«١»
: يعني سرتم غزاة فِي سبيل اللَّه. فَتَبَيَّنُوا من تقتلوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ يعني مِرْداس وذلك أَنَّهُ قَالَ لهم: السَّلام عليكم إني مؤمن لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني غَنْم مِرْداس فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فِي الآخرة والجنة كَذلِكَ يعني هكذا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ الهجرة بمنزلة مِرْداس تأمنون فِي قومكم بالتوحيد من أصحاب النَّبِيّ- ﷺ إذا لقوكم.
فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بِمِثْلِهِ قبل هجرتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة فهاجرتم فَتَبَيَّنُوا إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- ٩٤- فَقَالَ أسامة واللَّه لا أقتل رَجُلا بعد هذا يقول لا إله إلّا الله. وقوله- سبحانه-: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الغزو مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعني عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ، وابن أم مَكْتُوم من أَهْل العذر «٢» .
قَالَ أَبُو محمد «٣» : هُمْ ثلاثة منهم عَبْد اللَّه بن جحش، عقد لَهُ النَّبِيّ- ﷺ وعُبَيْدُ اللَّهِ مات نصرانيا، وعبد اللَّه بن جحش هُوَ الضرير الَّذِي نزل فِيهِ قوله- : «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» «٤» .
стр. 282
يَقُولُ «١» -: : لا يَسْتَوِي فِي الْفَضْل القاعد الَّذِي لا عذر لَهُ، والمجاهد بنفسه وماله فِي سبيل اللَّه. وهي غزوة تبوك قَالَ-: :
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ من أَهْل العذر دَرَجَةً يعني فضيلة عَلَى القاعدين وَكُلًّا يعني المجاهد والقاعد المعذور وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى يعني الجنة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ الَّذِين لا عذر لهم أَجْراً عَظِيماً- ٩٥- دَرَجاتٍ مِنْهُ يعني فضائل من اللَّه فِي الجنة سبعين درجة بين كُلّ درجتين مسيرة سبعين سنة وَمَغْفِرَةً لذنوبهم وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ٩٦- يعني أبا لبابة، وأوس بن حزام، ووداعة بن ثعلب، وكعب بن مَالِك، وهلال بن أُمَيَّة، ومرارة بن رَبِيعَة من بني عمرو ابن عَوْف كلهم من الأَنْصَار إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وحده ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ وذلك أنه كان نفر أسلموا بمكة مَعَ النَّبِيّ- ﷺ منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عُقْبة بن رَبِيعَة بن عبد شمس، وعمرو بن أمية ابن سُفْيَان بن أُمَيَّة بن عَبْد شمس، والعلاء «٢» بن أُمَيَّة بن خلف الْجُمَحِيّ ثُمّ إنهم أقاموا عن «٣» الهجرة وخرجوا مَعَ المشركين إلى قتال بدر، فَلَمَّا رأوا قلة الْمُؤْمِنِين شكوا فى النبي- ﷺ [٨٣ ب] وقالوا: غر هَؤُلاءِ دينهم، وكان بعضهم نافق بمكة فَلَمَّا قُتِل هَؤُلاءِ ببدر قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم وَهُوَ ملك الموت وحده: فِيمَ كُنْتُمْ؟ يَقُولُ فِي أَيّ شيء كنتم قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ يعني كُنَّا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان،
стр. 283
قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً من الضيق يعني أرض اللَّه المدينة فَتُهاجِرُوا فِيها؟ يعني إليها ثُمّ انقطع الكلام فَقَالَ- : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً- ٩٧- يعني وبئس المصير صاروا، ثُمّ استثنى أَهْل العذر فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فليس مأواهم جهنم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً يَقُولُ لَيْسَ لهم سعة للخروج إلى المدينة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا- ٩٨- يعني وَلا يعرفون طريقا إلى المدينة فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ والعسى من اللَّه واجب وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا عَنْهُمْ غَفُوراً- ٩٩- فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة فِي عذر. فَقَالَ ابْن عَبَّاس- ﵁: أَنَا يومئذ من الولدان، وأمي من النّساء.
فبعث النَّبِيّ- ﷺ بهذه الآية إلى مسلمي مكة. فَقَالَ جُنْدُب ابن حمزة الليثي ثُمّ الجندعي لبنيه: احملوني فَإِنِّي لست من المستضعفين وإني لهاد بالطريق ولو مت لنزلت فِي الآية «١» . وكان شيخا كبيرا «٢» فحمله بنوه عَلَى سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب النَّبِيّ- ﷺ موته، فقالوا: لو لحق بنا لأتم اللَّه أجره فأراد اللَّه- أن يعلمهم أَنَّهُ لا يخيب من التمس رضاه فأنزل اللَّه- : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٣» يعني في طاعة الله إِلَى المدينة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يعنى
стр. 284
متحولا عن الكفر وَسَعَةً فِي الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً- ١٠٠- ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَإِذا ضَرَبْتُمْ يعني سرتم فِي الْأَرْضِ يعني غزوة بني أنمار ببطن مكة فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أن يقتلكم. كقوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ «١» يعني أن يقتلكم الَّذِين «٢» كفروا من أَهْل مكة فيصيبوا منكم طائفة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً- ١٠١- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ يعني النَّبِيّ- ﷺ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حذرهم من عدوهم وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ [٨٤ أ] يعنى تذرون عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ يعني فيحملون عَلَيْكُمْ جميعًا مَيْلَةً واحِدَةً يعني حملة واحدة يعني كرجل واحد عِنْد غفلتكم ثُمّ رخص لهم فِي وضع السلاح عِنْد المطر أَو المرض «٣» فَقَالَ: وَلا جُناحَ يعني لا حرج عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
من عدوكم عِنْد وضع السلاح إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً- ١٠٢- يعنى الهوان. وكان «٤» تقصير الصَّلاة بعسفان «٥» - بين مكة والمدينة- والنبي- ﷺ بإزاء الَّذِين خافوه وهم غطفان فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ يعني صلاة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
стр. 285
إذا أقمتم فِي بلادكم فأقيموا الصَّلاة يعني فأتموا الصَّلاة كاملة وَلا تقصروا إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً- ١٠٣- يعني فريضة معلومة كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ «١» يعني فرض عليكم القتال.
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ يَقُولُ وَلا تعجزوا: كقوله: فَما وَهَنُوا «٢» يعني فَمَا عجزوا فِي طلب أَبِي سُفْيَان وأصحابه يوم أحد بعد القتل بأيام فاشتكوا إلى النَّبِيّ- ﷺ الجراحات فأنزل الله- إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ يعنى تتوجعون فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ يعني يتوجعون كَمَا تتوجعون وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ من الثواب والأجر ما لا يَرْجُونَ يعني أبا سُفْيَان وأصحابه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً- ١٠٤- فِي أمره. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وذلك أن يهوديا يسمى زَيْد بن السمين، كان استودع طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ- من الأوس من بني ظفر بن الْحَارِث- درعا «٣» من حديد ثُمّ إن زَيْدا اليهودي طلب درعه فجحده طعمة، فَقَالَ زَيْد لقومه:
قَدْ ذكر لي أن الدرع عنده فانطلقوا حَتَّى نلتمس داره فاجتمعوا ليلا فأتوا داره، فَلَمَّا سَمِع جلبة القوم أحس «٤» قلبه أن القوم إِنَّمَا جاءوا من أجل الدرع فرمى به فِي دار أَبِي مليك فدخل القوم داره فلم يجدوا الدرع فاجتمع الناس، ثُمّ إن طعمة اطلع فِي دار أَبِي مليك «٥» ، فَقَالَ: هَذَا درع فِي دار أَبِي مليك، فلا أدري: هِيَ لَكُمْ أم لا؟ فأخذوا الدرع ثُمّ إن قوم طعمة- قَتَادَة بن النُّعْمَان وأصحابه- قَالُوا:
انطلقوا بنا إلى النَّبِيّ- ﷺ فلنبرئ صاحبنا، ونقول إنهم أتونا
стр. 286
ليلا ففضحونا، وَلَم يَكُنْ معهم رسول من قبلك ونأمرهم [٨٤ ب] أن يبرءوا صاحبنا لتنقطع ألسنة الناس عنا بما قذفونا به، ونخبره أنها وجدت فِي دار أبي مليك.
