← Тафсир

Тафсир · id 23614

تفسير مقاتل بن سليمان

مقاتل

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحلال والحرام وذلك أن اللَّه- جلَّ ذكره- كان فرض عَلَى الْمُؤْمِنِين شهادة أن لا إله إِلَّا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّه- ﷺ والإيمان بالبعث والجنة والنار والصلاة ركعتين غدوة وركعتين بالعشي شيئًا غَيْر مؤقت والكف عن القتال قبل أن يهاجر «١» النَّبِيّ- ﷺ وفرضت الصلوات «٢» الخمس ليلة «المعراج» «٣» وَهُوَ بعد بمكة، والزكاة المفروضة بالمدينة، ورمضان والغسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة «٤» فَلَمَّا حج حجة الوداع نزلت هَذِهِ الآية يوم عرفة فبركت ناقة النَّبِيّ- ﷺ لنزول الوحي بجمع «٥» وعاش النَّبِيّ- ﷺ بعدها إحدى وثمانين ليلة ثُمّ مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت فِي الحلال والحرام: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني شرائع دينكم: أمر حلالكم وحرامكم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني الْإِسْلام إذ «٦» حججتم وليس معكم مشرك وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً يعني واخترت لَكُم الْإِسْلام دينا فَلَيْس دين أرضى عِنْد اللَّه- من الْإِسْلام قَالَ سُبْحَانَهُ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٧» ثُمّ قَالَ: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ يعني مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ غَيْر متعمد لمعصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٣-

стр. 317

إذ رخص لَهُ فِي أكل الميتة ولحم الخنزير حين أصابه الجوع الشديد والجهد، وَهُوَ عَلَى غير المضطر حرام يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الصيد. وذلك أن زَيْد الخير وَهُوَ من بني المهلهل «١» وعدي بن حاتم الطائيان سألا النَّبِيّ- ﷺ فَقَالا: يا رَسُول اللَّه، كِلاب آل درع وآل حورية «٢» يصدن الظباء والبقر والحمر، فمنها ما تدرك ذكاته فيموت وَقَدْ حرم اللَّه- الميتة فماذا يحل لنا فنزلت يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ من الصيد [قُلْ «٣» أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الحلال وذبح ما أحل اللَّه لهم من الصيد مما أدركت ذكاته، ثُمّ قَالَ: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ يعني الكلاب معلمين للصيد تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يَقُولُ تؤدبوهن كَمَا أدبكم اللَّه فيعرفون الخير والشر، وكذا الكاتم أيضًا فأدبوا كلابكم فِي أمر الصيد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ فكلوا مما أمسكن يعني حبسن عليكم الكلاب المعلمة «٤» وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إذا أرسلتم بعد أن أمسك عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تستحلوا أكل الصيد من الميتة إِلَّا ما ذكي من صيد الكلب المعلم، ثُمّ خوفهم فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ «٥» - ٤- لمن يستحل أكل الميتة من الصيد إلا من اضطر، قوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعنى الحلال أى الذبائح من الصيد «٦» ] .

стр. 318

وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ يعني بالطعام ذبائح الَّذِين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى: ذبائحهم ونسائهم حلال للمسلمين وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني ذبائح الْمُسْلِمِين وذبائح نسائهم حلال لليهود والنصارى ثُمّ قَالَ- : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ يعنى وأحل لكم تزويج [٩٣ ب] العفائف من المؤمنات وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى نكاحهن حلال للمسلمين إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني إذا أعطيتموهن مهورهن مُحْصِنِينَ لفروجهن من الزنا غَيْرَ مُسافِحِينَ يعني غَيْر معلنات بالزنا علانية وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يعني لا تتخذ الخليل فِي السر فيأتيها فَلَمَّا أحل اللَّه- نساء أَهْل الكتاب، قَالَ المسلمون: كيف تتزوجوهن وهن عَلَى غَيْر ديننا وقالت نساء أَهْل الكتاب: ما أحل اللَّه تزويجنا للمسلمين إِلَّا وَقَدْ رضي أعمالنا فأنزل اللَّه- وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ يعني من نساء أَهْل الكتاب بتوحيد اللَّه فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٥- يعنى من الكافرين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً يعني إن أصابتكم جنابة فَاطَّهَّرُوا يعني فاغتسلوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف- ﵁ «١» أَوْ أصابكم جراحة أَوْ جدري أو كان بكم قروح وأنتم مقيمون فِي الأهل فخشيتم الضرر والهلاك فتيمموا الصعيد ضربة للوجه وضربة للكفين أَوْ إن كنتم عَلى سَفَرٍ. نزلت فِي عَائِشَة- ﵂ حين أسقطت قلادتها وهي مع النبي

стр. 319

- ﷺ فِي غزاة بني أنمار وهم حي من قَيْس عيلان أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فى السفر أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يعني جامعتم النّساء فِي السَّفَر فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يعني من الصعيد ضربتين ضربة للوجه وضربه لليدين إلى الكرسوع وَلَم يؤمروا بمسح الرأس فِي التيمم «١» مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يعني ضيق فِي أمر دينكم إذ رخص لكم فى التيمم وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ فِي أمر دينكم من الأحداث والجنابة وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ يعني إذ رخص لَكُمْ فِي التيمم: فِي السَّفَر والجراح فِي الحضر لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٦- رب هَذِهِ النعم فتوحدونه. فَلَمَّا نزلت الرخصة قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق- ﵁ لعائشة- رضوان اللَّه عليها-: والله ما علمتك إِلَّا مباركة. قوله- سُبْحَانَهُ- وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعني بالإسلام يوم أَخَذَ ميثاقكم عَلَى المعرفة بِاللَّه- والربوبية إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ذلك أن الله- [٩٤ أ] أَخَذَ الميثاق الأول عَلَى العباد حين خلقهم من صلب آدم- ﵇ فذلك قوله- : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا «٢» عَلَى أنفسنا فَمنْ بلغ منهم العمل وأقر للَّه- بالإيمان به وبآياته وكتبه ورسله والكتاب والملائكة والجنة والنار والحلال والحرام والأمر والنهي أن يعمل بما أمر وينتهي عما نهى. فإذا أوفى الله: «تعالى بهذا» «٣» أوفى الله له بالجنة.

стр. 320

فهذان ميثاقان: ميثاق بالإيمان بِاللَّه وميثاق بالعمل. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: فِي البقرة: سَمِعْنا وَأَطَعْنا «١» سمعنا بالقرآن الَّذِي جاء من عِنْد اللَّه وأطعنا اللَّه- فِيهِ. وذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فِي التغابن: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا «٢» يَقُولُ اسمعوا القرآن الَّذِي جاء به محمد- ﷺ من عِنْد اللَّه- وأطيعوا اللَّه فيما أمركم فَمنْ بلغ الحلم والعمل وَلَم يؤمن بِاللَّه- وَلا بالرسول والكتاب فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بِاللَّه- وبما أَخَذَ اللَّه- تَعَالَى- عَلَيْه حين خلقه وصار من الكافرين. ومن أَخَذَ اللَّه- عَلَيْه الميثاق الأول وَلَم يبلغ الحلم فَإنَّ اللَّه- أَعْلَم به. قَالَ: وسئل عَبْد اللَّه بن عَبَّاس عن أطفال المشركين فَقَالَ: لقَدْ أَخَذَ اللَّه- الميثاق الأول عليهم فلم يدركوا أجلا وَلَم يأخذوا رزقا ولم يعملوا سيئة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٣» وماتوا عَلَى الميثاق الأول فالله أَعْلَم بهم. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تنقضوا ذَلِكَ الميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- ٧- يعني بما فِي قلوبهم من الْإِيمَان والشك، قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ يعني قوالين بالعدل شهداء للَّه وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يَقُولُ لا تحملنكم عداوة المشركين يعني كفار مكة عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا عَلَى حُجّاج رَبِيعَة وتستحلوا منهم محرما اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 321

