن ابى صالح.
وارى ان هذا المحقق قد بالغ فى تضعيف الحديث، مع انه فيما ارى ليس بالشديد الضعف، فقد رواه البخاري بثلاثة أسانيد:
١- الاسناد الاول ضعفه احمد شاكر لان فيه مجهولا (مولى لزيد بن ثابت) .
٢- والاسناد الثاني صرح فيه باسم هذا المجهول وهو (محمد بن ابى محمد) ومحمد هذا هو الأنصاري المدني مولى زيد بن ثابت، قال عنه احمد شاكر:
«زعم الذهبي فى الميزان انه (لا يعرف) ! وهو معروف، ترجمه البخاري فى الكبير ١/ ١/ ٢٢٥ فلم يذكر فيه جرحا، وذكره ابن حيان فى الثقات، وكفى بذلك معرفة وتوثيقا» .
٣- وقد اضطرب الاسناد الثاني على ابن اسحق او على سلمة بن الفضل فكانت الرواية فيه عن عكرمة او سعيد (يعنى ابن جبير) على الشك.
ونلاحظ ان هذا الاضطراب شك من الراوي: هل رواه عن سعيد بن جبير او عن عكرمة، وكلاهما موثوق به، فسعيد بن جبير ثقة مجمع عليه من اصحاب الكتب الستة «٣٠» ، وعكرمة ثقة وثقه البخاري ومسلم، واحمد بن حنبل، وابن راهويه، ويحيى بن معين، وابو ثور، وابو داود، وغيرهم. قال ابن حجر (فاما البدعة، فان ثبتت عليه فلا تضر حديثه، لأنه لم يكن داعية لها، مع انها لم تثبت عليه) «٣١» .
وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأيا فيه ثم عدله بعد ما جرحه «٣٢» .
٤- اما تضعيف سلمة بن الفضل فليس مجمعا عليه بل وثقه ابن معين، فيما رواه ابن ابى حاتم فى كتابه، وله عنده ترجمة جيدة وافية ٢/ ١/ ١٦٨، ١٦٩.
وروى ايضا عن جرير قال: (ليس من لدن بغداد الى ان تبلغ خراسان اثبت فى ابن اسحق من سلمة بن الفضل، وقد رجح توثيقه احمد شاكر فى شرح المسند ٨٨٦ وذهب الى توثيقه هنا.
стр. 2367
ولم يقبل احمد شاكر تضعيف البخاري ولا تضعيف شيخه لسلمة «٣٣» .
٥- بقي ان ابن كثير قد ذهب الى تضعيف هذا الحديث، بعد ان ذكر اسناده قال: (فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به) «٣٤» .
ونقول فى ردنا على الامام ابن كثير: ان الكلبي لم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه البخاري بثلاثة أسانيد، وكان الثالث فقط من طريق الكلبي، اما الاول والثاني فمن طرق اخرى.
- ٩- قول الزركشي والسيوطي فى حساب الجمل
قال الزركشي فى البرهان، والسيوطي فى الإتقان:
واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابى العالية فى قوله (الم) قال: (هذه الأحرف الثلاثة من الأحرف التسعة والعشرين دارت بها الألسن، فليس منها حرف إِلَّا وَهُوَ مفتاح اسم من اسماء الله او آلائه، او بلائه، او مدة أقوام او آجالهم، فالالف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون، روى عن الربيع ابن انس، قال ابن فارس: وهو قول حسن لطيف لان الله تعالى انزل على نبيه الفرقان، فلم يدع نظما عجيبا، ولا علما نافعا الا أودعه إياه، علم ذلك من علمه وجهله من جهله) «٣٥» .
«قال الخويي وقد استخرج بعض الائمة من قوله تعالى الم، غُلِبَتِ الرُّومُ ...
ان بيت المقدس يفتحه المسلمون فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ووقع كما قاله) «٣٦» .
قال السهيلي: لعل عدد الحروف التي فى أوائل السور مع حذف المكرر للاشارة الى مدة بقاء هذه الامة.
قال ابن حجر: وهذا باطل لا يعتمد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس رضى الله عنه الزجر عن ابى جاد والاشارة الى ان ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فانه لا اصل له فى الشريعة «٣٧» .
стр. 2368
- ١٠- راى السيد رشيد رضا فى فواتح السور
أوضح السيد محمد رشيد رضا الغرض من افتتاح بعض السور القرآنية بهذه الأحرف المقطعة فقال:
(من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها افهام المراد مع الاقناع والتأثير ان ينبه المتكلم المخاطب الى مهمات كلامه والمقاصد الاولى بها.