فأتوا النَّبِيّ- ﷺ فأخبروه فصدق النَّبِيّ- ﷺ طعمة وأبرأه من ذَلِكَ، وَهُوَ يرى أنهم قَدْ صدقوا فأنزل الله- تعالى- إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني القرآن «بِالْحَقِّ» لَمْ ننزله باطلا عبثا لغير شيء لِتَحْكُمَ يعني لكي تحكم بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ يعني بما علمك اللَّه فِي كتابه كقوله- سبحانه-: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ «١» وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً- ١٠٥- يعني طعمة، ثُمّ قَالَ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يا محمد عن جدالك عن طعمة حين كذبت عَنْهُ فأبرأته من السرقة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً- ١٠٦- فاستغفر النَّبِيّ- ﷺ عِنْد ذَلِكَ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
يعني طعمة إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
- ١٠٧- فِي دينه أثيما بربه يَسْتَخْفُونَ
يعني يستترون بالخيانة مِنَ النَّاسِ
يعني طعمة وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
وَلا يستترون بالخيانة من اللَّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
يعني إذ يؤلفون مَا لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
لقولهم إنا نأتي النَّبِيّ- ﷺ فنقول لَهُ كذا وكذا، فألقوا قولهم بينهم يعني قَتَادَة وأصحابه ليدفعوا عن صاحبهم ما لا يرضي اللَّه من القول وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
- ١٠٨- يعني أحاط علمه بأعمالهم يعني قوم الخائن قَتَادَة بن النُّعْمَان وأصحابه ثُمّ قَالَ يعنيهم: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ
قوم الخائن جادَلْتُمْ عَنْهُمْ
نبيكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
عن طعمة فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
- ١٠٩- يعني به قومه يَقُولُ أم من يَكُون لطعمة مانعا فِي الآخرة، ثُمّ عرض عَلَى طعمة التوبة فقال:
стр. 287
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
يعنى إثما أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
يعني قذف البريء أبا مليك ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
- ١١٠- وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
يعني طعمة فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
- ١١١- فِي أمره وَمَنْ يَكْسِبْ
لنفسه خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
يعني قذف البريء ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
يعني أَنَّهُ رمى به فِي دار أَبِي مليك الأنصارى «١» فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً
يعني قذفه البريء بما لَمْ يَكُنْ وَإِثْماً مُبِيناً
- ١١٢- يعني بينا، ثُمّ قَالَ لنبيه- ﷺ : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
يعني ونعمته بالقرآن حين بين لك أمر طعمة فحولك عن تصديق الخائنين بالقرآن لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
يقول لكادت طائفة من قوم الخائنين [٨٥ أ] أن يستنزلوك عن الحق وَما يُضِلُّونَ
يعني وما يستنزلون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
يعنى وما ينقصونك من شيء لَيْسَ ذَلِكَ بأيديهم، إِنَّمَا ينقصون «٢» أنفسهم، ثُمّ قَالَ:
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
يعني الحلال والحرام وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
من أمر الكتاب وأمر الدّين وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
- ١١٣- يعنى النبوة والكتاب ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ يعني قوم طعمة قَيْس بن زَيْد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكُلُّهُمْ يهود حين تناجوا فِي أمر طعمة. ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ يعني القرض أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- ١١٤- يعني جزاء عظيما فأنزل اللَّه- فى قولهم:
стр. 288
وَمَنْ يُشاقِقِ يعني يخالف الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ يعني غَيْر دين الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى من الآلهة وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً- ١١٥- يعني وبئس المصير فَلَمَّا قدِم طعمة مكة نزل عَلَى الحَجَّاج بن علاط السُّلَمِيّ «١» فأحسن نزله فبلغه أن فِي بيته ذهبا فَلَمَّا كان من الليل خرج فنقب حائط البيت وأراد «٢» أن يأخذ الذهب وَفِي البيت مسوك يابسة مسوك الشاء «٣» قَدْ أصابها حر الشمس «٤» وَلَم تدبغ فَلَمَّا دخل البيت من النقب وطئ المسوك، فسمعوا قعقعة المسوك فِي صدره عِنْد النقب، وأحاطوا بالبيت، ونادوه اخرج فإنا قَدْ أحطنا بالبيت، فَلَمَّا خرج إذا هُمْ بضيفهم «٥» طعمة، فأراد أَهْل مكة أن يرجموه فاستحيا الحَجَّاج لضيفه، وكانوا يكرمون الضيف فأهزوه وشتموه، فخرج من مكة فلحق بحرة بني سُلَيْم يعبد صنمهم، ويصنع ما يصنعون حَتَّى مات عَلَى الشرك فأنزل اللَّه- فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ يعني يعدل به فيموت عَلَيْه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ يعني مادون الشرك لمن يشاء فمشيئته لأهل التوحيد وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١١٦- ثُمّ إن أبا مليك عاش حَتَّى استخلف عُمَر بن الخَطَّاب- ﵁ فحلف بِاللَّه لعمر- ﵁ لا يولي راجعا، فَلَمَّا كان يوم القادسية انهزم المشركون إلى الفرات وجاءت أساورة كسرى فهزموا الْمُسْلِمِين إلى قريب من الجيش فثبت أَبُو مليك حَتَّى قُتِل فبلغ ذَلِكَ عُمَر بن الخَطَّاب- ﵁ فَقَالَ أَبُو مليك:
صدق اللَّه وعده إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يعنى أوثانا يعنى أمواتا: اللات
стр. 289
[٨٥ ب] والعزى وهي الأوثان لا تحرك وَلا تضر وَلا تنفع فهي ميتة وَإِنْ يَدْعُونَ يعني وما يعبدون من دونه إِلَّا شَيْطاناً يعني إبليس، زين لهم إبليس طاعته فِي عبادة الأوثان مَرِيداً- ١١٧- يعني عاتيا تمرد عَلَى ربه- فِي المعصية لَعَنَهُ اللَّهُ حين كره السجود لآدم- ﷺ وَقالَ إبليس لربه- ﷻ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً- ١١٨- يعني حظا معلوما من كُلّ ألف إنسان، واحد فِي الجنة وسائرهم فِي النار فهذا النصيب المفروض وَقال إبليس لَأُضِلَّنَّهُمْ عن الهدى وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ بالباطل ولأخبرنهم ألّا بعث وَلا جنة وَلا نار وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ يعني ليقطعن آذانَ الْأَنْعامِ وهي البحيرة للأوثان وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ يعني ليبدلن دين اللَّه وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ يعني إبليس وَلِيًّا يعني ربا مِنْ دُونِ اللَّهِ- فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً- ١١٩- يَقُولُ فقد ضل ضلالا بينا يَعِدُهُمْ إبليس الغرور: ألا بعث وَيُمَنِّيهِمْ إبليس الباطل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً- ١٢٠- يعني إِلَّا باطلا: الَّذِي لَيْسَ بشيء، وقَالَ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أُولئِكَ «١» مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً- ١٢١- يعنى مقرا يلجئون إليه يعنى القرار ثُمّ أخبر بمستقر من لا يتولى الشَّيْطَان فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
يعني صدقا أَنَّهُ منجز لهم ما وعدهم وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا- ١٢٢- فَلَيْس أحد أصدق قولا منه- فى أمر الجنة والنار والبعث وغيره لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت فى المؤمنين واليهود والنصارى، «٢»
стр. 290
قَالَت اليهود: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أهدى وأولى بِاللَّه منكم.
