- ﷺ «نؤمن بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بين أحد منهم ونحن له مسلمون» «١»
فَلَمَّا ذكر عِيسَى ابْن مريم جحدوا نبوته- ﷺ وقالوا: لا نؤمن بعيسى وَلا بمن آمن به. فأنزل اللَّه- هذه الآية: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ يعني صدقنا بِاللَّه بأنه واحد لا شريك له «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ إِلَيْنا» يعني قرآن محمد- ﷺ «وَ» صدقنا ب «ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ» قرآن محمد- ﷺ الكتب التي أنزلها الله- على الأنبياء ﵈ «وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ» يعني عصاة، قَالَت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أَهْل هَذِهِ الأديان أقل حظا فِي الدُّنْيَا والآخرة منكم. فأنزل اللَّه- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ يعنى المؤمنين مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يعني ثوابا من عند اللَّه، قَالَت اليهود: من هُمْ يا محمد؟ فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وهم اليهود وَغَضِبَ عَلَيْهِ فَإِن لَمْ يقتل أقر بالخراج وغضب عَلَيْه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ القردة فِي شأن الحيتان «٢» والخنازير «٣» فِي شأن المائدة.
стр. 352
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ فيها تقديم وعبد الطاغوت يعني ومن عَبْد الطاغوت وَهُوَ الشَّيْطَان أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً فِي الدُّنْيَا يعني شر منزلة وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ- ٦٠- يعني وأخطأ عن قصد الطريق من الْمُؤْمِنِين فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية عيرت اليهود فقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير. فنكسوا رءوسهم وفضحهم اللَّه- تَعَالَى- وجاء أَبُو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف «١» ، وعازر بن أَبِي عازر ونافع بن أَبِي نَافِع، ورافع بن ابى حريملة، هم رؤساء اليهود حَتَّى دخلوا عَلَى رسول اللَّه- ﷺ فقالوا: قَدْ صدقنا بك يا محمد لأنا نعرفك «٢» ونصدقك ونؤمن بك. ثُمّ خرجوا من عنده بالكفر غَيْر أنهم أظهروا الْإِيمَان فأنزل اللَّه- فيهم وَإِذا جاؤُكُمْ اليهود قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بمحمد- ﷺ لأنهم دخلوا عَلَيْه وهم يسرون الكفر [١٠٤ أ] وخرجوا من عنده بالكفر، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
يعني بالكفر مقيمين عَلَيْه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ- ٦١- يعني بما يسرون فِي قلوبهم من الكفر بمحمد- ﷺ نظيرها فِي آل عِمْرَانَ «٣» ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني المعصية وَالْعُدْوانِ يعني الظلم وَهُوَ الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني كَعْب بن الأشرف لأنه كان يرشي فِي الْحُكْم ويقضي بالجور لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ- ٦٢- ثُمّ عاتب اللَّه- الربانيين والأحبار
стр. 353
فَقَالَ: لَوْلا يعني فهلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني بالربانيين المتعبدين والأحبار يعني القراء الفقهاء أصحاب القربان من وَلَدِ هَارُون- ﵇ وكانوا رءوس اليهود عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعني الشرك وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني الرشوة فِي الحكم لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ- ٦٣- حين لَمْ ينهوهم فعاب من أكل السحت: الرشوة فِي الْحَكَم، وعاب الربانيين الَّذِين لَمْ ينهوهم عن أكله.
وَقالَتِ الْيَهُودُ يعني ابْن صوريا وفنحاص اليهوديين وعازر بن أَبِي عازر يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعني ممسكة أمسك اللَّه يده عنا فلا يبسطها علينا بخير وليس بجواد وذلك أن اللَّه- بسط «١» عليهم فِي الرزق فَلَمَّا عصوا واستحلوا ما حرم عليهم أمسك عَنْهُم الرزق، فقالوا عِنْد ذَلِكَ يد اللَّه محبوسة عن البسط يَقُولُ اللَّه- : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني أمسكت أيديهم عن الخير وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ بالخير يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ إن شاء وسع فِي الرزق وإن شاء قتر، هُمْ خلقه وعبيده فِي قبضته، ثُمّ قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني اليهود من بني النضير مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني أمر الرجم والدماء ونعت محمد- ﷺ طُغْياناً وَكُفْراً بالقرآن يعني جحودا به «٢» وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ يعني اليهود والنصارى، شر ألقاه- بينهم الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ يعني يبغض بعضهم بعضا ويشتم بعضا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فلا يحب اليهودي النَّصْرانُّي وَلا النَّصْرانُّي اليهودي كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يعني كلما أجمعوا أمرهم عَلَى مكر بمحمد- ﷺ فِي أمر الحرب فرقه اللَّه- وأطفأ نار مكرهم فلا يظفرون بشيء أبدا وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني يعملون فيها بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ- ٦٤- يعنى العاملين
стр. 354
بالمعاصي. وقوله- سبحانه-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) يعني اليهود والنصارى آمَنُوا يعني صدقوا بتوحيد الله وَاتَّقَوْا الشرك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني لمحونا عَنْهُمْ ذنوبهم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ- ٦٥-[١٠٤ ب] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فعملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا «١» وغيره وَلَم يحرفوه عن مواضعه فِي التوراة التي أنزلها اللَّه- فأما فِي الإنجيل فنعت محمد- ﷺ «وأما فِي التوراة فنعت محمد- ﷺ » «٢» - والرجم والدماء وغيرها، وَلَم يحرفوها عن مواضعها، وَأقاموا ب ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فِي التوراة والإنجيل من نعت محمد- ﷺ ومن إيمان بمحمد- ﷺ وَلَم يحرفوا نعته لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعنى المطر وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني من الأرض: النبات ثُمّ قَالَ- مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني عصبة عادلة فِي قولها من مؤمني أَهْل التوراة والإنجيل، فأمّا أَهْل التوراة فعبد اللَّه بن سلام وأصحابه وأمّا أَهْل الإنجيل فالذين كانوا عَلَى دين عِيسَى ابن مريم- ﷺ وهم اثنان وثلاثون رَجُلا، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يعني من أَهْل الكتاب يعني كفارهم ساءَ مَا يَعْمَلُونَ- ٦٦- يعنى بئس ما كانوا يعملون. قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ يعنى محمدا- صلي اللَّه عَلَيْه وسلم- مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وذلك
أن النبي- ﷺ دعا اليهود إلى الإسلام فأكثر الدعاء فجعلوا يستهزئون ويقولون «أتريد يا محمد أن نتخذك حنانا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا» «٣» فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ- ﷺ
стр. 355
«ذلك» «١» سكت عَنْهُمْ فحرض اللَّه يعني فحضض الله- النبي- ﷺ عَلَى الدعاء إلى اللَّه- وألا يمنعه «٢» ذَلِكَ تكذيبهم إياه واستهزاؤهم فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٣» وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
يعني من اليهود فلا تُقتل إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ- ٦٧- يعني اليهود، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية أمن النَّبِيّ- ﷺ من القتل والخوف فَقَالَ: لا أبالي من خذلني ومن نصرني «٤» . وذلك أنه كان خشي أن تغتاله اليهود فتقتله، ثُمّ أخبره ماذا يبلغ؟ فقال- تعالى-: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى اليهود والنصارى لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من أمر الدّين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يَقُولُ حَتَّى تتلوهما حق تلاوتهما كَمَا أنزلهما الله- وَتقيموا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «٥» من أمر محمد- ﷺ وَلا تحرفوه عن مواضعه، فهذا الَّذِي أمر اللَّه- أن يبلغ «٦» أَهْل الكتاب.