ويحرص على ان يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد فى انزالها من نفسه فى أفضل منازلها، ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكيلا يفوته شيء منها، وقد جعلت العرب منه (ها) التنبيه واداة الاستفتاح، فأي غرابة فى ان يزيد عليها القرآن الذي بلغ حد الاعجاز فى البلاغة وحسن البيان، ويجب ان يكون الامام المقتدى، كما انه هو الامام فى الإصلاح والهدى؟ ومنه ما يقع فى أثناء الخطاب من رفع الصوت وتكييفه بما تقتضيه الحال من صيحة التخويف والزجر، او غنة الاسترحام والعطف، او رنة النعي واثارة الحزن، او نغمة التشويق والشجو او هيمة الاستصراخ عند الفزع، او صخب التهويش وقت الجدل. ومنه الاستعانة بالاشارات وتصوير المعاني بالحركات، ومنه كتابة بعض الكلمات او الجمل بحروف كبيرة او وضع خط فوقها او تحتها ... ) «٣٨» إلخ.
- ١١- ١١- راى الشيخ طنطاوي جوهرى فى حساب الجمل
ذهب الشيخ طنطاوي جوهرى الى دلالة هذه الفواتح على حساب الجمل، فقال عند تفسيره للآية الاولى فى سورة آل عمران:
(اعلم ان القرآن كتاب سماوي. والكتب السماوية تصرح تارة وترمز اخرى.
والرمز والاشارة من المقاصد السامية والمعاني والمغازي الشريفة، وقديما كان ذلك فى اهل الديانات، الم تر الى اليهود الذين كانوا منتشرين فى المدينة، وفى بلاد الشرق ايام النبوة، كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على اعداد الجمل، المعروفة اليوم فى الحروف العربية؟ فيجعلون الالف بواحد، والباء باثنين، والجيم بثلاثة والدال باربعة ... وهكذا، مارين على الحروف الابجدية الى الياء بعشرة والكاف بعشرين ...
وهكذا. الى القاف بمائة والراء بمائتين.. وهكذا الى الغين بألف.
стр. 2369
(كذلك ترى النصارى فى الاسكندرية ومصر وبلاد الروم وفى سوريا، قد اتخذوا الحروف رموزا دينية معروفة فيما بينهم ايام نزول القرآن، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية فى مصر. وكانوا يرمزون بلفظ (اكسيس) لهذه الجملة (يسوع المسيح ابن الله المخلص) فالالف من اكسيس هي الحرف الاول فى لفظ (ايسوس) يسوع. والكاف منها هي الحرف الاول من (كرستوس) المسيح.
والسين منها هي حرف الناء التي تبدل منها فى النطق فى لفظ (ثبو) الله. والياء منها تدل على (ايرث) ابن. والسين الثانية منها تشير الى (توثير) المخلص.
ومجموع هذه الكلمات: يسوع المسيح ابن الله المخلص. ولفظ (اكسيس) اتفق انه يدل على معنى سمكة، فأصبحت عند هؤلاء رمزا لإلههم.
(فانظر كيف انتقلوا من الأسماء الى الرمز بالحروف، ومن الرمز بالحروف الى الرمز بحيوان دلت عليه الحروف.
قال الحبر الانجليزى صموئيل موننج: انه كان يوجد كثيرا فى قبور روما صور اسماك صغيرة مصنوعة من الخشب والعظم. وكان كل مسيحى يحمل سمكة اشارة للتعارف فيما بينهم) اهـ.
قال الشيخ طنطاوي: (فإذا كان ذلك من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية وتغلغلت فيها، ونزل القرآن لجميع الناس من عرب وعجم، كان لا بد ان يكون على منهج يلذه الأمم ويكون فيه ما يألفون، وستجد انه لا نسبة بين الرموز التي فى أوائل السور، وبين الجمل عند اليهود ورموز النصارى، الا كالنسبة بين علم الرجل العاقل والصبى، او بين علم العلماء وعلم العامة. وبهذا تبين لك ان اليهود والنصارى كان لهم رموز، وكانت رموز اليهود هي حروف الجمل، قال ابن عباس رضى الله عنهما «مر ابو ياسر بن اخطب برسول الله وهو يتلو سورة البقرة (الم، ذلِكَ الْكِتابُ..) - ثم ساق الحديث الذي ذكرناه سابقا عن مقاتل، وعلق عليه قائلا:
(فبهذا تعرف ايها الذكي ان الجمل كانت للتعارف عند اليهود، وهو نوع من الرموز الحرفية، فكانت هذه الحروف لا بد من نزولها فى القرآن، ليأخذ الناس فى فهمها كل مذهب، ويتصرف الفكر فيها.) «٣٩» .
стр. 2370
- ١٢- راى الباحث
ان هذه الأحرف يراد بها أعلام العرب بان القرآن الدال على نبوة محمد ﷺ قد انزل بهذه الحروف وصيغت كلماته منها، وان عجزهم عن الإتيان بمثله مع نزوله بالحروف التي هي حروف لغتهم، ومع تحديهم به، دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم، وعلى انهم مخطئون كل الخطا فى كفرهم به، وبمن انزل عليه وجاء يدعوهم الى توحيد الله وعبادته «٤٠» .