وقالت النَّصارى: نبينا كلمة اللَّه وروح اللَّه، وكلمته، وكان يحيى الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وَفِي كتابنا العفو وليس فِيه قصاص، فنحن أولى بِاللَّه منكم مَعْشَر اليهود ومعشر الْمُسْلِمِين.
فَقَالَ المسلمون: كذبتم كتابنا نسخ كُلّ كتاب، ونبينا- ﷺ خاتم الأنبياء، وآمنا بنبيكم وكتابكم، وكذبتم نبينا وكتابنا وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا، فنحن أهدى منكم وأولى بِاللَّه منكم. فأنزل- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً- ١٢٣- وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً- ١٢٤- مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ نزلت فِي الْمُؤْمِنِين مجازات الدُّنْيَا تصيبهم فِي النكبة بحجر، والضربة واختلاج عرق أَوْ خدش عود «أو عثرة قدم فيديمه» «١» أَوْ غيره فبذنب قدم وما يعفو اللَّه عَنْهُ أكبر، فذلك قوله سُبْحَانَهُ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٢» ثُمّ قَالَ: وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني قريبا ينفعه «وَلا نَصِيراً» يعني وَلا مانعا يمنعه من اللَّه- . فَلَمَّا افتخرت اليهود على المؤمنين بالمدنية بين اللَّه- أمر الْمُؤْمِنِين- فَقَالَ سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ بتوحيد اللَّه- فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً يعني وَلا ينقصون من أعمالهم الحسنة نقيرا حَتَّى يجازوا بها يعني النقير الَّذِي فِي ظهر النواة التي تنبت منه النخلة «٣» .
стр. 291
ثُمّ اختار من الأديان دين الْإِسْلام- فَقَالَ : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يعني أخلص دينه للَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي عمله وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [٨٦ أ] يعنى مخلصا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا- ١٢٥- يعني محبا وأنزل اللَّه «١» فيهم «هذانِ خَصْمانِ» يعني كفار أَهْل الكتاب.
«اخْتَصَمُوا» يعني ثلاثتهم: الْمُسْلِمِين واليهود والنصارى «فِي رَبِّهِمْ» أنهُمْ أولياء اللَّه ثُمّ أخبر بمستقر الكافر فَقَالَ: «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ» يعني جعلت لهم ثياب من نار إلى آخر الآية «٢» . ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- بمستقر الْمُؤْمِنِين «٣» فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ... إلى آخر الآية «٤» .
قوله «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» والخليل «الحبيب» لأن اللَّه أحبه فِي كسره الأصنام، وجداله قومه، واتخذ اللَّه إِبْرَاهِيم خليلا قبل ذبح ابنه فَلَمَّا رأته الملائكة حين أمر بذبح ابنه أراد المضي عَلَى ذَلِكَ- قَالَت الملائكة: لو أن اللَّه- اتخذ عبدا خليلا لاتخذ هَذَا خليلا محبا، وَلا يعلمون أن اللَّه- اتخذه خليلا. وذلك
أن النَّبِيّ- ﷺ قَالَ لأصحابه- ﵃: إن صاحبكم خليل الرَّحْمَن. يعني نفسه. فَقَالَ المنافقون لليهود: ألا تنظرون إلى محمد يزعم أَنَّهُ خليل الله لقد اجتزأ. فأنزل اللَّه- : «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا»
وإنما إِبْرَاهِيم عَبْد من عباده مثل محمد واتخذ
стр. 292
إِبْرَاهِيم خليلا: حين ألقي فِي النار فذهب حر النيران يومئذ من الأرض كلها «١» .
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق [٨٦ ب] عبيده وَفِي ملكه وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً- ١٢٦- يعنى أحاط علمه وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ نزلت فِي سُوَيْد وعرفطة ابني الْحَارِث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أَنَّهُ لما فرض اللَّه- لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سُوَيْد وعرفطة وعيينة بن حصن الفَزَاريّ إلى النَّبِيّ- ﷺ ، فقالوا للنبي- ﷺ : إن المرأة لا تركب فرسا وَلا تجاهد وليس عِنْد الولدان الصغار منفعة فِي شيء- فأنزل اللَّه- فيهم «وَيَسْتَفْتُونَكَ» يعني يسألونك عن النّساء يعني سويدا وصاحبيه قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعني ما بين من القسمة فِي أوّل هذه السورة قال: ويفتيكم فِي يَتامَى النِّساءِ يعني بنات أمَّ كحة اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ يعني ما فرض لهن من أنصبائهن من الميراث فى أول السورة «٢» . ثُمّ قَالَ- : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعني بنات أم كحة وكان الرَّجُل يَكُون فِي حجره اليتيمة ولها مال، ويكون فيها «٣» موق فيرغب عن تزويجها، ويمنعها من الأزواج من أجل مالها رجاء أن تموت، فيرثها، فذلك قوله- : «وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» «٤»
стр. 293
لدمامتهن وَيفتيكم فى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ أن تعطوهم حقوقهم وكانوا لا يورثونهم وَيفتيكم أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى فِي الميراث بِالْقِسْطِ يعني بالعدل وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ مما أمرتم به من قسمة المواريث فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً- ١٢٧- فيجزيكم به وَإِنِ امْرَأَةٌ واسمها خويلة بِنْت «١» محمد بن مَسْلَمَةَ خافَتْ يعني علمت مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً يعني زوجها أَوْ إِعْراضاً عَنْهَا لما بها من؟؟؟
إلى الأخرى نزلت فِي رافع بن خَدِيج الْأَنْصَارِيّ وَفِي امرأته خويلة بِنْت محمد بن مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ وذلك أن رافعا طلقها ثُمّ راجعها وتزوج عَلَيْهَا أشب منها، وكان يأتي الشابة ما لا يأتي الكبيرة «٢» يقول فَلا جُناحَ عَلَيْهِما الزوج والمرأة الكبيرة أَنْ يُصْلِحا «٣» بَيْنَهُما صُلْحاً أن ترضى المرأة الكبيرة بِمَالِهِ، عَلَى أن يأتي الشابة ما لا يأتي الكبيرة، يقول فلا بأس بِذَلِك فِي القسمة فذلك قوله- : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من المفارقة وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ يعني الحرص على المال: يعني الكبيرة، يرضيها الزوج من بعض ماله، فتحرص عَلَى المال، وتدع نصيبها من زوجها «٤» وَإِنْ تُحْسِنُوا الفعل فلا تفارقها وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- ١٢٨- فِي أمرهن من الإحسان والجور، ثُمّ قَالَ- : [٨٧ أ] . وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ فِي الحب: أن يستوي حبهن فِي قلوبكم «٥» وَلَوْ حَرَصْتُمْ فلا تقدرون عَلَى ذَلِكَ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحب وهي الشابة فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أى فتأتيها وتذر الأخرى
стр. 294
يعني الكبيرة كالمعلقة لا أيم وَلا ذات بعل وَلَكِن اعدلوا فِي القسمة «١» وَإِنْ تُصْلِحُوا أمرهن وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً حين ملت إِلَى الشابة برضى الكبيرة رَحِيماً- ١٢٩- بك حين رخص لك فِي الصلح فَإِن أبت الكبيرة الصلح إِلَّا أن تسوي بينها وبين الشابة أَوْ تطلقها كان ذَلِكَ لها. ثُمّ إنَّه طلقها فنزلت وَإِنْ يَتَفَرَّقا يعني رافع وخويلة المرأة الكبيرة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا يعني الزوج والكبيرة مِنْ سَعَتِهِ يعني من فضله الواسع وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لهما فِي الرزق جميعًا حَكِيماً- ١٣٠- حين حكم فرقتهما وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» «٢» وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن عباده وخلقه حَمِيداً- ١٣١- عِنْد خلقه فِي سلطانه وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ١٣٢- يعني شهيدا فلا شاهد أفضل من اللَّه- أن من فيهما عباده وَفِي ملكه ثُمّ قَالَ- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بالموت أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ يعني بخلق غيركم أطوع منكم وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً- ١٣٣- أن يذهبكم ويأت بغيركم إذا عصيتموه مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا بعمله فليعمل لآخرته فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا يعني الرزق فِي الدُّنْيَا وثواب وَالْآخِرَةِ يعني الجنة وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً- ١٣٤- بأعمالكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ يعنى قوالين بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- أقيموا الشهادة للَّه بالعدل وَلَوْ كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ على الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ أَحَدهمَا غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما بالغني والفقير من غيره فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