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني ما فِي القرآن من أمر الرجم والدماء طُغْياناً وَكُفْراً يعني وجحودا بالقرآن فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ يعنى
стр. 356
فلا تحزن يا محمد- ﷺ عَلَى القوم الْكافِرِينَ- ٦٨- يعني أَهْل الكتاب إذ كذبوك بما تقول. قوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني الَّذِين صدقوا وَالَّذِينَ هادُوا يعني اليهود وَالصَّابِئُونَ هُمْ قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح وفارقوا هَذِهِ الفرق الثلاث وزعموا أنهم عَلَى دين نوح- ﵇ وأخطأوا لأن دين نوح- ﵇ كان عَلَى دين الْإِسْلام «١» .
وَالنَّصارى إِنَّمَا سموا نصارى لأنهم ابتدعوا هَذَا الدّين بقرية تسمى ناصرة، قَالَ اللَّه- : مَنْ آمَنَ من هؤلاء بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً وأدى الفرائض من قبل أن يبعث محمد- ﷺ فَلَه الجنة ومن بقي منهم إلى أن يبعث محمد- ﷺ فلا إيمان لَهُ إِلَّا أن يصدق بمحمد- ﷺ فَمنْ صدق بِاللَّه- أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وبما جاء به محمد- ﷺ وبالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب
стр. 357
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- ٦٩- من الموت. قوله- سُبْحَانَهُ-: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي التوراة عَلَى أن يعملوا بما فيها وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا يعني وأرسل اللَّه- تَعَالَى- إليهم رسلا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ يعني اليهود فَرِيقاً كَذَّبُوا يعني اليهود فريقا كذبوا عِيسَى- ﷺ ومحمدا- ﷺ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ- ٧٠- يعني اليهود كذبوا بطائفة من الرسل وقتلوا طائفة من الرسل يعني زَكَرِيّا ويحيى فِي بني إِسْرَائِيل.
قوله- : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ يعني اليهود حسبوا ألا يكون شرك وَلا يبتلوا وَلا يعاقبوا بتكذيبهم الرسل وبقتلهم الْأَنْبِيَاء: أن لا يبتلوا بالبلاء والشدة من قحط المطر فَعَمُوا عن الحق فلم يبصروه وَصَمُّوا عن الحق فلم يسمعوه ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ تجاوز عَنْهُمْ فرفع عَنْهُم البلاء فلم يتوبوا بعد رفع البلاء ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ- ٧١- من قتلهم الْأَنْبِيَاء وتكذيبهم الرسل. قوله- : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ «١» نزلت فى نصارى نجران المار يعقوبيين منهم السيد والعاقب وغيرهما قَالُوا إن اللَّه هو المسيح ابن مريم وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعني وحدوا اللَّه ربي وربكم إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فيقول إن اللَّه هُوَ المسيح ابْن مريم فيموت عَلَى الشرك فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ يعني وما للمشركين مِنْ أَنْصارٍ- ٧٢- يعني من مانع يمنعهم من النار لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ يعنى الملكانيين قالوا: الله
стр. 358
والمسيح ومريم «١» يَقُولُ اللَّه- تكذيبا لقولهم وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من الشرك لَيَمَسَّنَّ يعني ليصيبن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٧٣- يعني وجيع والقتل بالسيف والجزية عَلَى من بقي منهم عقوبة، ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ- يعيبهم: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ يعني أفهلا يتوبون إلى اللَّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ من الشرك فَإِن فعلوا «غفر لهم» «٢» وَاللَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ- ٧٤- بهم. ثُمّ أخبر عن عِيسَى- ﷺ فقال- سبحانه-[١٠٥ ب] : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ يعني مؤمنة كقوله- سُبْحَانَهُ-: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا «٣» يعني مؤمنا نبيا. وذلك حين قَالَ لها جبريل- ﵇ إِنَّما أَنَا
«٤» سُولُ رَبِّكِ «٥» وَفِي بطنك المسيح فآمنت بجبريل- ﵇ وصدقت بالمسيح ابْن مريم- ﵇ ثُمّ سميت الصديقة وهي يومئذ فِي محراب بيت المقدس كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يعني العلامات فِي أمر عِيسَى ومريم أنهم كانا يأكلان الطعام والآلهة لا تأكل الطعام «٦» ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ- ٧٥- يعني من أَيْنَ يكذبون فأعلمهم أني واحد قُلْ لنصارى نجران أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني عِيسَى مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا فِي الدُّنْيَا وَلا نَفْعاً فِي الآخرة وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقولهم إن اللَّه هُوَ المسيح ابن مريم
стр. 359
وثالث ثلاثة الْعَلِيمُ- ٧٦- بمقالتهم. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني نصارى نجران لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ عن دين الْإِسْلام فتقولوا غَيْرَ الْحَقِّ فِي عِيسَى ابن مريم وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا عن الهدى مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا عن الهدى كَثِيراً من الناس وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ- ٧٧- يعني وأخطأوا عن قصد سبل الهدى نزلت فى برصيصا. لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اليهود مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني من سِبْط بني إِسْرَائِيل عَلى لِسانِ داوُدَ ابن أنيشا «١» وذلك أنهم صادوا الحيتان يوم السبت، وكانوا قَدْ نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، قَالَ دَاوُد: اللَّهُمَّ إن عبادك قَدْ خالفوا أمرك وتركوا أمرك فاجعلهم آية ومثلا لخلقك. فمسخهم اللَّه- قردة، فهذه لعنة داود- ﵇ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأما لعنة عِيسَى- ﷺ فإنهم أكلوا المائدة ثُمّ كفروا ورفعوا من المائدة، فَقَالَ عِيسَى: اللَّهُمَّ إنك وعدتني أن من كفر منهم بعد ما يأكل من المائدة أن تعذبه عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين، اللَّهُمَّ العنهم كَمَا لعنت أصحاب السبت.
فكانوا خمسة آلاف فمسخهم اللَّه- خنازير لَيْسَ فيهم امرأة ولا صبي ذلِكَ بِما عَصَوْا فِي ترك أمره وَكانُوا يَعْتَدُونَ- ٧٨- فِي دينهم كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ- ٧٩- حين لَمْ ينهوهم عن المنكر ثُمّ قَالَ- : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ «يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» «٢» يعني من قريش «٣» لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ لأنهم ليسوا بأصحاب كتاب أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ- ٨٠- وَلَوْ كانُوا يعنى
стр. 360
والمقداد بن الأسود، وأَبُو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وحذيفة ابن اليمان، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة ورجل آخر «١» اجتمعوا فِي بيت عُثْمَان بن مَظْعُون- ﵃ ثُمّ قَالُوا: تعالوا حَتَّى نحرم عَلَى أنفسنا الطعام واللباس والنساء، وأن يقطع بعضهم مذاكيره ويلبس المسرح ويبنوا الصوامع فيترهبوا فيها فتفرقوا وهذا رأيهم.