стр. 2371
الباب الخامس الاسرائيليات فى تفسير مقاتل
١- الاسرائيليات.
٢- اليهود والنصارى.
٣- التوراة.
٤- قصص الأنبياء بين القرآن والتوراة.
٥- اقسام الاسرائيليات.
٦- الاسرائيليات في تفسير مقاتل: (١٣ نموذج) . مقارنة.
٧- راى ابن كثير فى الاسرائيليات.
٨- الاسرائيليات بعد مقاتل فى كتب التفسير.
٩- مسئولية المفسرين.
١٠- اعتذار الطوفى عن المفسرين.
١١- تفنيد فرية.
١٢- تأثير الإسلام فى اليهودية.
стр. 2372
- ١- الاسرائيليات
تمهيد:
نشا التفسير بالمأثور مقصورا على أحاديث رسول الله ﷺ . فقد انزل الله عليه القرآن عربيا مبينا، وكان الصحابة يقرءون القرآن، فيتسابقون الى العمل بأحكامه، وامتثال أوامره.
وربما أشكل على أحدهم معنى من المعاني او آية من الآيات، فيسأل النبي ﷺ ، ويجيبه النبي فى بساطة ويسر.
ومن ذلك تفسيره ﵊ الظلم بالشرك، وتفسيره القوة بالرمي، وتفسيره المغضوب عليهم، باليهود والضالين بالنصارى.
وكان التفسير مقصورا على ما أشكل معناه او غمض لفظه، فقد كانت حياة النبي تطبيقا عمليا لاوامر القرآن ونواهيه، حتى قالت عائشة رضى الله عنها، (كان خلقه القرآن) .
(ولعل الروعة الدينية لهذا العهد، والمستوى العقلي لأهله وتحدد حاجات حياتهم العملية، كل أولئك جعلهم لا يقولون فى تفسير القرآن الا بما روى عن صاحب الرسالة ﵊ توقيفا) «١» .
(وقد جمعت كتب الصحاح والسنن مقادير مختلفة من التفسير بالمأثور، حتى لترى فى صحيح البخاري: كتابين هما: كتاب تفسير القرآن، وكتاب فضائل القرآن، وهما يشغلان حيزا واضحا من الكتاب ربما كان نحو الثمن منه) «٢» .
ولما انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وبدا عصر الصحابة- زادت حاجة الناس الى التفسير، نظرا لاتساع الرقعة الاسلامية، ولظهور احداث واقضية لم تكن موجودة فى عصر النبي ﷺ ، ولدخول كثير من الأعاجم فى الإسلام، مع ضعف المامهم بالعربية، وبعدهم عن البيئة التي نزل فيها القرآن.
وفى هذا العصر- اعنى عصر الصحابة- بدا دخول الاسرائيليات فى التفسير، وساعد على ذلك دخول عدد كثير من اليهود والنصارى فى الإسلام، ومعهم ثقافاتهم وافكارهم، ومعلوماتهم الدينية، حول كثير من قصص الأنبياء السابقين.
فلما كان عصر التابعين زادت الاسرائيليات، وزاد الوضع فى التفسير.
стр. 2373
- ٢- اليهود والنصارى
وكان اليهود فى ماضيهم الطويل قد شرقوا راحلين من مصر، ومعهم آثار حياتهم فيما معهم، ثم ابعدوا مشرقين الى بابل فى اسرهم، ثم عادوا الى موطنهم وقد حملوا معهم ما حملوا.
ووفد على البيئة العربية الاسلامية من كل هذا المزيج وفد، الى جانب ما بعثت إليها الديانات الاخرى التي دخلت تلك الجزيرة، والقت الى أهلها ما القت من خبر او قصص ديني، وكل أولئك قد تردد على آذان قارئي القرآن ومتفهميه، قبل ما خرجوا الى ما حول جزيرتهم شرقا وغربا فاتحين.
ثم ملا آذانهم حين خالطوا اصحاب تلك البلاد التي نزلوا وعاشوا بها، وان كان الذي اشتهر من ذلك هو اليهودي، لكثرة اهله، وظهور أمرهم فاشتهرت تلك التزايدات التي اتصلت بمرويات التفسير النقلى باسم الاسرائيليات «٣» .
وكان اغلب الماليين فى الشام يهودا، واغلب أطباء القصور فى بغداد نصارى.
واشتهر اليهود باحترافهم حرفا خاصة، كالصيرفة، ودباغة الجلود والصباغة «٤» ، «وكان عدد اليهود فى المملكة الاسلامية غير العرب نحو ثلثمائة الف» فى سنة ٥٦٠ هـ «٥» .
وكان اليهود منتشرين على نهر دجلة والفرات، وفى جزيرة ابن عمر والموصل، وعكيرة وواسط، وفى بغداد والحلة، والكوفة والبصرة، وفى كثير من بلاد فارس «٦» .