стр. 295
فِي الشهادة والقرابة واتقوا أَنْ تَعْدِلُوا عن الحق إلى الهوى ثُمّ قَالَ:
وَإِنْ تَلْوُوا يعني التحريف بالشهادة: يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل بها شهادته أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فلا تشهدوا بها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها خَبِيراً- ١٣٥- نزلت فِي رجل كانت عنده شهادته عَلَى أَبِيهِ فأمره اللَّه- أن يقيمها لله «١» [٨٧ ب] وَلا يَقُولُ «٢» إني إن شهدت عَلَيْه أجحفت بماله، وإن كان فقيرا هلك وازداد فقره، ويُقَالُ إنَّه أَبُو بكر الصِّدِّيق- ﵁ الشاهد عَلَى أَبِيهِ أَبِي قحافة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت فِي مؤمني أَهْل الكتاب كان بينهم وبَيْنَ اليهود كلام لَما أسلموا قَالُوا نؤمن بكتاب محمد- ﷺ ونكفر بما سواه فَقَالَ- تَعَالَى-: آمِنُوا بِاللَّهِ وصدقوا بتوحيد اللَّه- وَرَسُولِهِ أَيّ وصدقوا برسوله محمدا- ﷺ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعني محمدا- ﷺ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ نزول كتاب محمد- ﷺ ثُمّ ذكر كفار أَهْل الكتاب فحذرهم الآخرة يعني البعث فَقَالَ اللَّه- تَعَالَى ذكره-: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ يعني بتوحيد اللَّه وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني البعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١٣٦- وبما أعد الله- من الثواب والعقاب. ثُمّ ذكر أَهْل الكتاب فَقَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالتوراة وبموسى ثُمَّ كَفَرُوا من بعد مُوسَى ثُمَّ آمَنُوا بعيسى- ﷺ وبالإنجيل ثُمَّ كَفَرُوا من بعده ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد- ﷺ وبالقرآن لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ على ذلك
стр. 296
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا- ١٣٧- إلى الهدى منهم عمرو بن زَيْد وأوس بن قَيْس، وقيس بن زَيْد.
ولما نزلت المغفرة للنبي- ﷺ وللمؤمنين فى سورة الفتح قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ ونفر معه، فَمَا لنا؟ فأنزل اللَّه- بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم، وجد بن قَيْس بِأَنَّ لَهُمْ فِي الآخرة عَذاباً أَلِيماً- ١٣٨- يعني وجيعا، ثم نعتهم فقال:
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ من اليهود أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وذلك أن المنافقين قَالُوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب عَلَى قتال النَّبِيّ- ﷺ ليتعززوا «١» بِذَلِك فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ» يَقُولُ أيبتغي المنافقون عِنْد اليهود المنعة فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً- ١٣٩- يَقُولُ جميع من يتعزز فَإِنَّمَا هُوَ بإذن الله وكان المنافقون يستهزءون بالقرآن فأنزل اللَّه- بالمدينة وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعنى فى سورة الأنعام بمكة «٢» أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ يقول حتى يكون حديثهم يعنى المنافقين [٨٨ أ] فِي غَيْر ذكر اللَّه- فنهى اللَّه- عن مجالسة كفار مكة ومنافقي المدينة عِنْد الاستهزاء بالقرآن ثُمّ خوفهم: إن جالستموهم ورضيتم باستهزائهم إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ فى الكفر إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ يعني عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم،
стр. 297
وجد بن قَيْس من أَهْل المدينة وَالْكافِرِينَ من أهل مكة فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً- ١٤٠- ثُمّ أخبر- سُبْحَانَهُ- عن المنافقين فَقَالَ- : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ الدوائر فَإِنْ كانَ لَكُمْ معشر المؤمنين فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني النصر عَلَى العدو يوم بدر قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ عَلَى عدوكم فأعطونا من الغنيمة فلستم أحق بها، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي العنكبوت وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ على عدوكم «١» وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني دولة عَلَى الْمُؤْمِنِين يوم أحد قالُوا أى المنافقون للكفار أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني ألم نحط بكم من ورائكم وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ونجادل الْمُؤْمِنِين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أَنَّا معكم، قَالُوا ذَلِكَ جبنا وفرقا منهم. قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا- ١٤١- يعني حجة أبدا نزلت فِي عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
حين أظهروا الْإِيمَان وأسروا التكذيب «٢» وَهُوَ خادعهم عَلَى الصراط فِي الآخرة حين يُقَالُ لهم:
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً «٣» فبقوا فِي الظلمة فهذه خدعة اللَّه- لهم فِي الآخرة ثُمّ أخبر عن المنافقين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
يعني المنافقين متثاقلين لا يروا أنها حق «٤» عليهم نظيرها فى براءة «٥» .
стр. 298
يُراؤُنَ النَّاسَ
بالقيام بالنهار وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ
يعني فِي الصَّلاة إِلَّا قَلِيلًا
- ١٤٢- يعني بالقليل، الرياء وَلا يصلون فِي السر مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ يَقُولُ إن المنافقين ليسوا مَعَ اليهود فيظهرون ولايتهم وَلا مَعَ الْمُؤْمِنِين فِي الولاية لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا- ١٤٣- إليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يرغبهم، نزلت فِي المنافقين منهم عَبْد اللَّه ابن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم وذلك أن مواليهما من اليهود: أصبع ورافع عيروهما «١» بالإسلام وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود. فَقَالَ اللَّه:
لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ من اليهود أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً [٨٨ ب]- ١٤٤- يعني حجة بينة يحتج بها عليكم «٢» حين توليتم اليهود ونصحتموهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يعنى الهاوية وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً- ١٤٥- يعني مانعا من العذاب ولما أخبر بمستقر المنافقين قَالَ ناس للنبي- ﷺ : فقد كان فُلان وفلان منافقين فتابوا منه، فكيف يفعل اللَّه بهم؟ «٣» فأنزل اللَّه- جل ذكره- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من المنافقين وَأَصْلَحُوا العمل وَاعْتَصَمُوا يعني احترزوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ الإسلام بِاللَّهِ- وَلَم يخلطوا بشرك فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الولاية وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً- ١٤٦- يعني جزاء وافرا مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعمته وَآمَنْتُمْ يعني صدقتم فَإنَّهُ لا يعذب شاكرا وَلا مؤمنا وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً- ١٤٧- بهم لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لأحد من الناس إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يعني اعتدى عَلَيْه فينتصر من القول مثل ما ظلم
стр. 299
وَلا حرج عَلَيْه أن ينتصر بمثل مقالته