فجاء جبريل- ﵇ فأخبر النَّبِيّ- ﷺ بِذَلِك فأتى منزل عُثْمَان بن مَظْعُون- ﵁ فلم يجدهم فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ لامرأة عُثْمَان: أحق ما بلغني عن عُثْمَان وأصحابه؟ قَالَتْ: وما هُوَ يا رَسُول اللَّهِ؟ فأخبرها النَّبِيّ- ﷺ الَّذِي بلغه، فكرهت أن تكذب النَّبِيّ- ﷺ أَوْ تفشي سر زوجها. فقالت: يا رَسُول اللَّهِ، إن كان عُثْمَان أخبرك بشيء فقد صدقك أَوْ أخبرك اللَّه- بشيء فهو كَمَا أخبرك ربك- تَعَالَى ذكره. فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : قولي لزوجك إذا جاء: إنَّه لَيْسَ مني من لَمْ يستن بسنتي ويهتد بهدينا ويأكل من ذبائحنا فَإِن من سنتنا: اللباس والطعام والنساء، فأعلمي زوجك، وقولي لَهُ: من رغب عن سنتي فَلَيْس مني، فَلَمَّا رجع عُثْمَان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النَّبِيّ- ﷺ فَمَا أعجبه فذروا الَّذِي ذكره النَّبِيّ- ﷺ فأنزل الله- : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
وَلا تَعْتَدُوا فتحرموا حلاله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- ٨٧- من يحرم حلاله ويعتدى
стр. 361
فِي أمره- وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً اللباس والنساء والطعام وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تحرموا ما أحل اللَّه لَكُمْ واتقوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ- ٨٨- يقول الذي أنتم به مصدقون. قوله- سُبْحَانَهُ-:
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَهُوَ الرَّجُل يحلف عَلَى أمر وَهُوَ يرى أَنَّهُ فِيهِ صادق وَهُوَ كاذب فلا إثم عَلَيْه وَلا كفارة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يَقُولُ بما عقد عَلَيْه قلبك فتحلف وتعلم أنك كاذب فَكَفَّارَتُهُ يعنى فكفارة هَذَا اليمين الَّذِي عقد عَلَيْهَا قلبه وَهُوَ كاذب إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ لكل مسكين نصف صاع حنطة مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ يعني من أعدل ما تطعمون أَهْلِيكُمْ من الشبع نظيرها فِي البقرة جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» يعني عدلا قَالَ- سُبْحَانَهُ- فِي ن: قالَ أَوْسَطُهُمْ «٢» يعني أعدلهم يَقُولُ لَيْسَ بأدنى ما تأكلون وَلا بأفضله، «٣» ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: أَوْ كِسْوَتُهُمْ [١٠٧ أ] يعنى كسوة عشرة مساكين لكل مسكين عبادة أو ثوب أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ما «سواء أكان المحرر» «٤» يهوديا أَوْ نصرانيا أَوْ مجوسيا أَوْ صابئيا فهو جائز وَهُوَ بالخيار فِي الرقبة أَو الطعام أَو الكسوة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ من هَذِهِ الخصال الثلاث شيئًا فَصِيامُ «٥» ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وهي فِي قراءة ابْن مَسْعُود متتابعات ذلِكَ الَّذِي ذكر اللَّه- كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ فلا تتعمدوا اليمين الكاذبة كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ٨٩- ربكم فِي هَذِهِ النعم إذ جعل لَكُمْ مخرجا فِي أيمانكم فيما ذكر فِي الكفارة قوله- سبحانه-:
стр. 362
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ نزلت فِي سعد بن أَبِي وَقَّاص- ﵁ وَفِي رَجُل من الأنصار يُقَالُ لَهُ عتبان بن مَالِك الأنصاري، وذلك أن الْأَنْصَارِيّ صنع طعاما وشوى رأس بعير ودعا سعد بن أبي وَقَّاص إلى الطعام وهذا قبل التحريم فأكلوا وشربوا حَتَّى انتشوا وقالوا الشعر، فقام الْأَنْصَارِيّ إلى سعد فأخذ إحدى لحيي البعير فضرب به وجهه فشجه فانطلق سعد مستعديا إلى رَسُول اللَّهِ- ﷺ فنزل تحريم الخمر، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ «١» يعني به القمار كله وَالْأَنْصابُ يعني الحجارة التي كانوا ينصبونها ويذبحون لها وَالْأَزْلامُ يعني القدحين الَّذِين كانوا يعملون بهما رِجْسٌ يعني إثم مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ يعني من تزيين الشَّيْطَان ومثله فِي القصص قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ «٢» فَاجْتَنِبُوهُ فهذا النهي للتحريم «٣» ، كَمَا قَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ «٤» فَإنَّهُ حرام:
كذلك فاجتنبوا الخمر فَإِنَّهَا حرام لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- ٩٠- يعني لكي إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ يعني أن يغري بينكم العداوة وَالْبَغْضاءَ الَّذِي كان بين سعد وَبَيْنَ الْأَنْصَارِيّ حَتَّى كسر أنف سعد فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ورث ذَلِكَ العداوة والبغضاء وَيريد الشَّيْطَان أن يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يَقُولُ إذا سكرتم لَمْ تذكروا اللَّه- وَعَنِ الصَّلاةِ يَقُولُ إذا سكرتم لَمْ تصلوا فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ- ٩١- فهذا وعيد بعد النهي والتحريم قَالُوا انتهينا يا ربنا.
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : «يا أيها الذين آمنوا إن الله حرم عليكم
стр. 363
الخمر فَمنْ كان عنده منها شيء فلا يشربها وَلا يبيعها وَلا يسقيها غيره» .
قَالَ «١» : وقَالَ أَنَس بن مَالِك لَقَدْ نزل تحريم الخمر وما بالمدينة يومئذ خمر إِنَّمَا كانوا يشربون الفصيح «٢» . وأما الميسر فهو القمار وذلك أن الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة كان يَقُولُ أَيْنَ أصحاب الجزور فيقوم نفر فيشترون بينهم جزورا فيجعلون لكل رَجُل منهم سهم ثُمّ يقرعون فمن خرج سهمه [١٠٧ ب] برىء من الثمن وَلَهُ نصيب فِي اللحم حَتَّى يبقى آخرهم فيكون عَلَيْه الثمن كله وليس لَهُ نصيب فِي اللحم وتقسم الجزور بين البقية بالسوية. وأمّا الأزلام فهي القداح التي كانوا يقتسمون الأمور بها:
قد حين مكتوب عَلَى أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي فإذا أرادوا أمرا أتوا بيت الأصنام فغطوا عَلَيْه ثوبا ثُمّ ضربوا بالقداح فَإِن خرج أمرني ربي مضى عَلَى وجهه الَّذِي يريد، وإن خرج نهاني ربي لَمْ يَخْرُج فِي سفره، وكذلك كانوا يفعلون إذا شكوا فِي نسبة رَجُل، وأمّا الأنصاب فهي الحجارة التي كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون لها، ثُمّ قَالَ- :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِي تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام إلى آخر الآية وَاحْذَرُوا معاصيهما فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني أعرضتم عن طاعتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا محمد- ﷺ الْبَلاغُ الْمُبِينُ- ٩٢- فِي تحريم ذَلِكَ. فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية فِي تحريم الخمر قَالَ حيي بن أخطب وأَبُو ياسر وكعب بن الأشرف للمسلمين: فَمَا حال من مات منكم وهم يشربون الخمر؟ فذكروا «٣» ذَلِكَ للنبي- ﷺ وقالوا: إن إخواننا ماتوا وقتلوا وَقَدْ كانوا
стр. 364
يشربونها فأنزل اللَّه- لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ يعني حرج فِيما طَعِمُوا يعني شربوا من الخمر قبل التحريم «١» إِذا مَا اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا بالتوحيد وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «يعني أقاموا الفرائض» «٢» قبل التحريم ثُمَّ اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ «ثُمَّ اتَّقَوْا» المعاصي بعد تحريمها «وَآمَنُوا» يعني وصدقوا ثُمَّ اتَّقَوْا الشرك وَأَحْسَنُوا العمل بعد تحريمها فَمنْ فعل ذَلِكَ فهو محسن وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ- ٩٣-
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ للذي سأله: قيل لي إنك من المحسنين.
وقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ يعني ببعض الصيد فخص صيد البر خاصة ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا «٣» تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ يَقُولُ تأخذون صغار الصيد بأيديكم أخذا بغير سلاح ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَرِماحُكُمْ يعني وسلاحكم النبل والرماح بها يصيبون كبار الصيد وَهُوَ عام حبس النَّبِيّ- ﷺ عن مكة عام الحديبية وأقام بالتنعيم فصالحهم عَلَى أن يرجع عامه ذَلِكَ وَلا يدخل مكة فإذا كان العام المقبل أخلوا لَهُ مكة فدخلها فِي أصحابه- ﵃ وأقام بها ثلاثا «٤» ورضي النَّبِيّ- ﷺ بِذَلِك فنحر البدن مائة بدنة فجاءت السباع والطير تأكل منها فنهى اللَّه- عن قَتْل الصيد فِي الحرم لِيَعْلَمَ اللَّهُ لكي يرى اللَّه مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [١٠٨ أ] يقول من يخاف الله-
стр. 365
عَزَّ وَجَلّ- وَلَم يره فلم يتناول الصيد وهو محرم فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ يَقُولُ فَمنْ أخذ الصيد عمدا بعد النهي، فقتل الصيد وَهُوَ محرم فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ- ٩٤- يعني ضربا وجيعا ويسلب ثيابه ويغرم الجزاء، وحكم ذَلِكَ إلى الْإِمَام، فهذا العذاب الأليم قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وذلك أن أبا بشر واسمه: عمرو بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ كان محرما فِي عام الحديبية بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت فِيهِ لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله ناسيا لإحرامه»
فَجَزاءٌ يعني جزاء الصيد مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يعني من الأزواج الثمانية إن كان قَتَل عمدا أَوْ خطأ أَوْ أشار إلى الصيد فأصيب فعليه الجزاء يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعنى يحكم بالكفارة رجلان من الْمُسْلِمِين عدلين فقيهين يحكمان فِي قاتل الصيد جزاء مثل ما قَتَل من النعم إن قَتَل حمار وحش أَوْ نعامة ففيها بعيرا بنحره بمكة: يطعم المساكين وَلا يأكل هُوَ وَلا أحد من أصحابه وإن كان من ذوات القرون: الأيل «٢» والوعل ونحوهما فجزاؤه أن يذبح بقرة
стр. 366
للمساكين وفى الطير ونحوها جزاؤه أن يذبح شاة مسنة «١» وَفِي الحمام شاة وَفِي بيض الحمام إذا كان فِيهِ فرخ دِرْهَم وإن لَمْ يَكُنْ فِيهِ فرخ فنصف دِرْهَم وَفِي وَلَد الحمار الوحش وَلَد بعير مثله، وَفِي وَلَد النعامة وَلَد بعير مثله، وَفِي وَلَد الأيل والوعل ونحو وَلَد بقرة مثله وفى فرخ الحمام ونحوه وَلَد شاة مثله وَفِي وَلَد الظبي «وَلَد» «٢» شاة مثله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ يعني ينحر بمكة كقوله- سُبْحَانَهُ- فِي الحج «ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» «٣» تذبح بأرض الحرم فتطعم مساكين مكة أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ لكل مسكين نصف صاع حنطة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يَقُولُ إن لَمْ يقدر عَلَى الهدي وَلا عَلَى ثمنه «وَلا عَلَى إطعام المساكين» «٤» فليصم مكان كُلّ مسكين يومًا ينظر ثمن الهدي فيجعله دراهم. ثم ينظركم يبلغ الطعام بتلك الدراهم بسعر مكة فيصوم مكان كُلّ مسكين يومًا وبكل مسكين نصف صاع حنطة «٥» . لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ
стр. 367
يعني جزاء ذنبه يعني الكفارة عقوبة لَهُ بقتله «الصيد» «١» عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يَقُولُ عفا اللَّه عما كان منه قبل التحريم يَقُولُ تجاوز اللَّه عما صنع فِي قتله الصيد متعمدا قبل نزول هَذِهِ الآية وَمَنْ عادَ بعد النهي إلى قتل الصيد فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بالضرب والفدية وينزع ثيابه وَاللَّهُ عَزِيزٌ يعني منيع فِي ملكه ذُو انْتِقامٍ- ٩٥- من أَهْل معصيته فيمن قَتَل الصيد.
نزلت هَذِهِ الآية «قبل الآية» «٢» الأولى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» [١٠٨ ب] ثُمّ قَالَ- : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ يعني السمك الطري وشيء يفرخ فِي الماء لا يفرخ فِي غيره فهو للمحرم حلال، ثُمّ قَالَ: وَطَعامُهُ يعني مليح «٤» السمك مَتاعاً لَكُمْ يعني منافع لَكُمْ يعني للمقيم وَلِلسَّيَّارَةِ يعني للمسافر وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً يعني ما دمتم محرمين وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا الصيد فِي الإحرام ثُمّ حذرهم قَتْل الصيد، فقال- سبحانه-: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ «٥» - ٩٦- فى الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. قوله- سبحانه-:
стр. 368
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أنها سميت الكعبة لأنها منفردة من البنيان وكل منفرد من البنيان فهو فِي كَلام العرب الكعبة. قَالَ أَبُو محمد: قَالَ ثعلب: العرب تسمى كُلّ بيت مربع الكعبة قِياماً لِلنَّاسِ يعني أرض الحرم أمنا لهم وحياة لهم فِي الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ: كان أحدهم إذا أصاب ذنبا أَوْ أحدث حدثا يخاف عَلَى نفسه دخل الحرم فأمن فِيهِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ قال: كان الرجل إذا أراد سفرا نظر فِي أمره فَإِن كان السَّفَر الَّذِي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجه آمنا، وَلَم يقلد نفسه وَلا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر عَلَى الرجوع حَتَّى يمضي الشهر الحرام قلد نفسه وبعيره من لحا شجر الحرم فيأمن به حيث ما توجه من البلاد، فَمنْ ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ كُلّ ذَلِكَ كان قواما لهم وأمنا في الجاهلية نظيرها فى أول السورة. ذلِكَ يَقُولُ هَذَا لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قبل أن يكونا ويعلم أَنَّهُ سيكون من أمركم الَّذِي كان وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمال العباد عَلِيمٌ- ٩٧- ثُمّ خوفهم ألا يستحلوا الغارة فِي حُجّاج اليمامة يعني شريحا وأصحابه فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- ٩٨- لمن أطاعه بعد النهي ثُمّ قَالَ- : ما عَلَى الرَّسُولِ محمد- ﷺ إِلَّا الْبَلاغُ فِي أمر حُجّاج اليمامة شُرَيْح بن ضبيعة وأصحابه وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعني ما تعلنون بألسنتكم وَما تَكْتُمُونَ- ٩٩- من أمر حجاج اليمامة والغارة عليهم قُلْ لهم يا محمد- ﷺ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ يعني بالخبيث الحرام والطيب الحلال نزلت فِي حُجّاج اليمامة حين أراد المؤمنون الغارة عليهم وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يعني الحرام، ثُمّ حذرهم فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تستحلوا منهم محرما يَا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى يا أهل اللب والعقل لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
стр. 369
- ١٠٠- قوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [١٠٩ أ] نزلت فِي عَبْد اللَّه بن جحش بن رباب الأسدى من بنى غنم ابن دودان وَفِي عَبْد اللَّه بن حذافة الْقُرَشِيّ ثُمّ السهمي وذلك
أن رَسُول اللَّهِ- ﷺ قال: يا أيها الناس إن اللَّه كتب عليكم الحج «١» . فَقَالَ عَبْد اللَّه بن جحش: أفي كُلّ عام فسكت عَنْهُ- ﷺ ثُمّ أعاد قوله، فسكت النَّبِيّ- ﷺ ثُمّ عاد، فغضب النَّبِيّ- ﷺ ونخسه بقضيب كان معه، ثُمّ قَالَ: ويحك، لو قُلْتُ نعم لوجبت فاتركوني ما تركتكم فإذا أمرتكم بأمر فافعلوه وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عَنْهُ.