- ٣- التوراة
وأهم منبع للثقافة اليهودية هو التوراة، وقد ذكرت فى القرآن الكريم، ووصفت بأنها كتاب من كتب الله المنزلة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) ونص القرآن على بعض احكام وردت فى التوراة: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) .
стр. 2374
وأشير فى الأحاديث كذلك الى التوراة وبعض احكامها.
جاء فى تفسير مقاتل، وورد فى البخاري وابى داود: (ان نفرا من اليهود دعوا رسول الله ﷺ فأتاهم فى بيت المدارس، فقالوا:
يا أبا القاسم، ان رجلا منا زنى بامراة فاحكم، فرضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها، ثم قال ائتوني بالتوراة فأتى بها، فنزل الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال ائتوني باعلمكم، فأتى بشاب ثم ذكر قصة الرجم) «٧» .
وكلمة التوراة يستعملها المسلمون كثيرا للدلالة على كل الكتب المقدسة عند اليهود، فتشمل الزبور وغيره كما يستعملها اليهود أنفسهم أحيانا بهذا الإطلاق.
وكان لليهود بجانب ذلك سنن ونصائح وشروح لم تنقل عن موسى ﵇ كتابة، وانما تداول الناس نقلها شفاها، ونمت على تعاقب الأجيال، ثم دونت، وهي المسماة بالتلمود. والتلمود مختلف فيه فيما بينهم، فمنهم من يقبله وهم طائفة الربانيين، ومنهم من لا يقبله وهم طائفة القرائين.
فاما التوراة بالمعنى الدقيق فخمسة اسفار: سفر التكوين «٨» ، وسفر الخروج «٩» ، وسفر اللاويين- اى الاخبار «١٠» - وسفر العدد «١١» ، وسفر التثنية «١٢» .
وفى العهد القديم غير التوراة: سفر يوشع. وهو فى استيلاء بنى إسرائيل على فلسطين. ثم سفر القضاة اى الحكام، ثم اسفار الملوك الاربعة:
الاول فى اخبار شمويل او سمويل وشاول او طالوت، والثاني فى ذكر داود والثالث والرابع فى سليمان بن داود، ومن ملك بنى إسرائيل من بعده..
واما التلمود فمجموعة من المناقشات الدينية الاولى، مع شروح لرجال الدين من الأجيال المتعاقبة بسجل أفكار اليهود فى حياتهم وتقاليدهم فى نحو الفى عام ويمزج مزجا تاما نواحي الشعب الخلقية بنواحيهم الدينية «١٣» .
стр. 2375
وقد تسربت ثقافة اليهود الى العرب قبل الإسلام وبعده.
وجاء فى الحديث عن ابن عباس: (كان هذا الحي- من الأنصار- وهم اهل وثن، مع هذا الحي من اليهود وهم اهل الكتاب، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم فى العلم، وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم) «١٤» .
وفى الحديث عن ابى هريرة قال: (كان اهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا، وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ والهنا وإلهكم واحد) «١٥» .
- ٤- قصص الأنبياء بين القرآن والتوراة
عرض القرآن لكثير من قصص الأنبياء السابقين، مقتصرا على مواضع العظة والعبرة، مكتفيا من القصة بما يحقق الهداية، ويوحى بمتابعة الحق والايمان.
ولذا لم يتعرض للتفصيل، فلم يذكر تاريخ الوقائع، ولا اسماء البلدان التي حصلت فيها، ولا اسماء الأشخاص الذين جرت على يدهم بعض الحوادث، وانما تخير ما يمس جوهر الموضوع، وما يحرك العقول للتفكير، وينبه القلوب الى الخير، وينفرها من عاقبة الشر.
ولنضرب لهذا مثلا قصة آدم ﵇، فقد ورد ذكرها فى القرآن الكريم «١٦» ، كما ورد ذكرها فى التوراة. بيد ان القرآن لم يتعرض لمكان الجنة، ولا لنوع الشجرة التي نهى آدم عن الاكل منها، ولا لبيان الحيوان الذي تقمصه الشيطان ليزلهما، ولا ما كان من تفصيل الحوار بين الله تعالى وآدم، ولا للبقعة التي طرد إليها آدم بعد خروجه من الجنة.
стр. 2376
ولكن التوراة تعرضت لكل ذلك واكثر منه فابانت ان الجنة فى عدن شرقا، وان الشجرة التي نهيا عنها كانت فى وسط الجنة، وانها شجرة الحياة، وذكرت ما انتقم الله به من حواء بتعبها هي ونسلها فى حيلها.. إلخ «١٧» .
وقد نقل بعض المفسرين عن مقاتل بن سليمان قصة آدم وإبليس فى تفسيرهم «١٨» . كما ذكروا كثيرا من الاسرائيليات بجوار تفسيرهم للقرآن. ويهيأ للقارىء ان هذه الاسرائيليات التي لا نعرف صدقها من كذبها بيان لمعنى قول الله سبحانه، وتفصيل ما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك.