نزلت فِي أَبِي بَكْر- «١» ﵁ شتمه رَجُل والنبي- ﷺ جالس فسكت عَنْهُ مرارا ثُمّ رد عَلَيْه أَبُو بَكْر- ﵁ فقام النَّبِيّ- ﷺ عِنْد ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بكر- ﵁: يا رَسُول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل لَهُ شيئًا حَتَّى إذا رددت عَلَيْه قمت. قَالَ: إن ملكا كان يجيب عنك، فَلَمَّا أن رددت عَلَيْه ذهب الملك وجاء الشَّيْطَان، فلم أكن لأجلس عِنْد مجيء الشَّيْطَان
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بجهر السوء عَلِيماً- ١٤٨- به ثُمّ أخبر أن العفو والتجاوز خير عِنْد اللَّه من الانتصار فقال- سبحانه-: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعني تعلنوه أَوْ تُخْفُوهُ يعني تسروه أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فعل بك فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً- ١٤٩- يَقُولُ فَإِن اللَّه أقدر عَلَى عفو ذنوبك منك عَلَى العفو عن صاحبك «٢» .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني اليهود منهم عامر بن مَخْلَد، ويزيد ابن زَيْد كفروا بعيسى وبمحمد- ﷺ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ الرسل يعني مُوسَى وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ الرسل يعني عِيسَى ومحمدا- ﷺ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا- ١٥٠- يعنى دينا يعنى إيمانا ببعض الرسل وكفرا ببعض الرسل أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا حين كفروا ببعض الرسل لا ينفعهم إيمان ببعض وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ فِي الآخرة عَذاباً مُهِيناً- ١٥١- يعنى الهوان ثُمّ ذكر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بين الرسل وصدقوا بالرسل جميعًا أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [٨٩ أ] يعني جزاء أعمالهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
стр. 300
- ١٥٢- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ نزلت فِي اليهود وذلك أن كَعْب بن الأشرف، وفنحاص اليهودي قَالُوا للنبي- ﷺ إن كُنْت صادقا بأنك رسول فأتنا بكتاب غَيْر هَذَا، مكتوب فِي السماء جملة واحدة كَمَا جاء به مُوسَى، فذلك قوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ ... إلى قوله- سُبْحَانَهُ «١» -: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني معاينة «٢» فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يعني الموت بِظُلْمِهِمْ لقولهم أرنا اللَّه جهرة: معاينة ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعنى الآيات التسع فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ فلم نستأصلهم جميعًا عقوبة باتخاذهم العجل وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً- ١٥٣- يعني حجة بينة يعني اليد والعصى وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ يعني الجبل فوق رءوسهم رفعه جبريل- ﵇ وكانوا فِي أصل الجبل فرفع الطور فوق رءوسهم بِمِيثاقِهِمْ لأن يقروا بما فِي التوراة وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب حطة وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أَيّ لا تعدوا فِي أَخَذَ الحيتان يوم السبت وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً- ١٥٤- يعني شديدا والميثاق إقرارهم بما عهد اللَّه- فِي التوراة فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يعني فبنقضهم إقرارهم بما فِي التوراة وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني الإنجيل والقرآن وهم اليهود وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ وذلك حين سمعوا من النَّبِيّ- ﷺ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ عرفوا أن الَّذِي قال لهم النبي- ﷺ حق وقالوا قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني فِي أكنة عَلَيْهَا الغطاء فلا تَفْقَه وَلا تفهم ما تَقُولُ يا محمد، كراهية ما سمعوا من
стр. 301
النَّبِيّ- ﷺ من كفرهم بالإنجيل والفرقان يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى-:
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ يعني ختم عَلَى قلوبهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- ١٥٥- يَقُولُ ما أقل ما يؤمنون فإنهم لا يؤمنون البتة وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً- ١٥٦- وذلك أن اليهود قذفوا مريم- ﵍ بيوسف بن ماثان بالزنا وكان ابْن عمها وكان قَدْ خطبها، ومريم ابنة عِمْرَانَ بن ماثان وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَلَم يقولوا رَسُول اللَّه وَلَكِن اللَّه- قَالَ:
رَسُولَ اللَّهِ ثُمّ قَالَ- تَعَالَى-: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ بصاحبهم الذي قتلوه [٨٩ ب] . وكان اللَّه- قَدْ جعله «١» عَلَى صورة عِيسَى فقتلوه، وكان المقتول لطم عِيسَى، وقَالَ لعيسى حين لطمه: أتكذب عَلَى اللَّه حين تزعم أنك رسوله. فَلَمَّا أخذه «٢» اليهود ليقتلوه قَالَ لليهود: لست بعيسى أنا فُلان، واسمه يهوذا فكذبوه، وقالوا لَهُ: أَنْت عِيسَى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا عَلَى عِيسَى- ﷺ فألقى اللَّه- تَعَالَى ذكره- شبهه عَلَى الرقيب فقتلوه، ثُمّ قَالَ سبحانه: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني فِي عِيسَى وهم النَّصارى، فَقَالَ بعضهم قتله اليهود، وقَالَ بعضهم لَمْ يقتل لَفِي شَكٍّ مِنْهُ فِي شك من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً- ١٥٧- يَقُولُ وما قتلوا ظنهم يقينا «٣» يَقُولُ لَمْ يستيقنوا قتله كقول الرَّجُل قتلته علما «٤» ، فأكذب الله-
стр. 302
اليهود في قتل عِيسَى- ﷺ فَقَالَ- بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ إلى السماء حيا فِي شهر رمضان فِي ليلة القدر «وَهُوَ ابْن ثلاث وثلاثين سنة رفع إلى السماء من جبل بيت المَقْدِس» «١» فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً- ١٥٨- يعني عزيزا منيعا حين منع عِيسَى من القتل، حكيما حين حكم رفعه. قَالَ وترك عِيسَى- ﷺ بعد رفعه خفين ومدرعة وحذافة يحذف بها الطير. وقالت عَائِشَة- ﵂:
وترك رَسُول اللَّهِ- ﷺ بعد موته إزارا غليظا وكساء ووسادة أدم حشوها ليف وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ يعني وما من أَهْل الكتاب يعني اليهود إِلَّا ليؤمنن بِهِ يعني بعيسى- ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّهُ نَبِيّ رسول قبل موت اليهودي يعني عِنْد موته لأن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم وتقول: يا عدو اللَّه إن المسيح الَّذِي كذبتم به هُوَ عَبْد اللَّه ورسوله حقا، فيؤمن به وَلا ينفعه، ويؤمن به من كان منهم حيا إذا نزل عِيسَى- ﷺ ، فينزل عِيسَى- ﷺ عَلَى ثنية يُقَالُ لها أفيق «٢» دهين الرأس عَلَيْه ممصرتان ومعه حربة يقتل بها الدجال. فَقِيل لِابْن عَبَّاس- ﵀: فَمنْ غرق من اليهود أَوْ أحرق بالنار أَوْ أكله السبع. قَالَ: لا تخرج روحه حَتَّى يؤمن بعيسى- ﷺ ثُمّ قَالَ- تَعَالَى-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً- ١٥٩- أنه قد بلغهم الرسالة. قوله- سبحانه-: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يعني اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ يعني فِي الأنعام: يعني اللحوم والشحوم وكل ذِي ظفر لهم حلال فحرمها اللَّه- عليهم بعد موسى.
стр. 303
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً- ١٦٠- فيها إضمار يقول [٩٠ أ] وبصدهم عن سبيل الله كثيرا يعني دين الْإِسْلام وعن محمد- ﷺ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَهُوَ محرم بغير حق وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ يعني اليهود عَذاباً أَلِيماً- ١٦١- يعني وجيعا فهذا الظلم الَّذِي ذكره فِي هَذِهِ الآية. ثُمّ ذكر مؤمني أَهْل التوراة، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه قالوا للنبي- ﷺ : إن اليهود لتعلم أن الَّذِي جئت به حق، وإنك لمكتوب عندهم فِي التوراة. فقالت اليهود: لَيْسَ كَمَا تقولون: وإنهم لا يعلمون شيئًا وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل «١» .