وقَالَ رَسُول الله- ﷺ : أيها الناس، إنَّه قَدْ رفعت لي الدُّنْيَا فأنا أنظر إلى ما يَكُون فِي أمتي من الأحداث إلى يوم الْقِيَامَة، ورفعت لي أنساب العرب فأنا أعرف أنسابهم رجلا رجلا. فقام رجل، فقال: يا رسول الله: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: أَنْت فِي الجنة. ثُمّ قام آخر فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الجنة، ثم قام الثالث فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ فَقَالَ: أَنْت فِي النار. فرجع الرَّجُل حزينا، وقام عَبْد اللَّه بن حذافة وكان يُطعن فِيهِ فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ من أَبِي؟ قَالَ: أبوك حُذَافة. وقام رَجُل من بني عَبْد الدار، فَقَالَ: يا رَسُول اللَّهِ من أبي؟ قال: أبوك سعد، نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله استر علينا يستر اللَّه عليك إنا قوم قريبو عهد بالشرك. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ- ﷺ : خيرا. فأنزل اللَّه- لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
يعني إن تبين لَكُمْ فلعلكم «٢» إن تسألوا عما لَمْ ينزل به قرآنا فينزل به قرآنا
стр. 370
مغلظا لا تطيقوه، قوله- سبحانه-: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ يعني عن الأشياء حين ينزل بها قرآنا تُبْدَ لَكُمْ تبين لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها يَقُولُ عفا اللَّه عن تِلْكَ الأشياء حين لم يوجبها عليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ- ١٠١- يعني ذو تجاوز حين لا يعجل بالعقوبة، ثُمّ قَالَ- قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ يَقُولُ قَدْ سَأَلَ عن تِلْكَ الأشياء مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني من بني إِسْرَائِيل فبينت لهم ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ- ١٠٢- وذلك أن بني إِسْرَائِيل سألوا المائدة قبل أن تنزل فَلَمَّا نزلت كفروا بها. فقالوا: ليست المائدة من اللَّه. وكانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم وَلَم يصدقوهم فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين.
قوله- سبحانه-: ما جَعَلَ اللَّهُ حراما مِنْ بَحِيرَةٍ لقولهم إن اللَّه أمرنا بها نزلت فِي مشركي العرب منهم قريش، وكنانة، عامر بن صَعْصَعَة، وبنو مدلج والحارث وعامر ابني عَبْد مناة، وخزاعة وثقيف، أمرهم بِذَلِك فِي الجاهلية عمرو بن ربيعة بن لحى [١٠٩ ب] بن قمعة بن خندف «١» الخُزَاعيّ،
فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : رَأَيْت عمرو بن رَبِيعَة الخُزَاعيّ رَجُلا قصيرا أشقر لَهُ وفرة يجر قصبه فِي النار يعني أمعاءه، وَهُوَ أول من سيب السائبة، واتخذ الوصيلة، وحمى الحامي، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير دين الحنيفية فأشبه الناس به أكثم بن لجون الخُزَاعيّ فَقَالَ أكثم: أيضرني شبهه يا رَسُول اللَّهِ؟
قَالَ: لا، أَنْت مؤمن وَهُوَ كافر. والبحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن فإذا كان الخامس سقيا وَهُوَ الذكر ذبحوه للآلهة فكان لحمه للرجال دون النّساء، وإن كان الخامس ربعة يعني أنثى شقوا أذنيها. فهي البحيرة، وكذلك من البقر لا يجز لها وبر وَلا يذكر اسم اللَّه عَلَيْهَا إن ركبت أَوْ حمل عَلَيْهَا ولبنها للرجال
стр. 371
دون النّساء «١» .
وأما السائبة فهي الأنثى من الأنعام كلها كان الرَّجُل يسيب للآلهة ما شاء من إبله وبقره وغنمه، «وَلا يسيب إِلَّا الأنثى» «٢» وظهورها «٣» وأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها للآلهة ومنافعها للرجال دون النّساء، وأمّا الوصيلة فهي الشاة من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع فَإِن كان جديا ذبحوه للآلهة وكان لحمه للرجال دون النّساء، وإن كَانَتْ عتاقا استحيوها فكانت من عرض الغنم.
قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت: قَالَ أَبِي: قَالَ أَبُو صَالِح: قَالَ مُقَاتِل: وإن وضعته ميتا أشرك فِي أكله الرجال والنساء، فذلك قوله- : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ «٤» بأن ولدت البطن السابع جديا وعتاقا، قَالُوا: إن الأخت قَدْ وصلت أخاها فحرمته علينا فحرما جميعًا فكانت المنفعة للرجال دون النّساء، وأما الحام فهو الفحل من الإبل إذا ركب أولاد أولاده فبلغ ذَلِكَ عشرة أَوْ أقل من ذَلِكَ. قَالُوا: قَدْ حمى هَذَا ظهره فأحرز نفسه فيهل للآلهة وَلا يحمل عَلَيْه وَلا يركب وَلا يمنع من مرعى وَلا ماء وَلا حمى وَلا ينحر أبدا حَتَّى يموت موتا. فأنزل اللَّه- : «ما جَعَلَ اللَّهُ» حراما «مِنْ بَحِيرَةٍ» وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش وخزاعة من مشركي العرب يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لقولهم إن اللَّه أمرنا بتحريمه حين قَالُوا فى الأعراف «وَاللَّهُ أَمَرَنا «٥» بِها» يعني بتحريمها، ثُمّ قَالَ: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- ١٠٣- أن اللَّه- لَمْ يحرمه. قوله- سبحانه- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعنى مشركي
стр. 372
العرب تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كتابه من تحليل ما حرم «١» من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَإِلَى الرَّسُولِ محمد- ﷺ قالُوا حَسْبُنا مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من أمر الدّين فإنا أمرنا أن نعبد ما عبدوا يقول الله [١١٠ أ] : أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ يعني فَإِن كان آباؤهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً من الدين وَلا يَهْتَدُونَ- ١٠٤- له، أفتتبعونهم؟ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وذلك أن النبي- ﷺ كان لا يقبل الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب فَلَمَّا أسلم العرب طوعا وكرها قبل الجزية من مجوس هجر فطعن المنافقون فِي ذلك فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ «٢» يَقُولُ أقبلوا عَلَى أنفسكم فانظروا ما ينفعكم فِي أمر آخرتكم فاعملوا به لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من أَهْل هجر نزلت فِي رَجُل من أصحاب النبي- ﷺ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ- مَرْجِعُكُمْ فِي الآخرة جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- ١٠٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ نزلت فِي بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافرا فِي البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان أَحَدهمَا يسمى تميم بن أَوْس الداري وكان من لخم، وعدي بن بندا «٣» ، فمات بديل وَهُمْ فِي البحر فرمى به فِي البحر، قَالَ: حِينَ الْوَصِيَّةِ وذلك أَنَّهُ كتب وصيته ثُمّ جعلها فِي متاعه ثُمّ دفعه إلى تميم وصاحبه وقَالَ لهما: أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
стр. 373
يَقُولُ عِنْد الوصية يشهدون وصيته اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ من الْمُسْلِمِين فِي دينهما أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يعني من غَيْر أَهْل دينكم: النصرانيين تميم الداري وعدي بن بندا إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يا مَعْشَر الْمُسْلِمِين للتجارة فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ يعنى بديل ابن أَبِي مارية حين انطلق تاجرا فِي البحر وانطلق معه تميم وعدي صاحباه، فحضره الموت فكتب وصيته ثُمّ جعلها فِي المتاع فَقَالَ: أبلغا هَذَا المتاع إلى أهلي فَلَمَّا مات بديل قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فِيهِ ثلاثمائة مثقال منقوش مموه بالذهب فَلَمَّا رجعا من تجارتهما دفعا بَقِيَّة المال إلى ورثته ففقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فِيهِ تاما لَمْ يبع منه وَلَم يهب فكلموا تميما وصاحبه فسألوهما: هَلْ باع صاحبنا شيئًا أَوْ اشترى شيئًا فخسر فِيهِ أَوْ طال مرضه فأنفق عَلَى نفسه؟ فَقَالا: لا قَالُوا، فإنا قَدْ فقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا فَقَالا: ما لنا بما أبدى، وَلا بما كان فِي وصيته علم ولكنه دفع إلينا هَذَا المال فبلغناكم إياه فرفعوا أمرهم إلى النَّبِيّ- ﷺ فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [١١٠ ب] شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعنى بديل بن أبي مارية اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني من الْمُسْلِمِين: عَبْد اللَّه بن عمرو ابن العاص والمطلب بن أَبِي وَدَاعة السهميان. أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من غَيْر أهل دينكم يعني النصرانيين إِنْ أَنْتُمْ معشر المسلمين ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ تجارا فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ يعني بديل بن أَبِي مارية مَوْلَى العاص ابن وائل السهمي تَحْبِسُونَهُما يعني النصرانيين: تقيمونهما «١» مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
стр. 374
صلاة العصر فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ فيحلفان بِاللَّه إِنِ ارْتَبْتُمْ يعني إن شككتم- نظيرها فِي النّساء القصرى «١» - أن المال كان أكثر من هَذَا الَّذِي أتيناكم به لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يَقُولُ لا نشتري بأيماننا عرضا من الدُّنْيَا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى يَقُولُ ولو كان الميت ذا قرابة مِنَّا وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً إن كتمنا شيئًا من المال لَمِنَ الْآثِمِينَ- ١٠٦- بِاللَّه- فحلفهما النَّبِيّ- ﷺ عَنْد المنبر بعد صلاة العصر فحلفا أَنَّهُما لَمْ يخونا شيئًا من المال فخلى سبيلهما، فَلَمَّا كان بعد ذَلِكَ وجدوا الإناء الَّذِي فقدوه عِنْد تميم الداري، قَالُوا: هَذَا من آنية صاحبنا الَّذِي كان أبدى بها وَقَدْ زعمتما أَنَّهُ لَمْ يبع وَلَم يشتر وَلَم ينفق عَلَى نفسه.
فَقَالا: قَدْ كُنَّا اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به. فرفعوهما إلى النَّبِيّ- ﷺ الثانية. فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ، إنا وجدنا مَعَ هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا، فأنزل اللَّه- فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يَقُولُ فَإِن اطلع عَلَى أَنَّهُما يعني النصرانيين كتما شيئًا من المال أَوْ خانا فَآخَرانِ من أولياء الميت يعني عَبْد اللَّه بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان يَقُومانِ مَقامَهُما يعني مقام النصرانيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ الإثم عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني فيحلفان بِاللَّه فِي دبر صلاة العصر أن الَّذِي فِي وصية صاحبنا حق وأن المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هَذَا الإناء لمن متاع صاحبنا الَّذِي خرج به معه وكتبه فِي وصيته وأنكما خنتما، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-:
لَشَهادَتُنا يعني عَبْد اللَّه بن عمرو بن العاص والمطلب أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما
стр. 375
يعني النصرانيين وَمَا اعْتَدَيْنا بشهادة الْمُسْلِمِين من أولياء الميت إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ- ١٠٧- ذلِكَ أَدْنى يعني أجدر نظيرها فِي النّساء «١» أَنْ يَأْتُوا يعني النصرانيين بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها كَمَا كَانَتْ وَلا يكتمان شيئًا أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يَقُولُ أَوْ يخافوا أن يطلع عَلَى خيانتهم فيرد شهادتهما بشهادة الرجلين الْمُسْلِمَيْن من أولياء الميت فحلف عَبْد اللَّه والمطلب كلاهما أن الَّذِي فِي وصية الميت حق وأن هَذَا الإناء من متاع صاحبنا فأخذوا تميم بن «أوس» «٢» الداري وعدى بن بندا النصرانيين [١١١ أ] بتمام ما وجدا فِي وصية الميت حين اطلع اللَّه- عَلَى خيانتهما فِي الإناء، «٣» ثُمّ وعظ اللَّه- الْمُؤْمِنِين ألا يفعلوا مثل هَذَا وألا يشهدوا بما لَمْ يعاينوا ويروا، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-:
يحذرهم نقمته: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا مواعظه وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ- ١٠٨-
وأن تميم بن أَوْس الداري اعترف بالخيانة فقال له النبي- ﷺ ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز اللَّه عنك ما كان فِي شركك، فأسلم تميم الداري وحسن إسلامه ومات عَدِيّ بن بندا نصرانيا.