«وان رسول الله ﷺ إذ اذن بالتحدث عنهم- أمرنا الا نصدقهم ولا نكذبهم. فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من ان نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير او البيان؟! اللهم غفرا» «١٩» .
- ٥- اقسام الاسرائيليات
تنقسم الاخبار الاسرائيلية الى اقسام ثلاثة:
القسم الاول: ما يعلم صحته بان نقل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نقلا صحيحا، او كان له من الشرع شاهد يؤيده. ومنه تعيين اسم صاحب موسى ﵇ بانه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحا فى حديث البخاري «٢٠» . وهذا القسم بنوعيه صحيح مقبول.
القسم الثاني: ما يعلم كذبه بان يناقض ما عرفناه من شرعنا، او يكون مخالفا لما يقرره العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
القسم الثالث: هو المسكوت عنه، فلا هو من قبيل الاول، ولا هو من قبيل الثاني. وهذا القسم نتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه.
стр. 2377
وذهب ابن كثير الى جواز رواية هذا القسم «٢١» ، ولم يوافقه فى ذلك احمد شاكر، لان رواية هذا القسم بجوار تفسير القرآن إقرارا له وتصديق به «٢٢» .
- ٦- الاسرائيليات فى تفسير مقاتل
ما كان اغنى القرآن وتفسيره عن هذه الاسرائيليات التي نقلها مقاتل عن اليهود والنصارى، «حتى ذكر فى تمييز خصيصته انه (استمد علمه بالقرآن من اليهود والنصارى وجعله موافقا لما فى كتبهم) » «٢٣» .
وسأنقل لك عدة نماذج من هذه الاسرائيليات التي أوردها مقاتل فى تفسيره.
وقد نقلها عنه بعض المفسرين، مع بعدها عن روح الإسلام، وهدى القرآن.
١- جاء فى تفسير مقاتل «٢٤» لقوله تعالى:
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ «٢٥» ، قوله: فخلق آدم ﵇ من طين أحمر واسود وابيض، من السبخة والعذبة،
стр. 2378
فَمنْ ثَمّ نسله أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر، فحسد إبليس تِلْكَ الصورة فَقَالَ للملائكة الَّذِين هُمْ معه أرأيتم هَذَا الَّذِي لَمْ تروا شيئا من الخلق على هيئته إن فضل عَلَيّ ماذا تصنعون؟ قَالوا نسمع ونطيع لأمر الله وأسر عدو الله فِي نفسه لئن فضل آدم عَلَيْه لا يطيع، وليستفزنه فترك آدم طينا أربعين سنة مصورا فجعل إبليس يدخل من دبره ويخرج من فِيهِ وَيَقُولُ أَنَا نار وهذا طين أجوف والنار تغلب الطين، لاغلبنه.
فذلك قوله : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعنى قوله يومئذ: لاغلبنه) وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا يعني لأحتوين عَلَى ذريته إِلَّا قليلا.
فَقَالَ الله للروح ادخلي هَذَا الجسد فقالت أَي رب أَيْنَ تدخلني هذا الجسد المظلم؟
فَقَالَ اللَّه ادخليه كرها، فدخلته كرها وهي لا تخرج منه إِلَّا كرها، ثُمّ نفخ فِيهِ الروح من قبل رأسه، فترددت الروح فِيهِ حَتَّى بلغت نصف جسده موضع السرة، فعجل للقعود، فذلك قوله (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) «٢٦» .
وقد نقل المفسرون عن التوراة كثيرا مما يتعلق بخلق آدم وبدء الخليقة، ومن السفر الاول وهو سفر التكوين او الخلق، وفى هذا السفر خلق العالم وقصة آدم وحواء وأولادهما.
ومن أوائل من نقل هذا عن اهل الكتاب مقاتل بن سليمان.
وقد ساق الحافظ ابن كثير «٢٧» كلاما قريبا من كلام مقاتل ثم علق عليه قائلا:
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر تطول مناقشتها، وهذا الاسناد الى ابن عباس يروى به تفسير مشهور، وقال السدى فى تفسيره عن ابى مالك وعن ابى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن عباس وعن أناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ :
لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن.. ثم ساق تفسيرا للآية يحتوي على تفسير مقاتل وعلق عليه قائلا:
فهذا الاسناد الى هؤلاء الصحابة مشهور فى تفسير السدى، وتقع فيه إسرائيليات
стр. 2379
كثيرة، فلعل بعضها مدرج «٢٨» ، ليس من كلام الصحابة، او انهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله اعلم «٢٩» .
والحاكم يروى فى مستدركه بهذا الاسناد بعينه أشياء ويقول على شرط البخاري «٣٠» .
٢- جاء فى تفسير مقاتل لآية الكرسي «٣١» ما يأتي:
(يحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم تحت الصَّخرة التي تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل ارض مسيرة خمسمائة عام.
(ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان، وَهُوَ سيد الصور، وهو يسال الله الرزق للآدميين.