فَقَالَ اللَّه- : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ يعني المتدارسين علم التوراة يعني ابْن سلام وأصحابه «مِنْهُمْ» يعني من اليهود وَالْمُؤْمِنُونَ يعني أصحاب محمد- ﷺ من غَيْر أَهْل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتاب عَلَى الْأَنْبِيَاء: التوراة والإنجيل. ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سبحانه- وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني المعطون الزكاة وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ والبعث الَّذِي فيه جزاء الأعمال أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً يعنى جزاء عَظِيماً- ١٦٢- إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وذلك أن عَدِيّ بن زَيْد وصاحبيه اليهود قَالُوا للنبي- ﷺ واللَّه ما أوحى اللَّه إليك، وَلا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله
стр. 304
- فَقَالَ: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ «١» كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ يعني من بعد نوح هود وصالح وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ يعني بني يَعْقُوب يُوسُف وإخوته وأوحينا إليهم فِي صحف إِبْرَاهِيم ثُمّ قَالَ وَأوحينا إلى عِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً- ١٦٣- لَيْسَ فِيهِ حد وَلا حكم وَلا فريضة ولا حلال ولا حرام خمسين ومائة سورة فَأَخْبَرَه اللَّه بهن ليعلموا أنه نَبِيّ فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين وَلَم يبين لنا أمر مُوسَى أكلمه اللَّه أم لَمْ «٢» يكلمه؟ فأنزل اللَّه- فِي قول اليهود وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ هَؤُلاءِ بمكة فِي الأنعام «٣» وَفِي غيرها لأن هَذِهِ مدنية وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً- ١٦٤- يعني مشافهة وَهُوَ ابن أربعين سنة ليلة النار ومرة أخرى حين أعطي التوراة رُسُلًا مُبَشِّرِينَ بالجنة وَمُنْذِرِينَ من النار [٩٠ ب] لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فيقولوا «٤» : يوم الْقِيَامَة لَمْ يَأتِنا لك رسول وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً- ١٦٥- حكم إرسال الْأَنْبِيَاء إلى الناس
فَقَالَ لهم النبي- ﷺ : إنكم لتعلمون حق ما أقول، وإنه لفي التوراة فَإِن تتوبوا وترجعوا «٥» يغفر لَكُمْ ذنوبكم. قَالُوا: لو كان ما تقول فى التوراة لتابعناك. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : واللَّه إنكم لتشهدون بما أقول.
قَالُوا: ما عندنا بِذَلِك شهادة قَالَ اللَّه- فَإِن لم يشهد لك أحد منهم
стр. 305
فَإِن اللَّه وملائكته يشهدون بِذَلِك «١» فذلك قوله- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بذلك وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً- ١٦٦- يَقُولُ فلا شاهد أفضل من اللَّه بأنه أنزل عليك القرآن «ثُمّ قَالَ يعنيهم» «٢» إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الْإِسْلام قَدْ ضَلُّوا عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً- ١٦٧- يعني طويلا ثُمّ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن وَظَلَمُوا يعني وأشركوا بِاللَّه لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً- ١٦٨- إلى الهدى ثُمّ استثنى إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها يعني طريق الكفر، فهو يقود إلى جَهَنَّم خالدين فيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
- ١٦٩- يعنى عذابهم على الله هينا يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ يعنى محمدا بِالْحَقِّ يعنى بالقرآن مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ يعني صدقوا بالقرآن فهو خير لَكُمْ من الكفر وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- ١٧٠- يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني النَّصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ يعني الْإِسْلام فالغلو فِي الدّين أن تقولوا عَلَى اللَّه غَيْر الحق فِي أمر عِيسَى ابْن مريم- ﷺ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وليس للَّه- ﵎ ولدا وَكَلِمَتُهُ يعني بالكلمة قَالَ كن فكان أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ يعني بالروح أَنَّهُ كان من غَيْر بشر نزلت فِي نصارى نجران فِي السيد والعاقب ومن معهما ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَآمِنُوا يعني صدقوا بِاللَّهِ- بأنه واحد لا شريك لَهُ وَرُسُلِهِ يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عليه
стр. 306
وَسَلَّمَ- بأنه نَبِيّ ورسول وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني لا تقولوا إن اللَّه- ثالث ثلاثة انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ يعني عِيسَى- ﷺ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق عبيده وَفِي ملكه عِيسَى وغيره وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا- ١٧١- يعنى شهيدا بذلك ثم قال- : نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
يعنى لن يأنف نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا
[٩١ أ] يستنكفْ مَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أن يكونوا عَبِيدا للَّه ليعتبروا بكون الملائكة «١» أقرب إلى- اللَّه منزلة من عِيسَى ابْن مريم «٢» وغيره فَإِن عِيسَى عَبْد من عباده ثُمّ أوعد النَّصارى فَقَالَ: مَنْ يَسْتَنْكِفْ
يعنى ومن يأنف نْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
يعني ومن يأنف عن عبادة اللَّه يعني التوحيد ويستكبر يعنى ويتكبر عن العبادةسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
- ١٧٢- فلم يستنكف ويستكبر غير إبليس وأخبر الْمُؤْمِنِين بمنزلتهم فِي الآخرة ومنزلة المستنكفين فَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يعني فيوفي لهم جزاءهم وَيَزِيدُهُمْ عَلَى أعمالهم مِنْ فَضْلِهِ الجنة.
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا يعنى أنفوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادة اللَّه بالتوحيد «٣» فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني وجيعًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني قريبا ينفعهم وَلا نَصِيراً- ١٧٣- يعني مانعا يمنعهم من الله- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان وَهُوَ القرآن وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً- ١٧٤- يعني ضياء بينا من العمى وَهُوَ القرآن فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
стр. 307
يعني صدقوا بِاللَّه- بأنه واحد لا شريك لَهُ وَاعْتَصَمُوا بِهِ يعني احترزوا به يعني بالله- فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ يعني الجنة وَفَضْلٍ يعني الرزق فِي الجنة وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً- ١٧٥- يَسْتَفْتُونَكَ نزلت فِي جَابِر بن عَبْد اللَّه الأنصاري من بني سلمة بن جشم بن سعد ابن عَلِيّ بن شاردة «١» بن يَزِيد بن جشم بن الخزرج وَفِي أخواته قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ يعني به الميت الَّذِي يموت وليس لَهُ وَلَد وَلا والد فهو الكلالة، وذلك أن جَابِر بن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ- ﵀ مرض بالمدينة فعاده رَسُول اللَّهِ- ﷺ فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ، إني كلالة لا أب لي وَلا وَلَد فكيف أصنع فِي مالي فأنزل اللَّه- إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يعني مات لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ الميت من الميراث وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ إذا ماتت قبله فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ يعني أختين فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يَقُولُ لئلا تخطئوا قسمة المواريث وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من قسمة المواريث عَلِيمٌ- ١٧٦- نظيرها فِي الأنفال.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة مدنية، نهارية كلها، عشرون ومائة آية كوفية إِلَّا قوله تَعَالَى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية «١» فإنها نزلت بعرفة.