فاعدلوا فَإِن العدل أقرب للتقوى يعني لخوف اللَّه- إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- ٨- يعظهم ويحذرهم. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني وأدوا الفرائض لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ- ٩- يعني جزاء حسنا وَهُوَ الجنة وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ- ١٠- يعنى ما عظم من النار قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... [٩٤ ب] الآية نزلت هَذِهِ الآية لأن رَسُول اللَّهِ- ﷺ كان قَدْ بعث المنذر بن عمرو الأنصاري فِي أناس من أصحابه إلى بئر معوتة وَهُوَ ماء بني عامر فساروا حَتَّى أشرفوا عَلَى الأرض فأدركهم الماء فنزلوا فَلَمَّا كان المساء أضل أربعة منهم بعيرا لهم فاستأذنوا أن يقيموا فأذن لهم الْمُنْذِر، ثُمّ سار الْمُنْذِر بمن معه وأصبح القوم وَقَدْ جمعوا لهم على الماء وكانت بنو سُلَيْم هُم الَّذِين آذنوا بني عامر بهم فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الْمُنْذِر بن عمرو ومن معه وأصاب الأربعة بعيرهم من الغد فأقبلوا فِي طَلِب أصحابهم فلقيتهم وليدة لبني عامر فِي غنيمة ترعاها، فقالت لهم: أمن أصحاب محمد أنتم؟ قَالُوا: نعم، رجاء أن تسلم «١» . فقالت: النجاء فَإِن إخوانكم قَدْ قتلوا حول الماء قتلهم عامر بن الطُّفَيْل بن مَالِك بن جَعْفَر. فَقَالَ أحد الأربعة: ما ترون؟ قَالُوا: نرى أن نرحل إلى رَسُول اللَّهِ- ﷺ فنخبره بالذي كان. قَالَ: لكني، واللَّه، لا أرجع حَتَّى أنتقم من أعداء أصحابي اليوم فامضوا راشدين واقرأوا على رسول الله- ﷺ منى السلام كثيرا فأشرف على الخيل

стр. 322

فنظر إلى أصحابه مقتلين عِنْد الماء فأخذ سيفه فضرب به حَتَّى قُتِل- ﵀. ورجع الثلاثة إلى المدينة فأتوها حين أمسوا فلقوا رجلين من بني سليم وهما خارجان من المدينة فقالوا لهما: من أنتما؟ قالا: نحن من بني عامر. فقالوا: أنتما مِمَّنْ قتل إخواننا فأقبلوا عليهما فقتلوهما. ثُمّ دخلوا إِلَى النَّبِيّ- ﷺ فأخبروه الخبر فوجدوا الخبر قَدْ سبق إِلَيْهِ فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ غشينا المدينة ممسين فوجدنا رجلين من بني عامر فقتلناهما وهذا سلبهما «١» . فقال رسول الله- ﷺ : بئس ما صنعتما فإنهما كانا من بني سُلَيْم. قَالَ: وكان بين بني سُلَيْم وبَيْنَ النَّبِيّ- ﷺ موادعة وعهد فنزلت- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَقُولُ «٢» لا تعجلوا بأمر وَلا بفعل حَتَّى يأمركم رَسُول اللَّهِ- ﷺ «وَاتَّقُوا اللَّهَ» وَلا تخالفوا عَلَى نبيكم- «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ» لما تقولون «عَلِيمٌ» «٣» بما تفعلون. وجاء أَهْل السليميين فقالوا: يا محمد، إن صاحبينا أتياك فقتلا عندك. فَقَالَ رَسُول اللَّهِ- ﷺ : إن صاحبيكما اعتزيا إلى عدونا حَتَّى قتلا ولكنا سنعقل صاحبيكم، فانطلق رَسُول اللَّهِ- ﷺ في أهل عهده فبدأ ببني النضير [٩٥ أ] فَقَالَ: أنتم جيراننا وحلفاؤنا والأيام دول وَقَدْ رأيتم الَّذِي أصابنا فاتخذوا عندنا يدا نجزكم بها غدا إن شاء اللَّه. فقالوا: مرحبا بك وأهلا، إخواننا بنو قريظة لا نحب أن نسبقهم بأمر وَلَكِن ائتنا يوم كذا وكذا وَقَدْ جمعنا لك الَّذِي تريد أن نعطيك. فرجع رَسُول اللَّهِ- ﷺ من عندهم فأرسلوا إلى بني قريظة أن محمدا مغرور «٤»

стр. 323

يأتينا فِي الرَّجُل والرجلين فاجتمعوا لَهُ فاقتلوه. فأتاهم رَسُول اللَّه- ﷺ لميعادهم ومعه ثلاثة نفر أَبُو بَكْر وعمر وعلي- ﵃ وَهُوَ- ﷺ رابعهم فأجلسوه فِي صفة لهم ثُمّ خرجوا يجمعون السلاح لَهُ، وكان كَعْب بن الأشرف عِنْد ذَلِكَ بالمدينة، فهم ينتظرونه حَتَّى يأتيهم فأوحى اللَّه- إلى نبيه فأتاه جبريل- ﵇ فأخبره بما يراد به وبأصحابه فقام نَبِيّ اللَّه- ﷺ وَلَم يؤذن أصحابه مخافة أن يثوروا «١» بهم، فأتى باب الدار، فقام به فَلَمَّا أبطأ عَلَى أصحابه، خرج علي لينظر ما فعل رَسُول اللَّه- ﷺ فإذا هُوَ عَلَى الباب، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّه، احتبست علينا حَتَّى خفنا عليك أن يَكُون قَدْ اغتالك أحد. قَالَ: فَإِن أعداء اللَّه قَدْ أرادوا ذَلِكَ فقم مكانك بالباب حتى يخرج إليك بعض أصحابك فأقمه مكانك واخبره بالذي أخبرتك ثُمّ الحقني، ومضى رَسُول اللَّهِ- ﷺ وقام الآخر بالباب حَتَّى خرج إِلَيْهِ صاحبه «٢» . فَقَالَ: احتبست أَنْت ورسول اللَّه حَتَّى خفنا عليكما، فَأَخْبَرَه الخبر فمكث مكانه ولحق الآخر، برسول اللَّه- ﷺ «٣» - فلما أبطأوا عَلَى صاحبهم خرج، فاتبعوا رَسُول اللَّهِ- ﷺ فذلك قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ وهم اليهود «أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ» بالسوء «فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ» وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- ١١-. قوله- سُبْحَانَهُ-: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً يعني شاهدا عَلَى قومهم من كُلّ سِبْط رجلا ليأخذ هذا

стр. 324

الرَّجُل عَلَى سبطه الميثاق وشهداء «١» عَلَى قومهم وكانوا اثني عشر سبطا عَلَى كُلّ سِبْط منهم رَجُلا فأطاع اللَّه- منهم خمسة فكان منهم طالوت، مِمَّنْ أطاع اللَّه- وعصى منهم سبعة، فنقبوا عَلَى أن يعبدوا اللَّه وَلا يشركوا به شيئًا وَقالَ اللَّهُ- للنقباء الاثني عشر إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [٩٥ ب] يعني الَّذِين بعثتهم إليكم وفيهم عِيسَى ومحمد- ﷺ فكفروا بعيسى ومُحَمَّد- صلى الله عليهما وَسَلَّمَ- قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: ولقد أَخَذَ اللَّه ميثاقكم عَلَى أن تعملوا بما فِي التوراة فكان الْإِيمَان بالنبيين من عمل التوراة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يعني وأعنتموهم حَتَّى يبلغوا الرسالة وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني طيبة بها أنفسكم «٢» وَهُوَ التطوع لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يقول أغفر لكم خطاياكم الذي كان منكم فيما بينكم وبيني وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ- ١٢- يعني فقد أخطأ قصد الطريق طريق الهدى فنقضوا العهد والميثاق. فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ فبنقضهم ميثاقهم لعناهم بالمسخ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يعني قست قلوبهم عن الْإِيمَان بمحمد- ﷺ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ والكلم صفة محمد- ﷺ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وذلك أن اللَّه- أَخَذَ ميثاق بني إِسْرَائِيل فِي التوراة أن يؤمنوا بمحمد- ﷺ ويصدقوا به وَهُوَ مكتوب عندهم فِي التوراة. فَلَمَّا بعثه اللَّه- كفروا وحسدوه وقَالُوا إن هَذَا لَيْسَ من وَلَد إسحاق وَهُوَ من وَلَد إسماعيل فَقَالَ اللَّه- : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ وهو الغش للنبىّ

стр. 325

- ﷺ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ والقليل مؤمنيهم عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه. يَقُولُ اللَّه- : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ حتى يأتي اللَّه بأمره فِي أمر بني قريظة والنضير فكان أمر اللَّه فِيهم القتل والسبي والجلاء يَقُولُ فاعف عَنْهُمْ حَتَّى يَأْتِي يعني يجئ ذَلِكَ الأمر «١» فبلغوه فسبوا وأجلوا فصارت [آية] العفو والصفح منسوخة نسختها آية السيف فِي براءة «٢» فَلَمَّا جاء ذَلِكَ الأمر قتلهم اللَّه- تَعَالَى- وسباهم وأجلاهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «٣» - ١٣- ثُمّ ذكر أَهْل الإنجيل فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إِنَّمَا سموا نصارى لأنهم كانوا من قرية يُقَالُ لها ناصرة كان نزلها عِيسَى ابْن مريم- ﷺ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ وذلك أن اللَّه كان أخذ عليهم الميثاق فِي الإنجيل بالإيمان بمحمد- ﷺ ، كَمَا أَخَذَ عَلَى أَهْل التوراة أن يؤمنوا بمحمد- ﷺ ويتبعوه ويصدقوه وَهُوَ مكتوب عندهم فِي الإنجيل يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى-: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعنى فتركوا حظا [٩٦ أ] مما أمروا به من إيمان بمحمد- ﷺ والتصديق به «٤» ولو آمنوا لكان خيرًا لهم وكان لهم حظا، يَقُولُ اللَّه- : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ يعني بين النصارى الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ النسطورية والمار يعقوبية وعبادة الملك فهم أعداء بعضهم لبعض إلى يوم القيامة وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ فى الآخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ- ١٤- يعني بما يقولون من الجحود والتكذيب وذلك أن النسطورية