(وملك وجهه عَلَى صورة سيد الانعام- وهو الثور- يسال الله الرزق للبهائم.
(وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير- وَهُوَ النسر- وهو يسال الله الرزق للطير.
(وملك على صورة سيد السباع- وهو الأسد- وهو يسال الله الرزق للسباع) «٣٢» .
وقد ساق مقاتل هذا الأثر بدون اسناد كما حذف الاسناد من جميع تفسيره الا نادرا.
وقد أورد الملطي «٣٣» هذا الأثر مسندا الى وهب بن منبه، وهذا يؤكد انه من الاسرائيليات التي أخذها مقاتل عن اهل الكتاب.
وقريب من هذا الأثر حديث الأوعال، وفيه ان العرش يحمله ثمانية أوعال «٣٤» ما بين ركبهم واظلافهم كما بين السماء والأرض.
стр. 2380
وهذا الحديث فيه علل قادحة تمنع من قبوله، وقد ساق الكوثرى سند حديث الأوعال ثم نقل عن احمد عن يحيى بن العلاء ان (فى سنده كذابا يضع الحديث) «٣٥» .
وقال ابو حيان فى تفسير قوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ٣»
، وذكروا فى صفات هؤلاء الثمانية اشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا.
٣- وجاء فى تفسير مقاتل للآية ٢٥٨ من سورة البقرة، وهي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
(بهت نمروذ الجبار فلم يدر بخلده ما يرد عَلَى إِبْرَاهِيم ثُمّ إن اللَّه سلط على نمروذ بعوضة بعد ما أنجى الله إبراهيم من النار، فعضت شفته، فأهوى إليها فطارت فى منخره، فذهب ليأخذها فيستخرجها فدخلت فى خياشيمه، فذهب ليستخرجها فدخلت دماغه فعذبه الله أربعين يومًا ثُمّ مات منها. وكان يضرب رأسه بالمطرقة فإذا ضرب سكنت البعوضة فإذا رفع عَنْهَا تحركت. فَقَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حَتَّى آتي بها- يعني الشمس- من قبل المغرب فيعلم من يرى ذَلِكَ أني أَنَا اللَّه قادر عَلَى ان افعل ما شئت) «٣٧» .
٤- وفى تفسير مقاتل للآية ٢٥٩ من سورة البقرة وهي: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها.. الآية.
ذكر مقاتل ان اسم الشخص الذي مر على القرية عزيز، واسم القرية سابورا على شاطئ دجلة بين واسط والمدائن «٣٨» ، فى قصة منقولة من الاسرائيليات، كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير «٣٩» .
стр. 2381
٥- وفى تفسير الآيات ١١٢، ١١٣، ١١٤ من سورة المائدة حيث يقول سبحانه: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ... والآيتين بعدها- ذكر مقاتل وصفا تفصيليا للمائدة منقولا عن اهل الكتاب «٤٠» .
٦- وفى تفسير قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا الأعراف الآية ١٤٣- يذكر مقاتل ان الجبل صار دكا اى قطعا على ستة فرق فوقع ثلاثة بأجبل مكة: ثبير، وغار ثور، وحزن، ووقع بالمدينة «ثلاثة» : رضوى، وورقان، وجبل أحد. فذلك قوله جعله دكا «٤١» .
٧- وفى تفسير قوله تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً «٤٢» .
يقول مقاتل: ( ... وكتبه اللَّه بيده. فكتب فيها إني أَنَا اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا أَنَا الرَّحْمَن الرحيم، لا تشركوا بي شيئًا، وَلا تقتلوا النَّفْس، وَلا تزنوا وَلا تقطعوا السبيل، وَلا تسبوا الوالدين، ووعظهم فِي ذَلِكَ. والألواح من زمرد وياقوت) «٤٣» .
ويلاحظ فى هذا النص تاثر مقاتل بالاسرائيليات، ونقله أفكار المشبهة والمجسمة، عن اليهود.. قال الشهرستاني- فى الكلام على المشبهة- انهم اجروا الأحاديث الواردة فى ذلك على ما يتعارف فى صفات الأجسام «٤٤» وزادوا فى الاخبار
стр. 2382
أكاذيب وضعوها ونسبوها الى النبي ﷺ ، وأكثرها مقتبس من اليهود، فان التشبيه فيهم طباع حتى قالوا فى الله تعالى اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وان العرش ليئط من تحته كاطيط الرحل الجديد)
وروى المشبهة عن النبي ﷺ أنه قال: (لقيني ربى فصافحني وكافحنى، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله) «٤٥» .
ويقول فى موضع آخر (ولقد كان التشبيه صرفا خالصا فى اليهود لا فى كلهم، بل فى القرائين منهم، إذ وجدوا فى التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك) «٤٦» .