стр. 311
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال مقاتل: قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود التي بينكم وبَيْنَ المشركين أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ يعني أحل لَكُمْ أكل لحوم الأنعام الإبل والبقر والغنم والصيد كله إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني غَيْر ما نهى اللَّه- عن أكله مما حرم اللَّه- من الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، ثُمّ قَالَ: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ يَقُولُ من غَيْر أن تستحلوا الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يَقُولُ إذا كُنْت محرما بحج أو عُمْرَة فالصيد عليك حرام كله غَيْر صيد البحر فَإنَّهُ حلال لك إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ- ١- فحكم أن جعل ما شاء من الحلال حراما، وَجَعَل ما شاء مما حرم فِي الإحرام من الصيد حلالا قال- تعالى- ذكره: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ يعنى مناسك الحج والعمرة. وذلك أن الخمس قريشا وخزاعة وكنانة وعامر بن صَعْصَعَة كانوا يستحلون أن يغير بعضهم عَلَى بعض فِي الأشهر الحرم وغيرها وكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة وكانوا لا يرون الوقوف بعرفات من شعائر اللَّه. فَلَمَّا أسلموا أخبرهم اللَّه- بأنها من شعائر اللَّه، فَقَالَ- : الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «١» وأمر- سبحانه- أن يسعى بينهما وأنزل «٢» الله- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ يَقُولُ لا تستحلوا القتل فِي الشهر الحرام وذلك أن أبا ثمامة جنادة بن عَوْف بن أميَّة من بني كنانة كان يقوم كُلّ سنة فِي سوق عكاظ، فيقول: ألا إني قَدْ أحللت المحرم وحرمت صفرا وأحللت كذا وحرمت كذا ما شاء. وكانت العرب
стр. 312
تأخذ به فأنزل اللَّه- تَعَالَى- «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني جنادة بن عَوْف «يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ» يعني خلافا عَلَى اللَّه جلَّ اسمه- وعلى ما حرم فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ «١» من الأشهر الحرم. ثُمّ رجع إلى الآية الأولى فِي التقديم فَقَالَ تَعَالَى: «وَلَا الْقَلائِدَ» كفعل أَهْل الْجَاهِلِيَّة وذلك أنهم كانوا يصيبون من الطريق قَالَ: وكان فِي الْجَاهِلِيَّة من «٢» أراد الحج من غَيْر أَهْل الحرم يقلد نفسه من الشعر والوبر فيأمن به إلى مكة، وإن كان من أَهْل الحرم قلد نفسه وبعيره من لحيا شجر الحرم فيأمن به حيث يذهب فهذا فِي غَيْر أشهر الحرم فإذا كان أشهر الحرم [٩٢ أ] لَمْ يقلدوا أنفسهم وَلا أباعرهم وهم يأمنون حيث ما ذهبوا قَالَ- وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يعني متوجهين نحو البيت، نزلت فِي الخطيم «٣» يَقُولُ لا تتعرضوا «٤» لِحُجَّاج بيت اللَّه يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الرزق فِي التجارة فِي مواسم الحج وَرِضْواناً يعني رضوان اللَّه بحجهم فلا يرضى اللَّه عَنْهُمْ حَتَّى يسلموا فنسخت آية السيف هَذِهِ الآية كلها «٥» ، قوله- سُبْحَانَهُ- وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا يَقُولُ إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يَقُولُ وَلا يحملنكم عداوة المشركين من أَهْل مكة أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعنى منعوكم من «٦»
стр. 313
دخول البيت الحرام أن تطوفوا «١» به عام الحديبية. أَنْ تَعْتَدُوا يعني أن ترتكبوا «٢» معاصيه فتستحلوا أَخَذَ الهدي والقلائد والقتل فِي الشهر الحرام من حجاج بكر ابن وائل من أَهْل اليمامة، نزلت فِي الخطيم واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل ابن عُمَر بن جرثوم البكري من بني قَيْس بن ثَعْلَبَة وَفِي حُجّاج المشركين وذلك
أن شُرَيْح بن ضبيعة جاء إلى النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: يا محمد، اعرض عَلَيّ دينك. فعرض عَلَيْه وأخبره بما لَهُ وبما عَلَيْه، فَقَالَ لَهُ شُرَيْح: إن فِي دينك هَذَا غلظا، فأرجع إلى قومي فأعرض عليهم ما قُلْتُ فَإِن قبلوه كُنْت معهم، وإن لَمْ يقبلوه كُنْت معهم. فخرج من عِنْد النَّبِيّ- ﷺ .
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : لقَدْ دخل بقلب كافر وخرج بوجه غادر وما أرى الرجل بمسلم. ثم مر على سرح المدينة فاستاقها فطلبوه فسبقهم إلى المدينة وأنشأ يَقُولُ:
قَدْ لفها الليل بسواق حطم لَيْسَ براعي إبل وَلا غَنْم وَلا بجزار عَلَى ظهر وضم خدلج الساق وَلا رعش القدم
قال أبو محمد «عبد الله بن ثابت: سَمِعْتُ أبي يَقُولُ: قَالَ أَبُو صَالِح» «٣» :
قتله رجل من قومه عَلَى الكفر وقدم الرَّجُل الَّذِي قتله مسلما «٤» . فَلَمَّا سار رَسُول اللَّهِ- ﷺ معتمرا عام الحديبية فِي العام الَّذِي صده المشركون جاء شُرَيْح إلى مكة معتمرا معه تجارة عظيمة فِي حجاج بَكْر بن وائل فَلَمَّا سَمِع أصحاب رَسُول اللَّهِ- ﷺ بقدوم شُرَيْح وأصحابه وعرفوا بنبئهم فأراد
стр. 314
أَهْل السرح أن يغيروا عَلَيْه كَمَا أغار عليهم من قبل شُرَيْح وأصحابه فقالوا: نستأمر النَّبِيّ- ﷺ فاستأمروه فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ يعني أمر المناسك وَلا تستحلوا فِي الشهر الحرام أخذ الهدى [٩٢ ب] وَلا القلائد يَقُولُ وَلا تخيفوا من قلد بعيره وَلا تستحلوا القتل آمِّين البيت الحرام يعني متوجهين قبل البيت الحرام من حُجّاج المشركين يعنى شريح ابن ضبيعة وأصحابه يبتغون بتجاراتهم فضلا من اللَّه يعني الرزق والتجارة ورضوانه بحجهم، فنهى اللَّه- نبيه- ﷺ عن قتالهم ثُمّ لَمْ يرض منهم حَتَّى يسلموا فنسخت هَذِهِ الآية آية السيف «١» ، فَقَالَ- فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٢» ثُمّ قَالَ- تَعَالَى- «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» «٣» - ٢- قوله- سبحانه-: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يعني أكل الميتة وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني الَّذِي ذبح لأصنام المشركين ولغيرهم هَذَا حرام البتة إن أدركت ذكاته أَوْ لَمْ تدرك ذكاته فَإنَّهُ حرام البتة لأنهم جعلوه لغير اللَّه- . ثُمّ قَالَ- وَالْمُنْخَنِقَةُ يعني وحرم المنخنقة:
الشاة والإبل والبقر التي تنخنق أَوْ غيره حَتَّى تموت وَالْمَوْقُوذَةُ يعني التي تضرب بالخشب حَتَّى تموت وَالْمُتَرَدِّيَةُ يعني التي تردى من الجبل فتقع منه أَوْ تقع فِي بئر فتموت وَالنَّطِيحَةُ يعني الشاة تنطح صاحبتها فتموت وَما أَكَلَ السَّبُعُ من الأنعام والصيد يعني فريسة السبع ثُمّ استثنى فقال- سبحانه-:
стр. 315
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعني إِلَّا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع مِما «١» أدركتم ذكاته يعني «بطرف أو بعرق يضرب أو بذنب» «٢» بتحرك «ويذكي فهو» «٣» حلال وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ يعني وحرم ما ذبح عَلَى النصب وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها فِي الْجَاهِلِيَّة فيعبدونها فهو حرام البتة وكان «٤» خزان الكعبة يذبحون لها وإن شاءوا بدلوا تِلْكَ الحجارة بحجارة أخرى وألقوا الأولى ثُمّ قَالَ- تَعَالَى ذكره-: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ يعنى وأن تستقسموا الأمور بالأزلام والأزلام قد حان فِي بيت أصنامهم، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرا أتوا بيت أصنامهم فضربوا بالقدحين، فَمَا خرج من شيء عملوا به، وكان كتب على أحدهما أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، فإذا أرادوا سفرا أتوا ذَلِكَ البيت فغطوا عَلَيْه ثوبا ثُمّ يضربون بالقدحين فَإِن خرج السهم الَّذِي فِيهِ أمرني ربي خرج فِي سفره، وإن خرج السهم الَّذِي فِيهِ نهاني ربي لَمْ يسافر فهذه الأزلام ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني معصية حراما الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ يعني لا تخشوا الكفار وَاخْشَوْنِ فِي ترك أمري، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعنى يوم عرفة فلم ينزل بعدها حلال وَلا حرام وَلا حكم [٩٣ أ] وَلا حد وَلا فريضة غَيْر آيتين من آخر سورة النساء:
يَسْتَفْتُونَكَ ... «٥» . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعنى شرائع دينكم: أمر