стр. 326

قالوا: إن عيسى ابن الله. وقالت: المار يعقوبية إن اللَّه هُوَ المسيح ابْن مريم. وقالت عبادة الملك: إن اللَّه- ثالث ثلاثة- هو إله وعِيسَى إله، ومريم إله، افتراء عَلَى اللَّه- ﵎ وإنما اللَّه إله واحد وعيسى عَبْد اللَّه ونبيه- ﷺ كَمَا وصف اللَّه- سُبْحَانَهُ- نفسه «أَحَدٌ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» «١» يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد- ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ «٢» مِنَ الْكِتابِ يعنى التوراة اخفوا أمر الرجم وأمر محمد- ﷺ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني ويتجاوز عن كثير مما كتمتم فلا يخبركم بكتمانه. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعني ضياء من الظلمة وَكِتابٌ مُبِينٌ- ١٥- يعني بين يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يعني بكتاب محمد- ﷺ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ يعنى من اتبع دين محمد- ﷺ ودين الإسلام يهديه اللَّه إلى طريق الجنة وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني من الشرك إلى الْإِيمَان بِإِذْنِهِ يعني بعلمه وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- ١٦- قوله- سُبْحَانَهُ-: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قُلْ لهم يا محمد فَمَنْ يَمْلِكُ فَمنْ يقدر أن يمتنع مِنَ اللَّهِ شَيْئاً من شيء من عذابه إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بعذاب أَوْ بموت فَمن الَّذِي يحول بينه وبَيْنَ ذَلِكَ ثُمّ عظم الرب- ﷻ نفسه عن قولهم حين قَالُوا إن اللَّه هُوَ المسيح ابْن مريم فَقَالَ- سبحانه-: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ إِلَيْهِ سلطان السموات والأرض وَما بَيْنَهُما من الخلق يَخْلُقُ ما يَشاءُ يعني عِيسَى شاء أن يخلقه من غَيْر بشر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

стр. 327

- ١٧- من خلق عِيسَى من غَيْر بشر وغيره من الخلق قدير مثلها فى آخر السورة «١» . وَقالَتِ الْيَهُودُ يهود المدينة منهم كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف وكعب بن أسيد، وبحري بن عمرو، وشماس بن عمرو، وَغَيْرُهُمْ وَالنَّصارى من نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما، قَالُوا جميعًا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وافتخروا على المسلمين وقالوا [٩٦ ب] ما أحد من الناس أعظم عِنْد اللَّه منزلة مِنَّا فَقَالَ اللَّه- لمحمد- ﷺ قُلْ للمسلمين يردوا عليهم فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ حين زعمتم وقلتم لن تمسنا النار إِلَّا أياما معدودة يعني عدة ما عبدوا فيها العجل، إن كنتم أبناء اللَّه وأحباؤه. أفتطيب «٢» نفس رَجُل أن يعذب ولده بالنار؟ واللَّه أرحم من جميع خلقه، فَقَالَ اللَّه- لنبيه- ﷺ قل لهم: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ من العباد ولستم بأبناء اللَّه وأحبائه يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ يعني يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ فيميته عَلَى الكفر ثُمّ عظم الرب نفسه- عن قولهم: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الخلق يحكم فيهما ما يشاء هُمْ عبيده وَفِي ملكه وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ- ١٨- فِي الآخرة فيجزيكم بأعمالكم يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني اليهود منهم رافع بن أَبِي حريملة ووهب ابن يهوذا قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد- ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ الدين عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ «٣» فيها تقديم: وكان بين محمد وعيسى- صَلَّى الله عليهما وسلم- ستمائة سنة أَنْ تَقُولُوا يعني لئلا تقولوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ بالجنة وَلا نَذِيرٍ من

стр. 328

النار، يقول فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ يعني النبي- ﷺ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- ١٩- إذ بعث محمدا رسولا وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ وهم بنو إسرائيل يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعنى بالنعمة إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ السبعين الذين جعلهم الله أنبياء بعد موسى وهارون وبعد ما أتاهم اللَّه بالصاعقة وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني أغنياء أغنى بعضكم عن بعض فلا يدخل عَلَيْه أحد إِلَّا بإذنه بمنزلة الملوك فِي الدُّنْيَا ثُمّ قَالَ وَآتاكُمْ يعني وأعطاكم ما لَمْ يُؤْتِ يعني ما لم يعط أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ- ٢٠- يعني الخير والتوراة وما أعطاكم اللَّه- فِي التيه من المن والسلوى وما ظلل عليهم من الغمام وأشباه ذَلِكَ مما فضلوا به عَلَى غيرهم فَقَالَ مُوسَى: يا قَوْمِ بنى إسرائيل ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعنى المطهرة الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم اللَّه- أن تدخلوها وهي أريحا أرض الأُرْدُنّ وفلسطين وهما من الأرض المقدسة «١» وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعنى ولا ترجعوا وراءكم بترككم الدخول فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- ٢١- يعني فترجعوا خاسرين وذلك أن اللَّه- قَالَ لإِبْرَاهِيم- ﵇ وَهُوَ بالأرض المقدسة: إن هَذِهِ الأرض التي أنَتْ بها اليوم هِيَ ميراث لولدك من بعدك فَلَمَّا أخرج اللَّه- مُوسَى- ﵇ من مصر مَعَ بنى [٩٧ أ] إِسْرَائِيل وقطعوا البحر وأعطوا التوراة أمرهم مُوسَى أن يدخلوا الأرض المقدسة فساروا حَتَّى نزلوا عَلَى نهر الأُرْدُنّ فِي جبل أريحا وكان فِي أريحا ألف قرية فِي كُلّ قرية ألف بستان وجبنوا أن يدخلوها، فبعث مُوسَى- ﵇ اثني عشر رَجُلا من كُلّ سِبْط رَجُلا يأتونه بخبر الجبارين وأمرهم أن يأتوه منها بالثمرة، فَلَمَّا أتوها خرج إليهم عوج بن عناق بِنْت آدم فاحتملهم ومتاعهم بيده حتى وضعهم بين

стр. 329

يدي الملك بانوس بن سشرون «١» فنظر إليهم فأمر بقتلهم فقالت امرأته: أيها الملك، أنعم عَلَى هَؤُلاءِ المساكين فدعهم فليرجعوا وليأخذوا طريقا غَيْر الَّذِي جاءوا فِيهِ فأرسلهم لها فأخذوا عنقودا من كرومهم وحملوه عَلَى عمودين بين رجلين وعجزوا عن حمله، وحملوا رمانتين عَلَى بعض دوابهم فعجزت الدابة عن حملهما حَتَّى أتوا به أصحابهم وهم بواد يُقَالُ لَهُ جبلان فسموا ذَلِكَ المنزل وادي العنقود. قالُوا يا مُوسى وجدناها أرضا مباركة تفيض لبنا وعسلا كَمَا عهد اللَّه- إليك ولكن إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ يعني قتالين أشداء يقتل الرَّجُل منهم العصابة مِنَّا فَإِن كان اللَّه- أراد أن يجعلها لنا منزلا وسكنا فليسلطك عليهم فتقتلهم وإلا فَلَيْس لنا بهم قوة. وحصنهم منيع فتتابع «٢» عَلَى ذَلِكَ منهم عشرة فقالوا لموسى: «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ» طول كُلّ رَجُل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد وكان عوج بن عناق بِنْت آدم فيهم وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها وهي أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ- ٢٢- قَالَ يوشع بن نون- وَهُوَ من سِبْط بنيامين- وكالب بن يوقنا «٣» وَهُوَ من سِبْط يهوذا قالَ رَجُلانِ وهما الرجلان من القوم مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ من العدو وقد أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام قَالا لَيْسَ كَمَا يَقُولُ العشرة سيروا حَتَّى تحيطوا بالمدينة وبأبوابها فَإِن القوم إذا رأوا كثرتكم بالباب وكبرتم رعبوا منكم فانكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم

стр. 330

وذهبت قوتهم ف ادْخُلُوا «١» عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يقول وبالله فلتتقوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٢٣- يقتلهم بأيديكم وينفيهم من أرض هِيَ ميراثهم قالُوا يا مُوسى أتصدق رجلين وتكذب عشرة- يا مُوسَى- إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ ينصرك عليهم فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ- ٢٤- يعني مكاننا «٢» فإننا لا نستطيع قتال الجبابرة فغضب موسى عليهم وقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ [٩٧ ب] من الطاعة إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هَارُون فَافْرُقْ بَيْنَنا يعني فاقض بيننا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ- ٢٥- يعني العاصين الَّذِين عصوا أن يقاتلوا عدوهم، وهم كلهم مؤمنون فأوحى اللَّه- إلى موسى- ﵇ أما إذ سميتهم فاسقين فالحق أقول لا يدخلونها «٣» أبدا، وذلك قوله- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ «٤» دخولها البتة أبدا. أَرْبَعِينَ سَنَةً فيها تقديم يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فِي البرية فأعمى «٥» اللَّه- عليهم السبيل فحبسهم بالنهار وسيرهم بالليل يسهرون ليلهم فيصبحون حيث أمسوا «٦» فإذا بلغ أجلهم وَهُوَ أربعون سنة أرسلت عليهم الموت فلا يدخلها إلا خلوفهم إلا يوشع ابن نون وكالب بن يوقنا فهما يسوقان بني إِسْرَائِيل إلى تِلْكَ الأرض، فتاه القوم فِي تسع فراسخ عرض وثلاثين فرسخا طول، وقالوا أيضا ستة فراسخ عرض «٧» فِي اثني عشر فرسخا طول فَقَالَ القوم لموسى- ﵇: ما صنعت بنا دعوت

стр. 331

علينا حَتَّى بقينا فِي التيه وندم مُوسَى- ﵇ عَلَى ما دعا عليهم وشق عَلَيْه حين تاهوا فأوحى اللَّه- إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ- ٢٦- يعني لا تحزن عَلَى قوم أنت سميتهم فاسقين أن تاهوا ثُمّ مات هَارُون- ﵇ فِي التيه ومات مُوسَى من بعده بستة أشهر، فماتا جميعًا فِي التيه، ثُمّ إن اللَّه- أخرج ذرياتهم بعد أربعين سنة وَقَدْ هلكت الأمة العصاة كلها وخرجوا مع يوشع ابن نون ابْن أخت مُوسَى وكالب بن يوقنا بعد وفاة مُوسَى- ﵇ بشهرين فأتوا أريحا فقاتلوا أهلها ففتحوها وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم وقتلوا ثلاثة من الجبارين وكان قاتلهم يوشع بن نون فغابت الشمس فدعا يوشع بن نون فرد اللَّه- عَلَيْه الشمس فأطلعت ثانية وغابت الشمس الثانية ودار الفلك فاختلط عَلَى الحساب حسابهم منذ يومئذ فيما بلغنا ومات فِي التيه كُلّ ابْن عشرين سنة فصاعدا وموضع التيه «١» بين فلسطين وإيلة ومصر، فتاه القوم بعصيانهم ربهم- وخلافهم عَلَى نبيهم مَعَ دعاء بلعام بن باعور ابن ماث عليهم فيما بين ستة فراسخ إلى اثني عشر فرسخا لا يستطيعون الخروج منها أربعين سنة ومات هَارُون حين أتم ثمانية وثمانين سنة وتوفي مُوسَى بعده بستة «٢» أشهر واستخلف عليهم يوشع بن نون، وحين ماتوا كلهم أخرج «٣» ذراريهم يوشع بن نون وكالب بن يوقنا. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ يَقُولُ اتل يا محمد عَلَى أَهْل مكة نبأ ابني آدم بِالْحَقِّ ليعرفوا نبوتك [٩٨ أ] يَقُولُ اتل عليهم حديث ابني آدم هابيل وقابيل

стр. 332

وذلك أن حواء ولدت فِي بطن واحد غلاما وجارية قابيل وإقليما، ثُمّ ولدت فِي البطن الآخر غلاما وجارية، هابيل وليوذا، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فَلَمَّا أدركا قَالَ آدم- ﵇ ليتزوج كُلّ واحد منهما أخت الآخر قَالَ قابيل لكن يتزوج كُلّ واحد منهما أخته التي ولدت معه، قَالَ آدم- ﵇: قربا قربانا فأيما تقبل قربانه كان أحق بهذه الجارية وخرج آدم- ﵇ إلى مكة فعمد قابيل وكان صاحب زرع فقرب أخبث زرعه البر المأكول فِيهِ الزوان، وكان هابيل صاحب ماشية فعمد فقرب خير غنمه مَعَ زبد ولبن ثُمّ وضعا القربان عَلَى الجبل وقاما يدعوان اللَّه- فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فحسده قابيل، فَقَالَ لهابيل: لأقتلنك. قَالَ هابيل: يا أخي «١» لا تلطخ يدك بدم بريء فترتكب أمرا عظيما، إِنَّمَا طلبت رضا والدي ورضاك فلا تفعل فإنك إن فعلت أخزاك اللَّه بقتلك إياي بغير ذنب وَلا جرم فتعيش فِي الدُّنْيَا أيام حياتك فِي شقوة ومخافة فِي الأرض حَتَّى تكون من الخوف والحزن أدق من شعر رأسك ويجعلك إلهي ملعونا. فلم يزل يحاوره حَتَّى انتصف النهار، وكان فِي آخر مقالة هابيل لقابيل: إن أنت قتلتني كُنْت أول من كتب عَلَيْه الشقاء، وأول من يساق إلى النار من ذرِّيَّة والدي، وكنت أنا أوّل شهيد يدخل الجنة. «فغضب قابيل فَقَالَ: لا عشت فِي الدُّنْيَا. ويُقَالُ قَدْ تقبل قربانه وَلَم يتقبل قرباني، فَقَالَ لَهُ هابيل: فتشقى آخر الأبد» «٢» .

стр. 333

فغضب عِنْد ذَلِكَ قابيل «١» فقتله بحجر دق رأسه وذلك بأرض الهند عشية وآدم- ﵇ بمكة، فذلك قوله- : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - ٢٧- لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ- ٢٨- إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ- ٢٩- فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ يَقُولُ فزينت لَهُ نفسه قَتْل أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ- ٣٠- قَالَ وكان هابيل قَالَ لأخيه قابيل: «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ... » إلى قوله: «بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ» يعني أن ترجع بإثمي بقتلك إياي وإثمك الَّذِي عملته قبل قتلي «فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ» يعني جزاء من قَتَل نفسا بغير جرم فَلَمَّا قتله عشية من آخر النهار لَمْ يدر ما يصنع وندم وَلَم يَكُنْ يومئذ عَلَى الأرض بناء «٢» وَلا قبر فحمله عَلَى عاتقه فإذا أعيى وضعه بين يديه ثُمّ ينظر إليه ويبكي ساعة ثُمّ يحمله ففعل ذَلِكَ ثلاثة أيام فَلَمَّا كان فِي الليلة الثالثة بعث اللَّه غرابين يقتتلان فقتل أحدهما صاحبه وهو ينظر [٩٨ ب] ثُمّ حفر بمنقاره فِي الأرض فَلَمَّا فرغ منه أَخَذَ بمنقاره رِجْل الغراب الميت حَتَّى قذفه فِي الحفيرة ثُمّ سوى الحفيرة بالأرض وقابيل ينظر، فذلك قوله- تَعَالَى-: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ قابيل يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ يَقُولُ أعجزت أن أَعْلَم من العلم مثل ما علم هذا الغراب فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يقول فأغطى عورة أخى كما وارى هذا الغراب صاحبه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ- ٣١-