٨- وفى تفسير مقاتل للآية ٢٩ من سورة الرعد، وهي: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ. يقول طُوبى لَهُمْ يعنى حسنى لهم وهي بلغة العرب. (وطوبى شجرة في الجنة لو أن رجلا ركب فرسا أو نجيبة وطاف على ساقها لم يبلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهرم، ولو أن طائرا طار من ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، وكل ورقة منها تظل امة من الأمم، وعلى كل ورقة منها ملك يذكر الله تعالى، ولو أن ورقة منها وضعت في الأرض لأضاءت الأرض نورا كما تضيء الشمس، تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون من ألوان الحلي والحلل، والثمار غير الشراب) «٤٧» .
وإذا لاحظنا ان اسباب الضعف فى رواية التفسير بالمأثور ترجع الى اسباب ثلاثة هي كثرة الوضع فى التفسير، ودخول الاسرائيليات فيه، وحذف الأسانيد- قلنا ان وصف مقاتل للجنة لا يخرج عن ان يكون من الموضوعات، او مما نقله من الاسرائيليات، وزاد مقاتل انه حذف السند فوضع الشوك فى طريق تجريد التفسير من الموضوع والدخيل.
٩- وقد تحدثت سورة الأنبياء عن ابراهيم ﵇ فى الآيات ٥١- ٧٣.
وذكرت ان ابراهيم حطم الأصنام، وجعلها قطعا، وترك الصنم الأكبر.
قال تعالى فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ الأنبياء/ ٥٨.
ويقول مقاتل: (.. يعني أكبر الأصنام، فلم يقطعه وهو من ذهب ولؤلؤ، وعيناه ياقوتتان حمراوان تتوقدان في الظلمة، لهما بريق كبريق النار، وهو في مقدم البيت، وضع الفاس فى يدي الصنم الأكبر «لعلهم اليه يرجعون» اى يرجعون من عيدهم الى الصنم الأكبر) «٤٨» .
стр. 2383
وإذا ذكرنا ان هذا الوصف للصنم الأكبر لم يرد فى القرآن ولا فى السنة الصحيحة- أدركنا انه من الموضوعات او من الاسرائيليات.
١٠- ونجد فى سورة النمل حديثا عن نبى الله سليمان وبلقيس، وان بلقيس أرسلت الى سليمان هدية تختبره بها. قال تعالى فى حكاية ما قالته بلقيس: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ النمل/ ٣٥.
ويقول مقاتل فى وصف هذه الهدية: (.. فأرسلت بهدية مع الوفد عليهم المنذر بن عمرو، والهدية مائة وصيف ووصيفة، وجعلت للجارية قصة أمامها وقصة مؤخرها، وجعلت للغلام قصة أمامه وذؤابة وسط رأسه، وألبستهم لباسا واحدا، وبعثت بحقة فيها جوهرتان، إحداهما مثقوبة، والأخرى غير مثقوبة، وقالت للوفد إن كان نبيا فسيميز بين الجواري والغلمان، ويخبر بما فى الحقة، فلما انتهت إلى سليمان ﵇، ميز بين الوصفاء والوصائف «٤٩» ، وحرك الحقة، وجاء جبريل ﵇ فأخبره بما فيها، فقيل له: أدخل في المثقوبة خيطا من غير حيلة إنس ولا جان، واثقب الأخرى من غير حيلة إنس ولا جان، وكانت الجوهرة المثقوبة معوجة الثقب فاتته دودة تكون فى الفضفضة وهي الرطبة، فربط في مؤخرها خيطا، فدخلت الجوهرة حتى أنفذت الخيط إلى الجانب الآخر فجعل رزقها فى الفضفضة وجاءت الأرضة فقالت لسليمان اجعل رزقي في الخشب والسقوف والبيوت قال: نعم فثقبت الجوهرة، فهذه حيلة من غير إنس ولا جان. وسألوه ماء لم ينزل من السماء ولم يخرج من الأرض فامر بالحيل فأجريت حتى عرقت، فجمع ماء العرق فى شيء حتى صفا، وجعل فى قداح الزجاج، فعجب الوفد من عمله وجاء جبريل ﵇ فأخبره بما في الحقة، فأخبرهم سليمان بما فيها، ثم رد سليمان الهدية وقال للوفد: «أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» يقول فمما أعطاني الله تعالى من الإسلام والنبوة والملك والجنود خيرا مما أعطاكم) «٥٠» .
وقد نقل النسفي فى تفسير الآية ٣٥ من سورة النمل هذه، كلام مقاتل ولم يعقب عليه بكلمة واحدة، (مع ان وصف الهدية هذا أشبه ما يكون بقصة نسجها خيال شخص مسرف فى تخيله) «٥١» .
وعند ما فسر ابو السعود هذه الآية- نقل كلام مقاتل مع شيء من التغيير، فقد ذكر مقاتل ان هدية بلقيس كانت مائة وصيف ووصيفة. اما ابو السعود فقال:
(روى انها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهم الأسوار
стр. 2384
والاطواق..) «٥٢» الى آخر ما ذكره من هذه القصة. ولم يعقب عليها بكلمة واحدة.