стр. 316
الحلال والحرام وذلك أن اللَّه- جلَّ ذكره- كان فرض عَلَى الْمُؤْمِنِين شهادة أن لا إله إِلَّا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّه- ﷺ والإيمان بالبعث والجنة والنار والصلاة ركعتين غدوة وركعتين بالعشي شيئًا غَيْر مؤقت والكف عن القتال قبل أن يهاجر «١» النَّبِيّ- ﷺ وفرضت الصلوات «٢» الخمس ليلة «المعراج» «٣» وَهُوَ بعد بمكة، والزكاة المفروضة بالمدينة، ورمضان والغسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة «٤» فَلَمَّا حج حجة الوداع نزلت هَذِهِ الآية يوم عرفة فبركت ناقة النَّبِيّ- ﷺ لنزول الوحي بجمع «٥» وعاش النَّبِيّ- ﷺ بعدها إحدى وثمانين ليلة ثُمّ مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت فِي الحلال والحرام: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني شرائع دينكم: أمر حلالكم وحرامكم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني الْإِسْلام إذ «٦» حججتم وليس معكم مشرك وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً يعني واخترت لَكُم الْإِسْلام دينا فَلَيْس دين أرضى عِنْد اللَّه- من الْإِسْلام قَالَ سُبْحَانَهُ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٧» ثُمّ قَالَ:
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ يعني مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ غَيْر متعمد لمعصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣-
стр. 317
إذ رخص لَهُ فِي أكل الميتة ولحم الخنزير حين أصابه الجوع الشديد والجهد، وَهُوَ عَلَى غير المضطر حرام يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الصيد. وذلك أن زَيْد الخير وَهُوَ من بني المهلهل «١» وعدي بن حاتم الطائيان سألا النَّبِيّ- ﷺ فَقَالا: يا رَسُول اللَّه، كِلاب آل درع وآل حورية «٢» يصدن الظباء والبقر والحمر، فمنها ما تدرك ذكاته فيموت وَقَدْ حرم اللَّه- الميتة فماذا يحل لنا فنزلت يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الصيد [قُلْ «٣» أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الحلال وذبح ما أحل اللَّه لهم من الصيد مما أدركت ذكاته، ثُمّ قَالَ: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ يعني الكلاب معلمين للصيد تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يَقُولُ تؤدبوهن كَمَا أدبكم اللَّه فيعرفون الخير والشر، وكذا الكاتم أيضًا فأدبوا كلابكم فِي أمر الصيد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ فكلوا مما أمسكن يعني حبسن عليكم الكلاب المعلمة «٤» وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إذا أرسلتم بعد أن أمسك عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تستحلوا أكل الصيد من الميتة إِلَّا ما ذكي من صيد الكلب المعلم، ثُمّ خوفهم فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ «٥» - ٤- لمن يستحل أكل الميتة من الصيد إلا من اضطر، قوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعنى الحلال أى الذبائح من الصيد «٦» ] .
стр. 318
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ يعني بالطعام ذبائح الَّذِين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى: ذبائحهم ونسائهم حلال للمسلمين وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني ذبائح الْمُسْلِمِين وذبائح نسائهم حلال لليهود والنصارى ثُمّ قَالَ- : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ يعنى وأحل لكم تزويج [٩٣ ب] العفائف من المؤمنات وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى نكاحهن حلال للمسلمين إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني إذا أعطيتموهن مهورهن مُحْصِنِينَ لفروجهن من الزنا غَيْرَ مُسافِحِينَ يعني غَيْر معلنات بالزنا علانية وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يعني لا تتخذ الخليل فِي السر فيأتيها فَلَمَّا أحل اللَّه- نساء أَهْل الكتاب، قَالَ المسلمون: كيف تتزوجوهن وهن عَلَى غَيْر ديننا وقالت نساء أَهْل الكتاب:
ما أحل اللَّه تزويجنا للمسلمين إِلَّا وَقَدْ رضي أعمالنا فأنزل اللَّه- وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ يعني من نساء أَهْل الكتاب بتوحيد اللَّه فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٥- يعنى من الكافرين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً يعني إن أصابتكم جنابة فَاطَّهَّرُوا يعني فاغتسلوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف- ﵁ «١» أَوْ أصابكم جراحة أَوْ جدري أو كان بكم قروح وأنتم مقيمون فِي الأهل فخشيتم الضرر والهلاك فتيمموا الصعيد ضربة للوجه وضربة للكفين أَوْ إن كنتم عَلى سَفَرٍ.
نزلت فِي عَائِشَة- ﵂ حين أسقطت قلادتها وهي مع النبي
стр. 319
- ﷺ فِي غزاة بني أنمار وهم حي من قَيْس عيلان أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فى السفر أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يعني جامعتم النّساء فِي السَّفَر فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يعني من الصعيد ضربتين ضربة للوجه وضربه لليدين إلى الكرسوع وَلَم يؤمروا بمسح الرأس فِي التيمم «١» مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يعني ضيق فِي أمر دينكم إذ رخص لكم فى التيمم وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ فِي أمر دينكم من الأحداث والجنابة وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ يعني إذ رخص لَكُمْ فِي التيمم: فِي السَّفَر والجراح فِي الحضر لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٦- رب هَذِهِ النعم فتوحدونه. فَلَمَّا نزلت الرخصة قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ لعائشة- رضوان اللَّه عليها-: والله ما علمتك إِلَّا مباركة. قوله- سُبْحَانَهُ- وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعني بالإسلام يوم أَخَذَ ميثاقكم عَلَى المعرفة بِاللَّه- والربوبية إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ذلك أن الله- [٩٤ أ] أَخَذَ الميثاق الأول عَلَى العباد حين خلقهم من صلب آدم- ﵇ فذلك قوله- : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا «٢» عَلَى أنفسنا فَمنْ بلغ منهم العمل وأقر للَّه- بالإيمان به وبآياته وكتبه ورسله والكتاب والملائكة والجنة والنار والحلال والحرام والأمر والنهي أن يعمل بما أمر وينتهي عما نهى. فإذا أوفى الله: «تعالى بهذا» «٣» أوفى الله له بالجنة.
стр. 320
فهذان ميثاقان: ميثاق بالإيمان بِاللَّه وميثاق بالعمل. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: فِي البقرة: سَمِعْنا وَأَطَعْنا «١» سمعنا بالقرآن الَّذِي جاء من عِنْد اللَّه وأطعنا اللَّه- فِيهِ.
وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي التغابن: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا «٢» يَقُولُ اسمعوا القرآن الَّذِي جاء به محمد- ﷺ من عِنْد اللَّه- وأطيعوا اللَّه فيما أمركم فَمنْ بلغ الحلم والعمل وَلَم يؤمن بِاللَّه- وَلا بالرسول والكتاب فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بِاللَّه- وبما أَخَذَ اللَّه- تَعَالَى- عَلَيْه حين خلقه وصار من الكافرين.
ومن أَخَذَ اللَّه- عَلَيْه الميثاق الأول وَلَم يبلغ الحلم فَإنَّ اللَّه- أَعْلَم به.
قَالَ: وسئل عَبْد اللَّه بن عَبَّاس عن أطفال المشركين فَقَالَ: لقَدْ أَخَذَ اللَّه- الميثاق الأول عليهم فلم يدركوا أجلا وَلَم يأخذوا رزقا ولم يعملوا سيئة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٣» وماتوا عَلَى الميثاق الأول فالله أَعْلَم بهم.
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تنقضوا ذَلِكَ الميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ٧- يعني بما فِي قلوبهم من الْإِيمَان والشك، قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ يعني قوالين بالعدل شهداء للَّه وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يَقُولُ لا تحملنكم عداوة المشركين يعني كفار مكة عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا عَلَى حُجّاج رَبِيعَة وتستحلوا منهم محرما اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