قوله- سبحانه-: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يعني الْأَنْبِيَاء- ﵈ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ فى التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا وذلك أول ما بعثوا عِنْد زفرة جَهَنَّم لأن الناس إذا خرجوا من قبورهم تاهت عقولهم، فجالوا فِي الدُّنْيَا ثلاثين سنة ويُقَالُ أربعين سنة، ثُمّ ينادي مناد «٤» عِنْد صخرة بيت المقدس: يا أهل الدنيا، هاهنا موضع الحساب فيسمع النداء
стр. 376
جميع الناس فيقبلون نحو الصوت فإذا اجتمعوا ببيت المَقْدِس زفرت جَهَنَّم زفرة لا يبقى ملك مقرب وَلا نَبِيّ مرسل إِلَّا ظن أنه لو جاء بعمل سبعين نبيا ما نجا «١» فعند ذَلِكَ تاهت عقولهم فيقول لهم عِنْد ذَلِكَ- يعني المرسلين- «ماذا أُجِبْتُمْ فِي التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا» إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- ١٠٩- ثُمّ رجعت عقولهم بعد ذَلِكَ إليهم فشهدوا عَلَى قومهم أنهم قَدْ بلغوا الرسالة عن ربهم فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: «وَيَقُولُ الْأَشْهادُ» : يعني الأنبياء هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ «٢» .
قوله- سُبْحَانَهُ-: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فِي الآخرة اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ يعني مريم- ﵉ «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ» «٣» :
فالنعمة عَلَى عِيسَى حين أيده بروح القدس يعني جبريل- ﵇ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَتكلمهم كَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني خط الكتاب بيده وَالْحِكْمَةَ يعني الفهم والعلم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني علم التوراة والإنجيل وجعله نبيا ورسولا إلى بني إِسْرَائِيل وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ «٤» يعنى الخفاش بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها يعني فِي الهيئة فَتَكُونُ طَيْراً «٥» بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ «٦» يعني الأعمى الَّذِي يَخْرُج من بطن أمه أعمى وَيبرئ الْأَبْرَصَ يمسحهما بيده فيبرئهما بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي أحياء
стр. 377
وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أى عن قتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ «وهي إحياء سام ابن نوح بإذن اللَّه» «١» .
فيقوم عِيسَى- ﷺ يوم الْقِيَامَة بهؤلاء الكلمات خطيبا عَلَى رءوس الخلائق، ويخطب إبليس لعنه اللَّه عَلَى أَهْل النار بهذه الآية إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ ... [١١١ ب] إلى قوله «بِمُصْرِخِكُمْ» يعني بمانعكم من العذاب «وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» يعنى بمانعي من العذاب «إِنِّي كَفَرْتُ» يعني تبرأت بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ «٢» أى فى دار الدُّنْيَا. وأمّا النعمة عَلَى مريم- ﵍ فهي أَنَّهُ اصطفاها يعني اختارها وطهرها من الإثم واختارها عَلَى نساء العالمين وجعلها زَوْجَة محمد- ﷺ فِي الجنة.
قوله- سبحانه-: «تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» «٣» يعني تكلم بني إسرائيل صبيا فِي المهد حين جاءت به أمه تحمله، «وَيكلمهم كَهْلًا» حين اجتمع واستوت لحيته «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ» يعني خط الكتاب بيده «وَالْحِكْمَةَ» يعني الفهم والعلم «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ» يعني الخفاش «فَتَنْفُخُ فِيها» يعني فِي الهيئة «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ» الَّذِي يَخْرُج من بطن أُمّه أعمى فكان عِيسَى- ﵇ «٤» - يرد إِلَيْهِ بصره بإذن اللَّه- تَعَالَى-: «فيمسح بيده عَلَيْه فإذا هُوَ صحيح بإذن الله» «٥» وأحيا سام
стр. 378
ابن نوح بإذن اللَّه حيث كلمه الناس ثُمّ مات فعاد كَمَا كان «وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ» يعني عن قتلك حين رفعه اللَّه- إِلَيْهِ «وَقُتِلَ» «١» شبيهه وَهُوَ الرقيب الَّذِي كان عليه «إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» يعني بالعجائب التي كان يصنعها من إبراء الأكمه والأبرص والموتى والطائر ونحوه «٢» .
فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني من اليهود من بني إِسْرَائِيل إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ- ١١٠- يعني ما هَذَا الَّذِي يصنع عِيسَى من الأعاجيب إِلَّا سحر مبين يعني بين، نظيرها فى الصف وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ وهم القصارون مبيضو الثياب وكانوا اثني عشر رَجُلا والوحي إليهم من اللَّه- هُوَ إلهام قذف فِي قلوبهم التصديق بِاللَّه- بأنه واحد لا شريك له فذلك قوله- أَنْ آمِنُوا بِي أن صدقوا بأني واحد لَيْسَ معي شريك وَبِرَسُولِي عِيسَى ابْن مريم أنه نَبِيّ رسول قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بما جاء به من عِنْد اللَّه ونشهد أن اللَّه- واحد لا شريك لَهُ، وأنك رسوله وَاشْهَدْ يا عِيسَى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ- ١١١- يعني مخلصون بالتوحيد إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ يَقُولُ هَلْ يقدر عَلَى أن يعطيك ربك إن سَأَلْتُهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ فلا تسألوه البلاء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- ١١٢- فَإِنَّهَا إن نزلت ثُمّ كذبتم عوقبتم قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها فقد جعنا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا يعني وتسكن قلوبنا إلى ما تدعونا إِلَيْهِ وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك نبى [١١٢ أ] رسول وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ- ١١٣- يعني عَلَى المائدة عِنْد بني إِسْرَائِيل إذا رجعنا إليهم وكان القوم الذين
стр. 379
خرجوا وسألوا المائدة خمسة آلاف بطريق وهم الَّذِين سألوا المائدة مَعَ الحواريين قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- ﷺ عِنْد ذَلِكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يَقُولُ تكون عيدا لمن كان فِي زماننا عِنْد نزول المائدة وتكون عيدا لمن بعدنا وَتكون المائدة آيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا يعنى المائدة وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- ١١٤- من غيرك يَقُولُ فإنك خير من يرزق قالَ اللَّهُ- إِنِّي مُنَزِّلُها يعني المائدة عَلَيْكُمْ فنزلها يوم الأحد فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ نزول المائدة مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ- ١١٥- فنزلت من السماء عَلَيْهَا سمك طري وخبز رقاق وتمر، وذكروا أن عِيسَى- ﷺ قَالَ لأصحابه، وهم جلوس فِي روضة، هَلْ مَعَ أحد منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من سويق فعمد عِيسَى- ﷺ فقطعهما صغارا وكسر «الخبز فوضعها» «١» فلقا فلقا ووضع السويق فتوضأ ثُمّ صلى ركعتين ودعا ربه- فألقى الله- عَلَى أصحابه شبه السبات ففتح القوم أعينهم فزاد الطعام حَتَّى بلغ الركب «٢» ، فَقَالَ عِيسَى- ﷺ للقوم كلوا وسموا اللَّه- وَلا ترفعوا، وأمرهم أن يجلسوا حلقا حلقا فجلسوا فأكلوا حَتَّى شبعوا وهم خمسة آلاف رَجُل، وهذا ليلة الأحد ويوم الأحد، فنادى عِيسَى- ﷺ فَقَالَ: أكلتم؟ قَالُوا:
نعم. قَالَ: لا ترفعوا. قَالُوا: لا نرفع، فرفعوا فبلغ ما رفعوا من الْفَضْل أربعة
стр. 380