ولعله اكتفى بان بدا القصة بكلمة روى للاشارة الى ضعفها.
ومن هذا نرى ان مقاتلا سن سنة سيئة للمفسرين حين وضع هذه الاسرائيليات فى تفسيره لكتاب الله.
١١- وفى أول سورة فاطر يقول سبحانه: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ويقول مقاتل: (وذلك أن في الجنة نهرا يقال له نهر الحياة، يدخله كل يوم جبريل ﵇، بعد ثلاث ساعات من النهار يغتسل فيه، وله جناحان ينشرهما في ذلك النهر، وجناحه سبعون ألف ريشة، فيسقط من كل ريشة قطرة من ماء، فيخلق الله جل وعز منها ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة، فذلك قوله يَزِيدُ فِي الخلق ما يشاء) اهـ.
وغنى عن البيان ان هذا الكلام من الاسرائيليات التي لا يقبلها العقل، ولم يرد بها اثر صحيح، فما أجدر تفسير كتاب الله ان ينقى منها.
١٢- اما الكلام عن أنبياء الله ورسله واتهامهم بالنقائص فقد نقله مقاتل عن التوراة وغيرها من الكتب السابقة بعد ان عبث بها اليهود والنصارى.
يقول الله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ص/ ٢١، ويقول مقاتل فى تفسيرها: (وذلك أن داود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فوددت أنك أعطيتني من الذكر مثل ما أعطيتهما. فقال له: انى ابتليتهما بما لم أبتلك به، فان شئت ابتليتك وأعطيتك مثل ما أعطيتهما من الذكر، قال:
نعم، قال اعمل عملك، فمكث داود ﵇ ما شاء الله يصوم نصف الدهر، ويقوم نصف الليل، إذ صلى في المحراب فجاء طير حسن ملون فوقع إليه، فتناوله فصار إلى الكوة، فقام ليأخذه، فوقع الطير في بستان، فأشرف داود فرأى امرأة تغتسل، فتعجب من حسنها، وأبصرت المرأة ظله فنفضت شعرها فغطت جسمها، فزاده ذلك بها عجبا، ودخلت المرأة منزلها وبعث داود غلاما فى اثرها.
فإذا هي بتسامع امراة أوريا بن حنان، وزوجها في الغزو في بعث البلقاء الذي بالشام، مع ثواب بن صوريا ابن أخت داود ﵇، فكتب داود إلى ابن أخته بعزيمة أن يقدم أوريا فيقاتل أهل البلقاء ولا يرجع حتى يفتحها أو يقتل فقدمه فقتل رحمة الله عليه، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فولدت له سليمان بن داود، فبعث الله إلى داود ﵇ ملكين ليستنقذه بالتوبة، فاتوه يوم راس
стр. 2385
المائة فى المحراب، وكان يوم عبادته، والحرس حوله، فلما رآهما داود قد تسوروا «٥٣» المحراب فزع داود وقال في نفسه: لقد ضاع ملكي حين يدخل على بغير اذن ...
فقال أحدهما (إِنَّ هذا أَخِي) يعني الملك الذي معه (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) يعنى تسع وتسعون امراة وهكذا كن لداود، فطلب منى ان اضم امراتى اليه..
فقال داود (لَقَدْ ظَلَمَكَ) بهذا الطلب. ثم صعد الملكان- فعلم ان الله ابتلاه بذلك) «٥٤» اهـ.
وهذه القصة التي ذكرها مقاتل عن داود ﵇ نقدها النسفي، وبين انها كذب وافتراء على أنبياء الله حيث قال:
(وما يحكى من ان داود بعث مرة بعد مرة أوريا الى غزوة البلقاء، وأحب ان يقتل ليتزوجها- يعنى زوجة أوريا- فلا يليق من المتسمين بالصلاح من افناء الناس فضلا عن بعض أعلام الأنبياء، وقال على رضى الله عنه من حدثكم بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد الفرية على الأنبياء) «٥٥» أهـ.
وقد نقل الخازن «٥٦» فى تفسيره قصة داود وامراة أوريا كما ذكر قصصا عن داود أشبه ما يكون بالخرافة، ولكنه عقب على هذا القصص بقوله:
(فصل فى تنزيه داود ﵊ عما لا يليق به وينسب اليه) وفند فى هذا الفصل كل ما ذكره مما يتنافى مع عصمة نبى الله داود ﵇ «٥٧» .
ومما يؤكد ان كتب اليهود هي التي وصمت الأنبياء بالنقائص، واتهمتهم بالزنا وشرب الخمر وارتكاب الكبائر- ما ورد فى الاصحاحين الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني:
ان داود زنى بامراة (أوريا) المجاهد المؤمن وحملت من ذلك الزنا فخشي داود الفضيحة. وأراد تمويه الأمر على أوريا، فطلبه وامره ان يدخل بيته، فأبى أوريا