стр. 334

بقتله أخاه. فعمد عِنْد ذَلِكَ قابيل فحفر فِي الأرض بيده ثُمّ قذف أخاه فِي الحفيرة فسوى عَلَيْه تراب الحفيرة كَمَا فعل الغراب بصاحبه فَلَمَّا دفنه ألقى اللَّه- عَلَيْه الخوف يعني عَلَى قابيل لأنه أول من أخاف فانطلق هاربا، فنودي من السماء: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قَالَ: أَوَ رقيبا كُنْت عَلَيْه؟ ليذهب حيث شاء قَالَ المنادي: أما تدري أين هُوَ؟ قَالَ: لا. قَالَ المنادي: إن لسانك وقلبك ويديك ورجليك وجميع جسدك يشهدون عليك أنَّكَ قتلته ظلما، فَلَمَّا أنكر شهدت عَلَيْه جوارحه. فَقَالَ المنادي: أَيْنَ تنجو من ربك؟ إن إلهي يَقُولُ: إنك ملعون بكل أرض وخائف مِمَّنْ يستقبلك وَلا خير فيك، وَلا فِي ذريتك، فانطلق جائعا حَتَّى أتى ساحل البحر فجعل يأخذ الطير فيضرب بها الجبل فيقتلها ويأكلها، فَمنْ أجل ذَلِكَ حرم اللَّه الموقوذة. وكانت الدواب والطير والسباع لا يخاف بعضها من بعض حَتَّى قَتَل قابيل هابيل فلحقت الطير بالسماء والوحش بالبرية والجبال، ولحقت السباع بالغياض، وكانت قبل ذَلِكَ تستأنس إلى آدم- ﵇ وتأتيه، وغضبت الأرض عَلَى الكفار من يومئذ، فَمنْ ثُمّ يضغط الكافر فِي الأرض حَتَّى تختلف أضلاعه ويتسع عَلَى الْمُؤْمِن قبره حتى ما يرى «١» طرفاه وتزوج شيت ابن آدم ليوذا «٢» التي ولدت مَعَ هابيل، وبعث اللَّه- ملكا إلى قابيل فعلق رجله وَجَعَل عَلَيْه ثلاث سرادقات من نار كلما دار دارت السرادقات معه فمكث بِذَلِك حينا ثُمّ حل عَنْهُ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعنى من أجل ابني آدم تعظيما للدم كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي التوراة أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ عمدا

стр. 335

أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ عمل فيها بالشرك وجبت لَهُ النار وَلا يعفى عَنْهُ حَتَّى يقتل فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً أَي كَمَا يجزي النار لقتله الناس جميعًا لو قتلهم. ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [٩٩ أ] وذلك أَنَّهُ مكتوب فِي التوراة أَنَّهُ من قتل رَجُلا خطأ فَإنَّهُ يقاد به إِلَّا أن يشاء وَلِي المقتول أن يعفو عَنْهُ فإن عفا عَنْهُ وجبت لَهُ الجنة كَمَا تجب لَهُ الجنة لو عفا عن الناس جميعًا، فشدد اللَّه- عليهم القتل ليحجز بِذَلِك بعضهم عن بعض، ثُمّ قَالَ- سبحانه-: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يعني بالبيان فِي أمره ونهيه ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ البيان فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ- ٣٢- يعني إسرافا فِي سفك الدماء واستحلال المعاصي قوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني بالمحاربة الشرك نظيرها فِي براءة وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» وذلك أن تسعة نفر من عرينه وهم من بجيلة أتوا النَّبِيّ- ﷺ بالمدينة فأسلموا فأصابهم وجع شديد ووقع الماء الأصفر فِي بطونهم فأمرهم النَّبِيّ- ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا ذَلِكَ فَلَمَّا صحوا عمدوا إِلَى الراعي فقتلوه وأغاروا عَلَى الإبل فاستاقوها وارتدوا عن الْإِسْلام فبعث النَّبِيّ- ﷺ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- ﵁ فِي نفر فأخذوهم، فَلَمَّا أتوا بهم النَّبِيّ- ﷺ أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم فأنزل الله- فيهم إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني الكفر بعد الْإِسْلام وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً

стр. 336

القتل وأخذ الأموال أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى فالإمام فِي ذَلِكَ بالخيار فِي القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ يقول يخرجوا «١» من الأرض- أرض المسلمين- فينفوا بالطرد ذلِكَ جزاءهم الخزي لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا قطع اليد والرجل والقتل والصلب فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ- ٣٣- يعني كثيرًا وافرا لا انقطاع لَهُ ثُمّ استثنى فَقَالَ- : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الشرك مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فتقيموا عليهم الحد فلا سبيل لَكُمْ عليهم يَقُولُ من جاء منهم مسلما قبل أن يؤخذ فَإِن الْإِسْلام يهدم ما أصاب فِي كفره من قتل أَوْ أخذ مال فذلك قوله- سبحانه-: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما كان منه فِي كفره رَحِيمٌ- ٣٤- به حين تاب ورجع إلى الْإِسْلام، فأمّا من قُتِل وَهُوَ مُسْلِم فارتد عن الْإِسْلام ثُمّ رجع مسلما فإنه يؤخذ بالقصاص. وقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [٩٩ ب] يعني فِي طاعته بالعمل الصالح وَجاهِدُوا العدو فِي سَبِيلِهِ يعني فِي طاعته لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُفْلِحُونَ- ٣٥- يعني تسعدون ويُقَالُ تفوزون. وقوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ أَي فقدروا أن يفتدوا به مِنْ عَذابِ جَهَنَّم يَوْمِ الْقِيامَةِ يَقُولُ لو كان ذَلِكَ لهم وفعلوه مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٣٦- يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ بالفداء وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها أبدا وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ- ٣٧- يعنى دائم. وقوله- سبحانه-: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما يعنى

стр. 337

أيمانهما من الكرسوع يَقُولُ القطع جَزاءً بِما كَسَبا يعنى سرقا نَكالًا مِنَ اللَّهِ يعنى عقوبة من الله قطع اليد وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ- ٣٨- فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ يَقُولُ من تاب من بعد سرقته وَأَصْلَحَ العمل فيما بقي فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنبه رَحِيمٌ- ٣٩- به، وأما المال فلا بد أن يرده إلى صاحبه. وقوله- سُبْحَانَهُ-: أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يحكم فيهما بما يشاء «١» يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ من أهل معصيته وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ يعني به الْمُؤْمِنِين وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من العذاب والمغفرة قَدِيرٌ- ٤٠-. وقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ يعنى صدقنا بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ فِي السر. نزلت فِي أَبِي لبابة: اسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف. وذلك أَنَّهُ أشار إلى أهل قريظة إلى حلقه «٢» أن محمدا جاء يحكم فيكم بالموت فلا تنزلوا عَلَى حكم سعد بن مُعَاذ وكان حليفا لهم ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا أَيّ وَلا يحزنك الَّذِين هادوا يعني يهود المدينة سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يعني قوالون للكذب منهم كَعْب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، وسعيد بن مَالِك، وابن صوريا، وكنانة ابن أَبِي الحقيق، وشاس بن قَيْس، وأبو رافع بن حريملة، ويوسف بن عازر ابن أَبِي عازب، وسلول بن أبي سلول، والبخام بن عمرو، وهم سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ يعني يهود خيبر لَمْ يَأْتُوكَ يا محمد يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يعنى أمر الرجم

стр. 338

مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ عن بيانه في التوراة. وذلك أن رَجُلا من اليهود يسمى يهوذا وامرأة «١» تسمى بسرة من أهل خيبر من أشراف اليهود زنيا وكانا قَدْ أحصنا «٢» فكرهت اليهود رجمهما من أجل شرفهما وموضعهما فقالت يهود خيبر: نبعث بهذين «٣» إلى محمد- ﷺ فَإِن فِي دينه الضرب وليس فِي دينه الرجم ونوليه الْحُكْم فيهما فإن [١٠٠ أ] أمركم «٤» فيهما بالضرب فخذوه وإن أمركم فيهما بالرجم فاحذروه فكتب يهود خيبر إلى يهود المدينة، إلى كعب بن الأشرف، وكعب ابن أُسَيْد، ومالك بن الضيف، وأبي لبابة، وبعثوا نفرا منهم، فقالوا: سلوا لنا محمدا- ﵇ عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما؟ فَإِن أمركم بالجلد فخذوا به والجلد: الضرب «٥» بحبل من ليف مطلي بالقار وتسود وجوههما ويحملان عَلَى حمار وتجعل وجوههما مما يلي ذنب الحمار فذلك التجبية «٦» يَقُولُونَ أَي اليهود إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أَي إن أمركم بالرجم فاحذروه عَلَى ما فِي أيديكم أن يسلبكموه. قَالَ: فجاء كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأَبُو لبابه إلى النَّبِيّ- ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما، فأتاه جبريل- عليه

стр. 339

السَّلام- فَأَخْبَرَه بالرجم، ثُمّ قَالَ جبريل- ﵇ اجعل بينك وبينهم ابن صوريا وسلهم عَنْهُ، فمشى رَسُول اللَّهِ- ﷺ حتى أتى أحبارهم فى بيت المدراس فَقَالَ: يا مَعْشَر اليهود، أخرجوا إلي علماءكم فأخرجوا إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بن صوريا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هَؤُلاءِ علماؤنا «ثُمّ حصر أمرهم» «١» إلى أن قَالُوا لعبد اللَّه بن صوريا: هَذَا أعلم من بَقِي بالتوراة فجاء به رَسُول اللَّهِ- ﷺ . وكان ابْن صوريا غلاما شابا ومع رَسُول اللَّهِ- ﷺ عَبْد اللَّه بن سلام، فَقَالَ رسول اللَّه- ﷺ : أنشدك بِاللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا هُوَ إله بني إِسْرَائِيل، الَّذِي أخرجكم من مصر، وفلق لَكُم البحر وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، وأنزل عليكم كتابه يبين لَكُمْ حلاله وحرامه، وظلل عليكم المن والسلوى، هَلْ وجدتم فِي كتابكم أن الرجم عَلَى من أحصن؟ قَالَ ابْن صوريا: اللَّهُمَّ نعم «٢» ، ولولا أني خفت أن أحترق بالنار أَوْ أهلك بالعذاب لكتمتك حين سألتني وَلَم أعترف لك. قَالَ رَسُول اللَّهِ- ﷺ : اللَّه أكبر فأنا أول من أحيا سنة من سنن اللَّه- ثُمّ أمر بهما فرجما عِنْد باب