وعشرين مكتلا «١» فآمنوا عِنْد ذَلِكَ بعيسى- ﷺ وصدقوا به، ثُمّ رجعوا إلى قومهم اليهود من بني إِسْرَائِيل ومعهم فضل المائدة فلم يزالوا بهم حَتَّى ارتدوا عن الإسلام فكفروا بِاللَّه، وجحدوا بنزول المائدة فمسخهم اللَّه- وهم نيام خنازير وليس فيهم صبي وَلا امرأة وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ يعني بني إِسْرَائِيل فِي الدُّنْيَا اتَّخِذُونِي وَأُمِّي مريم إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ فنزه الرب- أن يَكُون أمرهم بذلك فقال: ما يَكُونُ لِي يعني ما ينبغي لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يعني بعدل أن يعبدوا غيرك إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ لهم فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي يعني ما كان مني وما يَكُون وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ يقول ولا أطلع على [١١٢ ب] غيبك. وقَالَ أيضًا: وَلا أَعْلَم ما فِي علمك، ما كان منك وما يَكُون إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- ١١٦- يعني غيب ما كان وغيب ما يَكُون ما قُلْتُ لَهُمْ وأنت تعلم إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ فى الدنيا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا اللَّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ قَالَ لهم عِيسَى- ﷺ ذَلِكَ فِي هذه السورة، وَفِي كهيعص «٢» ، وَفِي الزخرف «٣» وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يعني عَلَى بني إِسْرَائِيل بأن قَدْ بلغتهم الرسالة ما دُمْتُ فِيهِمْ يقول ما كُنْت بين أظهرهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يَقُولُ فَلَمَّا بلغ بي أجل الموت فمت كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يعنى
стр. 381
الحفيظ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ- ١١٧- يعني شاهدا بما أمرتهم من التوحيد وشهيد عليهم بما قَالُوا من البهتان وإنما قَالَ اللَّه- «وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» وَلَم يقل «وإذ يَقُولُ يا عِيسَى ابن مريم» لأنه قَالَ- سُبْحَانَهُ- قبل ذكر عِيسَى يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ قَالُوا:
يومئذ- وَهُوَ يوم الْقِيَامَة- حين يفرغ من مخاصمة الرسل، «فينادي» «١» أَيْنَ عِيسَى ابْن مريم فيقوم عِيسَى- ﷺ شفق فرق يرعد رعدة حَتَّى يقف بين يدي اللَّه- يا عِيسَى، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وكما قال- سبحانه-: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٢» فَلَمَّا دخلوا الجنة قَالَ: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ «٣» فنسق بالماضي عَلَى الماضي والمعنى مستقبل ولو لَمْ يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال فى الكلام الأول وينادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ «٤» . وكل شيء فى القرآن على
стр. 382
هَذَا النحو «١» .
ثُمّ قَالَ عِيسَى- ﷺ لربه- فِي الآخرة يا رب غبت عَنْهُمْ وتركتهم عَلَى الحق الَّذِي أمرتني به فلم أدر ما أحدثوا بعدي ف إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فتميتهم عَلَى ما قَالُوا من البهتان والكفر فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت خلقتهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتتوب عليهم وتهديهم إلى الْإِيمَان والمغفرة بعد الهداية إلى الْإِيمَان فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- ١١٨- فِي ملكك، الحكيم فِي أمرك وَفِي قراءة ابْن مَسْعُود «فإنك أنت الغفور الرحيم» نظيرها فى سورة إِبْرَاهِيم- ﵇ فِي مخاطبة إِبْرَاهِيم «وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «٢» وهي كذلك أيضا فِي قراءة عَبْد اللَّه بن مَسْعُود، قالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ يعني النبيين بما قَالُوا فِي الدُّنْيَا، فكان عِيسَى صادقا فيما قَالَ لربه فِي الآخرة «مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ» فصدقه اللَّه بقوله فِي الدُّنْيَا، وصدقه فِي الآخرة
стр. 383
حين خطب عَلَى الناس ثُمّ قَالَ: لَهُمْ يعني للصادقين «١» جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يموتون ﵃ بالطاعة وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب ذلِكَ الثواب الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- ١١٩- يعني النجاء العظيم. ثُمّ عظم الرب- ﷻ نفسه عما قَالَت النصارى من البهتان والزور أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا زعمت وأنه واحد لا شريك له فقال- سبحانه-: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ من الخلق عِيسَى ابْن مريم وغيره من الملائكة والخلق عباده وَفِي ملكه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من خلق عِيسَى من غَيْر أب وغيره قَدِيرٌ- ١٢٠-
_________
وظهور أمارات القيامة وعلاماتها فى الزمن الأخير. وذكر جزاء الحسنة بعشر أمثالها، وتبرؤ الرسول من الشرك والمشركين، ورجوعه إلى الحق فى محياه ومماته وذكر خلافة الخلائق وتفاوت درجاتهم وختم السورة بذكر سرعة عقوبة الله لمستحقيها، ورحمته ومغفرته لمستوجبيها بقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
[وعدد كلمات سورة الأنعام ٣٠٥٢ ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة] .
[وفواصل آياتها: (ل م ن ظ ر) يجمعها (لم نظر) ] .
(انظر بصائر ذوى التمييز للفيروزآبادي ص ١٨٦) .
стр. 388
بسم الله الرحمن الرحيم [سورة الأنعام] مكية كلها إِلَّا هَذِهِ الآيات. نزلت بالمدينة ونزلت ليلا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي.
والآيات المدنية هِيَ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... إلى قوله « ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
وهي الآيات المحكمات «١» .
وقوله: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... » إلى آخر الآية «٢» .
стр. 389
وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ... «١» نزلت فِي مسيلمة، وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ... نزلت فى عهد عبد الله ابن سعد بن أَبِي سرح.
وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ... «٢» .
وقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ... «٣» ،
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ... «٤» .
هَذِهِ الآيات مدنيات، وسائرها مكّيّ.
نزل بها جبريل- ﵇ ومعه سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السماء والأرض لهم زجل بالتسبيح والتمجيد والتحميد حَتَّى كادت الأرض أن ترتج فَقَالَ النَّبِيّ- ﷺ : سبحان الله العظيم وبحمده وخر النبي ساجدا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب، وذلك أن قريشا قَالُوا للنبي- ﷺ : من ربك! فَقَالَ: «ربي الأحد الصَّمد الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ وَلَم يَكُنْ لَهُ كفوا أحد» فقالوا: أَنْت كَذَّاب ما اختصك اللَّه بشيء وما أنت عَلَيْه بأكرم منا فأنزل الله- .
стр. 390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فحمد نفسه ودل بصنعه عَلَى توحيده الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يخلقهما باطلا خلقهما لأمر هُوَ كائن وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الليل والنهار ثُمّ رجع إلى أَهْل مكة فقال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ- ١- يعني يشركون هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني آدم- ﵇ لأنكم من ذريته ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل ابْن آدم من يوم [١١٣ ب] وُلِد إلى أن يموت وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يعني البرزخ منذ يوم وُلِد إلى يوم يموت، إلى يوم الْقِيَامَة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ- ٢- يعني تشكون فِي البعث يعني كفار مكة وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ أَنَّهُ واحد وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني سر أعمالكم وجهرها وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ- ٣- يعنى ما تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ يعني انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ- ٤- فلم لا يتفكرون فيها فيعتبروا فِي توحيد اللَّه فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يعني القرآن حين جاءهم به محمد- ﷺ استهزءوا بالقرآن بأنه لَيْسَ من اللَّه، يعني كفار مكة منهم أَبُو جهل بن هِشَام، والوليد بن المُغِيرَة، ومنبه ونبيه ابنا الحَجَّاج والعاص بن وائل السهمي، وأبى بن خلف، وعقبة