стр. 340

مسجده فِي بني غَنْم بن مَالِك بن النَّجّار، فَقَالَ عَبْد اللَّه بن صوريا: واللَّه يا محمد، إن اليهود لتعلم أنَّكَ نَبِيّ حق، ولكنهم يحسدونك. ثُمّ كفر ابْن صوريا بعد ذلك فأنزل الله- يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ- يعنى مما فى التوراة [١٠٠ ب] من أمر الرجم ونعت محمد- ﷺ ثُمّ قَالَ: وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ فلا يخبر به. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ لليهود إن شئتم أخبرتكم بالكثير. قَالَ ابْن صوريا: أنشدك بِاللَّه أن تخبرنا بالكثير مما أمرت أن تعفو عَنْهُ. ثُمّ قَالَ ابْن صوريا للنبي- ﷺ أَخْبَرَنِي عن ثلاث خصال لا يعلمهن إِلَّا نَبِيّ. فَقَالَ رَسُول اللَّهِ- ﷺ : هات، سل عما شئت. قَالَ: أَخْبَرَنِي عن نومك. قَالَ: تنام عيني وقلبي يقظان «١» . قَالَ ابْن صوريا: صدقت. قَالَ: فأخبرني عن شَبَه الولد: من أَيْنَ يُشَبِه «٢» الأب أو الأم «٣» ؟ قَالَ: أَيُّهُمَا سبقت الشهوة لَهُ «كان الشبه له» . قال «٤» : صدقت. قال: فأخبرنى ما للرجل وما للمرأة من الولد ومن أَيُّهُمَا يَكُون؟ قَالَ النَّبِيّ- ﷺ : اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل. قَالَ: صدقت. قَالَ: فَمنْ وزيرك من الملائكة ومن يجيئك بالوحي؟ قَالَ: جبريل- ﵇ قَالَ: صدقت يا محمد وأسلم عِنْد ذَلِكَ. «٥» قوله- سُبْحَانَهُ-: «إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ» - يَقُولُ ذَلِكَ يهود خيبر ليهود المدينة: كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد،

стр. 341

وأبي لبابة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه «وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ» يعني الجلد، وإن أمركم بالرجم «فَاحْذَرُوا» فَإنَّهُ نَبِيّ. قَالَ اللَّه- : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ يعني اليهود لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر حين كتموا أمر الرجم ونعت محمد- ﷺ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ يعني به اليهود وهم أَهْل قريظة: أما الخزي الَّذِي نزل بهم فهو القتل والسبي وأما خزي أَهْل النضير فهو الخروج من ديارهم وأموالهم وجناتهم فأجلوا إلى الشام: إلى أذرعات وأريحا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ- ٤١- يعني ما عظم من النار. ثُمّ قَالَ: سَمَّاعُونَ يعني قوالون لِلْكَذِبِ للزور منهم كَعْب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ يعني الرشوة فِي الْحُكْم كَانَت اليهود قَدْ جعلت لهم جعلا فِي كُلّ سنة عَلَى أن يقضوا لهم بالجور، يَقُولُ اللَّه- : فَإِنْ جاؤُكَ يا محمد فِي الرجم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ يعنى بالعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- ٤٢- يعني الَّذِين يعدلون فِي الْحُكْم، ثُمّ نسختها الآية التي جاءت بعد «١» وهي قوله: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [١٠١ أ] إليك» فِي الكتاب أن الرجم عَلَى المحصن والمحصنة وَلا ترد الْحَكَم «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ» يعني كَعْب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضيف.

стр. 342

قَالَ تَعَالَى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ يعني الرجم عَلَى المحصن والمحصنة والقصاص فِي الدماء سواء ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني يعرضون من بعد البيان فِي التوراة وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ- ٤٣- يعني وما أولئك بمصدقين حين حرفوا ما فى التوراة ثُمّ أخبر اللَّه عن التوراة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ وضياء من الظلمة يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ من لدن مُوسَى- ﵇ إلى عِيسَى ابْن مريم- ﷺ : ألف نَبِيّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يعني أنهم مسلمون «أَوْ أسلموا وجوههم للَّه» «١» لِلَّذِينَ هادُوا يعني اليهود يحكمون بما لهم وما عليهم وَيحكم بها الرَّبَّانِيُّونَ وهم المتعبدون من أَهْل التوراة من وَلَدِ هَارُون: يحكمون بالتوراة وَالْأَحْبارُ يعني القراء والعلماء منهم بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ- من الرحم وبعث محمد- ﷺ فِي كتابهم ثُمّ قَالَ يهود المدينة: كَعْب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأصحابهم وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ يَقُولُ لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ونعت محمد- ﷺ وَاخْشَوْنِ إن كتمتموه وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا عرضا يسيرا مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التوراة: بالرجم ونعت محمد- ﷺ ويشهد به «٢» فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ- ٤٤- ولما أرادوا القيام «٣» قَالَتْ بنو قريظة، أَبُو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو

стр. 343

للنبي- ﷺ : إخواننا- بني النضير، كَعْب بن الأشرف وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضيف، وَغَيْرُهُمْ، أبونا واحد وديننا واحد إذا قَتَل أَهْل النضير مِنَّا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلا أخذوا مِنَّا مائة وأربعين وسقا من تمر «١» وجراحاتنا عَلَى أنصاف جراحاتهم فاقض بيننا وبينهم يا محمد. فَقَالَ رَسُول اللَّهِ- ﷺ : إن دم الْقُرَظِيّ وفاء من دم النضيري وليس للنضيري عَلَى الْقُرَظِيّ فضل فِي الدم وَلا فِي العقل. قَالَ كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أُسَيْد، وأصحابهم: لا نرضى بقضائك، وَلا نطيع أمرك، ولنأخذن بالأمر الأول، فإنك عدونا، وما تألو أن تضعنا وتضرنا «٢» . وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّه- تعالى- «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» [١٠١ ب] يعني حكمهم الأول «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً» يَقُولُ فلا أحد أحسن من اللَّه حكما «لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» وعد اللَّه- ووعيده «٣» ثُمّ أخبر عن التوراة فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها يعني وفرضنا عليهم فِي التوراة نظيرها فِي المجادلة «كتب اللَّه» «٤» يعني قضى، أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ «٥» لَهُ

стр. 344

يَقُولُ فَمنْ تصدق بالقتل والجراحات فهو كفارة لذنبه يَقُولُ إن عفى المجروح عن الجارح فهو كفارة للجارح من الجرح: لَيْسَ عَلَيْه قود وَلا دية وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التوراة من أمر الرجم والقتل والجراحات فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- ٤٥- ثُمّ أخبر عن أَهْل الإنجيل فَقَالَ: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ يعني وبعثنا من بعدهم يعني من بعد أَهْل التوراة بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ يَقُولُ عِيسَى يصدق بالتوراة وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يعني أعطينا عِيسَى الإنجيل فِيهِ هُدىً من الضلالة وَنُورٌ من الظلمة وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ يقول الإنجيل يصدق التوراة وَالإنجيل هُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةً من الجهل لِلْمُتَّقِينَ- ٤٦- الشرك ثُمّ قَالَ- وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ من الأحبار والرهبان بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ يعني فِي الإنجيل من العفو عن القاتل أَو الجارح والضارب وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- ٤٧- يعنى العاصين لله- . قوله سبحانه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يا محمد- ﷺ بِالْحَقِّ يعني القرآن بالحق لَمْ ننزله عبثا وَلا باطلا لغير شيء مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يَقُولُ وشاهدًا عَلَيْه وذلك إن قرآن محمد- ﷺ شاهد بأن الكتب التي أنزلت قبله «١» أنها من اللَّه- فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إليك فى القرآن وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني أهواء اليهود عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ وهو القرآن لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً يعنى من المسلمين وأهل

стр. 345

الكتاب «شِرْعَةً» يعني سنة وَمِنْهاجاً يعني طريقا وسبيلا فشريعة أَهْل التوراة فِي قَتْل العمد القصاص لَيْسَ لهم عقل «١» وَلا دية، والرجم عَلَى المحصن والمحصنة إذا زنيا. وشريعة الإنجيل في القتل العمد العفو لَيْسَ لهم قصاص وَلا دية، وشريعتهم فِي الزنا الجلد بلا رجم. وشريعة أمة محمد- ﷺ في قتل العمد القصاص والدية والعفو، وشريعتهم فِي الزنا: إذا لَمْ يحصن الجلد، فإذا أحصن فالرجم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ [١٠٢ أ] يا أمة محمد- ﷺ وأهل الكتاب «٢» أُمَّةً واحِدَةً عَلَى دين الْإِسْلام وحدها وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ يعني يبتليكم فِي مَا آتاكُمْ يعني فيما أعطاكم من الكتاب والسنة من يطع اللَّه- فيما أمر ونهى ومن يعصه فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يَقُولُ سارعوا فِي الأعمال الصالحة «يا أمة محمد» «٣» فيما ذُكِرَ مَن السبيل والسنة «٤» إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فِي الآخرة أنتم وأهل الكتاب فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ- ٤٨- من الدّين قوله- سُبْحَانَهُ-: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إليك فِي الكتاب يعني بين اليهود وذلك أن قوما من رءوس اليهود من أَهْل النضير اختلفوا فَقَالَ بعضهم: لبعض انطلقوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه ونرده عما هُوَ عَلَيْه، فَإِنَّمَا هُوَ بشر إذن فيستمع، فأتوه فقالوا لَهُ: هَلْ لك أن تحكم لنا عَلَى أصحابنا أَهْل قريظة فِي أمر الدماء كَمَا كُنَّا عَلَيْه من قبل، فَإِن فعلت فإنا نبايعك ونطيعك، وإنا إذا بايعناك تابعك أَهْل الكتاب كلهم لأنا سادتهم «٥» وأحبارهم فنحن نفتنهم ونزّلهم

стр. 346

عما هُمْ عَلَيْه حَتَّى يدخلوا فِي دينك. فأنزل اللَّه- يحذر نبيه- ﷺ فَقَالَ: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ فى أمر الدماء وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ يعني أن يصدوك عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ من أمر الدماء بالسوية فَإِنْ تَوَلَّوْا يَقُولُ فَإِن أبوا حكمك فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ يعني أن يعذبهم فِي الدُّنْيَا بالقتل والجلاء من المدينة إلى الشام بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني ببعض الدماء التي كَانَتْ بينهم من قبل أن يبعث محمد- ﷺ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني رءوس اليهود لَفاسِقُونَ- ٤٩- يعني لعاصون حين كرهوا حكم النَّبِيّ- ﷺ فِي أمر الدماء بالحق. فَقَالَ كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد للنبي- ﷺ : لا نرضى بحكمك. فأنزل اللَّه- أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ الَّذِي كانوا عَلَيْه «١» من الجور من قبل أن يبعث محمد- ﷺ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً يَقُولُ فلا أحد أحسن من اللَّه حكما لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ- ٥٠- بالله- . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت فِي رجلين من الْمُسْلِمِين لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ قَالَ لما كَانَتْ وقعة أحد خاف ناس من الْمُسْلِمِين أن يدال الكفار عليهم فَقَالَ رَجُل منهم: أنا آتي فلانا «٢» اليهودي فأتهود فإني أخشى أن يدال الكفار علينا، قَالَ الآخر: أما أنا فَإِنِّي آتي الشام فأتنصر فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ

стр. 347

«١» [١٠٢ ب] وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يعني من الْمُؤْمِنِين فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يعني يلحق بهم ويكون معهم، لأن الْمُؤْمِنِين لا يتولون الكفار إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- ٥١-. ثُمّ ذكر أَنَّهُ «٢» : إِنَّمَا يتولاهم المنافقون لأنهم وافقوهم عَلَى ما يقولون قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو الشك فهم المنافقون يُسارِعُونَ فِيهِمْ يعني فِي ولاية اليهود بالمدينة يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يعني دولة اليهود عَلَى الْمُسْلِمِين وذلك أن نفرا من المنافقين: أربعة وثمانين رَجُلا منهم عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، وأبو نَافِع، وأَبُو لبابة، قَالُوا: نتخذ عِنْد اليهود عهدا ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنا لا ندري ما يَكُون فِي غد ونخشى ألّا ينصر محمد- ﷺ فينقطع الَّذِي بيننا وبينهم وَلا نصيب منهم قرضا وَلا ميرة فأنزل اللَّه- فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ يعني بنصر محمد- ﷺ الَّذِي يئسوا منه أَوْ يَأْتِيَ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ: قَتْل قريظة وجلاء النضير إلى أذرعات، فَلَمَّا رَأَى المنافقون ما لقي أَهْل قريظة والنضير ندموا عَلَى قولهم، قَالَ: فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ- ٥٢- فَلَمَّا أخبر اللَّه- نبيه- ﷺ عن المنافقين أنزل «٣»

стр. 348

هذه الآية وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بعضهم لبعض أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ يعني المنافقين جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إذ حلفوا بِاللَّه- فهو جهد «١» اليمين إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ عَلَى دينكم يعني المنافقين حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني بطلت أعمالهم لأنها كَانَتْ فِي غَيْر اللَّه- فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ- ٥٣- فى الدنيا قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ وذلك حين هزموا يوم أحد شك أناس «٢» من الْمُسْلِمِين فقالوا ما قَالُوا فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فارتد بعد وفاة رَسُول اللَّهِ- ﷺ بنو تميم وبنو حنيفة وبنو أسد وغطفان وأناس من كندة منهم الْأَشْعَث بن قَيْس فجاء اللَّه- بخير من الَّذِين ارتدوا: بوهب «٣» بطن من كندة وبأحمس بجيلة وحضرموت «وطائفة من حِمْيَر» «٤» وهمذان، أبدلهم مكان الكافرين ثُمّ نعتهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالرحمة واللين أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يعني عليهم بالغلظة والشدة فسدد اللَّه «٥» بهم الدّين يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ العدو يعني فِي طاعة اللَّه وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ يَقُولُ وَلا يبالون غضب من غضب عليهم ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني دين الْإِسْلام يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ لذلك الفضل عَلِيمٌ- ٥٤- لمن يؤتى الإسلام، وفيهم نزلت وَفِي الإبدال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [١٠٣ أ] «٦» . وقوله: - سُبْحَانَهُ- إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ- ٥٥- وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه قالوا للنبي-

стр. 349

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْد صلاة الأولى: إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الْإِسْلام وَلا يكلموننا وَلا يخالطوننا فِي شيء ومنازلنا فيهم وَلا نجد متحدثا دون هَذَا المسجد. فنزلت هَذِهِ الآية فقرأها النَّبِيّ- ﷺ فقالوا: قَدْ رضينا بِاللَّه ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وَجَعَل الناس يصلون تطوعا بعد المكتوبة. وذلك فِي صلاة الأولى «١» وخرج النَّبِيّ- ﷺ إلى باب المسجد فإذا هُوَ بمسكين قَدْ خرج من المسجد وَهُوَ يَحْمَد اللَّه- فدعاه النَّبِيّ- ﷺ فَقَالَ: هَلْ أعطاك أحد شيئًا؟ قَالَ: نعم يا نَبِيّ اللَّه. قَالَ: من أعطاك؟ قَالَ: الرَّجُل القائم أعطانى خاتمه: يعنى على ابن أَبِي طَالِب- رضوان اللَّه عَلَيْه- فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : عَلَى أَيّ حال أعطاكه؟ قَالَ: أعطاني وَهُوَ راكع. فكبر النَّبِيّ- ﷺ وقَالَ: الحمد للَّه الَّذِي خص عليا بهذه الكرامة. فأنزل اللَّه- وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب- ﵁ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ- ٥٦- يعني شيعة اللَّه ورسوله والذين آمنوا هُم الغالبون فبدأ بعلي بن أبي طَالِب- ﵁ قبل الْمُسْلِمِين ثُمّ جعل الْمُسْلِمِين

стр. 350

وأهل الكتاب الْمُؤْمِنِين: فيهم عَبْد اللَّه بن سلام وغيره هُم الغالبون لليهود، حين قتلوهم وأجلوهم «من المدينة» «١» إلى الشام: وأذرعات وأريحا، قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني المنافقين الَّذِين أقروا باللسان وليس الْإِيمَان فِي قلوبهم لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الْإِسْلام هُزُواً وَلَعِباً يعني استهزاء وباطلا، وذلك أن المنافقين كانوا يوالون اليهود: فيتخذونهم أولياء، قال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود مِنْ قَبْلِكُمْ لأنهم أعطوا التوراة قبل أمة محمد- ﷺ يقول: لا تتخذوهم أولياء وَلا تتخذوا الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ يعني كفار اليهود ومشركي العرب، ثُمّ حذرهم فَقَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ٥٧- يعني إن كنتم مصدقين فلا تتخذوهم أولياء يعني كفار العرب حين، قَالَ عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، وعبد اللَّه بن نتيل وأبو لبابة وَغَيْرُهُمْ من اليهود: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، حين كتبوا إليهم، ثُمّ أخبر عن اليهود فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً يعنى [١٠٣ ب] استهزاء وباطلا وذلك أن اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان ورأوا الْمُسْلِمِين قاموا إلى صلاتهم يقولون قَدْ قاموا لا قاموا، وإذا رأوهم ركعوا قَالُوا لا ركعوا وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا وقالوا لا سجدوا واستهزءوا، يَقُولُ اللَّه- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ- ٥٨- يَقُولُ لو عقلوا ما قَالُوا هَذِهِ المقالة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ- ٥٩- قَالَ: أتى النَّبِيّ- ﷺ أبو ياسر، وحيى ابن أخطب، ونافع بن أَبِي نَافِع وعازر بن أَبِي عازر، وخالد وزيد ابنا عمرو، وأزر بن أبى أزر، وأشبع، فسألوه عن من يؤمن به من الرسل؟ فقال رسول الله

стр. 351

- ﷺ «نؤمن بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بين أحد منهم ونحن له مسلمون» «١» فَلَمَّا ذكر عِيسَى ابْن مريم جحدوا نبوته- ﷺ وقالوا: لا نؤمن بعيسى وَلا بمن آمن به. فأنزل اللَّه- هذه الآية: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ يعني صدقنا بِاللَّه بأنه واحد لا شريك له «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ إِلَيْنا» يعني قرآن محمد- ﷺ «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ» قرآن محمد- ﷺ الكتب التي أنزلها الله- على الأنبياء ﵈ «وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ» يعني عصاة، قَالَت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أَهْل هَذِهِ الأديان أقل حظا فِي الدُّنْيَا والآخرة منكم. فأنزل اللَّه- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ يعنى المؤمنين مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يعني ثوابا من عند اللَّه، قَالَت اليهود: من هُمْ يا محمد؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وهم اليهود وَغَضِبَ عَلَيْهِ فَإِن لَمْ يقتل أقر بالخراج وغضب عَلَيْه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ القردة فِي شأن الحيتان «٢» والخنازير «٣» فِي شأن المائدة.

стр. 352

وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ فيها تقديم وعبد الطاغوت يعني ومن عَبْد الطاغوت وَهُوَ الشَّيْطَان أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً فِي الدُّنْيَا يعني شر منزلة وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ- ٦٠- يعني وأخطأ عن قصد الطريق من الْمُؤْمِنِين فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية عيرت اليهود فقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير. فنكسوا رءوسهم وفضحهم اللَّه- تَعَالَى- وجاء أَبُو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف «١» ، وعازر بن أَبِي عازر ونافع بن أَبِي نَافِع، ورافع بن ابى حريملة، هم رؤساء اليهود حَتَّى دخلوا عَلَى رسول اللَّه- ﷺ فقالوا: قَدْ صدقنا بك يا محمد لأنا نعرفك «٢» ونصدقك ونؤمن بك. ثُمّ خرجوا من عنده بالكفر غَيْر أنهم أظهروا الْإِيمَان فأنزل اللَّه- فيهم وَإِذا جاؤُكُمْ اليهود قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بمحمد- ﷺ لأنهم دخلوا عَلَيْه وهم يسرون الكفر [١٠٤ أ] وخرجوا من عنده بالكفر، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يعني بالكفر مقيمين عَلَيْه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ- ٦١- يعني بما يسرون فِي قلوبهم من الكفر بمحمد- ﷺ نظيرها فِي آل عِمْرَانَ «٣» ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني المعصية وَالْعُدْوانِ يعني الظلم وَهُوَ الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني كَعْب بن الأشرف لأنه كان يرشي فِي الْحُكْم ويقضي بالجور لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٦٢- ثُمّ عاتب اللَّه- الربانيين والأحبار

стр. 353

فَقَالَ: لَوْلا يعني فهلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني بالربانيين المتعبدين والأحبار يعني القراء الفقهاء أصحاب القربان من وَلَدِ هَارُون- ﵇ وكانوا رءوس اليهود عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعني الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني الرشوة فِي الحكم لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ- ٦٣- حين لَمْ ينهوهم فعاب من أكل السحت: الرشوة فِي الْحَكَم، وعاب الربانيين الَّذِين لَمْ ينهوهم عن أكله. وَقالَتِ الْيَهُودُ يعني ابْن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أَبِي عازر يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعني ممسكة أمسك اللَّه يده عنا فلا يبسطها علينا بخير وليس بجواد وذلك أن اللَّه- بسط «١» عليهم فِي الرزق فَلَمَّا عصوا واستحلوا ما حرم عليهم أمسك عَنْهُم الرزق، فقالوا عِنْد ذَلِكَ يد اللَّه محبوسة عن البسط يَقُولُ اللَّه- : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني أمسكت أيديهم عن الخير وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ بالخير يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ إن شاء وسع فِي الرزق وإن شاء قتر، هُمْ خلقه وعبيده فِي قبضته، ثُمّ قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني اليهود من بني النضير مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني أمر الرجم والدماء ونعت محمد- ﷺ طُغْياناً وَكُفْراً بالقرآن يعني جحودا به «٢» وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ يعني اليهود والنصارى، شر ألقاه- بينهم الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ يعني يبغض بعضهم بعضا ويشتم بعضا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فلا يحب اليهودي النَّصْرانُّي وَلا النَّصْرانُّي اليهودي كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يعني كلما أجمعوا أمرهم عَلَى مكر بمحمد- ﷺ فِي أمر الحرب فرقه اللَّه- وأطفأ نار مكرهم فلا يظفرون بشيء أبدا وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني يعملون فيها بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ- ٦٤- يعنى العاملين

стр. 354

بالمعاصي. وقوله- سبحانه-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) يعني اليهود والنصارى آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَاتَّقَوْا الشرك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني لمحونا عَنْهُمْ ذنوبهم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ- ٦٥-[١٠٤ ب] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فعملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا «١» وغيره وَلَم يحرفوه عن مواضعه فِي التوراة التي أنزلها اللَّه- فأما فِي الإنجيل فنعت محمد- ﷺ «وأما فِي التوراة فنعت محمد- ﷺ » «٢» - والرجم والدماء وغيرها، وَلَم يحرفوها عن مواضعها، وَأقاموا ب ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فِي التوراة والإنجيل من نعت محمد- ﷺ ومن إيمان بمحمد- ﷺ وَلَم يحرفوا نعته لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعنى المطر وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني من الأرض: النبات ثُمّ قَالَ- مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني عصبة عادلة فِي قولها من مؤمني أَهْل التوراة والإنجيل، فأمّا أَهْل التوراة فعبد اللَّه بن سلام وأصحابه وأمّا أَهْل الإنجيل فالذين كانوا عَلَى دين عِيسَى ابن مريم- ﷺ وهم اثنان وثلاثون رَجُلا، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من أَهْل الكتاب يعني كفارهم ساءَ مَا يَعْمَلُونَ- ٦٦- يعنى بئس ما كانوا يعملون. قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ يعنى محمدا- صلي اللَّه عَلَيْه وسلم- مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك أن النبي- ﷺ دعا اليهود إلى الإسلام فأكثر الدعاء فجعلوا يستهزئون ويقولون «أتريد يا محمد أن نتخذك حنانا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا» «٣» فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ- ﷺ

стр. 355

«ذلك» «١» سكت عَنْهُمْ فحرض اللَّه يعني فحضض الله- النبي- ﷺ عَلَى الدعاء إلى اللَّه- وألا يمنعه «٢» ذَلِكَ تكذيبهم إياه واستهزاؤهم فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٣» وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يعني من اليهود فلا تُقتل إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- ٦٧- يعني اليهود، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية أمن النَّبِيّ- ﷺ من القتل والخوف فَقَالَ: لا أبالي من خذلني ومن نصرني «٤» . وذلك أنه كان خشي أن تغتاله اليهود فتقتله، ثُمّ أخبره ماذا يبلغ؟ فقال- تعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى اليهود والنصارى لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من أمر الدّين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يَقُولُ حَتَّى تتلوهما حق تلاوتهما كَمَا أنزلهما الله- وَتقيموا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «٥» من أمر محمد- ﷺ وَلا تحرفوه عن مواضعه، فهذا الَّذِي أمر اللَّه- أن يبلغ «٦» أَهْل الكتاب. وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني ما فِي القرآن من أمر الرجم والدماء طُغْياناً وَكُفْراً يعني وجحودا بالقرآن فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ يعنى
следующие страницы →